جامعة عين شمس
كلية الآداب - قسم اللغة العربية وآدابها
السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية
«دراسة نصية مقارنة للحصول على درجة الدكتوراه»
مقدمة من الطالب
محمد مصطفى عبد السلام
تحت إشراف
الأستاذ الدكتور عفت الشرقاوي
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله ﷺ ، وبعد ..
ليس الغرض من دراسة السيرة النبوية مجرد الوقوف على الوقائع التاريخية، أو سرد طرف من القصص والأحداث، شأنها شأن الاطلاع على سيرة أحد الخلفاء في الأزمنة الغابرة. إن الغرض من السيرة أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية متجسدة مجموعة في حياته ﷺ .
فليست سيرته إلا تطبيق الوحى المنزل من السماء لهداية البشر في شؤنهم كافة وبالتالى يتضح لنا:
١ - أن اختيار الرسول ﷺ لهذه المهمة العظمى، إنما هو اختيار للمثل الأعلى لكل شأن من شؤن الحياة الفاضلة التى أرادها الله تعالى لسعادة البشر، ومما لا شك فيه حينئذ أن الانسان إذا أراد البحث عن مثل أعلى في كل ناحية يطلبها من نواحى حياته، الروحية والمادية، النفسية والبدنية فإنه سيجد ذلك بشكل تام الوضوح متناسب الاركان وفي أعلى الكمالات في النبي ﷺ ، وفي ذلك يمن الله تعالى على الناس فيقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
٢ - إن تأمل ما سبق يدل دلالة واضحة على صدق نبوته، وصحة رسالته ﷺ إذ دراسة سيرته تبين بجلاء أن ذلك المثل الأعلى فعلاً وقولاً ظاهراً وباطناً هو الرسول محمد ﷺ ،
стр. 3
وأن وفاء سيرته بهذا المثل الأعلى بكل هذه التفصيلات، الدقيقة لحياته لم تكن لأحد من قبل ممن أوتوا النبوة، فضلاً عن أدعيائها من قبل ومن بعد.
٣ - إن فهم شيء عن شخصية النبي ﷺ بهذه النظرة لابد أن يكون من منظور النبوة لا من أي منظور آخر، إذ لن يفسر كثيراً، بل كل أحواله ﷺ إلا كونه موصولاً بالسماء مؤيداً بالوحى.
٤ - دراسة سيره النبي ﷺ الزاد الذى به يفهم القرآن الكريم وتتجلى معانيه تجلية حقيقية كصورة صادقة لمقصود الشارع، فيكون لدى المعلم والداعية الإسلامي نموذج حى عن طرائق التربية والتعليم والنصح ولإرشاد كل ذلك هداية للافراد والجماعات ليكونوا أعضاء فعالين ناجحين في المجتمع الصالح، فسيرته ﷺ تقدم لنا نموذج الشاب المستقيم في سلوكه، والنموذج الرائع للداعية إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة الباذل منتهى الطاقة في سبيل ابلاغ سالتة، ولرئيس الدولة الذى يسوى الأمور بعدل ورحمة وحذق الدقيق بين الحقوق والواجبات في أسرته، وللقائد الحربى والسياسى المحنك الصادق والمتعبد المتبتل في دقة وعدل، والمعاشر لأهله وصحبه بحسن العشرة والمصاحبه. (١)
أهمية البحث:
علاوة على ما تقدم من أهمية السيرة النبوية، جاءت هذه الرسالة لتضيف أهمية سيرته في القرآن الكريم، لأنه كان خلقه ﷺ القرآن (٢)، فكان بحث السيرة في القرآن مما يضيف جديداً للبحث العلمى في هذا الباب من ناحيتين:
стр. 4
الأولى: المقارنة بين ما نزل من القرآن ووقع في السيرة النبوية وهو طراز جديد من الكتابة يبين مراد القرآن الكريم من القصص والعبر المأخوذة منه والحكم والفهم عن الله والتحذير وغيره مما جاء به القرآن الكريم ليفيد المسلمين مطلوب الهداية من سيرته ﷺ ، وليميز للمؤمنين المتقين مراد الله وحكمته وموعظته وشرعه إلى آخر ما أشرنا إلى شيء منه مع المقارنة بقصص الانبياء السابقين وشيء من سيرتهم ليحذر المشركين من سوء عاقبة ما هم فيه، ويبشر المؤمنين بنصر الله إلى كثير مما دق أو جل مما جاء في القرآن الكريم.
الثانية: المقارنة بين ما جاء في القرآن عن الرسول ﷺ وعن الأنبياء ﵈ مما يوضح أم مشكاة النبوة واحدة، ويبرهن على ما ادخر الله من فضل لهذه الأمة، وعلى أن النبي ﷺ سيد ولد آدم ولا فخر.
وإن ما نزل بالمسلمين اليوم - وعلى رأسه - مهاجمة النبي ﷺ طعناً في دينه ورسالته استمرار الغزو الفكرى لبلاد الإسلام، ليعطى أهمية أخرى للرد على المستشرقين الذين أسسوا فكرهم على هذا السوء وذلك البهتان، وكان اختيار الأستاذ الدكتور المشرف لمونتجمرى وات للرد عليه من أصوب الاختيارات وأدقها، لأن وات يتقمص المذهب المؤدب المتسربل بالعلمية والحياد والنزاهة، وهو أخطرهم جميعاً فهو محصلة السابقين، وأسوة المتأخرين لذلك كان الرد عليه وإظهار حقيقته، في الحقيقة رد على الأولين منهم والآخرين فكان مما شمله هذا البحث هو الرد على وات وإظهار وجه السيرة الناصع مما أثاره عليه وات من غبار ومن ورائه طابور المستشرقين جمعياً.
