← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

ثم استدعت الصاحبة الملك المعظم بن صلاح الدين وباقى إخوته وأقاربه، والأمراء (١) على طبقاتهم، فحلفوا للملك الناصر [بن الملك العزيز (٢)] ولجدّته الصاحبة أم الملك العزيز. ثم استحلفت أكابر البلد والرؤساء (٣)، ثم الأجناد والعامه. واستعدت للحصار بالذخائر والأقوات والأحطاب وكل ما يحتاج إليه الحصار. ونقلت حجارة المنجنيق إلى أبواب البلد، واستخدمت جماعة من الخوارزمية وغيرهم. ووصل قنغر (٤) التركمانى فاستخدمته وقدّمته على التركمان. وقفز جماعة من عسكر الملك الكامل فاستخدمتهم، وتابعت الرسل إلى سلطان الروم غياث الدين كيخسرو لطلب النجدة (٥)، فسيّر [إليها (٦)] نجدة من أجود عسكره، وعرض تسيير (٧) غيرها، فاكتفت (٨) بمن سيّره.

стр. 1787

وسير غياث الدين [ملك الروم (١)] رسولا إلى الملك الكامل يخاطبه في الامتناع عن قصد حلب. واتفق (٢) موت الملك الكامل. ولما وصل خبر موته (٣) إلى حلب عمل له بها العزاء، وحضره السلطان الملك الناصر -[﵀ (٤)]- وعمره يومئذ ثمان سنين. ثم تقدمت الصاحبة إلى عسكر حلب بالتوجه إلى بلاد الملك المظفر وقصده، وأن تقع (٥) البدايه بأخذ [قلعة (٦)] المعرّة وبلدها، ثم بعد ذلك التقدم إلى حماة وحصارها. وقدّمت على العساكر الملك المعظم فخر الدين توران شاه بن صلاح الدين. ذكر منازلة عسكر حلب قلعة المعرّة وتملكها والاستيلاء على المعرّة وبلدها فخرجت العساكر وتوجهوا إلى المعرّة واستولوا عليها وأخذوا ما فيها من الحواصل، وحاصروا قلعتها التي بناها الملك المظفر. ووصل إلى حلب رسول الملك المظفر يتلطف الحال فلم يستحضر (٧)، وعاد إلى حماة. ونصب عسكر حلب

стр. 1788

على قلعة المعرّة المجانيق (١)، وواتروا (٢) رميها بالحجارة [مدة يسيرة (٣)] فسلمت إليهم بالأمان فملكوها ورتّبوا أمرها (٤). ذكر منازلة عسكر حلب لحماة وحصارها ولما افتتح [الملك المعظم (٥) و] عسكر حلب المعرة ساروا إلى حماة ونازلوها. وكان الملك المظفر صاحبها قد ابتنى من جهة القبلة سورا من اللبن خارج السور الأصلى (٦)، وجعل فيه بابا سماه باب دمشق. ونهب عسكر حلب ضياع حماة ورساتيقها، واستمر الحصار على حماة إلى آخر السنة [المذكورة (٧)]. ولم تضايق حماة المضايقة الشديدة، ولا نصب عليها منجنيق فإن الصاحبة والدة الملك العزيز لم يكن قصدها إزالة (٨) ملك ابن أخيها الملك المظفر، وإنما أرادت أن تنتقم منه بأخذ المعرّة ومحاصرة حماة [وإشغال سره (٩)]، عقوبة له على ما فعل من انحيازه إلى الملك الكامل ومظاهرته عليها بعد إتفاقه معها، فأمرت العسكر أن ينازلوا البلد ويقطعوا (١٠) المادة عنه، ولا يجدوا (١١) في القتال والزحف.

стр. 1789

ذكر الوصلة بين السلطان الملك الناصر [ابن الملك العزيز (١)] صاحب حلب والسلطان (٢) غياث الدين كيخسرو سلطان الروم وقدم (٣) في هذه السنة - أعنى سنة خمس (٤) وثلاثين وستمائة - رسول السلطان غياث الدين كيخسرو صاحب بلاد الروم (٥) [إلى حلب] (٦)، وطلب (٧) من الخاتون الصاحبة والدة الملك العزيز أن تزوجه بنت السلطان الملك العزيز، وأن يزوج السلطان الملك الناصر أخت غياث الدين. فأجيب [غياث الدين (٨)] إلى ذلك واستقر الأمر عليه. واجتمع الناس في دار السلطنة بالقلعة (٩). وعقد عقد السلطان غياث الدين [ملك الروم (١٠)] على غازية خاتون بنت الملك العزيز. وتولى العقد الصاحب كمال الدين عمر بن أبى جرادة (١١) المعروف بابن العديم على مذهب أبى حنيفة -

стр. 1790

رضى الله عنه (١) - لصغر الزوجة (٢) على صداق مبلغه خمسون الف دينار. وقبل النكاح عن غياث الدين رسوله الوارد من جهته وهو القاضى عز الدين قاضى دوقات (٣). ونثر الذهب عند الفراغ من العقد. ووصل عند ذلك الخبر باستيلاء العسكر على قلعة المعرة، وضربت البشائر للامرين (٤) جميعا. وسير (٥) الصاحب كمال الدين بن العديم رسولا إلى بلاد الروم لعقد الوصلة (٦) وهى عقد الملك الناصر على ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو (٧)، وأمها ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وكان أخوها الملك المعظم - صاحب دمشق - زوّجها من علاء الدين كيقباذ؛ فإبنة السلطان علاء الدين هذه هى ابنة خالة (٨) [السلطان (٩)] الملك العزيز [والد الملك الناصر (١٠)].

