← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وولّى عماد الدين رياسة حلب أبا الحسن على بن عبد الرزاق، وكان دخول عماد الدين مدينة حلب واستقراره بها في [٢٣] جمادى الآخرة من سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. ثم سار من حلب إلى خدمة السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه - في تجمل عظيم -، وعاد من عنده إلى الموصل في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، ومعه منشوره بالجزيرة والشام وما اتصل بهما، بعد أن يحمل إلى السلطان وأصحابه ما يزيد على مائة ألف وعشرين ألف دينار. وفى مستهل رجب سنة أربع وعشرين وخمسمائة وصل عماد الدين زنكى إلى الفرات، وفتح قلعة السن (١)، وسيّر عسكرا أغاروا على بلد عزاز (٢) - وهى للفرنج - وعاثوا في بلد جوسلين، وذلك لليلتين بقيتا من رجب؛ وخيّم عماد الدين ظاهر حلب، وترددت الرسل بينه وبين الفرنج، واصطلحوا مدة؛ ولعشر بقين من شعبان تزوج الأمير عماد الدين خاتون بنت الملك رضوان ابن تتش.

стр. 72

ذكر استيلاء الأمير عماد الدين على مدينة حماة وكانت حماة للأمير ظهير الدين (١) أتابك طغتكين - صاحب دمشق - قد تسلمها عقيب موت صاحبها شهاب الدين محمودين قراجا (٢) سنة سبع عشرة وخمسمائة، ثم سلّمها الأمير ظهير الدين إلى الأمير بهاء الدين إبراهيم بن سوّار، ثم توفى إبراهيم بعد موت ظهير الدين، فولّى تاج الملوك بورى بن طغتكين - صاحب دمشق - حماة ولده بهاء الدين سونج بن بورى. ولما كانت هذه السنة - أعنى سنة أربع وعشرين وخمسمائة - أرسل عماد الدين زنكى إلى تاج الملوك بورى بن طغتكين - صاحب دمشق - يستنجده على الفرنج، وأظهر العزم على الجهاد، فأجابه إلى ذلك، وأرسل من أخذ له العهود والمواثيق، ثم جرّد عسكرا من دمشق مع جماعة من الأمراء، وأرسل إلى ابنه سونج - صاحب حماة - يأمره بالتقدمة على العسكر والمسير بهم إلى خدمة عماد الدين زنكى، فساروا بأجمعهم إليه، فأكرمهم وأحسن ملتقاهم؛ وكان عنده الأمير صمصام الدولة خترخان (٣)

стр. 73

ابن قراجا - صاحب حمص - فحسّن لعماد الدين الغدر ببهاء الدين سونج، والقبض عليه وعلى أصحابه، وأخذ حماة (١)، ففعل ذلك، وارتكب أمرا قبيحا أنكره الناس عليه، ولا شىء أقبح من الغدر؛ [٢٤] ولما عزم على تلك الفعلة الشنعاء استفتى الفقهاء في ذلك، فأفتاه منهم من لا دين له، وجوّز له ما لا يحل ولا يحسن شرعا وعرفا، فقبض على بهاء الدين وعلى جماعته، وأنهب الخيل والخيم، وقبض على جميع أصحابه، واعتقل الأمراء بالقلعة والجند بحلب. ثم سار في العشر الأول من شوال إلى حماة وتسلمها، ثم غدر بصمصام الدين خترخان، وسيّره إلى حلب، وحبس بقلعتها. وسار إلى حمص فنازلها، وطلب عماد الدين من أولاد صمصام الدين خترخان تسليم قلعة حمص، فامتنعوا، فألحّ في حصارها، ونقب النقابون القلعة، فبطل عليهم النقب، وأمر بنصب المجانيق عليها فبطلت، وطالت مدة الحصار، وهجم الشتاء، فعاد بالعسكر إلى حلب، وترددت الرسل بين تاج الملوك بورى - صاحب دمشق - وعماد الدين زنكى في إطلاق ولده بهاء الدين سونج وأصحابه، فاستقر الأمر على خمسين ألف دينار، فأجاب تاج الملوك إلى حملها، ولم ينتظم بينهم أمر. وفى منتصف ذى الحجة من هذه السنة سيّر عماد الدين زنكى ألفى فارس، وهجمت معرّة مصرين (٢) - وهى للفرنج - ونهبت وقتل من فيها، وشنّ الغارة على تل

стр. 74

باشر (١) والأثارب (٢)، وأوقع بخيل من الأثارب، فقتل منهم جماعة كبيرة، وذكر ابن الأثير (٣) أنه فتح في هذه السنة حصن الأثارب. وفى المحرم سنة خمس وعشرين وخمسمائة توجه الأمير عماد الدين زنكى راجعا إلى الموصل، وفى ربيع الآخر من هذه السنة رد السلطان محمود أمر العراق إلى عماد الدين مضافا إلى ما بيده من الشام والموصل والجزيرتين؛ وفى هذه السنة فتح الأمير عماد الدين قلعة للأكراد حصينة يقال لها مجهيمر (٤). ذكر قبض الأمير عماد الدين على دبيس بن صدقة المزيدى (٥) صاحب الحلّة (٦) وكان السلطان محمود قدم بغداد سنة ثلاث وعشرين من عند عمه السلطان سنجر بن ملكشاه - صاحب خراسان -، ومعه الأمير دبيس بن صدقة، ليصلح

стр. 75

بينه وبين الخليفة المسترشد بالله، فتأخّر دبيس عن السلطان، ثم وصل دبيس، ونزل بدار السلطان، فاسترضى السلطان الخليفة عنه، فامتنع أن يولّى دبيس [٢٥] شيئا من الأعمال، وبذل الخليفة للسلطان مائة ألف دينار لأجل ذلك، وبلغ الأمير عماد الدين أتابك زنكى أن السلطان قد عزم على تولية دبيس الموصل، فسافر إلى خدمة السلطان - كما قدمنا -، ولم يشعر السلطان به إلا وهو عند الستر، وبذل الجملة العظيمة التي ذكرناها، وخلع عليه، وأعيد إلى بلاده - كما ذكرنا -. ثم رحل السلطان عن بغداد، ومرض، وبلغ دبيسا (١) مرضه، فطمع وجمع جمعا كثيرا، وقصد الحلّة، وكان بها بهروز - شحنة بغداد -، فهرب، ودخلها دبيس، فعاث في البلاد، فسيّر إليه السلطان [آق سنقر (٢)] الأحمد يلى ليكف شره، فأرسل دبيس يستعطف الخليفة، وقال: «إن رضيت عنى رددت أضعاف ما أخذته»، وترددت الرسل في ذلك، ودبيس يجمع ويحشد، فاجتمع إليه عشرة آلاف فارس؛ ثم سار السلطان إلى بغداد فأهدى له دبيس هدايا جليلة، من جملتها ثلاثمائة حصان منعولة بالذهب، ومائتا ألف دينار ليرضى عنه الخليفة والسلطان، فلم يجب إلى ذلك. ولما دخل السلطان بغداد قصد دبيس البصرة، وأخذ منها أموالا جليلة، فسيّر إليه [السلطان] عشرة آلاف فارس، ففارق البصرة، ودخل البرية، وسار متوجها إلى الشام، فقيل إنه قصد قلعة صرخد، لأن سريّة (٣) لصاحبها

