نُزْهَةُ الْأَنَامِ فِي تَارِيخ الْإِسْلَامِ
«٦٢٨ هـ - ١٢٣٠ م / ٦٥٩ هـ - ١٢٦١ م»
تأليف
صَارم الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن ايْدمر العَلائي
الملقّب بِابْن دُقمَاق الْمُتَوفَّى ٨٠٩ هـ
دراسَة وَتَحْقِيق
الدكتور سَمَير طبَّارة
المكتبة العصرية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
أتقدم بالشكر الجزيل لكل من أسهم معي في إنجاز هذا العمل، وأخصّ بهذا الشكر، الدكتور ناصح ميرزا، الذي أشرف على رسالتي هذه في جامعة ملبورن - أوستراليا (قسم الدراسات الشرق الأوسطية).
وكذلك أتقدم بالشكر في لبنان، لكل من الدكتور محمد حمادة الذي استحصل لي على نسخة من هذا المخطوط من المكتبة الوطنية في باريس، وأيضا الدكتور عمر تدمري الذي أعطاني من وقته القيّم لإطلاعي على بعض المصادر الهامة. كما أتقدم بشكري إلى الدكتور محمد أبو علي، الذي ساعدني في عملية ضبط الأوزان الشعرية في النص. وكذلك شكري العميق إلى الأستاذ العالم الدكتور إحسان عباس الذي اطّلع على رسالتي وأفادني بالكثير من إرشاداته وملاحظته المخلصة. كما لا يفوتني في الختام أن أتقدم بالشكر إلى زوجتي التي ساهمت معي في إنجاز هذا العمل من خلال دعمها وتشجيعها لي.
سمير طباره
стр. 3
تمهيد
من المميزات التي اتّسم بها عصر الدولة الأيوبية في الفترة الممتدة بين سنة ٦٢٨ و ٦٥٩ هـ / ١٢٣٠ و ١٢٦١ م - وهي الفترة التاريخية التي تضمّنتها أحداث المخطوطة - الصراع بين سلاطين الأسرة الأيوبية في مصر، وبين ملوك بلاد الشام الأيوبيين، والتي تمثّلت بالصراع في أكثر الأحيان بين الإخوة بعضهم مع بعض على السلطة. وكذلك الخطر الخارجي الذي تهدد الدولة الأيوبية متمثلا بأطماع الفرنجة الصليبيين بالاستيلاء على مدن الساحل الشامي وتهديدهم لمصر بالذات، متجسدا بحملة لويس التاسع على دمياط في سنة ٦٤٧ هـ / ١٢٤٩ م، وأيضا في غزو التتار لمدينة بغداد في سنة ٦٥٦ هـ / ١٢٥٨ م وتدميرهم لها، وزحفهم على بلاد الشام وتخريبهم لمدنه، حتى باتوا يشكلون خطرا داهما على مصر. فكان أن تصدى لهم سلطان مصر المملوكي الظاهر قطز على، «عين جالوت» في سنة ٦٥٨ هـ / ١٢٦١ م وردّهم على أعقابهم، موقفا ذلك الزحف الهمجي المخرّب لبلاد المسلمين.
وبعد، تلك هي السمات التي تميزت بها الفترة التاريخية لعهد الدولة الأيوبية من خلال مخطوطة «نزهة الأنام» والتي ذكرها مؤرخنا ابن دقماق في مؤلفه سنة بعد سنة، مما يعرف بالتأريخ الحولي.
ومن هذا المنطلق عمدت الى وضع دراسة شاملة لفحوى هذا المخطوط من خلال الكثير من المصادر المعاصرة للفترة الأيوبية، بالإضافة الى وضع مقدمة من ثلاثة فصول، تتضمن دراسة عن هذا المخطوط على النحو التالي:
стр. 4
الفصل الأول:
يتضمن هذا الفصل دراسة عن حياة ابن دقماق ومكانته العلمية بين معاصريه من المؤرخين في مصر، كما يتضمن وصفا للمخطوط وأجزائه.
الفصل الثاني:
ويتضمن دراسة للمصادر التاريخية للفترة الزمنية الممتدة ما بين سنة (٦٢٨ و ٦٥٩ هـ / ١٢٣٠ - ١٢٦١ م)، وهي الفترة الزمنية المعاصرة لأحداث هذا المخطوط، كما يتضمن هذا الفصل دراسة للعديد من المصادر المتأخرة التي أرّخت لتلك الحقبة.
الفصل الثالث:
يتضمن هذا الفصل دراسة عن العصر الذي عاش فيه ابن دقماق من خلال النشاطات العلمية والأدبية التي شهدتها مصر في عهد المماليك.
стр. 5
الفصل الأول
ابن دقماق ونزهة الأنام
(دراسة عن حياة المؤلف والمخطوط)
التعريف بالمؤلف
هو صارم الدين إبراهيم بن محمد بن أيدمر العلائي المعروف بابن دقماق القاهري الحنفي، مؤرخ الديار المصرية. ومصدر كلمة دقماق مشتق من الكلمة التركية «تقماق» ومعناها المطرقة (١). ولقد أخطأ الكثيرون من المؤرخين عندما أشاروا الى أنّ دقماق هو جده لأبيه، وأن مؤرخنا هو إبراهيم بن محمد بن دقماق (٢).
أما والده محمد بن أيدمر فإننا نجهل حقيقة أمره، حيث لا تطالعنا المصادر بمعلومات وافية عنه، سوى ما وجدناه عند العسقلاني (٣) من أن والد ابن دقماق محمدا، كان «دوادار» بدر الدين ابن خالة القلانسي وأنه توفي في الحادي والعشرين من شوّال سنة ٧٦١ هـ / ١٣٥٩ م بالعقيبة.
وأما جده أيدمر العلائي الذي لقبه دقماق فإننا أيضا لم نجد الشيء الكثير عن حياته وأثره سوى ما ذكره لنا ابن حجر العسقلاني من أنه كان متوليا نقابة العساكر المصرية آنذاك وكان من خيرة المتولين، وظل كذلك الى أن توفي في رجب سنة ٧٣٤ هـ / ١٣٣٣ م (٤).
ونعود إلى مؤرخنا ابن دقماق صارم الدين إبراهيم، حيث أجمعت المصادر التاريخية على
стр. 6
أنه ولد في حدود سنة ٧٥٠ هـ / ١٣٤٩ م وتوفي في حدود سنة ٨٠٩ هـ / ١٤٠٦ م (١).
ولم نجد من خالف هذا التاريخ سوى السيوطي وحاجي خليفة، حيث ذكرا تاريخ وفاته في حدود سنة ٧٩٠ هـ / ١٣٨٨ م (٢). وإن كان حاجي خليفة يعود ليستدرك فيشير في كتابه أكثر من مرة الى وفاته في سنة ٨٠٩ هـ / ١٤٠٦ م (٣).
نشأته:
لم نقع في أغلب المصادر التي ترجمت لابن دقماق على مبدأ حياته العملية أو العلمية بشيء من التفصيل، بل كل ما وجدناه عنه هو شذرات يسيرة تعطينا فكرة واضحة عن خلفيات نشأته، وتشير تلك المصادر في أغلبها إلى أنّ ابن دقماق مؤرخنا كان في بداية أمره متزييا بزيّ الجند، ثم حبب إليه العلم فطلبه وتفقه يسيرا بجماعة من فقهاء الحنفية واتجه الى الادب، ثم حبب إليه التاريخ ومال اليه بكليته (٤).
ولقد ذكره السخاوي (٥) وقال عنه: «إن تصانيفه في التأريخ كانت مفيدة وجيدة واطلاعه كثير واعتقاده حسن، ولم يكن عنده فحش في كلامه ولا في خطه». وذكره المقريزي فقال عنه: «إنه أكب على التاريخ حتى كتب فيه نحو مئتي سفر من تأليفه وغير ذلك. وكتب تاريخا كبيرا على السنين وآخر على الحروف وأخبار الدولة التركية في مجلدين، وسيرة للظاهر برقوق وطبقات الحنفية امتحن بسببها، وكان عارفا بأمور الدولة التركية مذاكرا بجملة أخبارها مستحضرا لتراجم أمرائها، يشارك في غيرها مشاركة جيدة» (٦).
ولقد وقعت لابن دقماق فتنة قاسى منها بسبب ما نسب إليه في وقوعه بحق الإمام الشافعي، وتفصيل الأمر أنه في سنة ٨٠٤ هـ / ١٤٠١ م وجد بخط ابن دقماق كلام بحق الإمام الشافعي فاستجوب بذلك في مجلس القاضي الشافعي، فذكر أنه نقله من كتاب عند أولاد الطرابلسي، فكان أن حكم القاضي جلال الدين عليه بالضرب والحبس، وقيل إنه لم
стр. 7
يكن المذكور يستأهل ذلك (١).
ثقافته:
لم يكن صارم الدين ابن دقماق ضليعا بثقافة أدبية ولغوية تجعلان منه مؤرخا على قدر من البلاغة ومتانة في اللغة العربية، وإن كان كما ذكره بعض المؤرخين غزير الإنتاج في كتاباته التاريخية، حيث قال عنه السخاوي نقلا عن المقريزي: إنه كتب ما يزيد على مائتي سفر منها (٢).
ولا شك أن مؤرخنا هذا الذي عاش في العصر المملوكي وكان عارفا بأمور الدولة التركية ومتأثرا بطابعها، تأثر أيضا وإلى حد بعيد بثقافة ذلك العصر التي غلب عليها طابع العامية في الكتابة عند أكثر المؤرخين، وانتشار اللغة التركية في تلك الحقبة.
