← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

في السر يستدعونه إلى الوصول (١). وتوقف (٢) [الملك الصالح (٣)] في أمره خوفا أن لا يكون لما كاتبوه [به (٤)] حقيقة، وعلم أن (٥) عسكره لا يقوم بحرب عسكر مصر، فتوقف حتى تتبين له الأمور، وجواسيسه (٦) وقصاده ما تنقطع عن مصر. وكان الأمير فخر الدين (٧) بن شيخ الشيوخ من أجل الأمراء [وأعظمهم (٨)] [عند (٩) الملك العادل]، ويقتاد به جماعة من الأمراء والجند، فكاتب الملك الصالح واستحثه على سرعة القدوم [إلى الديار المصرية (١٠)]. وأطلع الملك الناصر على ذلك، فأعلم به الملك العادل، فقبض عليه واعتقله في قلعة الجبل. [ذكر بقية حوادث هذه السنة (١١)] ولما استقر الملك الصالح بنابلس ولى عليها وعلى أعمال القدس والأغوار والخليل وبيت جبريل والساحل وغيره إلى العريش. وتقدم (١٢) بضرب خيمة السبق بالعوجاء (١٣)، وتقدم إلى جماعة من [أمراء (١٤)] المصريين، وجماعة من عسكر دمشق

стр. 1822

[أن يتقدموا إلى غزة، فرحلوا إليها ونزلوا بظاهرها (١)] وقصاد (٢) عسكر مصر ما تنقطع عنه. وأخذ الملك الصالح في تهيئة أسباب السفر (٣)، وتقدم إلى الأمراء بأن يعملوا الأزواد لدخول الرمل - من البقسماط وغيره. ووصل إلى معسكر (٤) الملك الصالح الصاحب محيى الدين يوسف بن جمال الدين ابن الجوزى رسولا من الخليفة [الإمام (٥)] المستنصر بالله ليصلح بين الملك الصالح وأخيه الملك العادل (٦). وأرسل الملك، الصالح [نجم الدين أيوب (٧)] يطلب من عمه الملك الصالح اسماعيل (٨) صاحب بعلبك أن يصل إليه بنفسه ليمضى معه إلى الديار المصرية، فتعلل واعتذر، وسير ولده الملك المنصور نور الدين محمود (٩) نائبا عنه في الخدمة، ووعد الوصول (١٠) إلى خدمته بعد ذلك، وهو في الباطن يعمل على السعى في انتزاع دمشق منه.

стр. 1823

وفى هذه السنة قتل ألبى بن الملك السعيد نجم الدين غازى جده [١٥ ب] الملك المنصور ناصر الدين أرتق بن نجم الدين إيلغازى (١) بن ألبى بن تمرتاش ابن إيلغازى بن أرتق، وساعده على قتله جماعه من المماليك، وذلك في العشر الأوسط من ذى الحجة. وكان الملك السعيد معتقلا بقلعة يقال لها البارعية، اعتقله فيها أبوه الملك المنصور. ولما قتل الملك المنصور تولى البلاد ابنه (٢) الملك السعيد، واعتقل ابنه ألبى إلى أن مات.

стр. 1824

ودخلت سنة سبع وثلاثين وستمائة (*) والسلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن الملك الكامل بالديار المصرية وعنده ابن عمه الملك الناصر داود [بن الملك المعظم (١)]. وبرز الملك العادل إلى بلبيس وأقام بها وهو خائف من أخيه الملك الصالح، لكنه أظهر قصد الشام ومحاربة أخيه الملك الصالح وانتزاع الشام منه (٢). وتقدمت مقدمة عسكره فنزلوا الخشبى (٣) وهو طرف الرمل. وأخذ محيى الدين بن الجوزى رسول الخليفة في الإصلاح بين الأخوين على أن تكون دمشق وبلادها التي كانت مضافة إليها في أيام الملك الأشرف [بن الملك العادل (٤)] إلى الملك (٥) الصالح نجم الدين [أيوب (٦)]، ويرد إلى الملك الناصر [داود (٧)] ما أخذ منه من البلاد، وتكون الديار المصرية للملك العادل، وتتفق الكلمة ويزول ما بينهم من الشحناء. وكان مع محيى الدين [رسول الخليفة (٨)] ولده شرف الدين، وكان شابا فاضلا ذكيا يتردد (٩) في هذا المعنى بين الأخوين، فكان (١٠) يذهب إلى مصر

стр. 1825

فيجتمع بالملك (١) العادل ثم يعود إلى الملك الصالح، ومحيى الدين مقيم [بنابلس (٢)] عند الملك الصالح. وآخر الأمر أنه تقارب ما بين الأخوين الملك العادل والملك الصالح، ولولا ما حدث من الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك كان الصلح انتظم بينهما. ولما تقارب الأمر في معنى الصلح رحل محيى الدين بنفسه إلى الديار المصرية، واستصحب معه جمال الدين يحيى بن مطروح ناظر الجيش رسولا من الملك الصالح لتقرير قواعد الصلح [بينهما (٣)]، فتوجها إلى [١٦ ا] مصر وأخذا (٤) مع الملك العادل في تقرير قواعد الصلح والاتفاق، [فوصلا وأديا الرسالة، وأقاما عند الملك العادل بمصر إلى أن جرى ما سنذكره إن شاء الله (٥) تعالى]. ذكر ما اعتمده الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل من التدبير إلى أن تم له ما أراد من تملك دمشق (٦) كانت مكاتبة الملك الصالح مترددة إلى عمه الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك متقاضية (٧) له بالوصول (٨) إلى نابلس ليتفقا على المسير (٩) إلى ديار مصر.

стр. 1826

وكان الملك المنصور نور الدين محمود بن الملك الصالح إسماعيل في نابلس عند [ابن عمه (١)] الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٢)]- كما ذكرنا (٣) - نائبا عن أبيه في الخدمة، وأبوه الملك (٤) الصالح إسماعيل لا يظهر إلا الطاعة، ويعده بأنه يصل إلى خدمته ويساعده على قضاء مآربه، وهو في الباطن يكاتب الملك العادل [بن الملك الكامل] (٥) صاحب مصر يخبره بما هو عازم عليه من أخذ دمشق من الملك الصالح نجم الدين [أيوب (٦)]، وأنه إذا ملك دمشق كان نائبه فيها، وأقام الخطبة له، وضرب (٧) السكة باسمه. [وكتبه (٨)] ورسله [أيضا (٩)] متواتره إلى الملك المجاهد صاحب حمص في تقرير قواعد ما عزم عليه من الوثوب على الملك الصالح نجم الدين وأخذ دمشق منه. ولما أبطأ على الملك الصالح نجم الدين [أيوب (١٠)] وصول عمه الملك الصالح [عماد الدين اسماعيل (١١)] إليه، سير إليه الحكيم سعد الدين الدمشقى يتقاضاه (١٢) في سرعة القدوم إلى نابلس، وأصحبه قفصا فيه حمام ليطالعه بالأخبار يوما فيوما (١٣). فجرت واقعة غريبة لم يسمع بمثلهاو هى (١٤) أن سعد الدين الحكيم لما وصل إلى بعلبك أنزله الملك الصالح إسماعيل صاحبها [عنده (١٥)]، وأبدل الحمام الذى في قفصه

