← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المرّى (١) الذى امتدحه المتنبى بقوله: شرق الجوّ بالغبار إذا سا ... ر علىّ بن أحمد القمقام وأحضر هذا النسب إلى الملك المعظم شرف الدين عيسى، بن الملك العادل - صاحب دمشق -، فسمع النسب عليه، وأسمعه ولده الملك الناصر صلاح الدين داود، في سنة تسع عشرة وستمائة. والنسب هو هذا: «أيوب، بن شاذى، بن مروان، بن أبى على، بن عثيرة (٢)، بن الحسن، ابن على، [بن أحمد بن على] (٣)، بن عبد العزيز، بن هدبة، بن الحصين، ابن الحرث، بن سنان، بن عمرو، بن مرّة، بن عوف». ثم اختلف النسابون بعد ذلك، فالأكثرون قالوا: «عوف، بن سعد، بن ذبيان، بن بغيض، بن ريث، بن غطفان، بن سعد، ابن قيس [بن] عيلان (٤)، [بن إلياس] (٥)، بن مضر، بن نزار، بن معدّ، ابن عدنان» وبعضهم قالوا:

стр. 37

«عوف، بن لؤى، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر - وهو الذى ينتمى إليه نسب قريش كلهم - ابن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، ابن نزار، بن معدّ، بن عدنان». والنسابون مختلفون فيما وراء ذلك، أي عدنان. والذى ذكره صاحب السيرة، أنه: «عدنان، بن أدد، بن مقوّم، [بن ناحور] (١)، بن تيرح (٢)، بن يعرب، بن يشجب (٣)، بن نابت، ابن إسماعيل [٣]، بن ابراهيم الخليل - صلوات الله عليهما - بن تارخ. وهو آزر، ابن ناحور، بن شاروخ، بن أرغو، بن فالغ، بن عابر، بن أرفخشذ، بن سام، ابن نوح ﵇ بن لمك، بن متوشلخ، بن أخنوخ - وهو إدريس ﵇ بن يرد (٤)، بن مهليل (٤)، بن قينان، بن أنوش، بن شيث، ابن آدم - أبى البشر ﵇». فهذا جملة ما قيل في نسبهم (٥)، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك.

стр. 38

ذكر ابتداء أمر نجم الدين أيوب وأخيه أسد الدين شيركوه كان أسد الدين شيركوه (١) أكبر سنا من نجم الدين أيوب، وكانا من أهل مدينة دوين (٢) - وهى بلد من بلاد العجم قريب من أخلاط (٣) - فاتفق أنهما سافرا منها، وقصدا العراق، وخدما الأمير مجاهد الدين بهروز (٤) الخادم، وكان شحنة (٥) ببغداد من قبل السلاطين السلجوقية؛ وكانت تكريت (٦)

стр. 39

إقطاعه فتقدما عند مجاهد الدين، وفوّض [مجاهد الدين] إلى نجم الدين أيوب دزداريّة (١) تكريت، فسارا إليها، ونزلا بقلعتها، فأقاما بها مدة. ولما وقعت الحرب بين الخليفة المسترشد بالله (٢) والأمير عماد الدين زنكى ابن آق سنقر سنة ست وعشرين وخمسمائة - على ما سنذكره - وكسر الخليفة عماد الدين زنكى، خدم نجم الدين أيوب أتابك زنكى، وأقام له السفن حتى عبر هناك دجلة، واتبعه أصحابه، وأحسن نجم الدين أيوب وأخوه (٣) أسد الدين شيركوه صحبته. وكان هذا أول المعرفة بين عماد الدين زنكى وبين نجم الدين أيوب وأخيه أسد الدين شيركوه، ومبدأ سعادتهما، ولكل شىء سبب. ثم جرى لنجم الدين أيوب ما أوجب صرفه عن ولاية تكريت، فقيل: كان السبب أن أسد الدين شيركوه قتل إنسانا بتكريت ظلما، فعزل مجاهد الدين أخاه [نجم الدين] (٤) لذلك؛ وقيل: إن نجم الدين أيوب رمى مملوكا من مماليك مجاهد الدين بهروز بسهم فقتله، فخشى نجم الدين، فتوجّه نحو الموصل ومعه أخوه أسد الدين، فخدما عماد الدين زنكى بن آق سنقر - صاحب الموصل - فأحسن إليهما، وقربهما، ورعى لهما خدمتهما له، وبالغ في إكرامهما، وأقطعهما إقطاعات جليلة وترقّت [٤] أحوالهما عنده، فلما فتح عماد الدين زنكى بعلبك، جعل نجم الدين أيوب

стр. 40

دزدارا فيها، فلم يزل متوليها إلى أن قتل عماد الدين زنكى على قلعة جعبر سنة إحدى (١) وأربعين وخمسمائة - على ما سنذكره. وكان صاحب دمشق إذ ذاك مجير الدين أبق (٢)، بن جمال الدين محمد، ابن تاج الملوك بورى (٣)، بن ظهير الدين طغتكين؛ وكان طغتكين هذا أتابك الملك شمس الملوك دقاق، بن تاج الدولة تتش، بن السلطان ألب أرسلان السلجوقى؛ فلما مات دقاق استقل طغتكين بملك دمشق، وملك بعده ابنه تاج الملوك بورى، ثم ملك بعد تاج الملوك ابنه شمس الملوك إسماعيل، فقتلته والدته، وملّكت أخاه شهاب الدين محمود، بن بورى (٣)؛ ثم قتل شهاب الدين، وولى أخوه جمال الدين محمد؛ ثم توفى جمال الدين، وملك بعده ولده مجير الدين أبق (٢)، وكان أتابكه والقيّم بأمره معين الدين أنر (٤) - مملوك جده طغتكين -. فلما قتل عماد الدين زنكى على قلعة جعبر، راسل مجير الدين وأتابكه معين الدين نجم الدين أيوب ليسلم إليهما بعلبك، على أن يعطوه إقطاعا جليلا بدمشق، فأجابهما إلى ذلك، وسلّم إليهما بعلبك، ونزل نجم الدين أيوب بدمشق، وتسلم الإقطاع الذى عيّن له؛ وقد ذكر أن تسليم نجم الدين أيوب بعلبك

стр. 41

إلى صاحب دمشق كان سببه أنه راسل الأمير سيف الدين غازى بن عماد الدين زنكى - وهو أكبر من أخيه نور الدين محمود ﵀ ليسلم إليه بعلبك ويرسل إليه من يحفظها، فأبطأ عليه بسبب اشتغال سيف الدين بترتيب الممالك الشرقية، وخاف نجم الدين أن تؤخذ منه عنوة، ويناله أذى، فسلّمها إلى صاحب دمشق بسبب ذلك. واتصل الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذى - أخو نجم الدين أيوب - بخدمة نور الدين محمود، بن عماد الدين زنكى، وصار من أخص أصحابه، ومقدما على سائر أمرائه، لما عرفه من شهامته وشجاعته، وإقدامه في الحرب على ما لا يقدم عليه غيره؛ ولم يزل حاله ينمو عنده إلى أن أقطعه مدينتى حمص والرحبة. ولما قويت أطماع نور الدين محمود بن زنكى في ملك دمشق [٥] وأخذها من صاحبها مجير الدين أبق بن محمد، أمر أسد الدين شيركوه بمكاتبة أخيه نجم الدين أيوب، وكان بها مقيما، وطلب منه مساعدته على ما هو بصدده، فطلب هو وأخوه نجم الدين أيوب من الإقطاع شيئا كثيرا ببلد دمشق، فبذل لهما نور الدين ما طلبا، وحلف لهما على ذلك فساعد نجم الدين في تسليم البلد إلى نور الدين، فتسلمه، ووفى لهما بما حلف لهما عليه، وصارت منزلتهما عنده في أعلا الرتب؛ وصار أسد الدين شيركوه مقدم جيوشه وعساكره ثم كان من قصد أسد الدين الديار المصرية بعساكر نور الدين ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ولما كان ابتداء أمر نجم الدين وأخيه أسد الدين مبنيا على الدولة الأتابكية كان الأولى الابتداء بذكر الدولة الأتابكية.

