← Тафсир

Тафсир · id 16360

التفسير النبوي

خالد الباتلي

Полный текст (927 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الصندوق الخيري لِنَشر البُحوثِ وَالرسَائِل العِلميَّة (٥٤) الدرَاسَات الحديثيّة (٥) التَّفْسيرُ النَّبويُّ مُقَدِّمَةٌ تَأْصِيلِيَّةٌ مَعَ دِرَاسَةٍ حَدِيثِيَّةٍ لِأَحَادِيثِ التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ الصَّريح تأليف خالد بن عبد العزيز الباتلي الجزء الأول دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع

стр. 2

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أصل هذا الكتاب رسالة علمية تقدم بها الباحث لنيل درجة الدكتوراه من قسم السنة وعلومها، كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -الرياض. نوقشت في شهر محرم عام ١٤٢٩ هـ, وتكونت لجنة المناقشة من: [١] أ. د. إبراهيم بن محمد الصبيحي ......................... مقررًا. [٢] د. أنيس بن أحمد جمال ................................. عضوًا. [٣] د. عبد الله بن عبد الرحمن الشريف ....................... عضواً. وقد أجيزت الرسالة بتقدير ممتاز.

стр. 3

التفسير النبوي [١]

стр. 4

(ح) دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع الرياض ١٤٣١ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الباتلي، خالد بن عبد العزيز بن حمد التفسير النبوي/ مقدمة تأصيلية، مع دراسة حديثية لأحاديث التفسير النبوي الصريح. خالد بن عبد العزيز بن حمد الباتلي - الرياض ١٤٣١ هـ. ٢ مج. ٥٣٢ صفحة ١٧ × ٢٤ ردمكـ: ٤ - ٤٣ - ٨٠٥٥ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ١ - ٤٤ - ٨٠٥٥ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ١) ١ - القرآن - التفسير بالمأثور ... أ. العنوان ديوي ٢٢٧.٣٢ ... ٧٦٣٥/ ١٤٣١ رقم الإيداع: ٧٦٣٥/ ١٤٣١ هـ ردمكـ ٤ - ٤٣ - ٨٠٥٥ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ١ - ٤٤ - ٨٠٥٥ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ١) ساعد على نشره ليباع بسعر التكلفة فاعل خير جزاه الله خير الجزاء وغفر له ولوالديه جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية ص. ب ٢٧٢٦١ الرياض ١١٤١٧ هاتف: ٤٩١٤٧٧٦ - ٤٧٧٣٩٥٩ - ٤٩٦٨٩٩٤ فاكس: ٤٤٥٣٢٠٣ E-mail:eshbelia@hotmail.com

стр. 5

المقدمة الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمن نذيرا، وبشر به المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيرًا، والصلاة والسلام على من أرسله ربه شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا .. أما بعد: فإن كتابَ الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ؛ فيهما العصمة من الضلالة، والسلامة من الغواية، وإليهما المفزع عند ورود الشبهات، وهما ينبوع العلم، وكلية الشريعة، وعمدة الملة. وهما لطالب العلم كالجناحين للطائر لا يطير إلا بهما، لا يترك ما جاء فيهما لقول أحد من الأنام، ولا تأخذه في نصرتهما ملامة اللوام، بل هما أجلُّ في صدره من أن يقدِّم عليهما رأيًا فقهيًا، أو بحثًا جدليًا، أو غيرهما. قال الإمام البخاري، ﵀: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا إنما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم، ليس بينهم رأي ولا قياس (١). وبناء على ما سبق فقد هداني الله تعالى إلى موضوع يجمع بين هذين الأصلين، ويطرق ذينك المصدرين، وهو: (التفسير النبوي: مقدمة تأصيلية, مع دراسة حديثية لأحاديث التفسير النبوي الصريح). أهمية الموضوع: تتجلى أهمية هذا الموضوع فيما يأتي: ١ - المنزلة السامية التي يتبوأها هذا الموضوع، فهو يتعلق بكتاب الله تعالى، وسنَّة نبيه ﷺ ، وهما المصدران الأولان في التشريع الإسلامي. ٢ - حيوية الموضوع، فهو يطرق تفسير كلام الله تعالى من سنة نبيه ﷺ ، وهذا مما يهم كل مسلم فضلاً عن طالب العلم، لأنه ما من مسلم إلا وهو يقرأ ويسمع من كتاب الله تعالى في كل يوم وليلة. قال الإمام الطبري: "إني لأعجبُ ممن قرأ القرآن ولم يعلَم تأويلَه، كيف يلتذُّ بقراءته؟! " (٢).

стр. 6

٣ - أن الرجوع إلى التفسير النبوي في بيان معاني كلام الله أسلمُ الطرق وأقربها لفهم الآية على وجهها الصحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، فين أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له" (١). أسباب الاختيار: قد دعاني إلى اختيار هذا الموضوع عدة أمور، منها ما سبق ذكره في بيان أهمية الموضوع، إضافة إلى ما يأتي: ١ - أن هذا الموضوع جمع بين الكتاب والسنة، وكفى بهذا شرفًا ومحفزًا، ومثيرًا للعزائم والهمم للبحث فيه، وصرف الوقت في الاشتغال به. ٢ - الثمرة المرجوة من هذا العلم، فين جمع ما ورد عن النبي ﷺ في تفسير كلام الله تعالى بين دفتين مع دراسته حديثيًا، والحكم على تلك المرويات؛ يفيد طلاب العلم كثيرًا على اختلاف تخصصاتهم، ويضيف إضافة مهمة للمكتبة القرآنية والحديثية. ٣ - أن هذا البحث يتطلب النظر في كتب المحدثين والمفسرين، وفي هذا من النفع والفائدة ما لا يخفى. ٤ - الرغبة في التزود من هذا العلم -علم الحديث ونقد المرويات- والتعرف على مناهج العلماء في دراسة الأحاديث وتعليلها والحكم عليها، وممارسة ذلك عمليًا. ٥ - التشرف بخدمة الكتاب والسنة، وتقريب هذا الباب إلى طلحة العلم بجمع أحاديثه ودراستها في بحث مستقل. أهداف الموضوع: ١ - ربط الأمة بكتاب ربها تعالى من خلال أعرف الناس به وأفقههم فيه، وهو رسول الهدى ﵁