стр. 1791

ووصل كمال الدين بن العديم إلى بلاد الروم، واجتمع بالسلطان غياث الدين بالكيقباذية (١) وهى على باب قيسارية وذلك يوم الثلاثاء لأربع عشرة (٢) ليلة بقيت من شوّال من هذه السنة. ووقعت الإجابة إلى عقد العقد، وكان الوكيل من جهة غياث الدين كمال الدين كاميار. ولما تم أمر الإجابة دخل الصاحب كمال الدين بن العديم وكمال الدين كاميار إلى قيسارية الروم (٣). وأحضر قاضى البلد والشهود، فقبل العقد كاميار من جهة غياث الدين، وقبل العقد عن الملك الناصر كمال الدين بن العديم، ومبلغ الصداق خمسون ألف دينار مصرية نظير صداق غياث الدين على أخت الملك الناصر (٤). وأحضر في ذلك اليوم من التجمل وآلات الذهب والفضة ما لا يمكن وصفه. ونثر من الدنانير الواصلة مع الصاحب كمال الدين بن العديم ألف دينار (٥). ونثر في دار السلطان من الدنانير والدراهم والثياب شىء كثير. وعاد كمال الدين إلى حلب بعد إنجاز هذا الأمر. وسيّر السلطان غياث الدين رسولا إلى حلب وهو الأمير قمر الدين الخادم، ويعرف بملك الأرمن، وعلى يده توقيع من غياث الدين للسلطان الملك الناصر بالرها وسروج، وهما من بلاد السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل. وكان قد اتفق الأمر مع الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك

стр. 1792

العادل على أن يخطب لغياث الدين ويقطع حرّان. وأقطع الملك المنصور ناصر الدين الأرتقى - صاحب ماردين وسنجار ونصيبين - والملك المجاهد شيركوه صاحب حمص - عانة وغيرها من بلاد الخابور. وكل هذه كانت في أيدى نواب الملك الصالح نجم الدين. واتفق الأمر أيضا على أن يأخذ السلطان غياث الدين سلطان الروم آمد وبلادها وسميساط (١). ولما قدم رسول السلطان غياث الدين على الصّاحبة قبلت التوقيع ولم تؤثر مضايقة ابن أخيها الملك الصالح في البلاد، فلم تتعرض لشىء منها. ولما بلغ الملك الصالح ذلك أرسل إلى عمته يقول لها إن: «البلاد كلها بحكمك، فإن شئت (٢) إرسال نائب يتسلم هذه البلاد وغيرها، فأرسليه لأسلم إليه ما تأمرين (٣) به» فشكرته وطيبت قلبه. ذكر محاصرة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل الملك الصالح نجم الدين وهو بسنجار ثم هزيمة بدر الدين لؤلؤ ولما جرى ما ذكرناه من خروج الخوارزميّة عن طاعة الملك الصالح وتوجه إلى سنجار، وتحكمت الخوارزمية في البلاد الجزيريّة (٤)، طمع بدر الدين لؤلؤ في الملك الصالح وقصد سنجار وحاصرها وضايقها، ولم يبق إلا أن يتسلمها ويأخذ

стр. 1793

الملك الصالح أسيرا، ويتملك البلاد الشرقية بأسرها. وكان القاضى بسنجار بدر الدين يوسف بن الحسن الزرزارى متقدما في الدولة الأشرفية، ثم بعد موت الملك الأشرف تقدّم عند الملك الصالح نجم الدين أيوب. وكان رئيسا في نفسه، كريما ذا همّة عالية، خبيرا بأمور الملوك. وكان لما ملك الملك الأشرف دمشق ولاه قضاء بعلبك. وكان كثير التجمل جدا، كثير البر والمعروف، وله المماليك والغلمان والحاشية التي لا تكون مثلهم إلا لأكبر أمير من الأمراء. فأرسله الملك الصالح - وهو محصور بسنجار - إلى الخّوارزمية ليصلح بينهم وبينه، ويستدعيهم لنصرته. ووعدهم بالوعود الجميلة. فخرج من البلد سرّا بحيث لا يشعر به المحاصرون للبلد، ومضى إلى الخوارزمية، فاستمالهم وطيب قلوبهم، ووعدهم الوعود الجميلة بعد أن كانوا قد اتفقوا مع صاحب ماردين، وقصدوا بلاد الملك الصالح نجم الدين أيوب، واستولوا على الأعمال، ونازلوا حرّان وأجفل أهلها. وكان الملك الصالح قد ترك ولده الملك المغيث فتح الدين عمر بقلعة حرّان فخاف من الخوارزمية، فسار مختفيا، وتبعه الخوارزمية ونهبوه ومن معه. وانفلت في شرذمة قليلة من أصحابه، ووصل إلى منبج مستجيرا بعمة أبيه الملك الصالح والدة الملك العزيز، فسيّرت إليه من ردّه عن الوصول إليها بوجه (١) لطيف، وقال الرسول [له (٢)]: «نخاف (٣) أن يطلبك منا غياث الدين سلطان الروم (٤)،

стр. 1794

ولا يمكننا [منعك منه] (١)». فعاد إلى حرّان ووصله كتاب أبيه [الملك (٢)] الصالح يأمره بموافقة الخوارزمية والوصول إليه بهم (٣) لدفع بدر الدين صاحب الموصل [عنه] (٤). فاجتمع بالخوارزمية، واجتمع بهم القاضى بدر الدين (٥) قاضى سنجار. والتزم لهم القاضى [بدر الدين] (٦) أن يقطعوا حرّان والرها وغيرهما (٧) [من البلاد الجزرية (٨)]، فطابت قلوبهم بذلك، وحلفوا للملك الصالح، واشتملوا على خدمة [ولده (٩)] الملك المغيث. [وقلد القاضى بدر الدين بفعلته هذه الملك الصالح مانة (١٠) عظيمة كانت سبب سعادته وتقدمته عنده لما ملك الديار المصرية (١١)]. [وكان بدر الدين له - قبل الملك الصالح - وجاهة عند عمه السلطان الملك الأشرف، لما كان الملك الأشرف بالشرق. فلما ملك دمشق ولاه قضاء بعلبك. وكان مع صغر ولايته يسلك من التجمل وكثرة المماليك والدواب والماشية وحسن الزى ما لم يسلكه وزراء الممالك الكبار، فضلا عن قضاتها. وكان مع ذلك كثير البر والعطاء، مقصدا لمن يرد عليه من الفقهاء والفضلاء وذوى البيوتات.