ورغم ذلك فلقد وصف بعض المؤرخين ابن دقماق بأنه لم يكن عنده فحش في كلامه ولا في خطه (٣)، غير أنه رغم اشتغاله بالأدب كان عريا عن العربية فلهذا وقعت عبارته خارجة عن قواعد العربية. وقال عنه السخاوي: «كان يحب الأدبيات مع عدم معرفته بالعربية» (٤).
أخلاقه:
لقد أجمع المؤرخون على أن صارم الدين إبراهيم ابن دقماق كان جميل العشرة كثير الفكاهة، حسن الود، قليل الوقيعة في الناس (٥). قال عنه ابن العماد نقلا عن المقريزي:
«كان جميل العشرة فكه المحاضرة كثير التودد، حافظا للسانه من الوقيعة في الناس، لا تراه يذم أحدا من معارفه بل يتجاوز عن ذكر ما هو مشهور عنهم مما يرمي به أحدهم ويعتذر بكل طريق» (٦).
стр. 8
حياته العملية:
ذكرت بعض المصادر أنه في آخر أيامه تولى إمرة دمياط، فلم يفلح بها ولم تطل مدته فيها ورجع الى القاهرة، فمات بها في ذي الحجة سنة ٨٠٩ هـ / ١٤٠٦ م وقد جاوز الستين (١).
مكانته بين علماء عصره:
مما لا شك فيه أن ابن دقماق كان من أبرز مؤرخي عصره، نظرا لوفرة تصانيفه في كتابة التاريخ وتنوعه في موضوعاته، ومما كان يعزز هذا الرأي ما أشار اليه كل من المقريزي (ت ٨٤٥ هـ / ١٤٤١ م) وابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ / ١٤٤٨) وابن تغري بردي (ت ٨٧٤ هـ / ١٤٦٩ م)، إلا أن العديد من مؤرخي ذلك العصر قد أخذوا عنه ونقلوا من كتبه وخطه الشيء الكثير.
ويذكر شمس الدين السخاوي (٢) (ت ٩٠٢/ ١٤٩٦ م) أن شيخه، ويقصد به ابن حجر العسقلاني، اعتمد ابن دقماق وأن غالب ما نقله من خطه ومن خط ابن الفرات عنه، مما يعني أيضا أن ابن الفرات (ت ٨٠٧ هـ / ١٤٠٤ م) أخذ عن ابن دقماق وكذلك البدر العيني (ت ٨٥٥ هـ / ١٤٥١ م)، ويضيف أن البدر العيني يكاد يكتب منه الورقة الكاملة متوالية (٣).
ويؤكد ابن حجر العسقلاني ما جاء سابقا أنه اجتمع بصارم الدين إبراهيم ابن دقماق كثيرا وغالب ما ينقله من خطه ومن خط ابن الفرات عنه (٤). ولا يفوتنا ذكر المقريزي عن صحبته لابن دقماق ومجاورته وملازمته له سنين كثيرة (٥)، وإذا ما نظرنا إلى ما جاء في دائرة
стр. 9
المعارف الاسلامية لوجدنا أن المقريزي قد تتلمذ على يد ابن دقماق مدّة من الزمن كما أثبته «فولرز» في مقدمة كتاب ابن دقماق «الانتصار لواسطة عقد الامصار» ، حيث أشار إلى أنه رغم أن المقريزي قد تتلمذ على يد ابن دقماق فإنه لم يستطع أن يستفيد من مصنفات استاذه، وأن ابن دقماق قد استمد من مصادر أهم من التي اعتمد عليها المقريزي (١)، كما أن السيوطي (ت ٩١١ هـ) ذكر في مقدمة كتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» بأنه اعتمد في تأليف هذا الكتاب على مؤلفات كثيرة ومنها كتاب طبقات الحنفية لابن دقماق (٢).
مؤلفاته:
مما لا شك فيه أن مؤرخنا إبراهيم بن محمد بن أيدمر الملقب بابن دقماق، كان من أبرز مؤرخي الديار المصرية في وقته، كتب نحو مئتي مؤلف في التاريخ من تأليفه ومنقوله. وكان معروفا بالانصاف في تواريخه. وبالرغم من غزارة كتاباته في التاريخ وغيره فإنه لم يبق منها إلا القليل المبعثر في مكتبات العالم، منها:
- الانتصار لواسطة عقد الأمصار:
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون مشيرا إلى أنه في عشرة مجلدات، لخص منه كتابا سمّاه: «الدرة المضية في فضل مصر والإسكندرية» (٣).
والجدير بالذكر أن كتاب الانتصار قد نشر منه «فولرز» المجلدين الرابع والخامس عن نسخة بخط مؤلفها تحتفظ بها دار الكتب المصرية تحت الرقم ١٢٤٤ تاريخ، طبع بمصر سنة ١٣٠٩ و ١٣١٠ هـ / ١٨٩١ - ١٨٩٢ م مع فهارس مطولة للأعلام وفيهما وصف مطول للفسطاط وأسواقها وجوامعها ومدارسها وسائر أبنيتها وشوارعها، وكذلك الإسكندرية وضواحيها وجانب كبير من قرى مصر وبلادها (٤).
- ترجمان الزمان في تراجم الأعيان:
كتاب في التاريخ مرتب على الحروف ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ١/ ٣٩٦
стр. 10
وكحالة في معجم المؤلفين ١/ ٨٧ ودائرة المعارف الإسلامية بالعربية ١/ ١٦٠.
- الجوهر الثمين في سير الملوك والسلاطين:
كتاب عن تاريخ مصر الى سقوط السلطان برقوق. حققه مؤخرا محمد كمال الدين عز الدين علي ونشره في جزأين من منشورات عالم الكتب - بيروت ١٩٨٣.
- الدرّة المنضّدة في وفيات أمة محمد:
ذكره كحالة في معجم المؤلفين ١/ ٨٧.
- الدرة المضية في فضل مصر والاسكندرية:
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ١/ ١٧٤ وهو كما ذكرنا سابقا مقتطف من كتاب الانتصار لواسطة عقد الأمصار.
- عقد الجواهر في سيرة الملك الظاهر:
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ١/ ١١٥١ وكحالة في معجم المؤلفين ١/ ٨٦.
- فرائد الفوائد:
كتاب في تفسير الأحلام، ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ٢/ ١٢٤٣ ودائرة المعارف الإسلامية بالعربية ١/ ١٦٠.
- الكنوز المخفية في تراجم الصوفية:
له ذكر في دائرة المعارف الإسلامية ١/ ١٦٠.
- نظم الجمان في طبقات أصحاب إمامنا النعمان:
كتاب في ثلاثة أجزاء يتناول الأول منها مناقب الإمام أبي حنيفة والثاني والثالث أصحابه. ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ٢/ ١٩٦١ والزركلي في الأعلام ١/ ٦٤ وكحالة في معجم المؤلفين ١/ ٨٦.
- ينبوع المزاهر في سيرة الملك الظاهر:
ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ١/ ٣٧٨ وأيضا دائرة المعارف الاسلامية ١/ ١٦٠ وهو كتاب مختصر عقد الجواهر.
стр. 11
- نزهة الأنام في تاريخ الإسلام:
وهو موضوع دراستنا وتحقيقنا وهو كتاب تاريخ مرتب على السنين انتهى به مؤلفه عند سنة ٧٧٩ هـ / ١٣٧٧ م ويقع في حوالى ١٢ مجلدة (١)، منه قطعة من سنة ٤٣٦ الى سنة ٥٥٢ هـ في «غوطا» بخط المؤلف وقطعة أخرى من سنة ٦٢٨ الى سنة ٦٥٩ هـ في باريس (وهي التي اعتمدناها في تحقيقنا) ومن سنة ٧٠١ الى سنة ٧٤٢ هـ ومن ٧٦٨ الى سنة ٧٧٩ هـ في معهد «غوطا» وفي دار الكتب المصرية قطعة في ٨٠ صفحة تبدأ بسيرة الملك المنصور علي من سنة ٧٧٨ الى سنة ٨٠٤ هـ (٢).
أجزاء المخطوطة وأماكن وجودها:
منذ أن استحصلت على نسخة مصورة «ميكرو فيلم» لجزء من أجزاء هذا المخطوط نزهة الأنام لابن دقماق، وهو الجزء الموجود في المكتبة الأهلية في باريس تحت الرقم ٥٩٧ أو الذي يتعرض لحوادث ووفيات من سنة ٦٢٨ هـ / ١٢٣١ م وحتى سنة ٦٥٩ هـ / ١٢٦١ م، وهي الفترة الممتدة من الثلث الأخير من العصر الأيوبي وحتى بداية عصر المماليك في مصر، وهي فترة هامة من تاريخ مصر وبلاد الشام لامتلائها بالأحداث الهامة والمؤثرة، آليت على نفسي أن أتتبع أجزاء هذا المخطوط وأماكن انتشارها قدر المستطاع، ومعرفة ما إذا كان هناك أكثر من نسخة مشابهة للنسخة التي استحصلت عليها من المكتبة الأهلية في باريس. وفي الواقع بدأت البحث ضمن إطار يتبعه عادة أغلب الباحثين وهو الاطلاع على فهارس ومصنفات متخصصة في هذا الحقل أو موسوعات تشير إلى أماكن وجود مثل هذه المخطوطات، إلا أنه لم تكن هناك أيّة معلومات تفيد سوى ما وجدناه في الموسوعة الإسلامية بالعربية والإنكليزية عن ذكر لاسم المخطوط نزهة الأنام مع ذكر عدد مجلداته من دون أي تفاصيل (٣).