стр. 76

كتبت إليه وأطمعته فيها، وضلّ به الأدلاء الطريق بنواحى دمشق، فنزلت (١) بناس من كلب كانوا شرقى الغوطة، فقبضوا عليه، وحملوه إلى تاج الملوك بورى ابن طغتكين - صاحب دمشق - فحبسه عنده، وبلغ ذلك عماد الدين زنكى، فأرسل إلى تاج الملوك يطلب دبيسا، على أن يطلق ولده بهاء الدين سونج ومن عنده من المأسورين، فإنه إن امتنع من تسليمه سار إلى دمشق وحصرها، فأجابه تاج الملوك إلى ذلك، فأرسل دبيسا، وأرسل إليه عماد الدين بهاء الدين سونج وأصحابه، وتسلّم عماد الدين دبيس بن صدقة، فأحسن إليه عماد الدين، ودفع إليه من الأموال والسلاح ما لم يكن في ظن دبيس. فأرسل [٢٦] الخليفة المسترشد بالله لما سمع بالقبض على دبيس سديد الدولة ابن الأنبارى (٢) وأبا بكر بن بشر الجزرى (٣)، يطلبان من تاج الملوك دبيسا، لما بينه وبين الخليفة من العداوة، فسمع سديد الملك - وهو في الطريق - بمصير دبيس إلى عماد الدين، فسار إلى دمشق ولم يرجع، ووقع في عماد الدين وذمّه، واستخف به، وبلغ ذلك عماد الدين فأرسل إلى طريقه من يأخذهما إذا عادا، فلما رجعا من دمشق قبضوا عليه (٤) وعلى ابن بشر، وحملوها إليه فأطلق ابن بشر، وسجن ابن الأنبارى ثم أطلقه. وكان مصير دبيس إلى عماد الدين سنة خمس وعشرين وخمسمائة. وفيها مات السلطان محمود بن محمد.

стр. 77

وكان الأمير عماد الدين زنكى قد عبر الفرات (١)، ووصل إلى مدينة حلب في أول شوال، ثم توجه إلى حمص، فحاصرها يوما واحدا، وتوجه نحو أطراف الشام، وتسلم دبيسا، وأطلق سونج - كما ذكرنا - وبلغه وفاة السلطان وهو بالقريتين (٢) - من عمل حمص - لأربع عشرة بقيت من شوال، فسمع عماد الدين ودبيس بن صدقة - (٧) وكان عنده ولدان للسلطان (٣) محمود - أحدهما ألب أرسلان الخفاجى ويكنى أبا طالب وهو الذى جعله (٤) السلطان أتابكه - وقد ذكرناه (٥) - والآخر (٦) عند دبيس (٧). فأرسل الأمير عماد الدين إلى الخليفة المسترشد بالله يسومه أن يخطب ببغداد لأبى طالب ألب أرسلان بن السلطان محمود، فاعتذر المسترشد بالله بأنه صبى، وأن السلطان عهد بالسلطنة لولده داوود بن محمود - وهو بأصبهان - وقد وردت رسل الأطراف بالخطبة له، ونحن منتظرون كتاب السلطان سنجر بن ملكشاه، فإنه عمّ القوم.

стр. 78

ذكر الوقعة الكائنة بين الخليفة المسترشد بالله وبين عماد الدين زنكى لما مات السلطان محمود خطب بهمذان وأصفهان والجبال وأذربيجان لولده السلطان داوود، وسار من همذان إلى رمكان (١)، وكان عمه السلطان مسعود ابن محمد قد سار من جرجان ووصل إلى تبريز (٢)، فاستولى عليها، فسار إليه داوود في ذى [٢٧] القعدة من هذه السنة - أعنى سنة خمس وعشرين وخمسمائة -، وحصره بها، وجرى بينهما قتال إلى سلخ المحرم سنة ست وعشرين وخمسمائة، ثم اصطلحوا وتأخر داوود مرحلة، وخرج السلطان مسعود من تبريز (٢) واجتمعت إليه العساكر، وسار إلى همذان. وكانت رسل داوود تقدمت في طلب الخطبة، فأجاب الخليفة: «إن [الحكم في (٣)] الخطبة للسلطان سنجر، من أراد خطب له» وأرسل السلطان سنجر: أن لا يأذن لأحد في الخطبة، وأن الخطبة ينبغى أن تكون له وحده؛ وأرسل السلطان مسعود إلى عماد الدين زنكى يطلب مساعدته، فوعده النصرة. وسار السلطان سلجوق شاه - ومعه أتابكه قراجا الساقى صاحب بلاد فارس وخوزستان - في عسكر كثيف إلى بغداد، ونزل بدار السلطنة، فأكرمه الخليفة،

стр. 79

واستحلفه لنفسه؛ ثم وصل السلطان مسعود يطلب الخطبة، ويتهدده إن منعها، فلم يجب إلى ما طلب، فنزل عباسيّة (١) الخالص. وبرز الخليفة وسلجوق شاه وقراجا الساقى عازمين على قتال مسعود، وتوجه عماد الدين زنكى إلى بغداد - ومعه دبيس بن صدقة -، وكانت رسل السلطان سنجر قد وردت إلى عماد الدين بتوليته شحنكيّة بغداد، وإقطاع الحلّة لدبيس، وبلغ الخليفة وقراجا الساقى وصول عماد الدين إلى المعشوق (٢)، فعبر قراجا إلى الجانب الغربى، وتقدم إلى الملك سلجوق شاه بمرافقة أخيه السلطان مسعود إلى أن يفرغا من حرب عماد الدين، وسار الخليفة في يوم وليلة إلى المعشوق، فواقع عماد الدين زنكى فهزمه، وأسر كثيرا من أصحابه. وسار عماد الدين إلى تكريت، وعبر منها دجلة، وكان الدزدار بتكريت يومئذ نجم الدين أيوب بن شادى - والد صلاح الدين يوسف - فأقام لعماد الدين المعابر (٣)، فلما عبر أمن الطلب، وسار لإصلاح بلاده، فكان هذا الفعل من نجم الدين سببا

стр. 80

للسعادة التي آلت به إلى أن صار ولده ملوك الأرض، فلينظر العاقل إلى ثمرة الجميل وفعل الخير. وسار السلطان مسعود من العباسية إلى الملكية (١)، ووقعت الطلائع بعضها على بعض، وآل الأمر [٢٨] إلى أن اصطلح الأخوان مسعود وسلجوق على أن تكون السلطنة لمسعود، وسلجوق ولى عهده، وأن العراق يكون للخليفة (٢)، وتحالفوا على ذلك واتفقوا. وعاد السلطان مسعود إلى بغداد، ونزل بدار السلطنة، ونزل سلجوق بدار الشحنكية، وكان ذلك في جمادى الأولى سنة ست وعشرين وخمسمائة. وأما السلطان سنجر فإنه سار من خراسان إلى همذان - وصحبته ابن أخيه السلطان طغرل بن محمد - مريدا تملكه، لأنه كان قد لازمه، فوصلا إلى الرىّ ثم إلى همذان، فلما بلغ ذلك الخليفة والسلطان مسعود، تجهزا وسارا إلى لقائه، ومعهما قراجا الساقى وسلجوق شاه، ثم تأخر عنهما الخليفة خوفا من عماد الدين زنكى، لما بلغهم أنه على قصد بغداد، فاستعد للمدافعة، وجنّد الأجناد، ومضى الباقون، فكانت الوقعة بينهم وبين السلطان سنجر بغولان (٣) بقرب الدّينوز، فانكسر السلطان مسعود وأخوه سلجوق شاه، وأخذ قراجا الساقى أسيرا، فقتله السلطان سنجر صبرا، وأحضر ابن أخيه السلطان مسعود، فأكرمه، وعاتبه على مخالفته،

