← История

История · id 16364

نزهة المالك والمملوك في مختصر سيرة من ولي مصر من الملوك

العباسي الصفدي

Полный текст (248 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

نُزهة الْمَالِك وَالمملوك فِي مُخْتَصر سِيرة مَن ولي مصر مِن الْمُلُوك «يؤرّخ مِن عَصر الفراعنَة وَالأنبيَاء حَتّى سَنة ٧١٧ هـ» تأليف الْحسَن بن أبي محمّد عَبد الله الْهَاشِمِي العبّاسي الصَّفَدِي تُوفّي بُعَيدَ ٧١٧ هـ - ١٣١٧ م مخطوطَة المتحف البريطاني رَقم ٢٣٦٦٢ تَحْقِيق الْأُسْتَاذ الدكتور عُمر عبد السَّلَام تَدمري المكتبة العصرية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة المحقّق يعتبر عصر المماليك من أغنى العصور في المؤلّفات التي صنّفت على أيدي مؤلّفين لم يتركوا فنّا إلاّ أحاطوا به وكتبوا عنه. وكنت من القائلين - ولا أزال -: إن العصر المملوكيّ هو عصر الموسوعات الضخام، وعصر المؤلّفين العمالقة الكبار، والموسوعيّين الأفذاذ، أمثال: ابن حجر، وابن منظور، وابن تيمية، وابن كثير، والذهبي، والصفدي، والمقريزي، والعيني، والسخاوي، والسيوطي. ورغم أنّ عشرات المخطوطات لكبار المؤرّخين قد حقّقت وطبعت ونشرت، فلا تزال خزائن المكتبات في العالم تحتفظ بالعشرات، إن لم يكن بالمئات من المخطوطات التاريخية لمؤرّخين مشاهير، وآخرين مغمورين. وكتابنا هذا، المحفوظة نسخته الخطّية في المتحف البريطاني، على صغر حجمه، وعدم شهرة مؤلّفه، لا يقلّ أهمّيّة في مادّته ومعلوماته عن أمّهات المؤلّفات الكبيرة، لما يتضمّنه من معلومات وأخبار تاريخية نادرة لا نجدها في غيره، وهو بذلك يضيف إلى مخزون المصادر الأخرى صفحات جديدة تؤرّخ للمراحل الأولى من قيام دولة المماليك، ليس في مصر فحسب، بل لبلاد الشام أيضا، وكذلك لآسية الصغرى، وبلاد الحجاز، واليمن، وغيره. لهذا، رأيت - بعد الاتكال على الله تعالى - أن أقوم بتحقيق هذا الكتاب، ليكون في متناول الباحثين، والقرّاء، ومحبّي التاريخ، وخدمة لإحياء تراث الأمّة. والله من وراء القصد، وله الحمد في الأولى والآخرة. طرابلس الشام المحروسة الثلاثاء ١٠ صفر ١٤٢٣ هـ. ٢٣ نيسان - إبريل ٢٠٠٢ م. خادم العلم وطالبه عمر عبد السلام تدمري أبو غازي

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التعريف بالمؤلّف هو الحسن بن عبد الله أبي محمد بن عمر بن محاسن بن عبد الكريم بن عبد المحسن بن عبد الكريم بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ﵁. هكذا كتب اسمه واسم أبيه وأجداده ووصل بنسبه إلى العبّاس، عمّ الرسول ﷺ ، ابن عبد المطّلب، وذلك في آخر كتابه: «آثار الأول في ترتيب الدول» (١) فهو، إذا، عبّاسيّ، هاشميّ، من قريش، ومن أهل مدينة صفد بشمال فلسطين، ولذلك عرف بالعبّاسي الصفدي. ومن ذراري هارون الرشيد. فالخليفة العباسي هو جدّه التاسع. لا يعرف متى ولد، ولا متى مات، فالمصادر لم تترجم له، إذ لم يذكره «الصفدي» في «أعيان العصر وأعوان النصر» الذي ترجم فيه لأعلام عصره ومعاصريه، ولم يذكره الحافظ «ابن حجر العسقلاني» في «الدرر الكامنة»، مع أنه من المتوفّين في المئة الثامنة، وهو من شرطه، فهو كان موجودا حتى سنة ٧١٧ هـ. / ١٣١٧ م. على الأقلّ، ما يعني أنه من مواليد القرن السابع، ويحتمل أنه ولد في منتصف القرن السابع، أو قبل ذلك بقليل، أو بعده بقليل. أرّخ بعضهم وفاته بسنة ٧١٠ هـ. / ١٣١٠ م.، وهذا غير صحيح (٢). وذكر «كحّالة» (٣) وغيره، أنه كان حيّا قبل سنة ٧١٦ هـ. / ١٣١٦ م.، بينما ذكر الدكتور «شاكر مصطفى» (٤) أنه توفّي بعد سنة ٧١٦ هـ. / ١٣١٦ م. ونحن نؤكّد أنه كان حيّا في سنة ٧١٧ هـ. / ١٣١٧ م. بدليل أنه يروي حادثة السّيل الذي خرّب بعلبك في السنة المذكورة في آخر هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

стр. 4

ذكره الدكتور «شاكر مصطفى» مرّتين في كتابه (١)، ففي المرّة الأولى ذكره باسم: «الحسن بن عبد الله بن محمد بن عمر العباسي بن عبد المطّلب»، وفي المرة الثانية ذكره باسم «الحسن بن أبي محمد عبد الله الهاشمي العباسي الصفدي»، وبذلك أخطأ مرتين، أولا: أخطأ بقوله: «الحسن بن عبد الله بن محمد. . .»، والصواب: «الحسن بن عبد الله أبو محمد»، وثانيا: فرّق بين الإسمين، وهما لشخص واحد. ... معارفه الثقافية نشر له الدكتور «عبد الرحمن عميرة» كتاب «آثار الأول في ترتيب الدول»، وقال تحت عنوان: «المؤلّف. نسبه وحياته» ما يلي: «تتجاهل كتب التراجم هذا الرجل تجاهلا كاملا. فلا تتعرّض لحياته من قريب أو من بعيد، فنحن لا نعرف شيئا عن طفولته، ولا عن شبابه، ولا أين عاش، وتعلّم هذا العلم، واكتسب هذه المعرفة والتجربة، وكل ما عرف عنه هو ما سجّله بنفسه على مخطوطة الكتاب الذي بين أيدينا والتي تحمل رقم ٢٧٣٣/ ٤٢٦٨٩ تاريخ. إنّ القارئ لكتابه الوحيد «آثار الأول في ترتيب الدول» لا يتصوّر مطلقا أنّ هذا الرجل الألمعيّ، لم يصنّف غير هذا الكتاب، لأنّ المادّة العلمية، والخبرة الواسعة التي ضمّنها كتابه، مع ما فيه من سلاسة العبارة، وقوّة الألفاظ، وسلامة التركيب، تدلّ على أنّ هذا الرجل العملاق له أكثر من مصنّف وأكثر من كتاب، وله باع طويل في مجال التصنيف والتأليف. ولكنّ البحث والتقصّي وراء نتاج هذا الرجل لم يعد بفائدة تذكر، وبقيت علامات الاستفهام حائرة، أين نتاج هذا الرجل» (٢)؟ ويقول طالب العلم وخادمه، محقّق هذا الكتاب «عمر عبد السلام تدمري»: لقد أصاب الدكتور «عميرة» في بعض تساؤلاته، من حيث تجاهل كتب التراجم للمؤلّف، فلم نعرف شيئا عن طفولته ولا عن شبابه، وعلى من تعلّم هذا العلم، واكتسب تلك المعرفة والتجربة؟ ونحن نؤيّده في وصفه له بالألمعيّ، وبالرجل العملاق، وأنّ شخصا مثله لا بدّ أن يكون له نتاج أكثر من كتاب واحد. وإنّ تحقيقنا ونشرنا لهذا الكتاب يؤكّد أنّ «آثار الأول» ليس الكتاب الوحيد