стр. 42

ذكر ابتداء الدولة الأتابكية كان قسيم الدولة آق سنقر الحاجب. جدّ نور الدين محمود بن زنكى - مملوكا للسلطان العادل عضد الدولة ألب أرسلان، بن داود، بن ميكاييل، بن سلجوق، فربى مع ولده السلطان العادل جلال الدولة ملكشاه، واستمر في صحبته إلى حين كبره، وإفضاء السلطنة إليه، فجعله من أعيان دولته، وأكابر أمرائه، وأخص أوليائه، واعتمد عليه في أموره كلها، وعلت مرتبته ومنزلته إلى أن لقّب: «قسيم الدولة». وفى سنة ست وسبعين وأربعمائة سيّر السلطان جلال الدولة [ملكشاه] فخر الدولة بن جهير (١) إلى ديار بكر ليتسلمها، وأعطاه الكوسات (٢)، وسيّر معه العساكر، فسار إليها، ونزل بنواحى آمد. وفى سنة سبع وسبعين وأربعمائة أردفه السلطان بجيش كثيف من جملتهم الأمير أرتق بن أكسب (٣) - أبو الملوك الأرتقية - وكان صاحبها وهو ابن مروان

стр. 43

الكردى (١) - لما نازلته العساكر السلطانية قد مضى إلى الأمير شرف الدولة مسلم ابن قريش بن بدران العقيلى - صاحب الموصل - راغبا في أن ينصره ويساعده على من قصده، على أن يسلم إليه آمد، فأجابه إلى ذلك، واتفقا عليه، وتحالفا، واجتمعا على حرب فخر الدولة بن جهير. فلما رأى فخر الدولة اجتماعهما مال إلى الصلح، وقال: «لا أوثر [٦] أن يحل بالعرب بلاء على يدى.» فعلم التركمان ما قد عزم عليه، فركبوا ليلا، وأتوا إلى العرب، واحتاطوا بهم، وذلك في ربيع الأول من هذه السنة؛ والتحم القتال واشتد، وانهزمت العرب، ولم يحضر هذه الوقعة فخر الدولة، ولا أرتق؛ وغنم التركمان حلل العرب ودوابهم، وانهزم شرف الدولة، وحمى نفسه حتى دخل إلى آمد، فانحصر فيها، ونازله فخر الدولة ومن معه، فراسل شرف الدولة [مسلم بن قريش] الأمير أرتق، وبذل له مالا، وسأله أن يمن عليه بنفسه (٢) ويمكنه من الخروج [من آمد (٣)] وكان هو على حفظ الطرق [والحصار (٣)]، فأذن له في الخروج، فخرج لتسع (٤) بقين من ربيع الأول، وقصد الرقة وأرسل إلى الأمير أرتق

стр. 44

ابن أكسب بما [كان (١)] وعده [به (١)]، ثم سار فخر الدولة بن جهير إلى ميافارقين، ومعه الأمير بهاء الدولة [منصور (١)] بن مزيد - صاحب الحلة - وابنه الأمير سيف الدولة صدقة، ففارقوه، وعاد إلى العراق. ثم نازل فخر الدولة خلاط. ولما بلغ السلطان جلال الدولة (ملكشاه) انهزام شرف الدولة وحصره بآمد، لم يشك في أسره، فخلع على الوزير عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير، وسيّره في جيش كثيف إلى الموصل، وسيّر معه من الأمراء: الأمير قسيم الدولة آق سنقر الحاجب - المقدم ذكره -؛ وكان الأمير أرتق قد رجع إلى السلطان، وعاد صحبته (٢) عميد الدولة من الطريق، ونازلوا الموصل وأرسلوا إلى أهلها يشيرون عليهم بطاعة السلطان، ففتحوا البلد وسلموه إليهم؛ وسار السلطان بنفسه إلى بلاد شرف الدولة ليملكها، (٣) وكانت بلاده الموصل، وديار ربيعة أجمع، ومدينة حلب، ومنبج، وما بينهما من البلاد الجزيرية والفراتية (٣)؛ فأتاه الخبر بحركة أخيه تكش بخراسان، ورأى شرف الدولة قد خرج من الحصر، فأرسل مؤيد الملك بن نظام الملك إلى شرف الدولة - وهو مقابل الرحبة - فأعطاه العهود والمواثيق، فحضر إلى عند السلطان - وهو بالبوازيج (٤) - فخلع عليه، وذلك سلخ رجب، وكانت أمواله قد ذهبت، فاقترض ما خدم به [٧]، وحمل للسلطان خيلا رائقة (٥)،

стр. 45

من جملتها فرسه بشار - وهو فرسه المشهور الذى نجّاه من المعركة على ما هو مذكور في أخباره - وكان لا يجارى؛ فأمر السلطان أن يسابق به الخيل، فجاء سابقا لها كلها، فقام السلطان قائما لما تداخله من العجب. وأقر السلطان شرف الدولة على بلاده، وأعاد إليه الموصل، وهذا كله مذكور في موضع آخر يليق به، وإنما سقناه هنا لتتصل أخبار آق سنقر التي نحن بصددها. وكان صاحب قونية وأقصرا وما يتصل بهما من البلاد الرومية الملك سليمان ابن قطلمش - وهو ابن عم السلطان جلال الدولة ملكشاه - فقصد في هذه السنة - أعنى سنة سبع وسبعين وأربعمائة - مدينة أنطاكية وهى بيد الروم - وكان ملكوها سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة -. وكان صاحبها الفردوس الرومى قد سار عنها إلى بلاد الشام، ورتّب فيها شحنة، - وكان الفردوس سيىء السيرة في رعيته وفى جنده جدا -، وكاتب (سليمان) الشحنة وابن الفردوس. لأن أباه (الفردوس) كان قد حبسه؛ فكاتبهما سليمان ليسلموا البلد إليه، وركب البحر وقصدها في ثلاثمائة فارس، وراجل كثير، ثم خرج من البحر، وسار في جبال وعرة ومضايق شديدة حتى وصل إليها للموعد. فنصب عليها السلاليم باتفاق من الشحنة وابن الفردوس، وصعد السور، واجتمع بالشحنة، ودخل البلد، وذلك في شعبان، فقاتله أهلها، فهزمهم (مرة) بعد أخرى، وقتل كثير من أهلها، ثم عفا عنهم، وتسلم القلعة المعروفة بالقسيّان (١)، وأخذ من الأموال ما يجاوز الإحصاء وأحسن إلى الرعية وعدل فيهم، وأمر بعمارة ما خرّب، ومنع أصحابه من النزول في دورهم ومخالطتهم، وأرسل إلى السلطان جلال الدولة ملكشاه يبشره بذلك.

