← Тафсир

Тафсир · id 16360

التفسير النبوي

خالد الباتلي

Полный текст (927 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 74

وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) (١). فهذان الحديثان -على ما فيهما- أحسن ما ورد في الباب، وجاء فيه أشياء ساقطة غير هذين. وقد عقب الإمام الترمذي ﵀ على حديث جندب ﵁ فقال: "وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في هذا، في أن يفسر القرآن بغير علم. وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن، فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم، أو من قبل أنفسهم، وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم" (٢). وقال الطبري معقبا على الحديث الأول: "وهذه الأخبار شاهدةٌ لنا على صحة ما قُلنا؛ من أنّ ما كان من تأويل آيِ القرآن الذي لا يُدرَك علمه إلا بنَصِّ بيان رسول الله ﷺ ،

стр. 75

أو بنَصْبه الدلالة عليه؛ فغير جائز لأحد القِيلُ فيه برأيه، بل القائلُ في ذلك برأيه، وإن أصاب عين الحق فيه؛ فمخطىء في فِعله بقيله فيه برأيه، لأن إصابته ليست إصابة مُوقن أنه محقٌّ، وانما هو إصابة خارصٍ وظانٍّ، والقائل في دين الله بالظنّ؛ قائلٌ على الله ما لم يعلم، وقد حرَّم الله جلّ ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. فالقائل في تأويل كتاب الله الذي لا يُدْرَكُ علمُه إلا ببيانِ رسول الله ﷺ ، الذي جعل الله إليه بيانَه؛ قائلٌ بما لا يعلمُ، وإن وافق قيلُه ذلك في تأويله ما أراد الله به من معناه، لأن القائل فيه بغير علم؛ قائلٌ على الله ما لا علم له به، وهذا هو معنى الخبر" (١). وقال ابن الأنباري في بيان الحديث الأول - (من قال في القرآن بغير علم؛ فليتبوأ مقعده من النار) -: "له معنيان: أحدهما: من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذاهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرض لسخط الله تعالى. والآخر: -وهو الأصح- (من قال في القرآن قولاً يعلم أن الحق غيرُه فليتبوأ مقعده من النار) ". وقال في بيان الحديث الثاني - (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) -: "حمله بعض أهل العلم على أن الرأي معني به الهوى، فمن قال في القرآن قولاً يوافق هواه، فلم يأخذه عن أئمة السلف، وأصاب، فقد أخطأ، لحكمه على القرآن بما لا يعرف أصله، ولا يقف على مذاهب أهل الأثر والنقل فيه" (٢). وقال البيهقي ﵀:"الرأي الذي يغلب على القلب من غير دليل قام عليه؛ فمثل هذا الرأي لا يجوز الحكم به في النوازل، فكذلك لا يجوز تفسير القرآن به، وأما الرأي الذي يسنده برهان؛ فالحكم به في النوازل جائز، وكذلك تفسير القرآن به جائز" (٣).

стр. 76

وقال الراغب الأصفهاني: "اختلف الناس في تفسير القرآن؛ هل يجوز لكل ذي علم الخوض فيه؟ فمنهم من بالغ ومنع الكلام، ولو تفنن الناظر في العلوم، واتسع باعه في المعارف إلا بتوقيف عن النبي ﷺ ، أو عمن شاهد التنزيل من الصحابة، أو من أخذ منهم من التابعين، واحتجوا بقوله ﷺ : (من فسر القرآن برأيه، فقد أخطأ) وفى رواية: (من قال في القرآن برأيه فقد كفر) (١). وقيل: إن كان ذا معرفة وأدب فواسع له تفسيره، والعقلاء والأدباء فوضى (٢) في معرفة الأغراض، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: ٢٩) " (٣). وأورد ابنُ عطية ﵀ حديثَ جندب ﵁، ثم قال: "ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء، واقتضته قوانين العلوم، كالنحو والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسِّر اللغويون لُغَتَه، والنحاةُ نَحْوَهُ، والفقهاءُ معانيَه، ويقول كلُّ واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه.

стр. 77

وكان جلة من السلف كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وغيرهما؛ يعظمون تفسير القرآن، ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم، مع إدراكهم وتقدمهم" (١). وقال ابن الأثير ﵀: "النهي عن تفسير القرآن بالرأي لا يخلو إما أن يكون المراد به: الاقتصار على النقل والمسموع، وترك الاستنباط، أو المراد به: أمر آخر. وباطل أن يكون المراد به: ألا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه (٢)، فإن الصحابة ﵁ قد فسروا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي ﷺ ، وإن النبي ﷺ دعا لابن عباس فقال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل؛ فما فائدة تخصيصه بذلك؟! وإنما النهي يحمل على أحد وجهين: أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه؛ ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.