стр. 1827

بحمام من حمام قلعة بعلبك، وسعد الدين لا يشعر بدلك (١)، وأخذ الملك الصالح [إسماعيل (٢)] في التدبير على أخذ دمشق وجمع الرجال والأحشاد (٣) والاحتفال لقصد دمشق. وتحقق سعد الدين ما يفعله (٤)، فكان يكتب في البطائق إلى مخدومه الملك الصالح نجم الدين أيوب بما يشاهده من غدر الملك الصالح [عماد الدين اسماعيل (٥)] وسعيه في قصد دمشق ويعلق البطائق في أجنحة الحمام فيقع [١٦ ب] الحمام في برجها فيأخذ البرّاج البطائق منها، ويحملها (٦) إلى الملك الصالح [إسماعيل (٧)]، فيأمر أن يكتب بدلها على لسان سعد الدين ويعلق في أجنحة الحمام التي كانت في قفص سعد الدين. ويذكر في تلك البطائق أن المولى الملك الصالح [عماد الدين اسماعيل (٨)] مهتم بالمسير إلى العسكر المنصور بنابلس بنفسه، وما يتأخر قدومه عن (٩) السلطان، فيصل الحمام إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين بذلك فيطيب قلبه، وينتظر وصول عمه [الملك الصالح (١٠)] إليه. فتم للملك الصالح إسماعيل بهذا التدبير ما أراده من جمع الرجال

стр. 1828

والأحشاد (١) لقصد دمشق، وانقطاع (٢) الأخبار بذلك عن الملك الصالح نجم الدين [أيوب] (٣). ثم بعث الملك الصالح [عماد الدين] (٤) إسماعيل إلى ولده الملك المنصور يستدعيه إليه، وأوهم الملك الصالح نجم الدين أنه إنما يطلبه ليجعله نائبا عنه في بعلبك ويصل إلى خدمته، فتوجه الملك المنصور بأصحابه إلى والده [الملك الصالح عماد الدين إسماعيل] (٥). ثم سيّر الملك الصالح نجم الدين ولده الملك المغيث فتح الدين عمر إلى دمشق [ليحفظها (٦)] فأقام بقلعتها. ذكر قبض الملك المجاهد أسد الدين صاحب حمص على الأمير سيف الدين بن أبى على ومن معه من الأمراء وأكابر أهل حماة (٧) ومن الغرائب التي وقعت في هذه السنة ما نذكره الآن، وهو أنّا كنا قد ذكرنا انتماء الملك المظفر صاحب حماة إلى ابن خاله السلطان الملك الصالح نجم الدين [أيوب (٨)]، وأنه عادى جيرانهم كلهم بسبب الانتماء إليه وإلى والده من قبله. وبلغه أن الملك الصالح [عماد الدين] (٩) إسماعيل صاحب بعلبك قد اتفق هو والملك المجاهد صاحب حمص على قصد دمشق وأخذها من الملك الصالح نجم الدين

стр. 1829

[أيوب] (١). وتحقق أن الملك الصالح مقيم بنابلس في العساكر كلها وأنه لم يترك بدمشق [مع ولده الملك المغيث] (٢) عسكرا يحفظها، وأنه متى قصدها صاحب حمص وصاحب بعلبك أخذت لا محالة، فرأى من المصلحة أن يسيّر جماعة من عسكره وأهل بلده يحفظونها. وكان الأمير [١٧ ا] سيف الدين على بن أبى على الهذبانى غالبا على أمره كله - كما قدمنا ذكره (٣). فاتفق الملك المظفر مع سيف الدين على [بن أبى على (٤)] أن يظهر سيف الدين الحرد (٥) عليه (٦) ومفارقته، ويوهم (٧) سيف الدين أكابر [أهل (٨)] حماة بأن الملك المظفر قد عزم على تسليم حماة إلى الفرنج (٩) لما حصل عنده من الغبن من إساءة المجاورين له وقصدهم أخذ بلده منه. وقصد الملك المظفر وسيف الدين بهذا الذى اتفقا عليه أن تتم هذه الحيلة على الملك المجاهد صاحب حمص، ولا يتعرض (١٠) لسيف الدين والعسكر الذين معه وأكابر البلد (١١)، ويمضوا (١٢) إلى دمشق

стр. 1830

فيحفظوها للملك الصالح نجم الدين [أيوب (١)] إلى أن يملك الديار المصرية ويرجع إلى دمشق. [ففعل سيف الدين ذلك (٢)] وأظهر (٣) الغضب على الملك المظفر والنفور منه، واقتطع جملة من العسكر استمالهم (٤) إليه وكذلك استمال جملة من أكابر الرعية (٥) من المعممين. وأوهمهم كلهم أن حماة قد عزم صاحبها الملك المظفر على تسليمها (٦) إلى الفرنج (٧)، ومتى قدم الفرنج حماة (٨) [استولوا عليها وسبوا (٩)] أولاد الرعية وذراريهم. واستخدم الملك المظفر جماعة من الفرنج وأنزلهم عنده بالقلعة [ليقوى هذا الإيهام (١٠)]. فخافت الرعية والجند أن يستولى عليهم الفرنج، فاجتمع إلى سيف الدين [على بن أبى على (١١)] خلق [كثير (١٢)] ونزل بهم على تل صفرون ظاهر حماة. وكان الملك المظفر يركب كل يوم ويمضى إلى خيمته (١٣) ويتفقان في الباطن على ما يريدان ويدبرانه. وأوهم (١٤) الملك المظفر أصحابه أنه إنما يأتى إلى سيف الدين مسترضيا له ومستعطفا، [فبقى على ذلك ثلاثة أيام (١٥)]. ثم رحل

