المدرسة الصاحبية البهائية:
كانت تقع هذه المدرسة بزقاق القناديل في مدينة مصر قرب الجامع العتيق، أنشأها الوزير الصاحب بهاءالدين علي بن محمد بن سليم بن حنا سنة ٦٥٤ هـ / ١٢٥٦ م، وسمي زقاق القناديل بهذا الاسم لأنه كان يسكنه الأشراف، فكانوا يعلقون القناديل على أبواب منازلهم.
أول من درس بهذه المدرسة الصاحب فخر الدين محمد ابن بانيها الوزير الصاحب بهاء الدين، وظل يدرس فيها إلى أن مات في سنة ٦٦٨ هـ / ١٢٦٥ م فتولى التدريس بعده ابنه الصاحب زين الدين أحمد الذي استمر بالتدريس بالمدرسة الصاحبية لحين وفاته سنة ٧٠٤ هـ / ١٣٠١ م. وكان يوجد بهذه المدرسة خزانة كتب جليلة (١).
جامع عمرو:
أنشأه عمرو بن العاص بمدينة فسطاط مصر في سنة ٢١ هجرية، ويقال له تاج الجوامع، وهو أول مسجد أسس بديار مصر، ويقال له أيضا الجامع العتيق (٢).
عني به في عصر المماليك الكثير من السلاطين والأمراء والوجهاء منهم: السلطان الظاهر بيبرس، فقد أمر بترميم ما تهدم منه وتجديد بعض أجزائه وذلك في سنة ٦٦٦ هـ / ١٢٦٧ م، والسلطان المنصور قلاوون الذي أمر بتجديده في سنة ٦٨٧ هـ / ١٢٨٨ م والأمير سلار نائب السلطنة، فقد أمر بتجديده بعد الزلزال الذي وقع في مصر في سنة ٧٠٢ هـ / ١٣٠٢ م، ورئيس التجار برهان الدين إبراهيم بن عمر سنة ٨٠٤ هـ / ١٤٠١ م في عهد الظاهر برقوق.
ويبدو أنه كان لهذا الجامع دور ثقافي وتعليمي ناشط بدليل أن المقريزي ذكر نقلا عن الأديب المؤرخ شهاب الدين الأوحدي ما ملخصه:
«أن العلامة شمس الدين محمد بن الصائغ أدرك بجامع عمرو بمصر قبل الوباء في سنة ٧٤٩ هجرية بضعا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح» (٣).
стр. 37
جامع ابن طولون:
بناه أحمد بن طولون بالقطائع في سنة ٢٦٣ هـ / ٨٧٦ م، وانتهى من بنائه في سنة ٢٦٦ هـ / ٨٧٩ م، ويقع هذا الجامع بالقاهرة في طريق العابر بين حي السيدة والقلعة.
وممن عني به في العصر المملوكي: السلطان لاجين، فإنه بعد قتله السلطان الأشرف خليل بن قلاوون هرب واختفى في منارة هذا الجامع، فنذر لله إن سلّمه من هذه المحنة، أن يجدد عمارته، فكان ان نجا السلطان لاجين من هذه المحنة وآلت اليه سلطة مصر، فأمر بتجديد هذا الجامع ووكل أمر تجديده إلى الأمير علم الدين سنجر الدواداري، فأزال كل ما فيه من خراب وبلّطه وبيّضه ورتب فيه مدرسا لإلقاء الفقه على المذاهب الأربعة، كما عيّن مدرسين لتدريس التفسير والحديث والطب فيه (١).
الجامع الأزهر:
هو أول مسجد أسس بالقاهرة والذي أنشأه القائد جوهر الصقلي، مولى الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، شرع في بناء هذا الجامع في سنة ٣٥٩ هـ / ٩٦٩ م وتم بناؤه في سنة ٣٦١ هـ / ٩٧١ م.
جدد في أيام الملك الظاهر بيبرس البندقداري، وسبب ذلك أنّ الأمير عز الدين إيدمر الحلي كان جار هذا الجامع، فأراد أن يكسب ثوابا في الآخرة، فقام بالنظر بأمره واسترجع له أشياء مغصوبة كان قد استولى عليها جماعة، وتبرع عز الدين بالكثير من ماله لهذا الجامع واستحصل له من السلطان على جملة من المال وشرع في تجديده (٢)، فعمّر ما تهدم من أركانه وجدرانه وبيضه وأصلح سقوفه وبلّطه وفرشه وكساه، ولما انتهى من تجديده، دعى لإعادة صلاة الجمعة والخطبة فيه، فاعيدت اليه صلاة الجمعة وخطبتها بناء على رغبة السلطان وفتوى من قاضي قضاة الحنفية، بعد انقطاع دام ما يقارب مائة سنة؛ بناء على أمر السلطان صلاح الدين الأيوبي وفتوى من قاضيه الشافعي صدر الدين درباس (٣).
وممن عني به أيضا في العصر المملوكي، الأمير سيف الدين سلار، فجدد مبانيه بعد ما
стр. 38
أصابه من تصدع إثر الزلزال الذي أصاب مصر في سنة ٧٠٢ هـ / ١٣٠٢ م. وفي سنة ٧٦١ هـ / ١٣٥٩ م في عهد السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، قام الأمير سعد الدين بشير الجمدار الناصري بإصلاح الأزهر، فأقام جدرانه وسقفه وبيّضه وبلّطه حتى عاد جديدا (١).
وبعد، فإنه يتبين لنا أن الجامع الأزهر كان له مركز مرموق عند سلاطين مصر المماليك، الذين اهتموا بهذا الصرح الديني والعلمي الكبير، وبذلوا في خدمته الشيء الكثير، فكان منارة للعلم يقصده الدارسون من كل صوب ومكان من أرجاء العالم الإسلامي.
رصد الأوقاف على المدارس:
لا بد من الإشارة هنا الى دور الأوقاف وأهميتها في إرساء النهضة العلمية والأدبية في العصر المملوكي، نظرا لما لها من أهمية في المحافظة على الكثير من المدارس والمنشآت التعليمية، لأنه بدونها لا يمكن لأي مؤسسة تعليمية الاستمرار «وبخاصة في عصر كعصر المماليك، لم تتخذ فيه للتعليم سياسة عامة عليا تكفلت الدولة بتنفيذها والإنفاق عليها من أموالها العامة» (٢).
ولقد كان للعامل الفردي والأهواء الشخصية لكثير من الأمراء والسلاطين المماليك وبعض الوجهاء، الأثر الأكبر في تشييد المدارس ودور التعليم الأخرى كالمساجد والزوايا والخوانق على نفقتهم الخاصة - ويذكر محمد رزق سليم في كتابه عصر سلاطين المماليك: أن ظاهرة إنشاء المدارس ووقف الأوقاف عليها من قبل حكام المماليك بأنها «ظاهرة كانت الى باب الجود والإحسان أقرب منها الى باب التعليم الذي هو حق للشعب واجب أداؤه» (٣). على أن هذا التنافس وحب الظهور بين السلاطين والأمراء المماليك في بناء المؤسسات التعليمية ووقف الأوقاف عليها ساهم الى حد كبير بتأسيس عدد كبير من دور التعليم.
وخلاصة القول، إن إنشاء المدارس من قبل حكام المماليك وتعيين المدرسين ورصد
стр. 39
الأوقاف للإنفاق عليها قد انعكست نتائجه إيجابا على الحركة العلمية والأدبية في البلاد، وبرزت ظاهرة للعيان في النواحي التالية:
أولا - إقبال الطلاب على التعليم: وفي هذا المجال ذكر محمد رزق سليم في كتابه عصر سلاطين المماليك ما ملخصه: «أن افتتاح المدارس، وتعيين العلماء فيها للتدريس، والعناية باختيارهم ورصد الأوقاف للانفاق عليها، وإجراء الرواتب على طلابها، وتهيئة المساكن لنومهم وتزويدهم بالطعام والكسوة وما إلى ذلك، كان من شأنه أن يجذب الكثير من الطلاب ويحببهم في الانتظام في سلكها بل والى الانقطاع الى طلب العلم فيها» (١).
ثانيا - كثرة عدد العلماء والأدباء: من أهم نتائج النشاط العلمي أيضا بروز الكثير من العلماء والفقهاء والمجتهدين في شتى ميادين العلم في العصر المملوكي، ويهمنا أن نذكر بعضا من هؤلاء العلماء والأدباء الذين برزوا خاصة في علم التاريخ والأدب والاجتماع وغيره خلال عصر مؤرخنا ابن دقماق من مصريين أو غيرهم ممن كان لهم الأثر الأكبر في النهضة العلمية في مصر وسائر الأقطار الإسلامية، فنذكر منهم: ابن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ)، البدر العيني (٧٦٢ - ٨٥٥ هـ) ابن الفرات (٧٣٥ - ٨٠٧ هـ) والمقريزي (٧٦٩ - ٨٤٥ هـ) وابن خلدون (٧٣٢ - ٨٠٨ هـ) (٢).
ثالثا: إزدهار الحركة التأليفية:
لعل من أبرز نتائج النهضة العلمية في مصر في العصر المملوكي أيضا؛ النشاط التأليفي الذي بلغ عدة آلاف من المجلدات والكتب، كانت ثمرة لهذا النشاط العلمي الذي شجعه حكام المماليك، ويذكر محمد رزق سليم في عصر سلاطين المماليك: أن بعض المؤلفين في ذلك الزمان ألف مئات الكتب والرسائل كالسيوطي، فقد قيل إن مؤلفاته زادت على مائة وخمسين وهكذا. . .