стр. 78

وهذا النوع يكون تارة مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك، ولكن يلبس على خصمه. وتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويرجح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسر برأيه، أي رأيُه حَمَله على ذلك التفسير، ولولا رأيُه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه. وتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن، ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به، كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: ١٧] ويشير إلى قلبه ويومىء إلى أنه المراد بفرعون. وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع، وهو ممنوع. وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير الناس، ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل، فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعا أنها غير مرادة. فهذه الفنون؛ أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي. الوجه الثاني: أن يسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية؛ أكثر غلطه، ودخل في زمرة من فسَّر القرآن بالرأي. فالنقلُ والسماعُ لابدَّ له منه في ظاهر التفسير أولاً ليتقيَ به مواضعَ الغلط، ثم بعد ذلك يتسع التفهم والاستنباط". ثم قال: "وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهي إليه" (١). وقال الماوردي -تعليقا على حديث جندب ﵁: (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) -: "قد حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره وامتنع أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده ولو صحبتها الشواهد، ولم يعارض شواهدها نص صريح، وهذا عدول

стр. 79

عما تعبدنا بمعرفته من النظر في القرآن، واستنباط الأحكام، كما قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ولو صح ما ذهب إليه لم يعلم شيء بالاستنباط، ولما فهم الأكثر من كتاب الله شيئاً، كان صح الحديث؛ فتأويله: أن من تكلم في القرآن بمجرد رأيه، ولم يعرج على سوى لفظه، وأصاب الحق؛ فقد أخطأ الطريق، وإصابته اتفاق، إذ الغرض أنه مجرد رأي لا شاهد له" (١). وذكر ابن جزي هذا الحديث ثم قال: "وتأولوا -يعني المفسرين- الحديثَ بأنه فيمن تكلم في القرآن بغير علم ولا أدوات لا فيمن تكلم فيما تقتضيه أدوات العلوم، ونظر في أقوال العلماء المتقدمين، فإن هذا لم يقل في القران برأيه" (٢). وقال النووي ﵀:"المفسرون برأيهم من غير دليل صحيح؛ أقسام: ١ - منهم من يحتج به على تصحيح مذهبه وتقوية خاطره، مع أنه لا يغلب على ظنه أن ذلك هو المراد بالآية، وإنما يقصد الظهور على خصمه. ٢ - ومنهم من يقصد الدعاء إلى خير، ويحتج بآية من غير أن تظهر له دلالة لما قاله. ٣ - ومنهم من يفسر ألفاظه العربية من غير وقوف على معانيها عند أهلها، وهي مما لا يؤخذ إلا بالسماع من أهل العربية وأهل التفسير .. ولا يكفي مع ذلك معرفة العربية وحدها، بل لابد معها من معرفة ما قاله أهل التفسير فيها، فقد يكونون مجتمعين على ترك الظاهر، أو على إرادة الخصوص، أو الإضمار، وغير ذلك مما هو خلاف الظاهر، وكما إذا كان اللفظ مشتركا في معان فعلم في موضع أن المراد أحد المعاني، ثم فسر كل ما جاء به؛ فهذا كله تفسير بالرأي، وهو حرام، والله أعلم" (٣). وقال ابن تيمية ﵀ "فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام .. -وساق الأدلة السابقة، ثم قال:- فمن قال في القرآن برأيه فقد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما

стр. 80

أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار، كان وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرمًا ممن أخطأ، والله أعلم. وهكذا سمى الله القَذَفة كاذبين، فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، فالقاذف كاذب، ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، ولو كان أخبر بما يعلم؛ لأنه تكلف ما لا علم له به، والله أعلم. ولهذا تحرَّج جماعةٌ من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به" (١). وقال ابن النقيب: "جملة ما تحصل في معنى حديث التفسير بالرأي خمسة أقوال: أحدها: التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير. الثاني: تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. الثالث: التفسير المقرر للمذهب الفاسد، بأن يجعل المذهب أصلاً، والتفسير تابعاً، فيرد إليه بأي طريق أمكن وإن كان ضعيفاً. الرابع: التفسير بأن مراد الله كذا على القطع من غير دليل. الخامس: التفسير بالاستحسان والهوى" (٢). فالحاصل أن هذا الحديث كأنه الأصل في مصطلح (التفسير بالرأي)، والمراد به: الكلام في بيان معنى كلام الله تعالى بغير النقل المجرد. ولذا نجد عددا من السلف الذين ألفوا في التفسير تقيدوا بالمأثور، واقتصروا على النقل المجرد، كالإمامين عبد الرزاق الصنعاني، وابن أبي حاتم الرازي. والتفسير بالرأي (٣) -كما ذكر العلماء، وأشارت إليه النقول السابقة- ينقسم إلى قسمين:

стр. 81

١) التفسير بالرأي المحمود: وهو الكلام الصادر عن علم، من متأهل لذلك، ملك الآلة، وأتى الأمر من بابه. ٢) التفسير بالرأي المذموم: وهو الكلام الصادر عن هوى لنصرة قول فاسد، أو عن جهل وعدم تثبت. ومن هنا فينبغي الحذر والتوقي في تفسير كلام الله تعالى، وهذا منهج سلفي قديم. عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: (أيُّ أرضِ تُقِلُّني، وأيُّ سماء تظلّني، إذا قلتُ في القرآن برأيي. أو: بما لا أعلم) (١). وعن ابن أبي مُليكة. أن ابن عباس ﵁ سُئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها (٢). وعنه أن رجلا سأل ابنَ عباس ﵁ عن ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]؟، فقال -يعني ابن عباس-: ما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾؟ قال: إنما سألتك لتخبرني، قال: (هما يومان ذكرهما الله في القرآن، الله أعلم بهما، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم) (٣).