стр. 1795

ولما أتقن حال الملك الصالح مع الخوارزمية] (١) ساروا مع القاضى بدر الدين والملك المغيث قاصدين سنجار (٢) [ومقدمهم الأمير حسام الدين بركة (٣) خان (٤)]. فلما سمع بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ومن معه من العسكر قرب الخوارزمية (٥) منهم أفرجوا عن سنجار، وأدركتهم الخوارزمية، فأوقعوا بهم وقعة عظيمة فهزموهم. وهرب بدر الدين لؤلؤ وعسكره إلى الموصل. [واحتوت الخوارزمية على أثقاله وخيمه وخيم العسكر وجميع أثقالهم، ونهبوا منهم ما لا يحصى كثرة (٦)]، فقوى الملك الصالح نجم الدين [أيوب بهم و] (٧) بهذا الفتح قوة عظيمة، وعظم شأنه. وكان ولده الملك المعظم غياث الدين توران شاه مرتّبا (٨) بمدينة آمد ومعه الأمير حسام الدين أبو على بن محمد بن أبى على الهذبانى، وكان أستاذ دار الملك الصالح. وقد كنا ذكرنا (٩) أنه كان متصلا بالملك المظفر صاحب حماة وأنه فارقه واتصل بخدمة الملك [٩ ب] الصالح لما كان ينوب عن أبيه بمصر، وأن ابن عمه سيف الدين عليا اتصل بالملك المظفر وصار غالبا على أمره كله.

стр. 1796

ذكر إيقاع الخوارزمية بعسكر سلطان الروم كان غياث الدين كيخسرو سلطان الروم قد سير عسكرا إلى آمد، فأخذوا (١) بعض قلاعها ونازلوا آمد، وبها كما ذكرنا الملك المعظم توران شاه بن الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٢)]. فتوجهت الخوارزمية [بعد أن كسروا صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ (٣)] فواقعوا بعض (٤) عسكر الروم، وانهزم الباقون عن آمد ولم ينالوا منها غرضا (٥). ذكر إقامة الخطبة بحلب للسلطان غياث الدين سلطان الروم ووصل إلى حلب القاضى عز الدين قاضى دوقات (٦) رسولا من غياث الدين [كيخسرو (٧)] في هذه السنة، يطلب إقامة الخطبة على المنابر لغياث الدين وضرب السكة باسمه. وكانت الأمراء والعساكر محاصرين لحماة على ما قدمنا ذكره. فتوقفت الصاحبة في ذلك [وهى أم الملك العزيز (٨)]، ثم أشير عليها بموافقته على ما طلب (٩) فأجابت إلى ذلك. وخطب لسلطان الروم (١٠) على منبر حلب وحضر

стр. 1797

جمال الدولة (١) إقبال الخاتونى. وصعد الرسول على المنبر، ونثر الدنانير عند إقامة الدعوة (٢). [ونثر أيضا جمال الدولة (٣)]. وخرجت هذه السنة [وعسكر حلب، مع مقدمهم الملك المعظم بن صلاح الدين، يستمرون على محاصرة حماة (٤)]، والملك المظفر يخرج بنفسه ويقاتل فينتصف منهم مرة وينتصفون أخرى (٥). ولم يدن العسكر من البلد دنوّا كثيرا، (٦) بل كانت منزلتهم بعيدة عن البلد، ولم تكن الصاحبة مؤثرة أخذ البلد (٧) من ابن أخيها، وإنما كان غرضها التضييق عليه لينزل عن [طلب (٨)] المعرّة. ذكر المصاف الواقع في هذه السنة بين الملك الناصر داود صاحب الكرك [وبين ابن (٩)] عمه الملك الجواد بن مودود صاحب دمشق [١٠ ا] قد ذكرنا (١٠) ترتب الملك الجواد (١١) مظفر الدين يونس بن مودود بن الملك العادل نائبا بدمشق عن ابن عمه الملك العادل بن الملك الكامل صاحب مصر، وأنه استولى

стр. 1798

على الخزائن، وفرق الأموال والخلع على الأمراء والأجناد واستمالهم إليه، وطمع في الاستقلال بالملك. وكان معه في قلعة دمشق عماد الدين بن شيخ الشيوخ، وعماد الدين بن قلج (١). وكان الملك الجواد يظهر الطاعة للملك العادل [بن الملك الكامل (٢)] وأنه نائبه، ويعمل في الباطن على التفرد بملك دمشق. وكان مفرط الجود والبذل، وعنده شهامة كثيرة وإقدام كثير، لكن آراؤه (٣) كان فيها ضعف، فأرسل إلى عمته الصاحبة [صاحبة حلب] (٤) والدة الملك العزيز يطلب منها معاضدته فلم تصغ إلى قوله، وامتنعت أن تدخل بينه وبين ابن أخيها الملك العادل [بن الملك الكامل] (٥). وكان الملك الناصر داود [بن الملك المعظم صاحب الكرك] (٦) قد جمع وحشد واستولى على السواحل ونزل بغزه طالبا الاستيلاء على مملكة والده الملك المعظم. [فلما بلغ الملك الجواد ذلك رحل (٧)] من دمشق فيمن بقى (٨) عنده (٩) من العساكر المصرية ومقدمهم عماد الدين بن شيخ الشيوخ، وفى عساكر دمشق والمماليك (١٠) الأشرفية، وتوجه نحو الملك الناصر [بن الملك المعظم. فلما سمع الملك الناصر بهذه الحركة رحل إليه ليلقاه فالتقاه (١١)]. فوقع المصاف على مكان يقال له ظهر (١٢) حمار بين نابلس وجينين (١٣)،

стр. 1799

وانكسر الملك الناصر كسرة قبيحة، ومضى منهزما إلى الكرك (١). واحتوى (٢) الملك الجواد على خزائنه وأثقاله. ثم مضى الملك الجواد إلى نابلس فنزل بها في دار الملك المعظم داخل البلد، واحتوى على ما فيها. وولىّ فيها وفى أعمال القدس (٣) والأغوار من قبله. ورحل عماد الدين بن شيخ الشيوخ ومن معه من عسكر مصر إلى الديار المصرية. [ولما بلغ الملك العادل هذه الكسرة لم يعجبه ذلك (٤)] خوفا من تمكن الملك الجواد وإستيلائه على البلاد، فأرسل إليه يأمره بالرجوع إلى دمشق ورد بلاد الملك الناصر [داود (٥)] إليه، ففعل [ذلك (٦)] ورحل عائدا إلى دمشق. [قال صاحب هذا التاريخ (٧): وكنت يومئذ مقيما بدمشق للاشتغال بالعلم. قال: فرأيت الملك الجواد قد دخل إلى دمشق في تجمل عظيم (٨)]. وعزم الملك العادل على صرفه عن (٩) النيابة [١٠ ب] عنه في دمشق، فكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 1800