كما يشير الى أن الكثير من هذه المؤلفات قد استولى عليها العثمانيون عندما فتحوا مصر في سنة ٩٢٣ هـ / ١٥١٦ م وأزالوا حكم المماليك عن البلاد (٣).
على أن عددا من هذه البقية الباقية من المؤلفات، التي حفظت من عبث العثمانيين
стр. 40
موجودة الآن في دور الكتب بالقاهرة وغيرها والقسم الأكبر منها ما يزال مخطوطا، وهو بحاجة الى النشر ونفض غبار النسيان عنه (١).
وبعد، فهذا هو ما كان عليه الوضع العلمي والأدبي من نشاط وازدهار في العصر المملوكي وهو العصر الذي نشأ فيه مؤرخنا ابن دقماق وعاصر فيه العديد من المؤرخين والأدباء البارزين، كما أشرنا اليه سابقا. ولا بد من التنويه هنا بحكام المماليك الذين لولا سياستهم المنفتحة على العلم وتشجيعهم للعلماء لكان الوضع مختلفا تماما عما هو عليه الحال من ازدهار للحركة العلمية والأدبية في تلك الحقبة.
стр. 41
-[بداية نص ابن دقماق]-
(٢ أ) وفيها (١) مات عبد السلام بن عبد الرحمن ابن الشيخ العارف، عبد السلام بن عبد الرحمن بن أبي الرجال، محمد بن عبد الرحمن اللخمي الافريقي الاشبيلي المعروف بابن برجان (٢)، وهو محقق أخذ اللغة العربية عن أبي إسحاق بن ملكون ولازمه كثيرا، وكان من أحفظ أهل زمانه للّغة، صدوقا ثقة، وله رد على أبي الحسن ابن سيده (٣).
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وستمائة
وفيها ابتدأ السلطان الملك الكامل في حفر البحر (٤) الذي بين المقياس (٥) و [بر] (٦) مصر واستعمل فيه الملوك والأمراء والجند وعمل هو فيه بنفسه، فلمّا فرغ صار في زمن احتراق النيل طريقا الى الروضة والى المقياس، يسلكوه الناس مشاة من الروضة الى الجيزة في المراكب. وصار في زمن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، بضدّ ذلك، ثم رجع في أيام السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون لعادته الأولى، وهو الآن على ما كان عليه أولا. وكان الكامل قد قسّط حفره على الدور بمصر والقاهرة والروضة، والقياس
стр. 42
بالقصبة الحاكمية (١)، وأقام العمل فيه من مستهل شعبان وإلى آخر شوّال من هذه السنة.
وفيها توجه السلطان جلال الدين خوارزم شاه، وجمع جيشا والتقى عساكر التتار، فكسروه كسرة فاحشة، فهرب إلى آمد (٢) فلم يمكّنوه من الدخول إليها، وعساكر التتار خلفه يقتلون في جماعته فساق الى بلاد ميّافارقين (٣)، (٢ ب) والتجأ الى قرية من أعمالها بمفرده، فحضر جماعة عرفوه، وكان قد قتل منهم جماعة، فاتفقوا على قتله، فقتلوه (٤) وأخذوا قماشه الذي كان عليه وفرسه. ثم بعد أيّام أرادوا بيع قماشه فعرف ذلك عليهم في مدينة ميّافارقين، فأنكر عليهم الوالي ومسكهم، وأحضرهم الى الملك المظفر شهاب الدين غازي [بن الملك العادل] (٥) فأمر أن يقررهم، فأنكروا قتله، ثم اعترفوا بقتله، وأن هذا قماشه. فأمر السلطان شهاب الدين بشنقهم وأحضر أكابر القرية وأهل القرية جميعهم فقتل الجميع، وأمر بخراب القرية وجعلها دكا، وقال: هؤلاء تطاولوا لقتل مثل هذا الملك العظيم والله لو أحضروه عندي حيا أعطيتم القرية ملكا.
[الوفيات]
وفيها مات الأمير شجاع الدين جلدك التقوى (٦)، مملوك تقي الدين عمر، صاحب حماه، سمع من الحافظ السلفي (٧)، وحدّت عنه وعن مولاه تقي الدين عمر بن شاهنشاه ابن أيوب بشيء من شعره، وولي ثغر الاسكندرية ودمياط، وولي شدّ (٨) الدواوين. وكان كثير الاحسان للعلماء، وحضر مواقف كثيرة في الجهاد، وكان يكتب القرآن بخطه في كل بلد يتولاّه. كتب بخطه أربعا وعشرين ختمة، وكان يعرف كتاب الصحيح، وعمّر قريب ثمانين
стр. 43
سنة ومات في ثامن عشرى شعبان بالقاهرة وله شعره، فمنه قوله: [السريع]
هذا قريضي حين حرّرته ... علمت أني لست من أهله
كتبته لا لغرامي به ... لكن عسى أذكر من أجله
(٣ أ) روى عنه المولى بهاء الدين زهير (١) في غلام يتعلم الهندسة: [الطويل]
وذي هيئة يزهى (٢) بوجه مهندس ... أموت به في كل يوم وأبعث
محيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأن به إقليدسا يتحدّث
فعارضه خط استواء وخاله ... به نقطة والصّدغ شكل مثلث
وتنسب هذه الأبيات الى أبي العلوي (٣) المصري والله أعلم.
وفيها مات الملك الأمجد بهرام شاه (٤) بن فروخ شاه ابن شاهنشاه ابن أيوب، ابن شادي بن مروان صاحب بعلبك. كان فيه فضل وأدب، أخذ الملك الأشرف موسى ابن العادل منه بعلبك، فانتقل الى دمشق فأقام بها مدة قليلة، وقتله مملوكه في داره ليلة الاربعاء ثامن عشر شوّال من هذه السنة. له ديوان شعر ملكته في مجلدة الغالب عليه الجودة. ولما مات رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: [المديد]
كنت من ذنبي على وجل ... زال عنّي ذلك الوجل
أمنت نفسي بوائقها ... عشت لما متّ يا رجل
وذكر شهاب الدين القوصي في معجمه، فقال: أنشدني الأمجد لنفسه: [البسيط]
طوبى لقيّمنا أحنى على قمر ... يجلو براحته عن وجهه الكلفا
стр. 44
أو درّة (١) كمنت في خدرها فغدا ... يفضّ باللطف عن أنوارها الصّدفا
وله: [الطويل]
(٣ ب) طلبت (٢) بماء في إنا فجاءني ... غلام بها صرفا فأوسعته زجرا
فقال هو (٣) الماء القراح وإنّما ... تجلّى لها خدّي فأوهمك الخمرا
وفيها مات أبو الحسن يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزّواوي (٤)، الملقب زين الدين النحوي الحنفي. كان أحد أئمة عصره في النحو واللغة. سكن دمشق زمانا طويلا، واشتغل عليه خلق كثير، وصنف تصانيف مفيدة، ثم دخل الى مصر وتصدر لإقراء الأدب، ومات في سلخ ذي القعدة من هذه السنة.
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وستمائة
فيها استولوا (٥) التتار على خلاط (٦) واقليم أرمينية، وعلى جميع ما كان بيد السلطان جلال الدين خوارزم شاه من الأقاليم (٧).
وفيها دخل السلطان الملك الأشرف موسى الى الديار المصرية الى خدمة أخيه الكامل، وأخبر الكامل أن آمد وحصن كيفا (٨) خاليين (٩) من العساكر، وأن صاحبهم مشتغل باللعب واللهو والطرب والأكل والشرب [والنكاح] (١٠)، وسأل أخاه الكامل في الخروج اليها،
стр. 45
فتجهز السلطان الملك الكامل للخروج، وخرج (١) في شهر جمادى الآخره.
فلمّا بلغ السلطان الملك المسعود ابن الصالح ابن ارتق، أن السلطان الملك الكامل خرج لقصد بلاده، جهز تقادم صحبة وزيره شرف العلا، الى الملك الكامل، ليستعطف قلبه عليه ويسأله العفو عنه، ويدبر أمره عند السلطان. فلما وصل شرف العلا إلى السلطان، عمل بضدّ ما قاله أستاذه (٤ أ) وقال جميع ما غير خاطر السلطان الملك الكامل على أستاذه، وذكر سوء سيرة صاحبه، وزاد فيما قال، لقاه الله تعالى. فحنق السلطان عليه وقوى طمع السلطان في أخذها، وسار السلطان ونزل عليها في أواخر ذي الحجة من هذه السنة ولم يزحف عليها.
[الوفيات]
وفيها مات القاضي تاج الدين عبد الرحمن بن عبد المحسن ابن الخطيب، أبي الفضل، عبد الله بن أحمد الطوسي (٢)، ثم الموصلي، خطيب الموصل وابن خطيبها. كان ورعا صالحا متواضعا شاعرا، توفي في هذه السنة وقيل في سنة ست ومن شعره: [مجزوء الكامل]
ما لاح مقلة ناظريه ... [م] لناظر إلا وشامه
للصبح يشبه والظلام ... [م] إذا بدا خدا وشامه
فلقت محاسنه الحسان ... [م] عراقة فينا وشامه
يا ليته (٣) مثلي يقول ... [م] لمن إليه بي وشى مه
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي (٤): «شعر جيد صنع».