стр. 81

وأعاده إلى كنجة (١)، وأجلس ابن أخيه السلطان طغرل بن محمد في السلطنة، وأمر بالخطبة له في جميع البلاد، وكانت هذه الوقعة في ثامن رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة. ثم عاد السلطان سنجر إلى نيسابور، وكان السلطان سنجر قد كاتب الأمير عماد الدين ودبيس بن صدقة، وأمرهما بقصد العراق، فقصدا بغداد، وبلغ الخليفة المسترشد ذلك، فأسرع العود إليهما، وعبر إلى الجانب الغربى، وسار فنزل بالعباسية ونزل عماد الدين زنكى بالمنارية من دجيل، ثم التقيا في السابع والعشرين من رجب بمكان يقال له عقرقوف (٢)، واقتتلوا قتالا كبيرا، فحمل الأمير عماد الدين على ميمنة الخليفة، - وفيها جمال الدين (٣) إقبال - فانهزموا، وحمل نظر الخادم - وكان في ميسرة الخليفة - على [ميمنة] (٤) عماد الدين ودبيس، وحمل [٢٩] الخليفة بنفسه، واشتد القتال، فانهزم دبيس، ورأى الأمير عماد الدين تفرق الناس عنه، فانهزم، وقتل من العسكر جماعة، وأسر جماعة، وبات هناك الخليفة ليلة، وعاد إلى بغداد. حكى الأمير مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن على بن منقز في كتاب ألفه، وذكر فيه شهامة الخليفة المسترشد بالله وشجاعته، قال: «كان الإمام المسترشد بالله يلحق بالصدر الأول من سلفه في علو الهمة، وحسن السياسة، والإقدام العظيم، فإنه لما التقى هو وعماد الدين زنكى بن آق سنقر في المصاف بعقرقوف وأنا حاضر المصاف، ضرب له خيمة أطلس أسود، ووضع له فيها تخت، وجلس عليه،

стр. 82

والخيل تطرد، فكسر عسكر أتابك، وذلك يوم الاثنين السابع والعشرين من رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة، فاستولى على كل ما فيه، وانهزم أتابك زنكى إلى الموصل، وذلك الإقدام العظيم كان سبب تلفه». قلت: إن الخلفاء كان قد ضعف أمرهم من أيام المتقى بالله (١)، واستولت عليهم الملوك، خصوصا في أيام المستكفى بالله (٢)، فإن بنى بويه الديلم ملكوا العراق وغيرها من الممالك، وصارت الخلفاء تحت حجرهم، ثم ظهرت السلاطين السلجوقية، فتغلبوا أيضا وتحكموا، وهلم جرا إلى أيام المسترشد، فاتفق وقوع الخلف بين السلاطين السلجوقية، واغتنم ذلك الخليفة المسترشد، فكانت نفسه أبية، وشجاعته عظيمة، فجنّد الجنود، وباشر القتال بنفسه، وأدى ذلك إلى أن أسره السلطان مسعود، وقتل في معسكره - كما سنذكره إن شاء الله تعالى -. وبويع ببغداد لولده الراشد، ووصل السلطان إلى بغداد، فهرب الراشد، وأقعد السلطان عمه المقتفى، وحكم عليه إلى أن مات السلطان مسعود، ثم بعد ذلك قوى المقتفى، وملك العراق، وقامت حشمة الدولة العباسية، واستمرت قوتها إلى أن زالت بالتتار الملاعين سنة ست وخمسين وستمائة، وللمسترشد بالله شعر يدل [٣٠] على قوة نفسه وبعد همته، وهو: أنا الأشقر الموعود بى في الملاحم ... ومن يملك الدّنيا بغير مزاحم ستبلغ أرض الرّوم خيلى وتنتهى (٣) ... بأقصى (٤) بلاد الصّين بيض صوارمى

стр. 83

وكان الأمير إبراهيم (١) بن سقمان بن أرتق - صاحب حصن كيفا - لما سمع بقصد عماد الدين بغداد قد خرج من حصن كيفا نجدة للخليفة، في جمع كثير، وأغار على نصيبين. ذكر منازلة الخليفة المسترشد بالله مدينة الموصل وفى العشرين من رمضان سنة سبع وعشرين وخمسمائة، حصر الإمام المسترشد بالله مدينة الموصل، وكان السبب في ذلك ما تقدم من الفتنة بينه وبين عماد الدين، فقصد باب الخليفة المسترشد ﵀ جماعة من الأمراء السلجوقية، وخدموه، وقوى بهم لا سيما واتفق اشتغال السلاطين بالخلف الواقع بينهم، فأرسل الخليفة الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح الاسفرايينى - الواعظ - إلى عماد الدين برسالة فيها خشونة، وزادها أبو الفتوح - زيادة في الحجة - ثقة بقوة الخليفة وناموس الخلافة، فقبض عليه عماد الدين زنكى، وأهانه ولقّاه ما يكره. ولما كان في شعبان سار الخليفة عن بغداد في ثلاثين ألف مقاتل، فلما قرب من الموصل فارقها عماد الدين زنكى ببعض عسكره، وترك الباقى بها مع نائبه نصير الدين جقر - دزدارها والحاكم في دولته - فنازلها الخليفة، وضيّق على من بها، وسار عماد الدين إلى سنجار، وكان يركب في كل ليلة، ويقطع الميرة عن العسكر، ومتى ظفر بأحد من العسكر أخذه ونكّل به، فضاقت على العسكر الأمور، وتواطأ جماعة من الجصاصين (٢) بالموصل على تسليم البلد، فسعى بهم،

стр. 84

فأخذوا وصلبوا، ودام الحصار نحو ثلاثة أشهر فلم يظفر الخليفة منها بشىء، فعاد إلى بغداد، وقيل كان سبب رحيله أنه بلغه أن السلطان مسعودا (١) قصد بغداد، فعاد لذلك، والله أعلم. استيلاء شمس الملوك صاحب دمشق على حماة وأخذها من عماد الدين وفى هذه السنة - أعنى سنة [٣١] سبع وعشرين وخمسمائة - قصد شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك بورى - صاحب دمشق - مدينة حماة، وكان والده تاج الملوك قد توفى سنة ست وعشرين، وجلس [هو] في الأمر مكانه. وكنا قد ذكرنا أن حماة كانت لبهاء الدين سونج - أخى شمس الملوك - وأن عماد الدين قبض عليه وأخذ منه حماة، فلما نزل شمس الملوك على حماة حاصرها، وذلك في العشر الأخر من رمضان من هذه السنة، وكان الوالى بها، وهو سنقر - غلام صلاح الدين محمد بن الياغسيانى (٢) - مقطعها قد سمع الخبر، فاستكثر من الرجال والذخائر، فزحف إليها شمس الملوك يوم العيد، ثم عاد عنها ذلك اليوم، وزحف إلى البلد من جميع جوانبه، فملكه قهرا، وأمّن أهله، وحصر القلعة، ولم تكن يومئذ حصينة على ما هى اليوم، وإنما عمّرها بعد ذلك الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، فعجز الوالى عن حفظ القلعة، فسلّمها إليه، ثم رحل عنها إلى شيزر فحصرها، ونهب بلدها، فصانعه صاحبها ابن منقذ (٣) بمال، فرجع.

стр. 85

ذكر الوقعة بين عماد الدين وصاحب حصن كيفا سنة ثمان وعشرين (١) وخمسمائة اجتمع الأمير عماد الدين أتابك زنكى والأمير حسام الدين تمرتاش بن إيلغازى ابن أرتق [صاحب ماردين (٢)] وقصدا مدينة آمد وحاصراها، فأرسل صاحبها - وهو [سعد الدولة أبو منصور ايكلدى بن فخر الدولة إبراهيم (٣)] إلى الأمير ركن الدين [داود (٤)] بن سقمان بن أرتق يستنجده، فجمع العساكر، وسار ليرحلهما عنها، فالتقوا على باب آمد، واقتتلوا، فانهزم ركن الدين، وعاد مغلولا، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، وأقام عماد الدين [زنكى] وحسام الدين [تمرتاش] على آمد محاصرين لها، وقطعا الشجر، وشعّثا البلد، ثم عادا عنها من غير بلوغ غرض. (٥) استيلاء عماد الدين على قلعة الصور ثم قصد عماد الدين قلعة الصور من ديار بكر، فحاصرها وضايقها، ثم ملكها في رجب من هذه السنة (٥)