стр. 7

قال الإمام الزركشي: "لطالب التفسير مآخذ كثيرة، أمهاتها أربعة: الأول: النقل عن رسول الله ﷺ ، وهذا هو الطراز الأول، لكن يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع، فإنه كثير .. " (١). ٢ - جمع المرويات النبوية في تفسير كلام الله تعالى، وتناولها بالدراسة الحديثية المفصلة بناء على قواعد أهل الحديث وضوابطهم. قال ابن عاشور -في سياق كلامه على تفسير يحيى بن سلام (ت ٢٠٠ هـ) -: "وقد اقتضى ذلك لا محالة؛ اشتمال الكتاب الواحد في الآية الواحدة على أخبار متخالفة، وآثار متفاوتة الدرجات من حيث مظنة الثبوت، لقوة الأسانيد وضعفها، فتطلب ذلك رجوعا إلى تلك الأخبار بالنقد والتمحيص" (٢). ٣ - التمييز بين السقيم والصحيح في مرويات التفسير الصريح عن النبي ﷺ قال عبد الرحمن بن مهدي: "لا يجوز أن يكون الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم" (٣). ٤ - معرفة مقدار الآيات التي ورد تفسيرها نصًا صريحًا في السنة النبوية. ٥ - إخراج النتيجة المستفادة في نسبة الضعف في أحاديث التفسير، حيث اشتهر أن الغالب على أحاديث التفسير الضعف. لهذا، وبعد الاستشارة عقدت العزم عليه، وكانت نواة الموضوع حين طالعت ما ذكره السيوطي، ﵀، في آخر كتابه (الإتقان في علوم القرآن) (٤) حيث ساق ما ورد عن

стр. 8

النبي ﷺ من التفاسير المصرح برفعها إليه، وكان مجموع ما ذكره: (٢٤٤) حديثاً، منها (٢٧) حديثاً في الصحيحين أو أحدهما. ثم تابعت البحث على هذا الشرط، فجردت "كتاب التفسير" من (جامع الأصول) (١) لابن الأثير، ثم "كتاب التفسير" من (مجمع الزوائد) (٢) للهيثمي، ثم "كتاب التفسير" من مستدرك الحاكم (٣)، ثم تابعت البحث في متفرقات من الكتب، ووقفت على أحاديث لم تذكر في المصادر السابقة، وكنت خلال ذلك أجمع ما يقع تحت شرط البحث، ثم تأملت الأحاديث المتحصلة، وأعدت النظر في اندراجها تحت شرط البحث، وحذفت ما رأيت عدم صلاحيته، حتى استقر الأمر على ما تراه بين يديك، وهو (٣١٨) حديثا. ولست أزعم أن هذا العدد قطعي لا يزيد ولا ينقص، بل هذا مبلغ علمي، وربما يقف غيري على أحاديث تندرج تحت شرط البحث لم أقف عليها، وكذا ربما ينازع في بعض الأحاديث التي أدرجتها، والمسألة اجتهادية، وسيأتي مزيد بيان في عرض منهج البحث. الدراسات السابقة: بعد تصور هذا الموضوع، والعزم عليه، بحثت في الدراسات السابقة لهذا الموضوع عن طريق البحث الحاسوبي، وسؤال بعض أهل الخبرة والتخصص في قسم القرآن وقسم السنة، فتحصل لدي ما يلي (٤):

стр. 9

١ - التفسير الصحيح: موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور . جمعه: أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين، أستاذ التفسير في كلية القرآن الكريم والدراسات العليا، في الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة. وصدر الكتاب في أربعة مجلدات، عام ١٤٢٠ هـ. موضوع الكتاب: جمع الأحاديث والآثار الواردة في تفسير كلام الله تعالى مقتصرًا على الصحيح فقط. ويبين عن هذا بقوله في المقدمة ص ٦: "جاءت فكرة تصنيف هذا الكتاب حيث قررت أن أجمع كل ما صح إسناده من التفسير بالمأثور، لأن الرواية التفسيرية الصحيحة تتقبلها النفوس، إن كانت صادقة، بكل اطمئنان، وتأخذها بقوة وجدية وخصوصًا إذا كانت الرواية من الصحيحين أو على شرطهما أو على شرط أحدهما، أو صحح تلك الرواية بعض النقاد المعتمدين". ترتيب الكتاب: * ابتدأ الكتاب بمقدمة طويلة استغرقت ما يقارب ٦٠ صفحة ذكر فيها: - أهمية علم التفسير، وفضله، وتاريخه، وموضوعه , وغايته. - أهمية التفسير بالمأثور، ومنزلته. - فكرة الكتاب، وموضوعه، وفائدة الاقتصار على الصحيح في ذلك. - نشأة علم التفسير، ومراحل ذلك في عمر النبوة والصحابة والتابعين. - تدوين التفسير بالمأثور، وفيه عرض لما صنف من الكتب المسندة في التفسير إلى القرن الرابع الهجري. - الإشارة إلى المنهج الدقيق في رواية الأخبار وقبولها عند أهل العلم، لاسيما المحدثين منهم.

стр. 10

- الأسباب التي دعته إلى تأليف الكتاب وجمعه. - المنهج في الجمع والتخريج والاختصار. - جمع الطرق المتكررة إلى مشاهير الصحابة والتابعين في التفسير، والكلام عليها من حيث القبول والرد. * إيراد مرويات التفسير بالمأثور مرتبة على حسب سور القرآن وفق منهج سيأتي الكلام عليه، إن شاء الله. * ختم الكتاب بفهرس المصادر والمراجع، وفهرس المحتويات. منهج المؤلف في كتابه: أبان المؤلف عن منهجه في كتابه بقوله ص ٣١ من المقدمة: "بدأت التفسير مصدرًا السورة بفضائلها إن صحت الرواية، ثم بتفسير القرآن بالقرآن إن وجد وهو قمة البيان، وغالبًا ما أعتمد على كتاب أضواء البيان، ثم تفسير ابن كثير، وتفسير القاسمي. وقد سلكت هذا الطريق متحريًا ما ثبت عن رسول الله ﷺ القائل: (ألا إني أوتيت هذا الكتاب ومثله معه)، وقدمت ما اتفق عليه الشيخان في صحيحيهما، ثم ما انفرد به أحدهما ولا داعي لتخريج الحديث من مصادر أخرى لأن هدفي من التخريج التوصل إلى صحة الحديث وكفى بإطباق الأمة على صحتهما. وتركت كل ضعيف وموضوع، وإذا لم أجد الحديث في الصحيحن أو في أحدهما ألجأ إلى كتب التفسير وعلوم القرآن المسندة كفضائل القرآن وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وإلى كتب الصحاح والسنن والمسانيد والمصنفات والجوامع وغيرها من كتب السيرة والتاريخ والعقيدة المسندة, مبتدئًا بالأعلى سندًا، أو بما حكم عليه الأئمة النقاد المعتمدين، وأقوم