стр. 46

وأرسل الأمير شرف الدولة [مسلم بن قريش (١)]- صاحب حلب والموصل - إلى الملك سليمان يطلب منه ما كان الفردوس يحمله من المال، ويخوّفه معصية السلطان، فأجابه: «أما الطاعة للسلطان فهى شعارى ودنارى، والخطبة له والسكة في بلادى [٨] وقد كاتبته بما فتح الله على يدى بسعادته من هذا البلد [وأعمال الكفار (١)]، وأما المال الذى كان يحمله صاحب أنطاكية [قبلى (١)] فهو كان كافرا، وكان يحمل جزيته وجزية أصحابه، وأنا بحمد الله مؤمن، ولا أحمل شيئا»، فنهب شرف الدولة بلد أنطاكية، فنهب سليمان بلد حلب؛ ووقعت بينهما فتنة (٢) اقتضت أنهما التقيا في يوم الجمعة الرابع والعشرين من صفر في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة فانهزم شرف الدولة وأصحابه بعد أن قتل بين يديه أربعمائة غلام من أحداث حلب [ثم قتل شرف الدولة مسلم بن قريش في نفس اليوم - الرابع والعشرين من صفر (٣) -]. [ولما قتل شرف الدولة سار سليمان بن قتلمش إلى حلب]، فحصرها إلى خامس ربيع الآخر، فلم يبلغ منها غرضا، فرحل عنها. وكان [سليمان بن قتلمش (٣)]

стр. 47

قد أرسل إلى ابن الحتيتى (١) العباسى - مقدم حلب - يطلب منه تسليمها إليه، فأنفذ إليه مالا، واستمهله إلى أن يكاتب السلطان جلال الدولة ملكشاه، وأرسل ابن الحتيتى إلى الملك تاج الدولة تتش ابن السلطان العادل عضد الدولة ألب أرسلان - أخى السلطان - وهو يومئذ صاحب دمشق، يعده أن يسلم إليه حلب، فسار تاج الدولة [تتش] طالبا حلب، وذلك في (٢) سنة تسع وسبعين وأربعمائة، فسار إليه ابن عمه سليمان بن قطلمش (٣)، ومع تاج الدولة الأمير أرتق بن أكسب، وكان قد فارق ابن جهير خوفا أن ينهى إلى السلطان إطلاق شرف الدولة من آمد - كما ذكرنا - وصار إلى خدمة تاج الدولة، فأقطعه البيت المقدس وما يتصل به. ثم التقى العسكران، فانهزم أصحاب الملك سليمان، وثبت هو في القلب، فلما رأى انهزام عساكره قيل إنه أخرج سكينا [كانت] معه فقتل بها نفسه، وقيل بل قتل في المعركة، واستولى تاج الدولة على معسكره. وكان سليمان في السنة الماضية - في صفر - أنفذ جثة شرف الدولة ملفوفة في إزار على بغل، وطلب من أهل حلب أن يسلموها إليه، وفى هذه السنة - في صفر - أرسل الملك تاج الدولة جئة الملك سليمان في إزار على بغل، وطلب من أهل حلب أن يسلموها إليه، فأجابه [ابن] الحتيتى أنه يكاتب السلطان، ومهما أمره فعل، فحصر تاج الدولة البلد، وضيّق على أهله، وسلم ابن الحتيتى كل برج من أبراجها

стр. 48

إلى رجل من أعيان البلد ليحفظه، [٩] وسلّم برجا من أبراجها إلى إنسان يعرف بابن الراعونى (١). ثم إن ابن الحتيتى أوحش هذا الرجل بكلام أغلظ له فيه، وكان شديد القوة، ورأى ما الناس فيه من ضيق الحصار، فراسل تاج الدولة يستدعيه، وواعده ليلة برفع الرجال إلى السور في الحبال، فأتى تاج الدولة [تتش (٢)] للميعاد، فأصعد الرجال في الحبال والسلالم، وملك تاج الدولة البلد. واستجار ابن الحتيتى بالأمير أرتق فشفع فيه، وكان بالقلعة سالم بن مالك ابن بدران العقيلى - وهو ابن عم شرف الدولة [مسلم بن قريش (٢)]- فأقام تاج الدولة يحصر القلعة سبعة عشر يوما، ثم بلغه وصول مقدمة أخيه السلطان، فرحل عنها إلى دمشق. وكان ابن الحتيتى قد كاتب السلطان [ملكشاه (٢)] ليسلم إليه حلب، فسار إليه من أصفهان، وعلى مقدمته الأمير برسق، وبزان (٣)، وغيرهما من الأمراء؛ وجعل طريقه على الموصل، فوصلها في رجب، وسار عنها ووصل إلى حرّان فسلمها إليه ابن الشاطر، فأقطعها الأمير محمد بن شرف الدولة بن بدران، ثم سار إلى الرّها - وهى بيد الروم - فحصرها وملكها، وكانوا قد اشتروها من ابن عطير. ثم سار إلى قلعة جعبر، فحصرها يوما وليلة وملكها، وقتل جمعا من بنى قشير (٤)، وأخذ جعبرا صاحب القلعة (٥) - وكان شيخا أعمى - وولدين له، وكانوا يقطعون الطريق ويخيفون السبيل، ثم عبر منها الفرات، فملك مدينة منبج في طريقه.

стр. 49

ولما قارب حلب رحل أخوه تاج الدولة - كما ذكرنا - على البريّة، ومعه الأمير أرتق، وكان أشار أرتق على تاج الدولة أن يكبس السلطان، وكانوا قد وصلوا، وبهم وبدوابهم من التعب ما لم يبق معه امتناع، ولو فعل لظفر بهم؛ فقال تاج الدولة: «لا أكسر جاه أخى الذى أنا مستظل بظله، فإنه يعود علىّ بالوهن أولا». وسار إلى دمشق. ولما وصل السلطان إلى حلب تسلم المدينة، وسلم إليه شمس الدولة سالم ابن مالك (١) بن بدران القلعة على أن يعوّضه عنها قلعة جعبر، وكان قد امتنع بالقلعة أولا [١٠] فأمر السلطان أن يرمى إليه بالنشاب رشقا واحدا، فرمى الجيش كله عن يد واحدة، فكادت الشمس أن تحتجب من كثرة النشاب فعوضه السلطان عنها قلعة جعبر، ولم تزل بيده ويد أولاده إلى أن أخذها منهم الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى (٢) ﵏ على ما سنذكره. وأرسل الأمير نصر (٣) بن على بن منقذ الكنائى - صاحب شيزر - إلى السلطان، ودخل في طاعته، وسلم إليه اللاذقية، وكفرطاب، وفامية، [فأجابه إلى المسالمة، وترك قصده، وأقرّ عليه شبزر (٤)].

стр. 50

ذكر استيلاء الأمير قسيم الدولة آق سنقر الحاجب على مدينة حلب ولما تسلم السلطان حلب سلمها إلى حاجبه الأمير قسيم الدولة آق سنقر في هذه السنة - أعنى سنة تسع وسبعين وأربعمأئة - وقيل بل سلّمها إليه سنة ثمانين، فاستولى عليها وعلى أعمالها: كمنبج، واللاذقية، وكفر طاب؛ وأقطع السلطان مدينة الرّها مجاهد الدولة بزان (١)، وأقطع أنطاكية الأمير ياغى سيان (٢)؛ وظهرت كفاية الأمير قسيم الدولة وحمايته، وعظمت هيبته في جميع بلاده. ثم إن السلطان استدعاه إلى العراق فقدم عليه في تجمل عظيم، ولم يكن في عسكر السلطان من يقاربه، فاستحسن ذلك منه، وعظم محله عنده، ثم أمره بالعود إلى حلب، فعاد إليها، ورخصت الأسعار في أيام الأمير قسيم الدولة، وأقيمت الحدود الشرعية، وعمرت الطرقات، وأمنت السبل، وقتل المفسدون بكل فج، وكان كلما سمع يفسد أو بقاطع طريق أمر بصلبه على أبواب المدينة. وفى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة جمع الأمير قسيم الدولة عسكره، وقصد شيزر وحاصرها وصاحبها نصر بن على بن منقذ، وضايقها ونهب ربضها، ثم صالحه صاحبها وعاد إلى حلب.