وكانت محبة النبي ﷺ وشرف الانتماء إلى دينه القويم من وراء ذلك كله هي الأهمية الحادية على وضع هذه اللبنة فخاراً بالدفاع عنه، وإن كان دفاع أمثالنا وعدمه سواء فمن نحن لندفع عمن كان بفضله سبحانه سبب الدفع عنا، وسبب سعادتنا في الدنيا والأخرة.
стр. 5
منهجى في البحث:
أحاطت بالبحث مناهج عدة:
أولها: منهج كتابة السيرة. وقد اعتمدت منهج المحدثين إذ هو أدقها في تصحيح الوقائع وتضعيفها بما لم يصل إليه منهج آخر، وما ورد من وقائع وأحداث تاريخية في غير العقيدة والتشريع أخذت بها على طريقة المؤرخين غير متشدد فيها.
الثاني: منهج التفسير. وكان أهمها وهو المنهج الذى وضعت لبنتة الأولى في رسالة الماجستير، وهو منهج التفسير الموضوعى فهو المحيط المتتبع للموضوع في القرآن الكريم كما بينت ذلك نظرياً وتطبيقياً مما يلم بالموضوع ويظهر جماليات النصوص وعلو بلاغتها المؤدى في كثير إلى بيان حد الإعجاز علاوة على المقارنة والدراسة النصية والتحليلية.
وكذلك التفسير بالمأثور لإثبات هذه القائع والسير، مع التفسير بالرأى الصحيح عامة.
الثالث: المنهج المقارن. وقد خصصت منه ما يتعلق بالموضوع الواحد بمقارنة النصوص الواردة فيه.
الرابع: المنهج النقدى المنبنى على دراسة النص في ذاته ثم مقارنته ببقية النصوص، وقد استخدمت ذلك مع وات وغيره لتصحيح الصحيح وإظهاره وتزيين الباطل ودحضه.
لقد كان لتعدد منهج البحث بهذه الطريقة صعوبة الإحاطة بجزء ولو يسير في كتابة السيرة، ولكن لما ذكرنا من أهمية البحث، كانت محاولة الباحث القيام بهذا الجزء لإيضاح السيرة بهذه الطريقة، لعلها تكون لبنة متواضعة يرجى البناء عليها لتكون السيرة هي الموسوعة الشاملة لكل ما يتعلق بأحوال النبي ﷺ وأخلاقه ومعاملاته وصفاته وهدايته لأمته.
стр. 6
إن هذا لأمل نرجو للمخلصين القيام به، وقد وقف البحث في أبوابه عند حدود ولم يستكملها نظرا للطول الشديد مع الاختصار لو استكمل شيئاً من ذلك، وهو مما يؤسف له ويحزن عليه، ولعل الله أن يبارك في الجهد والعمر لتكملة ما يمكن إكماله من هذا البحث.
قسمت البحث إلى مدخل وثلاثة أبواب وخاتمة:
الباب الأول: سيدنا محمد ﷺ في القرآن الكريم ويشتمل على ثلاثة فصول:
- الفصل الأول: ثناء الله تعالى عليه ﷺ .
- الفصل الثاني: حقوقه ﷺ .
- الفصل الثالث: عصمته ﷺ .
الباب الثاني: الرسول ﷺ في مكة ويشتمل على ثلاثة فصول:
- الفصل الأول: من المولد إلى البعثة.
- الفصل الثاني: البشارات بالنبي ﷺ إرهاصاً بنبوته.
- الفصل الثالث: بدء الوحى.
الباب الثالث: العهد المدنى.
- الفصل الأول: أسس بناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية في المدينة.
- الفصل الثاني: غزوة بدر الكبرى.
стр. 7
وكان من فضل الله علىَّ التوفيق لأن يكون المشرف على الرسالة الأستاذ الدكتور/ عفت الشرقاوى، وهو من هو علماً وخلقاً خاصة، فكان الراعى لهذا البحث حتى خرج في ثوبه هذا، مع التكريم بوقته وجهده، ولم يبخل علىَّ بحسن توجيه ودقة ترتيب وزيادة مهمة تفيد البحث وتجعل له قيمة من الناحية العلمية، مع سعة صدره وصبره على فيما أنا فيه من أمراض وعلل، فالله يتولى جزاءه وحسن مثوبته على ما قدم من علم وبذل من جهد.
وفي النهاية ذلك جهد المقل، وبضاعتى المزجاة في خدمة الدين والذب عن رسول الله ﷺ ، أرجو أن تكون في محل القبول عند الله قبل الناس، وأن يعفو عنى في تقصيرى وما بدر منى.
الباحث
стр. 8
الباب الأول
سيدنا محمد ﷺ في القرآن الكريم
стр. 9
تمهيد
يقدم الباحث في هذا الجزء من الرسالة دراسة ما يتعلق بالرسول ﷺ في القرآن الكريم، فهو أصدق وصف له ﵊ وأدقه وأجمله وأشمله، ثم إنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه خاصة أنه نزل على قوم شاهدوا تلك الأوصاف، وعاينوا تلك الأخلاق وعاشروا صاحب هذه السمات، وكان لهم مع عداوتهم له أن يردوا ذلك، أو يشككوا فيه إذ كان ذلك أسهل في رد الدعوة وإبطالها من القتال والقتل، وما ورد عن هؤلاء حينما كانوا أعداء كفرة إلا التسليم بتلك الصفات، والإذعان لهذه الأخلاق، وذلك صريح الإعلان بتصديق القرآن، والتسليم له بهذه الأوصاف، وسنشير بإذن الله تعالى إلى تفصيل تلك الآيات، تفسيرها وما يتعلق بذلك.