стр. 5

للمؤلّف، بل إنّ له كتابا ثالثا، أيضا، بعنوان: «التذكرة الكاملية في السياسة الملوكية»، سنذكره بعد قليل. ومن خلال مطالعتنا لكتابيه: «آثار الأول» و «نزهة المالك والمملوك» يمكن الوقوف أمام ومضات سريعة تضيء لنا بعض معارفنا عنه، حيث يظهر أنه كان يعيش في مصر، في الفترة التي صنّف فيها مؤلّفاته على الأقل، وأنه كان كاتبا متمرّسا في ديوان الإنشاء، وكان شاعرا له نظم في المديح، وهذا يقتضي أن يكون كاتبا أديبا، عارفا باللغة، والنحو، والصرف، والبلاغة، والبيان، والعروض، وما يتّصل بذلك من معارف أدبية، كما كان مؤرّخا، ومصنّفا، بدليل كتبه التي وصلتنا، وهو إلى جانب هذا وذاك، كان شديد الولاء لسلاطين عصره المماليك، يمالئ كلّ من تولّى السلطنة، ويصنّف كتابا باسم كل واحد منهم، ويغيّر عواطفه، ويلوي عنق قلمه مع تغيّر السلاطين، فهو يكتب للملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري (٦٩٤ - ٦٩٦ هـ. / ١٢٩٥ - ١٢٩٧ م.)، ثم يؤلّف كتابا آخر يكيل فيه المديح والثناء للسلطان «بيبرس المنصوري الجاشنكير» (٧٠٨ - ٧٠٩ هـ. / ١٣٠٨ - ١٣٠٩ م.) وينشد فيه قصيدة من ٣٣ بيتا من نظمه (١)، ثم يؤلّف كتابا ثالثا في سلطنة الناصر «محمد بن قلاوون» - وهي سلطنته الثانية (٧٠٩ - ٧٤١ هـ. / ١٣٠٩ - ١٣٤٠ م.)، فيشيد به وبسياسته، وينشد فيه شعرا (٢)، مع أنه سبق أن أثنى على «بيبرس المنصوري» الذي أخذ السلطنة من «الناصر محمد» عند ما اعتزل بالكرك، وعند ما عاد «الناصر» إلى السلطنة قبض على «بيبرس» مع جملة أمراء آخرين. إذا، فولاء المؤلّف واضح للسلطان، أيّا كان هذا السلطان، طالما هو على كرسيّ السلطنة. أمّا قول الدكتور «شاكر مصطفى» إنّ «الصفديّ» كان مقرّبا من السلطان الناصر

стр. 6

محمد بن قلاوون ومن ندمائه (١)، فهو غير دقيق، إذ ليس في مصادره ما يدلّ على أنه كان نديما للسلطان، بل كان يعمل كاتبا في ديوان المملكة بمصر، وقد أشار إلى ذلك بنفسه في كتابنا هذا أثناء حوادث سنة ٦٩٤ هـ. / ١٢٩٥ م. حين قال إنّ «ابن الخليلي الوزير» رسم له أن يتوجّه إلى «فاقوس» لتخضير أراضي الخاصّ (أي أراضي السلطان) في تلك السنة، فخرج وبصحبته القاضي، وناظر المعاملة، وغيره (٢). مادّة الكتاب إنّ أهمّ ما يلفت في الكتاب الذي بين أيدينا خلوّه من مقدّمة للمؤلّف، فهو يكتفي بوضع ما يقرب من العنوان، فيقول بعد البسملة والاستعانة بالله تعالى: «وهذا كتاب تاريخ يذكر مصر وفضلها، ولم سمّيت مصر، وما كان اسمها من قبل». هذا ما ورد في نسخة المتحف البريطاني ذات الرقم (٢٣٦٦٢). أمّا العنوان الكامل: «نزهة المالك والمملوك في مختصر سيرة من ولي مصر من الملوك» فورد في مخطوطة باريس ذات الرقم (١٧٠٦)، وفي باريس مخطوطة ثانية برقم (١٩٣١/ ٢٢) وهي تحمل عنوان: «فضائل مصر». وقد اخترنا عنوان مخطوطة باريس الأولى ليكون عنوانا للكتاب، فهو أقرب دلالة على مادّته ومضمونه، إذ يعرّف المؤلّف أولا باسم مصر قبل الطوفان وبعده، وبفضلها كونها ذكرت في القرآن الكريم في أكثر من موضع، وورود عدّة أحاديث شريفة بشأن القبط والوصيّة بهم، ثم يذكر خصائص مصر وما فيها من خيرات، وواحات، وآبار، وبعد ذلك يستعرض أسماء ملوك مصر قبل الطوفان، ثم يأتي على ذكر ملوكها في عهد الأنبياء نوح، ويوسف، وموسى، ﵈، وما كان في أيامهم من أحداث مشهورة، وينتقل بعد ذلك إلى ذكر خراج مصر، ومصالحة الروم والفرس على مصر، والإشارة إلى كنوزها، ليصل إلى مولد النبيّ محمد ﷺ ، وكتابه إلى المقوقس، وبداية دخول عمرو بن العاص مصر في الجاهلية، إلى أن فتحها وفتح بلادها الداخلية والساحلية. وبعد ذلك يستعرض أسماء العمّال على مصر وولاتها دون توسّع، فيكتفي بذكر تاريخ الولاية ومدّتها لكلّ منهم، وذلك في العهدين: الأمويّ، والعبّاسيّ، ولم يسلم هذا العرض من نقص لأسماء بعض الولاة سقطت منه سهوا، ويتوقّف قليلا عند الخليفة «المأمون» ودخوله الهرم، ثم يواصل بعده سرد أسماء الولاة حتى ولاية «أحمد بن طولون»، فيروي عنه حكاية تدلّ على حزمه وتيقّظه، ثم

стр. 7

يذكر أولاده الذين تعاقبوا على حكم مصر، والولاة العبّاسيّين من بعدهم مجدّدا، ثم دولة الإخشيد، وصولا إلى الدولة الفاطمية، بدءا من دخول «جوهر الصقلّي» وتخطيط القاهرة. وفي هذا الفصل لا يقتصر المؤلّف على ذكر أسماء الخلفاء الفاطميّين ومدد خلافة كلّ منهم، بل يذكر أسماء الخلفاء العبّاسيّين أيضا، وتواريخ خلافة كلّ منهم، ومدّتها، وتاريخ وفاته. وهو يدمج الخلفاء من الطرفين معا في سياق واحد حسب التتابع التاريخي. ومثل ذلك في عهد سلاطين بني أيوب، ولكنه في هذا الفصل يتوسّع في ذكر ما جرى بين الملكين الصالحين، نجم الدين أيوب، وإسماعيل، إلى أن يصل إلى سلاطين دولة المماليك الترك، ومن هنا ينزع المؤلّف إلى التوسّع حتى نهاية الكتاب، فيقدّم لنا مادّة غزيرة ليس عن مصر وسلاطينها فحسب، بل يتناول حوادث ووقائع كثيرة في أنحاء بلاد الشام، وبلاد الأرمن في آسية الصغرى، وبلاد الحجاز، واليمن، ويعرض لعلاقات المماليك والتتار، وعلاقات المماليك بعرب الصعيد، والسودان، وعلاقات المماليك بملوك الفرنج، إلى أن ينتهي الكتاب فجأة بعد حادثة السيل الذي خرّب مدينة بعلبك في سنة ٧١٧ هـ. / ١٣١٧ م. مصادر المؤلّف يصرّح المؤلّف بأسماء ثلاثة مصادر فقط اعتمد عليها في كتابه، هي: «التاريخ الكبير» لعليّ بن محمد بن عبد الله بن حنّون الطبري، المعروف بأبي الحسن المدائني» المتوفّى سنة ٢٢٥ هـ. / ٨٣٩ م. ولعلّ المراد هو «تاريخ الخلفاء الكبير» (١). والمصدر الثاني هو كتاب «فتوح مصر وأخبارها» لابن عبد الحكم، أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله القرشي المصريّ، المتوفّى سنة ٢٥٧ هـ. / ٨٧١ م. أمّا المصدر الثالث، فهو كتاب «العجائب» الموضوع للخليفة المأمون، ولا نعرف من هو مؤلّفه. أمّا المصادر التي اغترف منها ولم يصرّح بها، فمنها على وجه التأكيد كتاب «الإنباء بأنباء الأنبياء» للقضاعيّ، حيث ينقل كلماته حرفيا في بعض المواضع (٢)، كما تتّفق رواية المؤلّف مع روايات «المسعودي» في كتابه «مروج الذهب»، وروايات «الكنديّ» في كتابيه: «الولاة القضاة»، و «ولاة مصر».