стр. 11

بتخريجه تخريجًا يوصلني إلى صحة الإسناد أو حسنه، مستأنسًا بحكم النقاد الجهابذة، فإذا لم أجد حديثًا مرفوعًا؛ فأرجع إلى أقوال الصحابة الذين شهدوا التنزيل. أما إذا وجدت الحديث المرفوع الثابت فقد أسوق معه بعض أقوال الصحابة الثابتة إذا كان فيها زيادة فائدة، وإذا لم يكن فيها فأكتفي بما ثبت من الحديث الشريف، وقد أوردت أقوال الصحابة رضوان الله عليهم بأصح الأسانيد عنهم. علمًا بأن بعض الأحاديث لا يندرج تحت التفسير مباشرة وإنما لها علاقة وتتناسب مع الآية المراد تفسيرها. فإذا لم أعثر على قول صحابي فحينئذ ألجأ إلى ما ثبت من أقوال التابعين. وبالنسبة لأقوال الصحابة والتابعين فأغلبها كتب ونسخ رويت بأسانيد متكررة". المقارنة بين العملين: ١ - اعتنى المؤلف، وفقه الله بجمع كل ما يتصل بالتفسير بالمأثور من الأحاديث المرفوعة وأقوال الصحابة والتابعين، في حين أن عملي مقصور على الأحاديث المرفوعة فقط. ٢ - سلك منهج الاقتصار على الصحيح فقط، حيث يقول في مقدمته ص ٦: "قررت أن أجمع كل ما صح إسناده من التفسير بالمأثور .. ". وفي ص ٣٢ يقول: "تركت كل ضعيف وموضوع ". لهذا فقد خلا الكتاب من جم غفير من الأحاديث المرفوعة في تفسير القرآن العظيم، وفي هذا إعواز لا يخفى، وتفويت لحاجة ينشدها المفسر والأصولي والمتفقه وغيرهم. ٣ - يعد منهجه في اختيار أحاديث التفسير أعم وأشمل فهو يورد الأحاديث المرفوعة التي تتصل بموضوع الآية وإن لم تكن تفسيرًا مباشرًا للآية. وهذا مما طول الكتاب، والغالب أن من أراد جمع الأحاديث الواردة في موضوع معين أن يرجع إلى كتب الجوامع مثل: "جامع الأصول" و"مجمع الزوائد" ونحوهما. وقد نص على هذا في المقدمة فقال ص ٣٢: " .. علمًا بأن بعض الأحاديث لا يندرج تحت التفسير مباشرة، وإنما لها علاقة وتتناسب مع الآية المراد تفسيرها".

стр. 12

المنهج الحديثي: يتلخص منهج المؤلف، من الناحية الحديثية؛ أنه يسوق الحديث مسندًا من أحد المصادر الأصلية، ثم يخرجه، ثم ينقل أحكام المحدثين عليه من المتقدمين أو المتأخرين. والعجيب أنه ذكر في المقدمة ص ٥٩، لما أشار إلى أسانيد المرويات التي يذكرها، قال: "أنظر في رجالها من حيث التوثيق والتضعيف وذلك بعد التأكد من معرفة الرجل نفسه وطبقته وإذا كان الراوي من رجال الكتب الستة فترجمته من (تقريب التهذيب) أو (تهذيب التهذيب) أو كليهما، ولم أذكر موضع الترجمة لسهولة الرجوع إليها ولعدم الإطالة، أما إذا كان الراوي من غير رجال الكتب الستة؛ فأذكر موضع ترجمته من المصادر التي تتناول الجرح والتعديل. فإذا كان الراوي ثقة فأشير إلى ذلك وإذا كان الراوي ممن اختلف فيه فأنظر في أقوال النقاد جرحاً وتعديلًا، ثم أغربل أقوالهم وأرجح أقوال المعتدلين القوية تاركًا أقوال المتشددين إذا تفردوا وأقوال المتساهلين إذا خالفوا غيرهم، ولا أعتبر أقوال النقاد الذين لا يعتد بهم بسبب قادح فيهم عند أهل السنة والجماعة، وأستأنس بمن يعول عليه في هذا الشأن وخصوصًا المعتدلين من المتقدمين والمتأخرين. وبالنسبة لمعرفة اتصال الإسناد فإن كان الراوي من رجال الصحيحين وصيغ أدائه كما في الصحيحين أو أحدهما فأعتبر الإسناد متصلاً، وإذا كان الراوي من غير رجال الصحيحين فأنظر إلى طبقته واحتمال لقائه مع شيخه وأقرانه من خلال تواريخ البلدان والمواليد والوفيات ثم الرجوع إلى كتب العلل والمراسيل والتدليس. ولم أذكر شيئًا من هذا في الكتاب سوى ما ورد بأن فلانًا معروف بالرواية عن فلان، أو بأنه لم يلق فلانًا، أو أن

стр. 13

فلانًا من المدلسين وما ذكرته من مدلسين فهو من كتاب (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس) للحافظ ابن حجر، وكل ذلك للاختصار وطول المشوار". والواقع أن الشيخ لم يتعرض لتراجم الرواة ودراسة الأسانيد، فضلاً عما يتبع ذلك في الصناعة الحديثية، وإنما جادته في الكتاب كما قدمت: يسوق الخبر مسندًا، ثم يخرجه، ثم ينقل الحكم عليه مختصراً. واعتماده واضح جداً على كتب الشيخ الألباني ﵀، فقلما يخلو حديث خارج الصحيحين من ذكر حكمه عليه. إضافة إلى غيره من المتأخرين كالشيخ أحمد شاكر ﵀، والشيخ مقبل الوادعي ﵀. انظر على سبيل المثال ١: ٦٩، ١٦٨، ١٨٧. وفي هذه النقطة يظهر الفرق بين العملين، بالمقارنة مع منهجي في الدراسة الحديثية للمرويات. ٢ - ما صح تفسيره من القرآن الكريم عن النبي ﷺ فى النصف الأول من القرآن الكريم: وهي رسالة ماجستير للباحث الشيخ عواد بن بلال معيض الزويرعي العوفي، مقدمة إلى قسم التفسير، كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية، والرسالة مسجلة عام ١٤٠٠هـ وتقع في (٣٨٨) صفحة مع الفهارس، وأشرف عليها الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله. والرسالة في تخصص التفسير، وهي مقصورة على الصحيح حيث نص في مقدمته على أنه اقتصر على ما كان مرفوعاً متصلاً صحيح الإسناد أو حسنه. وقد لفت نظري أثناء تتبع الأحاديث في هذا الموضوع أن الغالب عليها الضعف، فمن القصور الاقتصار على الصحيح فقط، لاسيما ومسألة التصحيح والتضعيف مسألة

стр. 14

اجتهادية بين أهل العلم تأصيلاً وتطبيقاً. قال الإمام أحمد، ﵀: "ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير" (١). وقال الإمام الترمذي ﵀: "قد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال كما اختلفوا في سوى ذلك من العلم" (٢).