وطريقتنا في البحث - كما قدمنا - هو عرض النصوص، ودراستها دراسة نصية ومقارنتها ببعضها، واستخلاص النتائج، مع التحليل وإظهار جمالياتها، بلاغةً ولغةً، مع مراعاة المكى والمدنى منها، والترتيب التاريخى لها، وكلها ترد على المستشرقين أصحاب الادعاءات الكاذبة من مثل العلمية، والإنصاف، والحياد، حيث لم تصمد هذه الدعاوى أمام أي نقد نزيها كان أم غير نزية للأسف، فليس ثَمَّ إلا التعصب.
وباستقراء آيات القرآن الكريم، والاستعانة بكلام العلماء في تتبع ما جاء في القرآن الكريم عن النبي ﷺ وجدناه ينقسم إلى أقسام كثيرة، اخترنا منها ثلاثة أقسام تدل على ما وراءها وتوفي بالغرض، وتغطي جوانب الموضوع، وتركنا الباقى - مع أهميته - اختصاراً، وهي:
стр. 10
الأول: في ثناء الله تعالى عليه، وإظهار عظيم قدره عند ربه وما خصه به من كرامته في الدارين (١)، مع تكميل المحاسن له خَلْقاً وخُلُقاً، وما أظهره عليه من الكرامات، وشَرَّفَه به من الخصائص.
الثاني: حقوقه التي فرضها الله على عباده من لزوم الإيمان به ومحبته ووجوب طاعته واتباع سنته، وتوقيره وبرِّه، وتعظيم أمره، والصلاة عليه ﷺ .
الثالث: عصمته ﷺ في الأمور الدينية، وما يجوز أن يطرأ عليه من الأعراض البشرية، مع العرض والرد لما يوهم مخالفة ذلك للقرآن الكريم.
стр. 11
الفصل الأول
ثناء الله تعالى عليه ﷺ
стр. 12
المبحث الأول
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
ونبدأ بدراسة القسم الأول، وأول آية تصادفنا فيه من ثناء الله تعالى على النبي ﷺ ، وتبين رفيع منزلته، وعلو قدره، هي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقدمنا بها الكلام لأنها نزلت في أول ما نزل من القرآن الكريم إذ هي قد نزلت بعد قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ حيث قررنا من قبل أننا سنراعي الترتيب الزمني في ذلك؛ لأن الدراسة بالأصالة في سيرته، وتلك كالمقدمة بالتعريف لصاحب السيرة ﵊.
وعلى أية حال ننظر في الآية الكريمة لنحللها، ونبدأ بها هذا القسم.
وأول ما يلاحظه الباحث في هذه الآية الكريمة أنَّ الله اصطفى سيدنا محمدًا ﷺ لتَحَمُّل الرسالة والنبوة وهو في غاية الخُلُق وأعلاه، بل وهو على عظيم الخُلُق وأجَلِّه، وهو دليل على حيازة النبي ﷺ للكمالات النفسية كافة قبل البعثة، مما يدلّ على عناية الله تعالى المتقدمة بنبيه ﷺ ومبعوثه إلى الخلق، وهو ما يميز ويوضح لعموم الخلق صدق النبوة وصحَّة الرسالة، إذ كيف يتأتى لأحدٍ من العرب لا يزيد عليهم في شيء، بل هو ابن بيئتهم بثقافتها، وعلمها وغيره، أن يكون على هذه الحال الذي لم يبلغ شأوه أحد، ولن يبلغه أحد، بل إن الفارق بين شأوه وبين جميع الناس كالفارق بين السماء والأرض.
стр. 13
والعجيب أنَّه لم يمار أحد ممن عادوه وقاتلوه في هذه الأخلاق، وكانوا يناشدونه بتلك الأخلاق العالية أن يعفو عنهم، وقد لقَّبوه بالصادق الأمين (١).
وما كانت هذه الأخلاق، وهذه العناية لتوحد إلا لأننا في معرض أخطر أمر، وهو أمر النبوة والرسالة، إذ ما كان لأحدٍ أن يردَّها أو يدفعها، أو يشكك فيه فيقضي على الرسالة في مهدها بتكذيب الله أن يكون ذلك رسوله.
وأمر آخر، وهو أن الرسول ﷺ هو القدوة لهؤلاء المدعوين إلى الله تعالى، وكذلك الدعاة إليه، فكيف يكون فيه ما يشينه ويردّ دعوته بإظهار النقص والعيب فيها، إن ذلك قدح في المرسل سبحانه - وهذا ما يستحيل صدوره.
وقد رأينا التحدي في دعوته ﷺ إلى آخر لحظة من حياته الشريفة والعجز عن مواجهته، فكيف يكون في أول دعوته ما يبطلها؟
وقد بُدئ وصفه ﷺ في بداية البعثة بهذا الوصف بالذات؛ لأنه الدليل إلى ما بعده من الأوصاف، وهو البرهان الساطع على صدق ما سيلقيه عليهم بعد ذلك من توحيد، وعبادات ومعاملات وغيره، وعلى أن ذلك حق لا مرية فيه، صحيح لا شية فيه؛ لأن الناقل له، المبلغ به هو صاحب الخلق العظيم في هذه الحياة الدنيا، فكيف يقول كذباً، أو يتقول على الله تعالى ما لم يقله؟ وذلك يدل على صحة كل ما صدر عنه ﷺ ، ويؤيده قوله فيما نزل بعد ذلك في سورة النجم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] كما سنبينه في حينه إن شاء الله تعالى.
стр. 14
وثمة أمر آخر وهو أنَّ الرسول ﷺ جاء ليدعو الناس جميعًا إلى التزام أحاسن الأخلاق، والاتصاف بها، كما قال: (إِنَّمَا بُعِتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخلاق). (١)
وبالتالي لابد أن يكون أعلى الناس جميعًا خُلُقاً، لأنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، وإن كان مثلهم فلأي شيءٍ يدعوهم؟ ولذا وجدناه من أول بعثته أعظم الناس خُلُقًا، فلما وصفه ربُّه بذلك من حين ابتعثه، كان ذلك متسقًا تمام الاتساق مع دعوة الله تعالى الناس إلى توحيده ومعرفته، وعبادته، وإلى كل جميل من الأقوال، والأفعال في الظاهر والباطن.