إلا أننا وقعنا على تفاصيل وافية وجدناها في تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان أفادتنا كثيرا وأضاءت لنا طريق بحثنا عن حقيقة المخطوط. وفي الواقع إن هذه التفاصيل هي
стр. 12
في الأصل مأخوذة عن ملحق كتاب بركلمان (١)، وفيها وصف للمخطوط وما يتضمنه من أجزاء منتشرة في العالم وأن نزهة الأنام أكثره عن تاريخ مصر مرتب على السنين الى سنة ٧٧٩ هـ في ١٢ مجلد، منه قطعة من سنة ٤٣٦ الى سنة ٥٥٢ هـ في معهد «غوطا» بألمانيا بخط المؤلف وقطعة أخرى من سنة ٦٢٨ الى سنة ٦٥٩ هـ في باريس وقطعتان من سنة ٧٠١ الى سنة ٧٤٢ ومن سنة ٧٦٨ الى سنة ٧٧٩ هـ في معهد «غوطا» أيضا، وفي دار الكتب المصرية قطعة من ٨٠ صفحة تبدأ بالملك المنصور علي من سنة ٧٧٨ الى سنة ٨٠٤ هـ كما أسلفنا.
وباطلاعنا على مقدمة الجزء الأول من كتاب الجوهر الثمين لابن دقماق الذي حققه محمد كمال الدين عز الدين علي سنة ١٩٨٣ وجدناه يشير إلى كتاب نزهة الأنام على أنه ما يزال مجلدا مخطوطا بخط مؤلفه تحتفظ به المكتبة الوطنية في باريس تحت الرقم ١٥٩٧.
وخلاصة الأمر أن نزهة الأنام في تاريخ الإسلام الجزء الذي يبدأ من سنة ٦٢٨ وينتهي بسنة ٦٥٩ هـ والذي تحتفظ به المكتبة الأهلية في باريس تحت الرقم ١٥٩٧ هو النتيجة الوحيدة المتوفرة وهي بخط مؤلفها، ونحن بدورنا قد أخذنا صورة شمسية من ميكرو فيلم استحصلنا عليه من المكتبة المذكورة.
وفي الختام يظل دائما هناك المزيد من الدقة والتحري قد نكون قصّرنا عنهما أو فات إستدراكهما. ولكننا في الوقت نفسه حاولنا جاهدين بقدر الإمكان أن نلم بشيء من الحقيقة في كشف اللثام عن هذا المخطوط وأجزائه وأماكن انتشارها في مكتبات العالم، غير مدعين أننا بلغنا غاية الكمال في ذلك، فإنه يظل ينقص الباحث جوانب كثيرة لا تتضح معالمها إلا مع مرور الزمن أو أن يكون قد غاب عنه ذلك فاستدركه الآخرون، ونرجو أن يعذرنا المطلعون على كل نقص والله ولي التوفيق.
النسخة التي اعتمدنا عليها للتحقيق:
بعدما أشرنا سابقا إلى أجزاء المخطوط وأماكن انتشاره وأثبتنا أنّ النسخة التي اعتمدنا تحقيقها من نزهة الأنام في تاريخ الإسلام والموجودة في المكتبة الوطنية في باريس تحت الرقم ١٥٩٧ هي النسخة الوحيدة بخط مؤلفها لذلك اعتمدناها كنسخة وحيدة.
стр. 13
وصف المخطوطة:
عدد ورقات هذه المخطوطة ١٣٤ ورقة وعدد الأسطر في كل صفحة ١٧ سطرا ومعدل كلمات السطر الواحد عشر كلمات تقريبا، الخط نسخي تتخلله عناوين السنين بخط كبير.
ويبدو أن أول صفحات من المخطوط ناقصة بدليل وجود ذكر لأحداث ووفيات سنة ٦٢٧ هـ وقعنا على ذكر آخرها وهو ترجمة لعبد السلام اللخمي المعروف بابن برجان.
وما قبله من أحداث ووفيات تلك السنة ناقص من صفحات المخطوط.
ونعود إلى أولى صفحات المخطوط حيث توجد ورقة مضافة تشير في بداية المخطوط باللغة الفرنسية الى انتقال ملكية هذا المخطوط الذي وجد بالمنصورة الى المكتبة الوطنية بباريس بتاريخ ٢ كانون الأول ١٨٧١ وعلى الزاوية العليا من الجهة اليسرى للورقة نفسها توجد عبارة كتبت بالعربية تشير الى عنوان الكتاب وهي.
«نزهة الأنام في تاريخ الاسلام بخط مؤلفه ابراهيم بن محمد بن أيدمر دقماق، كما ذكر بآخره، أوله من سنة ٦٢٨ الى سنة ٦٥٩». وفي الصفحة الأخيرة ١٣٤ ب يوجد بياض ربما هي الصفحة التي تشير إلى مؤلف الكتاب وخاتمته.
أسلوب المؤلف في الكتابة والنقد التأريخي:
قبل أن نخوض في أسلوب المؤلف في الكتابة ونقله للأحداث من خلال مؤلفه «نزهة الأنام» لا بد أن نشير إلى أن مؤرخنا ابن دقماق اعتمد في كتابة مصنفه على الاسلوب الذي درج عليه الكثير من المؤرخين العرب في العصور الوسطى، فنقل الأحداث وتراجم الوفيات سنة بسنة وهذا ما يعرف بالتأريخ الحولي.
إن المتفحص المطلع على لغة المخطوط وأسلوبه الانشائي ليجد في كثير من الأحيان أنّه لا يعنى من قريب أو بعيد بقواعد اللغة العربية، بل توجد فيه الكثير من الألفاظ العامية، وهذا ليس بالغريب لأن ابن دقماق لم يكن مضطلعا بثقافة أدبية ولغوية تجعلان منه مؤرخا على قدر من البلاغة والمتانة في اللغة العربية، كما أشرنا سابقا عندما تعرضنا لذكر ثقافته.
ومن السمات المميزة أيضا في أسلوب ابن دقماق الكتابي عدم تقيّده بقواعد كتابة الهمزة، فإنه لا يشير إليها في كثير من الأحيان في مواضعها من الكلمة، سواء كانت الهمزة على كرسي الياء مثل بوايقها بدلا من بوائقها، أيمة بدلا من أئمة، أو كانت الهمزة في الوسط مثل سال
стр. 14
بدلا من سأل، روسا بدلا من رؤساء، أو كانت الهمزة على الألف الممدودة أو المقصورة في آخر الكلمة مثل التجا بدلا من التجأ، ابتدا ليلا من ابتدأ نجي بدلا من نجئ وهكذا -
وهذا أسلوب سار عليه أكثر المصنفين في عصر المماليك.
ومن الأخطاء الإملائية خلاف قواعد كتابة الهمزة استعماله الألف الممدودة بدلا من الألف المقصورة في آخر الكلمة، مثال اعطا بدلا من أعطى، نفا بدلا من نفى، لاقا بدلا من لاقى وكذلك سقوط الألف في الاعداد مثل ثلثين بدلا من ثلاثين وكذلك سقوط الألف في بعض الاسماء مثل اسمعيل بدلا من اسماعيل، عبد السلم بدلا من عبد السلام، هرون بدلا من هارون وهكذا.
النقد التأريخي:
بعد أن قدمنا لأسلوب المؤلف في الكتابة وما أشرنا اليه من ملاحظات لغوية، لا بد لنا من الإشارة الى النقد التأريخي للمؤلف فنشير هنا الى عدّة أمور منها:
أولا: تنوع طرقه في النقل من المصادر ما بين النقل الحرفي أو التلخيص بعبارة الأصل أو بعبارته.
ثانيا: التداخل في النقل بين المصادر المختلفة المعنية بالحدث أو بالشخصية المترجم لها في موضوع واحد، فيما يعرف بالجمع التأليفي.
ثالثا: عدم إشارته الى مصادر النقل عن المصادر في بعض الأحيان.
رابعا: عدم إشارته للحدث في زمان وقوعه، فأحيانا يورده مسبقا وأحيانا أخرى متأخرا، وسوف نورد بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر.
أ - في إيراده الخبر مسبقا:
مثال: ذكره لزواج ابنة السلطان الكامل عاشوراء من الملك الناصر داوود (١). وكذلك ذكره خبر انقلاب الخوارزمية على الملك نجم الدين أيوب ابن السلطان الكامل، مسبقا لأن هذه الواقعة حصلت بعد وفاة السلطان الكامل، فأشار اليها ابن دقماق قبل ذلك (٢). وأيضا
стр. 15
إيراده خبر وصول إبنة السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب الروم مسبقا عن غيره من المؤرخين (١).
ب - إيراده الخبر متأخرا:
مثال ذكره لخبر استشهاد نجم الدين ابن شيخ الاسلام، أورده متأخرا عن ما ذكره أغلب المؤرخين (٢).
خامسا: عدم دقته في تحري الخبر وفهمه للنص في بعض الأحيان.
مثال ذكره لزواج الملك الناصر صاحب حلب من ابنة السلطان الكامل، والصواب هو زواج الملك الناصر داوود صاحب الكرك منها (٣). وكذلك إشارته الى حرق العقيبة والطواحين من قبل السلطان الكامل، والصواب هو من قبل الملك الصالح اسماعيل (٤). وأيضا إشارته الى خطبة الأمير فارس الدين آقطاي ابنة الملك المظفر صاحب حماه من والدها وهو خطأ لأن المظفر كان متوفّى قبل ذلك الوقت بكثير (٥).