ثم دخلت سنة ثلاثين وستمائة للهجرة
فيها ابتدأ السلطان الملك الكامل في أول يوم من محرّمها بالزحف على مدينة آمد ولم يزل عليها حتى ملكها، واستولى على ما بها من الحواصل والذخائر وقبض على صاحبها الملك
стр. 46
المسعود [ابن ارتق] (١)، واعتقله الى أن سلم له جميع الحصون التي كانت بيده، ومن جملتهم حصن كيفا، وقيل أنه علقه تحت حصن كيفا (٤ ب) بعد العقوبة القوية، واستولى على جميع أعماله (٢).
وفيها رتب السلطان الملك الكامل المظفر [بن] (٣) شمس الملوك، شهاب الدين غازي [بن الملك العادل] (٤)، نائب السلطنة بآمد، ومعين الدين ابن الشيخ، وزيره بتلك الأعمال، والطواشى (٥) شمس الدين صواب، متولي تدبير المملكة (٦)
وفيها أنعم السلطان الملك الكامل على ولده الملك الصالح، نجم الدين أيوب بحصن كيفا وأعمالها، وأخلع (٧) عليه وسيّره إليها، ثم أن السلطان رحل بعساكره ورجع الى الديار المصرية وصحبته الملك المسعود تحت الحوطة، فلمّا دخل السلطان إلى الديار المصرية، أفرج عنه وأحسن إليه وأعطاه إمرة كبيرة بالديار المصرية.
[الوفيات]
وفيها كانت وفاة السلطان مظفر الدين كيكبوري (٨) ابن زين الدين، صاحب إربل (٩)
стр. 47
في شهر رمضان، وبعد وفاته استولى نواب خليفة بغداد على إربل وصارت مضافة لمملكة بغداد. وكان مظفر الدين المذكور ملكا كريما، رحيما، كثير الخير والبر والصدقة، وكان ينزل بنفسه الى البيمارستان ويتفقد المرضى.
وفيها مات الشيخ الإمام العلامة أبو الحسن علي ابن أبي الكرم، محمد بن عبد الكريم ابن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير (١) الجزري، الملقّب عز الدين. مولده بالجزيرة (٢)، ونشأ بها، ثم سار الى الموصل مع والده واخوته وسكن الموصل، وسمع بها من أبي الفضل عبد الله بن أحمد الخطيب الطوسي ومن طبقته، وقدم بغداد مرارا (٥ أ) حاجا ورسولا من صاحب الموصل، وسمع بها من الشيخين أبي القاسم يعيش ابن صدقة، الفقيه الشافعي، وأبي أحمد بن عبد الوهاب الصوفي، وغيرهما، ثم رحل الى الشام والقدس وسمع هناك من جماعة، ثم عاد الى الموصل ولزم بيته منقطعا الى التوفر على النظر في العلم والتصنيف. وكان بيته يجمع مجمع الفضل لأهل الموصل والواردين عليها وكان إماما في حفظ الحديث ومعرفة ما يتعلق به، وحافظا للتواريخ المتقدمة والمتأخرة، وخبيرا بأنساب العرب وأخبارهم وأيامهم ووقائعهم. صنف في التاريخ كتابا كبيرا سماه «الكامل» ابتدأ فيه من أول الزمان الى سنة ثمان وعشرين وستمائة، وهو من خيار التواريخ.
واختصر كتاب الأنساب (٣) لأبي سعد عبد الكريم ابن السمعاني، واستدرك عليه فيه مواضع، ونبه على أغاليط، وزاد أشياء أهملها، وهو كتاب مفيد جدا، وأكثر ما يوجد اليوم بأيدي الناس هذا المختصر، وهو في ثلاثة مجلدات، والأصل في ثمانية، وهو عزيز الوجود.
قال الشيخ شمس الدين ابن خلكان (٤): «ولم أره إلا مرة واحدة، بمدينة حلب ولم يصل الى الديار المصرية إلا المختصر المذكور». وكانت ولادته في رابع جمادى الأول سنة خمس
стр. 48
وخمسين وخمسمائة بجزيرة ابني عمر (١)، وهم من أهلها، ومات في شعبان بالموصل رحمه الله تعالى.
وفيها مات أبو الرضىّ عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن ياسين ابن أبي البركات، سبط (٥ ب) أبي القاسم يحيى بن علي بن فضلان (٢). قرأ الفقه على جده، ثم سافر الى الموصل، وقرأ على أبي حامد بن يونس، وأقام عنده مدّة، وحصل طرفا صالحا من المذهب والخلاف فصار حسن المناظرة وعاد الى بغداد، وتولى الاعادة بالمدرسة النظامية، وولي النظر بديوان الزمام وعزل ثم رتب ناظر الوقف العام مدّة، ولم يزل كذلك الى أن مات.
وفيها مات أبو المحاسن، شرف الدين محمد بن نصر الله بن الحسين بن عنين (٣) الأنصاري الكوفي الأصل، الدمشقي المولد، الشاعر المشهور، كان خاتمة الشعراء لم يكن في عصره مثله، ولم يكن شعره مع جودته مقصورا على معنى واحد. وكان غزير المادة من الأدب مطلعا على معظم أشعار العرب، وكان مولعا بالهجاء وثلب أعراض الناس، وله قصيدة طويلة جمع فيها خلقا من رؤساء الناس من أهل دمشق سمّاها: «مقراض الأعراض».
وكان السلطان صلاح الدين قد نفاه من دمشق بسبب وقوعه في الناس، فلمّا خرج منها عمل قوله: [الكامل]
فعلام أبعدتم أخا ثقة ... لم يجترم ذنبا ولا سرقا
إنفوا المؤذّن من بلادكم ... إن كان ينفى كلّ من صدقا
وطاف البلاد من الشام والعراق، والجزيرة، وأذربيجان، وخراسان، وغزنة (٤)،
стр. 49
وخوارزم (١)، وماوراء النهر، ثم الهند واليمن، وملكها يومئذ، سيف الإسلام، طغتكين ابن أيوب، أخو السلطان صلاح الدين، وأقام (٦ أ) بها مدّة، ثم رجع الى الحجاز والى الديار المصرية، ثم عاد الى الشام، واستوطن دمشق، وكان يتردد منها الى البلاد، ويعود اليها.
وكتب من بلاد الهند الى أخيه وهو بدمشق هذين البيتين والثاني منهما لأبي العلاء المعرّي، استعمله مضمنا، فكان أحق به، وهما: [الكامل]
سامحت كتبك في القطيعة عالما ... أن الصحيفة لم تجد (٢) من حامل (٣)
وعذرت طيفك في الجفاء لأنه ... يسرى فيصبح دوننا بمراحل
لله دره فما أحسن ما وقع له هذا التضمين. وكان له في عمل الألغاز وحلّها اليد الطولى، ولم يكن له غرض في جمع شعره، فلذلك لم يدوّنه، فهو يوجد مقاطيع في أيدي الناس، وقد جمع له بعض أهل دمشق ديوانا صغيرا لا يبلغ عشر ما له من النظم، ومع هذا ففيه أشياء ليست له.
وكان من أظرف الناس وأخفّهم [روحا] (٤) وأحسنهم مجونا، وله بيت عجيب من جملة قصيدة [يذكر فيها أسفاره ويصف توجهه الى جهة الشرق] (٥) وهو: [الطويل]
أشقّق قلب الشرق حتى كأنني ... أفتّش في سودائه (٦) عن سنا الفجر
وله: [البسيط] (٧)
стр. 50
الله يعلم ما حلّلت من دمها ... وسفكه مستحلا بعدما (١) حرما
لكن رأيت ذوي الجاهات تشربها (٢) ... سرا وتتعب (٣) في تحصيلها العلما
وله: (٤)
لم أخّرتني وقدّمت غيري ... أنا حال وغيري استفهام
(٦ ب) وله: [الكامل] (٥)
حاشا (٦) لمجدك ان الوذ بظلّه ... وأكون في أتباعه صلة لما
وله: [الوافر] (٧)
كأنك (٨) في الزمان اسم صحيح ... جرى (٩) فتحكّمت فيه العوامل
وله في الغزل: [الطويل]
وأهيف يحكي الغصن لين قوامه ... وتغرق في ماء النعيم غلايله
إذا ما بدا من شعره في ذوايب ... رأيت غزالا لم ترعه حبايله
وبالجملة فمحاسن شعره كثيرة، وكان وافر الحرمة عند الملوك، وتولى الوزارة بدمشق في آخر دولة الملك المعظم، ومدة ولاية الملك الناصر ابن المعظم، وانفصل منها لما ملك
стр. 51
دمشق، الملك الأشرف، وأقام في بيته، ولم يباشر بعدها خدمة.
