← Тафсир

Тафсир · id 16360

التفسير النبوي

خالد الباتلي

Полный текст (927 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والسنة النبوية -كما لا يخفى- يجب الرجوع إليها في تفسير القرآن وفي غيره، ومن هنا فيذكر هنا ما جاء في منزلة السنة، ووجوب الأخذ بها، وأنها المصدر الثاني من مصادر التشريع في الإسلام؛ من نصوص وآثار ونقول كثيرة، وهي قريبة مشهورة، ولم أر داعيا لحشدها والإطالة بسردها (١). وأنبه بهذه المناسبة إلى التفريق بين مسألتين: ١ - منزلة السنة مع القرآن: وهذه يتكلم عنها الأصوليون، ومن يبحث في حجية السنة ومكانتها، ونحو ذلك. وفي هذا يقول ابن القيم: "السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل: المنزلة الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل. المنزلة الثانية: سنة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه، وتقيد مطلقه. المنزلة الثالثة: سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب فتبينه بيانا مبتدأ. ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة" (٢). ٢ - منزلة السنة في بيان القرآن، وأنواع ذلك البيان وصوره: وهذه محل البحث هنا في هذا الفصل.

стр. 37

المبحث الثانى هل فسر الرسولُ ﷺ القرآن كله أو بعضه ؟ عرض بعض المتأخرين لهذه المسألة (١)، ونصب فيها الخلاف بين العلماء على قولين: ١ - أن الرسول ﷺ فسَّر وبين لأصحابه كل معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه. ونسب هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية. ٢ - أنه ﷺ لم يبين لأصحابه كل معاني القرآن. وعند التأمل يبدو أن الخصومة مفتعلة، وأن الخلاف لفظي، وأن حاصل البحث يؤدي إلى أن النبي ﷺ بيَّن لأصحابه ما يحتاجون إليه في تفسير القرآن، وهذا البيان على صور يأتي بيانها -إن شاء الله- في المبحث الثالث. وهل يتصور عاقل أن النبي ﷺ فسَّر للصحابة ألفاظ القرآن كلها كالجبل والماء، والأرض والسماء، مع علو شأنه في الفصاحة والبلاغة، وما اختص به من جوامع الكلم؟!. إن مجرد تصور هذا القول كاف في إبطاله ورده, وكما قيل: توضيح الواضحات من المشكلات، وإذا كان هذا مما يأنف منه العقلاء من الأفراد (٢)، فكيف ينسب إلى سيد العباد، وأفصح من نطق بالضاد؟!. ولأجل هذا فقد حاولت تتبع تسلسل البحث في هذه المسألة، فوجدت أن أول من نصب الخلاف في المسألة بذكر القولين المتقابلين، وأدلة كل قول؛ هو الدكتور/ محمد

стр. 38

حسين الذهبي ﵀ في كتابه (التفسير والمفسرون)، وهو من المتأخرين (ت ١٣٩٧ هـ)، وتتابع الناس بعده -ممن كتب في المسألة- متابعين له بنصب الخلاف. والذي ظهر لي أن عرضه للخلاف في المسألة بتلك الصورة غيرُ صحيح، وسببُ وقوعه في ذلك: الوهمُ في فهمِ عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه فهم منها أنه يذهب إلى أن النبي ﷺ فسَّر القرآن كله، من أوله إلى آخره، وهذا لا يوافق عليه كما سيأتي. وبالتالي لست محتاجا لعرض الخلاف وأدلة كل قول، لأن الخلاف لا وجود له أصلا. وما ذكره -وكذا من جاء بعده من الباحثين- من أدلة أخذها من كلام شيخ الإسلام وحملها على المعنى الذي فهمه أن النبي ﷺ فسَّر القرآن كله؛ فليس فيها دلالة على ذلك، كما أجاب عنها في أثناء مناقشة القولين. ويؤيد ما سبق أنني لم أجد -فيما وقفت عليه- أحدا قبل الدكتور الذهبي نصَّ على أن النبي ﷺ فسَّر القرآن كله، بالمعنى الذي فهمه الدكتور، ولم أجد أحدا قبله ساق الخلاف في المسألة كما ساقه في كتابه. وما ورد عن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فليس فيه ما نسب إليهما من كون النبي ﷺ فسَّر القرآن كله بجمله وألفاظه، وبيَّن كل معاني القرآن كما بين ألفاظه -كما صرَّح بذلك بعض من كتب في المسألة (١) -، بل هو محمول على ما سبق، ولعل من المناسب أن أسوق بعض عباراتهما في هذا المقام: ١ - قال ابن تيمية: "يجب أن يعلم أن النبي ﷺ بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا" (٢).

стр. 39

٢ - وقال ﵀: " .. ثم إن الصحابة نقلوا عن النبي ﷺ أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة، ولم يذكر أحد منهم عنه قط أنه امتنع من تفسير آية. قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن -عثمان بن عفان ﵁، وعبد الله بن مسعود ﵁، وغيرهما- أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل (١) " (٢).