سادسا - التكرار: وقع ابن دقماق في بعض الأحيان في خطأ التكرار كأقرانه من بعض المؤرخين، مثالا على ذلك ذكره ترجمة السلطان علاء الدين ابن كيخسروا مرتين، واحدة في سنة ٦٣٤ هـ / ١٢٣٦ م وأخرى في سنة ٦٣٥ هـ / ١٢٣٧ م (٦). وكذلك إيراده خبر اتفاق «منكوخان» مع أخيه هولاكو للتوجه لقصد بلاد الملاحدة في سنة ٦٥٠ هـ ثم عاد وأشار الى مثل هذا الخبر في سنة ٦٥١ هـ / ١٢٥٣ م (٧).
سابعا: عدم ربط الخبر وتجزئته: مثالا على ذلك إيراده خبر اختلاف عسكر مصر على الملك الصالح نجم الدين أيوب كخبر منفصل (٨). كذلك إيراده خبر وصول التتار الى قرب بغداد وإلزام الناس بالمبيت بالأسواق، أشار إليهما ابن دقماق كأنهما خبرين منفصلين (٩).
стр. 16
ثامنا: خلط ابن دقماق بين الروايات: مثالا على ذلك خلطه بين ثورة الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي بصعيد مصر وبين ثورة العربان بقيادة حصن الدين بن ثعلب (١).
وكذلك نسب خطأ الى زين الدين ابن الزبير تولي الوزراة بعد مقتل الوزير شرف الدين الفائزي (٢).
النقد التحليلي للمخطوط:
إن المتفحص المدقق لما تحتوي عليه مخطوطة نزهة الأنام من مواضيع، ليجد أن مضمونها يقسم الى ثلاثة مواضيع رئيسية تتلخص بما يلي:
أولا - وجود تراجم كثيرة لأعلام من ملوك وسلاطين وأمراء وأعيان وفقهاء وعلماء وأدباء وشعراء، ترجم لها المؤلف ضمن سياق التأريخ الحولي حسب سنة الوفاة. ومن الملاحظ من خلال الكثير من هذه التراجم أن فيها مادة شعرية غزيرة دوّنها المؤلف في مخطوطته بعد ما استقاها من المصادر التي أخذ عنها هذه التراجم أو من دواوين أشعارهم التي يذكر أنه ملكها وأخذ عنها تلك الأبيات الشعرية.
ثانيا - ذكر للأحداث السياسية الهامة التي تناولها ذلك العصر من سنة ٦٢٨ هـ / ١٢٣٠ م الى سنة ٦٥٩ هـ / ١٢٦٠ م، وما تخللها من صراعات وحروب بين ملوك وأمراء الدولة الأيوبية في مصر والشام وما واجهته من أخطار خارجية تمثلت بمواجهة الخطر الصليبي الزاحف نحو بلاد المشرق الإسلامي، وغزو التتار لبلاد المسلمين وتدميرهم مركز الخلافة الإسلامية في بغداد وتخريبهم بلاد الشام، وما واجهته أيضا من خطر داهم كان وبالا على الدولة الأيوبية وعجّل في سقوطها، ألا وهو بروز عنصر جديد تمثل بظهور المماليك في مصر وقتلهم للسلطان الأيوبي تورنشاه واستيلائم على الحكم في مصر ومن ثم تهديدهم لبقايا الدولة الأيوبية في بلاد الشام.
ومن الملاحظ أن ابن دقماق تناول ذكر كل هذه الأحداث سنة بعد سنة كأخبار وحوادث متفرقة، ليس فيها عامل الربط التاريخي لوحدة الموضوع، وهو ما يعد من مساوئ التأريخ الحولي إن جاز التعبير، حيث إن هذا النمط من التأريخ يفكك من وحدة الخبر ويضيّعه بين
стр. 17
ثنايا لأحداث الكثيرة والمتراكمة ضمن أحداث السنة الواحدة.
ثالثا - ذكر أخبار الطرائف والعجائب والكوارث الطبيعية والأوبئة. ومن أمثلة أخبار الطرائف والعجائب ما ذكره ابن دقماق في سياق سنة ٦٣٤ هـ / ١٢٣٦ م عن قصد جماعة في بغداد لزيارة صديق لهم مريض ليعودوه على سطح داره، وكانوا سبعة أشخاص فوقع السقف الذي هم عليه وماتوا جميعا ما خلا المريض (١). وأيضا ذكره لخبر امرأة ولدت في بغداد أربعة أولاد في بطن واحد، توفي واحد منهم وأحضر الثلاثة الباقون الى دار الخلافة فاستعجبوا لها واعطيت ما قيمته الف دينار (٢). وكذلك ما ذكره عن وصول شخص صغير الخلقة جدا الى بغداد، يقال له أبو منصور الأصبهاني، طوله ثلاثة أشبار ولحيته طويلة، وعمره إذ ذاك خمس وأربعون سنة، فأحضر الى الخليفة، فأنعم عليه وأجري له راتب (٣).
ومن الملفت للنظر أن جميع هذه الطرائف والعجائب قد وقعت في بغداد، وأن ابن دقماق ربما يكون قد استقاها من مصادر بغدادية مباشرة أو نقلها عن نقلتها من مصادرها الأصلية البغدادية. (راجع ما علقنا عليه في الحواشي عندما تعرضنا لتحقيق هذه الطرائف والعجائب في أماكنها من المخطوط).
ومن أمثلة الكوارث الطبيعيّة ذكره للزلزال الذي وقع في بغداد ثلاث مرات في سياق أحداث سنة ٦٤١ هـ / ١٢٤٣ م، فنظم الشعراء بهذه المناسبة أشعارا كثيرة (٤). وأيضا ذكره لظهور النار بأرض عدن في سياق سنة ٦٥٢ هـ / ١٢٥٤ م في بعض جبالها يطير منها شرار في البحر في الليل ويصعد منها دخان بالنهار (٥). وذكره في سياق سنة ٦٥٤ هـ / ١٢٥٦ م الغرق العظيم ببغداد الذي هلك فيه خلق عظيم تحت الردم وبقيت المراكب تمشي في أزقة البلد (٦).
ومن أمثلة الأوبئة ما ذكره ابن دقماق في سياق سنة ٦٣٣ هـ / ١٢٣٥ م، حصول وباء عظيم بمصر والقاهرة مات فيه خلق كثير واستمر ثلاثة شهور (٧). وأيضا ما ذكره في سياق سنة
стр. 18
٦٤٥ هـ / ١٢٤٧ م عن تعرض الناس في بغداد لأعراض أمراض الحلق والخوانيق ومات بهذا من الخلق ما لا يحصون وما فشا بين الناس من إشاعات حول هذا المرض (١).
الخطة التي اعتمدتها في التحقيق:
لقد اعتمدت في تحقيق لنزهة الأنام الخطوات التالية:
أولا - لقد حافظت على النص الوارد كما هو في الأصل من دون التدخل في تصويب الأخطاء النحوية أو الألفاظ العامية الواردة في المتن، حتى لا نغيّر من جوهر النص ونحافظ على طابعه الأصيل وهو طابع سمة ذلك العصر، وأشرنا الى كل هذه التصويبات في تعليقاتنا في الحواشي.
ثانيا: تدخلنا في تصويب الأخطاء الإملائية فيما يختص بقواعد الهمزة التي أهملت في الأصل سواء كانت في وسط الكلمة أو على كرسي الياء أو في آخر الكلمة مثال: سأل بدلا سال ورؤي بدلا من روي وبوائقها بدلا من بوايقها وذخائر بدلا من ذخاير ورؤساء بدلا من روسا الخ. . . . وتدخلنا كذلك بالنسبة لوضع الألف المقصورة في آخر الكلمة بدلا من الألف الممدودة مثل أعطى بدلا من اعطا ونفى بدلا من نفا ولاقى بدلا من لاقا الخ. . .
ثالثا - ثبّتنا أسماء الأعلام المحذوفة ألفها كما تكتب اليوم، مثلا سليمان بدلا من سليمن حارث بدلا من حرث، هارون بدلا من هرون الخ. . . وكذلك بالنسبة للاعداد فقد فصلتها مثال ثلاثين بدلا من ثلثين، ثلاث مائة بدلا من ثلثماية الخ. . .
هذا بالنسبة الى تصويب الأخطاء الإملائية، ونشير هنا أيضا إلى أننا تدخلنا في تصويب الكلمات المبهمة في النص أو التي تشكل التباسا أو تشويها بالمعنى أو خطأ في التسميات سواء في أسماء الأعلام أو المدن أو المصطلحات أو في ذكر التواريخ في غير موضعها، وأشرنا الى هذه الأخطاء في الحواشي.
ولقد اعتمدت على الأسلوب العلمي المتبع في تحقيق كتب التراث من حيث استخدام المصطلحات الفنية من ترقيم لصفحات المخطوط واستخدام الرموز المصطلح عليها في حال إضافة بعض الألفاظ على النص الأصلي، الفصل بين الحوادث والوفيات، شرح المصطلحات والألفاظ، والتعريف بالأماكن والبلدان وبأسماء الأعلام التي تعرض في النص من غير
стр. 19
التراجم، كما عرّفت بأسماء بعض المصنفات الواردة في المخطوط وتصويب بعض الألفاظ التي فيها لبس.
ولقد استعنت في التحقيق بمجموعة من المصادر الأساسية التي تؤرخ للدولة الايوبية مع ذكر اسم المصدر والجزء والصفحة التي أنقل عنها، فحشدت أكبر قدر ممكن من المصادر التي تتفق مع التراجم الواردة في المخطوط وجمعتها في قائمة مفصلة في آخر المخطوط من حيث اسم المؤلف وعنوان المصدر وتاريخ ومكان طبعه.