стр. 8

هذا، فضلا عن أنّ المؤلّف ينقل عن كتابه «آثار الأول» عدّة أخبار، وفيه يذكر أنه ينقل عن كتاب «الألوف» لأبي معشر (١). وفي المقابل، اتّخذ المؤرّخون من «نزهة المالك والمملوك» مصدرا لموادّ مصنّفاتهم، وإن كان الكثير منهم لم يصرّحوا بذلك، إلاّ أنّ مجرّد المقارنة بين مادّة المؤلّف التي حشدها في «النزهة»، والموادّ التي نراها في كتب المؤرّخين المعاصرين له، أو المتأخّرين عنه، يدعم وجهة نظرنا. فأغلب المادّة في القسم الأول من كتاب «نزهة المالك» نراه يتردّد عند «القلقشندي» في «صبح الأعشى»، وعند «المقريزيّ» في «المواعظ والاعتبار» المعروف بخطط المقريزي، وعند «ابن تغري بردي» في «النجوم الزاهرة»، وعند «السيوطي» في «حسن المحاضرة». أمّا القسم الثاني من مادّة الكتاب فنرى أكثره مكرّرا في عدّة مصادر معاصرة ولا حقة، مثل: «نهاية الأرب» للنويري، و «زبدة الفكرة» و «التحفة الملوكية» لبيبرس المنصوري، و «تاريخ سلاطين المماليك» الذي نشره «زتر ستين» ولا يعرف مؤلّفه، و «المقتفي» للبرزالي، و «الدرّة الزكية» و «الدرّ الفاخر» وهما لابن أيبك الدواداري، و «الجوهر الثمين»، و «النفحة المسكية» وهما لابن دقماق، و «السلوك» للمقريزي، و «بدائع الزهور» لابن إياس. أهمّيّة الكتاب لا تنحصر أهميّة كتاب «نزهة المالك» بأنه اعتمد مصدرا لدى المؤرّخين فحسب، بل إنّ أهمّيته تتضاعف حيث نجده ينفرد بذكر عدّة أخبار لا نجدها عند غيره من المؤرّخين، وبذلك يضيف إلى معارفنا معلومات تاريخية نادرة نضيفها إلى ما لدينا من مخزون متداول ومنشور، فلقد هيّأ موقع المؤلّف في ديوان المملكة بمصر فرصة الاطّلاع بنفسه على نصوص المعاهدات بين ملوك مصر والفرنج، وبيانات الإحصاء التي كانت ترد إلى ديوان الإنشاء، وغير ذلك من نصوص نقلها من مصادر نادرة لم نقف عليها، ومن أخبار عن وقائع شاهدها بنفسه، وشارك فيها وعايشها. فمن المعلومات والأخبار النادرة التي ينفرد بها كتابنا هذا، ما ذكره المؤلّف من محاسن مصر (٢)، وخيرات مصر (٣)، ونصّ الهدنة بين الملك الصالح نجم الدين أيوب والفرنج، في سنة ٦٢٦ هـ. / ١٢٢٨ م. وتشمل جبل بيروت وصيدا وأعمالهما وأراضيهما وحدودهما، وقلعة الشقيف وأعمالها، وقلعة تبنين وأعمالها، وقلعة هونين

стр. 9

وأعمالها، والحيط وبلاده - ويقصد به جبل الشوف أو بلاد الدروز - واسكندرونة وإقليمها - وهي حصن اسكانداليون الواقع على ساحل البحر بين مدينة صور ورأس الناقورة - وتشمل أسماء مدن وقرى وضياع كثيرة في فلسطين، لم تذكر في الهدن الأخرى بين المسلمين والفرنج (١)، وخبر حيلة الملك الصالح إسماعيل مع البعلبكيّين ودخولهم دمشق في سنة ٦٤٠ هـ. / ١٢٤٢ م (٢). وخبر الغلاء العظيم والفناء الذي شهدته مصر، ومعايشة المؤلّف للمجاعة الهائلة والفظاعات التي جرت في سنة ٦٩٤ هـ. / ١٢٩٥ م. ومشاهدته عيانا لإحدى النساء وهي تأكل من لحم زوجها بعد أن صرعته وقامت بشيّه (٣). وقد ذكر «ابن أيبك الدواداري» (٤) ما يشبه هذا الخبر من مشاهداته الشخصيّة أيضا، وهو يعزّز ويؤيّد صدق رواية المؤلّف «العبّاسي الصفدي»، الذي يضيف إلى معلوماتنا جديدا عن عرب الصعيد وما غنمه عسكر السلطان الناصر محمد بن قلاوون من خيولهم وجمالهم في أواخر سنة ٧٠١ هـ (٥). / ١٣٠١ م. وينفرد بوصف مدينة ملطية بعد فتح عساكر المماليك لها في سنة ٧١٥ هـ (٦). / ١٣١٥ م. وأضاف بعض المعلومات عن حادثة السيل الذي طغى على بعلبكّ في سنة ٧١٧ هـ. / ١٣١٧ م (٧). علما بأنّ هذا الحادث لم يرد في المخطوطتين الباريسيّتين، وانفردت به نسخة المتحف البريطاني التي بين أيدينا. لغة الكتاب ممّا يثير التساؤل أنّ المخطوط الذي نحقّقه مليء بالأغلاط والأخطاء اللغويّة والنّحويّة، وهذا يتعارض مع كون المؤلّف أديبا وكاتبا وشاعرا، وله موقعه في ديوان المملكة، ويزداد تساؤلنا وحيرتنا إذا قارنّا لغة هذا الكتاب «نزهة المالك» بكتاب «آثار الأول» وهو للمؤلّف نفسه، حيث نلمس فارقا واضحا بين لغة الإثنين، فكتاب «الآثار» كتب بلغة سليمة ومتينة لا تشوبها شائبة، بعكس كتابنا هذا «النزهة» الذي وردت فيه أغلاط كثيرة، وخاصّة عند كتابة السنوات والأعداد التي تأتي بالعشرات أو المئات، مثل قوله: سنة ستّ عشر، وسبعة وعشرون سنة، وكان الجميع ما يتي ألف