стр. 1831

سيف الدين بمن معه من الجند والرعية ومعهم (١) عيالاتهم وأطفالهم فإنهم نزحوا من حماة نزوح من لا يتوهم العود إليها (٢). ولما وصلوا حمص نزلوا بحيرة قدس (٣)، ولم يخف عن الملك المجاهد [صاحب حمص (٤)] المقصود، فركب وقصد إليهم. فلما صار بالقرب منهم طلب الاجتماع بسيف الدين، فجاءه سيف الدين منفردا مطمئنا إليه، فلو (٥) حاربه بمن معه وامتنع بالجيش الذى صحبه، لما قدر الملك [١٧ ب] المجاهد عليه، وكان وصل إلى دمشق وحفظها بمن معه ومن فيها (٦) إلى أن يصل الملك الصالح من نابلس بمن معه من العساكر (٧)، وكان يتعذر على [عمه (٨)] الملك الصالح [إسماعيل (٩)] أخذ دمشق منه. ولكن إذا قضى الله أمرا فلا مرد له. ولما اجتمع به سيف الدين، رحب به الملك المجاهد (١٠) وأحسن تلقيه، وسأله عن سبب مقدمه فقال له سيف الدين: «إنى ما سافرت من حماة [أنا (١١)] وهؤلاء الذين معى إلا لعلمنا من ميل الملك المظفر إلى الفرنج واعتضاده بهم، وخفنا من

стр. 1832

تسليمها (١) إليهم، فأردنا النجاة لأنفسنا والخلاص (٢) من مخالطة [الكفار] (٣) أعداء الدين». فآنسه الملك المجاهد [عند ذلك ولا طفه (٤)] وسام منه (٥) الدخول إلى حمص ليضيفه بها، ثم يأذن له ولأصحابه في السفر إلى حيث شاؤا، فاغتر [سيف الدين (٦)] بذلك ودخل معه إلى حمص، وصعد معه إلى القلعة فأنزله بها (٧) في دار [حسنة (٨)]، وأظهر إكرامه والإحسان إليه. ثم بعث إلى أصحاب سيف الدين يأمرهم بدخول حمص (٩) فدخل أكثرهم، وهرب بعضهم ونجا (١٠)، وحصل أكثرهم في القبضة، ووقع عليهم خذلان من الله تعالى، ولو قاتلوا لانتصفوا ونجوا. ثم اعتقل الملك المجاهد سيف الدين [بن أبى على (١١)] وقيده وضيق عليه، واعتقل الأكابر من أهل حماة والجند وقيدهم وضيق عليهم واستصفى ما كان معهم من الأموال والدواب والقماش. وعاقب بعضهم أشد العقوبة لاستخلاص (١٢) الأموال منهم؛ وكان من جملتهم الحكيم (١٣) موفق الدين محمد بن أبى الخير الطبيب، وكان

стр. 1833

فاضلا في علم الطب متقنا له، وكانت منزلته عند الملك المظفر عالية جدا، وكان مع ذلك دينا متورعا. ومنهم أيضا الحكيم زين الدين بن سعد (١) الدين بن سعد الله ابن واصل ابن عمى. فأما موفق الدين فمات (٢) في الحبس بسبب التضييق والضرب، وأما [الحكيم زين الدين ابن عمى (٣)] فشفع فيه صاحب مصياف مقدم (٤) الإسماعيلية فخلص بعد مدة. وكان من [١٨ ا] جملتهم أيضا الأمير بدر الدين محمد بن أبى على الهذبانى والد الأمير حسام الدين أستاذ دار الملك الصالح نجم الدين [أيوب] (٥) وهو عم الأمير سيف الدين [بن أبى على (٦)] والأمير علاء الدين قريبه. ومن جملتهم جماعة من أكابر بنى قرناص، كانت لهم نعمة (٧) وافرة ومنزلة عند الملك المظفر علية، هلك بعضهم في الحبس وخلص الباقون (٨) بعد مدة بعد أن باعوا [أكثر (٩)] أملاكهم (١٠) وأدّوها [مع أموالهم (١١)] إلى الملك المجاهد. وهلك سيف الدين [على بن أبى على (١٢)] في الحبس [بعد موت الملك المجاهد، ثم خلص عمه بدر الدين، والأمير حسام الدين وعلاء الدين قريبه (١٣)].

стр. 1834

ذكر استيلاء الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن الملك العادل على دمشق وهو استيلاؤه الثانى عليها (١) ولما جرى (٢) ما ذكرناه ضعف الملك المظفر - صاحب حماة - جدا (٣) لذهاب عسكره ورجاله. واغتنم (٤) الملك الصالح [عماد الدين (٥)] إسماعيل والملك المجاهد صاحب حمص ذلك مع بعد الملك الصالح نجم الدين [أيوب (٦)] من (٧) دمشق وخلو دمشق ممن يحفظها، فرحل (٨) [الملك الصالح عماد الدين إسماعيل (٩)] من بعلبك في عسكره ومن جمع وحشد من الرجالة وقصد دمشق من جهة عقبة دمر (١٠). ورحل الملك المجاهد من حمص في عسكره وقصد دمشق من [جهة] (١١) ثنية العقاب (١٢) وذلك في شهر صفر من هذه السنة - أعنى سنة سبع وثلاثين وستمائة - فاجتمعوا (١٣) على دمشق

стр. 1835

ولم (١) يشعر الناس بهم إلا وهم على أبواب دمشق بكرة النهار في جمع عظيم من الخيالة والرجالة وليس في دمشق من يمنع عنها ولا يذب. فتسلق جماعة من أصحاب الملك الصالح من خان ابن المقدم الذى يلى باب الفراديس ونزلوا منه، وكسروا قفل باب الفراديس، وساعدهم على ذلك جماعة مخامرون في البلد، فدخل الملك الصالح [عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل (٢)] والملك المجاهد [صاحب حمص (٣)] إلى دمشق، وطيب الملك الصالح قلوب الرعية، وقال [لهم (٤)]: «ادعوا للسلطان الملك العادل، فأنا نائبه وغلامه». ثم مضى إلى داره بدرب الشعارين فنزلها، ونزل الملك المجاهد في داره التي بقرب [١٨ ب] الجامع. ولما جرى ذلك امتنع الملك المغيث بن [السلطان (٥)] الملك الصالح نجم الدين [أيوب (٦)] في القلعة ومعه (٧) جماعة قليلون، وغلقوا باب القلعة واستحصروا بها. ثم زحف (٨) الملك الصالح [عماد الدين إسماعيل (٩)] والملك المجاهد على القلعة [فسلمت