стр. 15

وهذه الرسالة مضى عليها ما يقارب ربع القرن، وقد ظهر خلال هذه المدة كتب مفقودة، وحققت كتب سابقة وخدمت أحسن خدمة, وتيسرت سبل البحث، مما يدعو إلى خدمة الموضوع خدمة حديثية نقدية تقوم على مناهج المحدثين في نقد الأحاديث وتعليلها، والحكم عليها. ٣ - التفسير النبوي الصحيح في القرآن الكريم في النصف الثاني من القرآن الكريم: تكملة لموضوع الماجستير، وهي رسالة دكتوراه للباحث السابق نفسه , مسجلة في القسم نفسه عام ١٤٠٣ هـ, ولم يتيسر لي الوقوف عليها بعد البحث عنها في عمادة شؤون المكتبات بالجامعة الإسلامية, ومكتبة الملك فهد الوطنية، ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. والظاهر أنها متممة لرسالة الماجستير السابقة. والله أعلم. ٤ - المعتمد من المنقول فيما أوحي إلى الرسول ﷺ -: تأليف: بهاء الدين حيدر بن علي القاشي (فرغ من كتابته سنة ٧٧٦ هـ)، وطبع في مجلدين. وقسم كتابه إلى ثلاثة أقسام: ١ - السوابق والمقدمات: وذكر فيه ثمانية عشر بابا تتعلق بالوحي، ونزول القرآن، وفضائل القرآن، وفضل قراءاته وآدابها، وبعض مباحث علوم القرآن، وبعض أحكامه. ٢ - المقاصد والمهمات: وذكر فيه ما يتعلق بتفسير القرآن مرتبا على السور، فيبدأ بذكر الغريب من كل سورة معتمدا في الغالب على صحيح البخاري، ثم يذكر ما ورد في تفسير الآيات من الأحاديث والآثار، وما ورد فيها من الفضائل. وذكر أنه اعتمد على كتب الأئمة: مالك بن أنس، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي.

стр. 16

وقال ١: ٢٨: "وما لم أتحقق برواية عن هؤلاء الأئمة، وذكره رزين العبدري في تجريده عبرت عنه بقولي: روي عن فلان كذا، وقليل ما هو .. ولعلك تجد بعض الأحاديث في هذا الكتاب مقطوع الإسناد عمن هو له من الأئمة المذكورين، وذلك قد يكون غفلة مني، وقد يكون لاختلاف النسخ فإذا تحققت أنت فأسنده إلى من هو له". ٣ - اللواحق والمتممات: وذكر فيه ستة أبواب تتعلق بالإيمان بالقرآن، والمنسوخ منه، وفضل القيام بما وختمه، والأدعية المتعلقة به. والملاحظ أن المؤلف لم يذكر ضابطا للأحاديث التي سيوردها في تفسير الآية، وكذا اكتفى بعزو الحديث إلى من أخرجه دون الحكم عليه, فضلا عن دراسة إسناده، بل يظهر لمن طالع الكتاب أن الحديث ليس من بضاعة المؤلف، فهو يجعل من خرج الحديث راويا عن الصحابي، فيقول مثلا: عن الترمذي، عن أنس -رضى الله عنه-، عن رسول الله ﷺ قال .. ، وهكذا جرى في الكتاب. ٥ - الصحيح المسند من التفسير النبوي للقرآن الكريم: للشيخ أبي محمد السيد إبراهيم بن أبو عمه. وطبع عام ١٤١٠ هـ في (١٣٤) صفحة. قال في مقدمته: "ومنهجنا في هذا الكتاب هو تتبع الآيات التي قرأها النبي ﷺ ففسرها .. أو أن النبي ﷺ يفسر الآية ثم يقرأها .. أو أن النبي ﷺ يسأل عن لفظة في الآية فيجيب .. أو يأتي الحديث يفسر لفظة من ألفاظ آية من الآيات .. ". وهو جهد طيب مشكور، لكن يؤخذ عليه: ١ - التزام الاقتصار على الصحيح، وسبق الكلام على هذه المسألة. ٢ - فاته عدد من الأحاديث تدخل تحت هذا الشرط. ٣ - أنه أورد بعض الأحاديث التي قد ينازع في دخولها تحت هذا الشرط.

стр. 17

٤ - أنه خلا من الدراسة الحديثية التي تطمئن القارىء إلى النتيجة التي خلص إليها في الحكم على الحديث بالصحة أو الحسن، فهو يسوق الحديث بإسناده من مصدره الأصلي، ثم يعقبه بالحكم النهائي. ٥ - عدم ترقيم الأحاديث، وإنما اكتفي بسياقها مرتبة على حسب السور، وفي الترقيم فوائد لا تخفى على الباحثين. ومع ذلك فهو عمل طيب يشكر عليه، لسبقه واجتهاده في جمع أحاديث هذا الباب. ٦ - الجواهر واللآلىء المصنوعة في تفسير القرآن العظيم بالأحاديث الصحيحة المرفوعة: تأليف: الشيخ/ عبد الله بن عبد القادر التليدي. وصدر الكتاب عام ١٤٢٤ هـ في مجلدين تضمنا (١١١٩) صفحة. وقد أبان المؤلف عن محتوى الكتاب، ومنهجه فيه , فقال في مقدمته: "عملي في هذا الكتاب بتوفيق الله تعالى وعونه حسب النقاط الآتية: أولًا: أذكر السورة باسمها ونوعها، مكية أو مدنية , ثم عدد آياتها، ثم ما احتوت عليه من المقاصد على سبيل الإجمال. ثانياً: أورد ما اختصت به كل سورة عن غيرها من العلوم والأحكام والأخلاق والعقائد والقصص والحكم والأسرار وما إلى ذلك، وبالرجوع إلى أقرب سورة يعرف القارىء ذلك، وهذا شيء لم أسبق إليه بحمد الله تعالى فيما أعلم، فينبغي أن يضم إلى أنواع علوم القرآن. ثالثاً: أذكر الأحاديث النبوية المرفوعة المتعلقة بالسورة أو الآية أو الكلمة، ويشمل ذلك أحاديث أسباب النزول وهي كثيرة، والناسخ والمنسوخ وهي قليلة, والأحاديث