وكانت ولادته بدمشق يوم الإثنين تاسع شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة. ومات عشية نهار الإثنين العشرين من ربيع الأول من هذه السنة بدمشق، ودفن من الغد بمسجده الذي أنشأه بأرض المزة، وله يتغزل في بيطار: [الكامل]
لله بيطار بحمص مارنا ... إلا وسلّت مقلتاه مخذما
أحنى على سرد (١) النعال فخلته ... بدرا يصوغ من الأهلّة أنجما
وله في الصاحب بن شكر (٢): [الخفيف]
(٧ أ) فعل إحسانه بغير قياس ... لازم وهو عامل (٣) يتعدّى
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وستمائة
فيها اجتمع الملك الأشرف موسى بأخيه الملك الكامل محمد، وكان الأشرف قد عاين ملك الروم، فرغب الملك الكامل في التوجه لأخذه، فصغى (٤) السلطان الكامل الى قوله وتجهز وخرج في شهور هذه السنة (٥). فلما وصل إلى دمشق، وكان قد أرسل الى ملوك الشام والشرق بتجهزهم، فاجتمعوا على دمشق، فلما تكاملوا، رحل السلطان بمن معه من عساكر مصر والشام وغيرهم فعبر الفرات ونزل الجانب الشرقي من عند قلعة البيرة (٦)، واجتمعوا (٧) الملوك من بني أيوب الى خدمته. وكان عدة الملوك الذين حضروا الى خدمته ثمانية عشر
стр. 52
ملكا (١) بعساكرهم ودهاليزهم (٢)، فأعرضهم الملك الكامل، فأعجبه ما رأى منهم وعزت نفسه، وبعد ذلك قعد السلطان مع جماعة من خواصه فقال: إن ملك الروم إن صار لنا وملكناه، عوضنا ملوك الشام والشرق عما بأيديهم وأقطعناهم الروم وجعلت الشام والشرق مضافا الى ملك مصر.
فلما قال ذلك، اتصل الخبر الى ملوك الشام، فأول من ابتدأ بالنفور كان الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، صاحب حمص، فإنه ركب وتوجه الى السلطان الأشرف موسى، صاحب دمشق، واجتمع به وعرفه ما قاله السلطان الملك الكامل، عند ذلك سير (٧ ب) الأشرف وأحضر اليه بني عمه وأهله وأقاربه ملوك الشام والشرق، فلمّا اجتمعوا أخبرهم الخبر، فقالوا كيف نفارق أماكن ولدنا فيها وأباؤنا وأجدادونا (٣) ونجيء الى ملك الروم.
فاتفقوا وكتبوا كتب (٤) الى عند السلطان علاء الدين كيقباذ ابن كيخسرو ملك الروم، فوقعت الكتب في يد السلطان الملك الكامل، عند ذلك رحل من مكانه وخرج من الدربند (٥) وعاد إلى إقليم السويداء (٦) من بلاد الشرق وخيم عليها.
وفيها كان السلطان الملك الكامل قبل دخوله الى الدربند، جهّز الملك المظفّر صاحب حماه، والطواشي شمس الدين صواب، وجماعة من الأمراء والعساكر الى خرتبرت (٧) ليملكوها (٨) ويدخلوا منها إلى بلاد الروم، وكان بخرتبرت عساكر كثيرة من عساكر الروم
стр. 53
فالتقوهم (١) العساكر المصرية والشامية فكسروهم (٢) واستأسروا منهم خلق كثير، وجهّزهم الملك المظفر والطواشي صواب الى عند السلطان الملك الكامل، ثم ردّت عساكر الروم على عساكر الشام والشرق، فانكسروا واستأسروا الملك المظفر والطواشي صواب وحملوهم عند السلطان علاء الدين صاحب الروم، فعند قدومهم عليه أخلع عليهم وأطلقهم جميعا وأعطاهم خيولا (٣) وجميع ما عدم لهم رده عليهم. فلمّا بلغ السلطان الملك الكامل كسر عساكره وما جرى (٤) على أمرائه (٥)، تزايد حنقه على الملوك أهله، وتغيّر خاطره وزادت الوحشة، عند ذلك رحل الى الديار المصرية، فلمّا وصل اليها مسك المسعود صاحب آمد واعتقله [بحكم انه من جملة من كاتب الروم] (٦).
[الوفيات]
وفيها مات أبو أحمد عبد الحق بن عبد الله بن عبد الحق الأنصاري (٧) (٨ أ) المغربي المهدوي، قاضي الجماعة بمراكش وبإشبيلية. كان أولا ولي قضاء غرناطة وامتحن في قضاء مراكش بالفتنة، قال ابن الآبار: كان من العلماء المتفنين، فقيها مالكيا حافظا للمذهب، نظارا بصيرا بالأحكام، صليبا في الحق مهيبا معظما، وله كتاب في الرد على أبي محمد بن حزم، دلّ على فضله وعلمه وأفاد بوضعه. قال صلاح الدين الصفدي (٨): ولا أعلم له رواية.
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وستمائة
فيها جهّز صاحب الروم جيشا كبيرا الى حرّان (٩) والى الرّها (١٠)، فنازلوهما وملكوهما بعد
стр. 54
الحصار الشديد، واستولوا على كل ما بهما من الأموال والخزائن، وخلوا بهما عساكر تحفظهما من عساكر الشام، فلمّا بلغ ذلك السلطان الملك الكامل تجهز بعساكره وخرج الى الشرق (١).
[الوفيات]
وفيها مات عمر بن محمد بن عمّويه (٢)، واسمه عبد الله أبو حفص البكري، الملقب شهاب الدين السهروردي الصوفي وقد تقدم نسبه الى أبي بكر الصديق ﵁، في ترجمة الشيخ أبا (٣) نجيب السهروردي، فأغنى عن إعادته. كان المذكور شافعي المذهب، شيخا صالحا، ورعا، كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة تخرج عليه خلق كثير من الصوفية، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله. صحب عمه أبا النجيب (٤) وعنه أخذ التصوف والوعظ والشيخ عبد القادر الجيلي، وانحدر الى البصرة الى الشيخ أبي محمد ابن عبدون (٥) وغيرهم من الشيوخ، وحصل طرفا صالحا من الفقه والخلاف، (٨ ب) وفن الأدب وعقد [مجلس] (٦) الوعظ سنين وكان شيخ الشيوخ ببغداد، وكان له مجلس وعظ وعلى وعظه قبول كثير، وله نفس مبارك.
حكى بعض من حضر مجلسه أنه أنشد يوما وهو على الكرسي: [الكامل]
لا تسقني وحدي فما عوّدتني ... أني أشحّ بها على جلاسي
أنت الكريم ولا يليق تكرّما ... أن يعبر الندماء دون الكاسي
فتواجد الناس لذلك وقطعت شعور كثيرة، وتاب جمع كثير، وله تواليف حسنة منها
стр. 55
كتاب «عوارف المعارف» وهو أشهرها، وله شعر فمنه قوله:
[مخلّع البسيط]
تصرّمت وحشة الليالي ... وأقبلت دولة الوصال
وصار بالوصل لي حبيب (١) ... من كان في هجركم رثى لي
وحقّكم بعد إن حصلتم ... بكل ما فات لا أبالي
عليّ ما في الورى (٢) حرام ... وحبكم في الحشا حلالي
تشربت أعظمي هواكم ... فما لغير الهوى ومالي
أحييتموني وكنت ميتا ... وبعتموني بغير غالي
تقاصرت دونكم (٣) قلوب ... فيا له موردا حلالي
فما على عادم أجاجا (٤) ... وعنده أعين الزلال
وكان قد وصل رسولا إلى إربل من جهة الديوان العزيز (٥) وعقد بها مجلس (٦) (٩ أ) وعظ وكان كثير الحج وربما جاور (٧) في بعض حججه، وكان أرباب الطريق من مشايخ عصره يكتبون إليه من البلاد صورة فتاوى يسألونه عن شيء من أحوالهم، سمعت أن بعضهم كتب إليه «يا سيدي إن تركت العمل أخلدت الى البطالة، وإن عملت داخلني العجب، فأيهما أولى؟» فكتب جوابه: «اعمل واستغفر الله تعالى من العجب». وله من هذا شيء كثير.
وكان صحب عمه أبا النجيب زمانا وعليه تخرج، ومولده بسهرورد (٨) أواخر رجب أو أوائل شعبان والشك منه، سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، ومات في مستهل المحرم من هذه
стр. 56
السنة ببغداد، ودفن من الغد بالوردية رحمه الله تعالى.