стр. 1836

إلى الملك الصالح بالأمان ثانى يوم دخولهم إلى دمشق (١)]. وصعد الملك الصالح [عماد الدين إسماعيل (٢)] [إلى القلعة (٣)] واستولى عليها، واعتقل الملك المغيث ابن الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٤)] في برج من أبراجها، ولم يزل معتقلا فيه (٥) إلى أن مات على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ذكر ما تجدد للملك الصالح نجم الدين أيوب بعد أخذ دمشق منه، من مسيره إلى دمشق (٦) ومفارقة عسكره له ورجوعه إلى نابلس ومقامه بها ووردت الأخبار إلى الملك الصالح نجم الدين [أيوب (٧)] ومعه أكثر العساكر وبعضهم قد تقدمه (٨) إلى غزة كما ذكرناه (٩)، أن عمه الملك الصالح والملك المجاهد

стр. 1837

[أسد الدين (١)] على عزم قصد دمشق وأخذها منه، فتقدم إلى أستاذ داره الأمير حسام الدين بن أبى على [محمد (٢)] بالمضى بأصحابه إلى دمشق لحفظها (٣) قبل أن يصل الملك الصالح والملك المجاهد إليها. فسار إليها حسام الدين (٤) بجماعته مسرعا وكنت (٥) في صحبته. فلما وصل إلى عقبة فيق اعترضه جماعة من عسكر الملك الناصر فلم يتمكنوا من مقاتلته واندفعوا عنه. وصعد عقبة فيق وسار مجدا، فلما وصل إلى الصنمين (٦) أتاه قاصد وقت السحر ومعه كتاب من دمشق يخبر فيه أن الملك الصالح والملك المجاهد قد قصدا دمشق وهم يباكرونها. وكان ورد الكتاب بذلك إليه سحر، فقرأه على ضوء المشعل وجدّ في السير. فلما قارب الكسوة (٧) ورد الخبر بمنازلتهما دمشق، وعلم أنه لم يبق له سبيل إلى دخولها، فرجع طالبا جهة مخدومه الملك الصالح نجم الدين، وترك ثقله وخزائنه. فترك [١٩ ا] الثقل والخزانة بالقرية المعروفة بخياره (٨) في جماعة من أصحابه الذين لم يمكنهم اللحاق به. وأقاموا بالقرية المذكورة بقية ذلك اليوم والليلة

стр. 1838

القابلة، وبتّ معهم فيها. فلما كان وقت طلوع الفجر جاء جماعة كثيرة من مماليك الملك الصالح [عماد الدين إسماعيل (١)] فأحاطوا بالثقل والخزانة ودخلوا به إلى دمشق. ودخلت البلد، والقلعة بعد لم تفتح. ثم فتحت في آخر النهار من ذلك اليوم، فتواريت ولم أظهر خوفا من صاحب حمص فإنه كان يتبع أهل حماة لعداوته لصاحبها. وبعد رحيل الأمير حسام الدين من نابلس، رحل الملك الصالح بمن معه في نابلس بالعساكر. فلما وصل إلى بيسان من الغور وصل الخبر إليه بنزول عمه الملك الصالح على دمشق وتسلمه لها. ووصل إليه الأمير حسام الدين عائدا إليه من جهة دمشق، فأمر بتحليف الجند وعنده أن القلعة لم تسلم. ولو بقيت ممتنعة حتى وصل بالعسكر إليها اندفع الملك الصالح، وصاحب حمص. ثم رحل الملك الصالح بالعسكر وقطع بهم نهر الأردن، ونزل على القصر المعروف بقصير معين الدين (٢). فتواترت الأخبار بتسلم الملك الصالح [عماد الدين إسماعيل (٣)] قلعة دمشق، ففسدت نيات العسكر، وعلموا أنهم لا يمكنهم المقام معه والبلاد قد صارت لغيره، وأيضا فأهاليهم وأولادهم بدمشق. وتحققوا أن الملك الصالح لم يبق له ملجأ ولا وزر (٤) وأنّ أمره قد تلاشى بالكلية (٥). وكان معه

стр. 1839

من [ملوك (١)] أهل بيته [عماه (٢)] الملك المعز مجير الدين يعقوب، والملك الأمجد تقى الدين عباس إبنا الملك العادل، والملك المظفر [تقى الدين (٣)] والملك السعيد معين الدين إبنا الملك الأمجد صاحب بعلبك، والملك المظفر بن [الملك المجاهد (٤)] صاحب حمص، [وكان قد فارق أباه وخدم الملك الصالح (٥)]. فبعث هؤلاء والأمراء (٦) [إلى الملك الصالح (٧)] يقولون له: «لا يمكننا المقام معك هاهنا فإن أهلنا وأولادنا بدمشق فاذن لنا في الرحيل إلى دمشق» (٨)، فأذن لهم، فضربت كوساتهم، ورحلوا وهو ينظر إليهم. وكان له خادم يقال له شهاب الدين فاخر [هو من أقرب الخدام إليه (٩)] [١٩ ب] فنهب (١٠) شيئا كثيرا من قماشه [وخزائنه (١١)]، واستصحب جماعة من مماليكه الأصاغر وغلمانه وهرب (١٢) مع العسكر [بهم (١٣)]. [وجاءه القاضى بدر الدين يوسف بن الحسن الزر زارى قاضى سنجار - وهو أجل أصحابه - وله من اليد عنده ما قدمناه من الإصلاح بينه وبين

стр. 1840

الخوارزمية حتى رحّلوا عنه صاحب الموصل فاستأذنه في المضى إلى دمشق فأذن له. ورحل العسكر كلهم ومن كان معه من الكتاب والمتصرفين والغلمان إلى دمشق] (١). ولم يبق [مع الملك الصالح نجم الدين أيوب (٢)] [من أمرائه] (٣) غير خمسة أنفس (٤)، أو ستة منهم الأمير حسام الدين بن أبى على [أستاذ داره (٥)]، وزين الدين أمير جاندار (٦)، وشهاب الدين بن سعد الدين بن كمشبة (٧)، وأبوه (٨) سعد الدين ابن عمة الملك الكامل، [وشهاب الدين بن الغرس] (٩). وبقى معه من مماليكه الأكابر [جماعة، ذكر لى أنهم كانوا سبعين نفسا (١٠)]. وبقى معه كاتب الإنشاء بهاء الدين زهير (١١). وأقام (١٢) الملك الصالح [نجم الدين أيوب] (١٣) بمنزلته بعد أن فارقه [أصحابه وعساكره (١٤)] بقية يومه.