стр. 40

٣ - وقال ﵀: "الصحابة" بلغوا عن النبي ﷺ لفظ القرآن ومعانيه جميعا كما ثبت ذلك عنهم، مع أن هذا مما يعلم بالضرورة عن عادتهم، فإن الرجل لو صنف كتاب علم في طب أو حساب أو غير ذلك، وحفظه تلامذته؛ لكان يعلم بالاضطرار أن هممهم تشوق إلى فهم كلامه ومعرفة مراده .. وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم ولا ما يقرؤونه، ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول، ولا يسألونه عن ذلك، ولا يبتدىء هو بيانه لهم! هذا مما يعلم بطلانه أعظم مما يعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، ومن زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن أو أنه بينها وكتموها عن التابعين فهو بمنزلة من زعم أنه بين لهم النص على عليٍّ وشيئا آخر من الشرائع والواجبات، وأنهم كتموا ذلك، أو أنه لم يبين لهم معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك مما يزعم القرامطة أن له باطنا يخالف الظاهر .. فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم، وأنهم علموا معنى ما أنزل الله على رسوله تلقيا عن الرسول، فيمتنع أن نكون نحن مصيبين في فهم القرآن وهم مخطئون، وهذا يعلم بطلانه ضرورة عادة وشرعا" (١). ٤ - وقال ﵀: " .. ومن المعلوم أن رغبة الرسول في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود إذ اللفظ إنما يراد للمعنى" (٢).

стр. 41

٥ - وقال ابن القيم ﵀: " .. فكما بلغ الرسول ألفاظ القرآن للأمة بلغهم معانيه، بل كانت عنايته بتبليغ معانيه أعظم من مجرد تبليغ ألفاظه، ولهذا وصل العلم بمعانيه إلى من لم يصل إليه حفظ ألفاظه، والنقل لتلك المعاني أشد تواترا وأقوى اضطرارا، فإن حفظ المعنى أيسر من حفظ اللفظ، وكثير من الناس يعرف صورة المعنى ويحفظها، ولا يحفظ اللفظ، والذين نقلوا الدين عنه علموا مراده قطعا لما تلا عليهم من تلك الألفاظ" (١). ٦ - وقال ﵀: " .. فهذه الأحاديث تقرر نصوص القرآن، وتكشف معانيها كشفا مفصلا، وتقرب المراد، وتدفع عنه الاحتمالات, وتفسر المجمل منه، وتبينه وتوضحه لتقوم حجة الله به , ويعلم أن الرسول بيَّن ما أنزل إليه من ربه، وأنه بلغ ألفاظه ومعانيه بلاغا مبينا حصل به العلم اليقيني، بلاغا أقام الحجة، وقطع المعذرة , وأوجب العلم، وبينه أحسن البيان وأوضحه" (٢). فهذه النقول عنهما محمولة على أنه ﷺ بين ما يحتاج إليه من كتاب الله ، لا كما فهمه بعض المتأخرين أنه فسَّر القرآن كله للصحابة من أوله إلى آخره؛ بآياته وجمله وألفاظه، وكيف يتصور ذلك والقرآن نزل بلسان عربي مبين على أرباب العربية والفصاحة! فكان الصحابة يفهمون القرآن بمجرد سماعه غضا طريا من النبي ﷺ ، وإنما بين مواضع الإشكال والإجمال مما يحتاج إلى بيانه. والدليل على ذلك من كلام شيخ الإسلام نفسه أنه قال -في المقدمة نفسها-: "فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: أن أصح الطرق في ذلك: أن يفسر القرآن بالقرآن .. فإن أعياك ذلك؛ فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن، وموضحة له .. وإذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة؛ رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة .. إذا لم تجد التفسير في

стр. 42

القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين" (١). فهذا نص واضح أن من التفسير ما لا نجده في السنة، فكيف ينسب إليه القول بأن النبي ﷺ بين للأمة معاني القرآن كله، وفسَّره لهم كاملا؟!. وأرى أن قوله السابق في مقدمته: "يجب أن يعلم أن النبي ﷺ بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه" من جنس قوله ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ..) (٢) فالتشبيه في الحديث لوضوح الرؤية لا بالمرئي، وكذلك في كلام ابن تيمية التشبيه في وضوح البيان، فقد بين النبي ﷺ ألفاظ القرآن ومعانيه بيانا واضحا كافيا. قال البقاعي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]: " (لتبين للناس) كافة بما أعطاك الله من الفهم الذي فقت فيه جميع الخلق، واللسان الذي هو أعظم الألسنة وأفصحها، وقد أوصلك الله فيه إلى رتبة لم يصل إليها أحد، (ما نزل) أي وقع تنزيله (إليهم) من هذا الشرع الحادي إلى سعادة الدارين، بتبيين المجمل، وشرح ما أشكل، من علم أصول الدين الذي رأسه التوحيد، ومن البعث وغيره" (٣).