وللأستاذ سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن" (٢) كلام جميل نذكره ملخصًا، يقول: ثم تجيء الشهادة الكبرى والتكريم العظيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾.
وتتجاوب أرجاء الوجود بهذا الثناء الفريد على النبي ﷺ ، ويثبت هذا الثناء العلوي في صميم الوجود، ويعجز كل قلم، ويعجز كل تصور عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من ربِّ الوجود، وهي شهادة من الله، وفي ميزان الله، لعبد الله، يقول له فيها: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾، ومدلول الخلق العظيم هو ما عند الله مما لا يبلغ مداه أحد من العالمين.
ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد ﷺ تبرز من نواحٍ شتى:
تبرز من كونها كلمة من الله الكبير المتعالي، يسجلها ضمير الكون، وتثبت في كيانه، وتتردد في الملأ الأعلى إلى ما شاء الله.
стр. 15
وتبرز من جانب آخر، من جانب إطاقة محمد ﷺ لتلقيها وهو يعلم مَنْ ربَّه هذا، قائل هذه الكلمة؟ ما عظمته؟ ما دلالة كلماته؟ ما مداها؟ ما صداها؟ ويعلم من هو إلى جانب هذه العظمة المطلقة، التى يدرك هو منها ما لا يدركه أحد من العالمين.
إن إطاقة محمد ﷺ لتلقى هذه الكلمة من هذا المصدر، وهو ثابت، لا ينسحق تحت ضغطها الهائل - مع أنها ثناء - ولا تتأرجح شخصيته تحت وقعها وتضطرب .. تلقيه لها في طمأنينة وفي تماسك وفي توازن هو ذاته دليل على عظمة شخصيته فوق كل دليل.
ولقد رويت عن عظمة خلقه في السيرة، وعلى لسان أصحابه روايات منوعة كثيرة، وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كل ما روى عنه. ولكن هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كل شيء آخر، أعظم بصدورها عن العلى الكبير، وأعلم بتلقى محمد لها وهو يعلم من هو العلى الكبير، وبقائه بعدها راسخاً ثابتاً مطمئناً، لا يتَكَبَّر على العباد، ولا ينفتح، ولا يتعاظم.
لقد كان - وهو بشر - يُثني على أحد أصحابه، فيهتز كيان صاحبه هذا من وقع هذا الثناء العظيم، وهو بشر ويعلم أصحابه أنه بشر، فأما هو فيتلقى هذه الكلمة من الله، وهو يعلم من هو الله، ثم يتماسك ويصطبر ويتلقى ويسير إنه أمر فوق كل تصور وفوق كل تقدير.
وما كان إلا محمد ﷺ بعظمة نفسه هذه من يحمل هذه الرسالة الأخيرة بكل عظمتها الكونية الكبرى فيكون كفؤاً لها كما يكون صورة حية منها.
إن هذه الرسالة من الكمال والجمال، والعظمة والشمول، والصدق والحق بحيث لا يحملها إلا الرجل الذي يُثني عليه الله هذا الثناء فتطيقه شخصيته، ثم يتلقى بعد ذلك عتاب ربه له بذات التماسك، وذات الطمأنينة، ويعلن ذلك كما يعلن تلك لا يكتم من هذه شيئًا، ولا تلك، وهو في كلتا الحالتين النبي الكريم، والعبد الطائع والمُبَلِّغ الأمين.
стр. 16
إنه محمد - وحده - هو الذي يرقى إلى هذا الأُفُق من العظمة، هو الذي يكافئ هذه الرسالة الكونية العالمية الإنسانية حتى لتتمثل في شخصه حية، تمشي على الأرض في إهاب إنسان، إنه محمد - وحده - الذي علم الله منه أنه أهل لهذا المقام.
والله أعلم حيث يجعل رسالته - وأعلن في هذه أنه على خلق عظيم، وأعلن في الأخرى أنه - جلَّ شأنه، وتقدست ذاته وصفاته، يصلي عليه هو وملائكته: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وهو - جلَّ شأنه - وحده القادر على أن يهب عبدًا من عباده ذلك الفضل العظيم.
انتهى تلخيصا لكلام المؤلف. (١)
وأما عند تحليل الآية الكريمة:
فأول ما يطالعه الباحث في ذلك هو العطف (٢)، وهو عطف جملة ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ على قوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وهو جواب القسم، أي إنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ ....﴾ مُقسَم عليه من الله جلَّ وعلا - وإن كان سبحانه لا يحتاج لقسمٍ لإثبات كلامه - وإنَّما ذلك لتبيين أهمية المُقسَم عليه وصدقه، وعلو شأنه، وأنه مفروغ منه، ولا يتطرق إليه الاحتمال، أو يمسُّه الشك.
والقَسَم هنا يجري على سنن الأقسام الصادرة في كلام الله تعالى بما شاء من عظيم خلقه الدالة على آثار صفاته وجلاله.
стр. 17
والقلم هو الوارد في قوله تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٤ - ٥]، لأنه الظاهر الذي يقتضيه حال أهل الكتاب، وعند من يعرف الكتابة من العرب، وهو المناسب لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]، وقد أقسم به لشرفه بأنه يكتب به القرآن، وكُتِبَت به الكتب المقدسة، وتُكْتَب به كتب التربية والأخلاق والعلوم، وكل ذلك له حظ شرف عند الله تعالى. (١)
هذا على التعريف المرجح في تعريف القلم، وقيل أيضًا ما يُكَنَّى عنه بالقلم من تعلق علم الله بالموجودات الكائنة، والتي ستكون (٢).