وبعد، فإنني أسأل الله التوفيق والسداد، آملا أن يكون عملي هذا نافعا، وأن يكون قد ساهم في جزء يسير من نشر تراثنا العربي الإسلامي الغنيين.
الرموز المستعملة في التحقيق:
() القوسان المزهران يحصران الآيات القرآنية.
«» الفاصلات المزدوجة تحصر أسماء الكتب إذا وردت في النص.
- - الخطان القصيران يحصران الجمل المعترضة.
[] القوسان المربعان يحصران كل ما أضفناه زيادة.
أو تكملة من نصوص ثانية نقلت النص أو استشهدت به، وما يضاف من عناوين جديدة أضفناها من عندنا عند الاقتضاء مثل ذكر أوزان أبيات الشعر والوفيات.
() القوسان داخل النص يحصران رقم ورقة المخطوطة وجه وظهر، فيكتب مثلا (٣٠ أ) و (٣٠ ب).
¦ ¦ الخطان العموديان يحصران كل زيادة تضاف على أصل النص الذي نقله المؤلف من مصدره الأساسي.
стр. 20
هذه الورقة المضافة على المخطوط تشير إلى المكان الأصلي لوجود المخطوطة وهو مدينة المنصورة في مصر، وانتقالها بعد ذلك الى المكتبة الوطنية في باريس في كانون الأول من سنة ١٨٧١ وعلى الزاوية الشمالية من أعلى الورقة يوجد بالعربية عنوان المخطوطة.
стр. 21
الورقة الأولى من المخطوط.
стр. 22
الورقة الأخيرة من المخطوط.
стр. 23
هذه الورقة مضافة على المخطوط في بدايته تشير إلى انتقال ملكية الكتاب من شخص إلى آخر كما هو مبين أعلاه.
стр. 24
الفصل الثاني
دراسة المصادر التاريخية للمرحلة الواقعة بين ٦٢٨ - ٦٥٩ هـ / ١٢٣٠ - ١٢٦١ م .
التي اعتمد عليها ابن دقماق أو أشار إليها في نزهة الأنام والتي لم يشر إليها (مقارنة وتحليل)
تتنوع المصادر التي أشار اليها ابن دقماق في مؤلفه، بين مصادر تعتمد على كتب الطبقات. وكتب التاريخ العام التي تتميز بالسرد التاريخي لحوادث السنين وتجمع ما بين ذكر لحوادث وتراجم لوفيات، وهو نفس الأسلوب الذي اتبعه مؤرخنا ابن دقماق في مصنفه نزهة الأنام.
ومن خلال استعراضنا المؤرخين الذين نقل عنهم ابن دقماق في نزهة الأنام نجد أنه اعتمد كثيرا على سبط ابن الجوزي وعلى شمس الدين بن خلكان وصلاح الدين الصفدي بالنسبة لأخذه عنهم تراجم الأعلام. وبنسبة أقل تكاد تكون حالات فردية، اعتمد على شهاب الدين أبو شامة وشمس الدين الذهبي ومحيي الدين ابن عبد الظاهر والكمال ابن العديم ومحب الدين ابن النجار وعز الدين ابن شداد في نقله لبقية الحوادث والتراجم.
أما بالنسبة لذكره للحوادث التاريخية فالمصدر الوحيد الذي يطلعنا عليه في نقله للأحداث هو ابو المظفر سبط ابن الجوزي، وهذا الأمر ليس يعني بالضرورة أن ابن دقماق قد اعتمد فقط على هذه المصادر التي أشار اليها، لأنه في كثير من الأحيان لا يشير الى مصادر النقل التي اعتمدها في مصنفه. وحتى تلك الاشارات التي أشار اليها ابن دقماق لمصادره لم تكن صريحة العبارة، تشير إلى أنه نقل عنها مباشرة، بل كانت كلها إشارات غير مباشرة ذكرها ابن دقماق في تراجمه وأخباره بعبارات لا يستدل منها أنه نقلها من مصدر ما. فبدلا من أن يشير مباشرة الى مصادر نقله مثلا بعبارة: نقلت عن شمس الدين ابن خلكان أو سبط ابن
стр. 25
الجوزي أو غيرهما، نجده يستشهد في سياق الخبر أو الترجمة بأقوالهم بعبارة: قال شمس الدين ابن خلكان أو ذكر أبو المظفر ابن الجوزي وهكذا.
وهذا الكلام يسوقنا الى الحديث عن أسلوب ابن دقماق في نقله عن المصادر، وهو أسلوب تنوع فيه في النقل عن المصادر ما بين النقل الحرفي أو التلخيص بعبارة الأصل أو بعبارته أو التداخل في النقل بين المصادر المختلفة المعنية بالحدث أو الشخصية المترجم لها في موضوع واحد، مما يعرف بالجمع التأليفي، ثم إنه في أغلب الأحيان لا يشير الى مصادر النقل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فيترك للمحقق المتفحص عناء اكتشاف ذلك بنفسه.
ونظرا لكثرة الأمثلة على ذلك، فإننا سوف نذكر بعضا منها لنشير الى أسلوب المؤلف وطريقة نقله عن المصادر المختلفة وهي تقسم الى نوعين هما:
اولا - المصادر التي أخذ عنها ابن دقماق أو أشار اليها بطريقة غير مباشرة مثال ذلك في ترجمته لشهاب الدين ابن الشواء. لقد نقل ابن دقماق ترجمته عن ابن خلكان، ولم يشر بصراحة الى ذلك، بل اكتفى بذكره حين أشار الى ذكر له في آخر الترجمة بعبارة: «فمن نظمه ما ذكره الشيخ شمس الدين ابن خلكان» (١).
وكذلك في ذكره لترجمة عبد العزيز المصري رئيس الأطباء بمصر، فإنه أيضا نقل ترجمته حرفيا عن صلاح الدين الصفدي من دون أن يشير الى ذلك مباشرة بل اكتفى بعبارة: قال صلاح الدين الصفدي (٢). وأيضا بالنسبة لذكر الواقعة التي جرت بين الخوارزمية والفرنج في سنة ٦٤٢ هـ / ١٢٤٤ م، فإن ابن دقماق ينقل بتصرف هذا الخبر عن ابن الجوزي، ويكتفي فقط بذكر عبارة له قالها ابن الجوزي يوم كان بالقدس في سياق تلك الفترة الزمنية (٣).
ومثال آخر عن ترجمة الشيخ تاج الدين ابن حموية، حيث نجد أن ابن دقماق ينقل ترجمته بتصرف عن ابن الجوزي ويشير فقط الى عبارة له في سياق الترجمة كان فيها ابن الجوزي ملازما للمترجم له ويعرفه عن قرب (٤).
стр. 26
ثانيا - المصادر التي أخذ عنها ابن دقماق والتي لم يشر اليها تتعدد هذه المصادر وتتنوع، فمنها ما هو معاصر للأحداث التي ذكرها ابن دقماق في مصنفه، ومنها ما هو غير معاصر ولكنه يغطي الحقبة التاريخية التي تكلم عنها مؤرخنا وهي الفترة الأيوبية.
فمن المصادر الأيوبية التي ربما نقل عنها ابن دقماق ولم يشر اليها على الاطلاق، ابن العميد (١) (٦٠٢ - ٦٧٢ هـ / ١٢٠٥ - ١٢٧٣ م)، ومما جعلني أعتقد أنه نقل عنه هو تشابه العبارة عند ابن دقماق مع ما جاء عند ابن العميد، ورغم ذلك لم أجزم بالأمر بل علقت بالحواشي على كل خبر جاء مشابها للنص مع ابن العميد بعبارة: تشابه بالإيراد، أو قارن ما جاء عند ابن العميد.
وكذلك بالنسبة للمقريزي (ت ٨٤٥ هـ / ١٤٤١ م)، الذي عاصر مؤرخنا ابن دقماق بل إنه كان ملازما له في بعض الأحيان، فإن كثيرا من التشابه في العبارة والمضمون نجده واضحا وجليا في كثير من الأحيان عند ابن دقماق مع ما جاء عند المقريزي في السلوك، وأشرنا اليه في حينه في الحواشي بعبارة: تشابه بالعبارة أو الإيراد أو قارن ذلك الخبر في السلوك.
دراسة تحليلية للمصادر التي أخذ عنها ابن دقماق في نزهة الأنام
أولا: المصادر الأيوبية المعاصرة:
ونقصد بها تلك المصادر التي عاصر مؤلفوها أحداث ووقائع العصر الأيوبي، ومنهم من شارك في تك الأحداث بشكل أو بآخر أو كان شاهد عيان لما جرى من وقائع. من هذه المصادر:
- مرآة الزمان في تاريخ الأعيان لابن الجوزي (٥٨٢ - ٦٥٤ هـ / ١١٨٦ - ١٢٥٦ م)
وهو أبو المظفر يوسف بن قزأغلي التركي البغدادي ثم الدمشقي الحنفي المعروف بسبط ابن الجوزي. كان من المؤرخين المعاصرين للعهد الأيوبي، ومشاركا في بعض أموره السياسية في بلاد الشام ومصر، وكان له حظوة عند ملوكهم وخاصة في دمشق مع الملك المعظم عيسى.