стр. 1841

ولما جنه الليل أمر أن لا تشعل الفوانيس [ولا المشاعل (١)]، [ثم رحل بمن بقى معه من أصحابه ليلا طالبا جهة نابلس (٢)]. فحكى لى [بعد ذلك (٣)] الأمير حسام الدين قال: لما فارق الملك الصالح [نجم الدين أيوب العسكر ورحل من منزلته (٤)] اختلفت كلمة الجماعة الذين بقوا معه (٥)، فمنهم من أشار بالمضى إلى الشقيف (٦) والتحصين به، فلم ير هذا مصلحة، وعلم أن الملك الصالح [اسماعيل (٧)] عمه ربما قصده، وحاصره حتى يأخذه ويقبض عليه. ومنهم من أشار عليه بأن يمضى (٨) إلى الشرق فإن له به حصن كيفا، وهو حصن منيع، وقلعة الهيثم وغيرها من معاقل آمد. وقال هذا القائل له (٩): «أن عمك [الملك الصالح (١٠)] قد اشتغل بملك دمشق فما له فراغ لإتباعك». فلم يجسر على هذا الأمر وخاف أن يتبع ويؤخذ والمسافة بعيدة (١١). وقال: «ما أرى إلا التوجه إلى نابلس وألتجىء إلى ابن عمى الملك الناصر» فتوجه (١٢) إلى نابلس.

стр. 1842

ولما (١) طلعت الشمس ورأى مماليكه ما هم فيه من القلة والحالة التي دفعوا (٢) إليها [٢٠ ا] واقعهم البكاء والنحيب. واعترضهم جماعة من العربان وغيرهم وحاربوهم، فقاتلهم الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٣)] وأصحابه فانتصر عليهم، ومضى إلى نابلس فنزل بظاهرها [بالمنزلة التي يقال لها بلاطة (٤)]. ولما وصلت العساكر [الذين فارقوه (٥)] إلى دمشق قوى بهم الملك الصالح [عماد الدين (٦)] اسماعيل وتمكن أمره. وكان وزيره أمين الدولة سامريا (٧) فأسلم في صباه، وحسن إسلامه. وكان عمه (٨) وزير صاحب بعلبك الملك الأمجد (٩)، [﵀ (١٠)]، ومدبر دولته وفيه (١١) يقول بعض الشعراء: الملك الأمجد الذى شهدت ل ... هـ البرايا بالعقل والفضل أصبح في السامرى معتقدا ... معتقد السامرى في العجل وحكى [لى (١٢)] أنه قال لابن أخيه أمين الدولة لما أسلم: «يا ولدى إن كنت ندمت على إسلامك، فأنا أسيرك إلى [بلد من] (١٣) بلاد الفرنج تكون فيه وترجع (١٤)

стр. 1843

إلى دينك»، فقال: «ما أسلمت إلا بنية صادقة، وأنا معتقد دين الإسلام». فقال له: «إذا (١) كان الأمر على ما تقول فكن مسلما جيدا». ولما ملك الملك الصالح دمشق كانت أمور المملكة كلها (٢) مفوضة إلى أمين الدولة، وكان قد صحب أمين الدولة القاضى رفيع الدين الجيلى (٣)، وكان بدمشق خاملا وهو فقيه في بعض المدارس، فقدمه أمين الدولة. ولما (٤) ملك الملك الصالح [عماد الدين اسماعيل (٥)] دمشق [ولاه أمين الدولة (٦)] المدرسة التي وقفتها (٧) ست الشام بنت أيوب خارج البلد، وهى مدرسة جليلة (٨). ثم اتفقت وفاة القاضى شمس الدين الخوىّ ﵀ فولى أمين الدولة القضاء بدمشق لرفيع الدين الجيلى (٩) وقربه إلى الملك الصالح، فسلك الرفيع الجيلى (١٠) سيرة ردية جدا. وسنذكر (١١) إن شاء الله تعالى ما آل (١٢) أمره وأمر أمين الدولة إليه.

стр. 1844

ولما دخلت العساكر الذين كانوا مع الملك الصالح إلى دمشق (١) كان فيهم نور الدين بن فخر الدين عثمان و [الأمير (٢)] الدنيسرى وقضيب البان وهم الذين كانوا قفزوا من مصر [إلى عند الملك الصالح نجم الدين أيوب، ثم قفزوا من عنده إلى عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل. فلما استقر الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بدمشق جفل منهم (٣)] فاعتقلهم ولم يزالوا [٢٠ ب] في حبسه إلى أن ماتوا. وأما العسكر (٤) الذين كانوا [تقدموا مع حسام الدين أبى على إلى غزة فإنه لما رجع إلى عند مخدومه لم يرجع أكثرهم. فلما تحققوا ما جرى على الملك الصالح نجم الدين أيوب رجعوا إلى الديار المصرية (٥)]. وأما الملك المظفر صاحب حماة (٦) فإنه اجتمع عليه في هذا الوقت (٧) أمران مؤلمان جدا أحدهما القبض على الأمير سيف الدين [أبى على] (٨) وخواص عسكره وكبراء والده (٩)، والثانى أخذ دمشق وماجرى على الملك الصالح نجم الدين [أيوب (١٠)] من مفارفة العساكر له، فاستمر على الانتماء إلى الملك الصالح [نجم الدين أيوب] (١١)،

стр. 1845

وإقامة الخطبة له ببلده إلى أن جرى ما سنذكره [إن شاء الله تعالى (١)]. وضاق الأمر على الملك المظفر لأنه لم يبق له من البلاد إلا بعرين، وأعداؤه محيطون به من كل جانب وقد تمكنوا وقووا. ذكر قدوم الملك (٢) الناصر داود بن الملك المعظم من الديار المصرية إلى بلاده واعتقاله لابن عمه [السلطان (٣)] الملك الصالح نجم الدين [أيوب بن الملك الكامل (٤)] كنا قد ذكرنا مقام الملك الناصر داود بالديار المصرية عند ابن عمه الملك العادل، وفى هذه السنة حصل عند الملك العادل وحشة من الملك الناصر (٥) وتغير عليه، فسافر الملك (٦) الناصر من ديار مصر ومعه الأمير سيف الدين على بن قلج فقدم إلى الكرك. واتفق ماجرى ذكره من مفارقة العساكر للملك الصالح نجم الدين [أيوب (٧)] ورجوعه إلى نابلس ومقامه بها مع شرذمة [قليلة (٨)] من أصحابه، فأرسل [الملك الناصر] (٩) إلى ابن عمه الملك الصالح [يطيب قلبه] (١٠) ويعده النصرة والمساعدة، وأشار عليه أن ينتقل إلى