стр. 86

استيلاء عماد الدين على قلاع [الأكراد (١)] الحميديّة (٢) وفى هذه السنة تملك عماد الدين قلعة العقر (٢)، وقلعة شوش (٣)، وغيرهما، وكان عماد الدين قد أقرّ الأمير عيسى الحميدى - صاحب هذه القلاع - عليها، لما ملك البلاد، فلما نازل الخليفة المسترشد بالله الموصل، نزل عيسى إلى خدمة الخليفة، وحشد له [٣٢] الأكراد، فلما رحل الخليفة أمر عماد الدين بمنازلة القلاع، فنوزلت وملكت في هذه السنة. استيلاء عماد الدين على قلاع الهكّاريّة (٤) كان صاحب هذه القلاع الأمير أبا الهيجاء بن عبد الله وكانت له آشب (٥) والجديدة (٦) وتوشى (٧) وجبل لهيجة، فأرسل عماد الدين من استحلفه وحمل إليه مالا، ثم سافر عماد الدين، وأخرج معه من آشب ولده أحمد - وهو والد الأمير سيف الدين على بن أحمد المشطوب الذى سنذكره في أخبار صلاح الدين ﵀

стр. 87

وإنما فعل ذلك خوفا من أن يتغلب عليها، وأعطاه توشى، واستخلف أبو الهيجا بآشب كرديا يقال له باو الأرجبى (١). ولما قدم أبو الهيجا على عماد الدين توفى عنده بالموصل، فسار من توشى إلى آشب ليملكها، فمنعه باو وأراد حفظها لولد صغير لأبى الهيجا اسمه على، ثم نازل عماد الدين آشب فملكها، وذلك أنه استجرّهم (٢) لما نازلهم، وانهزم من بين أيديهم حتى أبعدوا عن القلعة، ثم عطف عليهم فانهزموا، فوضع السيف فيهم، وأكثر القتل والسبى، ثم سار عنها. وفى غيبته استولى نائبه نصير الدين [جقر (٣)] على جبل لهيجة وتوشى وقلعة الجلاّب (٤)، وحاصر جميع حصون الهذبانيّة (٥): وهى قلعة الشعبانى (٦)، وقرح، وكواشى (٧)، والزعفرانى، وغيرها (٨) فملك الجميع، واستقام الجبل، وأمنت الرعايا بأمن الأكراد، فإنهم كانوا معهم في ضر عظيم.

стр. 88

وباقى بلاد الهكّاريّة فتحها قراجانجنا (١) صاحب العمادية بعد قتل عماد الدين وهذا قراجا أقطعه الأمير زين الدين بلاد الهكّاريّة بعد زنكى، ولما فتح عماد الدين آشب بنى قلعة العمادية، وهى التي كانت تسمى قليعة الجلاّب، وإنما سميت العمادية (٢) نسبة إلى عماد الدين. منازلة عماد الدين دمشق وسبب ذلك أن صاحب دمشق شمس الملوك إسماعيل بن بورى بن طغتكين كان ظالما سيئ السيرة إلى الغاية القصوى، مع بخل زائد ودناءة نفس، فكرهه أصحابه وأهله ورعيته، ولما استشعر بغض أصحابه له، وخاف منهم راسل الأمير عماد الدين زنكى يحثه على سرعة [٣٣] الوصول إلى دمشق ليسلمها إليه، وأخلى (٣) المدينة من الذخائر والأموال، وحملها إلى صرخد، وتابع الرسل إلى عماد الدين يحثه على الوصول، ويقول: «إن أهملت المجئ سلمت المدينة إلى الفرنج». وتحقق ذلك أصحابه، فواطأوا أمه على قتله فقتلته وانضاف إلى ذلك سبب (٤) آخر هو مذكور في أخباره، ولما قتلته أمه أقامت في الأمر بعده أخاه شهاب الدين محمود بن بورى، وحلّفت الناس له. ووصل عماد الدين زنكى إلى دمشق، ونازلها في جمادى الأولى [سنة تسع وعشرين وخمسمائة] (٥)، وكان لما عبر الفرات أرسل رسلا في تقرير

стр. 89

قواعد التسليم، فرأوا الأمر قد فات فسار إلى دمشق فحصرها، وكان نزوله أولا من شماليها، ثم انتقل إلى ميدان الحصى (١)، وزحف وقاتل، فرأى قوة ظاهرة وشجاعة عظيمة، وكان القائم بأعباء هذه الحروب معين الدين أثر (٢) مملوك طغتكين، فقام في حفظ البلد قياما مشهودا. وبينما عماد الدين يحاصر البلد إذ ورد عليه أبو بكر بن بشر الجزرى رسولا من الراشد بالله بن المسترشد، ليتوجه إليه وينجده على السلطان مسعود، ويأمره بصلح صاحب دمشق، والرحيل عنها، فصالحهم، وخطبوا بدمشق للملك ألب أرسلان بن السلطان محمود، وكانت الخطبة له في جميع بلاد عماد الدين. ذكر مقتل المسترشد وخلافة الراشد بالله حكى الأمير مؤيد الدين سديد الدولة أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم ابن الأنبارى (٣) - كاتب الانشاء - قال: كان وقع بين السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه وبين الخليفة المسترشد بالله خلف، وخرج الخليفة لقتاله مرتين وكسر، فلما مات السلطان محمود وولى السلطنة أخوه السلطان مسعود بن محمد، استطال نوابه بالعراق، وعارض الخليفة في إقطاعه، فوقعت بينهما وحشة، فتجهز المسترشد بالله وعزم على الخروج، وجدّ في ذلك،

стр. 90

فدخل إليه الوزير شرف الدين على بن طراد الزينبى (١) وكمال الدين (٢) صاحب المخزن (٣)، وأنا معهما، وكان المسترشد قد طرد نواب السلطان عن البلاد، ورتّب صاحب المخزن للنظر في المظالم (٤)، فقال له الوزير شرف الدين: «يا مولانا، في نفس المملوك [٣٤] شئ، فهل يؤذن له في المقال؟» فقال: «قل»، فقال: «إلى أين نمضى وبمن نعتضد وإلى من نلتجئ ومقامنا ببغداد أمكن لنا، ولا يقصدنا أحد، والعراق ففيه لنا الكفاية، فإن الحسين بن على ﵉ لما خرج إلى العراق جرى عليه ما جرى، ولو أقام بمكة ما اختلف عليه أحد من الناس؟». فقال لى الخليفة: «ما تقول يا كاتب؟» فقلت: «يا مولانا، الصواب المقام، وما رآه الوزير فهو الرأى، ولا يقدم علينا أحد، وليت العراق يبقى لنا». فقال لصاحب المخزن: «يا وكيل، ما تقول؟» فقال: «في نفسى ما في نفس مولانا». فأنشد الخليفة قول المتنبى: وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تموت جبانا ثم إنه تجهّز وجمع وحصل في خدمته جماعة من أمراء الأتراك، فأعطاهم مالا عظيما، ثم خرج، وخرجنا معه، فلما قاربنا همذان، وقع المصاف بين الخليفة

стр. 91

المسترشد بالله والسلطان مسعود بن محمد بمكان يسمى وادى مرك (١) - وهو قريب من جبل بهستون (٢) بالقرب من همذان -، فلما اصطفت العساكر فرّ من معسكرنا جميع الأتراك، ومالوا إلى ناحية السلطان، ثم وقع القتال، فانهزم الخليفة ومن بقى معه، ونهب عسكره، وقبض على الخليفة وأرباب المناصب، وحمل الوزير وصاحب المخزن وأنا ونقيب العلويين إلى قلعة سرجهان (٣) - بالقرب من قزوين والرى - وبقى الخليفة مع السلطان وسار معه في بلاد أذربيجان إلى أن وصلوا إلى مراغة؛ وهجم على الخليفة ثلاثة نفر من الملاحدة الباطنية، وهو في خيمته، فقتلوه، وقتلوا معه [أبا عبد الله (٤)] ابن سكينه - وكان يصلى به -، وذلك يوم الخميس لأربع بقين من ذى القعدة (٥) سنة تسع وعشرين وخمسمائة (٦).