[وفى هذه الواقعة يقول جمال الدين بن عبد، وكان شاعرا مغنيا متميزا، وكان أحد ندماء الملك الجواد، يمدحه ويذم الملك الناصر - رحمهما الله - ووافقه أن انهزام الملك الناصر كان على المنزلة المسماه ظهر حمار: يا فقيها قد ضل سبل الرشاد ... ليس يغنى الجدال يوم الجلاد كيف ينحى ظهر الحمار هزيما ... من جواد يكر فوق جواد وكان جمال الدين هذا قد اتصل بعد ذلك بالملك الصالح نجم الدين أيوب لما ملك مصر، واجتمعت به مرارا عند الأمير حسام الدين بن أبى على ﵀ وكنت سمعت أنه دخل يوما دار بعض الأكابر فأخرجه البرد (١) دار فقال: مغن يخرج قبل الدخول ... وأقبح شىء خروج المغنى وهذا معنى ظريف، فأنشدنى (٢) لأبى الحسين الجزار (٣)، شيئا يشبه هذا اللون، أنه أراد الدخول إلى بعض الأكابر فضربه البرد دار ومنعه من الدخول فقال:

стр. 1801

أمولاى ما من طباعى الخروج ... ولكن تعلمته من خمولى وقفت ببابك أبغى الغنى ... فأخرجنى الضرب قبل الدخول فأعجبه وقال: «إلا أنا؛ أخرجت وما ضربت (١)»]. وكان الملك المجاهد صاحب حمص قد اتفق مع الملك الجواد ووصل إلى دمشق ونزل بداره التي بقرب الجامع. فلما قدم الملك الجواد إلى دمشق بعد كسره الملك الناصر [داود (٢)] خرج لتلقيه، وزينت دمشق لهذه الكسرة زينة عظيمة لم تزين قبل ذلك مثلها. وتمكن الملك الجواد بعد هذه الكسرة، واستقل بالسلطنة، إلا أن الخطبة باقية للملك العادل ويخطب للملك الجواد بعده. وكان الخطيب يومئذ الشيخ كمال الدين بن طلحة (٣) ﵀ وكان إماما عالما بالأصولين ومذهب الشافعى والأدب. وأقام الملك المجاهد بدمشق معاضدا للملك الجواد ومؤازرا [له (٤)]. [١١ ا] وخرجت (٥) هذه السنة والحال على هذه الصورة.

стр. 1802

وتوفى في هذه السنة القاضى زين الدين بن الأستاذ (١) قاضى حلب ﵀. وكان فقيها فاضلا متورعا سديد الأحكام، صحب القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ مدّة طويلة، وناب عنه في القضاء بحلب بعد ابن الحجاج (٢). ولما توفى القاضى بهاء الدين ولّى القضاء بعده كما تقدم ذكره (٣). ولما توفى القاضى زين الدين ولّى القضاء بعده أخوه القاضى جمال الدين محمد، وكان أسن من القاضى زين الدين، إلا أنه لم يكن في الفضيلة وفى العلم مثله.

стр. 1803

ودخلت سنة ست وثلاثين (١) وستمائة (*) والسلطان الملك العادل (٢) سيف الدين أبو بكر بن الملك الكامل صاحب الديار المصرية وهو مقيم بها؛ والملك الناصر داود [بن الملك المعظم (٣)] بالكرك، وقد قل جيشه وضعفت قوته؛ والملك الجواد بن مودود [بن الملك العادل (٤)] مالك دمشق، وعنده الملك المجاهد صاحب حمص؛ والملك المظفر صاحب حماة محصور (٥) بحماة؛ وعسكر حلب مع الملك المعظم بن صلاح الدين منازلون لحماة؛ والملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل بسنجار وقد قوى بكسره بدر الدين (٦) لؤلؤ صاحب الموصل وانضمام الخوارزمية ومقدمهم بركة خان إليه. وكان قد زوّج الملك الصالح أخته لأمه (٧) من بركة خان، وأبوها الفارس قليب مملوك السلطان الملك الكامل، [وقد سلم إليه حرّان والرها (٨)]. [وبيد الملك الصالح آمد وبلادها وما كان بيد الملك الكامل (٩)] والملك الأشرف من بلاد الشرق.

стр. 1804

ذكر رجوع العسكر الحلبى المحاصر لحماة إلى حلب (١) ولما طال الحصار على حماة وضجر العسكر، تقدمت الصاحبة أم الملك العزيز إليهم بالرجوع إلى حلب فرجعوا، وانفرج الضيق عن حماة. وكان الملك المظفر قد ضاق الأمر عليه [جدا (٢)]، وأنفق في مدة الحصار أموالا كثيرة. ولم تكن الصاحبة مؤثرة أخذ البلد منه كما ذكرنا، ولم يكن مقصودها، إلا أنه لا يتعرض لطلب المعرّة. واستمرت المعرّة في أيدى (٣) الحلبيين، وسلميّة [١١ ب] في يد صاحب حمص. ولم يبق بيد (٤) الملك المظفر من مضافات حماة إلا بعرين فقط. وكانت لها (٥) قلعة حصينة فخاف الملك المظفر أن يجرى في أمرها نظير ما جرى في المعرّة (٦) فتقدّم بهدمها فهدمت. ذكر قدوم عماد الدين بن شيخ الشيوخ إلى دمشق ومقتله ﵀ لما تحقق الملك العادل [بن الملك الكامل (٧)] صاحب مصر استقلال ابن عمه الملك الجواد بن مودود بملك دمشق وعصيانه بها، أحضر أولاد شيخ الشيوخ الأربعة [وهم (٨)] فخر (٩) الدين، وعماد الدين، ومعين الدين، وكمال الدين وقال:

стр. 1805

«أنتم ضيعتم علىّ ملك دمشق، فإن أبى الملك الكامل فتحها وتوفى وهو مالكها، فسلمتم دمشق وخزائن أبى (١) إلى الملك الجواد، فتغلب على دمشق وضيع الخزائن، وما أعرف عود دمشق إلىّ وانتزاعها من يد الملك الجواد (٢) إلا منكم». فضمن عماد الدين بن الشيخ (٣) رجوعها (٤) للملك العادل. فسير الملك العادل عماد الدين بن الشيخ (٥) لهذا (٦) المهم. ولما وصل [عماد الدين (٧)] إلى دمشق التقاه الملك الجواد وأنزله في القلعة (٨) فطالبه عماد الدين بتسليم دمشق إلى السلطان الملك العادل، وأعلمه أنه إن لم يسلم دمشق إليه نزلت العساكر المصرية إليه وملكوها منه عنوة، وقبض عليه واعتقل. وإن سلمها قبل أن تنزل العساكر إليه أعطى عوضا عنها خبزا (٩) [جيدا] بالديار المصرية، وأحسن إليه. فأجابه الملك الجواد بجواب ممغلط (١٠). وكانت المماليك الأشرفية ومقدمهم عز الدين أيبك الأسمر قد رحلوا من دمشق على حمية بعد رجوع الملك الجواد إلى دمشق، وساروا إلى الملك العادل وخدموا عنده.

стр. 1806

ولما علم الملك الجواد تصميم الملك العادل على إنتزاع دمشق منه، وعلم أنه لا طاقة له بقتاله، وأنه إن سلّم دمشق إلى الملك العادل لم يعطه إلا خبزا [قليلا] (١) بالديار المصرية، سيرّ الشيخ كمال الدين بن طلحة إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب فطلب منه [١٢ ا] أن يعوضه عن مدينة (٢) دمشق سنجار (٣) [والرقة (٤)] وعانه، ويسلم [هو] (٥) دمشق إليه، فمضى كمال الدين بن طلحه إلى الملك الصالح بذلك. فأجاب الملك الصالح إلى ذلك، وحلف لابن عمه الملك الجواد على العوض المذكور، وزاده الجديده (٦)، وجعلها (٧) باسم مملوك من مماليك الملك الجواد يقال له رزيق وكان أخص مماليكه به. ولما وقع الاتفاق بينهما على ذلك، وتوجه الملك الصالح إلى دمشق، وعلم الملك الجواد قربه منها (٨) خاف الملك الجواد من عماد الدين بن الشيخ أن يفسد بينه (٩) وبين الملك الصالح فلا يحصل على ما وقع التقرير عليه من العوض الذى طلبه منه، فدس

стр. 1807

عليه (١) رجلا وقف لعماد الدين (٢) بقصة [وقد ركب ليسير. فظنه عماد الدين] (٣) متظلما فتناول القصة ليأخذها منه (٤)، فضربه ذلك الرجل بسكين فقتله. ثم قبض على ذلك الرجل واعتقله (٥) مدة ثم أطلقه. وأظهر الملك الجواد التألم لقتله (٦). وجهز (٧) عماد الدين [﵀] (٨) وحملت جنازته إلى الجامع بدمشق، وصلى عليه فيه، وتأسف الناس [عليه] (٩) وحزنوا لقتله. وكان يوم دفنه (١٠) يوما مشهودا حضر (١١) جنازته معظم الناس من الفقهاء والصوفية وأهل الدين وغيرهم؛ لأنه ﵀ (١٢) كان تام العقل والفضل والكرم [والبأس (١٣)]

стр. 1808

والرئاسة، وكان مقصدا لمن يفد إليه. اجتمعت (١) به في هذه السنة مرارا في الدار التي أنزله فيها (٢) الملك الجواد التي تسمى دار المسرة، وبحثت معه في الأصول وغيره، ﵀ ورضى عنه [فإنه كان معدوم المثل في وقته (٣)]. وقطع الملك الجواد الخطبة لابن عمه الملك العادل، وخطب لابن عمه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وضربت السكة باسمه. وسافر (٤) الملك المجاهد [أسد الدين (٥)] إلى حمص خوفا من الملك الصالح لأنه علم أن الملك الصالح يقصده، هو والملك المظفر [صاحب حماه (٦)]؛ وأنهما لا يبقيان عليه. [وكان الملك المظفر لما قصد الملك الصالح إلى حماه التقاه وسافر معه إلى دمشق (٧)]. ذكر وصول السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب [ابن الملك الكامل (٨)] إلى دمشق وتملكه لها [ومعه الملك المظفر صاحب حماه (٩)] وتعويض الملك الجواد سنجار وغيرها وسار الملك الصالح بعد الاتفاق بينه وبين الملك الجواد إلى دمشق وطلب نجدة من بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل. وكان قد وقع الاتفاق بينه وبينه وصالحه،

стр. 1809

فبعث إليه بدر الدين [لؤلؤ (١)] نجدة. وأرسل إلى الملك المظفر صاحب حماة يدعوه إلى اللحاق به ليدخل معه إلى دمشق (٢)، فسر الملك المظفر بذلك سرورا كثيرا (٣)، ورجا أن يأخذ به ثأره (٤) من صاحب حمص وينتقم منه، [فلحقه إلى البرية بجماعة من عسكره] (٥) ومعه الأمير سيف الدين على بن أبى على الهذبانى. وقدم السلطان الملك الصالح دمشق، وزين البلد لقدومه، وخرج الملك الجواد لاستقباله (٦). ودخل الملك الصالح قلعة (٧) دمشق هو والسلطان الملك المظفر [صاحب حماه] (٨) والملك الجواد. ثم انتقل الملك الجواد إلى دار السعادة التي عند باب النصر، وكانت للملك الأمجد صاحب بعلبك - كما تقدم ذكره (٩) - ثم انتقلت بعده إلى الملك الأشرف. وكان الملك الجواد لما ملك (١٠) دمشق تزوج بنت عمه الملك الأشرف. وكان استيلاء الملك الصالح [نجم الدين] (١١) على دمشق في جمادى الآخرة من هذه