стр. 51

وفى سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة أسس القاضى أبو الحسن بن الخشاب (١) منارة حلب، وكان بحلب بيت معبد نار، قديم العمارة، وصار بعد ذلك أتون حمّام، فأخذ ابن الخشاب حجارته، وبنى بها المنارة، فأنهى بعض حسّاده إلى الأمير قسيم الدولة خبره، فغضب على القاضى ابن الخشاب، فاستحضره وقال: «هدمت معبدا هو لى وملكى». فقال: «أيها الأمير، هذا معبد للنار، وقد صار أتونا [١١] فأخذت حجارته لأعمّر بها معبدا للإسلام، يذكر فيه الله وحده لا شريك له، وكتبت اسمك عليه، وجعلت الثواب لك، فإن رسمت غرمت ثمنه لك (٢)، ويكون الثواب لى، فعلت». فأعجب الأمير كلامه، واستصوب رأيه، وقال: «بل الثواب لى، وافعل ما تريد». فشرع في عمارة المنارة وانتهى في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. منازلة قسيم الدولة حمص واستيلاؤه عليها في هذه السنة نازل الملك جلال الدولة تتش بن السلطان ألب أرسلان، والأمير قسيم الدولة آق سنقر، والأمير مجاهد الدولة بزان (٣) - صاحب الرّها - حمص، وسبب

стр. 52

ذلك أنها كانت بيد سيف الدولة خلف بن ملاعب الأشهبى (١)، فأساء السيرة، ونزل على سلمية، وأخذ الشريف إبراهيم الهاشمى، ورماه بالمنجنيق إلى برج سلمية، وأخذ قوما من بنى عمه مأسورين، فمضى من بقى منهم واستغاثوا إلى السلطان جلال الدولة ملكشاه، فخرج أمر السلطان إلى أخيه تاج الدولة - صاحب دمشق - وقسيم الدولة - صاحب [حلب - ومجاهد الدولة بزان - صاحب (٢)] الرّها - بالنزول على حمص، والقبض على ابن ملاعب وتسييره؛ فنزلوا على حمص وحاصروها، وأخذوه وسيّروه إلى السلطان، فأقام في الحبس إلى أن توفى السلطان، فأطلقته خاتون زوجة السلطان. وتسلم آق سنقر قلعة حمص ومدينتها، ولما خلص ابن ملاعب من الحبس صار إلى مصر ثم عاد منها وتسلم حصن أفامية، وبقيت في يده سبع عشرة سنة وكان مدة ملكه بحمص سبع عشرة سنة. وفى سنة أربع وثمانين وأربعمائة تسلم قسيم الدولة حصن أفامية. ثم سار تاج الدولة، ومعه قسيم الدولة آق سنقر، إلى طرابلس، فحاصرها، وبها صاحبها جلال الملك بن عمار، فرأى جيشا لا يدفع بحيلة، ولم يرفيهم مطمعا، وكان مع الأمير قسيم الدولة آق سنقر وزير (٣) فراسله ابن عمار، فرأى فيه لينا، فأتحفه وأعطاه، فسعى مع صاحبه قسيم الدولة في إصلاح حاله، ليدفع عنه، ويحمل إليه ثلاثين ألف دينار وتحفا بمثلها، وعرض عليه [١٢] المناشير التي بيده

стр. 53

من السلطان بالبلد، والتقدم إلى النواب بتلك البلاد بمساعدته، والشدّ معه (١) والتحذير من مخالفته؛ فقال قسيم الدولة لتاج الدولة: «لا أقاتل من هذه المناشير بيده». فأغلظ له تاج الدولة، وقال: «هل أنت إلا تابع لى؟» فقال قسيم الدولة: «أنا أتابعك، إلا في معصية السلطان فلا». ورحل من الغد عن موضعه، فاضطر تاج الدولة إلى الرحيل، فرحل غضبان، وعاد مجاهد الدولة بزان إلى بلاده. وفى سنة خمس وثمانين وأربعمائة اجتمع مع الأمير شرف الدين إبراهيم ابن قريش بن بدران العقيلى - صاحب الموصل - عرب كثير، وكان معتقلا في قبضة أخيه، فلما قتل استبد بالأمر، وانضاف إليه خلق كثير من العرب، وكان محبوبا كريما، فلقيه الملك جلال الدولة، والأمير قسيم الدولة، فهزموه، ونهبوا من معه من العرب، وسبوا نساءهم (٢). وفى هذه السنة توفى السلطان جلال الدولة ملكشاه ببغداد، فطمع أخوه (٣) تاج الدولة - صاحب دمشق - في السلطنة، واستمال قسيم الدولة - صاحب حلب -، ومجاهد الدولة بزان - صاحب الرّها -، وكان تاج الدولة - قبل ذلك - في خدمة أخيه ببغداد، فلما انفصل راجعا إلى بلاده، بلغته وفاة أخيه وهو بهيت، فسار إلى دمشق، وتجهز وجمع العساكر، وأنفق الأموال، وسار نحو حلب، فخرج قسيم الدولة إلى خدمته، ودخل في طاعته، وأرسل إلى ياغيسيان (٤) - صاحب أنطاكيه -، وبزان - صاحب الرّها - وأشار عليهما بالدخول في طاعة السلطان تاج الدولة حتى يروا ما يكون من أولاد السلطان ملكشاه،

стр. 54

فإنه كان بينهم يومئذ حلف كبير، ففعلوا ذلك، ودخلوا تحت طاعته، واتفقوا على الخطبة له على منابر بلادهم، ثم قصدوا الرحبة، وحاصروها، وملكوها في المحرم (١) سنة ست وثمانين وأربعمائة، وخطب لنفسه بالسلطنة، ثم سار إلى نصيبين - وبها نواب إبراهيم بن قريش بن بدران العقيلى - صاحب الموصل - فحصرها وفتحها عنوة [١٣] وقتل من أهلها خلقا كثيرا، ونهب الأموال، وفعل الأفعال القبيحة، ثم سلمها إلى الأمير محمد بن شرف الدولة بن بدران، وسار يريد الموصل. وكان الأمير إبراهيم بن قريش بن بدران قد استدعاه السلطان ملكشاه سنة اثنتين وثمانين ليحاسبه، فلما حضر عنده اعتقله، وأنفذ فخر الدولة بن جهير إلى البلاد، فملك الموصل وغيرها، وبقى إبراهيم مع ملكشاه، وسار معه إلى سمرقند، وعاد إلى بغداد، فلما مات السلطان [ملك شاه] أطلقته زوجته تركان (٢) خاتون، فسار إلى الموصل. وكانت صفية - عمة السلطان [ملكشاه (٣)] وزوجة شرف الدولة (٤)، [ولها منه ابنه (٥)] على - ثم تزوجت بعد شرف الدولة بأخيه إبراهيم، فأقطعها

стр. 55

السلطان [مدينة (١)] بلد؛ فلما مات السلطان قصدت الموصل ومعها ابنها على، فقصدها محمد بن شرف الدولة، وأراد أخذ الموصل، فافترق العرب فرقتين: فرقة معه، وفرقة مع صفية - عمة السلطان - وابنها على؛ فاقتتلوا بالموصل عند الكناسة، فظهر (٢) على، وانهزم محمد، وملك سعد الدولة على بن شرف الدولة الموصل. فلما وصل إبراهيم إلى جهينة - وبينه (٣) وبين الموصل أربعة فراسخ - سمع أن الأمير عليا - ابن أخيه - قد ملك الموصل، ومعه أمه صفية خاتون - عمة السلطان [ملكشاه (١)]-، فأقام مكانه، وراسل صفية، وترددت الرسل بينهما، فسلمت إليه البلد، فأقام به، فلما ملك تاج الدولة [تتش (١)] نصيبين، أرسل إليه يأمره أن يخطب له بالسلطنة، ويعطيه طريقا إلى بغداد لينحدر إليها، [ويطلب الخطبة بالسلطنة (١)] فامتنع إبراهيم من ذلك، فسار إليه تاج الدولة، وتقدم [إبراهيم أيضا (٤)] نحوه، فالتقوا بالمضيع (٥) - من أعمال الموصل - في ربيع الأول؛ وكان إبراهيم في ثلاثين ألفا، وتاج الدولة في عشرة آلاف؛ وكان قسيم الدولة في الميمنة، وبزان في الميسرة، فتمت الهزيمة على العرب، وأسر إبراهيم، وجماعة من أمراء العرب، فقتلوا صبرا، وأخذت أموالهم، وسبيت نساؤهم، وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن، خوفا من الفضيحة. وملك تاج الدولة [تتش] الموصل، وولاها للأمير سعد الدولة على بن شرف الدولة - ابن عمته -، وأرسل إلى بغداد يطلب من الخليفة المقتدى