стр. 92

قلت (١): وصل في اليوم الذى قتل فيه الخليفة رسول إلى السلطان مسعود من عمه السلطان سنجر شاه بن ملكشاه - صاحب خراسان - برسالة ظاهرها التقدم إليه بتعظيم الخليفة ورده إلى سرير ملكه، وباطنها التدمير عليه والراحة منه، ووردت الملاحدة صحبة الرسول، فلما قتل الخليفة أظهر [٣٥] السلطان مسعود الجزع العظيم والحزن الكثير، ودفن الخليفة بمراغة. ووصل الخبر بذلك إلى العراق، فحزن الناس عليه حزنا عظيما وبويع بالخلافة ولده الراشد بالله ببغداد، واستقرت خلافته بها؛ ثم قدم السلطان وضرب عنق دبيس ابن مزيد صاحب الحلّة. قال مؤيد الدين سديد الدولة بن الأنبارى: (لما قتل الخليفة المسترشد بالله أحضرنا السلطان مسعود - وكان نقيب العلويين قد مات بقلعة سرجهان، ودفن هناك - فلما حضرنا عنده، قال: «ما الرأى وما التدبير في أمر الخلافة، ومن ترون؟» فقالوا: «يا مولانا، الخلافة لولى العهد - يعنى الراشد بالله -، وقد بايعه الناس ببغداد، وجلس واستقر، وبويع له من قبل قتل أبيه بولاية العهد، وبويع له الآن بالخلافة». فقال السلطان: «ما إلى هذا سبيل، ولا أقره عليها، فإنه يحدث نفسه بالخروج مثل أبيه المسترشد، ومن حين تولى أبيه لم يترك الخروج علينا؛ كان قد خرج على أخى محمود مرتين، وعلىّ مرة، وهذه أخرى، وتم عليه ماتم، وبقيت علينا شناعة عظيمة وسبة إلى آخر الدهر، فإنه يقال: قتلوا الخليفة، وهم كانوا السبب في عود الخلافة إلى هذا البيت، ولا أريد يلى الأمر إلا رجل لا يدخل نفسه في غير أمور الدين (٢)، ولا يجند، ولا يجمع ولا يخرج علىّ

стр. 93

ولا على أهل بيتى، وفى دار الخلافة جماعة، فاعتمدوا على شيخ منهم صاحب عقل ورأى وتدبير، يلزم نفسه ما يجب من طاعتنا، ولا يخرج من داره؛ ولا تعرّجوا عن هارون بن المقتدى بأمر الله، فهو شيخ كبير، ولا يرى الفتنة، وقد أشار به عمى سنجر». وكان في دار الخلافة في ذلك الوقت سبعة من أولاد المقتدى بأمر الله، وهم أعمام المسترشد بالله بن المستظهر بالله بن المقتدى بأمر الله، وبقى من السبعة من هو حى إلى سنة نيف وخمسين وخمسمائة؛ وكان في الدار من أولاد المستظهر بالله - أخوة المسترشد بالله - سبعة، وهم: الأمير أبو عبد الله محمد، وأبو طالب، وأبو نصر، وأبو القسم، وأبو على، وإسماعيل، ويحيى؛ ولهم أولاد جماعة؛ وكان للمسترشد أولاد جماعة، منهم الراشد بالله؛ وللراشد نيف وعشرون ولدا، أكبرهم [٣٦] حملت أمه به وعمر الراشد تسع سنين، وهذا من أعجب الأشياء؛ فحكى عن من كان يدخل إلى دار الخلافة، ويطلع على أسرارهم أن الخليفة المسترشد أعطى لولده الراشد - وعمره أقل من تسع سنين - عدة جوار، وأمرهن أن يلاعبنه ويمكّنه من أنفسهن، وكان فيهن جارية صفراء حبشية، فحملت من الراشد، فلما ظهر الحمل، وبلغ ذلك المسترشد أنكره، فأحضرها وتهددها، فقالت: «والله ما تقدم إلىّ سواه، وأنه قد بلغ الحلم»، فسأل عن ذلك بقية الجوارى، فقلن مثل ذلك؛ فأمر أن تحمّل الجارية قطنا، ثم وطئها الراشد، فلما قام عنها أخرج القطن والمنى عليه، وفعل ذلك ببقية الجوارى، فخرج وعليه المنى، ففرح المسترشد بذلك، ووضعت الجارية ابنا، فسماه المسترشد «أمير الجيش»، وسر به سرورا شديدا. وهذا لم يسمع بمثله إلا في الحجاز، فإنه قيل إن نساء تهامة يحضن لتسع، وتبلغ صبيانها لتسع، وروى أن عمرو بن العاص كان أكبر من ابنه عبد الله بإثنى عشر.

стр. 94

قال ابن الأنبارى: «وأرسل السلطان مسعود إلى عمه السلطان [سنجر] (١) يستشيره فيمن يولى الخلافة، فأرسل إليه يقول: «لا تولى إلا من يضمنه الوزير وصاحب المخزن وابن الأنبارى»، فلما وصل السلطان إلى همذان اجتمع بنا، وأشار بهارون بن المقتدى، وعرفنا ما أمر به عمه السلطان سنجر، فقال الوزير: «إذا كان الأمر يلزمنا، فنحن نولى من نريد، وهو الزاهد الدّين الذى ليس في الدار مثله»، فقال السلطان: «من هو؟» فقال: «الأمير أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله»، فقال: «وتضمن ما يجرى منه؟» فقال الوزير: «نعم»، وكان الأمير [أبو] (١) عبد الله صهر الوزير على ابنته، فإنها دخلت يوما الدار في خلافة المستظهر بالله، فرآها الأمير أبو عبد الله، فطلب من أبيه تزويجها، فزوجه بها، فدخل بها وبقيت عنده، ثم توفيت، فقال السلطان: «ذلك إليكم»، وكتموا الحال لئلا يشتهر الأمر، فيقتل الراشد بالله عمه الأمير أبا عبد الله، ثم رحل السلطان والجماعة نحو بغداد (٢). وأما الراشد فإنه لما بويع له ببغداد بالخلافة [٣٧] بعد مقتل أبيه المسترشد بالله. أرسل إلى الأمير عماد الدين زنكى بن آق سنقر يستدعيه لنجدته، وضمن له أن يكون السلطنة والملك للملك ألب أرسلان بن محمود بن محمد بن ملكشاه الذى عند أتابك، وأن تكون أتابكية السلطنة والخلافة بحكم عماد الدين، فوردت الرسالة على عماد الدين زنكى بذلك، وهو بظاهر دمشق محاصرها، وبها شهاب الدين محمود بن بورى، فصالحه عماد الدين زنكى، ورحل عنها، ووصل إلى حماة، وبها شمس الخواص اليتاش (٣) - نائب صاحب دمشق - وكان قد نزع يده من طاعة صاحب دمشق،

стр. 95

فالتجأ إلى عماد الدين، فقبض عليه عماد الدين، وأخذ منه حماة، وسلّمها إلى صاحبه صلاح الدين الياغيسيانى، فاستناب فيها ولده شهاب الدين أحمد. ثم توجه عماد الدين زنكى إلى بغداد لنصرة الراشد بالله، وورد إلى بغداد جماعة من ملوك الأطراف متفقين على قتال السلطان مسعود، ونصرة الراشد، وهم: السلطان داود بن محمود (١) بن ملكشاه - صاحب أذربيجان -، وبرنقش - صاحب قزوين -، والبقش الكبير - صاحب أصفهان -، وصدقة بن دبيس - صاحب الحلّة - الذى قتل السلطان أباه دبيسا، ومعه عنتر بن أبى العسكر، يدبره - لصباه - وورد أيضا ابن الأحمديلى، وانضاف إلى هؤلاء مقدمو (٢) عساكر بغداد، وهم: كج أبه، وطرنطاى، وغيرهما؛ واضطربت بغداد، ونقلوا أموالهم إلى دار الخلافة. وأمر الخليفة أن يخطب بالسلطنة بعده للسلطان داوود، وتحالف الخليفة والسلطان داوود والأمير عماد الدين زنكى، وأرسل الخليفة الراشد إلى عماد الدين ثلاثين (٣) ألف دينار، ووصل بعد ذلك سلجوق شاه بن محمد - أخو السلطان مسعود - إلى واسط، وقبض على الأمير بك أبه، ونهب ماله، فانحدر إليه عماد الدين زنكى، فدفعه عنها، ثم اصطلحا، وعاد عماد الدين إلى بغداد.