стр. 43

ومن المناسب هنا أن يذكر ما جاء عن ابن عباس ﵁ قال: (التفسير على أربعةِ أوجهٍ: وجهٌ تعرفه العربُ من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحدٌ بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله) (١). قال الإمام الطبري: "تأويل جميع القرآن على أوجهٍ ثلاثة: أحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحَجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقاتُ ما كانَ من آجال الأمور الحادثة, التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل: وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى بن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك. والوجه الثاني: ما خصَّ الله بعلم تأويله نبيَّه ﷺ دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجةُ, فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول ﷺ لهم تأويلَه. والثالث منها: ما كان علمهُ عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل غريبه وإعرابه، لا يُوصَل إلى علم ذلك إلا من قِبَلهم" (٢).

стр. 44

وقال أيضا: "مِن تأويل القرآن ما لا يُدرك علمُه إلا ببيان الرسول ﷺ ، وذلك تفصيلُ جُمَلِ ما في آيِه من أمر الله ونَهيه, وحلاله وحرامه, وحدوده وفرائضه، وسائر معاني شرائع دينه, الذي هو مجُمَلٌ في ظاهر التنزيل، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة؛ لا يُدرَك علمُ تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسوله ﷺ " (١). وقال الزركشي: "ينقسم القرآن العظيم إلى ما هو بيِّن بنفسه بلفظ لا يحتاج إلى بيان منه ولا من غيره، وهو كثير .. -وذكر أمثلة عليه- وإلى ما ليس ببين بنفسه، فيحتاج إلى بيان. وبيانه؛ إما فيه في آية أخرى، أو في السنة، لأنها موضوعة للبيان، قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] " (٢). ومما يدل على أن النبي ﷺ لم يفسِّر القرآن كله؛ وجود الخلاف بين الصحابة ﵃ في معنى بعض ألفاظ القرآن، وإن كان أكثره يعود إلى اختلاف التنوع، ولو كان عندهم تفسير نبوي كامل لجميع ألفاظ القرآن لرجعوا إليه عند الاختلاف، واتفقوا عليه. قال ابن تيمية ﵀: "الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد" (٣). وقال أيضا: "وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه اختلاف تناقض فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه" (٤).

стр. 45

ويؤيد ما سبق أيضا: دعاء النبي ﷺ لابن عباس ﵁ بقوله: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل) (١)، قال ابن الأثير: "النهي عن تفسير القرآن بالرأي لا يخلو إما أن يكون المراد به: الاقتصار على النقل والمسموع، وترك الاستنباط، أو المراد به: أمر آخر. وباطل أن يكون المراد به: ألا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه، فإن الصحابة رضى الله عنهم قد فسروا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي ﷺ ، وإن النبي ﷺ دعا لابن عباس فقال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل؛ فما فائدة تخصيصه بذلك؟ " (٢). وقد وقفت على نص نفيس لأحد كبار أئمة المحدثين، وهو الحافظ ابن حبان البستي، فقد قال: "الله جل وعلا ولَّى رسوله ﷺ تفسير كلامه، وبيان ما أنزل إليه لخلقه، حيث قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ومن أمحل المحال أن يأمر الله جل وعلا النبي المصطفى أن يبين لخلقه مراده -حيث جعله موضع الأمانة عن

стр. 46

كلامه- ويفسر لهم؛ حتى يفهموا مراد الله جل وعلا من الآي التي أنزلها الله عليه، ثم لا يفعل ذلك رسول رب العالمين وسيد المرسلن، بل بأن عن مراد الله جل وعلا في الآي، وفسر لأمته ما يهم الحاجة إليه وهو سننه ﷺ فمن تتبع السنن حفظها وأحكمها؛ فقد عرف تفسير كلام الله جل وعلا وأغناه الله تعالى عن الكلبي وذويه. وما لم يبين رسول الله ﷺ لأمته معاني الآي التي أنزلت عليه مع أمر الله جل وعلا له بذلك، وجاز له ذلك، كان لمن بعده من أمته أجوز، وترك التفسير لما تركه رسول الله ﷺ أحرى، ومن أعظم الدليل على أن الله جل وعلا لم يرد بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ القرآنَ كلَّه: أن النبي ﷺ ترك من الكتاب متشابها من الآي، وآيات ليس فيها أحكام، فلم يبين كيفيتها لأمته، فلما فعل رسول الله ﷺ دَلَّ ذلك على أن المراد من قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ كان بعض القرآن لا الكل" (١). ويلزم من قال إن النبي ﷺ فسَّر جميع ألفاظ القرآن -كما فهمه بعض المعاصرين- أن جزءا كبيرا من سنة النبي ﷺ في بيان القرآن أضاعه الصحابة أو من بعدهم، أو كتموه عن الأمة إما كتمان رواية أصلا، أو كتمان نسبة بأن كانوا يفسرون القرآن بما سمعوه من النبي ﷺ ثم لا ينسبونه إليه، ولا يخفى شناعة هذه اللوازم وبشاعتها (٢).