стр. 56

بأمر الله الخطبة [١٤] له بالسلطنة، - وكان الشحنه ببغداد كوهرائين - (١) وقيل لرسوله: «إنا ننتظر وصول الرسل من العسكر». وعاد إلى تاج الدولة الجواب. ثم سار السلطان تاج الدولة تتش فملك ميّافارقين، وديار بكر أجمع، وقويت شوكته، وعظم أمره، وسار إلى أذربيجان؛ وكان ابن أخيه - السلطان ركن الدين بركيارق بن ملكشاه - قد قوى، وصارت بيده الرىّ وهمذان وما يليهما، فسار بالعساكر ليمنع عمه من البلاد، ففارق قسيم الدولة آق سنقر ومجاهد الدين يزان تاج الدولة، وانحازا إلى السلطان ركن الدين بركيارق، فعاد تاج الدولة إلى الشام. ذكر مقتل الأمير قسيم الدولة آق سنقر ولما عاد السلطان تاج الدولة من أذربيجان لم يزل يجمع العساكر حتى عظمت جموعه، وكثر حشده، فسار في جمادى الأولى (٢) سنة سبع وثمانين وأربعمائة [عن دمشق (٣)] نحو حلب، فحشد الأمير قسيم الدولة والأمير مجاهد الدين [بوزان (٣)]- صاحب الرّها - وأمدهما السلطان بركيارق بالأمير كربوقا (٤)،

стр. 57

فالتقى الجمعان بمكان يعرف بنهر سبعين (١)، قريبا من تل السلطان (٢)، بينه وبين حلب ستة فراسخ، فاقتتلوا قتالا شديدا، فخامر بعض العسكر الذين مع قسيم الدولة، فانهزموا، وتمت الهزيمة بسبب انهزامهم؛ وأخذ آق سنقر أسيرا، وأحضر بين يدى السلطان تاج الدولة، فقال: «لو ظفرت بى ما كنت صنعت بى؟» قال: «كنت أرى قتلك». قال: «فأنا أحكم عليك بما كنت تحكم علىّ»، فقتله صبرا. وسار [تاج الدولة] نحو حلب، وكان قد دخلاها (٣): كربوقا، وبزان (٤)، فحفظاها، فحصرها تاج الدولة، ولجّ في حصرها، فسلمها إليه المقيم بقلعة الشريف (٥)، ومنها دخل البلد؛ وكانت الوقعة التي قتل فيها قسيم الدولة يوم السبت لتسع مضين من جمادى الأول، وكان نزوله على حلب يوم الأحد غد هذا اليوم، ومعه رأس قسيم الدولة، وتسلمها العصر من ذلك اليوم، وبات بقلعة الشريف، وتسلم قلعة حلب يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة مضت من جمادى [الأولى]، وأخذ بزان

стр. 58

وكربوقا [١٥] أسيرين، وبعث إلى حرّان والرّها، - وكانتا لبزان - أن [يسلمهما من بهما (١)] إليه، فامتنع أهلها من التسليم، فقتل بزان، وأنفذ رأسه إليهم، وتسلم البلدين، وبعث كربوقا إلى حمص، فحبس بها، وكانت لآق سنقر، فتسلمها، وسلّمها إلى جناح الدولة حسين أتابك ولده الملك فخر الملك رضوان، فلما قتل تاج الدولة أخرج الملك رضوان كربوقا من الحبس. ذكر سيرة الأمير قسيم الدولة (٢) ﵀ [كان] أميرا عادلا، حسن السيرة، جميل السياسة، وكان شرط على أهل كل قرية من بلاده أنهم متى أخذ عندهم قفل أو أحد من الناس، غرّمهم جميع ما يؤخذ من الأموال - قليل أو كثير -، فكانت السيّارة إذا بلغوا قرية من بلاده، ألقوا رحالهم، وناموا، وحرسهم أهل تلك القرية إلى أن يرحلوا، فأمنت السبل. وكان عنده وفاء عظيم وحسن عهد، ومروءة غزيرة، وإنما كان قتله وفاء لسلطانه ورب نعمته جلال الدولة، وحفظا لولده من بعده، وإنما صار مع تاج الدولة في تلك المدة خوفا منه، ولأن بنى صاحبه لم يكن بينهم اتفاق، فلما استفحل أمر السلطان بركيارق - ولد صاحبه - انحاز إليه وقتل في هواه.

стр. 59

ذكر أخبار عماد الدين زنكى ابن قسيم الدولة آق سنقر ﵀ - لم يخلف [آق سنقر] من الولد غير أتابك زنكى، وكان عمره حين توفى والده عشر سنين، فاجتمع عليه مماليك والده وأصحابه، وفيهم الأمير زين الدين على كوجك بن بكتكين (١)، وهو صبي أيضا؛ ولما تخلص كربوقا من سجن حمص - بعد مقتل تاج الدولة تتش - توجه إلى حرّان، واجتمع إليه جماعة، فملكها، وملك نصيبين، ثم ملك الموصل وماردين، وعظم شأنه وأحضر مماليك قسيم الدولة آق سنقر، وأمرهم بإحضار عماد الدين زنكى، وقال: «هو ابن أخى، وأنا أولى الناس به وبتربيته». فأحضروه عنده، وأقطعهم الإقطاعات السنية، وجمع عماد الدين زنكى مماليك أبيه، واستعان بهم في حروبه، وأقام عماد الدين في صحبة كربوقا إلى أن توفى في سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وملك الموصل موسى التركمانى (٢)، ثم شمس الدولة جكرمش (٢) - أحد مماليك السلطان [١٦] جلال الدولة ملكشاه - فقرّب عماد الدين زنكى، واتخذه ولدا إلى أن توفى جكرمش في سنة خمسمائة. ثم ولى بعد جكرمش جاولى سقّا، واتصل به عماد الدين زنكى.

стр. 60

ثم ولى الموصل الأمير مودود (١) - من نسل السلطان غياث الدين محمد ابن ملكشاه - وصحبه عماد الدين زنكى، وحضر معه حروبه. ثم قتل مودود بدمشق، فأقطع السلطان الموصل لجيوش بك، وسيّر معه الملك مسعود - ولده -، وسيّر قسيم الدولة اسباسلار (٢) البرسقى (٣) آق سنقر في الجيوش لقتال الفرنج (٤)، وكانوا قد ملكوا سواحل الشام وفتحوا البيت المقدس؛ فسار وصحبته عماد الدين زنكى، فحاصروا الرّها، وأخربوا بلاد سرّوج وسنجار وسميساط، ثم عادوا، وأقام عماد الدين زنكى بالموصل في صحبة الملك مسعود بن السلطان محمد، والأمير جيوش بك. وفى سنة إحدى عشرة وخمسمائة ولد نور الدين محمود بن عماد الدين زنكى، وفيها توفى السلطان محمد، فأقر ولده السلطان محمود بن محمد أخاه مسعودا (٥) بالموصل مع جيوش بك. وفى سنة أربع عشرة وخمسمائة خرج مسعود عن طاعة أخيه السلطان محمود، فخطب لنفسه بالسلطنة، ثم التقى الاخوان، فكسر مسعود، وأمّنه السلطان، وأمّن جيوش بك، وأقطع الموصل قسيم الدولة آق سنقر البرسقى سنة خمس عشرة