стр. 10

وأربعين ألف ومايتي واثنين وخمسين إنسانا، وقوله: أربع أيام، وخمس عشر ذراعا، وعشرة سنين. ومثل هذا كثير. ويقلب الألف المقصورة إلى ألف ممدودة في كثير من الكلمات، مثل: تسرّا - تسرّى، وقرا - قرى، وبنا - بنى، وأعلا - أعلى، وطغا - طغى، وأوفا - أوفى، ويجمع: جمال على: أجمال، ويحذف الهمزة من وسط الكلمة، مثل: نساها - نساؤها، وباساة - بإساءة، ويقلب الهمزة في آخر الكلمة إلى هاء، مثل: صحراه - صحراء، ويضيف ألف الجمع في آخر الكلمة للمفرد، مثل: تشكوا - تشكو، ويضيف الألف على كلمة «بن» الواقعة بين اسمين «علمين، ويقلب أحيانا الظاء ضادا، مثل: أضرفهم - أظرفهم، وكتب: «الأغنام. . أغلاهم ثمنا»، و «نزلوا الغطّاسون»، و «الذي أنشئت»، و «ينزلوه في البير يجلسوه على الصخر» و «كان على رأس الهرم صنما عظيما كبيرا»، و «فوافقوه الباقين»، ومثل ذلك كثير. وقد يقال: لعلّ الأغلاط والأخطاء من الناسخ؟ ولكن، هل يغلط الناسخ كلّ هذه الأغلاط وهو ينسخ عن أصل المؤلّف المتمكّن من اللغة؟ وبمقارنة مخطوطتي المؤلّف: «آثار الأول» و «نزهة المالك» نرى تشابههما في الخطّ بحيث لا يمكن التفريق بين خطّ هذه وتلك، ما يعني أنهما لكاتب واحد. فكيف يكون أحد الكتابين جيّد اللغة، والآخر سيّئها؟ وهل اختلاف موضوع الكتاب ومادّته له تأثير على لغة الكتابة وأسلوبها؟ أسئلة محيّرة، لم نجد لها إجابة قاطعة. آثار المؤلّف ١ - آثار الأول في ترتيب الدول: هكذا سمّاه المؤلّف في آخر مقدّمته (١)، ويسمّيه الدكتور شاكر مصطفى: «آثار الأول في تدبير الدول» (٢). وقد نشره د. عبد الرحمن عميرة - طبعة دار الجيل، بيروت ١٤٠٩ هـ. / ١٩٨٩ م. ٢ - التذكرة الكاملية في السياسة الملوكية: قال الدكتور شاكر مصطفى: لعلّه كتبه للملك العادل زين الدين كتبغا الذي ولي مصر ما بين ٦٩٤ - ٦٩٦ هـ. / ١٢٩٥ - ١٢٩٧ م. ولم يذكر أين يوجد هذا المخطوط. ٣ - نزهة المالك والمملوك في مختصر سيرة من ولي مصر من الملوك: كتابنا هذا، منه نسخة في المكتبة الوطنية بباريس، برقم (١٧٠٦) وتحمل العنوان المذكور.

стр. 11

ومنه نسخة ثانية في المكتبة نفسها، برقم (١٩٣١/ ٢٢) تحمل عنوان «فضائل مصر». ومنه نسخة ثالثة محفوظة بالمتحف البريطاني، برقم (٢٣٦٦٢)، وهي التي اعتمدنا تحقيقها، وهي أكمل من نسختي باريس، حيث ليس فيهما حادثة سيل بعلبك. وصف المخطوط تتألّف النسخة التي بين أيدينا من (١٧٤ صفحة)، حسب ترقيمنا، وحسب ترقيم المتحف البريطاني (٨٨ ورقة) - ١٧٦ صفحة، والفرق بين ترقيمنا وترقيم المتحف صفحتان، وهما ساقطتان من المخطوط بين ورقتي (١١ ب - ١٢ أ) أو (٢٢ - ٢٣) حسب ترقيمنا، ولم يتنبّه صاحب الترقيم إلى النقص. قياسها ٢٤ × ١٧ سم. في الصفحة الواحدة (١٥) سطرا، وفي السطر الواحد ما معدّله (٩) كلمات، كتبت بخط النسخ المملوكي الجميل الواضح، والمشكول. وكتبت العناوين بخطّ أكبر، قليلة الحواشي، ليس عليها تاريخ النسخ. أوّلها: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وبه نستعين. وهذا كتاب تاريخ يذكر مصر وفضلها، ولم سمّيت مصر، وما كان اسمها من قبل. فأمّا ما قرأته في التاريخ الكبير أنّ اسمها كان قبل الطوفان مصريم. . .». يتّضح ممّا تقدّم أنّ الكتاب ليست له مقدّمة كما جرت العادة. وينتهي الكتاب بقول مؤلّفه: «والحمد لله وحده. تمّ الكتاب، وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم». دون ذكر كاتبه، أو تاريخ كتابته. أمّا توثيق الكتاب ومعرفة مؤلّفه، فقد ورد اسمه في وسط المخطوط، ضمن حوادث سنة ٦٩٤ هـ. / ١٢٩٥ م. إذ يقول ما نصّه: «ومن جملة ما جرى أن رسّم ابن الخليلي الوزير للفقير إلى الله الحسن ابن أبي محمد الصفدي، جامع هذا التاريخ، بالتّوجّه إلى فاقوس وما معهما لتخضير أراضي الخاص في تلك السنة. . .» (١). مراجع ترجمة المؤلّف - تاريخ آداب اللغة العربية، لجرجي زيدان - ج ٣/ ٢٧٣. - دائرة المعارف الإسلامية، لكرنكو - ج ٤/ ٥٦. - دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة العربية - ج ١٤/ ٢٢٤. - تاريخ الأدب العربي، لكارل بروكلمان - ج ٢/ ١٦١.

стр. 12

- تكملة تاريخ الأدب العربي، لبروكلمان - ج ٢/ ٣٣، ٣٤. - معجم المؤلفين، لعمر رضا كحّالة، ج ٣/ ٢٤٠، ٢٤١. - فهرست المكتبة الخديوية، بمصر - ج ٥/ ٢. - التاريخ العربي والمؤرّخون، للدكتور شاكر مصطفى - ج ٣/ ٢٠٩ رقم ١٧ وج ٣/ ٢١٠، ٢١١ رقم ١٩.

стр. 13

نُزهة الْمَالِك وَالمملوك فِي مُخْتَصر سِيرة مَن ولي مصر مِن الْمُلُوك «يؤرّخ مِن عَصر الفراعنَة وَالأنبيَاء حَتّى سَنة ٧١٧ هـ» تأليف الْحسَن بن أبي محمّد عَبد الله الْهَاشِمِي العبّاسي الصَّفَدِي تُوفّي بُعَيدَ ٧١٧ هـ - ١٣١٧ م مخطوطَة المتحف البريطاني رَقم ٢٣٦٦٢

стр. 14

[لوحات من المخطوط] الصفحة الأولى من «نزهة المالك والمملوك» نسخة المتحف البريطاني

стр. 15

الورقة ٤٦ أمن «نزهة المالك والمملوك»

стр. 16

الورقة ٦٢ ب

стр. 17

الورقة ٦٤ أ

стр. 18

الورقة ٦٩ ب

стр. 19

الورقة ٧٦ أ

стр. 20

الصفحة الأخيرة من «نزهة المالك والمملوك»

стр. 21

جزء من مقدّمة المؤلّف لكتابه «آثار الأول في ترتيب الدول»

стр. 22

آخر كتاب «آثار الأول في ترتيب الدول» وفيه اسم المؤلّف ونسبه كاملا

стр. 23

[مقدمة المؤلف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين وهذا كتاب تاريخ بذكر مصر وفضلها، ولم سمّيت مصر، وما كان اسمها من قبل؟ فأمّا ما قرأته في «التاريخ الكبير» (١) أنّ اسمها كان قبل الطوفان «مصريم»، لأنّ الذي بناها وسكنها مصريم بن قفطريم بن راويل بن عاويل بن قابيل بن آدم (٢) ﵇ (٣)، فسمّيت باسمه. وكان اسم أمّ الإقليم أمسوس (٤) وهي مدينة كانت كرسيّ الملك، ومقام الملك فيها. [الإسكندرية] والإسكندرية لمقام خليفة الملك. وكانت سبع مداين بسبعة أسوار، أعني الإسكندرية. وسمّيت الإسكندرية باسم الإسكندر بن فيلبّس اليونانيّ لأنه الذي جدّدها. و [من] تاريخ وفاة الإسكندر إلى سنة ستّ عشر (٥) وسبع ماية: ألف وستماية (وسبعة) (٦) وعشرون سنة.