стр. 1846

الدار التي كان نازلا (١) بها وهى دار الملك المعظم ﵀ فانتقل إليها وأذن له أن يبعث ولاته إلى غزة والسواحل. ثم قدم (٢) الملك الناصر في عسكره إلى نابلس، ولم يجتمع بابن عمه الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٣)]. وأمر يوما بضرب البوق فضربت (٤)، وأوهم أن الفرنج قد أغاروا على بعض النواحى فركب عسكره وجماعة الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٥)] الذين كانوا معه. وتقدم الملك الناصر حينئذ (٦) بتسيير الملك الصالح إلى الكرك، [وكان ذلك ليلا (٧)]. وبعث معه [٢١ ا] جماعة من أصحابه. ولم يصحب الملك الصالح [نجم الدين أيوب] (٨) من مماليكه سوى [الأمير] (٩) ركن الدين بيبرس (١٠)، وبعث معه [سريته (١١)] أم ولده خليل المسماة (١٢) شجر الدر، وهى التي دعى لها باسم السلطنة بديار مصر، وخطب لها على المنابر مدة ثلاثة أشهر، ولم يجر هذا في الإسلام لغيرها على ما سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى، فوصل الملك الصالح إلى الكرك وأنزل بقلعتها في دار السلطنة. وتقدم الملك الناصر إلى والدته وزوجته

стр. 1847

بنت (١) عمه الملك الأمجد حسن بن الملك العادل أن تقوما بخدمته وبجميع وضائعه (٢). وأرسل إليه (٣) يقول له: «إنما فعلت هذا احتياطا عليك لئلا يصل إليك مكروه من أخيك ولا من عمك، ولو لم أسيّرك إلى الكرك لقصداك وأهلكاك (٤)». وأمر الملك الناصر شهاب الدين ونجم الدين إبنى شيخ الإسلام بملازمة خدمة الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٥)] وتأنيسه. وكان هذان من أخص أصحاب الملك الناصر وأجناده (٦). وكان شهاب الدين مع جنديته فاضلا فقيها ولى التدريس بالمدرسة الجاروخية بدمشق (٧)، فكان يجمع بين الجندية والفقه. وهما من الأكراد. ولما ملك الملك الصالح [نجم الدين أيوب بعد ذلك] (٨) الديار المصرية، قصداه لما حصل بينه وبينهما في الكرك من الصحبة، فأكرمهما وأحسن إليهما وأعطاهما أخبازا جيدة بمصر. ورتب شهاب الدين بدار العدل لإزالة ما يرفع من المظالم.

стр. 1848

وكان فيها معه - في أول ملك الصالح - القاضى الشريف شمس الدين قاضى العسكر، وفخر الدين بن القاضى عماد الدين بن السكرى، والفقيه عباس خطيب القلعة وغيرهم مع قاضى القضاة بالديار المصرية. وقتل نجم الدين بن شيخ الإسلام شهيدا لما قدم الفرنج إلى دمياط. وكان أولاد الملك الناصر [داود (١)] لا يزالون في خدمة الملك الصالح في الكرك (٢) وبين يديه، ويحضر له كل ما (٣) يشتهيه من الأطعمة والأشربة والملابس، فكان لا يفقد شيئا إلا الملك. وخيّر الملك الناصر [داود (٤)] أصحاب الملك الصالح الذين كانوا معه [بأن يقيموا عنده ويجرى (٥)] عليهم من الإحسان [٢١ ب] والإنعام ما كان جاريا عليهم في أيام مخدومهم، [وخيرهم بين ذلك (٦)] وبين أن يسافروا حيث شاؤا. ووعدهم أنه لا بد أن يخرج مخدومهم من الاعتقال ويقوم بنصرته إذا أمكنه ذلك. فاختار مماليك السلطان الملك الصالح وأكثر أصحابه المقام عنده (٧). فممن أقام عنده بهاء الدين كاتب الإنشاء، وشهاب الدين بن سعد الدين كمشبة (٨). وطلب حسام الدين ابن أبى على وزين الدين أمير جاندار [منه (٩)] دستورا فأذن لهما، فقدما دمشق

стр. 1849

فاعتقلهما (١) الملك الصالح عماد الدين بقلعة دمشق. فأما أمير جاندار فأطلقه بعد أيام، وأما حسام الدين [بن أبى على (٢)] فأخذ [جميع (٣)] ما كان معه، [وكان قبل ذلك كما ذكرنا قد أخذ ثقله وخزائنه من القرية المسماه خياره (٤)]، وجعل في رجله قيدا، وحبسه في حبس الخيالة (٥). وحبس في ذلك الحبس [معه] (٦) جماعة [كثيرة] (٧) من أصحاب الملك الصالح نجم الدين [أيوب (٨)]. فأقام حسام الدين في حبس الخيالة، وكنت أصعد إلى القلعه واجتمع به في الحبس في أكثر الأوقات. ولما ظهر الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٩)] نقله إلى قلعة بعلبك فاعتقله في جب فيها وضيق عليه غاية التضييق إلى أن جرى ما سنذكره إن شاء الله تعالى. [وأما زين الدين أمير جاندار فإنه أطلق من الاعتقال. وكان الأمير حسام الدين يرسلنى إلى القاضى بدر الدين قاضى سنجار، وإلى محيى الدين بن الجوزى رسول الخليفة المستنصر بالله في التوسط بينه وبين الملك الصالح عماد الدين ليطلقه من الحبس، فلم يجد الحديث في ذلك شيئا] (١٠).

стр. 1850

ذكر ما تجدد بمصر بعد أخذ الملك الصالح عماد الدين [اسماعيل (١)] دمشق ولما وصل الخبر إلى مصر بما جرى على الملك الصالح [نجم الدين أيوب] (٢) أظهر أخوه الملك العادل الفرح الكثير والسرور. وضربت البشائر، وزين البلدان القاهرة ومصر، وملئت عدة برك تحت قلعة الجبل من الجلاب (٣) وسبل ذلك للناس. [٢٢ ا] وأظهر الملك العادل (٤) [وأمه (٥)] من الاغتباط بهذا الأمر ما لا مزيد عليه. وسير الملك العادل (٦) علاء الدين بن النابلسى رسولا إلى ابن عمه الملك الناصر داود يطلب منه أن يسير أخاه الملك الصالح نجم الدين إليه (٧) تحت الاحتياط. فلما وصلت الرسالة بذلك إليه أنكر هذه الرسالة واستفظعها، وأبى أن يفعل ذلك وأن يخرجه من عنده (٨). فحكى لى علاء الدين بن النابلسى (٩)، وكان رجلا فاضلا أديبا متقنا، وأصله من نابلس، وهو ابن عم شمس الدين قاضى نابلس، يلتقى هو وهو في جد قريب. قال: لما اجتمعت بالملك الناصر أكدت معه في الباطن [أن لا نجيب (١٠)] إلى ما طلبه