стр. 18

الشارحة لبعض الآيات او الكلمات، أو بيان لحقائق شرعية، وأحاديث جاء فيها استشهاد النبي ﷺ بآيات، وأحاديث فضائل السور والآيات، وذكر السور التي كان يقرأها في صلاته , وأحاديث سجدات القرآن، إلى غير ذلك مما أورده مفسِّر والسلف الذين استقيت من كتبهم واقتفيت أثرهم. رابعًا: قد أذكر أحيانًا تفاسير بعض الصحابة الموقوفة وخاصةً ما جاء عن الإمام علي وابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، وهي قليلة. خامسًا: وهو مما خص به الكتاب والحمد لله، لا أورد إلا ما كان صحيحاً أو حسنًا أو ما يقاربه من الضعيف الخفيف، كاحأديث ليث بن أبي سليم، وعطاء بن السائب، وعبد الله بن لهيعة، وابن إسحاق مع عنعنته، ونحوهم، وهي أيضًا قليلة. سادسًا: شرحت الأحاديث الواردة في الكتاب مع الآيات وذكرت فوائد وفرائد وتحقيقات لبعض ما اختلف فيه". ويلاحظ مما سبق: (أ) توسع المؤلف في جمع الأحاديث، كما جاء في الفقرة الثالثة، ولذا بلغت الأحاديث في الكتاب (١٣٣٧) حديثا. (ب) التزام الاقتصار على الصحيح، وسبق الكلام على هذه المسألة. ٧ - التفسير النبوي للقرآن الكريم وفضائله: تأليف عبد الباسط محمد خليل. وهو مطبوع عام ١٤٢١ هـ في (٣٢٩) صفحة من القطع الصغير. يقول في مقدمته: "منهجنا في هذا الكتاب تتبع الآيات التي قرأها النبي ﷺ ففسرها .. وأحيانا يفسر النبي ﷺ الآية ثم يقرأها، أو أن يُسأل النبي ﷺ عن تفسير

стр. 19

الآية صراحة .. أو يأتي الحديث ليفسر الآية .. وأحيانا أذكر سبب نزول الآية مما يكون تفسيرا للآية .. وقمت كذلك بتفسير بعض الكلمات الغامضه , وذلك من خلال كتب الشروح .. وقد اعتمدت تفسير (فتح البيان في مقاصد القرآن) لصديق حسن خان في بيان معنى الآيات التي أوردتها في التفسير". ويلاحظ عليه ما يأتي: ١ - أنه توسع في إيراد الأحاديث ولم يلتزم ما ذكره في المنهج، وأضاف إلى ذلك جملة من أحاديث الفضائل. ٢ - فاته عدد من الأحاديث تدخل تحت الشرط الذي ذكره. ٣ - خلا الكتاب من الدراسة الحديثية وفق المنهج الحديثي المعتبر، وإنما اقتصر المؤلف على سياق الحديث، ثم تخريجه من بعض مصادره، وأحيانا يسوق المصادر دون عزو إلى موضع الحديث فيها، كما هو الحال في (الدر المنثور)، ثم ينقل بعض أحكام العلماء عليه من المتقدمين أو المتأخرين، وربما ترك بعض الأحاديث دون حكم عليها مثل الأحاديث رقم: (١١٧) (١٣٢) (١٣٩) (١٦٢) (١٨٠) وغيرها. ٨ - التلازم بين الكتاب والسنة من خلال الكتب الستة: جمع: صالح بن سليمان البقعاوي. قال في مقدمته: "قمت ببحث جمعت فيه الأحاديث والآثار التي ورد فيها ذكر آيات من القرآن الكريم". ولم يفصل في بيان منهجه في الجمع. وبعد استعراض الكتاب، يلاحظ ما يلي: ١ - تقيده بالكتب الستة دون غيرها من دواوين الحديث. ٢ - شموله للأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين.

стр. 20

٣ - ليس في الكتاب أية دراسة حديثية للمرويات، أو ذكر للأسانيد، بل جادة الكتاب إيراد الرواية بذكر الراوي الأعلى، وتخريجها من الكتب الستة، ثم إتباع ذلك بحكم الشيخ الألباني ﵀. ٤ - لم يحرر المؤلف منهجه في الجمع، فهناك أحاديث في الفضائل، وفي أسباب النزول، وفي القراءات، وفي مشكل القرآن. ٩ - جامع التفسير من كتب الأحاديث: أشرف على إخراجه/ خالد بن عبد القادر آل عقدة. ويقع الكتاب في أربعة مجلدات. ويقال في هذا الكتاب النقاط الثلاث الأولى في سابقه تماما، سوى أنه زاد في مراجعه مسند الإمام أحمد. وأما منهج الجمع فقد توسعوا فيه، كما جاء في (ضوابط العمل) من المقدمة، وفيه: "ترتيب الأحاديث والآثار ترتيبا موضوعيا حسب الآتي: أ. ما جاء في اسم السورة. ب. ما جاء في فضل السورة. ج. ما جاء في نزول السورة. د. أحكام متعلقة بالسورة. هـ. المناسبة المتعلقة بالسورة .. ثم بالنسبة للآية: أ. ما جاء في فضل الآية. ب. ما جاء في نزول الآية. ج. ما جاء في تفسير الآية. د. قراءات واردة في الآية. هـ. أحكام متعلقة بالآية. و. المناسبة المتعلقة بالآية" (١). خطه البحث: جعلت خطبة هذا البحث في مقدمة وقسمين وخاتمة وفهارس على النحو التالي: المقدمة: وتتضمن أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وخطة البحث فيه، والمنهج المتبع في ذلك. القسم الأول: الدراسة التأصيلية. وفيه ثلاثة فصول:

стр. 21

الفصل الأول: بيان الرسول ﷺ للقرآن. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أهمية الرجوع للسنة في تفسير القرآن الكريم. المبحث الثاني: هل فسر الرسول ﷺ القرآن كله أو بعضه؟ المبحث الثالث: أنواع البيان النبوي للقرآن الكريم، وصوره. الفصل الثاني: خطر القول في القرآن بغير علم. الفصل الثالث: عناية المحدثين بعلم التفسير. القسم الثاني: جمع ودراسة الأحاديث المرفوعة في التفسير الصريح مرتبة على سور القرآن الكريم. وهو مقصود البحث. الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات. الفهارس الفنية. منهح البحث: سوف أسلك في بحث الموضوع المنهج الآتي -إن شاء الله تعالى-: ١ - أجمع الأحاديث المرفوعة التي أفادت تفسير الآية أو لفظة منها إفادة مباشرة للمعنى، وهو التفسير اللفظي الصريح (١)، ولم أتقيد بكتاب، أو مرتبة من مراتب قبول الأحاديث أو ردها، بل أجمع كل ما أقف عليه مسندا تحت هذا الشرط.