стр. 24

وما زال اسمها «الإسكندرية» قديما وحديثا وإلى الآن. ويقال: إنّ اسمها كان «دريّا». وسكنها خليفة الملك شرناق الأنطاكيّ، وهو شرناق ابن (١) شهلوق بن عاويل بن قابيل بن آدم ﵇ (٢)، فسأل شرناق عن خليفته، فقيل له: سكن دريّا، فاستعربت بهذا الاسم وعرفت به. والله أعلم. وأمّا أمسوس، فقد دخلت تحت بحيرة الإسكندرية التي هي الآن من البحر المالح الذي أفلته على البلاد إلى سور الإسكندرية. والله أعلم. [اسم مصر] وأمّا اسم مصر فإنه اسم محدث من قبل الطوفان، لأنّ الذي بناها اسمه مصر (٣) بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. وسيأتي ذكره في مكانه إن شاء الله تعالى، وهي مصر القديمة التي في برّ الجيزية. وأمّا مصر الآن فهي التي خطّها عمرو ابن (٤) العاص حول القصر، والصحيح أنّ اسمها «مصر» في اللوح المحفوظ، ودليل ذلك تسميتها في الكتاب العزيز. قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٥) وهو اسم قديم وحديث. [فضل مصر] وأمّا ما نزل في فضل مصر وذكرها في القرآن الحكيم، فقوله تعالى في سورة البقرة (٦) وغيرها في أماكن متفرّقة وسور كثيرة كثير (٧). وما ذكر الله مدينة باسمها إلاّ

стр. 25

مكة شرّفها الله تعالى، ويثرب، والواد (١) المقدّس، ومصر، والمدينة. وقيل: جاء في بعض التفسير المدينة أنطاكية. وأمّا حديث رسول الله ﷺ في ذكر مصر والوصيّة بأهلها، فقد أخبر عليّ بن الحسن، يرفعه إلى ابن مالك (٢) في: «فتوح مصر وإفريقية» (٣)، تأليف أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، رحمه الله تعالى، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإنّ لهم ذمّة ورحما» (٤). وقال ابن شهاب: إنّ هاجر أمّ إسماعيل منهم (٥). وقد ورد عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإنّ لكم منهم صهرا وذمّة» (٦). قيل: وهاجر أمّ إسماعيل منهم من قرية تعرف بأمّ العرب أمام الفرما (٧). وقيل: هي من أمّ ذنين (٨) بالشرقية. وأمّا ما رواه القصّاص قال: صاهر القبط من الأنبياء ثلاثة: إبراهيم الخليل صلوات الله عليه، تسرّا (٩) بهاجر، وولدت منه إسماعيل ﵇. ويوسف الصّدّيق ﵇، تزوّج ببنت صاحب (عين) (١٠) شمس. ونبيّنا محمد صلى الله عليه وعليهم وسلّم. تسرّا (١١) بمارية القبطية، وولدت منه إبراهيم ﵇.

стр. 26

وهي من قرية من قرا (١) أنصنا يقال لها: جقن أهداها وأختها ريحانة للنبيّ ﷺ المقوقس ملك مصر (٢). وقد ورد عن النبيّ ﷺ أيضا أنه قال: «من سرّه أن ينظر إلى بحبوحة الجنّة فلينظر إلى مصر في زمن الربيع إذا أحدقت بنباتها وزهورها» (٣). والأحاديث في ذلك كثيرة، وإنّما اختصرنا (لأن) (٤) لا يفوت الغرض. [نسبة مصر من الدنيا] وأمّا نسبة مصر من الدنيا، فقد أخبر أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الكعبيّ، حدّثني حرملة بن عمران (٥) التجيبي (٦)، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خلقت الدنيا على خمس صور، على صورة الطير برأسه وصدره وجناحيه وذنبه، فالرأس: مكة، والمدينة، واليمن. والصدر: الشام، ومصر. والجناح الأيمن: العراق. وخلف العراق أمّة يقال لها: «واق»، وخلف واق أمّة يقال لها: «واق واق»، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلاّ الله . والجناح الأيسر: السند، وخلف السند الهند، وخلف الهند أمّة يقال لها: «تاسك» (٧)، وخلف تاسك (٧) أمّة يقال لها: «منسك»، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلاّ الله . والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس. «وأشرّ ما في الطير الذنب» (٨). فهذه نسبة مصر. [خصائص مصر وملوكها] وأمّا خصائصها، وملوكها، وخيراتها فكثير. فمن ذلك أنّ ملكها أكبر الملوك قدرا، وأعظمهم منزلة، وجميع ملوك البرّ

стр. 27

والبحر يخافونه، ويهادوه (١)، ويهادنونه، لحسن جيشه وقوّتهم وخيولهم وعددهم وعددهم، ولا سيما في زماننا هذا (٢)، فإنهم أحسن أجناد الدنيا، وعسكره وموكبه أفخر العساكر والمواكب وأحشمهم، وفيهم الصلحاء، والرجال، وفرسان الخيل، ومن مرّت به التجارب، وحضر الحصارات والمصافّات، وقد أيّده الله تعالى بالنصر. وقد ورد عن عمرو بن العاص، عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فتح الله عليكم بمصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض». فقال له أبو بكر الصّدّيق ﵁: ولم يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» (٣). ولو أراد ملك مصر أن يجمع جيوشا لم يسعها سهل ولا وعر خارجا عن جيوشه الشاميّة لجمع، فإنّه لا يوجد في سائر البلاد والأقاليم خلقا مجتمعة (٤) كما اجتمع في وادي مصر، عمّرها الله تعالى ببقاء مالكها. وأدلّ الدلايل على ذلك أنّ السّحرة الذين آمنوا مع نبيّ الله تعالى موسى بن عمران ﵇، كما حدّثنا علي، حدّثنا عبد الرحمن، والخولانيّ، ويزيد بن حبيب المالكيّ، وغيرهم، وابن لهيعة، قالوا: إنّ السّحرة الذين آمنوا جميعا في ساعة واحدة كانوا اثني عشر ساحرا رؤساء، تحت يد كل واحد منهم عشرون عريفا سحرة، تحت يد كل عريف منهم ألف ساحر. وكان الجميع مايتي ألف وأربعين ألف (٥) ومايتي (٦) واثنين وخمسين إنسانا (٧)، وما كان فيهم من عمره دون الأربعين سنة، ولا فوق الستين سنة. وقد أخبر الله تعالى عنهم في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ﴾ (٨) حكاية عن قول فرعون. فعند ذلك أمر فرعون بإحضار شاة وأمر بذبحها وقال: لا يفرغ من سلاخها حتى يجتمع إليّ خمسماية ألف خلاف القلب والمجنّبتين، فحضروا أسرع من طرفة العين، وغرّق الله الجميع، وكانوا ما فيهم من بلغ الأربعين سنة (٩) ولا دون العشرين سنة، فلذلك قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ﴾ (١٠). والذين كانوا في

стр. 28

القلب والجنبتين (١) نيّف (٢) عن ألف ألف وخمس ماية ألف إنسان، وغرّق الله الجميع وهم نيّف عن ألفي ألف إنسان، فهذا من أقوى الدلائل على كثرة أهل مصر. والآن، فيها الناس أكثر لاجتماع الناس فيها من سائر أقطار الأرض. وأمّا عجائبها وخيراتها ومن فيها من العوالم فرجالها أفصح الرجال، ونساها (٣) أحسن نساء سائر الأقاليم، وأضرفهم (٤)، وألطفهم، وأعذبهم منطقا، وأرقّهم حاشية، ولا سيما في زماننا هذا. وأمّا خيلها فأحسن الخيول وأجود خيول الدنيا، تساق إلى خدمة صاحب مصر، ولا سيما مولانا السلطان الملك الناصر ابن المرحوم السلطان الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاون الصالحيّ، فإنه جمع من الخيول الأصايل المثمنة ما لا قدر عليه مثله (غيره) (٥)، ممّن كان قبله من الملوك لخاصّه ولحاشيته ومماليكه. فأمّا خيوله وبغاله وجماله البخاتيّات وغيرها فما يحصر ذلك، فحول عربيّات، وحجورة منوّعات، وأكاديش، روميّات، وتتريّات، وسيس (٦)، وغير ذلك من سائر الأصناف، وخيل القمر، ومن البغال كذلك، هذه الجملة لخاصّه. ولقد وقع داغه على آلاف خيول وبغال وجمال ما لا ملكه غيره له خاصّة. وأمّا خيول مماليكه وحاشيته وجيشه بالديار المصرية والشامية فما تحصر. وأمّا بغال الديار المصرية فإنها أطرز البغال، وحميرها أكيس الحمير، وأنبلها، وأسرعها، وأكثرها ثمنا، فيبلغ ثمن الحمار الفاره مايتي دينار وأكثر. وأبقارها فأجمل أبقار الدنيا، وأغنامها فأملح الأغنام، وأكبر (٧) خلقة، وألدنهم (٨) لحما، وأغلاهم (٩) ثمنا، والماعز فيها أنبل المواعز، وأدرّهم لبنا، وأزيدهم ثمنا. وأجمالها (١٠) أصبر الجمال، وأثقلها أحمالا، وأدومها على ذلك. وزرعها أخصب زرع الأرض وأنجبه.