стр. 82

وقال عبيد الله بن عمر، قال: (لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليُعْظِمون القولَ في التفسير؛ منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع) (١). وعن مسروق بن الأجدع قال: (اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله (٢). وعن الشعبي قال: (أدركت أصحاب عبد الله ﵁، وأصحاب علي ﵁، وليس هم لشيء من العلم أكره منهم لتفسير القرآن) (٣). وعن مروان الأصفر، قال: (كنت عند سعيد بن جبير جالسا، فسأله رجل عن آية من كتاب الله ، فقال له سعيد: الله أعلم، فقال له الرجل: قل فيها أصلحك الله برأيك، فقال: أقول في كتاب الله برأي؟! فردده مرتين أو ثلاثا، ولم يجبه بشيء) (٤). وعن إبراهيم النخعي، قال: (كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه) (٥). وعن هشام بن عروة، قال: (ما سمعت أبي يتأول اية من كتاب الله قط) (٦). وعن يزيد بن أبي يزيد، قال: (كنا نسأل سعيدَ بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سالناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع) (٧).

стр. 83

وعن الشعبي، قال: "والله ما مِن آية إلا قد سألتُ عنها، ولكنها الروايةُ عن الله تعالى" (١). وأورد ابنُ تيمية غالبَ ما سبق من الآثار، ثم قال: "فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف؛ محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ولما جاء في الحديث المروي من طرق: (من سئل عن علم فكتمه؛ أُلجم يوم القيامة بلجام من نار) (٢) " (٣).

стр. 84

الفصل الثالث عناية المحدِّثين بعلم التفسير

стр. 85

الفصل الثالث عناية المحدثين بعلم التفسير لقد اعتنى المحدثون (١) بتفسير كلام الله تعالى عناية فائقة، ذلك أنه يتعلق بكلام الله .

стр. 86

وهو بالمحل الذي لا يخفى (١)؛ ولأن التفسير المأثور ينقل بالأسانيد كسائر المرويات، فاعتنوا بهذا المأثور المتعلق بتفسير كلام الله تعالى -مرفوعا كان أم موقوفا أم مقطوعا- من جهة الرواية والتدوين. وقد أفرد الحافظُ السيوطي المحدثين في أنواع المفسرين، فقال: "واعلم أنهم -أي المفسرين- أنواع: الأول: المفسرون من السلف والصحابة والتابعين، وأتباع التابعين. الثاني: المفسرون من المحدثين، وهم الذين صنفوا التفاسير مسندة موردا فيها أقوال الصحابة والتابعن بالإسناد .. الثالت: بقية المفسرين من علماء أهل السنة الذين ضموا إلى التفسير: التأويل، والكلام على معاني القرآن وأحكامه وإعرابه وغير ذلك، وهو الذي الاعتناء به في هذا الزمان أكثر. الرابع: من صنف تفسيرا من المبتدعة كالمعتزلة والشيعة وأضرابهم.

стр. 87

والذي يستحق أن يسمى من هؤلاء: القسم الأول، ثم الثاني، على أن الأكثر في هذا القسم نقلة، وأما الثالث. فمؤولة، ولهذا يسمون كتبهم غالبا بالتأويل" (١) . ويمكن تقسيم عنايتهم في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام: (١) التصنيف المستقل. (٢) التصنيف الضمني. (٣) نقد مرويات التفسير.

стр. 88

(١) التصنيف المستقل ويندرج تحت هذا نوعان: (أ) التصنيف العام فى التفسير: وقد يكون هذا التصنيف شاملا للقرآن كله أو بعضه، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - تفسير سفيان بن سعيد الثوري، أمير المؤمنين في الحديث. (ت ١٦١ هـ): وهو مشهور بالعناية بتفسير القرآن (١)، فعن عبد الرحمن بن مهدى قال: كان سفيان يأخذ المصحف، فلا يكاد يمر بآيه إلا فسرها، فربما بالآية؛ فيقول: أى شيء عندك في هذه؟ فأقول: ما عندي فيها شيء، فيقول: تضيع مثل هذه، لا يكون عندك فيها شيء! (٢). وعن عبد الرزاق قال: كان الثوري يقول: "سلوني عن المناسك والقرآن فإني بهما عالم (٣). وتفسيره مطبوع في مجلد، اشتمل على (٩١١) رواية" (٤). ٢ - تفسير مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، وصاحب الموطأ (ت ١٧٩ هـ): وهو إمام مشهور متبوع، وذكر عنه تميزٌ في فهم كتاب الله تعالى، فعن خالد بن نزار الأيلي قال: ما رأيت أحدا أنزع بكتاب الله من مالك بن أنس (٥). قال ابن أبي حاتم -بعد رواية الخبر-: "وقد رأى خالدٌ سفيانَ الثوري، وسفيانَ بن عيينة، والليثَ بن سعد، وغيرهم".