وفيها مات أبو يحيى عيسى بن سنجر بن بهرام ابن جبريل ابن خمارتكين ابن طاشتكين الإربلي، الملقب حسام الدين الشهير بالحاجري (١) الشاعر هو جندي ومن أولاد الأجناد وله ديوان شعر صغير ملكته ويغلب على شعره الرقة، وهو مشتمل على الشعر والدوبيت (٢) والمواليا (٣)، وقد أحسن في الجميع، وله أيضا «كان وكان» (٤)، واتفقت له فيه مقاصد حسان، فمن شعره، وهو معنى جيد:
[الكامل] ما زال يحلف لي بكل أليّة ... أن لا يزال مدى الزمان مصاحبي
لما جفا نزل العذار بخده ... فتعجبوا لسواد وجه الكاذب
وله دو بيت:
(٩ ب) حيّا وسقى الحمى سحاب هامي ... ما كان ألذ عامه من عام
يا علوه ما ذكرت أيامكم ... إلا وتظلّمت على الأيام
وله: [مجزوء الخفيف]
لك خال من فوق عر ... ش شقيق قد استوى
بعث الصّدغ مرسلا ... يأمر الناس بالهوى
стр. 57
وله، وكان بينه وبين أحد الأعيان (١) مودة، فكتب إليه من الموصل في صدر كتاب، وكان صاحبه بإربل: [البسيط]
الله أعلم (٢) ما أبقى سوى رمق ... منّي فراقك يا من قربه الأمل
فابعث كتابك واستودعه تعزية ... فربما متّ شوقا قبل ما (٣) يصل
وكان قد أصابته محنة، وحبس في قلعة إربل لأمر يطول شرحه، وله في ذلك أشعار فمنها قوله من أبيات أولها: [الكامل]
قيد أكابده وسجن ضيق ... يا ربّ (٤) شاب من الهموم المفرق
ومنها: [الكامل]
يا برق إن جئت الديار بإربل ... وعلا (٥) عليك من التداني رونق
بلّغ تحيّة نازح حسراته ... أبدا بأذيال الصّبا تتعلّق
قل يا جعلت لك الفداء أسيركم ... من كل مشتاق إليكم أشوق
والله ما سرت الصّبا بخديه ... إلا وكدت بدمع عيني أغرق
[البسيط]
(١٠ أ) ما ألفت بين طرفي والسهاد سوى ... تلك المهى النافرات الجوذريات
وبارق لاح نحو الجزع هيّج لي ... بالرقمتين صبابات قديمات
يا برق أنت قديم العهد من إضم ... قف بث لي خبرا حييت من آتي
سقى الحمى ودهورا بالحمى سلفت ... سحب الغمام سكوبات مطيرات
ملاعبا كان فيها الدهر يجمعنا ... وموسما فات في أهنى اللذاذات
من لي بذاك الزمان الحاجري فوا ... لهفي وتلك الليالي الكافليّات
ويا زمان عشيّات الحمى قسما ... الا أعدت لنا تلك العشيّات
стр. 58
وقال: [مجزوء الرمل]
لمع البرق اليماني ... فشجاني ما شجاني
ذكر دهر وزمان ... بالحمى أيّ زمان
يا وميض البرق هل تر ... جع أيام التداني
وترى يجتمع الشم ... ـل وأحظى بالأماني
هذه أطلال سعدى ... والحمى والعلمان
حيث مجرى اللهو رحب ... والهوى طلق العنان
والأماني في أمان ... من صروف الحدثان
ذهبت تلك البشاشا ... ت مع الغيد الحسان
وأمرّ العيش عيش ... ذاهب بالبعد فان
(١٠ ب) من لمأسور طليق ... ¦ م ¦ الدمع مرعوب الجنان
دايم الحزن فريد ... بأعالي حفتيان
حكمت فينا بما تختار ¦ م ¦ أولاد الرّواني
كلما قلت نقضّي ... حادثا أقبل ثاني
وله مواليا:
ظبي بدا يوم جرعاء الحمى راشق ... حشاشتي كيف لا أبدو له عاشق
للسبع في كفله شبعه وللواشق ... فصله وخصريه ما فيها غدا باشق
وقال:
جاوزت في الحسن يا كلّ المنا جدّك ... وقد تعجبت ¦ ايش ¦ عشق هيف قدّك
حاجبك ناظرك سالفك النقي خدّك ... كلّك مليح حلو عندي سوى صدّك
وفيها مات الملك الزاهر أبو سليمان مجير الدين داود (١) بن السلطان صلاح الدين يوسف
стр. 59
ابن أيوب، كان المذكور صاحب قلعة البيرة التي على شاطئ الفرات، كان يحب العلماء وأهل الأدب ويقصدونه من البلاد.
ولما ولد بالقاهرة كان والده بالشام وكان هو الثاني عشر من أولاد أبيه، فكتب القاضي الفاضل الى السلطان صلاح الدين يبشره بمولده، ومن جملة ما كتب إليه (١): وهذا الولد المبارك هو الموفّى لأثني عشر ولدا بل لاثني عشر نجما متقدا، فقد زاد الله في أنجمه على أنجم يوسف نجما، ورآهم (٢) المولى (١١ أ) يقظة ورأى تلك الأنجم حلما ورآهم المولى ساجدين له ورأينا الخلق لهم سجودا وهو تعالى قادر على أن يزيد جدود المولى إلى أن يراهم آباء وجدودا.
قال الشيخ شمس الدين ابن خلكان (٣) وقد ألّم القاضي في آخر الكلام بقول البحتري (٤) في مدح الخليفة المتوكل على الله وقد ولد له المعتز من جملة قصيدة (٥): [الكامل]
وبقيت حتّى تستضيء برأيه ... وترى (٦) الكهول الشّيب من أولاده
وحكي عنه أنه كان يقول: من أراد أن يبصر صلاح الدين فليبصرني، أنا أشبه أولاده به. وكانت ولادته لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وهو شقيق الملك الظاهر غازي المقدم ذكره، وتوفى في ليلة التاسع من صفر من هذه السنة، فتوجه الملك العزيز ابن الظاهر، صاحب حلب الى القلعة وملكها رحمهم الله تعالى.
وفيها مات شهاب الدين أبو العباس عبد السلام ابن المطهّر ابن قاضي القضاة أبي سعد عبد الله بن أبي السري ابن هبة الله بن المطهّر ابن جماعة (٧)، وكان فقيها جليل القدر وافر
стр. 60
الديانة، ترسّل من حلب الى بغداد والى الأطراف، وانقطع في الآخر بمكانه في الجبل عند حمام النحاس بدمشق، وكان منهمكا في التمتع كان له أكثر من عشرين سريّة (١) حتى فنيت أعضاؤه وتولّدت عليه أمراض رحمه الله تعالى.
وفيها مات الشيخ الصالح الورع (١١ ب) الزاهد المحقق شرف الدين أبو حفص وأبو القاسم عمر بن علي بن المرشد بن علي، الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة المعروف بابن الفارض (٢). وله ديوان شعر لطيف وأسلوبه فيه رائق ظريف ينحو فيه منحى طريقة الفقراء ومنهجهم (٣) وإشاراتهم وله القصيدة الجيمية على اصطلاحهم وما ألطف قوله:
[البسيط]
أهلا بما لم أكن أهلا لموقعه ... قول المبشر بعد اليأس بالفرج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت (٤) ثمّ على ما فيك من عوج
قلت والبيت الثاني له حكاية لطيفة تدل على حسن اعتقاده وعلوّ درجته، قيل لما حجّ الشيخ شهاب الدين السهروردي، شيخ الصوفية المقدّم ذكره، قدس الله روحه، في سنة ثمان وعشرين وستمائة وكانت وقفة الجمعة، حج معه خلق كثير من أهل العراق، فلمّا رأى كثرة ازدحام الناس عليه في الطواف بالبيت والوقوف بعرفة واقتدائهم بأقواله وأفعاله فقال في سره: هل أنا عند الله كما يظن هؤلاء القوم فيّ ويا ترى هل ذكرت في حضرة الحبيب في هذا اليوم؟ فظهر له الشيخ شرف الدين [ابن الفارض] (٥)، وقال له يا سهروردي:
[البسيط]
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثمّ على ما فيك من عوج
стр. 61
فصرخ الشيخ شهاب الدين، وخلع كلّ ما كان عليه. وطلب الشيخ فلم يجده، فقال الشيخ شهاب الدين: هذا إخبار من كان في الحضرة، ثم اجتمعا بعد ذلك في الحرم الشريف وأعتنقا وتحدثا سرا زمانا طويلا. قال على سبط الشيخ، [قال كمال الدين ابن الشيخ] (١) (١٢ أ) شرف الدين: واستأذن (٢) والدي أن يلبسني ويلبس أخي عبد الرحمن خرقة الصوفية على طريقته، فأذن له. قال الشيخ شرف الدين كنت في أول تجريدي (٣) أستأذن والدي وأطلع إلى وادي المستضعفين بالجبل الثاني من المقطّم وآوي فيه وأقيم به ليلا ونهارا، ثم أجيء الى والدي لأجل برّه ومراعاة قلبه، وكان والدي يومئذ خليفة الحكم العزيز (٤) بالقاهرة ومصر المحروستين، وكان من أكابر أهل العلم والعمل، فيجد سرورا برجوعي اليه ويلزمني بالجلوس معه في مجالس الحكم ومدارس العلم، ثم أشتاق الى التجريد واستأذنه وأعود الى السياحة (٥)، وما برحت أفعل ذلك مرة بعد مرة إلى أن سئل (٦) والدي أن يكون قاضي القضاة فامتنع ونزل عن الحكم واعتزل الناس وانقطع الى الله تعالى في جامع الأزهر الى أن مات رحمه الله تعالى، فعاودت التجريد والسياحة وسلوك طريق الحقيقة فلم يفتح عليّ بشيء، فحضرت يوما من السياحة الى المدينة (٧) ودخلت المدرسة السيوفية (٨)، فوجدت رجلا شيخا بقالا على باب المدرسة يتوضأ وضوءا غير مرتب، غسل يديه ثم غسل رجليه، ثم مسح رأسه (٩)، ثم غسل وجهه، فقلت له: يا شيخ أنت تتوضأ وضوءا خارجا عن الترتيب الشرعي، وأنت في هذا السن في دار الاسلام على باب المدرسة بين فقهاء المسلمين، فنظر إليّ وقال: أنت يا عمر