стр. 47

وأود أن أنبه بهذه المناسبة إلى ما ذكره غالب من تكلم في المسألة في سياق أدلة من قال: إن النبي ﷺ لم يفسِّر جميع القرآن، وهو ما جاء عن عائشة ﵂، قالت: (ما كان النبي ﷺ يُفسِّر شيئًا من القرآن إلا آيًا بعَددٍ, علَّمهنّ إياه جبريلُ) (١).

стр. 48

ومع ضعف الرواية؛ فقد تكلم الإمام الطبري ﵀ في توجيهها وشرحها، ومما قاله في ذلك:"من تأويل القرآن ما لا يُدرك علمُه إلا ببيان الرسول ﷺ وذلك تفصيل جُمَلِ ما في آيه من أمر الله ونَهْيه , وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه, وسائر معاني شرائع دينه, الذي هو مجمَلٌ في ظاهر التنزيل، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة، لا يُدرَك علمُ تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسوله ﷺ .. ومن آي القرآن ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه استأثرَ بعلم تأويله، فلم يُطلعْ على علمه مَلكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلا، ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله. فأما ما لابُدَّ للعباد من علم تأويله، فقد بيّن لهم نبيهم ﷺ ببيان الله ذلك له بوحيه مع جبريل، وذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه لهم .. ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله ﷺ أنه كان لا يفسر من القرآن شيئًا إلا آيًا بعَددٍ -هو ما يسبقُ إليه أوهامُ أهل

стр. 49

الغباء من أنه لم يكن يفسّر من القرآن إلا القليل من آيِهِ واليسيرَ من حروفه؛ كان إنما أُنزلَ إليه ﷺ الذكرُ ليَتركَ للناس بيانَ ما أنزل إليهم، لا ليبين لهم ما أُنزل إليهم. وفي أمر الله جلّ ثناؤه نبيَّه ﷺ ببلاغ ما أنزل إليه، وإعلامه إياه أنه إنما نزل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم، وقيامِ الحجة على أنّ النبيّ ﷺ قد بلّغ وأدّى ما أمره الله ببلاغه وأدائِه على ما أمره به وصحةِ الخبر عن عبد الله بن مسعود بقيله: كان الرجل منا إذا تعلم عشرَ آيات لم يجاوزهُن حتى يعلم معانيهنّ والعملَ بهنّ؛ ما ينبىء عن جهل من ظنَّ أو توهَّم أنّ معنى الخبر الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول الله ﷺ : (أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئا إلا آيًا بعَددٍ)، هو أنه لم يكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه" (١). وعقب عليه ابن حبان بعد تخريجه، فقال: "ويشبه أن يكون معنى التفسير للآية بعينها، وأما سنته كلها فهي تفسير القرآن، قال الله ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] " (٢). وتكلم عليه ابن عطية الأندلسي، فقال: "ومعنى هذا الحديث في مغيبات القرآن، وتفسير مجمله، ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله تعالى" (٣). فالحاصل بعد هذا كله؛ أن النبي ﷺ بين للأمة ما تحتاج إليه في كتاب الله تعالى، وما مات حتى أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وحتى بلَّغ الرسالة حق البلاع امتثالا لأمر ربه تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وبلاغه إياه يتضمن بلاغ ألفاظه، وبلاغ معانيه ببيان ما تحتاج الأمة إليه من ذلك. وقد قال ﷺ لأصحابه في

стр. 50

ذلك المحفل العظيم؛ في خطبة عرفة في حجة الوداع: (قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس: (اللهم اشهد، اللهم اشهد)، ثلاث مرات (١). وعن أي ذر ﵁ قال: تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علما، قال: فقال ﷺ : (ما بقي شيء يقرب من الجنة، ويباعد من النار؛ إلا وقد بين لكم) (٢).

стр. 51

. . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 52

المبحث الثالث أنواع البيان النبوى للقرآن الكريم، وصوره قبل أن نخوض في أنواع البيان النبوي للقرآن وصوره؛ يحسن أن نعرف بمصطلح التفسير النبوي، ولم أجد (١) -فيما وقفت عليه- من تعرض لبحث هذا المصطلح سوى ما ذكره د. مساعد الطيار حيث عرفه في مقال له، فقال: "هو كل قول أو فعل صدر عن النبي ﷺ صريحا في إرادة التفسير" (٢). ويؤخذ على هذا التعريف أمران: ١ - أنه أخرج التقرير النبوي، والتقرير المصادر من النبي ﷺ يضاف إليه، ولهذا يقال: فعل أو قال فلان كذا؛ فأقره النبي ﷺ ، فيعد هذا تقريرا نبويا، كما يقال في الفعل: فعل نبوي، وهكذا في القول. وبناء على ذلك لو ورد تقرير نبوي يفيد في تفسير آية من القرآن؛ فلا يعد هذا من التفسير النبوي على التعريف المذكور، والأظهر أنه داخل في التفسير النبوي لأنه صادر عن النبي ﷺ ، وأفاد في تفسير شيء من القرآن، وسيأتي التمثيل عليه بعد قليل. ٢ - تقييده بالصريح، ومفهومه أن ما جاء عن النبي ﵁ وأفاد في تفسير القرآن على وجه غير صريح فليس من التفسير النبوي، وفيه نظر، والأقرب أن يدرج هذا في التفسير النبوي، لأنه صدر عن النبي ﷺ ، وأفاد في بيان معنى القرآن، نعم هذا البيان النبوي للقرآن على درجات -كما سيأتي إن شاء الله- ويأتي في مقدمتها: البيان اللفظي الصريح،