стр. 29

وقراها أكثر من سائر البلاد غلالا. ونيلها أعجب الأنهار في زيادته ونقصانه وعمومه على الأرض، وتقسيمه، وتصريفه، وحلاوته، وخفّته، فإنّ ماءه أخفّ المياه وأحلاها، وأسرعها هضما، وأطيبها سمكا، وأكثرها نزهة وصيدا، فإنه يصطاد من نيلها السمك الطريّ، وعن حافاته سائر أصناف الطير. وفي صحاريها سائر أنواع الوحش، فهذا ما يوجد في إقليم غيره. وذهبها أجود الذهب. وفيها معدن الزّمرّد بصحراء عيذاب، والشبّ الأبيض ببلاد الواحات. ... وكان في زمن الملك الكامل (١)، والصالح نجم الدين أيّوب (٢) ولده مرتّب على مقطعي الواحات أن يحملوا إلى الأبواب الشريفة في كل سنة (ألف) (٣) قنطار شبّ أبيض، بحكم أنهم أطلقوا لهم الجوالي بالواحات برسم أجرة حملها للشبّ، فأهمل وبطل، وتقادمت عليه السنين (٤) إلى الآن. والله أعلم. ذكر الواحات وعجائبها وهي أربع الواحات (٥). مسيرة كل واح إلى الآخر ثلاثة أربعة (٦) أيام. وكذلك مسيرة الواح الخارجة من أسيوط إليها، ومن منفلوط أربع (٧) أيام. وبين أسيوط وبين الواح الخارجة وادي (٨) عظيم، طويل من القبلة إلى بحريّ جميعه نخيل وأشجار وغيره، وعيون ماء، وقرى خراب تنتهي إلى الطرّانة وتروجه، وهو بلا ساكن. وكان في الزمان

стр. 30

الأول عامرا، والآن يأوي إليه بعض العربان في أيام التمر، يأكلوا (١) تمره ويرحلوا (٢) عنه، وهو مقطع الطريق. ذكر (آبار) (٣) الواحات وعيونها وهو أنه لها آبار تحفر، طول ما فيها عمقه ماية وثمانون ذراعا، وأقصره خمس (٤) عشر ذراعا، والجميع تسرح منها المياه نبعا فائضا جاريا على وجه الأرض يسقي الزرع، وينتفع به دائما مدرارا لا ينقطع أبدا. صفة حفر آبارها وهو أنه له حفّارون وغطّاسون (٥) لذلك، فيحفروا (٦) البير مربّعا على قدر اتساع ما يرونه، ولا يزالون يحفرون وهم نازلون إلى أن يصلوا إلى الصخر مهما كان عمقه من الطويل والقصير، فإذا وصلوا إلى الصخر عملوا تابوتا مربّعا مقلفطا، سفل (٧) على طول البير، وينزلوه (٨) في البير يجلسوه (٩) على الصخر، ويقلفطوا بينه وبين الصخر، فإذا استوى على الصخر نقروا الصخر ونزلوا فيه على حكم التربيع إلى أن يحسّوا بالنداوة، ويعلم أنهم قربوا من الماء، فعند ذلك يبطلوا الحفر في الحجر. ولهم وتد من حديد مربع يشبه السّكّة، وسع أربع خمس (١٠) أصابع، في مثله من الأربع (١١) وجوه. وفي ذنب السكة أربع حلق من حديد، ويربط فيها أطناب ليف سلب ملآن طول الحفر، ويضربوا (١٢) السكة في الصخر ويسمّروها (١٣) فيه إلى أن يتخرّق الصخر وينفجر الماء من خلال السكة، فعند ذلك يقلفطوا (١٤) السكة ويمنعوا (١٥) الماء من الخروج، ويطلع الحجّار إلى رأس البير ويخرج منه. ثم يسلّطوا (١٦) على البير ماء من بير آخر يصبّ في البير إلى أن يمتلئ نصفه أو ثلثه. ثم يقعدوا (١٧) الرجال في السلب

стр. 31

ويخلخلوا السكة فيقلعوها (١)، فعند ذلك يخرج الماء من مكان السكة ويطلع بزخم يفور إلى أن يمتلئ البير ويفيض ويسرح على وجه الأرض بقدرة الله تعالى مدرارا لا ينقطع أبدا. وجميع عيونها على هذه الصورة، فهذه من أغرب العجايب وأعجب الغرايب، فسبحان القادر على كل شيء. وذكروا أيضا أنّ لهذه الآبار قلافطة وغطّاسين، إذا فسد شيء منها من الخشب في طول المدّة نزلوا غيّروه وقلفطوه بالعدّة والمساق، ويقعد القلفاط غاطس (٢) نصف نهار. وإن وقع في البير حجر أو طوب سدّ النقب نزلوا (٣) الغطّاسون نظّفوه وأصلحوه. [خيرات مصر] والشّبّ (٤) بوادي (٥) يعرف بالأسيوطي قبالة أنفوا على طريق الواحات. وفيها كيزان الفقّاع من بلاد قوص والبرام بقنا. وفيها حجر السّنباذج والنفط (٦). وفيها النّطرون (٧) والقلقند في وادي الطرّانة. وفيها الحجر الصمّ المانع بجزائر أسوان. وفيها الرخام الأبيض، معدن بصحراء قوص. والرخام الأسود بجبل مصر. وأمّا النّفط (٨) فإنه معدن على طريق عيذاب ببركة يقشط من على وجه الماء شبه الزيت الحارّ. وفيها الجبس الأسود، والطابق، والزجاجيّ أنواع. وفيها الطوب القادح، والجير، والقراطيس، والحطب السّنط الذي ما يوجد في سائر الدنيا مثله، لأنه يوقد منه ما عسى أن يوقد من القناطير في طول المدّة، فلا يرى له دخان كدخان سائر الأحطاب، ولا رماد إلاّ النّزر اليسير. وفيها دهن البلسان (٩)، وزيت الفجل، والكتّان، والقرطم، والسّلجم، والخيس.

стр. 32

وفيها معمل الفرّوج الذي ما يوجد إلاّ في إقليم مصر خاصّة. وفيها اللبن الحليب، والحامض دائما، ولبن الراس، والحلو، والجبن الطريّ، والمقلي دائما لا ينقطع. وكذلك الموز، والزهور الدائمة، والخضراوات، والمحمّضات، والليمون، والنارنج في الصيف والشتاء والربيع والخريف وكذلك الملوحات. ولا توجد في سائر الدنيا مثل أعنابها ولا سيما عنب سخا ونقائه. وكذلك جزائر الرمّان والذي (١) أنشئت بفارس كور، وغيرها، وكرومها وما ينقل في كل يوم إلى مصر من الرمّان في المراكب ما لا صفة له من كثرته في زمانه، ولا أكثر من بطّيخها الأصفر والأخضر في زمن الصيف والشتاء. ولا مثل ما فيها من الخيار شنبر، والحنّا، والكتّان. ولا مثل ربيع خيلها في البرسيم الذي ترعاه الدوابّ. ولا مثل الرطب العال، والبسر الفخر، والبيراف، والنّيدة. وقيل: إنّ أول من صنع النّيدة مريم ابنة عمران أمّ عيسى ﵇، فإنّها عزّ لبنها، فشكت إلى الله تعالى من ذلك فأوحى الله إليها أن اصنعي النّيدة، فصنعتها، وأكلت منها، فدرّ لبنها بقدرة الله تعالى، ولعقت منها لعيسى ﵇. وفيها القماش الإسكندري الحريري، والشرب، والدمياطي، والمقابير، والمقانع السّقلابي، والأطراف الشاشات الخليفتية، والأبراد الأبيارية، المحرّر والغزل، وغير ذلك ما لا نظير له في سائر البلاد. ولا مثل عسلها النحل وشمعه، وسكّرها القفطيّ، والمكرّر، والنبات وقطره، وعسله، وقصبه. ولا يوجد في الدنيا مثل خمرها، وخلّها، ولحومها، وجميع خيراتها. وكذلك القلقاس دائما لا ينقطع أبدا، لأنه يدرك الجديد والعتيق في المخازن يستعمل. وقال السليماني: طفت البلاد، ودرت الأقاليم بأسرها، فما رأيت مثل رطب توت (٢)، ورمّان بابه (٣)، وموز هتور (٤)، وسمك كيهك (٥)، وماء طوبه (٦)،