стр. 22

قال الحافظ أبو عبد الله الحاكم: "ولعل قائلا يقول: وما الغرض في تخريج ما لا يصح سنده، ولا يعدل رواته؟ والجواب عن ذلك من أوجه: منها: أن الجرح والتعديل مختلف فيهما، وربما عدَّل إمام وجرح غيره. وكذلك الإرسال مختلف فيه، فمن الأئمة من رأى الحجة بها، ومنهم من أبطلها. والأصل فيه: الاقتداء بالأئمة الماضين ﵃ أجمعين، كانوا يحدثون عن الثقات وغيرهم، وإذا سئلوا عنهم بينوا أحوالهم" (١). وقال الخطيب البغدادي: "وليس يعيب طالب الحديث أن يكتب عن الضعفاء والمطعون فيهم، فإن الحفاظ ما زالوا يكتبون الروايات الضعيفة، والأحاديث المقلوبة، والأسانيد المركبة؛ لينقروا عن واضعيها، ويبينوا حال من أخطأ فيها" (٢). ٢ - أكتب نص الآية التي ورد تفسيرها عن النبي ﷺ بالرسم العثماني. ٣ - أسوق الحديث مسندًا من أحد المصادر التي أخرجته, مقدمًا أعلاها إسنادًا، لشرف العلو عند المحدثين. ٤ - أخرج الحديث من المصادر الأصلية فين كان الحديث في الصحيحن أو أحدهما؛ فإنني أكتفي في ذلك بالكتب التسعة، ولا أتجاوزها إلا لفائدة. وإن كان في غيرها فإنني أتوسع في التخريج بحسب الحاجة مراعيًا تقديم الأشهر ثم الأقدم وفاة، مع التنبه إلى إدراج المتابعات التامة في مواضعها أثناء سياق المصادر. ٥ - الحكم على الإسناد بعد النظر في أحوال رجاله (٣)، وتحقق اتصاله أو انقطاعه. وإذا قلت: حسن صحيح؛ فللتردد بين هاتين المرتبتين.

стр. 23

٦ - إن كان الحديث مقبولًا أشرت أحيانا إلى شواهده وتخريجها، وإن كان ضعيفًا بحثت في متابعاته وشواهده -إن وجدت- ما قد يرقيه إلى القبول. ٧ - الحكم على الحديث بعد استيفاء النظر في إسناده، والبحث في متابعاته وشواهده، مع الحرص على نقل أحكام الأئمة عليه. ٨ - بيان الغريب عقب كل حديث. وأنبه في هذا المقام إلى أن ما تركته من مواضع تتعلق بما سبق، من الحكم على إسناد أو حديث، أو الفصل في راو مختلف فيه؛ فليس ذلك لغفلة عنه، بل لعدم اتضاح الأمر وجلائه بالنسبة لي، ورحم الله امرءا وقف حيث بلغ به علمه، ولم يتكلف ما لم يعلم، فآثرت التوقف لخطورة الأمر، وضعف الأهلية، ولي في ذلك سلف من كبار الأئمة. قال الإمام مسلم: "اعلم رحمك الله أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم؛ إنما هي لأهل الحديث خاصة، لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيرهم" (١). وقال الحافظ أحمد بن صالح المصري: "معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب، إنما يبصره أهله" (٢). وقال ابن القيسراني: "أما الغريب والأفراد فلا يمكن الكلام عليها لكل أحد من الناس، إلا من برع في صنعة الحديث" (٣). وأشار الحافظ العلائي إلى مسالة التفرد، وقال:"ولذا كان الحكم به من المتأخرين عسرا جدا، وللنظر فيه مجال، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث، والتوسع في حفظه، كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم، وأصحابهم مثل:

стр. 24

أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه، وطائفة، ثم أصحابهم مثل: البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي، ولم يجىء بعدهم مساوٍ لهم ولا مقارب" (١). وقبل الختام أتوجه بالشكر والثناء والحمد لله رب العالمين، فهو أهل الحمد ومستحقه، على نعمه العظيمة، وآلائه الجسيمة. ثم الشكر موصول لوالدي الكريمين عملًا بقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، اللذين ما فتئا لي نصحًا وحرصًا وعناية، فغفر الله لهما، وأسبغ عليهما لباس العفو والعافية في الدنيا والآخرة. كما أتقدم بالشكر والعرفان لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في قسم السنة وعلومها بكلية أصول الدين بالرياض، على ما يسر من أسباب وسبل في مواصلة الدراسة وتحصيل العلم. وأعم بالشكر كل من كانت له يدٌ في هذا الجهد المتواضع من إبداء رأي، أو إسداء نصح ومشورة، أو إعارة كتاب، أو غير ذلك. هذا وأسال الله التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل، وأن ينور قلوبنا بنور الإيمان والقرآن، واتباع سنة خير الأنام. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه خالد بن عبد العزيز الباتلى batli٢٨@gmail.com

стр. 25

القسم الأول الدراسة التأصيلية وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأولى: بيان الرسول ﷺ للقرآن. الفصل الثاني: خطر القول في القرآن بغير علم. الفصل الثالث: عناية المحدِّثين بعلم التفسير.

стр. 26

الفصل الأول بيان الرسول ﷺ للقرآن وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أهمية الرجوع للسنة فى تفسير القرآن الكريم. المبحث الثانى: هل فسر الرسول ﷺ القرآن كله أو بعضه؟ المبحث الثالث: أنواع البيان النبوى للقرآن الكريم، وصوره.

стр. 27

الفصل الأول بيان الرسول ﷺ للقرآن لا يخفى على كل مسلم أن القرآن كلامُ الله تعالى، وأن محمداً ﷺ رسولُ الله، والمبلغ عنه كلامه إلى الإنس والجن أجمعين، وقد تولى ﷺ بيانَه للأمة خيرَ بيان. والحديثُ عن بيان الرسول ﷺ للقرآن يتضمنُ ثلاث مسائل قد يدمجها البعض، لكن رأيت أن أفرد كل مسألة على حدة وفق المباحث الآتية: المبحث الأول: أهمية الرجوع للسنة في تفسير القرآن الكريم. المبحث الثاني: هل فسر الرسول ﷺ القرآن كله أو بعضه؟ المبحث الثالث: أنواع البيان النبوي للقرآن الكريم، وصوره.