стр. 53

لكن لا يلزم منه أن يكون غير الصريح خارجا عن دائرة البيان النبوي للقرآن، بل نجد أن فيما ورد عن النبي ﷺ ما يفيد في تفسير الآية، وبيان معناها، وصيغته غير صريحة، فهل يسوغ إخراجه من حيز البيان النبوي؟. وبعد التأمل ظهر لي أن يقال في تعريف التفسير النبوي (١): "ما ورد عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير في بيان معاني القرآن". والأمثلة على القول كثيرة، ومنها: ما جاء عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المغضوب عليهم: اليهود، والضالين: النصارى) (٢). وأما الفعل؛ فمن أمثلته: ١ - جاء في سياق حديث جابر ﵁ الطويل في صفة الحج: (.. حتى إذا أتينا البيت معه ﷺ استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فجعل المقام بينه وبين البيت .. كان يقرأ في الركعتن قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون) (٣).

стр. 54

فهذا تفسير نبوي فعلي لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. ٢ - قال جابر ﵁ في الحديث السابق: (.. حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتن، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس). فهذا تفسير نبوي فعلي لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقال الشيخ الشنقيطي ﵀ في سياق بحثه لبعض مسائل الحج: "أفعاله ﷺ في حجته؛ تفسير لآيات الحج" (١). ٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: (يا بني فهر، يا بني عدي)، لبطون قريش، حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟) قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد: ١ - ٢] (٢).

стр. 55

فهذا تفسير نبوي فعلي لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. ٤ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قال هكذا: وأمسك بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى، قال: (فساخ الجبل، وخر موسى صعقا) (١). وأما التقرير؛ فيبدو أن أمثلته قليلة جدا، ومنها: ما جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من اليهود، فقال: إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك أنا الملك. فلقد رأيت النبي ﷺ يضحك حتى بدت نواجذه تعجبا وتصديقا لقوله، ثم قال النبي ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] (٢). فهذا تقرير نبوي يفيد في تفسير الآية. ومن الأمثلة أيضا: ما جاء عن عمرو بن العاص ﵁ لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل؛ قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: (با عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟!) قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله : ﴿ولَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]،

стр. 56

فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا (١).

стр. 57

فأقره النبي ﷺ استدلاله بالآية في تلك الحادثة وهذا يفيد في فهم معناها. وبعد بيان معنى التفسير النبوي، وذكر الأمثلة عليه؛ أنتقل إلى الحديث عن أنواع التفسير النبوي، فأقول -وبالله التوفيق-: إن الوارد عن النبي ﷺ في بيان معاني القرآن متفاوت في درجات البيان، ويمكن تصنيفه إلى الدرجات التالية: ١) التفسير النصي (١) اللفظي الصريح: وهو ما ورد عن النبي ﷺ من نص لفظي صريح في تفسير الآية. وهو موضوع البحث، وأحاديث الرسالة برمتها أمثلة عليه. قال الزركشي: "لطالب التفسير مآخذ كثيرة؛ أمهاتها أربعة: الأول: النقل عن رسول الله ﷺ ، وهذا هو الطراز الأول، لكن يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع، فإنه كثير، وإن سواد الأوراق سواد في القلب. قال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ثلاث كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير. قال المحققون من أصحابه: ومراده أن الغالب أنها ليس لها أسانيد صحاح متصلة. وإلا فقد صح من ذلك كثير، فمن ذلك: تفسير الظلم بالشرك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وتفسير الحساب اليسير بالعرض، رواهما البخاري، وتفسير القوة في: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] بالرمي رواه مسلم" (٢). وما ذكره من الأمثلة يومىء إلى أنه يعني هذا النوع، وهذا ما فهمه السيوطي فإنه نقل كلامه، ثم عقب عليه، فقال: "قلت: الذي صح في ذلك قليل جداً، بل أصل المرفوع منه في غاية القلة" (٣).