стр. 89

وقال الداودي: "هو أول من صنف (تفسير القرآن) بالإسناد على طريقة الموطأ، تبعه الأئمة، فقلَّ حافظ إلا وله تفسير مسند، وله غير (الموطأ): .. (التفسير المسند) لطيف، فيحتمل أن يكون من تأليفه، وأن يكون علق عنه" (١). وقال القاضي عياض -وهو يعدد مصنفات الإمام مالك-: "ومن ذلك: كتابه في التفسير لغريب القرآن، الذي يرويه عنه: خالد بن عبد الرحمان المخزومي، أخبرنا به .... " (٢) ثم ساق سنده إليه. وذكره ابن حجر فسماه: (جزء فيه التفسير المروي عن مالك) جمع أبي بكر الجعابي، وساق إسناده إلى الجعابي (٣). وتفسيره في عداد المفقود، وقد وجدت محاولات لجمع تفسيره من بطون الكتب (٤). ٣ - تفسير وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي. (ت: ١٩٦ هـ) وهو من رواية محمد بن إسماعيل الحساني، وذكر تفسيره ابنُ النديم (٥)، والثعلبي (٦)،

стр. 90

وابن تيمية (١)، وابن حجر (٢)، والداودي (٣)، وغيرهم (٤). وهو من التفاسير المفقودة. ٤ - تفسير سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي. (ت ١٩٨ هـ): قال عبد الله بن وهب: لا أعلم أحدا أعلم بتفسير القرآن من ابن عيينة (٥). وذكر تفسيره ابنُ النديم (٦)، والثعلبي (٧)، وابن حجر (٨)، وغيرهم (٩). وتفسيره في عداد المفقود (١٠). ٥ - تفسير عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١ هـ): وهو مطبوع (١١). وللسيوطي كتاب (المنتقى من تفسير عبد الرزاق) (١٢).

стр. 91

٦ - تفسير محمد بن يوسف الفريابي (ت ٢١٢ هـ): ذكره ابن النديم (١)، والثعلبي (٢)، وابن حجر (٣)، والسيوطي (٤)، والداودي (٥)، وغيرهم (٦). وقال ابن حجر: "وهو كتاب صغير نفيس، ومصنفه من أكابر شيوخ البخاري" (٧). وهو من التفاسير المفقودة. وللسيوطي (المنتقى من تفسير الفرياي) (٨). ٧ - تفسير أبي بكر عبد الله بن محمد العبسي، ابن أبي شيبة الكوفي (ت ٢٣٥ هـ): ذكره ابن النديم (٩)، والخطيب البغدادي (١٠)، وابن حجر (١١)، والداودي (١٢) وغيرهم (١٣). وقال الذهبي في ترجمته: "صاحب الكتب الكبار (المسند) و (المصنف)، و (التفسير) " (١٤). وقال السيوطي في مقدمة (الدر المنثور): "ابن أبي شيبة: له (المصنف)،

стр. 92

و (المسند)، و (الإيمان)، -رأيت الثلاثة- وله تفسير لكن لم أره، وهو في بطن تفسير ابن المنذر" (١). وتفسيره في عداد المفقود (٢). ٨ - تفسير إسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ): ذكره ابن النديم (٣)، وابن تيمية (٤)، وابن حجر (٥)، والداودي (٦) وغيرهم (٧). وأشار إلى تفسيره السيوطيُ في مقدمة (الدر النثور)، وقال: "لم أره" (٨). وتفسيره في عداد المفقود (٩).

стр. 93

٩ - تفسير الإمام أحمد بن حنبل؛ إمام أهل السنة والجماعة (ت ٢٤١ هـ): ذكره الزجاج (١)، وابنُ النديم (٢)، وابن الجوزي (٣)، وابن قدامة (٤)، وابن تيمية (٥)، وابن القيم (٦)، وابن رجب (٧)، وابن حجر (٨)، والداودي (٩)، وغيرهم (١٠).

стр. 94

وقال ابن أبي يعلى: "قرأت في كتاب أبي الحسن ابن المنادي -وذكر عبد الله وصالحا- فقال: كان صالح قليل الكتاب عن أبيه "يعني الإمام أحمد" فأما عبد الله؛ فلم يكن في الدنيا أحد روى عن أبيه أكثر منه، لأنه سمع المسند وهو ثلاثون ألفا، والتفسير وهو مائة ألف وعشرون ألفاً، سمع منها ثمانن ألفاً والباقي وجادة" (١). ولكن شكك فيه الحافظ الذهبي، فقال في ترجمة الإمام أحمد: "تفسيره المذكور شيء لا وجود له، ولو وجد لاجتهد الفضلاء في تحصيله، ولاشتهر، ثم لو ألف تفسيرا، لما كان يكون أزيد من عشرة آلاف أثر، ولاقتضى أن يكون في خمس مجلدات، فهذا تفسير ابن جرير الذي جمع فيه فأوعى لا يبلغ عشرين ألفا. وما ذكر تفسير أحمد أحدٌ سوى أبي الحسن بن المنادي" (٢). وقال في ترجمة ابنه عبد الله: "مازلنا نسمع بهذا (التفسير الكبير) لأحمد على ألسنة الطلبة، وعمدتهم حكاية ابن المنادي هذه، وهو كبير قد سمع من جده، وعباس الدوري، ومن عبدالله بن أحمد، لكن ما رأينا أحدا أخبرنا عن وجود هذا (التفسير)، ولا بعضه، ولا كراسة منه، ولو كان له وجود، أو لشيء منه؛ لنسخوه، ولاعتنى بذلك طلبة العلم، ولحصلوا ذلك، ولنقل إلينا، ولاشتهر، ولتنافس أعيان البغداديين في تحصيله، ولنقل منه ابنُ جرير فمن بعده في تفاسيرهم، ولا -والله- يقتضي أن يكون عند الامام أحمد في التفسير مئة ألف وعشرون ألف حديث، فإن هذا يكون في قدر (مسنده)، بل أكثر بالضعف. ثم الإمام أحمد لو جمع شيئا في ذلك لكان يكون منقحا مهذبا عن المشاهير، فيصغر لذلك حجمه، ولكان يكون نحوا من عشرة آلاف حديث بالجهد، بل أقل.