стр. 96

ذكر قدوم السلطان محمود بن مسعود بن محمد إلى بغداد وهروب الراشد بالله وعماد الدين زنكى إلى الموصل ثم عبر الأمير عماد الدين زنكى إلى خراسان، وحثّ على جمع العساكر للقاء السلطان مسعود، وسار السلطان داوود [٣٨] نحو طريق خراسان، وأظهر أنه يمضى إلى مراغة، ثم عاد عماد الدين إلى بغداد، (١) وبرز الراشد بالله إلى ظاهر بغداد أول شهر رمضان سنة ثلاثين وخمسمائة، وسار على طريق خراسان ثلاثة أيام، ثم عاد ونزل عند جامع السلطان، ثم دخل بغداد، وراسل العسكر وسائر الأمراء؛ وأمرهم بالعود، فعادوا، ونزلوا في الخيام، واتفقت كلمتهم على قتال السلطان مسعود. ثم قدم السلطان مسعود في العساكر الكثيرة إلى بغداد، ونزل بالملكية، وشارف بعض العسكر البغدادى عسكره، وطاردوهم، ثم نزل السلطان بغداد، وحاصرها نيفا وخمسين يوما، فلم يظفر بطائل، فعاد إلى النهروان عازما على العود، فوصله طرنطاى - صاحب واسط -، ومعه سفن كثيرة، فعاد إليها، وعبر إلى غربى دجلة، واختلفت كلمة العساكر الذين ببغداد، وعاد السلطان داوود إلى بلاده. ولما أحس الخليفة الراشد بالله بقوة السلطان مسعود، وعلم أنه لا بد أن يولى الخلافة غيره جمع الأمراء من أهل بيته - الذين هم في الدار -، وجمعهم في سرداب،

стр. 97

وتقدم بأن يطبق عليهم؛ فحكى أبو القاسم (١) على - المعروف بحاجب الباب (١) -: «أنه لما جمعهم الراشد في السرداب استدعانى، وأشار إلى سيف بين يديه، وقال: «يا على، خذ هذا السيف» وأخذ بيده سيفا آخر، وقال: «إحذر أن يسبق سيفى سيفك، فإنى أريد أن أخرج كل من في السرداب، وأقتل الجميع، حتى لا يبقى من يصلح للخلافة، فإن هؤلاء ربما دخلوا وولوا غيرى»؛ ثم أمر بفتح السرداب، وإذا الخبر قد جاءه أن عماد الدين أتابك زنكى قد هرب ونهب الحريم الطاهرى (٢)، وتوجه إلى الموصل، فرمى السيف من يده، ودخل الدار، وأخرج معه من الجواهر ما لا يعرف قيمته، وأعطانى مثل ذلك، وأخرج معه [قاضى القضاة (٣)] الزينبى، وجلال الدين أبا الرضا بن صدقة، - وكان قد استوزره - وخرجت معه، ولحقنا بعماد الدين زنكى على طريق الموصل، ووصل الراشد، وصحبته عماد الدين زنكى إلى الموصل.

стр. 98

ذكر البيعة بالخلافة للمقتفى لأمر الله بن المستظهر بالله [٣٩] قال مؤيد الدين بن الأنبارى (١). كاتب الانشاء: - «لما كان هذا اليوم - وهو يوم الأحد سابع عشر (٢) ذى القعدة - من هذه السنة - أعنى سنة ثلاثين وخمسمائة - مضى الوزير شرف الدين على بن طراد الزينبى إلى دار السلطان ونحن معه، وأخذ السلطان خط الوزير وخطوطنا بالضمان، ثم صرنا إلى دورنا، وأصبحنا يوم الاثنين فحضرنا عند الأمير أبى عبد الله محمد بن المستظهر بالله، وتحدث الوزير معه، وتحدثنا معه، وشرطنا عليه القيام بأمر الخلافة وطاعة السلطان، وأعلمناه أننا قد ضمنا للسلطان جميع ما اقترحه علينا، فرضى بذلك، وانفصلنا عنه، ومضينا إلى السلطان، وأعلمناه ما جرى، وأنه رضى بما اشترطنا عليه، فقال السلطان: «إذا كان كما قلتم فبايعوه»، فلما كان الغد صعدنا إلى الدار فأخرجنا منها أشياء من الآلات التي تصلح للغناء، وأشياء لا تليق، وشهد جماعة من أهل الدار أن الراشد كان يشرب الخمر، فأفتى العلماء بخلعه، وحكم القضاة بذلك، فخلعوه من الخلافة. ودخلت إلى الأمير عبد الله محمد، أنا والوزير وصاحب المخزن، وتحدثنا معه، وناولته رقعة (٣) مما يلقب به، فكان فيها: المقتفى بأمر الله، والمستضئ بنور الله،

стр. 99

والمستجير بالله (١)، فقال الخليفة: «ذلك إليكم»، ثم قال لى الخليفة: «ماذا ترى؟» فقلت: «المقتفى لأمر الله» فقال: «مبارك» ثم مد يده، فأخذها الوزير وقبلها، وقال: «بايعت سيدنا ومولانا الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واجتهاده»؛ ثم أخذها صاحب المخزن وقبلها، وبايعه على مثل ذلك، ثم أخذت يده، وقلت بعد أن قبلتها: «بايعت سيدنا ومولانا الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين على ما بايعت عليه أباه وأخاه وابن أخيه في ولاية عهده -، وكنت بايعت الإمام المستظهر بالله لما خدمته في وكالة الدار سنة اثنتين (٢) وتسعين وأربعمائة، وبقيت إلى سنة سبع وخمسمائة (٣) وبايعت المسترشد، وبايعت الراشد بولاية العهد -[٤٠] قال: ثم قمت من عنده، ودخل أمراء الدار وبايعوه، ودخل العلماء والقضاة والفقهاء وأكابر الناس أجمع فبايعوه، ثم حضر السلطان مسعود عنده، وكلمه المقتفى بالله بكلام وعظه فيه وعرفه ما يلزمه من طاعة الخلافة، وأمره بالرفق بالرعية، والإحسان إليهم، وخوّفه عاقبة الظلم، فبايعه السلطان، وقبل يد الخليفة، ورجع إلى دار السلطنة. وأما الراشد بالله فإنه أقام بالموصل مع عماد الدين أتابك زنكى، والخطبة بالموصل وسائر بلاد عماد الدين للراشد بالله، ثم أرسل عماد الدين زنكى إلى بغداد القاضى كمال الدين محمد بن عبد الله بن الشهرزورى وصحبته رسول الراشد بالله، فأما رسول الراشد فلم تسمع رسالته، وأما كمال الدين فأحضر في الديوان وسمعت رسالته،