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] فالمقسم به الثاني، فالآيات فيها أمران مقسم بهما؛ وهما القلم وما يسطرون، والمقسم عليه ثلاثة، وهي نفي الجنون عن النبي ﷺ ، وإثبات الأجر والثواب له، والثالث كونه على خلق عظيم.
ونعود إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]، ومعناه السطور المكتوبة بالقلم، فإذا كانت ﴿مَا﴾ موصولة صار المعنى: أي وما يكتبونه من الصحف، ويجوز أن تكون مصدرية والمعنى: وسطرهم الكتابة سطورًا.
ويجوز أن يكون القسم بالأقلام التي يكتب بها الوحي وبالمكتوب والموحى به، ويكون القسم حينئذ بالقرآن نفسه على أن القرآن ما هو بكلام مجنون، وذلك كقوله تعالى:
стр. 18
﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٢ - ٣] فهو قسم بالقرآن على القرآن، وهو من بديع القسم، إذ القرآن هو الدليل والمدلول عليه في نفس الوقت، وهو قضية سنعود إلى توضيحها إن شاء الله في حينها.
وضمير ﴿يَسْطُرُونَ﴾ راجع إلى غير مذكور، وهو معلوم للسامعين، فكأنه قال: ن والقلم المكتوب، أي والمسطور، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ [الطور: ٢ - ٣]، لأن ذكر القلم ينبئ بكتبة يكتبون، والمقصود هو المكتوب، فهو بمنزلة الفعل المبني للمجهول، ومن فسر التفسير الثاني للقلم جعل ضمير ﴿يَسْطُرُونَ﴾ عائدًا إلى الملائكة في كتاباتهم ما يلقي إليهم من الله تعالى لتنفيذه، بضبط الكاتب بغير زيادة ولا نقصان.
كل ما سبق يبين ويوضح قيمة الآتي من الكلام، وعظمة معناه، واستقراره وثبوته؛ لأنه لا خُلْف لكلام الله تعالى، فضلاً عن قَسَمِه، ومن ثَمَّ أطلنا شيئًا ما لنبرز تلك الدرجة العليا التي تظهر نبوة النبي ﷺ وصدقها، ومدى صحة الرسالة وأنها وحيٌ من الله تعالى، ولا يمكن أن يكون إلا ذلك. (١)
وأوثر القسم بالقلم والكتابة للإيماء إلى أنَّ باعث الطاعنين على الرسول ﷺ واللامزين له بالجنون، إنما هو ما أتاهم به من الكتاب، فكان هذا من أقوى التحدي لهم
стр. 19
على صدق النبوة، وبرهانًا ساطعًا على الرسالة، لأن ما رموه بسببه من الجنون هو ذاته ما أقسم به دليلاً لصدقه، وحجة لمدَّعاه. إنَّ الأدلة المقطوعة على هذا النحو لهي إعجاز في نفسها وتعجيز للخصم بحيث لا يستطيع ردًا ولا دحضًا.
ونأتي إلى جواب القسم لنحلل آياته، ولنرى فيه قيمة المقسم عليه، وما فيه من إثبات الكمالات للنبي ﷺ ، ونفي النقص عنه، وذلك في الدنيا، مع عظيم الأجر والثواب في الآخرة.
والمقسم عليه ثلاثة كما ذكرنا آنفاً:
أولها: نفي الجنون عن النبي ﷺ ، والمقصود من نفي الجنون إثبات النبوة للنبي ﵊ لأنَّ المشركين قصدوا بإلحاق الجنون به وإثباته له نفي النبوة عنه، فلما أقسم المولى سبحانه على نفي الجنون فذلك إنما كان لإثبات ما قصد المشركون نفيه، فثبتت له النبوة.
وكان ذلك تسليةً أيضًا من الله تعالى للنبي ﷺ لئلا يحزنه هذا القول، وتسرية عنه لما لاقاه من أذى بحمله دعوة الحق، إذ كان يظن ﷺ أنه بدعوتهم إلى هذا الخير سيسرعون لتصديقه، وتأييده، والإيمان به، خاصة وأنه غير متهم عندهم، بل هو الصادق الأمين لديهم من قبل ومن بعد.
وأما رميهم له بالجنون ﷺ ، فهو ما ذكره القرآن الكريم عنهم في نفس السورة حيث شافهوا الرسول ﷺ به فيقول القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾ [القلم: ٥١]. وقد أكدوا قولهم هذا بحرف ﴿وَإِنْ﴾ ولام الابتداء ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾ فأُجيب على قولهم بمؤكدات أقوى مما في كلامهم إذ أقسم عليه أولاً، وجيء بالباء التي تزاد بعد النفي لتأكيده ثانيًا، وثالثًا بالجملة الاسمية منفية لدلالة الجملة
стр. 20
الاسمية على ثبات الخبر وهكذا كل ما ورد فيه نفى صفه الجنون عنه فإنما هو رد على أقوال المشركين كقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ وقد زل فيه صاحب الكشاف زلة لا تليق بعلمه (١).
وقد أكد القرآن أن نفي الجنون عنه أنه بسبب نعمة الله تعالى عليه، أو لتلبسه بنعمة الله جلَّ وعلا، فكيف يكون مجنوناً من هو محاط بنعمة الله متدثراً بها، فهى عليه كاللباس مشتملاً بها.
وهو ما يدل في محاجة المشركين على أنّ هذه النعم كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة، والعقل الكامل والسيرة المرضية، والبراءة من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، فوجودها تنافي الجنون وحصوله، وقد نبه الله تعالى على هذه الدقيقة لتكون جارية مجرى الدلالة اليقينية على كونهم كاذبين في قولهم له إنه لمجنون (٢).