стр. 95

ثم الإمام أحمد كان لا يرى التصنيف، وهذا كتاب (المسند) له لم يصنفه هو، ولا رتبه، ولا اعتنى بتهذيبه، بل كان يرويه لولده نسخا وأجزاء، ويأمره: أن ضع هذا في مسند فلان، وهذا في مسند فلان. وهذا التفسير لا وجود له، وأنا أعتقد أنه لم يكن، فبغداد لم تزل دار الخلفاء، وقبة الإسلام، ودار الحديث، ومحلة السنن، ولم يزل أحمد فيها معظما في سائر الأعصار، وله تلامذة كبار، وأصحاب أصحاب، وهلم جرا إلى بالأمس، حين استباحها جيش المغول، وجرت بها من الدماء سيول، وقد اشتهر ببغداد تفسير ابن جرير، وتزاحم على تحصيله العلماء، وسارت به الركبان، ولم نعرف مثله في معناه، ولا ألف قبله أكبر منه، وهو في عشرين مجلدة، وما يحتمل أن يكون عشرين ألف حديث، بل لعله خسة عشر ألف إسناد، فخذه، فعده إن شئت" (١). وما ذكره الذهبي في كون هذا التفسير لم يذكره أحد سوى ابن المنادي؛ غير مقبول فقد ذكره غيره كا سبق، ومنهم الزجاج (ت ٣١١ هـ) الذي عاصر عبد الله بن الإمام أحمد، فالظاهر أن هذا التفسير ثابت للإمام أحمد، لكن يبقى النظر فيما ذكروه من مقداره، فمقتضاه أن التفسير أربعة أضعاف المسند، ونحن نعلم أن المسند معلمة وموسوعة كبرى في الحديث حوت مختلف أبواب العلم -ومنها التفسير-، فكيف يكون كتابٌ في التفسير فقط ويبلغ أربعة أضعافه؟! اللهم إلا أن يكون ذلك بكثرة الآثار والمكررات. والكتاب في عداد المفقود (٢)، فالله أعلم.

стр. 96

١٠ - تفسير عبد بن حميد (٢٤٩ هـ): ذكره ابن تيمية (١)، والذهبي (٢)، وابن حجر (٣)، والسيوطي (٤)، والداودي (٥)، وغيرهم (٦). وأصله مفقود، وتوجد منه قطعة مخطوطة على حاشية المجلد الثاني من تفسير ابن أبي حاتم عبارة عن مقتطفات من تفسير سورتي آل عمران والنساء (٧)، ومروياته منثورة في (الدر المنثور). وذكره ابن حجر في (العجاب) مع تفسير الطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ثم قال: "فهذه التفاسير الأربعة قلَّ أن يشذ عنها شيء من التفسير المرفوع، والموقوف على الصحابة، والمقطوع عن التابعين" (٨). ١١ - تفسير عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي (ت ٢٥٥ هـ): ذكره الخطيب البغدادي (٩)، والداودي (١٠).

стр. 97

١٢ - تفسير محمد بن يزيد القزويني، ابن ماجه (ت ٢٧٣ هـ): ذكره ابن خلكان (١)، والمزي (٢)، وابن كثير (٣)، والذهبي (٤)، والداودي (٥)، وغيرهم (٦). وتفسيره في عداد المفقود. ١٣ - تفسير بقي بن مخلد الأندلسي (ت ٢٧٦ هـ): ذكره ابن تيمية (٧)، والذهبي (٨)، وابن كثير (٩)، والسيوطي (١٠)، والداودي (١١)، وغيرهم (١٢). قال ابن حزم: "أقطع أنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسيره، ولا تفسير محمد بن جرير، ولا غيره" (١٣).

стр. 98

وقد تعقب الحافظُ ابنُ كثير عبارة ابن حزم، فقال: "وفيما زعم ابن حزم نظر" (١)، ومهما يكن الأمر فلا شك أن هذا يعكس المنزلة الجليلة لهذا التفسير المفقود. وقد اختصر هذا التفسير الحافظُ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حسن الكلاعي القرطبي، كما أفاد ذلك الذهبي (٢). ١٤ - تفسير الإمام محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ): وهو من أشهر كتب التفسير، وأجلها. قال السيوطي عنه: "هو أجلُّ التفاسير، لم يؤلف مثله كما ذكره العلماء قاطبة .. وذلك لأنه جمع فيه بين الرواية والدراية، ولم يشاركه في ذلك أحد لا قبله ولا بعده" (٣). وقال عنه أبو حامد الإسفراييني: "لو سافر أحد إلى الصين في تحصيله لم يكن كثيرا" (٤). وذكره ابن حجر في (العجاب) مع تفسير عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ثم قال: "فهذه التفاسير الأربعة قلَّ أن يشذ عنها شيء من التفسير المرفوع، والموقوف على الصحابة، والمقطوع عن التابعين، وقد أضاف الطبري إلى النقل المستوعب أشياء لم يشاركوه فيها؛ كاستيعاب القراءات والإعراب والكلام في أكثر الآيات على المعاني، والتصدي لترجيح بعض الأقوال على بعض، وكل من صنف بعده لم يجتمع له ما اجتمع فيه" (٥). والكتاب مشهور ومطبوع عدة طبعات.