стр. 33

وخروف (١) أمشير (٢)، ولبن برمهات (٣)، وورد برموده (٤)، ونبق بشنس (٥)، وتين بؤونه (٦)، وعسل أبيب (٧)، وعنب مسرى (٨). وحسبك من مدينة يطحن فيها في كل يوم نيّف عن خمسة آلاف ومايتي إردبّ قمح مونة، خارجا عن الأرياف وما ينقل إليها من الدقيق، وما يطحن بالرحى. وأمّا ما حرّرته من ذلك، ففيها ألف ومايتي (٩) وتسعون حجر طاحون علامة وخشكار، تفصيله، بالقاهرة المعزّيّة خاصّة: ستماية وثلاثون حجرا، علامة مايتا حجر، وخشكار أربع ماية وثلاثون حجرا بمصر علامة وخشكار مايتا حجر. وبالضواحي أربع ماية وستّون حجرا، معدّل ذلك ما يطحنه كل حجر في اليوم والليلة إذا كانت دوابّا جيادا خمسة أرادب بالمصري، عن الجميع في اليوم ستة آلاف وأربع ماية وتسعين (١٠) إردبّا. في الشهر ماية ألف [و] أربع وتسعين ألف (١١) وسبع ماية إردّبا (١٢). في السنة ألفي (١٣) ألف وثلاثماية ألف وثمان وعشرون ألف إردبا (١٤). وذلك خارجا عن علوفات الخيول من الشعير، والدوابّ، والجمال، والبقر من الفول، فسبحان رازق العباد بغير حساب.

стр. 34

[أسماء ملوك مصر قبل الطوفان] وأما أسماء ملوكها ومن عمّرها من قبل الطوفان، بما شاء الله وإلى الآن، فإنه قال صاحب «التاريخ الكبير» وهو ابن حنّون (١) الطبريّ (٢): إنّ أول من عمّر مصر وسكنها قبل الطوفان رجل يقال له قفطريم بن راويل بن عاويل بن قابيل بن آدم ﵇. ثم ولده مصريم، ثم انتقلت إلى شهلوق (٣). ثم (إلى) (٤) شرناق (٥) الأنطاكيّ. وله قصّة عجيبة، فملكها ماية وثلاثين سنة. وكان قد أتقن أمرها بالسحر. ومن جملة ذلك أنه عمل على باب كل مدينة من مدائن مصر بطّة من نحاس مجوّفة، فأيّ غريب دخل من باب تلك المدينة صفرت البطّة وصفّقت بجناحيها، فيبادر إليه فيمسك (٦). ثم مات شرناق (٧)، فملكها ولده شهلوق (٨) ستّ (٩) وتسعين سنة، وخلع نفسه، وانعكف على العبادة وخدمة بيوت النيران (١٠). وملكها ولده شونتير (١١)، فأقام اثنا عشر (١٢) سنة. وهلك أبوه شهلوق، واستمرّ

стр. 35

ولده شونتير في الملك بعده ماية وعشرين سنة (١). وهو الذي بنا (٢) الإهرام والبرابي. وكان فيهما اثنين وسبعين (٣) ألف فاعل وصانع تعمل (٤)، وكان حفر أساسها وتحريره في ستّ سنين (٥)، وتكمّلت عمارتها في ستين سنة. وإنّها من أسفل كما هي من فوق. وذكر أنّ من تاريخ عمارتها وإلى سنة ستّ عشر (٦) وسبع ماية: أربعة آلاف سنة وسبع ماية سنة وستّ وسبعين (٧) سنة. وأنّ الثلاثة أهرام (٨) آزاج (٩) وقبور لا غير. فالهرم الشرقيّ دفن فيه شونتير، وبابه من بحري، وهو مدوّر، وقد طبّقوا عليه حجرا واحدا، وأتقنوا أمرها بالسحر، وسحرها عمّال إلى الآن. كما وكان على رأس الهرم صنما عظيما كبيرا (١٠) يسمّى بهوه، فأفسده الطوفان ورماه، وقد بقي أثره ورأسه إلى الآن. ويسمّونه (١١) الناس: «أبو الهول». وقيل: إنّ هذا الرأس المسمّى أبو الهول نحتوه من أصل الجبل الذي هو فيه. وقيل: إنه لما وقع من طول السنين تمادت عليه واضمحلّ البدن، واختلط مع الجبل، وصار كما يرى. والقدرة صالحة لكل شيء. والهرم الغربيّ دفن فيه «هرجنت» (١٢) أخو شونتير. والهرم الصغير دفن فيه «أفروس» (بن) (١٣) شونتير (١٤). (وكان سبب

стр. 36

عمارتها (١) أنّ الملك شونتير) (٢) رأى في منامه رؤيا هالته وأزعجته، وهو أنه رأى على ثلاثة (٣) دفعات: الأولى: رأى كأنّ الأرض انقلبت بأهلها، والناس يهوون منها سفلا على روسهم (٤)، وكأنّ الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعض (٥) بأصوات هائلة. ثم بعد سنة رأى ثانية كأنّه في هيكل له يعرف بدقياوس (٦)، وخمسة من الكواكب محصورة في عقدة الذنب، وكأنّ الجوزهر هابطا (٧). والشمس قد انكسفت ولم يبق منها إلاّ القليل، وكأنّ القمر (قد) (٨) انحدر من السماء في صورة امرأة باكية تشكوا (٩) زوالها (١٠) عن بيتها. ثم بعد شهر رأى الثالثة، وكأنّ الكواكب الثابتة في صور طيور بيض وكأنّها تختطف العالم (الذي بينها وتلقيهم بين جبلين عظيمين، والجبلين قد انطبقتا (١١) على العالم الذي بينهما) (١٢) وكأنّ الكواكب النيّرة كلها مظلمة (١٣). ففسّرها «أفليمون» الكاهن والسحرة الذين كانوا في زمانه أنها تدلّ على حادثة الطوفان (١٤). وكذلك كان، والله أعلم. وقصّته عجيبة ما أمكن شرحها هنا لئلاّ نطوّل الكتاب. وإنّما فسّر الرؤيا أيضا أفليمون رئيس سحرة زمانه أنها تدلّ على حادثة تقع من السماء وتطلع من الأرض، وهو عنصر الماء، يفسد كلّما (١٥) على وجه الأرض إلاّ قليل (١٦) من الناس. فشرع في عمارة الأهرام لتكون مثوى لأجسامهم وذخائرهم حتى لا يفسدها وتفسد (١٧) آثارهم الطوفان (١٨).