стр. 58

وعلى كلٍّ؛ فمسالة القلة والكثرة نسبية، فقد يكون نَظَرُ شَخْصٍ إلى نسبة الآيات التي ورد فيها هذا النوع إلى ما لم يرد فيه (١)، ويكون نظرُ آخر إلى عدد الأحاديث الواردة في هذا النوع بالنسبة إلى السنة عموما، ويكون نظرُ ثالث إلى عدد الأحاديث المتحصلة في هذا النوع، والنظر إليها مجردا، وهل يقدر العدد بالقلة أو الكثرة؟. ومع التسليم بقلة ذلك، فهو بسبب وضوح معانيه عند من نزل عليهم، فالقرآن نزل بلسان عربي مبين، والقوم أرباب الفصاحة والبيان، لم تشبهم لكنة ولا لحن، فكانوا يفهمونه بمجرد سماعه، وما يحتاج إلى بيان من أمور العقائد والأحكام والآداب؛ فقد جاءت ببيانه السنة في أحاديث العقائد والأحكام والآداب ونحو ذلك. وهذه المسالة -أعني مقدار الوارد عن النبي ﷺ في هذا النوع من التفسير- أحد أسباب اختيار البحث، وأهدافه. ٢) التفسير الموضوعي: بمعنى أن يستفاد من السنة النبوية في بيان الموضوع الذي تضمنته الآية تقريرا أو تفصيلا دون أن يكون في الحديث تفسير مباشر للآية. فمثلا: عند قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]؛ تذكر الأحاديث التالية: (أ) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم) قيل: يا رسول الله؛ إن كانت لكافية قال. (فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا، كلهن مثل حرها) (٢).

стр. 59

(ب) عن أي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم. واشتكت النار إلى رجمها فقالت: يا رب؛ أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين؛ نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير) (١). (جـ) عن أي هريرة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة، فقال النبي ﷺ : (تدرون ما هذا؟) قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها) (٢). ونحوها من الأحاديث الواردة في صفة النار، وشدة حرارتها، والتخويف منها. مثال آخر: عند قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، يذكر ما يقرر هذا الموضوع ويبينه من الأحاديث، ومن ذلك: ما جاء عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر) (٣). ومثال ثالث: عند قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]، يذكر ما ورد من الأحاديث في حقارة الدنيا، والتزهيد فيها، والترغيب في الآخرة، وأن نسبة الدنيا إلى الآخرة كنسبة ما يعلق بالإصبع إذا غُمِسَ في البحرِ إلى البحرِ كلِّه. وقد ورد في هذا المعنى أحاديثُ كثيرة.

стр. 60

وبهذا يظهر أن دائرة البيان النبوي للقرآن الكريم بهذا النوع واسعة. وقد توسع بعض المفسرين في هذا الباب حتى صارت تفاسيرهم أشبه بالكتب الجوامع، وقد انتقد الإمام الشوكاني هذا المسلك، فقال في صدر تفسير سورة الإسراء: "واعلم أنه قد أطال كثير من المفسرين كابن كثير والسيوطي وغيرهما في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها، وليس في ذلك كثير فائدة، فهي معروفة في موضعها من كتب الحديث، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهو مبحث آخر، والمقصود في كتب التفسير؛ ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز، وذكر أسباب النزول، وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية، وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه حاجة" (١). ٣) التفسير اللغوي: بمعنى أن يستفاد من السنة في بيان المعنى اللغوي للفظة من ألفاظ القرآن. وهذا النوع لم يكن موجها للصحابة ﵁؛ لأنهم عرب أقحاح، لم تشبهم عجمة أو لكنة، وقد نزل القرآن بلسان عربي مبين، لذا لم يكونوا محتاجن إلى بيان الغريب ومعاني مفردات القرآن كحاجة من بعدهم، وإنما استفاد من هذا النوع من البيان من جاء بعد تأثر العربية عند العرب، وضعف اللسان بها، ففزع أهل العلم إلى موروث العرب -نثرا وشعرا- لفهم الغريب ومعاني مفردات القرآن، وأفصحُ العرب محمدٌ ﷺ كما لا يخفى. ولعلي أضرب على ذلك مثالين: ١ - عن جابر بن سمرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: (ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خبل شمس؟! اسكنوا في الصلاة)، قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقا، فقال: (مالي أراكم عزين؟) قال: ثم خرج علينا فقال: (ألا تصفون كما تصف

стр. 61

الملائكة عند ربها) فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: (يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف) (١). فهذا الحديث يفيد في فهم معنى لفظة (عزين) الواردة في قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٦، ٣٧]. ٢ - عن فاطمة بنت أبما حبيش ﵁ أنها أتت رسول الله ﷺ فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله ﷺ : (إنما ذلك عرقٌ، فانظري، إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مرَّ القرء فتطهري، ئم صلي ما بين القرء إلى القرء) (٢). فهذا الحديث يفيد في بيان معنى القرء في اللغة، وأنه الحيض (٣)، ولا يمنع أن يكون للقرء معنى آخر في اللغة، ولذا اختلف الصحابة ﵃ وهم العرب الفصحاء- في

стр. 62

تفسير القرء الوارد في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ على قولين: الحيض والطهر (١)، فيكون من قبيل المشترك في اللغة. ٤) التفسير الاستشهادي: بمعنى أن يذكر النبي ﷺ الآية في حديثه من غير أن يكون فيه تفسير مباشر لها، بل يذكرها على سبيل الاستشهاد لحادثة، أو التأكيد والتقرير لحديثه. ومن الأمثلة على ذلك: (أ) عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة بنت النبي ﵇ ليلة، فقال: (ألا تصليان) فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلنا ذلك، ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه، وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]) (٢). فهذا الحديث يفيد في تفسير الآية بوجه غير مباشر. (ب) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من اقتطع مال امرىء مسلم بيمين كاذبة؛ لقي الله وهو عليه غضبان) قال عبد الله: (ثم قرأ رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ...﴾ الآية [آل عمران: ٧٧]) (٣).