стр. 28

المبحث الأول أهمية الرجوع للسنة في تفسير القرآن الكريم يعد الرسولُ ﷺ بلا خلاف- المفسرَ الأول، والمرجعَ المقدم في بيان معاني كلام الله تعالى، وذلك لأنه مؤيدٌ بالوحي، وهو أعلمُ الناس بربه جل وعلا، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]، وبين الله تعالى أن مهمةَ الرسول الكريم: بيانُ هذا الذكر الحكيم، فقال جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. قال ابن مسعود ﵁: (ما من شيء إلا بُيِّن لنا في القرآن، ولكن فهمنا يقصر عن إدراكه، فلذلك قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾) (١). وقال الإمام أحمد ﵀: "السنة عندنا آثار رسول الله ﷺ ، والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن" (٢). وقال أبو عمرو بن العلاء -أحد القراء السبعة-: "الحديث يفسر القرآن" (٣). وقال عبد الرحمن بن مهدي ﵀: "الرجل إلى الحديث أحوج منه إلى الأكل والشرب، الحديث يفسر القرآن" (٤).

стр. 29

وقال ابن أبي حاتم: "إن الله ابتعث محمدا رسوله ﷺ إلى الناس كافة، وأنزل عليه الكتاب تبيانا لكل شيء، وجعله موضع الإبانة عنه، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]، فكان رسول الله ﷺ هو المبين عن الله أمره, وعن كتابه معاني ما خوطب به الناس، وما أراد الله به وعني فيه، وما شرع من معاني دينه وأحكامه وفرائضه وموجباته وآدابه ومندوبه وسننه التي سنها، وأحكامه التي حكم بها، وآثاره التي بثها، فلبث ﷺ بمكة والمدينة ثلاثا وعشرين سنه يقيم للناس معالم الدين، يفرض الفرائض، ويسن السنن، ويمضيى الأحكام، ويحرم الحرام، ويحل الحلال، ويقيم الناس على منهاج الحق بالقول والفعل، فلم يزل على ذلك حتى توفاه الله ، وقبضه إليه" (١). وقال ابن كثير في تفسير الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ يعني: القرآن، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ من ربهم، أي: لعلمك بمعنى ما أنزل عليك، وحرصك عليه، واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم، فتفصل لهم ما أجمل، وتبين لهم ما أشكل. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: ينظرون لأنفسهم فيهتدون، فيفوزون بالنجاة في الدارين" (٢). وقال الشنقيطي-﵀: "المراد بالذكر في هذه الآية: القرآن (٣)، كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].

стр. 30

وقد ذكر سبحانه في هذه الآية حكمتين من حكم إنزال القرآن على النبي ﷺ : إحداهما: أن يبين للناس ما نزل إليهم في هذا الكتاب من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، ونحو ذلك. وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضًا، كقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥]. الحكمة الثانية: هي التفكر في آياته والاتعاظ بها، كما قال هنا: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضًا. كقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤] إلى غير ذلك من الآيات" (١). وقال الإمام الطبري ﵀: "مما أنزل الله من القرآن على نبيه ﷺ ؛ ما لا يُوصل إلى علم تأويله إلا ببيانِ الرسول ﷺ ، وذلك تأويلُ جميع ما فيه: من وجوه أمره -واجبه ونَدْبِه وإرْشاده-، وصنوفِ نَهيه، ووظائف حقوقه وحدوده , ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعضَ خَلْقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيهِ التي لم يُدرَك علمُها إلا ببيانِ رسولِ الله ﷺ لأمَّتهِ، وهذا وجهٌ لا يجوز لأحدِ القولُ فيه إلا ببيانِ رسولِ الله ﷺ له تأويلَه، بنصٍّ منه عليه، أو بدلالة قد نصَبها، دالَّةٍ أمَّتَه على تأويله" (٢). وقال الشاطبي-﵀: "السنة إنما جاءت مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه, ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 31

الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وذلك التبليغ من وجهين: تبليغ الرسالة وهو الكتاب، وبيان معانيه، وكذلك فَعَل ﷺ فأنت إذا تأملت موارد السنة وجدتها بيانا للكتاب، هذا هو الأمر العام فيها .. فكتاب الله تعالى هو أصل الأصول، والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار، ومدارك أهل الاجتهاد" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فُسِّر في موضع آخر، وما اختصر من مكان فقد بُسط في موضع آخر، فان أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ ؛ فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل: ٦٤]، ولهذا قال رسول الله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) (٢) يعنى السنة، والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل

стр. 32

القرآن، لا أنها تتلى كما يتلى، وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك، والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة" (١). ثم ذكر الرجوع إلى تفسير الصحابة والتابعين. وعلى هذا المنهج كان عمل السلف الصالح من الصحابة ﵁ فمن بعدهم، كما قال عبيد الله بن أبي يزيد: (كان ابن عباس ﵁، إذا سئل عن الأمر وكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن فكان عن رسول الله ﷺ أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر ﵁، فإن لم يكن قال فيه برأيه) (٢). ويكفي في بيان عظمة السنة، وأهمية الرجوع إليها ما ذكره ابن تيمية قبل قليل من قوله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، قال ابن القيم ﵀ معلقا على الحديث-: "هذا هو السنة بلا شك" (٣). وعن أيوب السختياني أن رجلا قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير -وهو من كبار التابعين (ت ٩٥ هـ) -: لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف: (والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا) (٤).

стр. 33

وقال مكحول الشامي -وهو من ثقات التابعين وفقهائهم- (ت ١١٣ هـ): (القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن) (١). وعن حسان بن عطية -وهو أحد ثقات التابعين، مات بعد سنة ١٢٠ هـ- قال: "كان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ ، ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك" (٢).

стр. 34

وقال يحيى بن أبي كثير -وهو من صغار التابعين الثقات الأثبات، ت ١٢٩ هـ- "السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة" (١).

стр. 35

وقال الإمام الطبري ﵀: "تأويلُ القرآن غيرُ مدرك إلا ببيان من جعل الله إليه بيان القرآن" (١). وقال ابن تيمية ﵀: "اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة الدين؛ أن السنة تُفَسِّر القرآن، وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عن مجمله" (٢). وقال أيضا: "ومما ينبغي أن يعلم: أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة، فإنه قد عرف تفسيره وما أريد بذلك من جهة النبي ﷺ ، لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم" (٣). وقال الشاطبي ﵀: "لا ينبغي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في شرحه وبيانه، وهو: السنة" (٤). وقال ابن الوزير اليمني (ت ٨٤٠ هـ) -في بيان أنواع التفسير-: "النوع الثالث: التفسير النبوي، وهو مقبول بالنص والإجماع" (٥) وساق الأدلة في ذلك. وتتبع أقوال الأئمة في هذا يطول، ومن نظر في تعظيم السلف لسنة النبي ﷺ تعلما، وتعليما، وعملا؛ تبين له عظيم منزلتها، وشدة الحاجة إليها في بيان معاني القرآن وغيره , حتى قال حماد بن زيد ﵀: "حرمة أحاديث رسول الله ﷺ كحرمة كتاب الله تعالى" (٦).