стр. 100

فحكى عن كمال الدين (١) أنه قال: «لما حضرت الديوان قيل لى: «تبايع أمير المؤمنين؟» فقلت: «أمير المؤمنين عندنا بالموصل (٢)، وله في أعناق الخلق بيعة متقدمة». وطال الكلام وعدت إلى منزلى، فلما كان الليل جاءتنى امرأة عجوز سرا (٣)، فاجتمعت بى وأبلغتنى رسالة عن الخليفة المقتفى لأمر الله، مضمونها (٤) عتابى على ما قلت، واستنزالى عنه، فقلت: «غدا أخدم (٥) خدمة يظهر أثرها»؛ فلما كان الغد أحضرت (٦) الديوان، وقيل لى في معنى البيعة، فقلت: «أنا رجل فقيه قاضى، ولا يجوز لى أن أبايع لخليفة إلا أن يثبت عندى خلع المتقدم». فأحضروا الشهود وشهدوا عندى بالديوان بما أوجب خلعه، فقلت: «هذا ثابت لا كلام (٧) فيه، ولكن لا بد لنا في هذه الدعوة من نصيب، لأن أمير المؤمنين قد حصل له خلافة الله في أرضه، والسلطان فقد استراح ممن كان يقصده، فنحن بأى شىء نعود؟» فرفع الأمر إلى الخليفة فأمر أن يقطع عماد الدين زنكى صريفين (٨)

стр. 101

ودرب (١) هرون وحزمى (٢) مالكا - وهى من خاص الخليفة - وأمر بأن يزاد في ألقابه (٣)، وقال: «هذه قاعدة لم يسمح لأحد بها من زعماء الأطراف أن يكون له نصيب [٤١] في خاص الخليفة». فبايعت وعدت مقضى الحوائج، وقد حصلت (٤) على جملة صالحة من الأموال والتحف، وكانت بيعة القاضى كمال الدين للخليفة المقتفى لأمر الله (٥) سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة. ولما عاد كمال الدين [الشهرزورى] (٦) سيّر على يده المحضر يخلع الراشد، فحكم به قاضى القضاة الزينبي بالموصل - وكان عند عماد الدين (٧) - وخطب للمقتفى بالموصل وسائر البلاد العمادية، ثم فارق الراشد بالله الموصل، وسار نحو الرى، ثم توجه نحو همذان، ولم تزل الأحوال تترامى به إلى أن عرض له مرض شارف به التلف، ثم وثب عليه جماعة من الباطنية في يوم الثلاثاء سادس شهر رمضان سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة، فقتلوه ودفن بشهرستان في جامعها (٨).

стр. 102

وفى (١) سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة نازل عماد الدين دقوقاء (٢) وملكها بعد أن قاتل على قلعتها قتالا شديدا. منازلة عماد الدين مدينة حمص (٣) قد ذكرنا أن حمص كانت لصمصام الدين خترخان بن قراجا، وأن عماد الدين قبض عليه سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وحبسه في قلعة حلب، ثم نقله إلى الموصل فحبسه بها، وقتل في الحبس سنة تسع وعشرين وخمسمائة، فولى حمص بعده ولده عين الدولة إيلخان (٤) بن خترخان، والمدبر لأمره اسباسلار خمرتاش - مملوك أبيه -. ولما كان في سنة ست وعشرين وخمسمائة وثب على عين الدولة مملوكه [ومملوك أبيه (٥)] بزغش فقتله، وكان بالقلعة زوج لجارية خترخان، ومعه ابن لخترخان، فقتل بزغش، وأجلس في الأمر قريش بن خترخان (٦)، والمدبر لأمره اسباسلار خمرتاش، ثم سلم خمرتاش حمص الأمير شمس الملوك إسماعيل بن بورى - صاحب دمشق - وأخذ منه عوضا اقترحه عليه، فلما قتل شمس الملوك، وولى أخوه

стр. 103

شهاب الدين محمود بن بورى (١) سلم حمص للأمير معين الدين أنر (٢) - مملوك جده طغتكين -، فلما كانت هذه السنة - سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة - توجه الأمير عماد الدين من الموصل إلى حمص، وحصرها، وقبل وصوله إليها نازلها حاجبه [٤٢] الأمير صلاح الدين محمد بن أيوب الياغيسيانى - صاحب حماة، وهو أكبر أمرائه -، وكان ذا مكر وحيل، أرسله عماد الدين (٣) ليتوصل مع من فيها ليسلموها إليه، فوصل إليها وفيها الأمير معين الدين أنر (٢) - وهو أكبر أمراء دمشق وإقطاعه حمص -، فلم ينفذ فيه مكره، ثم وصل عماد الدين فحصرها، وعاود معين الدين في تسليم البلد غير مرة، تارة بالوعد وتارة بالوعيد، فاحتج بأنها ملك شهاب الدين، وأنها بيده أمانة لا يسلمها إلا عن غلبة (٤)، فأقام عليها إلى العشرين من شوال، ثم رحل عنها من غير بلوغ غرض. ذكر فتح قلعة بارين (٥) وكسر الفرنج - لعنهم الله - ثم سار الأمير عماد الدين من حمص ونازل بارين - وهى للفرنج بالقرب من مدينة حماة -، وزحف إليها، فحشد الفرنج فارسهم وراجلهم، وساروا إلى عماد الدين

стр. 104

في ملوكهم وقمامصتهم (١) وكنودهم (١) ليرحلوه عن بارين فلقيهم وقاتلهم أشد قتال، وصبر الفريقان، فهزم الفرنج، وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب، فاحتمى ملوكهم وفرسانهم بحصن بارين - لقربه منهم -، فحصرهم المسلمون، ومنع عماد الدين منهم كل شىء، وتعذر وصول الأخبار إليهم، ودخلت القسوس والرهبان بلاد الروم والفرنج وما والاها من بلاد النصرانية، مستنصرين على المسلمين، وأعلموهم أن زنكى إن أخذ حصن بارين ومن فيها من الفرنج ملك جميع بلادهم في أسرع وقت لعدم المحامى عنها، وأن همة المسلمين مصروفة إلى فتح بيت المقدس، فحشدت النصرانية وجمعت، وقصدوا الشام مع ملك قسطنطينية. وجدّ عماد الدين في حصار بارين، وعدمت عندهم الذخائر حتى أكلوا الدواب، فأذعنوا بالتسليم ليؤمنهم ليعودوا إلى بلادهم، فلم يجبهم [إلى ذلك (٢)] فلما سمع بقرب ملك الروم واجتماعه بمن بقى من الفرنج أعطاهم الأمان، وتسلم منهم الحصن،

стр. 105

وقرر عليهم خمسين ألف دينار [٤٣] يحملونها (١) إليه، ووقعت الإجابة إلى ذلك، فلما فارقوا الحصن وتحققوا خروج ملك الروم لنصرتهم ندموا حيث لم ينفعهم الندم (٢) ذكر فتح المعرّة وكفر طاب وفى مدة حصار بارين تسلم عماد الدين ﵀ المعرّة وكفر طاب من الفرنج (٣)، وكان الضرر يلحق المسلمين بالفرنج الذين فيهما لتوسطهما البلاد الإسلامية (٣)، ولقد سلك الأمير عماد الدين من العدل في أهل المعرة لما استنقذها من الفرنج طريقة لم يسلكها أحد قبله، سمعت (٤) والدى ﵀ يقول - ونحن بالبيت المقدس سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وكان الملك المعظم شرف الدين عيسى بن أبى بكر بن أيوب قد قدم إليها فاجتمع به والدى بالحرم الشريف - قال: «سألنى اليوم السلطان الملك المعظم: هل كان للمعرّة سور؟ قلت: «نعم»، قال: «فمن هدمه؟» قلت: «أتابك زنكى لما ملك المعرّة واستنقذها من الفرنج»، ثم ذكرت له عدل أتابك زنكى، وقلت له: إنه كان حنفى المذهب، ومن مذهب أبى حنيفة ﵀ أن الكفار إذا استولوا على بلد وفيه أملاك للمسلمين خرجت تلك الأملاك عن ملك أصحابها (٥) لصيرورة البلد دار حرب (٥)، فإذا عاد البلد