стр. 63

٥) التفسير العام: وهو عموم سنته ﷺ القولية والفعلية والتقريرية مما يفيد في بيان شيء من القرآن، ولا يندرج تحت شيء مما سبق. فلا غنى للمفسر عن النظر في عموم سنته وسيرته ﷺ ، وما فيها من التطبيق العملي للقرآن الكريم، كما قال سعد بن هشام لعائشة ﵁: يا أم المؤمنن، أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ ، قالت: (ألست تقرأ القرآن؟) قلت: بلى، قالت: (فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن) (١). ويقول جابر ﵁ في حديثه الطويل في سياق حجة النبي ﷺ : (ورسولُ الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به) (٢). قال الإمام الشافعي: "جميع السنة شرح للقرآن" (٣). وقال بعض السلف: "ما سمعت حديثا إلا التمست له آية من كتاب الله" (٤). قال ابن تيمية ﵀: "اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة الدين؛ أن السنة تُفَسِّر القرآن، وتبينه، وتدل عليه" (٥).

стр. 64

وقال الشاطبي ﵀: "السنة إنما جاءت مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وذلك التبليغ من وجهي: تبليغ الرسالة وهو الكتاب، وبيان معانيه، وكذلك فَعَل ﷺ فأنت إذا تأملت موارد السنة وجدتها بيانا للكتاب، هذا هو الأمر العام فيها" (١). وقال الشيخ ابن سعدي ﵀: "فهم المعنى والمراد منها -يعني الآيات القرآنية-؛ موقوف على معرفة أحوال الرسول، وسيرته مع قومه وأصحابه، وغيرهم من الناس، فإن الأزمنة والأمكنة والأشخاص تختلف اختلافا كثيرا. فلو أراد الإنسان أن يصرف همه لمعرفة معاني القرآن من دون معرفةٍ منه لذلك؛ لحصل من الغلط على الله وعلى رسوله ﷺ ، وعلى مراد الله من كلامه، شيء كثير" (٢). ومما يصلح إيراده هنا؛ ما تقدم من أمثلة على التفسير النبوي الفعلي، ولعلي أضيف عليه ما جاء عن عائشة ﵂ إنها قالت: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن (٣). وفي لفظ عنها ﵂ قالت: ما صلى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلا يقول فيها: (سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) (٤).

стр. 65

وفي لفظ عنها ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: (سبحانك وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك) قالت: قلت: يا رسول الله؛ ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: (جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها؛ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾) إلى آخر السورة (١). ومن المهم في هذا أيضا؛ ملاحظة أسباب النزول، فإنها تعين جدا في فهم الآية وتفسيرها، كما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨، ٤٩]) (٢). فهذا يفيد في معنى قوله: (بقدر) الوارد في الآية. وقد اعتنى العلماء بموضوع أسباب النزول، وأفردوه بالتصنيف قديما وحديثا (٣). وبعد هذا أنتقل للحديث عن: صور البيان النبوي: إن بيان النبي ﷺ وتفسيره للقرآن الكريم جاء على صور متعددة، من أشهرها: ١ - تفسير المفردات (بيان الغريب): وهذا ليس بكثير، لأن الذين نزل عليهم القرآن عرب فصحاء يفهمون الألفاظ ومعانيها. ومن أمثلة ذلك: (أ) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك با رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟

стр. 66

فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيدا، فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١ ٤٣] والوسط: العدل) (١). (ب) عن عائشة ﵁ عن النبي ﵁ قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] قال: (أن لا تجوروا) (٢). ٢ - تعيين المبهم: ومن أمثلته: (١) عن عياض الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي موسى ﵁: (هم قوم هذا)، يعني في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] قال رسول الله ﷺ : (هم قوم هذا) (٣). (ب) عن عبد الله بن زمعة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يخطب، وذكر الناقةَ والذي عقر، فقال رسولُ الله ﷺ : ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢] انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه، مثل أبي زمعة) (٤). وهذا فيه تعيين بالوصف دون الاسم. ٣ - تخصيص العام: ومن أمثلته: ما جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] شق ذلك على