стр. 62
ما يفتح عليك في مصر، وإنما يفتح عليك في مكة (١٢ ب) فاقصدها فقد آن لك وقت الفتح. فعلمت أنّ الرجل من أولياء الله تعالى، وأنه يتستر بالمعيشة واظهار الجهل بترتيب الوضوء فجلست بين يديه وقلت له: يا سيدي وأين أنا وأين مكة ولا أجد ركبا ولا رفقة في غير أشهر الحج؟ فنظر إليّ وأشار [بيده] (١) وقال: هذه مكة أمامك، فنظرت معه فرأيت مكة - شرفها الله تعالى - فطلبتها، وتركته، فلم تبرح أمامي إلى أن دخلتها في ذلك الوقت، وجاءني الفتح حين دخلتها وترادف (٢) ولم ينقطع. قلت (٣) والى هذا أشار ﵀ في قصيدته الدالية (٤) بقوله: [الخفيف]
يا سميري (٥) روّح بمكّة روحي ... شاديا إن رغبت من إسعادي
كان فيها أنسي ومعراج قدسي ... ومقامي المقام والفتح بادي
قال: ثم شرعت (٦) في السياحة في أوديتها وجبالها، وكنت أستأنس فيها بالوحوش ليلا ونهارا، قلت (٧) والى هذا أشار ﵁ بقوله في القصيدة التائية (٨): [الطويل]
وجنبني حبيك وصل معاشري ... وحببنّي ما عشت قطع عشيرتي
وأبعدني عن أربعي بعد أربع ... شبابي وعقلي وارتياحي وصحتي
فلي بعد أوطاني سكون الى الفلا ... وبالوحش أنسي إذ من الإنس وحشتي
قال: وأقمت بواد كان بينه وبين مكة عشرة أيام للراكب المجدّ، وكنت آتي منه كل يوم وليلة وأصلي في الحرم الشريف الصلوات الخمس، ومعي سبع عظيم الخلقة يصحبني في ذهابي وإيابي وينخّ لي كما ينخّ الجمل ويقول: يا سيدي (١٣ أ) اركب فما ركبته قط. ثم بعد
стр. 63
خمس (١) عشرة سنة سمعت الشيخ البقّال يناديني، يا عمر تعال الى القاهرة واحضر وفاتي، فأتيته مسرعا، فوجدته قد احتضر، فسلّمت عليه وسلم علي، وناولني دنانير ذهب وقال:
جهّزني بهذه وافعل كذا وكذا واعط (٢) حملة نعشي الى القرافة كل واحد دينارا واتركني على الأرض في هذه البقعة وأشار بيده إليها، فلم تزل بين عينيّ أنظر إليها، وهي بالقرافة تحت المسجد المعروف بالفارض بالقرب من مراكع موسى بسفح المقطّم. قال: وانتظر قدوم رجل يهبط إليك من الجبل، فصلّ انت وهو عليّ، وانتظر ما يفعل الله في أمري. ومات فجهّزته كما أشار وطرحته في البقعة المباركة كما أمرني، فهبط إليّ رجل من الجبل كما يهبط الطائر السريع، لم أره يمشي على رجليه، فعرفته بشخصه، كنت أراه يصفع قفاه في الأسواق، فقال: يا عمر تقدم فصل بنا على الشيخ، فتقدمت وصليت إماما، ورأيت طيورا خضرا وبيضا صفوفا بين السماء والأرض، يصلون معنا، ورأيت طائرا منهم أخضر عظيم الخلقة قد هبط عند رجليه وابتلعه وارتفع اليهم وطاروا جميعا ولهم زجل [عظيم] (٣) بالتسبيح إلى أن غابوا عنا [فسألته عن ذلك] (٤) فقال: يا عمر أما تعلم أنّ أرواح الشهداء في جوف طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، هم شهداء السيوف، وأما شهداء المحبة فكلهم أجسادهم وأرواحهم في جوف طيور خضر، وهذا الرجل منهم، وأنا كنت منهم، وإنما وقعت في هفوة، فطردت عنهم، فأنا أصفع قفاي في الأسواق ندما وتأديبا على تلك الهفوة.
(١٣ ب) ثم ارتفع الرجل الى الجبل كالطائر الى أن غاب عنّي، قلت (٥): وفي هذه البقعة المباركة دفن الشيخ حسب وصيته وضريحه بها معروف، وفي ذلك قال بعض الفضلاء (٦):
[الكامل]
لم يبق صيّب (٧) مزنة (٨) إلا وقد ... وجبت عليه زيارة ابن الفارض
لا غرو أن يسقى ثراه وقبره ... باق ليوم العرض تحت العارض (٩)
стр. 64
وكان الشيخ شرف الدين في غالب أوقاته لا يزال داهشا وبصره شاخصا لا يسمع من يكلّمه ولا يراه، فتارة يكون واقفا، وتارة يكون قاعدا، وتارة يكون مستلقيا على قفاه ومسجّى كما يسجّى الميت، وتمر عليه عشرة أيام متواصلة وأقل من ذلك وأكثر لا يأكل ولا يشرب ولا يتكلم ولا يتحرك، ثم يستفيق وينبعث من هذه الغيبة ويكون أول كلامه أنه يملي من القصيدة التائية «نظم السلوك» ما فتح الله عليه.
وكان قاضي القضاة تقي (١) الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز، لما قلد الوزارة أيام المنصور قلاوون (٢)، وقع في حق شيخ الشيوخ شمس (٣) الدين الأيكي، في مجلس حقل بالخانقاه الصلاحية وقال له: أنت تأمر الصوفية بالاشتغال «بنظم السلوك» قصيدة ابن الفارض، وهو يميل فيها الى الحلول (٤) وأهانه بالكلام، فدعا عليه وقال له: مثّل الله بك كما مثّلت بي، فعزل عقيب ذلك من الوزارة في أواخر الدولة المنصورية بسؤاله، ثم عزل من القضاء في الدولة الأشرفية (٥) وصودر ومثّل به وحبس مدة، ونسب الى سوء الاعتقاد والى أنه وقع في كلام يفسق به وشهد عليه بالزور (١٤ أ) في ذلك من لا خلاق له، وذلك لأجل غرض الصاحب ابن السلعوسي (٦)، وكان يرسل (٧) في الباطن إلى من يسعى في خلاصه من الأمراء ومشايخ الصوفية والفقراء، وكان إذا اشتد عليه الخناق يقول: اشتدى أزمة تنفرجي، فلمّا منّ الله تعالى عليه بالخلاص [من هذه النكبة] (٨) حضر (٩) الى عند الشيخ
стр. 65
سعد الدين الحارثي المحدث، وكان من أعز أصحابه، جعل يحمد الله ويشكره ويستغفره، فعرض له بذكر واقعته مع الشيخ شمس الدين الأيكي ووقوعه في حقه وحق الشيخ شرف الدين وكيف نسبهما الى الحلول وهما بريئان منه وقال: كيف يتصوّر أن الشيخ يميل في قصيدة نظم السلوك الى الحلول، وقد نزّه عقيدته بقوله فيها:
[الطويل]
وكيف (١) وباسم الحقّ ظل تخلّقي ... تكون أراجيف الضّلال مخيفتي
وها دحية وافى الأمين نبيّنا ... بصورته في بدء وحي النبوّة
أجبريل قل لي كان دحية إذ بدا ... لمهدى الهدى في صورة بشرية
وفي علمه عن حاضريه مزيّة ... بما هيّة المرئي عن غير مزية
يرى ملكا يوحى اليه وغيره ... يرى رجلا يدعى اليه بصحبة
ولي من أتمّ الرؤيتين اشارة ... تنزه عن رأى الحلول قصيدتي (٢)
وفي الذكر ذكر اللبس ليس بمنكر ... ولم اعد عن حكمي كتاب وسنة
فقال (٣): أنا أحب الناس في نظم الشيخ، وحفظت ديوانه وأنا شاب، وانتفعت بحفظه، وهذه الأبيات ما كأني قط سمعتها إلا في هذه الساعة، وقد زال (١٤ ب) الآن من ذهني ما كنت أعتقده من الشيخ في قصيدته من الحلول وأنا أستغفر الله تعالى مما جرى مني [من الكلام في حقه] (٤) وأنا تائب الى الله من الوقوع في حق أهل هذه الطريقة، فمنهم أصبت، وبالتوسل الى الله ببركاتهم سلمت. ثم فوض اليه القضاء، وما برح متوليه الى أن مات.
وأراد السلطان الملك الكامل زيارته (٥)، فنزل إليه الى الجامع الأزهر، وكان الشيخ مقيما بدار الخطابة، فخرج الشيخ من الباب الذي بظاهر الجامع هاربا ولم يجتمع بالسلطان.