стр. 1810

السنة، أعنى سنة ست وثلاثين وستمائة. وكانت مدة ملك الملك الجواد لدمشق (١) عشرة أشهر وكسرا (٢). ولما استقر الملك الصالح بقلعة دمشق ندم الملك الجواد على ما فعل، وخاف أن لا يفى (٣) الملك الصالح بما شرطه له، واستقل الجماعة الذين جاءوا مع الملك الصالح. وكان العسكر الذى في دمشق (٤) أكثر، منهم فجلس [الملك الجواد (٥)] في دار السعادة، وأحضر إليه عسكر دمشق، وأخذ في استحلافهم لنفسه ليثب (٦) على دمشق، ويخرج الملك الصالح من القلعة. وكادت تقع فتنة عظيمة، فقام الملك المظفر [صاحب حماه (٧)] في إطفاء هذه الفتنة، ونزل من القلعة إلى دار السعادة، واجتمع بالملك الجواد وعاتبه على ما فعل، وضمن له عن (٨) الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٩)] [القيام (١٠)] بما شرطه له، فطاب قلب (١١) الملك الجواد بذلك، واستحلفه الملك المظفر للملك الصالح [١٣ ا] واستحلف الملك الصالح له؛ فحينئذ خرج الملك الجواد من

стр. 1811

دمشق (١) وسار إلى الشرق وتسلم سنجار والبلاد التي عينت له. [فعند ذلك أخرب الملك المجاهد أسد الدين صاحب حمص سلمية وقلعتها الجوانية، ونقل أهلها إلى حمص وبنى لهم حوش كبير في حمص. وجعل أهل سلمية كلهم فيه. ثم بعد ذلك نادى فيهم «كل من جاب عيلته (٢) إلى حمص أخرج من الحوش». فلم يبق بسلمية إمرأة (٣) ولا صبى ولا جويرة إلا صارت في حمص. وخليت مدينة سلمية بعد الخراب فلما مات الملك المجاهد (٤) رجع أهل سلمية إليها، وجعلوا يعمرون دورهم ومنازلهم (٥)]. ذكر منازلة الخوارزمية والملك المظفر حمص ثم رحيلهم عنها ولما سافر الملك الجواد إلى الشرق واستقر [ملك السلطان (٦)] الملك الصالح بدمشق، [وفعل الملك المجاهد بأهل سلمية ما فعل بخراب دورهم وقلعتهم الجوانية (٧)]، رحل الملك المظفر من دمشق، وجاءت الخوارزمية [ونازلوا حمص واجتمع بهم الملك المظفر ونازل حمص معهم (٨)]، فراسل (٩) الملك المجاهد الخوارزمية (١٠) واستمالهم،

стр. 1812

وبذل لهم مالا فأخذوه منه (١)، واطلع (٢) الملك المظفر على ذلك فخاف منهم، ورحل عن حمص ومضى إلى حماة. ثم رحلت الخوارزمية عن حمص وعادوا إلى الشرق فأقاموا به في أخبازهم (٣) [التي أقطعها لهم الملك الصالح (٤)]. وتواترت (٥) رسل الملك المظفر إلى السلطان الملك الصالح يستحثه على قصد حمص ومنازلتها، وراسل (٦) الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٧)] عمّه (٨) الملك الصالح عماد الدين اسماعيل [بن الملك العادل (٩)] في معنى الاتفاق معه، فأجابه إلى ذلك وقدم (١٠) إلى دمشق، وأظهر له الموالاة والمصافاة (١١) وحلف له، ثم رجع إلى بعلبك في يومه. [وورد إلى السلطان الملك الصالح كتب جماعة من أمراء المصريين يحثونه على القدوم إلى الديار المصرية، ويعلمونه أنه متى دخل الرمل انقضت العساكر

стр. 1813

كلهم إليه] (١). وانزعج الملك العادل [سيف الدين أبو بكر بن الملك الكامل] (٢) وأمّه وخواصّه (٣) بقدوم الملك الصالح [أخيه (٤)] إلى دمشق وملكه لها. وعلموا أنه لا بد (٥) أن يقصدهم (٦) لما يتحققونه من ميل عسكر مصر إليه (٧) لأنه أكبر منه وأحسن سيرة وأعظم هيبة، وأجدر بالقيام بأعباء الملك، وخافوا منه خوفا شديدا. وورد إلى دمشق على الملك الصالح [نجم الدين (٨)] رسول ابن (٩) عمه الملك الناصر داود بن الملك المعظم، وهو فخر القضاة (١٠) نصر الله بن بزاقه [يعده على مساعدته (١١)] ومعاضدته على الملك العادل، وأخذ مصر له. وطلب منه تسليم دمشق إليه وجميع البلاد التي كانت بيد أبيه (١٢). فوعده الملك الصالح بذلك إذا ملك مصر، فأبى الملك الناصر إلا أن ينجز له ذلك فلم يتفق بينهما أمر.

стр. 1814

ذكر رحيل الملك الصالح نجم الدين [أيوب] (١) إلى ذيل ثنية العقاب (٢) وإقامته بها مدة ثم رجوعه إلى دمشق ولما تواترت الرسل من الملك المظفر (٣) صاحب حماة إلى السلطان الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٤)] يستحثه على الرحيل إلى حمص ليحاصرها (٥)، رحل الملك الصالح بعساكره (٦) ونزل في ذيل ثنية العقاب وأقام بتلك المنزلة. وكان الأمير حسام الدين أبو على بن محمد بن أبى على الهذبانى أستاذ داره مرتبا -[كما ذكرنا (٧)]- مع ولده الملك المعظم غياث الدين توران شاه أتابكا له [بآمد]. (٨) فلما سار الملك الصالح إلى دمشق بعث إليه يستدعيه (٩)، فقدم إلى دمشق بعد وصول الملك الصالح إليها، فقام بتدبير أمر الدولة وأقام في خدمته. ولما رحل الملك الصالح رحل معه ملازما خدمته وأستاذ داريته، وإليه المرجع في الأمور كلها. وكان حسام الدين هذا أميرا جليلا تام العقل وعنده فضيلة وأدب، وكان صديقا لى فلازمته (١٠) في العسكر