стр. 67

الناس، وقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟! قال: (إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، إنما هو الشرك) (١). فلفظة: ﴿ظلم﴾ في آية الأنعام؛ نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فخصَّ النبي ﷺ هذا العموم، وبيَّن المراد به. وقد عقد الخطيب البغدادي ﵀ بابا في كتابه: (الكفاية في علم الرواية) (٢)، فقال: "باب تخصيص السنن لعموم محكم القرآن، وذكر الحاجة في المجمل إلى التفسير والبيان". ٤ - تقييدالمطلق: ومن أمثلته: قوله تعالى في سياق أحكام المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: من آية ١١] فلفظ ﴿وَصِيَّةٍ﴾ مطلق ورد الدليل من السنة بتقييده بالثلث، كما في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءنا رسول الله ﷺ يعودني من وجع اشتد بي زمن حجة الوداع، فقلت: بلغ بي ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مال؟ قال: (لا) قلت: بالشطر؟ قال: (لا) قلت: الثلث؟ قال: (الثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) (٣). ٥ - بيان المجمل: وأمثلته كثيرة، ومن أشهرها بيان السنة للأمر بالصلاة الوارد في القرآن، بذكر مواقيتها وصفتها تفصيلا، وشروطها، ونحو ذلك، وهكذا في الزكاة، والصيام، والحج.

стр. 68

ومن ذلك: فدية الأذى الواردة في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ...﴾ [البقرة: ١٩٦] فالفدية مجملة جاء بيانها في السنة، كما روى عبد الله بن معقل قال: جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية؟ فقال: نزلت فيَّ خاصف وهي لكم عامة، حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: (ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى -أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى- تجد شاة؟) فقلت: لا، فقال: (فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع) (١). وعن الحسن البصري قال: بينما نحن عند عمران بن حصين ﵁ قال له رجل: يا أبا نجيد، حدثنا بالقرآن، قال: (أليس تقرأ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أكنتم تعرفون ما فيها؟ وما ركوعها وسجودها، وحدودها، وما فيها؟، أكنت تدري كم الزكاة في الورق والذهب، والإبل والبقر، وأصناف المال؟ شهدتُ ووعيتُ فرضَ رسول الله ﷺ في الزكاة كذا وكذا) قال الرجل: أحييتني يا أبا نجيد، أحياك الله كما أحييتني. قال الراوي: فما مات ذلك الرجل حتى كان من فقهاء السلمين (٢).

стр. 69

الفصل الثاني خطر القول في القرآن بغير علم

стр. 70

الفصل الثاني خطر القول في القرآن بغير علم عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال في القرآن بغير علم؛ فليتبوأ مقعده من النار) (١).

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 74

وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) (١). فهذان الحديثان -على ما فيهما- أحسن ما ورد في الباب، وجاء فيه أشياء ساقطة غير هذين. وقد عقب الإمام الترمذي ﵀ على حديث جندب ﵁ فقال: "وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في هذا، في أن يفسر القرآن بغير علم. وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن، فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم، أو من قبل أنفسهم، وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم" (٢). وقال الطبري معقبا على الحديث الأول: "وهذه الأخبار شاهدةٌ لنا على صحة ما قُلنا؛ من أنّ ما كان من تأويل آيِ القرآن الذي لا يُدرَك علمه إلا بنَصِّ بيان رسول الله ﷺ ،

стр. 75

أو بنَصْبه الدلالة عليه؛ فغير جائز لأحد القِيلُ فيه برأيه، بل القائلُ في ذلك برأيه، وإن أصاب عين الحق فيه؛ فمخطىء في فِعله بقيله فيه برأيه، لأن إصابته ليست إصابة مُوقن أنه محقٌّ، وانما هو إصابة خارصٍ وظانٍّ، والقائل في دين الله بالظنّ؛ قائلٌ على الله ما لم يعلم، وقد حرَّم الله جلّ ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. فالقائل في تأويل كتاب الله الذي لا يُدْرَكُ علمُه إلا ببيانِ رسول الله ﷺ ، الذي جعل الله إليه بيانَه؛ قائلٌ بما لا يعلمُ، وإن وافق قيلُه ذلك في تأويله ما أراد الله به من معناه، لأن القائل فيه بغير علم؛ قائلٌ على الله ما لا علم له به، وهذا هو معنى الخبر" (١). وقال ابن الأنباري في بيان الحديث الأول - (من قال في القرآن بغير علم؛ فليتبوأ مقعده من النار) -: "له معنيان: أحدهما: من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذاهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرض لسخط الله تعالى. والآخر: -وهو الأصح- (من قال في القرآن قولاً يعلم أن الحق غيرُه فليتبوأ مقعده من النار) ". وقال في بيان الحديث الثاني - (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) -: "حمله بعض أهل العلم على أن الرأي معني به الهوى، فمن قال في القرآن قولاً يوافق هواه، فلم يأخذه عن أئمة السلف، وأصاب، فقد أخطأ، لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله، ولا يقف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه" (٢). وقال البيهقي ﵀:"الرأي الذي يغلب على القلب من غير دليل قام عليه؛ فمثل هذا الرأي لا يجوز الحكم به في النوازل، فكذلك لا يجوز تفسير القرآن به، وأما الرأي الذي يسنده برهان؛ فالحكم به في النوازل جائز، وكذلك تفسير القرآن به جائز" (٣).
следующие страницы →