стр. 61

وخمسمائة، وأمر السلطان آق سنقر [البرسقى] بحفظ عماد الدين زنكى وتقديمه والوقوف عند إشارته، ففعل ذلك. وفى سنة ست عشرة وخمسمائة أقطع عماد الدين زنكى شحنكيّة (١) البصرة وواسط، وعظم شأنه، وهابه الأمير دبيس بن صدقة - صاحب الحلة - وهمّ دبيس بقصد بغداد، فسار إليه آق سنقر البرسقى بنفسه، وتبعه الخليفة المسترشد بالله، فانهزم عسكر دبيس، وقتل منهم وأسر خلق كثير، وكان لعماد الدين أثر حسن في هذه الوقعة، وذلك في أول المحرم سنة سبع عشرة وخمسمائة ولحق دبيس بالسلطان طغرل بن السلطان محمد، [١٧] وكان معه عاصيا على السلطان محمود، وأمر السلطان لآق سنقر البرسقى أن يرجع إلى الموصل فعاد، فقال عماد الدين لأصحابه: «قد ضجرنا مما نحن فيه، كل يوم يملك البلد أمير، ويؤمر بالتصرف على اختياره وإرادته، فتارة نحن بالعراق، وتارة بالشام، وتارة بالموصل، وتارة بالجزيرة». فسار من البصرة إلى السلطان محمود، وأقام عنده، فكان يقف إلى جانب تخت الملك عن يمينه، لا يتقدم عليه أحد، وهو مقام والده قسيم الدولة [آق سنقر] من قبله، وبقى لعقبه من بعده. ثم بلغ السلطان أن العرب قد اجتمعت، ونهبت البصرة، فأعلم عماد الدين زنكى بالمسير إليها، وأقطعه إياها، لما بلغه عنه من الحماية لها في العام الماضى وقت اختلاف العساكر والحروب، ففعل ذلك، فعظم عند السلطان، وزاد محله عنده، وكان جرى بين برتقش (٢) الزكوى - شحنة (١) بغداد - وبين الخليفة المسترشد بالله نفرة، فتهدده المسترشد، فسار عن بغداد إلى السلطان شاكيا

стр. 62

من المسترشد، وحذّر السلطان جانبه، وأعلمه أنه قد جمع العساكر عازما على منعه من العراق، فسار السلطان إلى بغداد، وجرت حروب ووقائع، ليس هذا موضع (١) ذكرها. ذكر تولى الأمير عماد الدين زنكى (٢) شحنكية (٣) بغداد ثم نظر السلطان محمود بن محمد فيمن يصلح لشحنكيّة العراق، بحيث يأمن معه من الخليفة، ويضبط الأمور، فرأى أن زنكى أصلح الناس لذلك، فولاّه الشحنكية - مضافا إلى ما بيده من البلاد والإقطاع - وسار السلطان من بغداد. وفى سنة عشرين وخمسمائة قتل آق سنقر البرسقى، قتلته الباطنية (٤)، وكانت بيده الموصل وحلب. ذكر استيلاء عماد الدين زنكى على الموصل لما توفى البرسقى فوّض السلطان الأمر بعده بالموصل إلى ولده الأمير عز الدين مسعود بن آق سنقر [البرسقى]، فلم تطل أيامه، وتوفى في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وولى بعده أخ له، وقام بتدبير أمره مملوك لأبيه، يقال له جاولى، فأرسل إلى السلطان محمود [١٨] يطلب تقرير البلاد على ولد آق سنقر البرسقى،

стр. 63

وبذل الأموال الكثيرة على ذلك، وكان الرسول في ذلك القاضى بهاء الدين أبو الحسن على بن القاسم الشهرزورى، وصلاح الدين محمد الياغيسيانى (١) - أمير حاجب البرسقى - فحضرا دركاة (٢) السلطان ليخاطباه في ذلك، وكانا يخافان (٣) جاولى ولا يرضيان بطاعته، فاجتمع صلاح الدين [محمد الياغيسيانى] ونصير الدين جقر (٤)، وكانت بينهما مصاهرة، وذكر له صلاح الدين ما ورد فيه، وأفشى (٥) إليه سره، فخوّفه نصير الدين [من (٦)] جاولى، وقبّح عنده طاعته، وقرّر في نفسه [أنه (٦)] إنما أبقاه وأمثاله لحاجته إليهم، ومتى أجيب إلى مطلوبه لا يبقى على أحد منهم. وتحدث معه صلاح الدين في أن يخاطب السلطان في ولاية عماد الدين زنكى، وضمن له الولايات والإقطاع الكثير، وكذلك للقاضى بهاء الدين بن الشهرزورى، وخاطباه في ذلك، وضمنا له كلما أراده، فوافقهما على ما طلبا. وركب هو وصلاح الدين إلى دار الوزير شرف الدين أنوشروان [بن (٧)] خالد، فقالا: «إنه قد علمت أنت والسلطان أن ديار الجزيرة والشام قد تمكن الفرنج منها،

стр. 64

وقد قويت شوكتهم فاستولوا على أكثرها، وقد أصبحت ولايتهم من حدّ ماردين إلى عريش مصر - ما عدا البلاد الباقية بيد المسلمين -، وقد كان البرسقى - مع شجاعته - يكفّ بعض عاديتهم، فمذ قتل زاد طمعهم، وولده طفل، ولا بد للبلاد من رجل شهم شجاع ذى (١) رأى وتجربة يذبّ عنها ويحمى حوزتها، وقد أنهينا الحال إليك لئلا يجرى خلل أو وهن على المسلمين، فيختص اللوم بنا، ويقال لنا: لم لا أنهيتم إلينا جلية الحال». فأنهى الوزير ذلك إلى السلطان، فشكرهما عليه، وأحضرهما، واستشارهما (٢) فيمن يصلح للولاية، فذكرا (٣) جماعة، منهم: عماد الدين زنكى، وبذلا عنه - تقربا إلى خزانة السلطان - مالا جليلا، فأجاب [السلطان] إلى ذلك، لما يعلمه من كفايته لما يليه؛ وولاّه البلاد كلها، وكتب منشوره بذلك (٤) وضم إليه ولده الملك ألب أرسلان - المعروف بالخفاجى - وجعله أتابكه، فمن ثم قيل لزنكى: «أتابك (٥)»، فسار أتابك زنكى (٤).

стр. 65

وبدأ بالبوازيج (١) [١٩] فملكها، وتقوى بها، وجعلها وراء ظهره، لأنه خاف من جاولى أنه ربما صدّه عن البلاد، ثم سار من البوازيج إلى الموصل، فلما سمع جاولى بقربه من البلد، خرج إلى تلقيه، ومعه سائر العسكر، فلما رآه جاولى نزل عن فرسه، وقبّل الأرض بين يديه، وعاد في خدمته إلى الموصل، فدخلها في رمضان، وأقطع [عماد الدين زنكى] جاولى الرحبة، وسيّره إليها، وأقام بالموصل يصلح أمورها ويقرر قواعدها، وولّى نصير الدين جقر دزدارية (٢) [القلعة (٣)] بالموصل، وجعل إليه دزدارية سائر القلاع، وجعل صلاح الدين محمدا أميرا حاجبا (٤)، وبهاء الدين قاضى القضاة في البلاد جميعها. ذكر استيلاء عماد الدين على جزيرة ابن عمر (٥) ثم سار عماد الدين إلى جزيرة ابن عمر، وبها مماليك البرسقى، فامتنعوا من التسليم، فحصرهم وراسلهم، وبذل لهم البذول الكثيرة على أن يجيبوه، فلم يجيبوا، فجدّ في قتالها، وبينه وبين البلد دجلة، فأمر الناس بالقاء أنفسهم في الماء، ليعبروا إلى البلد، ففعلوا، وعبر بعضهم سباحة، وبعضهم في السفن،