стр. 27
وله مصنفات عديدة من أبرزها مصنّفه في التاريخ «مرآة الزمان» وهو في عدّة أجزاء نشر قسم منها، والذي يعنينا هنا هو القسم الثاني من الجزء الثامن (١). وهو يشتمل على وقائع وأحداث وتراجم لوفيات من سنة ٥٩٠ وحتى سنة ٦٥٤ هـ / ١١٩٣ - ١٢٥٦ م
- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان (٦٠٨ - ٦٨١ هـ / ١٢١١ - ١٢٨٢ م)
وهو شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن خلكان البرمكي الإربلي الشافعي، قاضي قضاة دمشق ومؤرخها. ويشتمل معجمه وفيات الأعيان على أكثر من ثمانمائة ترجمة مرتبة ترتيبا أبجديا وبه أعلام من عصور مختلفة وطبقات مختلفة ويمتاز بالضبط والدقة وهو في ثمانية أجزاء منشورة (٢).
- الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة لابن شداد (الحلبي ٦١٣ - ٦٨٤ هـ / ١٢١٦ - ١٢٨٥ م)
وهو الصاحب عز الدين ابو عبد الله محمد بن علي بن شداد الأنصاري الحلبي (٣). كان فاضلا مشهورا، معتنيا بالتاريخ له مؤلفات كثيرة، ولقد ترقى في مناصب الدولة الأيوبية، وبعث رسولا في أكثر من مهمة سياسية، ومن أهم هذه المهام سفارته في عهد الملك الناصر يوسف صاحب الشام في سنة ٦٥٧ هـ / ١٢٥٨ م، الى التتار في ميّافارقين.
وكتاب الأعلاق الخطيرة منشور في عدّة أجزاء وأقسام، والذي يعنينا هنا هو الجزء الثالث - القسم الثاني (٤)، الذي يشتمل على أحداث ووقائع جرت في بلاد الجزيرة الفراتية إبان الغزو المغولي لهذه البلاد.
- زبدة الحلب من تاريخ حلب لابن العديم (٥٨٨ - ٦٦٠ هـ / ١١٩٢ - ١٢٦١ م)
وهو كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله أبي جرادة العقيلي الحلبي الفقيه الحنفي، المعروف بابن العديم (٥). كان إماما فاضلا وهو أحد العلماء المشهورين.
стр. 28
عاصر أبرز الأحداث في عهد الدولة الأيوبية، وكان مشاركا في أمورها السياسية من خلال سفارته. ومن أهم هذه السفارات سفارته الى مصر التي بعثه بها الملك الناصر يوسف في سنة ٦٥٧ هـ / ١٢٥٨ م ليستنجدهم على قتال التتار الذين اقتربوا من بلاد الشام. ويتناول كتاب زبدة الحلب في أجزائه الثلاث (١) تاريخ مدينة حلب منذ القدم الى أيام الملك الناصر صلاح الدين ابن الملك العزيز في عهد الدولة الأيوبية، ويقف عند حوادث سنة ٦٤٢ هـ / ١٢٤٤ م، ويعتبر كتاب زبدة الحلب المصدر الاساسي والهام لتاريخ المدينة السياسي زمن المؤلف وحتى خروجه عنها عام ٦٥٧ هـ / ١٢٥٨ أي بعد غزو التتار.
والذي يعنينا من هذه الأجزاء هو الجزء الثالث الذي يشتمل على حوادث ووقائع من سنة ٥٦٩ وحتى سنة ٦٤٢ هـ / ١١٧٣ - ١٢٤٤ م.
- الذيل على الروضتين (٢) لأبي شامة (٦٠٥ - ٦٦٥ هـ / ١٢٠٨ - ١٢٦٦ م)،
وهو عبد الرحمن بن اسماعيل بن إبراهيم بن عثمان، شهاب الدين أبو شامة المقدسي الشافعي. وهو كتاب تراجم رجال القرنين السادس والسابع الهجريين مرتب على السنين.
- الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر (٣) لابن عبد الظاهر (٦٢٠ - ٦٩٢ هـ / ١٢٢٣ - ١٢٩٢ م)
وهو محيي الدين بن عبد الظاهر بن نشوان المصري، الكاتب والناظم والناثر، ولقد اشتهر بعمله بديوان الإنشاء وبتأليفه سيرة الملك الظاهر بيبرس.
- المستفاد من ذيل تاريخ بغداد (٤) لابن النجار المتوفى في سنة ٦٤٣ هـ / ١٢٤٥ م، وهو الحافظ المحب أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحسن المعروف بابن النجار البغدادي.
- الأول من ذيل تاريخ بغداد (٥) للحافظ محب الدين ابن النجار أيضا.
стр. 29
ثانيا: المصادر الأيوبية غير المعاصرة التي أخذ عنها ابن دقماق في نزهة الأنام
ونقصد بها تلك المصادر التي لم يكن أصحابها معاصرين للأحداث التي جرت في عهد الدولة الأيوبية وإنما كتبوا عن تلك الحقبة - ومن الذين أخذ عنهم ابن دقماق في نزهة الأنام من أصحاب تلك المصادر: صلاح الدين الصفدي وشمس الدين الذهبي وسوف نستعرض مصنفاتهما التي نقل عنها ابن دقماق في نزهة الأنام، وهي:
- الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي (٦٩٦ - ٧٦٤ هـ / ١٢٩٧ - ١٢٦٣ م)،
وهو خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي الشافعي، مؤرخ، أديب، ناثر، ناظم لغوي له مصنفات كثيرة من أبرزها كتابه الوافي بالوفيات، وهو كتاب تراجم يعتمد على الترتيب الأبجدي في ذكره للأعلام، وهو في أجزاء كثيرة نشر منه ما يقارب ١٧ جزءا (١).
- دول الإسلام للحافظ الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ / ١٢٧٤ - ١٣٤٧ م)
وهو كتاب يشتمل على أخبار وتراجم لوفيات، ويقع هذا الكتاب في جزأين (٢). وهو مختصر في التاريخ العام للدول الإسلامية من الهجرة حتى عام ٧٤٠ هـ / ١٣٣٩ م.
- العبر في خبر من غبر (٣) للحافظ الذهبي أيضا
وهو تاريخ عام مقتطف من كتابه الكبير تاريخ الاسلام، وهو ومرتب حسب السنين وفيه أشهر الحوادث والوفيات من أول الهجرة وحتى عام ٧٤٠ هـ / ١٣٣٩،
دراسة للمصادر التي لم يشر إليها ابن دقماق في نزهة الأنام والتي استفدنا منها في
عملنا في التحقيق
وهي مصادر تتناول العهد الأيوبي وإن يكن أكثر مصنّفيها لم يعاصروا تلك الفترة، وسوف نذكر بعضا من هذه المصادر نظرا لأهميتها في هذه الدراسة، ولقد صنفناها حسب مضمونها التأليفي من كتب التاريخ العام الى كتب التراجم الى كتب الخطط والآثار والبلدان.
أولا: كتب التاريخ العام:
ونعني بها تلك التي تناولت تاريخ الدول الإسلامية وغيرها عربية أو غير عربية وتناولت
стр. 30
أحداثها السياسية وذكر ملوكها. ومن مميزات هذه الكتب الطابع السردي لحوادث السنين متتابعة كل سنة على حدة، ومن هذه الكتب:
- المختصر في أخبار البشر (١)، للملك المؤيد اسماعيل المعروف بأبي الفداء، المتوفى سنة ٧٣٢ هـ / ١٣٣١ م، وهو كتاب يشتمل على ذكر للتاريخ العام منذ بدء الجاهلية ثم الإسلام حتى عام ٧٢٩ هـ / ١٣٢٨ م، وهو في أربعة أجزاء ولقد استفدنا من الجزء الثالث والرابع في تحقيقنا.
- تتمة المختصر في أخبار البشر (٢)، لزين الدين عمر بن الوردي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ / ١٣٤٨ م، وهو تكملة وتذييل لكتاب أبي الفداء السابق ذكره كتب فيه التاريخ العام بإيجاز من سنة ٧٤٩ هـ في جزأين، ولقد استفدنا من الجزء الثاني في تحقيقنا.
- البداية والنهاية (٣)، لأبي الفداء المعروف بابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ هـ / ١٣٧٢ م وهو مطول في التاريخ العام يبلغ أربعة عشر جزءا، ولقد استفدنا من الجزئين الثالث عشر والرابع عشر في تحقيقنا.
- مرآة الجنان وعبر اليقظان (٤)، لأبي محمد عبد الله اليافعي المصري المتوفى سنة ٧٦٦ هـ / ١٣٦٤ م، وهو في التاريخ العام الى سنة ٧٥٠ هـ / ١٣٤٩ م، ولقد استفدنا من الجزء الرابع في تحقيقنا.
- السلوك لمعرفة دول الملوك (٥)، للمقريزي، تقي الدين المتوفى سنة ٨٤٥ هـ / ١٤٤١ م وهو تاريخ مصر من سنة ٥٧٧ الى سنة ٨٤٤ هـ / ١١٨١ - ١٤٤٠ م، مرتبا حسب السنين، وهو في عدّة أجزاء. ولقد استفدنا من الجزء الأول، القسم الأول والثاني والثالث منه.
стр. 31
- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (١)، لأبي المحاسن بن تغري بردي المتوفى سنة ٨٧٤ هـ / ١٤٦٩ م، وهو في عدّة مجلدات في تاريخ مصر والقاهرة وأعلامهما وفيضان النيل من الفتح الاسلامي الى سنة ٨٥٧ هـ / ١٤٥٣ م، ولقد استفدنا في تحقيقنا من الأجزاء ٦ - ١٢.
- حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة (٢)، لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ / ١٥٠٥ م وهو في جزأين، وبه تراجم موجزة لكثير من الأعلام ومختصرات عن حوادث مصر من قديم الزمان حتى عهد المؤلف.
- مفرج الكروب في أخبار بني أيوب (٣)، لجمال الدين بن واصل المتوفى سنة ٦٩٧ هـ / ١٢٩٧ م وهو في تاريخ الدولة الأيوبية في عدّة أجزاء ولقد استفدنا من الجزء الرابع والخامس منه.
ثانيا: كتب الطبقات:
- فوات الوفيات (٤)، لمحمد بن شاكر الكتبي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ / ١٣٦٢ م وهو تذييل على كتاب وفيات الأعيان ومرتب على حروف المعجم على نمط كتاب الوفيات وهو في خمسة أجزاء.
- عيون التواريخ (٥)، لابن شاكر الكتبي أيضا وهو مجموع تراجم مرتب على السنين انتهى فيه الى سنة ٧٦٠ هـ / ١٣٥٨ م، وهو في عدّة أجزاء ولقد استفدنا من الجزء العشرين في تحقيقنا.
- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (٦)، لابن حجر العسقلاني المتوفى ٨٥٢ هـ / ١٤٤٨ م وهو في أربعة أجزاء مرتب حسب الحروف الابجدية.
стр. 32
- طبقات الشافعية (١)، للأسنوي المتوفى سنة ٧٧٢ هـ / ١٣٧٠ م. يشتمل هذا الكتاب على دراسة لتراجم العلماء والأدباء والمشهورين من أهل المذهب الشافعي وهو مرتب حسب الحروف الأبجدية ويقع هذا الكتاب في جزأين.
- طبقات الشافعية الكبرى (٢)، للسبكي، وهو تاج الدين عبد الوهاب السبكي ولد في مصر سنة ٧٢٧ هـ / ١٣٢٦ م، وكتابه طبقات الشافعية الكبرى يقع في ستة أجزاء ويشتمل على مقدمة وسبع طبقات رتبها حسب الزمن ويروي صاحب الكتاب أن كتابه هو: «حديث وفقه وتاريخ وأدب ومجموع فوائد».
- المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي (٣)، لأبي المحاسن ابن تغري بردي، وهو تزييل للوافي بالوفيات للصفدي، ولقد استفدنا من الجزء الأول المنشور منه.
- عيون الأنباء في طبقات الأطباء (٤)، لموفق الدين ابن أبي أصيبعة المتوفى سنة ٦٦٨ هـ / ١٢٦٩ م وهو فريد في بابه ومن خيرة كتب التراجم -
- الجواهر المضية في طبقات الحنفية (٥)، لعبد القادر بن محمد أبي الوفاء القرشي المتوفى سنة ٧٧٥ هـ / ١٣٧٣ م، يعتبر هذا الكتاب أول تراجم الحنفية ولقد رتب هذا الكتاب على طريقة الحروف الأبجدية مع ذكر الأنساب والألقاب والكنى ويقع في جزأين.
- ذيل طبقات الحنابلة (٦)، لابن رجب، زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي، المتوفى سنة ٧٩٥ هـ / ١٣٩٢ م، ولقد استفدنا من الجزء الثاني منه في تحقيقنا.
ثالثا: كتب الخطط والآثار:
وهي كتب تتحدث عن البلاد والمدن والمواضع، فتصف بناءها وتاريخ هذا البناء وما
стр. 33
اعتوره من زيادة أو نقص على مر العصور ومن هذه الكتب:
- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (١): لتقيّ الدين المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ / ١٤٤١ م، وهو في وصف الخطط المصرية وبه تراجم عدّة.
- الانتصار لواسطة عقد الأمصار (٢): لابن دقماق المتوفى ٨٠٩ هـ / ١٤٠٦ م وهو كتاب في عدّة أجزاء نشر منها الجزء الرابع والخامس، وهما في وصف الفسطاط وأسواقها وجوامعها ومدارسها وأبنيتها وشوارعها، والإسكندرية وبعض قرى مصر.
стр. 34
الفصل الثالث
الحياة العلمية والأدبية في عصر ابن دقماق
تمهيد
إن دراسة مؤرخ أو أديب ما، من خلال نتاجه العلمي فقط، قد لا تفي بالغرض المطلوب، فلا بد من إلقاء الضوء على العصر الذي نشأ فيه ذلك المؤرخ، أو الأديب من خلال النشاط العلمي والأدبي العام لذلك العصر، باعتبار أن المجتمعات العلمية والأدبية هي انعكاس لصورة المجتمع الثقافي الذي خرج منه.
ومن هنا أفردت هذا الفصل عن الحياة العلمية والأدبية في العصر المملوكي الذي نشأ فيه مؤرخنا ابن دقماق لكي نلقي الضوء على فترة زاهية من النشاط العلمي والأدبي الذي كان مزدهرا في ذلك العصر. ولقد تمثل هذا النشاط العلمي والثقافي في العصر المملوكي من خلال اهتمام السلاطين والأمراء الماليك في إنشاء المدارس والمساجد والمكتبات ورصد الأوقاف لهذه المنشآت التعليمية، ومن خلال تشجيع سلاطين مصر للعلماء وتكريمهم لهم، مما ساعد في ازدهار الحركة العلمية والأدبية في مصر وساهم في ازدياد عدد الطلاب الدارسين والاساتذة وازدهار الحركة التأليفية في البلاد.
إنشاء المدارس:
كان لإنشاء المدارس ودور التعليم المختلفة في مصر في العصر المملوكي الأثر الأكبر في إرساء النهضة العلمية والأدبية في ذلك العصر. وهذه المدارس المنشأة كانت على نوعين: منها المدارس المستقلة التي كانت مخصصة للتدريس فقط، ومنها المساجد الجامعة التي كانت بالإضافة إلى أنها دور عبادة وتقرب من الله، كانت من المراكز التعليمية الهامة التي يقصدها الدارسون للاستفادة من شتى العلوم الدينية والدنيوية.
ويبدو أن إنشاء المدارس والمساجد الجامعة في مصر لم يقتصر بناؤها في القاهرة أو
стр. 35
الاسكندرية فقط. بدليل ما ذكره ابن دقماق في كتابه الانتصار، حيث أشار الى الكثير من المدارس التي أنشئت في القرى والأقاليم البعيدة (١).
وسوف نستعرض بعضا من المدارس والمساجد الجامعة التي أنشئت في العصر المملوكي أو ما قبل هذا العصر وظلت موضع عناية واهتمام من قبل سلاطين وأمراء المماليك فيما بعد، معتمدين في دراستنا في أكثر الأحيان على ما ذكره المقريزي في خططه.
المدرسة الظاهرية:
بناها الأمير جمال الدين يغمور بأمر من السلطان الظاهر بيبرس البندقداري الذي كان مقيما آنذاك في الشام، فأرسل الى الأمير جمال الدين كتابا يدعوه فيه إلى بناء هذه المدرسة «وأن لا يستعمل فيها أحدا بغير أجرة، ولا ينقص من أجره شيئا».
فشرع في بنائها في سنة ٦٦٠ هـ / ١٢٦١ م، وانتهى منها في سنة ٦٦٢ هـ / ١٢٦٣ م. ولم يبدأ في بنائها حتى رتب السلطان وقفها. وبعد الانتهاء من بنائها أقيم احتفال كبير بهذه المناسبة، حضره القراء والعلماء من كل طائفة، فتناظروا في علومهم، وفي نهاية المناظرة مدت الأسمطة لهم فأكلوا وقام الأديب أبو الحسن الجزار فأنشد قصيدة بهذه المناسبة.
ولقد كان بهذه المدرسة خزانة كتب عظيمة تشتمل على أمهات الكتب من سائر العلوم، وبجانبها مكتب لتعليم الأيتام المسلمين كانت تصرف لهم المعونات من أموال وألبسة (٢).
المدرسة المنصورية:
كان موقع هذه المدرسة في داخل باب المارستان الكبير المنصوري بخط القصرين بالقاهرة، أنشأها هي والقبة والمارستان الملك المنصور قلاوون الألفي الصالحي على يد الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، ورتب فيها دروسا على المذاهب الأربعة، وأيضا درسا في الطب ورتب بالقبة درسا للحديث النبوي الشريف ودرسا لتفسير القرآن الكريم «وكان لا يليها في التدريس إلا أجلّ الفقهاء المعتبرين» (٣).
стр. 36
المدرسة الصاحبية البهائية:
كانت تقع هذه المدرسة بزقاق القناديل في مدينة مصر قرب الجامع العتيق، أنشأها الوزير الصاحب بهاءالدين علي بن محمد بن سليم بن حنا سنة ٦٥٤ هـ / ١٢٥٦ م، وسمي زقاق القناديل بهذا الاسم لأنه كان يسكنه الأشراف، فكانوا يعلقون القناديل على أبواب منازلهم.
أول من درس بهذه المدرسة الصاحب فخر الدين محمد ابن بانيها الوزير الصاحب بهاء الدين، وظل يدرس فيها إلى أن مات في سنة ٦٦٨ هـ / ١٢٦٥ م فتولى التدريس بعده ابنه الصاحب زين الدين أحمد الذي استمر بالتدريس بالمدرسة الصاحبية لحين وفاته سنة ٧٠٤ هـ / ١٣٠١ م. وكان يوجد بهذه المدرسة خزانة كتب جليلة (١).
جامع عمرو:
أنشأه عمرو بن العاص بمدينة فسطاط مصر في سنة ٢١ هجرية، ويقال له تاج الجوامع، وهو أول مسجد أسس بديار مصر، ويقال له أيضا الجامع العتيق (٢).