стр. 99

١٥ - تفسير ابن أبي حاتم؛ عبد الرحمن بن محمد الرازي (٣٢٧ هـ): وهو من التفاسير المأثورة المشهورة. قال في مقدمته: "سألني جماعة من إخواني إخراج تفسير القرآن مختصرا بأصح الأسانيد، وحذف الطرق والشواهد والحروف والروايات وتنزيل السور، وأن نقصد لإخراج التفسير مجردا دون غيره، مقتصين تفسير الآي حتى لا نترك حرفا من القرآن يوجد له تفسير إلا أخرج ذلك. فأجبتهم إلى ملتمسهم، وبالثه التوفيق، وإياه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فتحريت إخراج ذلك بأصح الأخبار إسنادا وأشبعها متنا" (١). وسبق قبل قليل أن ابن حجر عده من التفاسير الأربعة التي قلَّ أن يشذ عنها شيء من التفسير المرفوع، والموقوف على الصحابة، والمقطوع عن التابعين. وقال عنه الكتاني: "وهو في أربع مجلدات، عامته آثار مسندة" (٢). والكتاب يوجد نصفه تقريبا، وحقق في رسائل علمية في جامعة أم القرى، كما طبع طبعة غير محققة (٣). ١٦ - تفسير أبي محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني، المعروف بأبي الشيخ (ت ٣٦٩ هـ): ذكره ابن مردويه (٤)، وتلميذه أبو نعيم (٥)، وابن تيمية (٦)، وابن حجر (٧)،

стр. 100

والسيوطي (١)، والداودي (٢)، وغيرهم (٣). وهو في عداد المفقود، لكن أكثر السيوطيُ النقلَ عنه في (الدر المنثور). ١٧ - تفسير أبي حفص عمر بن أحمد البغدادي، المعروف بابن شاهين (ت ٣٨٥): ذكره الخطيب البغدادي (٤)، والذهبي (٥)، وابن حجر (٦)، والداودي (٧)، وغيرهم (٨). وذكروا أنه كبير يقع في ألف جزء. وقال الكتاني (ت ١٣٤٥ هـ): "وجد بواسط في نحو من ثلاثين مجلدا" (٩). وهو في عداد المفقود. ١٨ - تفسير أبي بكر أحمد بن موسى الأصبهاني، المشهور بابن مردويه. (ت ٤١٠ هـ): قال الذهبي: "كان من فرسان الحديث، فهما يقظا متقنا كثير الحديث جدا، ومن نظر في تواليفه عرف محله من الحفظ" (١٠). وذكر تفسيره عامة من ترجم له (١١).

стр. 101

ووصفه الذهبي بالتفسير الكبير، وأنه يقع في سبعة مجلدات (١). وسماه ابن حجر: "التفسير المسند"، وساق إسناده إليه (٢). وتفسيره مفقود، وجمع في عدة رسائل في الجامعة الإسلامية، وهو منثور في (الدر المنثور). ١٩ - معالم التنزيل، للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ): وهو تفسير متوسط للقرآن الكريم كله، ويسوق فيه الأحاديث بأسانيده، فهو من المصادر الأصلية. يقول في مقدمته: "سألني جماعة من أصحابي المخلصين، وعلى اقتباس العلم مقبلين: كتابًا في معالم التنزيل وتفسيره، فأجبتهم إليه، معتمدًا على فضل الله تعالى وتيسيره .. فجمعت -بعون الله تعالى، وحسن توفيقه- فيما سألوا كتابا وسطاً بين الطويل الممل، والقصير المخل، أرجو أن يكون مفيدًا لمن أقبل على تحصيله مريدًا" (٣). والكتاب مطبوع أكثر من طبعة. ٢٠ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور للحافظ السيوطي (ت ٩١١ هـ): وهو معلمة كبرى في التفسير بالمأثور، جمع المرفوع والموقوف والمقطوع، معزوا إلى من أخرجه من الأئمة، وقد زادت مصادره في جمع مادة الكتاب على أربعمائة مصدر (٤). يقول في مقدمته: " .. فلما ألفت كتاب (ترجمان القرآن) وهو التفسير المسند عن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وتم بحمد الله في مجلدات، وكان ما أوردته فيه من الآثار

стр. 102

بأسانيد الكتب المخرج منها واردات، رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله، ورغبتهم في الاقتصار على متون الأحاديث دون الإسناد وتطويله، فلخصت منه هذا المختصر، مقتصرا فيه على متن الأثر، مصدرا بالعزو والتخريج إلى كل كتاب معتبر، وسميته بـ (الدر المنثور في التفسير بالماثور) " (١). وهو من أهم المراجع وأغزرها في أحاديث التفسير المرفوعة (٢). والكتاب مطبوع عدة طبعات (٣). (ب) التصنيف الخاص ببعض موضوعات التفسير: ومن الأمثلة عليه:

стр. 103

١ - (أسباب النزول) للإمام علي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ): ذكره الزركشي (١)، والسيوطي (٢)، بل قيل: إنه أول من صنف في أسباب النزول (٣). وهو مفقود. ٢ - (الناسخ والمنسوخ) للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥ هـ): ذكره ابن حجر، وساق إسناده إليه (٤). وكذا ذكره غيره (٥). وهو مفقود. ٣ - (العجاب في بيان الأسباب) للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ): والمراد: أسباب النزول، وقد طبع ما وجد منه (٦).