стр. 66

وبعضهم في الأكلاك (١)، وتكاثروا على أهل الجزيرة، وكانوا قد خرجوا من الجزيرة إلى أرض بين الجزيرة ودجلة، تعرف بالزلاّقة، ليمنعوا من يريد عبور دجلة، فلما عبر العسكر إليهم قاتلوهم ومانعوهم، فتكاثر عسكر عماد الدين عليهم، فانهزم أهل البلد، وتحصنوا بأسواره، واستولى عماد الدين على الزلاّقة، فلما رأى ذلك أهل البلد علموا أن لاخلاص لهم منه، فسلموا إليه البلد بالأمان، فدخل إليه هو وعسكره، وزادت دجلة في تلك الليلة زيادة منكرة، بحيث لحقت (٢) سور البلد، وامتلأت الزلاّقة ماء، ولو أنهم أقاموا ذلك اليوم، ولم يتفق لهم الدخول للبلد، لغرقوا ولم يسلم منهم أحد، فعلم الناس أن ذلك بداية سعادة، وأن أمر هذه الدولة لعظيم. استيلاء عماد الدين زنكى على نصيبين ثم سار عماد الدين زنكى إلى نصيبين، وكانت للأمير حسام الدين تمرتاش ابن إيلغازى ابن أرتق (٣) - صاحب ماردين - فلما نازلها سار حسام الدين إلى ابن عمه ركن الدولة (٤) داوود ابن معين [٢٠] الدين [سقمان (٥)] بن أرتق

стр. 67

صاحب حصن كيفا، فوعده النجدة، وجمع العسكر، وعاد حسام الدين إلى ماردين، وأرسل رقاعا على جناح طائر إلى نصيبين، يعرّف من بها من العسكر أنه وابن عمه سائران إليهم في العسكر الكثير، ويأمرهم بحفظ البلد خمسة أيام؛ فسقط الطائر على خيمة عماد الدين، فقرأها، وأمر أن يكتب بطاقة غيرها، مضمونها: إنى قصدت ابن عمى ركن الدولة (١)، وقد وعدنى النصرة، وجمع العساكر، وما نتأخر عن الوصول أكثر من عشرين يوما، ويأمرهم بحفظ البلد هذه المدة إلى أن يصل، وجعل البطاقة في الطائر وأرسله، فوقع بنصيبين، فلما وقف أهل البلد على البطاقة أسقط في أيديهم، وعلموا عجزهم عن حفظ البلد هذه المدة، فسلموا البلد إلى عماد الدين، فتسلمه، وهذا من غرائب الاتفاق. استيلاء عماد الدين زنكى على سنجار والخابور ثم سار إلى سنجار، فامتنع من بها عليه، ثم صالحوه، وسلموها إليه، وسيّر منها الشّحن إلى الخابور، فملكه جميعه، ثم سار إلى حرّان. استيلاؤه على حرّان ولما قاربها، خرج أهلها مذعنين له بالطاعة، لأنهم كانوا في ضرر عظيم وضيق من الفرنج - لعنهم الله - فإنه كانت بأيديهم يومئذ الرّها وسرّوج والبيرة، وتلك البلاد، وتلك النواحى جميعها. ولما ملك حرّان أرسل إلى جوسلين - صاحب الرّها وتلك البلاد - وهادنه مدة يسيرة، ليتفرغ لإصلاح البلاد، وتجنيد الأجناد، وكان أهم الأمور إليه أن يعبر الفرات ويملك البلاد الشامية.

стр. 68

ذكر استيلاء الشهيد عماد الدين زنكى على مدينة حلب وكان آق سنقر البرسقى قد ملك حلب، فلما قتل آق سنقر [هذا (١)] بالموصل كان ولده عز الدين مسعود بقلعتها (٢) فسار إلى الموصل وملكها، واستناب بقلعتها رجلا يقال له: «قومان (٣)»، ولما استتب أمره (٤) سار إلى الرحبة ليحاصرها. وورد إلى حلب غلام السلطان محمود، يقال له: «ختلغ أبه (٥)» أتى بتوقيع من الأمير عز الدين يتضمن تسليم حلب إليه، وصحبته سنقر [٢١] الطويل الملقب عمدة الدين - صاحب حرّان - المعروف بدران (٦)، فسلّم التوقيع إلى قومان (٣)، فلم يقبل واحتج بعلامة بينه وبين عز الدين لم يتضمنها التوقيع، واعترف بالخط، وكان بينهما العلامة صورة غزال، لأن عز الدين كان أحسن الناس نقوشا وتصاوير، وكان مفرط الذكاء، وطال الأمر على ختلغ أبه، ولم يسلم إليه البلد، فأشير إليه بالعود، فعاد، وكان عز الدين محاصرا الرحبة، فوصل [ختلغ (١)] في خمسة أيام، فوجد مسعودا قد مات، وهو مطروح على قطعة بساط، والعسكر مشغولون عن دفنه،

стр. 69

وقد نهب بعضهم بعضا، فعاد ختلغ أبه إلى حلب في ثلاثة أيام، وعرّف الناس موته، فأدخله الرئيس فضائل بن بديع - رئيس حلب - المدينة، واستنزلوا قومان من القلعة بعد ما صح عنده وفاة صاحبه، فصانعهم على ألف دينار، وسلّم القلعة إلى ختلغ أبه، واستحلفه الحلبيون، واستوثقوا منه. وطلع [خلتغ] إلى القلعة لست بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وخمس مائة، فبقى أياما يظهر منه شر عظيم وفسق كبير، فتشوشت قلوب الرعايا منه، وحمله قوم على الطمع، فصار يختم على تركة من يموت، ويرفعها إليه، ولا يكشف: هل له ورثة أم لا؟ فاشتدت نفرة الناس منه وعرف الرئيس فضائل والأمير بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق - الذى كان قبل ذلك صاحب حلب - أنه قد عزم على قبضهما، فتحالفا: واتفقا، واتفق معهما أحداث حلب، فثاروا ليلة الثلثاء ثانى شوال من هذه السنة، وكان ختلغ أبه وحجابه وخواصه في قلة، وكلهم يشربون في البلد عند أصحابهم، لأنه عشية يوم العيد، ففبض عليهم الحلبيون، وملأوا منهم الحبوس والمساجد ودار ابن الاقريطشى، وقيدوهم، وزحف الناس إلى باب القلعة، وحاصروها، فقاتلوهم النهار أجمع، ولما كان الليل نزل وأحرق القصر، فتلفت سقوفه وأبوابه، وذهبه وأخشابه ورخامه. وهجم الناس [٢٢] صبيحة تلك الليلة، وأخذوا منه ما قدروا عليه، وقتل خلق كثير من الناس، ووصل الأميران حسن وحسّان - ابنا البعلبكى صاحبا منبج - من بزاعة (١) سابع شوال، فساماه الخروج، فأبى، ثم وصل الجوسلين - ملك الفرنج - في مائتى فارس إلى بانقوسا، ونفذ رسوله يصانعوه فدفعوه.

стр. 70

وفى آخر شوال وصل الملك إبراهيم بن رضوان بن تاج الدولة تتش، فأدخله أهل حلب البلد، ونادوا بشعاره، ثم وصل بيمند الأفرنجى - صاحب أنطاكية - وضايق البلد، فركب الملك إبراهيم وبدر الدولة سليمان بن أرتق والرئيس فضائل ابن ربيع في خلق من الحلبيين، وترددت الرسل بينهم حتى استقر الأمر على الهدنة مدة، وحمل إلى بيمند ما اقترحه بعد أن أشرف البلد على الهلاك. وطال الحصار على ختلغ أبه إلى نصف ذى الحجة، فوصل الأمير سنقر دراز والأمير حسن قراقوش، ومع سنقر وحسن توقيع سلطانى لعماد الدين زنكى بالموصل والجزيرة والشام، ومعهما جماعة من الأمراء، واتفق الأمر على أن يسير ختلغ أبه وبدر الدولة [بن عبد الجبار] إلى الأمير عماد الدين زنكى فلمن ولى استقر الأمر (١)؛ فمضيا إلى باب عماد الدين، وبقى في البلد حسن قراقوش واليا ولاية مستعارة. ولما مضى بدر الدولة وختلغ أبه إلى عماد الدين أصلح بينهما، ولم يوقع لأحد، وطمع في البلد، وسيّر جيشا مع الأمير صلاح الدين الياغيسيانى - حاجبه - فصعد إلى قلعة حلب، ورتّب الأمور فيها. ثم سار الأمير عماد الدين إلى الشام - في جيوشه وعساكره - فملك بزاعة ومنبج في طريقه، وخرج أهل حلب إليه، فالتقوه واستبشروا بقدومه، ودخل البلد، واستولى عليه، ورتّب أموره، ثم قبض على ختلغ أبه، وسلّمه إلى ابن بديع، فكحله (٢) بداره بحلب، فمات، فاستوحش ابن بديع، فهرب إلى قلعة جعبر، واستجار بصاحبها فأجاره.