عني به في عصر المماليك الكثير من السلاطين والأمراء والوجهاء منهم: السلطان الظاهر بيبرس، فقد أمر بترميم ما تهدم منه وتجديد بعض أجزائه وذلك في سنة ٦٦٦ هـ / ١٢٦٧ م، والسلطان المنصور قلاوون الذي أمر بتجديده في سنة ٦٨٧ هـ / ١٢٨٨ م والأمير سلار نائب السلطنة، فقد أمر بتجديده بعد الزلزال الذي وقع في مصر في سنة ٧٠٢ هـ / ١٣٠٢ م، ورئيس التجار برهان الدين إبراهيم بن عمر سنة ٨٠٤ هـ / ١٤٠١ م في عهد الظاهر برقوق.
ويبدو أنه كان لهذا الجامع دور ثقافي وتعليمي ناشط بدليل أن المقريزي ذكر نقلا عن الأديب المؤرخ شهاب الدين الأوحدي ما ملخصه:
«أن العلامة شمس الدين محمد بن الصائغ أدرك بجامع عمرو بمصر قبل الوباء في سنة ٧٤٩ هجرية بضعا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح» (٣).
стр. 37
جامع ابن طولون:
بناه أحمد بن طولون بالقطائع في سنة ٢٦٣ هـ / ٨٧٦ م، وانتهى من بنائه في سنة ٢٦٦ هـ / ٨٧٩ م، ويقع هذا الجامع بالقاهرة في طريق العابر بين حي السيدة والقلعة.
وممن عني به في العصر المملوكي: السلطان لاجين، فإنه بعد قتله السلطان الأشرف خليل بن قلاوون هرب واختفى في منارة هذا الجامع، فنذر لله إن سلّمه من هذه المحنة، أن يجدد عمارته، فكان ان نجا السلطان لاجين من هذه المحنة وآلت اليه سلطة مصر، فأمر بتجديد هذا الجامع ووكل أمر تجديده إلى الأمير علم الدين سنجر الدواداري، فأزال كل ما فيه من خراب وبلّطه وبيّضه ورتب فيه مدرسا لإلقاء الفقه على المذاهب الأربعة، كما عيّن مدرسين لتدريس التفسير والحديث والطب فيه (١).
الجامع الأزهر:
هو أول مسجد أسس بالقاهرة والذي أنشأه القائد جوهر الصقلي، مولى الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، شرع في بناء هذا الجامع في سنة ٣٥٩ هـ / ٩٦٩ م وتم بناؤه في سنة ٣٦١ هـ / ٩٧١ م.
جدد في أيام الملك الظاهر بيبرس البندقداري، وسبب ذلك أنّ الأمير عز الدين إيدمر الحلي كان جار هذا الجامع، فأراد أن يكسب ثوابا في الآخرة، فقام بالنظر بأمره واسترجع له أشياء مغصوبة كان قد استولى عليها جماعة، وتبرع عز الدين بالكثير من ماله لهذا الجامع واستحصل له من السلطان على جملة من المال وشرع في تجديده (٢)، فعمّر ما تهدم من أركانه وجدرانه وبيضه وأصلح سقوفه وبلّطه وفرشه وكساه، ولما انتهى من تجديده، دعى لإعادة صلاة الجمعة والخطبة فيه، فاعيدت اليه صلاة الجمعة وخطبتها بناء على رغبة السلطان وفتوى من قاضي قضاة الحنفية، بعد انقطاع دام ما يقارب مائة سنة؛ بناء على أمر السلطان صلاح الدين الأيوبي وفتوى من قاضيه الشافعي صدر الدين درباس (٣).
وممن عني به أيضا في العصر المملوكي، الأمير سيف الدين سلار، فجدد مبانيه بعد ما
стр. 38
أصابه من تصدع إثر الزلزال الذي أصاب مصر في سنة ٧٠٢ هـ / ١٣٠٢ م. وفي سنة ٧٦١ هـ / ١٣٥٩ م في عهد السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، قام الأمير سعد الدين بشير الجمدار الناصري بإصلاح الأزهر، فأقام جدرانه وسقفه وبيّضه وبلّطه حتى عاد جديدا (١).
وبعد، فإنه يتبين لنا أن الجامع الأزهر كان له مركز مرموق عند سلاطين مصر المماليك، الذين اهتموا بهذا الصرح الديني والعلمي الكبير، وبذلوا في خدمته الشيء الكثير، فكان منارة للعلم يقصده الدارسون من كل صوب ومكان من أرجاء العالم الإسلامي.
رصد الأوقاف على المدارس:
لا بد من الإشارة هنا الى دور الأوقاف وأهميتها في إرساء النهضة العلمية والأدبية في العصر المملوكي، نظرا لما لها من أهمية في المحافظة على الكثير من المدارس والمنشآت التعليمية، لأنه بدونها لا يمكن لأي مؤسسة تعليمية الاستمرار «وبخاصة في عصر كعصر المماليك، لم تتخذ فيه للتعليم سياسة عامة عليا تكفلت الدولة بتنفيذها والإنفاق عليها من أموالها العامة» (٢).
ولقد كان للعامل الفردي والأهواء الشخصية لكثير من الأمراء والسلاطين المماليك وبعض الوجهاء، الأثر الأكبر في تشييد المدارس ودور التعليم الأخرى كالمساجد والزوايا والخوانق على نفقتهم الخاصة - ويذكر محمد رزق سليم في كتابه عصر سلاطين المماليك: أن ظاهرة إنشاء المدارس ووقف الأوقاف عليها من قبل حكام المماليك بأنها «ظاهرة كانت الى باب الجود والإحسان أقرب منها الى باب التعليم الذي هو حق للشعب واجب أداؤه» (٣). على أن هذا التنافس وحب الظهور بين السلاطين والأمراء المماليك في بناء المؤسسات التعليمية ووقف الأوقاف عليها ساهم الى حد كبير بتأسيس عدد كبير من دور التعليم.
وخلاصة القول، إن إنشاء المدارس من قبل حكام المماليك وتعيين المدرسين ورصد
стр. 39
الأوقاف للإنفاق عليها قد انعكست نتائجه إيجابا على الحركة العلمية والأدبية في البلاد، وبرزت ظاهرة للعيان في النواحي التالية:
أولا - إقبال الطلاب على التعليم: وفي هذا المجال ذكر محمد رزق سليم في كتابه عصر سلاطين المماليك ما ملخصه: «أن افتتاح المدارس، وتعيين العلماء فيها للتدريس، والعناية باختيارهم ورصد الأوقاف للانفاق عليها، وإجراء الرواتب على طلابها، وتهيئة المساكن لنومهم وتزويدهم بالطعام والكسوة وما إلى ذلك، كان من شأنه أن يجذب الكثير من الطلاب ويحببهم في الانتظام في سلكها بل والى الانقطاع الى طلب العلم فيها» (١).
ثانيا - كثرة عدد العلماء والأدباء: من أهم نتائج النشاط العلمي أيضا بروز الكثير من العلماء والفقهاء والمجتهدين في شتى ميادين العلم في العصر المملوكي، ويهمنا أن نذكر بعضا من هؤلاء العلماء والأدباء الذين برزوا خاصة في علم التاريخ والأدب والاجتماع وغيره خلال عصر مؤرخنا ابن دقماق من مصريين أو غيرهم ممن كان لهم الأثر الأكبر في النهضة العلمية في مصر وسائر الأقطار الإسلامية، فنذكر منهم: ابن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ)، البدر العيني (٧٦٢ - ٨٥٥ هـ) ابن الفرات (٧٣٥ - ٨٠٧ هـ) والمقريزي (٧٦٩ - ٨٤٥ هـ) وابن خلدون (٧٣٢ - ٨٠٨ هـ) (٢).
ثالثا: إزدهار الحركة التأليفية:
لعل من أبرز نتائج النهضة العلمية في مصر في العصر المملوكي أيضا؛ النشاط التأليفي الذي بلغ عدة آلاف من المجلدات والكتب، كانت ثمرة لهذا النشاط العلمي الذي شجعه حكام المماليك، ويذكر محمد رزق سليم في عصر سلاطين المماليك: أن بعض المؤلفين في ذلك الزمان ألف مئات الكتب والرسائل كالسيوطي، فقد قيل إن مؤلفاته زادت على مائة وخمسين وهكذا. . .
كما يشير الى أن الكثير من هذه المؤلفات قد استولى عليها العثمانيون عندما فتحوا مصر في سنة ٩٢٣ هـ / ١٥١٦ م وأزالوا حكم المماليك عن البلاد (٣).
على أن عددا من هذه البقية الباقية من المؤلفات، التي حفظت من عبث العثمانيين
стр. 40
موجودة الآن في دور الكتب بالقاهرة وغيرها والقسم الأكبر منها ما يزال مخطوطا، وهو بحاجة الى النشر ونفض غبار النسيان عنه (١).
وبعد، فهذا هو ما كان عليه الوضع العلمي والأدبي من نشاط وازدهار في العصر المملوكي وهو العصر الذي نشأ فيه مؤرخنا ابن دقماق وعاصر فيه العديد من المؤرخين والأدباء البارزين، كما أشرنا اليه سابقا. ولا بد من التنويه هنا بحكام المماليك الذين لولا سياستهم المنفتحة على العلم وتشجيعهم للعلماء لكان الوضع مختلفا تماما عما هو عليه الحال من ازدهار للحركة العلمية والأدبية في تلك الحقبة.