стр. 104

(٢) التصنيف الضمني بمعنى أن يضمن الأئمةُ مروياتِ التفسير في كتبهم مع غيرها من موضوعات العلم الأخرى. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - سنن سعيد بن منصور الخراساني المتوفى بمكة سنة ٢٢٧ هـ: قال ابن نقطة في ترجمته: "صنف كتاب السنن، وجمع فيها من أقوال الصحابة والتابعين وفتاويهم ما لم يجمعه غيره" (١). واشتمل الكتاب على كتاب التفسير، وضمنه المرفوع والموقوف والمقطوع. قال السيوطي: "سعيد بن منصور له السنن، وفيها باب عظيم في التفسير يجيء نحو مجلد" (٢). وقد طبع بعضه، والباقي لا يزال مخطوطا (٣). ٢ - مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ): واشتمل على جمهرة كبيرة من أحاديث التفسير، لكنه مرتب على المسانيد فتفرقت تلك الأحاديث على مسانيد الصحابة، وحينما عمد الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا إلى ترتيب المسند على الأبواب في (الفتح الرباني) بناه على سبعة أقسام، وجعل أحدها: التفسير، وقد استغرق الجزء الثامن عشر بتمامه، واشتمل على (٥٤٩) رواية.

стр. 105

٣ - الجامع الصحيح للإمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ): وقد رتب كتابه -كما هو معلوم- على الكتب والأبواب، وجعل منها كتاب التفسير الذي ضمنه (٣٨٠) بابا، ومشى فيه على ترتيب السور، مع العناية ببيان الغريب، وذكر أسباب النزول وغير ذلك مما له تعلق بالآية. واشتمل كتاب التفسير على (٥٠٣) أحاديث بحسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وهذا بخلاف ما فيه من الآثار عن الصحابة والتابعين. وكتاب التفسير من (صحيح البخاري) من نفائس المحدثين التي خدموا بها علم التفسير، وينبغي أن يضم معه ما كتبه عليه الحافظ ابن حجر في كتابيه البديعين: (فتح الباري) و (تغليق التعليق)، بل امتدت عناية ابن حجر بكتاب التفسير حتى أفرده بالتصنيف في كتاب سماه (تجريد التفسير من صحيح البخاري) (١). ٤ - جامع الإمام الترمذي (ت ٢٧٩ هـ): وهو أحد الكتب الستة المشهورة، وقد ضمنه كتابا مستقلا بعنوان: (كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ )، احتوى على (٩٥) بابا مسوتة حسب ترتيب المصحف الشريف. واشتمل كتاب التفسير على (٤٢٠) رواية (٢)، والغالب على هذه المرويات أنها مرفوعة إلى النبي ﷺ ، وقد ساق قبل ذلك كتاب (فضائل القرآن) ثم كتاب (القراءات). ٥ - السنن الكبرى للحافظ النسائي (ت ٣٠٣ هـ): وقد اشتملت على كتاب التفسير، وهو كتاب حافل تضمن (٧٤٠) رواية، مرتبة على سور القرآن (٣). وقد طبع كتاب التفسير من (السنن الكبرى) مفردا (٤).

стр. 106

٦ - المستدرك على الصحيحين، للحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ): وتضمن هذا الكتاب كتابا مفردا للتفسير، قال في أوله: "قد بدأنا في هذا الكتاب بنزول القرآن في ما روي في المسند من القراءات، وذكر الصحابة الذين جمعوا القرآن وحفظوه، هذا قبل تفسير السور" (١). ورتب المرويات فيه بحسب ترتيب السور، وقد اشتمل كتاب التفسير فيه على (١١٢٩) رواية، لكن ينبغي التنبه إلى ما اشتهر به الحاكم من التساهل في التصحيح. قال الحافظ ابن الصلاح: "واعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالزيادة في عدد الحديث الصحيح على ما في الصحيحن، وجمع ذلك في كتابا سماه (المستدرك) .. وهو واسمع الخطو في شرط الصحيح، متساهل في القضاء به" (٢). ٧ - جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ للإمام اين الاثير الجزري (ت ٦٠٦ هـ): وهو كتاب جمع فيه مؤلفه أحاديث الأصول الستة (موطأ مالك، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي) مقتصرا على راوي الحديث الأعلى دون بقية الإسناد، ورتب الأحاديث على الكتب والأبوب، لكنه رتب الكتب على حروف المعجم، وضم إلى ذلك شرح الغريب. وجعل في حرف التاء: كتاب التفسير، وهو كتاب حافل اشتمل على (٤٣١) حديثا مرتبة على ترتيب السور (٣).

стр. 107

٨ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ): وهو كتاب جمع فيه مؤلفه زوائد ستة كتب (مسند أحمد، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى، ومعاجم الطبراني الثلاثة) على الكتب الستة المشهورة (الصحيحن، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه)، ورتب الأحاديث على الكتب والأبوب، مع الاقتصار على راوي الحديث الأعلى، ثم يتكلم عقب كل حديث بذكر من أخرجه من أولئك الستة المتقدمين، وحال رجال الحديث بعبارة مختصرة. ومما اشتمل عليه الكتاب: كتاب التفسير، الذي استغرق (١٧٥) صفحة من الكتاب (١).