стр. 1815

الصالحى، وكان في العسكر كاتب الإنشاء بهاء الدين زهير، وكان جيد الترسل بديع النظم [في غاية الجودة (١)]، وكان في العسكر (٢) [أيضا (٣)] جمال الدين يحيى بن مطروح ناظر الجيش، وكان أيضا فاضلا جيد الشعر (٤). وكان هذان الرجلان (٥) - أعنى بهاء الدين زهيرا (٦) وجمال الدين بن مطروح - من أتم الناس مروءة واعتناء بمن يلوذ بهما ويصحبهما. فكانت دولة [السلطان (٧)] الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٨)] بهما زاهية زاهرة. وتواترت الرسل من الملك المظفر (٩) صاحب حماة إلى السلطان الملك الصالح -[كما ذكرنا (١٠)]- يحثه على سرعة القدوم بالعساكر إلى حمص لمنازلتها، والقصّاد تأنى من جهة مصر من الأمراء [يدعونه إلى القدوم إلى مصر] (١١)، ويسهلون عليه أمرها فتحير في أمره (١٢) هل يقصد مصر أو يقصد حمص ويحاصرها؟. وأقام (١٣) تحت ثنية العقاب إلى أوائل شهر رمضان من هذه السنة، ثم إنه رأى أن البداية (١٤) بمصر أولى،

стр. 1816

وأنه إذا ملكها سهل عليه ما بعدها، فرحل (١) عائدا إلى دمشق في أوائل رمضان. ولأربع عشرة ليلة [١٤ ا] مضت منه (٢) تقدم إلى الأمير حسام الدين بن أبى على -[﵀] (٣) - أن يرحل بشطر [من] (٤) العسكر وينزل جينين من الساحل. فرحل [حسام الدين (٥)] من دمشق بقطيعة (٦) كبيرة من العسكر طالبا تلك الجهة. وسافرت (٧) معه (٨) فنزل تحت عقبة الكرسى (٩) وخيم على بحيرة طبرية إلى أواخر [شهر] (١٠) رمضان [وأنا معهم (١١)]. ووردت الأخبار ونحن بتلك المنزلة بأن جماعة من أمراء عسكر مصر منهم الأمير نور الدين على بن الأمير فخر الدين عثمان، وكان أبوه أستاذ دار [السلطان (١٢)] الملك الكامل، و [الأمير (١٣)] قضيب البان و [الأمير (١٤)] الدنيسرى

стр. 1817

وغيرهم من [أعيان (١)] الأمراء في جماعة كثيرة من أتباعهم وأجنادهم (٢)، قد خرجوا على حمية [من القاهرة (٣)] مقفرين إلى السلطان (٤) الملك الصالح. [فلما وصلوا إلى غزة ونزلوا بها كتب السلطان الملك الصالح إلى (٥)] أستاذ داره الأمير حسام الدين يأمره بالرجوع والنزول بمن معه على خربة اللصوص، [فرجع بالعسكر الذى معه إلى خربة اللصوص (٦)] فنزل بها. ذكر مسير السلطان الملك الصالح نجم الدين [أيوب (٧)] من دمشق قاصدا الديار (٨) المصريه ونزوله بنابلس وإقامته بها وخرج السلطان الملك الصالح من دمشق في عساكره. وكان معه [من (٩)] العسكر نحو خمسة ألف فارس (١٠)، وفيهم عماه الملك المعز مجير الدين يعقوب، والملك الأمجد

стр. 1818

تقى الدين عباس إبنا الملك العادل، والملك السعيد وأخوه تقى الدين [إبنا (١)] الملك الأمجد بهرامشاه صاحب بعلبك وجماعة من الأمراء المعظمية وغيرهم. وأما الأمير عز الدين أيبك المعظمى صاحب صرخد [فإنه (٢)] لم ينزل إليه. وكان خروج الملك الصالح [من دمشق (٣)] لليلتين بقيتا (٤) من شهر رمضان. ووصل (٥) إلى خربة اللصوص وخيم بها (٦) واجتمع بها العساكر كلها (٧). ووصل الخبر بقرب العسكر المقفر من مصر، فتقدم السلطان الملك الصالح إلى الأمير حسام الدين [بن (٨)] أبى على [١٤ ب] بتلقيهم، فتلقاهم من (٩) الغور وقدم بهم إلى السلطان [واجتمعوا به، فأكرم الأمير نور الدين بن فخر الدين (١٠)]، وقضيب البان والدنيسرى ومن معهم من الأمراء. ونزلوا معه بخربة اللصوص، وعيدوا بها عيد الفطر. وكان مع السلطان (١١) ولده الملك المغيث فتح الدين عمر وهو أكبر أولاده، وأما ولده الملك المعظم [غياث الدين (١٢)] توران شاه، فإنه أمره بالمقام

стр. 1819

بحصن كيفا فأقام بها (١) إلى أن كان [من أمره (٢)] ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وكان له ولد آخر [صغير (٣)] يدعى الملك القاهر تركه (٤) بقلعة دمشق مع وزيره تاج الدين بن الولى المعروف بابن مهاجر. وبعد وصول السلطان الملك الصالح إلى نابلس وصل إليه الخبر بموته (٥). [ولما عيّد السلطان الملك الصالح (٦)] بخربة اللصوص عيد الفطر تقدم (٧) إلى العساكر بالرحيل، فرحل الأمير حسام الدين [بن أبى على (٨)] ببعض (٩) العسكر ومعه (١٠) الملك المغيث. ورحل السلطان [الملك الصالح (١١)] بعده، فقصد جهة نابلس بعد علمه أن الملك الناصر داود سار إلى الديار المصرية - على ما سنذكره [إن شاء الله تعالى (١٢).] فرحل السلطان والعساكر إلى نابلس (١٣) [فخيم بمرج فلاطة ثم دخل إلى نابلس (١٤)] فنزل في دار الملك المعظم. وأقام هو والعساكر (١٥) بنابلس إلى أن خرجت هذه السنة. وأوهمه

стр. 1820

نور الدين بن فخر الدين عثمان (١) والأمراء الذين قدموا معه أن الديار المصرية (٢) في يده، وأنه إذا توجّه إليها لا يرده عنها راد، وأن جميع عساكرها (٣) - إذا وصل - يدخلون (٤) في طاعته ويتخلون عن أخيه الملك العادل. ذكر مسير الملك (٥) الناصر داود [بن الملك المعظم (٦)] إلى الديار المصرية (٧) واتفاقه مع ابن عمه الملك العادل ولما لم يقع الاتفاق (٨) بين الملك الناصر وابن عمه [الملك (٩)] الصالح رحل إلى الديار المصرية، [فالتقاه الملك العادل بأحسن ملتقى وأكرمه (١٠)] وأنزله بدار الوزارة. واتفقا على محاربة الملك الصالح [نجم الدين أيوب (١١)]، ووعده الملك العادل أنه يستخلص دمشق وبلادها (١٢) له. [١٥ ا] واضطربت عساكر مصر بوصول الملك الصالح إلى نابلس. وتواترت على الملك الصالح كتب الأمراء وجواسيسهم