стр. 36

والسنة النبوية -كما لا يخفى- يجب الرجوع إليها في تفسير القرآن وفي غيره، ومن هنا فيذكر هنا ما جاء في منزلة السنة، ووجوب الأخذ بها، وأنها المصدر الثاني من مصادر التشريع في الإسلام؛ من نصوص وآثار ونقول كثيرة، وهي قريبة مشهورة، ولم أر داعيا لحشدها والإطالة بسردها (١). وأنبه بهذه المناسبة إلى التفريق بين مسألتين: ١ - منزلة السنة مع القرآن: وهذه يتكلم عنها الأصوليون، ومن يبحث في حجية السنة ومكانتها، ونحو ذلك. وفي هذا يقول ابن القيم: "السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل: المنزلة الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل. المنزلة الثانية: سنة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه، وتقيد مطلقه. المنزلة الثالثة: سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب فتبينه بيانا مبتدأ. ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة" (٢). ٢ - منزلة السنة في بيان القرآن، وأنواع ذلك البيان وصوره: وهذه محل البحث هنا في هذا الفصل.

стр. 37

المبحث الثانى هل فسر الرسولُ ﷺ القرآن كله أو بعضه ؟ عرض بعض المتأخرين لهذه المسألة (١)، ونصب فيها الخلاف بين العلماء على قولين: ١ - أن الرسول ﷺ فسَّر وبين لأصحابه كل معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه. ونسب هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية. ٢ - أنه ﷺ لم يبين لأصحابه كل معاني القرآن. وعند التأمل يبدو أن الخصومة مفتعلة، وأن الخلاف لفظي، وأن حاصل البحث يؤدي إلى أن النبي ﷺ بيَّن لأصحابه ما يحتاجون إليه في تفسير القرآن، وهذا البيان على صور يأتي بيانها -إن شاء الله- في المبحث الثالث. وهل يتصور عاقل أن النبي ﷺ فسَّر للصحابة ألفاظ القرآن كلها كالجبل والماء، والأرض والسماء، مع علو شأنه في الفصاحة والبلاغة، وما اختص به من جوامع الكلم؟!. إن مجرد تصور هذا القول كاف في إبطاله ورده, وكما قيل: توضيح الواضحات من المشكلات، وإذا كان هذا مما يأنف منه العقلاء من الأفراد (٢)، فكيف ينسب إلى سيد العباد، وأفصح من نطق بالضاد؟!. ولأجل هذا فقد حاولت تتبع تسلسل البحث في هذه المسألة، فوجدت أن أول من نصب الخلاف في المسألة بذكر القولين المتقابلين، وأدلة كل قول؛ هو الدكتور/ محمد

стр. 38

حسين الذهبي ﵀ في كتابه (التفسير والمفسرون)، وهو من المتأخرين (ت ١٣٩٧ هـ)، وتتابع الناس بعده -ممن كتب في المسألة- متابعين له بنصب الخلاف. والذي ظهر لي أن عرضه للخلاف في المسألة بتلك الصورة غيرُ صحيح، وسببُ وقوعه في ذلك: الوهمُ في فهمِ عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه فهم منها أنه يذهب إلى أن النبي ﷺ فسَّر القرآن كله، من أوله إلى آخره، وهذا لا يوافق عليه كما سيأتي. وبالتالي لست محتاجا لعرض الخلاف وأدلة كل قول، لأن الخلاف لا وجود له أصلا. وما ذكره -وكذا من جاء بعده من الباحثين- من أدلة أخذها من كلام شيخ الإسلام وحملها على المعنى الذي فهمه أن النبي ﷺ فسَّر القرآن كله؛ فليس فيها دلالة على ذلك، كما أجاب عنها في أثناء مناقشة القولين. ويؤيد ما سبق أنني لم أجد -فيما وقفت عليه- أحدا قبل الدكتور الذهبي نصَّ على أن النبي ﷺ فسَّر القرآن كله، بالمعنى الذي فهمه الدكتور، ولم أجد أحدا قبله ساق الخلاف في المسألة كما ساقه في كتابه. وما ورد عن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فليس فيه ما نسب إليهما من كون النبي ﷺ فسَّر القرآن كله بجمله وألفاظه، وبيَّن كل معاني القرآن كما بين ألفاظه -كما صرَّح بذلك بعض من كتب في المسألة (١) -، بل هو محمول على ما سبق، ولعل من المناسب أن أسوق بعض عباراتهما في هذا المقام: ١ - قال ابن تيمية: "يجب أن يعلم أن النبي ﷺ بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا" (٢).

стр. 39

٢ - وقال ﵀: " .. ثم إن الصحابة نقلوا عن النبي ﷺ أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة، ولم يذكر أحد منهم عنه قط أنه امتنع من تفسير آية. قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن -عثمان بن عفان ﵁، وعبد الله بن مسعود ﵁، وغيرهما- أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل (١) " (٢).

стр. 40

٣ - وقال ﵀: "الصحابة" بلغوا عن النبي ﷺ لفظ القرآن ومعانيه جميعا كما ثبت ذلك عنهم، مع أن هذا مما يعلم بالضرورة عن عادتهم، فإن الرجل لو صنف كتاب علم في طب أو حساب أو غير ذلك، وحفظه تلامذته؛ لكان يعلم بالاضطرار أن هممهم تشوق إلى فهم كلامه ومعرفة مراده .. وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم ولا ما يقرؤونه، ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول، ولا يسألونه عن ذلك، ولا يبتدىء هو بيانه لهم! هذا مما يعلم بطلانه أعظم مما يعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، ومن زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن أو أنه بينها وكتموها عن التابعين فهو بمنزلة من زعم أنه بين لهم النص على عليٍّ وشيئا آخر من الشرائع والواجبات، وأنهم كتموا ذلك، أو أنه لم يبين لهم معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك مما يزعم القرامطة أن له باطنا يخالف الظاهر .. فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم، وأنهم علموا معنى ما أنزل الله على رسوله تلقيا عن الرسول، فيمتنع أن نكون نحن مصيبين في فهم القرآن وهم مخطئون، وهذا يعلم بطلانه ضرورة عادة وشرعا" (١). ٤ - وقال ﵀: " .. ومن المعلوم أن رغبة الرسول في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود إذ اللفظ إنما يراد للمعنى" (٢).
следующие страницы →