يقول العلامة أبو السعود في "إرشاد العقل السليم" في ذكر قوله: ﴿رَبِّكَ﴾ حيث أظهر وصف الربوبية، وأضافها إلى النبي ﵇ والصلاة - أنه يدل على عظمة قيمة
стр. 21
هذه النعمة، وعلى تشريف النبي ﷺ بهذه الإضافة، وهذا نص كلامه: "والتعرض لوصف الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى معارج الكمال، مع الإضافة إلى ضميره ﵊ لتشريفه، والإيذان بأنه تعالى يتم نعمته عليه، ويبلغه من العلو إلى غاية لا غاية وراءها، والمراد تنزيهه ﵊ عما كانوا ينسبونه إليه حسدًا وعداوة، ومكابرة، مع جزمهم بأنه ﵊ في غاية الغايات القاصية، ونهاية النهايات الناهية من حصانة العقل ورزانة الرأي" (١).
بعد أن نَزَّه الله تعالى النبي ﵊ عن قول المشركين ودفع عنه بهتان أعدائه، وثَبَّته على دعوته، وصبَّره وسلاه، وبَيَّن نعمته عليه، وعظيم درجته عنده، أعقب ذلك كله بإكرامه بأجر غير ممنون، وهو الجواب الثاني للقسم الذي ذكرنا، وهو أنه أقسم له - سبحانه - بأن له أجرًا غير ممنون، وما يقسم إلا على عظيم، وهو ذلك الأجر الذي بشره به، وهو أجر عام يشمل أجر الدنيا، وأجر الآخرة جراء ما لقيه من أذى المشركين، وأن دعوته وتحمله وصبره سوف يرى نتيجته وعاقبته بعينه في الدنيا، ويوم يقوم الناس لرب العالمين، وذلك ما حدث من عناية الله به في الدنيا ونصره على أولئك المكذبين
стр. 22
والمستهزئين وغيرهم، ورفع رايته في الأرض، والتمكين لدين الله تعالى، مع ثواب الآخرة الدائم الذي لا ينقطع ولا يبيد.
وقد أكد هذا الثواب بـ ﴿إِنَّ﴾، وبلام الابتداء وبتقديم المجرور في قوله ﴿لَكَ﴾، وهو برهان جسامة هذا الأجر، وضخامته ووصوله إلى مرتبة لم يصل إليها أحد، دليل ذلك قوله ﴿لَكَ﴾ التي تفيد الاختصاص، بمعنى أنَّ هذا الأجر لك لا لغيرك، لم يحزه غيرك كائنًا من كان، فيدل ذلك على علو مرتبة النبي ﷺ ، ولما صح ووقع ذلك في الدنيا كان عنوانًا من عناوين صحة النبوة، وصدق الرسالة، فمن من المرسلين أو غيرهم رفعت رابته وانتشر دينه، ودام قوله، واستمرت تعاليمه على نحو ما كان له ﷺ مع ما حدث من مجابهة وحروب لم يعلمها على الحقيقة والتفصيل إلا الله جلَّ شأنه.
ودلَّ كذلك أنه سيد ولد آدم يوم القيامة إذ هو أعلاهم وأعظمهم، فهو أعلاهم منزلة، صاحب الوسيلة التي لا تنبغي إلا لأحد من خلق الله، هو النبي ﷺ .
وقيمة هذا الأجر وبقاؤه يوضحه قوله : ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ لا منَّ فيه: أي لا أذى فيه من المعطي للمعطَى له، من تعديده عليه، أو افتخاره به، وذكره له كما قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] ويجوز أن يكون ﴿مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع عنه، وهو الثواب المتزايد كل يوم، أو الأجر الأبدي الذي لا يفنى، فكانت كلمة ﴿مَمْنُونٍ﴾ لها من الإيجاز بجمع هذين المعنيين ما ليس لقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود: ١٠٨] في سورة هود، وهو هنا مناسب لتكريم (١) النبي ﷺ ولتبيان أعظم ما له من الثواب عند الله تعالى، فهو لا يصل إليه أحد فضلاً عن أن يدانيه، إذ هو له خاصة لا يشركه فيه غيره، ولا أذى
стр. 23
فيه، مع تزايده وأبديته فكان ذلك تأنيسًا وتثبيتًا لقلب الرسول مع البشرى والوعد الجميل بما لا مزيد عليه.
وبعد أن آنس نفس رسوله ﷺ بهذا الوعد، جاء المقسم عليه الثالث، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] فسفَّه رأي أعدائه بقولهم مجنون، ودفعه بما يذهبه ويبطله مما يعلمه قومه، فحقق أنه متلبس بخلق عظيم، وذلك ضد الجنون، وقد أكد بمؤكدين بحرف ﴿إِنَّ﴾ وبلام الابتداء أي أنه كلام لا يدع مجالاً لشك أو تردد، وكأنه يؤكد الواقع الذي لا يمارون فيه، ولا يكذبون به (١).
والخلق: طباع النفس وعاداتها وسجاياها، وأكثر إطلاقه على طباع الخير إذ لم يُتْبع ينعت.
والعظيم: الرفيع القدر، وهو مستعار من ضخامة الجسم، وشاعت هذه الاستعارة حتى ساوت الحقيقة.
و ﴿عَلَى﴾ للاستعلاء المجازي المراد به التمكن كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩].
والخلق العظيم هو الخلق الأكرم في نوع الأخلاق، وهو البالغ أشد الكمال المحمود في طبع الإنسان، لذلك فالخلق العظيم أرفع من مطلق الخلق الحسن، فلاجتماع مكارم
стр. 24
الأخلاق إذاً في النبي ﷺ ، فهو أحسن الخلق معاملة للناس على مختلف الأحوال المقتضية لحسن المعاملة.