стр. 1851

منه الملك العادل، وقبحت عنده إجابته إلى مطلوبه (١). ولما رجع علاء الدين إلى الملك العادل وأخبره بامتناع الملك الناصر من إخراج الملك الصالح [نجم الدين (٢)] من عنده، عاداه وتهدده بقصد بلاده وأخذها منه. فلم يلتفت الملك الناصر [داود (٣)] إلى تهديده ووعيده. وكنا قد ذكرنا (٤) أن الصاحب محيى الدين يوسف بن الشيخ جمال الدين بن الجوزى كان نازلا عند الملك الصالح نجم الدين [أيوب (٥)] بنابلس، وكان يسعى في الصلح بين الملك الصالح و [أخيه (٦)] الملك العادل، وأن إبنه شرف الدين كان يتردد [في الرسائل (٧)] بينه وبين الملك العادل، وأن الأمر في الصلح تقارب، وأن محيى الدين سافر إلى الديار المصرية في تتميم (٨) هذا الأمر، واستصحب معه جمال الدين يحيى بن مطروح، فأنزل جمال الدين في دار عند بركة الفيل وأحسن إليه وأكرم. فلما وردت الأخبار بماتم على الملك الصالح خاف جمال الدين بن مطروح على نفسه واستجار (٩) بمحيى الدين

стр. 1852

ابن الجوزى رسول الخليفة فأجاره. وسافر محيى الدين من القاهرة لتوفيق الحال بين الملك العادل والملك الصالح (١) إسماعيل وبين الملك الناصر داود صاحب الكرك، فسار (٢) جمال الدين بن مطروح في صحبته. ذكر استنقاذ الملك الناصر داود [بن الملك المعظم (٣)] البيت المقدس من الفرنج كنا قد ذكرنا (٤) أن السلطان الملك الكامل ﵀ كان سلم القدس إلى الفرنج في سنة ست وعشرين وستمائة على أن يكون الحرم الشريف (٥) بما فيه من المزارات للمسلمين وكذا جميع أعمال القدس ما خلا عشر ضياع على طريق الفرنج من عكا إلى (٦) القدس. وشرط أن يكون القدس خرابا [ولا يجدد فيه عمارة أصلا (٧)]. فلما مات الملك الكامل وجرى ما ذكرناه من الاختلاف بين الملوك، عمّر الفرنج في غربيه قلعة جعلوا برج داود ﵇ من أبراجها. وكان بقى (٨) هذا البرج لم يخرب لما خرب الملك المعظم أسوار القدس.

стр. 1853

ولما جرى ما ذكرناه من اعتقال الملك الصالح [نجم الدين أيوب] (١) بالكرك، توجه الملك الناصر داود بعسكره ومن معه من أصحاب الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٢)] إلى القدس، ونازل القلعة التي بناها الفرنج، ونصب عليها المجانيق (٣)، ولم يزل مصابرا لها حتى سلمت إليه بالأمان. ولما سلمت إليه هدمها، وهدم برج داود ﵇. واستولى الملك (٤) الناصر على القدس [الشريف (٥)] وطهره من الفرنج، ومضى من كان فيه من الفرنج إلى بلادهم. واتفق عند هذا الفتح وصول محيى الدين بن الجوزى رسول الخليفة وصحبته جمال الدين بن مطروح، فقال جمال الدين (٦) يمدح الملك الناصر داود، ويذكر مضاهاته [في فتح القدس (٧)] لعمه الملك الناصر صلاح الدين يوسف مع اشتراكهما في اللقب والفعل وهو معنى لطيف مليح (٨): المسجد الأقصى له عادة ... سارت فصارت مثلا سائرا إذا غدا بالكفر مستوطنا ... أن يبعث الله له ناصرا فناصر (٩) طهره أولا ... وناصر (١٠) طهره آخرا

стр. 1854

ووصل محيى الدين بن الجوزى إلى دمشق (١) ومعه جمال الدين بن مطروح، فأنزل محيى الدين بن الجوزى في دار الملك الصالح عماد الدين [إسماعيل (٢)] بدرب الشعارين، ونزل جمال الدين بن مطروح بمدرسة عز الدين أيبك المعظمى صاحب صرخد. [٢٣ ا] وكان الملك الصالح [عماد الدين (٣)] يجىء [كل يوم] (٤) إلى خدمة محيى الدين بن الجوزى. وأخذ محيى الدين في الإصلاح بينه وبين الملك الناصر داود وبين الملك العادل. ولم (٥) ينتظم في ذلك أمر لأن الملك الناصر كان لا يرضيه إلا أن ترد دمشق إليه. ثم سافر جمال الدين بن مطروح [ووصل إلى حماة، واجتمع (٦)] بالملك المظفر صاحبها فأنزله بدار زين بن قرناص، وهى على النهر العاصى المعروفة (٧) اليوم بالأمير مبارز الدين الملكى المنصورى ﵀[فأقام بها أياما (٨)]. ثم سافر جمال الدين بن مطروح بتقرير بينه (٩) وبين الملك المظفر [تقى الدين (١٠)] إلى الشرق، واجتمع بالأمير حسام الدين بركتخان (١١) - مقدم الخوارزمية -

стр. 1855

وتحدث معه في القيام بنصرة الملك الصالح نجم الدين. وكانت معه أيضا (١) رسالة من الملك الناصر داود مضمونها أن الملك الصالح لم يتركه الملك الناصر في الكرك (٢) معتقلا، [وإنما صان (٣) بإنزاله بالكرك] مهجته، خوفا عليه من أخيه [الملك العادل (٤)] وعمه الملك الصالح، وإنه سيخرجه ويملكه البلاد (٥)، فالمصلحة أن يتحركوا (٦) «وتغيروا على بلاد (٧) حلب وبلاد صاحب حمص» ثم عاد جمال الدين [بن مطروح (٨)] بعد أن قضى هذا المهم (٩) إلى حماة فأقام بها. وكان بدر الدين قاضى سنجار لمّا استأذن الملك الصالح نجم الدين [أيوب (١٠)] على القصد (١١) في الدخول إلى دمشق [وأذن له فيه، دخل (١٢)] إلى دمشق مع العسكر وأقام بها. وتردد إلى خدمة الملك الصالح اسماعيل، وكان يعرفه من أيام الملك الأشرف. وأيضا فلمّا مات الملك الأشرف وبعث الملك الصالح إسماعيل ولده الملك المنصور إلى سنجار [واستولى عليها، نازلها - كما ذكرنا - الملك الصالح