стр. 71

وولّى عماد الدين رياسة حلب أبا الحسن على بن عبد الرزاق، وكان دخول عماد الدين مدينة حلب واستقراره بها في [٢٣] جمادى الآخرة من سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. ثم سار من حلب إلى خدمة السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه - في تجمل عظيم -، وعاد من عنده إلى الموصل في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، ومعه منشوره بالجزيرة والشام وما اتصل بهما، بعد أن يحمل إلى السلطان وأصحابه ما يزيد على مائة ألف وعشرين ألف دينار. وفى مستهل رجب سنة أربع وعشرين وخمسمائة وصل عماد الدين زنكى إلى الفرات، وفتح قلعة السن (١)، وسيّر عسكرا أغاروا على بلد عزاز (٢) - وهى للفرنج - وعاثوا في بلد جوسلين، وذلك لليلتين بقيتا من رجب؛ وخيّم عماد الدين ظاهر حلب، وترددت الرسل بينه وبين الفرنج، واصطلحوا مدة؛ ولعشر بقين من شعبان تزوج الأمير عماد الدين خاتون بنت الملك رضوان ابن تتش.

стр. 72

ذكر استيلاء الأمير عماد الدين على مدينة حماة وكانت حماة للأمير ظهير الدين (١) أتابك طغتكين - صاحب دمشق - قد تسلمها عقيب موت صاحبها شهاب الدين محمودين قراجا (٢) سنة سبع عشرة وخمسمائة، ثم سلّمها الأمير ظهير الدين إلى الأمير بهاء الدين إبراهيم بن سوّار، ثم توفى إبراهيم بعد موت ظهير الدين، فولّى تاج الملوك بورى بن طغتكين - صاحب دمشق - حماة ولده بهاء الدين سونج بن بورى. ولما كانت هذه السنة - أعنى سنة أربع وعشرين وخمسمائة - أرسل عماد الدين زنكى إلى تاج الملوك بورى بن طغتكين - صاحب دمشق - يستنجده على الفرنج، وأظهر العزم على الجهاد، فأجابه إلى ذلك، وأرسل من أخذ له العهود والمواثيق، ثم جرّد عسكرا من دمشق مع جماعة من الأمراء، وأرسل إلى ابنه سونج - صاحب حماة - يأمره بالتقدمة على العسكر والمسير بهم إلى خدمة عماد الدين زنكى، فساروا بأجمعهم إليه، فأكرمهم وأحسن ملتقاهم؛ وكان عنده الأمير صمصام الدولة خترخان (٣)

стр. 73

ابن قراجا - صاحب حمص - فحسّن لعماد الدين الغدر ببهاء الدين سونج، والقبض عليه وعلى أصحابه، وأخذ حماة (١)، ففعل ذلك، وارتكب أمرا قبيحا أنكره الناس عليه، ولا شىء أقبح من الغدر؛ [٢٤] ولما عزم على تلك الفعلة الشنعاء استفتى الفقهاء في ذلك، فأفتاه منهم من لا دين له، وجوّز له ما لا يحل ولا يحسن شرعا وعرفا، فقبض على بهاء الدين وعلى جماعته، وأنهب الخيل والخيم، وقبض على جميع أصحابه، واعتقل الأمراء بالقلعة والجند بحلب. ثم سار في العشر الأول من شوال إلى حماة وتسلمها، ثم غدر بصمصام الدين خترخان، وسيّره إلى حلب، وحبس بقلعتها. وسار إلى حمص فنازلها، وطلب عماد الدين من أولاد صمصام الدين خترخان تسليم قلعة حمص، فامتنعوا، فألحّ في حصارها، ونقب النقابون القلعة، فبطل عليهم النقب، وأمر بنصب المجانيق عليها فبطلت، وطالت مدة الحصار، وهجم الشتاء، فعاد بالعسكر إلى حلب، وترددت الرسل بين تاج الملوك بورى - صاحب دمشق - وعماد الدين زنكى في إطلاق ولده بهاء الدين سونج وأصحابه، فاستقر الأمر على خمسين ألف دينار، فأجاب تاج الملوك إلى حملها، ولم ينتظم بينهم أمر. وفى منتصف ذى الحجة من هذه السنة سيّر عماد الدين زنكى ألفى فارس، وهجمت معرّة مصرين (٢) - وهى للفرنج - ونهبت وقتل من فيها، وشنّ الغارة على تل

стр. 74

باشر (١) والأثارب (٢)، وأوقع بخيل من الأثارب، فقتل منهم جماعة كبيرة، وذكر ابن الأثير (٣) أنه فتح في هذه السنة حصن الأثارب. وفى المحرم سنة خمس وعشرين وخمسمائة توجه الأمير عماد الدين زنكى راجعا إلى الموصل، وفى ربيع الآخر من هذه السنة رد السلطان محمود أمر العراق إلى عماد الدين مضافا إلى ما بيده من الشام والموصل والجزيرتين؛ وفى هذه السنة فتح الأمير عماد الدين قلعة للأكراد حصينة يقال لها مجهيمر (٤). ذكر قبض الأمير عماد الدين على دبيس بن صدقة المزيدى (٥) صاحب الحلّة (٦) وكان السلطان محمود قدم بغداد سنة ثلاث وعشرين من عند عمه السلطان سنجر بن ملكشاه - صاحب خراسان -، ومعه الأمير دبيس بن صدقة، ليصلح

стр. 75

بينه وبين الخليفة المسترشد بالله، فتأخّر دبيس عن السلطان، ثم وصل دبيس، ونزل بدار السلطان، فاسترضى السلطان الخليفة عنه، فامتنع أن يولّى دبيس [٢٥] شيئا من الأعمال، وبذل الخليفة للسلطان مائة ألف دينار لأجل ذلك، وبلغ الأمير عماد الدين أتابك زنكى أن السلطان قد عزم على تولية دبيس الموصل، فسافر إلى خدمة السلطان - كما قدمنا -، ولم يشعر السلطان به إلا وهو عند الستر، وبذل الجملة العظيمة التي ذكرناها، وخلع عليه، وأعيد إلى بلاده - كما ذكرنا -. ثم رحل السلطان عن بغداد، ومرض، وبلغ دبيسا (١) مرضه، فطمع وجمع جمعا كثيرا، وقصد الحلّة، وكان بها بهروز - شحنة بغداد -، فهرب، ودخلها دبيس، فعاث في البلاد، فسيّر إليه السلطان [آق سنقر (٢)] الأحمد يلى ليكف شره، فأرسل دبيس يستعطف الخليفة، وقال: «إن رضيت عنى رددت أضعاف ما أخذته»، وترددت الرسل في ذلك، ودبيس يجمع ويحشد، فاجتمع إليه عشرة آلاف فارس؛ ثم سار السلطان إلى بغداد فأهدى له دبيس هدايا جليلة، من جملتها ثلاثمائة حصان منعولة بالذهب، ومائتا ألف دينار ليرضى عنه الخليفة والسلطان، فلم يجب إلى ذلك. ولما دخل السلطان بغداد قصد دبيس البصرة، وأخذ منها أموالا جليلة، فسيّر إليه [السلطان] عشرة آلاف فارس، ففارق البصرة، ودخل البرية، وسار متوجها إلى الشام، فقيل إنه قصد قلعة صرخد، لأن سريّة (٣) لصاحبها
следующие страницы →