ولاجتماع هذه الأخلاق فيه ﷺ رأينا السيدة عائشة ﵂ تقول: كان خلق نبي الله ﷺ القرآن (١)، أي هو أدب القرآن ويشمل ذلك كل ما وصف به القرآن مكارم الأخلاق، ويشمل كذلك ما وصف به النبي ﷺ من نحو قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وغير ذلك من آيات القرآن الكريم.
وأيضًا ما أخذ به رسول الله ﷺ من الأدب بطريق الوحي غير القرآن قال رسول الله ﷺ : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) (٢) فجعل أصل شريعته إكمال ما يحتاجه البشر من مكارم الأخلاق في نفوسهم.
وإذا كان الرسول ﷺ هو صاحب الخلق العظيم، وأن الخلق العظيم هذا هو أدب الوحي الذي نزل عليه، فإن ذلك يدل على أن الرسول ﷺ هو المظهر الأكبر لهذا الخلق، ومن ثم أمره الله تعالى أن يقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٣] حيث صار بعد أمر ربه بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨] أول وأعظم المتبعين لها والمتخلقين بأخلاقها.
والأمر المهم الآخر في هذا الكلام أن الشريعة هذه أيضًا متمكنة تمام التمكن من عظيم الأخلاق، مرتبطة به أشد الارتباط، فكانت هي الأخرى المظهر الأجلّ الأعظم
стр. 25
لمكارم الأخلاق وفضائلها، وبهذا يزداد وضوحاً معنى التمكن الذي أفاده حرف الاستعلاء في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] فهو متمكن من الخلق العظيم في نفسه، ومتمكن منه في دعوته الدينية (١).
ويؤكد سيد قطب أن تلك الأخلاق مربوطة بالسماء وليس العرف أو المصلحة إذ ذاك في الأرض هو الذي يحددها أو ينشئها فيقول: "لقد لخص الرسول ﷺ رسالته في هذا الهدف النبيل، وهو أنَّه بعث ليتمم مكارم الأخلاق، ومن ثمَّ كانت سيرته الشخصية مثالاً حيَّا، وصفحة نقية وصورة رفيعة، تستحق من الله أن يقول عنها في كتابه الخالد: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] " فيُمجِّد بهذا الثناء نبيه، كما يُمجِّد به العنصر الأخلاقي في منهجه، ويشد به الأرض إلى السماء، ويعلق به قلوب الراغبين إليه - سبحانه - وهو يدلهم على ما يُحب ويَرضى من الخلق القويم.
هذا الاعتبار هو الاعتبار الفذّ في أخلاقية الإسلام، فهي لم تنبع من البيئة، ولا اعتبارات أرضية إطلاقًا ولا تستمد، ولا تعتمد على ما كان قائمًا من اعتبارات العرف أو المصلحة أو الارتباطات، إنما تُستمد من السماء، وتعتمد على السماء، تُستمد من صفات الله المطلقة ليحققها البشر في حدود الطاقة، كي يحققوا إنسانيتهم العليا وكي يصبحوا أهلاً لتكريم الله لهم واستخلافهم في الأرض، وكي يتأهلوا للحياة الرفيعة الأخرى بجوار الله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٥].
وهذه الأخلاق ليست فضائل مفردة: صدق، وأمانة، وعدل ... إنما هي منهج متكامل، تتعاون فيه التربية التهذيبية مع الشريعة التنظيمية، وتقوم عليه فكرة الحياة كلها
стр. 26
واتجاهاتها جميعاً، وتنتهي في خاتمة المطاف إلى الله لا إلى أي اعتبار آخر من اعتبارات هذه الحياة.» (١)
تعريف الأخلاق عند الفلاسفة:
وتجدر الإشارة هنا إلى ذكر شيء مما قاله الحكماء والفلاسفة من المسلمين ومن غيرهم في تعريف الأخلاق، لنرى مدى ارتباط هذه الأخلاق ارتباطاً وثيقاً بالنبي ﷺ ، ومدى تحققها فيه إلى أقصى غاية ممكنة، وبالتالي من حيث شعروا أو لم يشعروا، نرى مدى بناء هذه الشريعة على تلك الأخلاق وتأسيسها عليها، وفي ذات الوقت يكون ردًا على هؤلاء المستشرقين الذين عاثوا فساداً في دين الإسلام، وأخلاق الرسول ﷺ .
نقل أسعد الحمراني عن "معجم لاروس" بأن الأخلاق: "هي علم تحديد معايير وقواعد السلوك، أو هي علم التعرف على الحقوق والواجبات" (٢).
وذكر الحمراني أيضاً أن علم الأخلاق: "هو جملة القواعد والأسس التي يعرف بواسطتها الإنسان معيار الخير في سلوك ما، أو مدى الفساد والشر المتمثل في سلوك آخر (٣).
وإن كان هذا هو تعريف الأخلاق عند الغربيين، فإن تعريف المحدثين والقدماء مما يبين جوانب الموضوع، ويوضح ملامحه، حتى إذا جئنا لتعريف الحكماء والفلاسفة والعلماء المسلمين للأخلاق اكتملت الصورة، وحينئذ نطبق هذه الصورة المكتملة للتعريف على
стр. 27
رسالة الإسلام، وعلى رسولها ﷺ . لنرى بموضوعية كيف تمثلت هذه الأخلاق فيهما على أتم وجه، وأحسن سيرة، ونلج المقصود مباشرة فنقول: أمَّا الأخلاق عند الغربيين المحدثين فتعرف بأنها: "تصور وتقييم ما ينبغي أن يكون عليه السلوك، متمشية في ذلك مع مثل أعلى أو مبدأ أساسي تخضع له التصرفات الإنسانية، ويكون مؤازراً للجانب الخَيِّر في الطبيعة البشرية" (١).