стр. 106

بعد ذلك إلى المسلمين كانت تلك الأملاك لبيت المال، فلما فتح أتابك المعرة جاءه (١) المعريون يطلبون تسليم أملاكهم إليهم، فاستفتى أتابك الفقهاء [على] (٢) ذلك، فأفتوه بما يقتضيه مذهبهم، وهو أن الأملاك لبيت المال، ولا حظّ لأصحابها فيها، فقال ﵀: إذا كان الفرنج يأخذون أملاكهم (٣)، ونحن نأخذ أملاكهم، فأى فرق بيننا وبين الفرنج؟ كل من أتى (٤) بكتاب يدل على أنه مالك لأرض فليأخذها، فرد إلى الناس جميع أملاكهم، ولم يعترض لشىء منها. وقال: «فاستحسن [السلطان] (٥) الملك المعظم هذه الفعلة». قلت (٦): وأما ابن الأثير (٧) فإنه في تاريخه روى ذلك على غير هذه الصورة، وقال: «إن الفرنج لما ملكوا المرة أخذوا أملاك أهلها، فلما فتحها [عماد الدين] (٨) زنكى، حضر من بقى من أهلها ومعهم أعقاب من هلك، فطلبوا [٤٤] أملاكهم، فطلب منهم كتبها، فقالوا: إن الافرنج أخذوا كل ما لنا، وذهبت الكتب التي للأملاك (٩)؛ فقال لأصحابه: «اطلبوا دفاتر ديوان حلب، فكل من عليه خراج على ملك يسلم إليه»، ففعلوا ذلك، وعاد الناس إلى أملاكهم (١٠)؛ وهذا من أحسن الأفعال وأعدلها» ﵀ وقدس روحه -.

стр. 107

ذكر خروج ملك الروم إلى بلاد الإسلام لما مضت القسوس والرهبان إلى بلاد الروم واستنفروهم على المسلمين بسبب عماد الدين ومنازلته بارين، وخوّفوهم من أخذها واستئصال من فيها، فتجهز الروم وركبوا في البحر من قسطنطانية، وساروا إلى أنطاكية، وهى لهم يومئذ، فأرسوا بها منتظرين المراكب التي فيها الأثقال والسلاح، فلما وصلت ساروا إلى مدينة نيقية فنازلوها وحاصروها، ثم صولحوا على مال يؤدى إليهم، ثم ساروا إلى مدينة أذنه والمصيصة، - وهما لابن ليون (١) الأرمنى - فحصرهما ملك الروم وملكهما، ثم نازل عين زربى (٢)، فملكها عنوة، وملك تل حمدون؛ وحمل ملك الروم أهله إلى جزيرة قبرس، ثم وصل إلى الشام فحصر مدينة أنطاكية في ذى القعدة من هذه السنة - أعنى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة -، وضيّق على أهلها، وبها بيمند الافرنجى، ثم اصطلحا، ورحل إلى بغراس، ثم دخل بلد ابن ليون، فبذل له ابن ليون مالا، ودخل في طاعته. ذكر استيلاء عماد الدين على حمص (٣) ولما فرغ عماد الدين من بارين سار إلى حماة، ثم سار إلى بقاع بعلبك، فملك حصن المجدل - وهو لصاحب دمشق - وأطاعه مستحفظ بانياس

стр. 108

- وهى لصاحب دمشق أيضا (١) -، ثم سار إلى حمص فحصرها، فلما نازل ملك الروم حلب - على ما نذكره - رحل عن حمص ونزل على سلمية، ثم نزل على حماة - على ما نذكره -، فلما انحلت قضية الروم عاد إلى حمص فنازلها، ثم وقعت بينه وبين شهاب الدين [صاحب دمشق (٢)] مراسلة، فانتهى الأمر إلى الصلح، وسلم إليه حمص، وخطب زمرد خاتون - أم شهاب الدين (٣) -[٤٥] وهى التي ذكرنا أنها قتلت ولدها شمس الملوك، وزفت إليه في رمضان سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة واعتقد [عماد الدين] أنه إذا تزوجها كان ذلك طريقا إلى تملكه دمشق، فلما لم يحصل له ذلك أعرض عنها. ذكر منازلة الروم حلب ثم شيزر (٤) ثم لما صالح ملك الروم ابن ليون قصد بزاعة (٥) فحصرها، فسيّر عماد الدين جماعة من العسكر إلى حلب ليمنعوها من الروم إن قصدوها، ثم ملك ملك الروم بزاعة

стр. 109

بعد أن نصب على أهلها المنجنيقات، وضيّق عليهم، فسلموها إليه بالأمان في الخامس والعشرين من رجب سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة، وقتل وأسر وسبا، وكان عدة من خرج إليه من أهلها خمسة آلاف وثمانمائة نفس؛ وتنصّر قاضيها وجماعة من أعيانها - نحو أربعمائة نفس - وأقام الروم عشرة أيام يطلبون من اختفى، فقيل لهم: «إن جماعة نزلوا في المغارات»، فسّخنوا عليهم، فهلكوا في المغاير. ثم (١) رحل ملك الروم إلى حلب، فنزل على نهر قويق ومعه الفرنج الذين بساحل الشام، وزحفوا إلى حلب بخيلهم ورجلهم، فخرج إليهم أحداث حلب، فقاتلوهم قتالا شديدا، فقتل من الروم وجرح خلق كثير، وقتل بطريق عظيم القدر عندهم، فأقاموا [على حلب (٢)] ثلاثة أيام؛ ولم يظفروا بطائل، فرحلوا إلى قلعة الأثارب، فهرب من بها من المسلمين، فملكوها الروم تاسع شعبان وتركوا (٣) بها سبى بزاعة والأسرى، ثم رحلوا عنها، فلما سمع برحيلهم ابن سوار - نائب عماد الدين بحلب - رحل فيمن معه من العسكر، فأوقع بمن في الأثارب من الروم، وخلص الأسرى والسبى، وعاد إلى حلب. ونزل عماد الدين سلمية - كما ذكرنا - وعبر ثقله الفرات، وأقام بسلمية جريدة، ليتبع الروم ويقطع عنهم الميرة. ثم قصد الروم قلعة شيزر - وصاحبها الأمير أبو العساكر [سلطان بن على ابن مقلد بن نصر بن منقذ الكنانى (٤)]- فنازلوها ونصبوا عليها ستة عشر منجنيقا، فسار عماد الدين ونزل على النهر المعروف بالعاصى [٤٦]- بينها وبين حماة -

стр. 110

وكان [عماد الدين] كل يوم يركب هو وعسكره ويسيرون إلى شيزر، ويقفون بحيث يراهم الروم، ويرسل السرايا فتأخذ من ظفر به منهم. ذكر توجه القاضى كمال الدين بن الشهرزورى إلى السلطان مسعود في معنى الروم واستنجاده [به (١)] عليهم ولما كان الروم على بزاعة أرسل الأمير عماد الدين زنكى القاضى كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزورى إلى السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه يستنجده ويطلب منه العساكر، فقال [القاضى (١)] لعماد الدين حين أرسله: «أخاف (٢) أن تخرج البلاد من أيدينا ويجعل السلطان هذا حجة [علينا (١)]، وينفذ العساكر، فإذا توسطوا البلاد ملكوها». فقال الأمير عماد الدين: «إن هذا العدو قد طمع في البلاد، وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام، وعلى كل حال فالمسلمون أولى من الكفار بها» قال كمال الدين: [فسرت طالب بغداد، وجديت في السير (٣)]، فلما وصلت بغداد [وحضرت قدام السلطان (٣)] وأديت الرسالة بإنفاذ العساكر، وأنا أخاطب ولا أزاد على الوعد [شيئا (٣)]، فلما رأيت قلة اهتمام السلطان بهذا الأمر العظيم أحضرت فلانا - وهو فقيه كان ينوب عنى في القضاء - فقلت [له]: «خذ هذه الدنانير وفرقها في جماعة من أوباش بغداد والأعاجم، وإذا كان يوم الجمعة وصعد الخطيب المنبر بجامع القصر قاموا وأنت معهم واستغاثوا بصوت واحد: «وا إسلاماه! وا دين محمداه!»
следующие страницы →