стр. 108

(٣) نقد مرويات التفسير اعتنى المتقدمون من المحدثين بمرويات التفسير ونقدها كغيرها من أبواب العلم، ولهم في ذلك أخبار وآثار، فمن ذلك: ما رواه علي بن الحسين بن واقد قال: ذهب رجل بجزء من أجزاء تفسير مقاتل إلى عبد الله بن المبارك، قال: فأخذه عبد الله منه، وقال: دعه، قال: فلما ذهب يسترده، قال: يا أبا عبد الرحمن، كيف رأيت؟ قال: يا له من علم لو كان له إسناد (١). وقال إبراهيم الحربي: لما قرأ وكيع التفسير؛ قال للناس: خذوه، فليس فيه عن الكلبي ولا ورقاء شيء (٢). وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي: "وجماعة من العلماء كرهوا تصنيف التفسير الا ما يكون عن الثقات، وعابوا على الحسن البصري إنه لم يبين ما فسر ولم ينسعبه الى قائله" (٣). والغالب على مرويات التفسير أنها موقوفات ومقطوعات على الصحابة التابعين، كما جاء عن أحمد بن سلمة قال: سمعت أبا حاتم الرازي يقول: ذكرت لأبي زرعة حفظ إسحاق بن راهويه، فقال أبو زرعة: ما رئي أحفظ من إسحاق، ثم قال أبو حاتم: والعجب من إتقانه وسلامته من الغلط، مع ما رزق من الحفظ، فقلت لأبي حاتم: إنه أملى التفسير عن ظهر قلبه، قال: وهذا أعجب، فإن ضبط الأحاديث المسندة أسهل وأهون من ضبط أسانيد التفسير وألفاظها (٤).

стр. 109

وهذه الموقوفات والمقطوعات كثير منها نسخٌ ووجادات، ولذا لم يكونوا يشددون في ذلك كتشددهم في باب العقائد والأحكام. قال يحيى بن سعيد القطان: تساهلوا في التفسير عن قومٍ لا يوثِّقونهم في الحديث، -ثمَّ ذكر ليث بن أبي سليم، وجويبر بن سعيد، والضحاك، ومحمد بن السائب الكلبي- وقال: هؤلاء لا يُحمد حديثهم، ويُكتب التفسير عنهم (١). وبين ذلك البيهقي فقال: "وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم لأن ما فسروا به ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط" (٢). وقال الخطيب البغدادي: "العلماء قد احتجوا في التفسير بقوم لم يحتجوا بهم في مسند الأحاديث المتعلقة بالأحكام، وذلك لسوء حفظهم الحديث، وشغلهم بالتفسير، فهم بمثابة عاصم بن أبي النجود، حيث احتج به في القراءات دون الأحاديث المسندات؛ لغلبة علم القرآن عليه فصرف عنايته إليه" (٣). وقال البيهقي: " .. وأما النوع الثاني من الأخبار؛ فهي أحاديث اتفق أهل العلم بالحديث على ضعف مخرجها، وهذا النوع على ضربين: ضرب رواه من كان معروفًا بوضع الحديث والكذب فيما فهذا الضرب لا يكون مستعملاً في شيء من أمور الدين إلا على وجه التليين. وضرب لا يكون راويهِ متَّهماً بالوضع، غير إنه عُرفَ بسوء الحفظِ وكثرة الغلطِ في روايته، أو يكون مجهولاً لم يثبت من عدالته وشرائط قبول خبره ما يوجب القبول.

стр. 110

فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملاً في الأحكام، كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولةً عند الحكَّام، وقد يُستعمل في الدعوات، والترغيب والترهيب، والتفسير، والمغازي؛ فيما لا يتعلق به حكمٌ" (١). ومن الأمثلة التطبيقية: محمد بن السائب بن بشر الكلبي، قال عنه أبو حاتم: الناس مجمعون على ترك حديثه، لا يشتغل به، هو ذاهب الحديث (٢). وفي التقريب: متهم بالكذب، ورمي بالرفض. مات سنة ١٤٦ هـ (٣). وقال ابن عدي في آخر ترجمته: "حدث عن الكلبي: الثوريُّ وشعبةُ وإن كانا حدثا عنه بالشيء اليسير غير المسند، وحدث عن الكلبي ابنُ عيينة وحماد بن سلمة وإسماعيل بن عياش وهشيم وغيرهم من ثقات الناس، ورضوه بالتفسير .. " (٤). بمعنى أنهم قبلوا ما يأتي به من التفسير فيفرق بين أقواله وروايته. وقال عثمان بن زائدة الرازي: قدمت الكوفة قدمة، فقلت لسفيان الثوري: من ترى أن أسمع منه؟ قال: عليك بزائدة وسفيان بن عيينة، قلت: فأين أبو بكر بن عياش؟ قال: إن أردت التفسير فعنده (٥). وقال علي بن المديني في عبد الله بن أبي نجيح: أما التفسير؛ فهو فيه ثقة يعلمه، قد قفز القنطرة (٦).
следующие страницы →