وكان للشيخ [ابن الفارض] (٦) أربعينات متواصلة ¦ لا يأكل ولا يشرب ولا ينام (٧)، قال
стр. 66
الشيخ ابراهيم الجعبري (١) كنت في السياحة بجعبر (٢) أو قال بالفرات، وأنا أخاطب روحي [بروحي] (٣) فمر رجل كالبرق وهو يقول: [الطويل]
فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانينا ... ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي
فعلمت أن هذا نفس محب، فوثبت الى الرجل، وتمسكت به، وقلت له: من أين لك هذا النفس؟ فقال: هذا نفس أخي الشيخ شرف الدين ابن الفارض، فقلت وأين هذا الرجل؟ فقال كنت أجد نفسه من جانب الحجاز، وأنا الآن أجد نفسه من جانب مصر، وهو محتضر، وقد أمرت بالتوجه اليه، وأن أحضر انتقاله الى الله تعالى وأصلي عليه وها أنا ذاهب. فلما التفت [الرجل] (٤) الى جانب مصر التفت معه، فشممت أثر الرجل فتبعت أثر الرائحة الى أن دخلت عليه وهو محتضر، فقلت له السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال:
وعليك السلام يا ابراهيم، اجلس وأبشر، فأنت من أولياء الله تعالى، فقلت [له] (٥): يا سيدي هذه البشرى (١٥ أ) جاءتني من الله على لسانك وأريد [أن] (٦) أسمع منك دليلا يطمئن به قلبي، فان اسمي ابراهيم ولي من سر مقام الاسم الابراهيمي نصيب حين (٧) قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٨) فقال: نعم سألت الله تعالى أن يحضر وفاتي وانتقالي اليه جماعة من الأولياء، وقد أتى بك أوّلهم فأنت منهم. قال (٩) ثم رأيت الجنة وقد تمثلت له، فلمّا نظر إليها قال: آه وصرخ صرخة عظيمة مادا بها صوته، وصرخ صراخا عظيما [وبكى بكاء شديدا] (١٠) وقال: [البسيط]
إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد رأيت فقد ضيّعت أيامي
стр. 67
فقلت له: يا سيدي هذا مقام كريم، فقال: يا إبراهيم رابعة العدوية (١) تقول وهي امرأة: وعزتك ما عبدتك خوفا من نارك ولا شوقا (٢) الى جنتك، بل كرامة لوجهك الكريم ومحبة فيك وليس هذا المقام الذي كنت فيه أطلبه، وقضيت عمري في السلوك إليه. ثم بعد ذلك سكن قلقه وتبسم وسلّم علي وودّعني وقال: احضر وفاتي وتجهيزي مع الجماعة وصل عليّ معهم، واجلس عند قبري ثلاثة أيام بلياليهن وبعد ذلك توجه الى بلادك، ثم اشتغل عني بمخاطبة ومناجاة، فسمعت قائلا يقول [بين السماء والأرض] (٣) أسمع صوته ولا أرى شخصه: يا عمر فما تروم فقال:
أروم وقد طال المدى منك نظرة ... وكم من دماء دون مرماي طلت
ثم تهلل وجه وتبسم وقضى نحبه، فعلمت أنه قد أعطي مرامه، وكان عنده جماعه (١٥ ب) كثيرة من الأولياء، منهم من أعرفه ومنهم من لا أعرفه، ومنهم الرجل الذي كان سبب المعرفة به. وحضرت غسله وجنازته ولم أر في عمري جنازة أعظم منها، وازدحم الناس على حمل نعشه، ورأيت طيورا بيضا وخضرا ترفرف عليه، وصلينا عليه عند قبره، ولم يتجهّز حفره الى آخر النهار، والناس مجتمعون حوله وهم مختلفون فيه (٤)، فقال قوم: هذا تأديب في حقه، فإنه كان يدّعي في المحبة مقاما عظيما، وقال قوم: بل هذا آخر ما يلقى الولي من أعراض الدنيا، وكلهم محجوبون عن مشاهدة مقامه، إلا من شاء الله، وأنا أنظر بما فتح الله به عليّ من الكشف الى الروح المقدسة المحمّدية، عليها أفضل الصلاة والسلام والرحمة، وهي تصلي إماما وأرواح الأنبياء والملائكة والأولياء [من الإنس والجن] (٥) يصلّون عليه مع رسول الله ﷺ ، طائفة بعد طائفة، وأنا أصلي مع كل طائفة الى آخرهم، فتجهز القبر ودفن فيه وأقمت عنده ثلاثة أيام [بلياليهن] (٦) وأنا أشاهد من حاله ما لا يحتمل عقولكم شرحه.
стр. 68
وكانت وفاته بالقاهرة المحروسة بجامع الأزهر بقاعة الخطابة وذلك في ثاني جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن من الغد بالقرافة، بسفح الجبل المقطّم عند مجرى السيل (١) تحت العارض (٢)، ومولده بالقاهرة رابع ذي القعدة سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وكان الشيخ معتدل القامة جميل الوجه حسنه، مشرّبا بحمرة ظاهرة (١٦ أ) وكان إذا استمع وتواجد وغلب عليه الحال يزداد وجهه جمالا ونورا، وكان عليه خفرا (٣) وجلالة وهيبة، وكانت ثيابه حسنه (٤) ورائحته طيبة، وأما شعره فهو الغاية والنهاية، فمنه قصيدته الفائية (٥) وما أحسن قوله فيها: [الكامل]
لم أخل من حسد عيك فلا تضع ... سهري بتشنيع الخيال المرجف
واسأل نجوم الليل هل زار الكرى ... جفني وكيف يزور من لم يعرف
وما ألطف قوله منها:
وعلى تفنن واصفيه (٦) بحسنه ... يفنى الزّمان وفيه ما لم يوصف
وقد خمس هذه القصيدة جماعة من الفضلاء.
وله (٧): [الطويل]
أشاهد معنى حسنكم فيلذّ لي ... خضوعي لديكم في الهوى وتذلّلي
واشتاق للمعنى الذي أنتم به ... ولولاكم ما شاقني ذكر منزلي
فلله كم من ليلة قد قطعتها ... بلذّة عيش والرّقيب بمعزل
стр. 69
ونقلي مدامي والحبيب منادمي (١) ... وأقداح أفراح المحبّة تنجلي
ونلت مرادي فوق ما كنت راجيا ... فوا طربا لو تمّ هذا ودام لي
لحاني عذول ليس يعرف ما الهوى ... وأين الشّجيّ المستهام من الخلي
فدعني ومن أهوى فقد مات حاسدي ... وغاب رقيبي عند قرب مواصلي
وله (٢): [المجتث]
(١٦ ب) أنتم فروضي ونفلي ... أنتم حديثي وشغلي
يا قبلتي في صلاتي ... اذا وقفت أصلّي
جمالكم نصب عيني ... إليه وجّهت كلّي
وسرّكم في ضميري ... والقلب طور التّجلي
آنست في الحيّ نارا ... ليلا فبشّرت أهلي
قلت امكثوا فلعلّي ... أجد هداي لعلّي
دنوت منها فكانت ... نار المكلّم قبلي
نوديت منها كفاحا ... ردّوا ليالي وصلي
حتّى إذا ما تدانى ... الميقات من جمع شملي
صارت جبالي دكّا ... من هيبة المتجلّي
ولاح سرّ خفي ... يدريه من كان مثلي
وصرت موسى زماني ... مذ (٣) صار بعضي كلي
انا الفقير (٤) المعنّى ... رقّوا لحالي وذلّي
فالموت فيه حياتي ... وفي حياتي قتلي
وله (٥): [الكام]
زدني بفرط الحبّ فيك تحيّرا ... وارحم حشى بلظى هواك تسعّرا
стр. 70
وقد ذكرت هذه القصيدة بكاملها في تاريخي الكبير المرتب على حروف المعجم المسمّى (١٧ أ) بترجمان الزمان (١)، وله دو بيت:
عرّج بطويلع (٢) فلي ثمّ هويّ (٣) ... واذكر خبر الغرام واسنده إلي
واقصص قصصي عليهم وابك عليّ ... قل مات ولم يحظ من الوصل بشي
وله:
أهوى قمرا له المعاني رقّ ... من صبح جبينه أضاء الشرق
تدري بالله (٤) ما يقول البرق ... ما بين ثناياه وبيني فرق
وله:
ما أحسن ما بلبل منه الصّدغ ... قد بلبل عقلي وعذولي يلغو
ما بتّ لديغا (٥) من هواه وحدي ... من عقربه في كل قلب لدغ
وله:
روحي للقاك يا مناها اشتاقت ... والأرض عليّ كاحتيالي ضاقت
والنفس لقد ذابت غراما وأسى ... من جنب رضاك في الهوى ما لاقت
وله الغاز ومواليا، وقد أوردت جملة من ذلك في كتابي «ترجمان الزمان» في تراجم الأعيان، وله القصيدة التائية المسماة «نظم السلوك»، تقدير ستمائة بيت، وكان مولده في رابع ذي القعدة سنة ست وسبعين وخمسمائة بالقاهرة، ومات بها يوم الثلاثا ثاني جمادى الأولى سنة
стр. 71
اثنتين وثلاثين ودفن بسفح المقطّم، والفارض هو الذي يكتب فروض النساء على الرجال والله أعلم. (١٧ ب) وفيها مات بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة بن محمد بن عتّاب الأسدي قاضي حلب، المعروف بابن شدّاد (١) الفقيه الشافعي. مولده بالموصل ليلة العاشر من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، ومات والده وهو صغير ونشأ عند أخواله بني شداد فنسب اليهم، وشداد جده لأمه، وحفظ القرآن العظيم بالموصل واتقن القراءات السبع على جماعة من المشايخ وسمع الحديث الكثير واتقن الخلاف وباحث فيه، وانحدر الى بغداد ونزل بالمدرسة النظامية وترتب فيها معيدا بعد وصوله اليها بقليل، وأقام بها أربع سنين، ثم أصعد الى الموصل في سنة تسع وستين فرتب مدرسا في المدرسة التي أنشأها القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد الشهرزوري (٢) ولازم الاشتغال وانتفع به جماعة، وحج في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وزار بيت المقدس والخليل ﵇ بعد الحج والزيارة، ودخل دمشق فسمع السلطان صلاح الدين بوصوله فاستدعاه إليه، فلمّا دخل عليه قابله بالاكرام التام وسأله عن الطريق ومن كان فيه من المشايخ، وسأله أن يسمع عليه جزء (٣) من الحديث وقرأه عليه بنفسه. وجمع كتابا يشتمل على فضائل الجهاد يحتوي ثلاثين كراسا وقدمه للسلطان، فاتصل بخدمته في مستهل جمادى الأول سنة أربع وثمانين، ثم ولاه قضاء العسكر والحكم بالقدس الشريف، ولما مات السلطان صلاح الدين كان حاضرا عنده. ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الظاهر (١٨ أ) ابن صلاح الدين في سنة إحدى وتسعين (٤)، وقدم إليه الى حلب وولاه قضاءها وأوقافها (٥). وكانت حلب في ذلك الزمان قليلة المدارس، فاعتنى القاضي بهاء الدين بتدبير أمورها وترتيبها وجمع الفقهاء بها، وعمرت في أيامه مدارس كثيرة وكان الملك الظاهر قد قرر له إقطاعا جيدا يحصل منه جملة مستكثرة، ولم يكن عليه خرج
стр. 72
كثير، ولم يرزق ولد ولا كان له أقارب فتوفر له شيء كثير، فعمّر مدرسة بالقرب من باب العراق في مقابل مدرسة نور الدين ابن زنكي. وذلك في سنة إحدى وستمائة ثم عمّر بجوارها دارا للحديث النبوي وجعل بينهما تربة برسم دفنه ولها بابان الى المدرسة والى دار الحديث، وجعلهما متقابلتان (١) بشرط أن الذي يقف في إحدى (٢) المكانين يرى من يكون في المكان الآخر.