стр. 37

فلما مات شونتير تملّك بعده أخوه «هرجيت» (١) فمكث ماية وثلاثون (٢) سنة، ومات (٣). فملك بعده «أفروس» (٤) بن شونتير ماية وخمس عشر (٥) سنة، ومات (٦). فملك بعده ولده «مياوس» (٧). وظهر الطوفان في زمانه، وغرقت الأرض وكلّ من فيها وعليها إلاّ نبيّ الله تعالى نوح ﵇ وأولاده وأولاد أولاده والذين آمنوا معه، وركبوا في السفينة كما أخبر الله تعالى من سائر الخلق. فلما أنّ كفّ الله الطوفان وجفّت الأرض لم يكن في سائر الدنيا إلاّ نوح ﵇ وأولاده ومن معه، فاستقرّت على جبل جوديّ، فقسّم نوح ﵇ الأرض لأولاده. وكان قد عاش نوح ﵇ من العمر ألف (٨) وأربع ماية وخمسون (٩) سنة. ودليله ما روي عن ابن عبّاس ﵁ أنه قال: لما أرسل نوح ﵇ إلى قومه كان عمره مايتي سنة وخمسين سنة، ومكث في قومه ينذرهم، كما أخبر الله تعالى في الكتاب العزيز، ألف سنة إلاّ خمسين عاما، وعاش بعد الغرق مايتي (١٠) وخمسين سنة. وكان قد ولد لنوح ﵇ خمسة من ولد: سام، وحام، ويافث، ويخطون (١١)، ويام الغريق. فأمّا «يخطون» فإنه ما أعقب. وأمّا سام، وحام، ويافث، فجميع البشر منهم ومن أولادهم، فقسّم نوح ﵇ الأرض لأولاده الثلاثة، فأعطى سام: اليمن، والحجاز، والشام، والروم، والعراق، فهو أبو العرب، والروم، وفارس. وأعطى حام: مصر، والغرب، وبلاد السودان، فهو أبو القبط، والبربر، والسودان. وأعطى يافث: بلاد الترك وما وراء السدّ، ويأجوج ومأجوج، فهو أبو الترك. وولد

стр. 38

لكل ولد من هؤلاء الأولاد الثلاثة أولاد. وولد لسام ثلاثة أيضا، ولد له لاوذ، ويقال له لود، وهو أبو العمالقة. وإرم وهو أبو شدّاد بن عاد بن عاد، ويقال له: ثمود وأولادهم، وأرفخشذ وهو أبو الأنبياء وسائر العرب. وأمّا حام ولد له أربعة: كنعان، وهو أبو السودان، لأنه جبل في الرجز فخرج أسودا (١). وابنه الثاني كوش وهو أبو السند والهند. وابنه الثالث: قوط، فهو أبو البربر. وابنه الرابع: بيصر، فهو أبو القبط. وكان بيصر هو الذي ساق أباه حام وإخوته وأولادهم إلى مصر فنزلوا بها وعمّروها وسكنوها. وكانوا ثلاثين نفسا. فأول ما نزلوا منها منف فعمّروها، فسمّيت مافه، ومافه بلسان القبط: ثلاثين (٢). فاستعربت الآن لمنف. وكان اسمها قبل الطوفان «مزنه»، وهي أول مدينة عمّرت بمصر بعد الطوفان (٣). وقيل: إنّ أول مدينة عمّرت بالديار المصرية قبل الطوفان بدو من الشرقية، وفي الشام: أنطاكية. والله أعلم. ثم ولد لبيصر بن حام بن نوح ﵇ أربعة: مصر، وفارق، وماح، وباح (٤). وكان مصر أكبر أولاده، وهو الذي دعا له نوح ﵇، فجاز بيصر لأولاده قطعة من الأرض، وهي من بين الشجرتين خلف العريش إلى أسوان طولا، ومن برقة إلى أيلة عرضا (٥). ذكر دعاء نوح ﵇ لمصر ولد ولد ولده وسبب ذلك أن نوحا ﵇ رغب إلى الله تعالى وسأله أن يرزقه الإجابة في أولاده وذرّيته حتى يتكاملوا بالنّماء والبركة، فوعده الله بذلك، فنادى نوح ﵇ ولده وهم نيام عند السحر، فأجابه سام وهو يسعى إليه، وصاح سام لأولاده، فلم يجبه منهم إلاّ أرفخشذ، فانطلق به إلى نوح ﵇، فوضع يده اليمنى على سام، ويده اليسرى على أرفخشذ، وسأل الله تعالى أن يبارك في سام أفضل البركة، وأن يجعل النبوّة في ولد أرفخشذ، ثم نادى نوح، عليه وعلى نبيّنا

стр. 39

أفضل الصلاة والسلام، ولده حام، فلم يجبه وتقلّب يمينا وشمالا، ولا أحد من أولاده. فدعا نوح ﵇ على حام أن يجعل أولاده أذلاّء عبيدا لولد سام. وكان مصر نائما إلى جانب جدّه حام، فلما سمع دعاء نوح على جدّه قام يسعى إليه وقال: يا جدّي قد أجبتك إذ لم يجبك أبي ولا أحد من أولاده، فاجعل لي دعوة من دعائك. ففرح به نوح ﵇ ووضع يده على رأسه وقال: اللهم إنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذرّيته، وأسكنه الأرض المباركة التي هي أمّ البلاد وغوث العباد التي نهرها أفضل أنهار الدنيا، واجعل فيها أفضل البركات، وسخّر له ولولده الأرض وقوّاهم (١) عليها وذلّلها لهم (٢). فملك مصر وأعمالها بيصر بن حام. [بناء مصر القديمة] فلما توفّي بيصر استخلف ولده مصر، فبنا (٣) مصر القديمة وسمّيت به. [ملوك مصر] ثم إنّ مصر ولد له أربعة (من الولد) (٤). . خلق ملكا في غامض علمه، رجله الواحدة بقدر السماوات والأرض والعرش والكرسيّ. ورجله الأخرى مشتالة في غامض علم الله، وتسبيحه: «يا ربّ أين أضعها». فسبحان الله الكبير المتعال. ثم ملكها بعد الوليد بن دومغ (٥) ولده الريّان (٦) صاحب يوسف الصّدّيق ﵇. وكان الريّان قد رأى رؤيا في منامه فعبّرها يوسف ﵇ وهو في السجن،

стр. 40

فأرسل إليه الريّان وأخرجه من السجن وقيّده بقيد من ذهب وطوّقه بطوق من ذهب، وألبسه ثيابا جددا، وأعطاه دابّة مسرجة ملجمة مزيّنة من دوابّ الملك، وقلّده خلافة الملك، وركب، وضرب له بالطبل وبوقين بمصر، ونودي له أنّ يوسف خليفة الملك (١)، وجعله متسلّما خزائن الأرض، كما أخبر الله تعالى في الكتاب العزيز (٢). ثم أشرط الريّان على يوسف ﵇ أن يكون كرسيّه أعلا (٣) من كرسيّ يوسف ﵇ بأربع (٤) أصابع. فقال له يوسف: نعم (٥). وقلّده ملك مصر. وكان عمر يوسف ﵇ ثلاثين سنة. وملك مصر ماية سنة، فكان عمره ماية وثلاثين سنة (٦). نكتة يوسف ﵇ جرى منه اثنتين (٧): إحداهما أنه قال له أبوه يعقوب ﵇: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ﴾ (٨) الآية. فخالفه وقصّها، فكانت جناية ذلك (رميه) (٩) في الجبّ وبيعه ورقّه وفراق أبيه. فهذه ثمرة مخالفة الوالد وإفشاء السرّ. والثانية: قوله وهو في السجن لرسول الملك: ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (١٠) فكان جناية ذلك مكثه في السجن بعد ذلك سبع سنين. فهذه ثمرة من يسأل المخلوق ويرجوه (١١). وممّا رواه الليث بن سعد (١٢) عن مشايخه أنه قال: اشتدّ الجوع على أهل مصر فاشتروا الطعام من يوسف ﵇ بالذهب حتى لم يجدوا ذهبا، فاشتروا بالفضّة حتى لم يجدوا فضّة، فلم يزل يبيعهم يوسف ﵇ الطعام حتى لم يبق لهم ذهب ولا فضّة ولا غنم ولا شاة ولا بقرة في تلك السنين، فأتوا إليه فقالوا له: لم يبق لنا شيء إلاّ أنفسنا وأهلونا وأرضنا، فاشترى يوسف ﵇ منهم أرضهم وأنفسهم بالطعام، ثم أعطاهم الطعام يزرعونه، على أن يكون للريّان
следующие страницы →