стр. 1856

نجم الدين (١)]. وكان (٢) القاضى بدر الدين متوليا (٣) للحكم فيها فتوسط بين الملك المنصور وابن عمه (٤) الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٥)] حتى يسلم الملك الصالح سنجار. ومضى الملك المنصور إلى أبيه، فأقبل الملك الصالح إسماعيل على القاضى بدر الدين واحترمه (٦). ثم إنه سيّره رسولا إلى سلطان الروم غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ في توفيق الحال بينه وبينه، واعتمد عليه في ذلك. وكان القاضى بدر الدين هواه مع الملك الصالح نجم الدين [أيوب (٧)] وإنما فارقه للضرورة، فتوجه القاضى بدر الدين إلى بلاد الروم واجتمع بالسلطان غياث الدين واستماله للملك (٨) الصالح نجم الدين وحسّن له موافقته ومساعدته على أعدائه. وضمن له عنه الموافقة والمعاضدة (٩) من الملك الصالح [نجم الدين أيوب (١٠)]. ورجع من عنده وقد بلغه خروج الملك الصالح نجم الدين واتفاقه مع ابن عمه الملك الناصر [داود (١١)]- على ما سنذكره [إن شاء الله تعالى] (١٢). فلم [يمكن القاضى

стр. 1857

بدر الدين (١)] المضى إلى دمشق فمضى إلى الإسماعيلية مستجيرا بهم وخائفا من الملك الصالح إسماعيل (٢). وكان مقدم الإسماعيلية (٣) يومئذ رجلا من العجم ورد من الألموت (٤) يقال له تاج الدين. اجتمعت (٥) أنا به، وكانت بينى وبينه مودّة، فأجاره تاج الدين. [ووصل إليه رسول الملك الصالح إسماعيل يطلب منه إنفاذ القاضى بدر الدين (٦)] فمغلطه ولم ينفذه. وتقدّم إلى القاضى بدر الدين أن يلتجىء إلى الملك المظفر، فجاء إلى حماة فأكرمه الملك المظفر وأنزله في داره المعروفة بدار الأكرم، وصار يجتمع به في غالب الأوقات، فمرة يستدعيه إليه، ومرة ينزل إليه ويؤانسه ويحادثه. وصارت حماة في تلك المدة ملجأ لأصحاب الملك الصالح نجم الدين [أيوب (٧)] وملاذا وموئلا. ووصل إلى حماة من أصحاب الملك الصالح [نجم الدين (٨)] جماعة من الأجناد وجماعة من المعمّمين منهم جمال الدين بن مطروح، والقاضى بدر الدين قاضى سنجار، والقاضى عزّ الدين بن القاضى نجم الدين بن أبى عصرون، وأصيل الدين الأسعردى إمام الملك الصالح وغيرهم. وقصاد الملك المظفر وجواسيسه لا ينقطعون عن الخوارزمية والملك الناصر داود. وكان يخطب للملك الصالح نجم الدين [أيوب (٩)] وهو معتقل

стр. 1858

في الكرك. ثم قطع خطبته وسير القاضى شهاب الدين ابراهيم بن عبد الله بن أبى الدم [قاضى حماة (١)] رسولا في الظاهر إلى الملك الصالح [عماد الدين (٢)] إسماعيل والملك الناصر والملك العادل (٣)، وحمّله رسالة في الباطن [٢٤ ا] إلى الملك الناصر داود، يشير (٤) عليه بإخراج [السلطان (٥)] الملك الصالح ومساعدته على قصد الديار المصريّة، فتوجه القاضى شهاب الدين إلى دمشق وأدّى رسالته إلى الملك الصالح إسماعيل. ثم توجه إلى نابلس فأدى الرسالة الباطنة للملك الناصر (٦) المتضمنه إخراج الملك الصالح [نجم الدين أيوب] (٧)، فوعده الملك الناصر بذلك، وحلف له عليه، وأعطاه يده على ذلك. ثم توجه إلى مصر وأدّى إلى الملك العادل رسالة مضمونها أن مخدومه الملك المظفر قد قطع خطبة الملك الصالح [نجم الدين أيوب] (٨) وما بقى له (٩) إلا الانتماء إليه والدخول في طاعته. وطلب اليمين للملك المظفر. فأنزله (١٠) الملك العادل وأكرمه [غاية الإكرام (١١)]. [وسافر محيى الدين بن الجوزى من دمشق نحو الديار المصريّة، واجتمع بالملك الناصر داود وأخذ معه في أن يتفق مع الملك العادل وعمهما الملك الصالح

стр. 1859

عماد الدين، فامتنع الملك الناصر أن يجيب إلا بتسليم دمشق إليه. فرحل محيى الدين إلى الديار المصريّة وأقام بها عند الملك العادل (١)]. وتوجه من حلب الصاحب كمال الدين بن العديم إلى الديار المصريّة رسولا من الصاحبة والدة الملك العزيز [تطلب منه تسيير عماته بنات العادل اليها فأجاب إلى ذلك (٢)]. ذكر استيلاء بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل على سنجار قد تقدم [منا] (٣) القول بأن الملك الجواد مظفر الدين يونس بن مودود اعتاض عن دمشق بسنجار [والرقة (٤)] وعانة. ولمّا جرى ما ذكرناه من الاختلاف، قصد بدر الدين [لؤلؤ (٥)]- صاحب الموصل - سنجار، وكان الملك الجواد غائبا عنها فملكها. وبقى في يد (٦) الملك الجواد عانة فباعها للخليفة (٧) [المستنصر بالله بمال حمل إليه] (٨)، فذهب عنه العوض والمعوض. وسيأتى (٩) ذكر ما آل إليه أمره إن شاء الله تعالى.

стр. 1860

ذكر وفاة الملك المجاهد صاحب حمص وفى هذه السنة توفى الملك المجاهد أسد الدين [شير كوه بن محمد بن شير كوه (١)] صاحب حمص، وكان رجع (٢) إلى حمص بعد أخذه لدمشق للملك الصالح [عماد الدين إسماعيل من الملك الصالح نجم الدين أيوب وقبضه على الأمير سيف الدين بن أبى على وعلى عسكر حماه وموت الملك الكامل، وقد بلغ جميع أغراضه كلها (٣)]. ومن بلغ الحد انتهى. فلحقه [بعد (٤) ذلك] مرض شديد [٢٤ ب] وتوفى (٥) بقلعة حمص، فكانت مدة ملكه لحمص وبلادها نحو ست (٦) وخمسين سنة وكسر؛ فإنه ملك حمص لما مات أبوه ناصر الدين محمد بن أسد الدين شير كوه في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة فأقره ابن عم أبيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب ﵀ على حمص (٧). وكان عمر الملك المجاهد يومئذ اثنتى عشرة سنة، فكان [جملة (٨)] عمره نحو ثمان (٩) وستين سنة. ذكر سيرته ﵀ [تعالى (١٠)] كان [الملك المجاهد (١١)] ملكا حازما شجاعا داهية (١٢) متيقظا عاقلا ذكيا فطنا ضابطا
следующие страницы →