وكان القاضي هو المشار اليه في تدبير الدولة بحلب، ولم يزل على هذه الحالة إلى أن كبر وطعن في السن وعجز عن الحركة، واستولت عليه البرودات والضعف حتى صار كفرخ الطائر، وكان كلما نظر الى نفسه على تلك الحالة ينشد: [السريع]
من يتمنّ العمر فليدّرع ... صبرا على فقد أحبائه
ومن يعمّر ير (٣) في نفسه ... ما يتمناه لأعدائه
وهذا المذكور هو الذي جمع سيرة (٤) السلطان صلاح الدين، وتوفي في هذه السنة، ودفن بتربته التي أنشأها.
وفيها توجه الأمير أسد الدين جفريل، أحد مماليك السلطان الكامل الى مكة وصحبته سبعمائة فارس، فتسلمهما وهرب منها راجح بن قتادة (٥) ومن كان معه من عسكر [الى] (٦) اليمن في شهر رمضان. (١٨ ب) وفيها أقطع السلطان الملك الكامل لابن صلاح الدين الإربلي صنافير (٧) بالقيلوبية خاصا له، وجعل أقارب والده ومماليكه معه، وعدتهم سبع عشرة (٨).
[الوفيات]
وفيها مات أبو حفص عمر بن محمد بن عمر بن عمر بن محمد ابن أبي نصر
стр. 73
الفرغاني (١)، الفقيه الحنفي، كان شيخا دينا، عارفا بمذهب أبي حنيفة ﵁، قدم بغداد وسكنها، وكان متعبدا صالحا، وتنقل من حال الى حال إلى أن فتحت المدرسة المستنصرية فرتّب بها مدرسا للطائفة الحنفية، ولم يزل كذلك إلى أن مات بها يوم الأحد عاشر جمادى الآخرة ودفن بظاهر مشهد الإمام أبي حنيفة. وكان له معرفة بعلوم شتى، وله نثر ونظم فمن ذلك، وقد دخل عليه بعض أصحابه في وقت المساء فصبّحه فأنشد: [الطويل].
أتاني مساء نور عيني ونزهتي ... ففرّج عني كربتي وأزاحا
فصبّحته عند المساء لأنه ... بطلعته ردّ المساء صباحا
وفيها مات (٢) الطواشي شمس الدين صواب، مقدم عسكر الملك العادل الذي كان أسره ملك الروم، وكان خادما عاقلا شجاعا جوادا، وكان العادل والكامل يعتمدان عليه، وكان له الحكم على الشرق، وخلّف مائة خادم مشتراه أكثرهم تعينوا بعد وفاته وأمّروا، من جملتهم بدر الدين الصوابي وشبل الدولة خازندار (٣) دمشق وغيرهم، تسلموا القلاع وحكموا، وكان له بر وصدقة وشجاعة، وكان إذا حمل في الحرب يقول: أين أصحاب الحصا. وكانت وفاته في العشر (١٩ أ) الأخير من رمضان بحرّان، وكان مقيما بها وهي مضافة إليه مع ديار بكر (٤) وما معها من البلاد.
وفيها مات أبو زكريا يحيى بن المظفّر بن شهاب ابن موسى بن طلحة الهاشمي الواسطي، المعروف بابن الصابوني (٥) الواعظ. كان فقيها أديبا شاعرا، وعظ الناس وسافر في طلب الحديث إلى الحجاز والعراق ومصر، وعاد الى بلده، ومن شعره: [الكامل]
стр. 74
يا من على ضعفي يجور تعمدا ... ويرى الضلال بقتلي محضى الهدى
ومن الملاحة كلّها في أسره ... قد حازه دون الورى متفرّدا
بضياء وجهك إنّه لو يهتدي ... بضيائه في التيه موسى لاهتدى
وبطرفك الغنج الذي لولاه ما ... أمسيت مسلوب الرقاد مسهّدا
لا تصغينّ (١) الى الوشاة فما لهم ... شغل سوى تفريقنا وهم العدى
وفيها مات الصاحب تاج الدين أبو اسحاق يوسف ابن الصاحب الوزير ابن شكر، صفي الدين أبي محمد عبد الله، ابن القاضي المخلص أبي الحسن علي الشيبي المالكي بمدينة حرّان ودفن هناك، ومولده بمصر في شوّال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. تفقه على مذهب الإمام مالك ﵁، وقرأ الأدب وأخذ بدمشق عن العلامة أبي اليمن الكندي، وسمع الحديث بالقاهرة ودرس بمدرسة والده بالقاهرة وناب عن والده في الوزارة بالديار المصرية والشام، وتولى الوزارة بعد وفاة والده مدة شهرين وأصرف عنها، واستخدم في التوقيع ثم تولى نظر الدواوين بالديار المصرية، ثم عزل واعتقل، ثم أفرج عنه في سنة خمس وعشرين وستمائة (١٩ ب) ثم ولي الجزيرة وديار بكر وحرّان في الدولة الكاملية، ولم يزل حتى مات في حادي عشر رجب الفرد (٢) سنة تاريخه.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وستمائة
وفيها نزل السلطان الملك الكامل على الرها وملكها، ثم نزل على حرّان وملكها بعد حصار شديد، وأخرب (٣) قلعة الرّها ومسك جميع من كان بها من عساكر الروم وقيدهم (٤) وسيرهم الى الديار المصرية، ونزل على دنيسر (٥) وأخربها إلا الجامع، وبينما هم على دنيسر إذ
стр. 75
جاءهم كتاب بدر الدين لؤلؤ (١) يقول: قد قطع التتار دجلة في مائة طلب، كل طلب خمسمائة فارس ووصلوا الى سنجار (٢)، فخرج اليهم معين الدين ابن كمال الدين ابن مهاجر فقتلوه على باب سنجار، ثم رجعوا فقطع الكامل والأشرف الفرات ورجعوا طالبين دمشق.
وفيها توجهوا (٣) العساكر وحاصروا آمد، وخرجت السنة وهم على حصار آمد.
وفيها في ربيع الأول وصل الخبر الى الخليفة ببغداد من إربل، بأنّ التتار - خذلهم الله تعالى - اجتازوا لقصد الموصل، فواقعهم عسكر إربل وجرى بينهم قتال شديد ثم افترقوا وتوجهوا نحو الموصل، ونهبوا وقتلوا وأكثروا الفساد، ففرق الخليفة (٤) حينئذ الأموال والسلاح، فلمّا علم التتار بذلك رجعوا الى بلادهم.
وفيها حصل بمصر والقاهرة وباء (٥) عظيم، مات فيه خلق كثير واستمر ثلاثة شهور.
[الوفيات]
وفيها مات خطيب جامع مصر الشيخ الفقيه أبو طاهر محمد بن الحسين ابن عبد الرحمن الحياري، من ولد جابر ابن عبد الله الانصاري ﵁ واشتهرت نسبته بالمحلي وكان من أصحاب الشيخين الجليلين الكبيرين، الشاطبي والقرشي.
وفيها مات أبو الخطاب (٦) عمر بن الحسن بن علي ابن محمد الجميّل ابن فرح ابن خلف بن قومس ابن مزلال ابن ملاّل ابن بدر ابن أحمد بن دحية، ابن خليفة بن فروة الكلبي، المعروف بذي النسبين الأندلسي البلنسي الحافظ. كان أبو الخطاب المذكور من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء متقنا لعلم الحديث النبوي وما يتعلق به، عارفا بالنحو واللغة وأيام العرب