стр. 1821

في السر يستدعونه إلى الوصول (١). وتوقف (٢) [الملك الصالح (٣)] في أمره خوفا أن لا يكون لما كاتبوه [به (٤)] حقيقة، وعلم أن (٥) عسكره لا يقوم بحرب عسكر مصر، فتوقف حتى تتبين له الأمور، وجواسيسه (٦) وقصاده ما تنقطع عن مصر. وكان الأمير فخر الدين (٧) بن شيخ الشيوخ من أجل الأمراء [وأعظمهم (٨)] [عند (٩) الملك العادل]، ويقتاد به جماعة من الأمراء والجند، فكاتب الملك الصالح واستحثه على سرعة القدوم [إلى الديار المصرية (١٠)]. وأطلع الملك الناصر على ذلك، فأعلم به الملك العادل، فقبض عليه واعتقله في قلعة الجبل. [ذكر بقية حوادث هذه السنة (١١)] ولما استقر الملك الصالح بنابلس ولى عليها وعلى أعمال القدس والأغوار والخليل وبيت جبريل والساحل وغيره إلى العريش. وتقدم (١٢) بضرب خيمة السبق بالعوجاء (١٣)، وتقدم إلى جماعة من [أمراء (١٤)] المصريين، وجماعة من عسكر دمشق

стр. 1822

[أن يتقدموا إلى غزة، فرحلوا إليها ونزلوا بظاهرها (١)] وقصاد (٢) عسكر مصر ما تنقطع عنه. وأخذ الملك الصالح في تهيئة أسباب السفر (٣)، وتقدم إلى الأمراء بأن يعملوا الأزواد لدخول الرمل - من البقسماط وغيره. ووصل إلى معسكر (٤) الملك الصالح الصاحب محيى الدين يوسف بن جمال الدين ابن الجوزى رسولا من الخليفة [الإمام (٥)] المستنصر بالله ليصلح بين الملك الصالح وأخيه الملك العادل (٦). وأرسل الملك، الصالح [نجم الدين أيوب (٧)] يطلب من عمه الملك الصالح اسماعيل (٨) صاحب بعلبك أن يصل إليه بنفسه ليمضى معه إلى الديار المصرية، فتعلل واعتذر، وسير ولده الملك المنصور نور الدين محمود (٩) نائبا عنه في الخدمة، ووعد الوصول (١٠) إلى خدمته بعد ذلك، وهو في الباطن يعمل على السعى في انتزاع دمشق منه.

стр. 1823

وفى هذه السنة قتل ألبى بن الملك السعيد نجم الدين غازى جده [١٥ ب] الملك المنصور ناصر الدين أرتق بن نجم الدين إيلغازى (١) بن ألبى بن تمرتاش ابن إيلغازى بن أرتق، وساعده على قتله جماعه من المماليك، وذلك في العشر الأوسط من ذى الحجة. وكان الملك السعيد معتقلا بقلعة يقال لها البارعية، اعتقله فيها أبوه الملك المنصور. ولما قتل الملك المنصور تولى البلاد ابنه (٢) الملك السعيد، واعتقل ابنه ألبى إلى أن مات.

стр. 1824

ودخلت سنة سبع وثلاثين وستمائة (*) والسلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن الملك الكامل بالديار المصرية وعنده ابن عمه الملك الناصر داود [بن الملك المعظم (١)]. وبرز الملك العادل إلى بلبيس وأقام بها وهو خائف من أخيه الملك الصالح، لكنه أظهر قصد الشام ومحاربة أخيه الملك الصالح وانتزاع الشام منه (٢). وتقدمت مقدمة عسكره فنزلوا الخشبى (٣) وهو طرف الرمل. وأخذ محيى الدين بن الجوزى رسول الخليفة في الإصلاح بين الأخوين على أن تكون دمشق وبلادها التي كانت مضافة إليها في أيام الملك الأشرف [بن الملك العادل (٤)] إلى الملك (٥) الصالح نجم الدين [أيوب (٦)]، ويرد إلى الملك الناصر [داود (٧)] ما أخذ منه من البلاد، وتكون الديار المصرية للملك العادل، وتتفق الكلمة ويزول ما بينهم من الشحناء. وكان مع محيى الدين [رسول الخليفة (٨)] ولده شرف الدين، وكان شابا فاضلا ذكيا يتردد (٩) في هذا المعنى بين الأخوين، فكان (١٠) يذهب إلى مصر

стр. 1825

فيجتمع بالملك (١) العادل ثم يعود إلى الملك الصالح، ومحيى الدين مقيم [بنابلس (٢)] عند الملك الصالح. وآخر الأمر أنه تقارب ما بين الأخوين الملك العادل والملك الصالح، ولولا ما حدث من الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك كان الصلح انتظم بينهما. ولما تقارب الأمر في معنى الصلح رحل محيى الدين بنفسه إلى الديار المصرية، واستصحب معه جمال الدين يحيى بن مطروح ناظر الجيش رسولا من الملك الصالح لتقرير قواعد الصلح [بينهما (٣)]، فتوجها إلى [١٦ ا] مصر وأخذا (٤) مع الملك العادل في تقرير قواعد الصلح والاتفاق، [فوصلا وأديا الرسالة، وأقاما عند الملك العادل بمصر إلى أن جرى ما سنذكره إن شاء الله (٥) تعالى]. ذكر ما اعتمده الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل من التدبير إلى أن تم له ما أراد من تملك دمشق (٦) كانت مكاتبة الملك الصالح مترددة إلى عمه الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك متقاضية (٧) له بالوصول (٨) إلى نابلس ليتفقا على المسير (٩) إلى ديار مصر.
следующие страницы →