ويلاحظ الباحث أن تعريفات الأخلاق عند الغربيين لا تفرق بين الحديث والقديم، حيث يبين ذلك كلام ابن مسكويه بدون قصد منه للتفريق بين التعريفات، فيحدد الأخلاق مبيناً وجهة نظر القدماء، أي فلاسفة اليونان بأنها: "علمٌ يعرف به حال النفس من حيث ماهيتها، وطبيعتها، وعلة وجودها، وفائدتها، ما هي وظيفتها التي تؤديها، وما الفائدة من وجودها، وعن سجاياها، وعن أميالها، وما ينقلها بسبب التعاليم إلى الحالة الفطرية، وذكر أن هذا أول علم تأسس منذ بدء الخليقة" (٢).
ونختار تعريف الجرجاني حيث هو من اعتنى بالتعريفات، ليبين تعريف الأخلاق عند علماء المسلمين المتقدمين، وهو ما درج عليه متأخروهم من المهتمين منهم بالأخلاق والتفسير فيقول: " الخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة يصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كان الصادر منها الأفعال الحسنة، كانت الهيئة خلقاً حسناً، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة، سميت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقاً سيئاً، وإنما قلنا هيئة راسخة؛ لأن من يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يقال
стр. 28
خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه" (١).
إن المتأمل فيما سبق من التعريفات لا يجد مشقة أو صعوبة في أن يقرر بكل أمانة أن تلك الصفات لم تتحقق لأحد متكاملة على هذا النسق في غير محمد ﷺ ، إذ لا يحتاج لروية وتدبر، أو أعمال فكر إذا كان مشتغلاً بالتاريخ فقط أن يقول إنَّ تلك الأخلاق كانت في أسمى صورها، والتي هي باقية ما بقي ناس يعلمون عن محمد ﷺ ، ولو سأل المنصف نفسه من الذي ادعى، أو إدُعِيَ له على مدار التاريخ الإنساني كله أنه يتمتع بتلك الأخلاق، واتصف بأعلى كمالاتها، وما تزال آثارها باقية بل مكتملة كما كانت فيه، بلغت كما نقلت عنه، وتمثلها أتباعه، ويحاولون إلى اليوم، لم تجد مؤرخاً، ولا عالماً، ولا عاقلاً محايداً، منصفاً، أو غير منصف إلا أن يقول: ما ذكر ذلك إلا عن محمد ﷺ ، وإن ذكر غيره في ميدان من ميادين هذه الأخلاق، فما ذكرت كل الأخلاق وأعلاها إلا له.
لا نحتاج إلى تنزيل معاني هذه التعريفات - كما أسلفنا - على النبي ﷺ ، خاصة وهي تعريفات قاصرة مليئة بالثغرات والمآخذ، إذ الواقع والسير قد كفتننا مؤنه ذلك، وإنما نقف عند تعريفات العلماء المسلمين، إذ هم قد زادوا على هذه التعريفات أموراً تسد خللها، وتكمل النقص فيها، وبالتالي تجعل هذه التعريفات أجمع وأمنع من تعريفات الغربيين، وبناء عليه، فإذا كانت هذه التعريفات الشاملة قد جمعت لمحمد ﷺ فمن باب الأولى، قد أحاطت أخلاقه بتعريفات أولئك، ولا بأس حينئذ أن نذكر تعريفاً للأخلاق عند المسلمين، يقول مقداد يالجين معرفاً الأخلاق في نظر الإسلام بقوله: "هي عبارة عن مجموعة المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني التي يحددها الوحي لتنظيم حياة الإنسان، وتحديد
стр. 29
علاقته بغيره على نحو تحقيق الغاية من وجوده في هذا العالم على أكمل وجه." (١)
يظهر هذا التعريف شمول الأخلاق في نظر الإسلام، وكذلك كونها في منظور متكامل بين مصدرها، وطبيعتها ومغزاها الاجتماعي وغايتها، وهو ما يجعل النظام الإسلامي متميزاً بهذين الطابعين:
الأول: طابع إلهى من حيث أنها مراد الله، إذ أنه يجب أن يتبع الإنسان في هذه الحياة، أوامر لله ومراده في خلقه، لذلك جاء الوحي بصورة هذا النظام.
الثاني: طابع إنساني من حيث يتضمن المبادئ العامة في بعض نواحيه، وللإنسان دوره في تحديد واجباته الخاصة، والتعرف على طبيعة مظاهر السلوك الإنساني المعبرة عن القيم، لذا تعد الأخلاق روح الإسلام، حيث يقول الرسول ﷺ : (البر حسن الخلق) (٢).
ولا بأس هنا أن نذكر أحد علماء المسلمين الذين ربطوا الأخلاق بقضية الإيمان، وما ينبثق عنه، وهو ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم الحراني الذي سلك مسلكاً في تحديد مفهوم الأخلاق يعتبر جديداً إلى حد ما في الفكر الإسلامي، كما بين ذلك صاحب " النظرية الخلقية عند ابن تيمية" حيث يقول ما ملخصه: إن ابن تيمية كان أوفى، وأكمل وأكثر نضجاً ممن سبقه من علماء المسلمين، أو غيرهم في هذا المضمار، وذلك لأن التصور النظري للأخلاق لدى هؤلاء جميعاً فيه من الثغرات، وعليه من المآخذ ما يجعل من هذا التصور فكرة ناقصة، بل عاجزة عن تحقيق الكمال الإنساني، فعند ابن تيمية نرى الارتباط الوثيق بين مفهوم الأخلاق، ومفهوم الإيمان الذي حدده الإسلام، وما ينبثق عنه من نظام في
стр. 30
العبادة، يكمن في التصور الخلقي الصحيح، ففي الإيمان وطرائقه وآفاقه تستطيع النفس أن تجد حاجتها المادية والروحية معاً، وليس ثَمَّة طريق يبلغ الإنسان إلى كماله المنشود، وصلاحه المرجو، وبالتالي سعادته المأمولة غير طريق الإيمان (١).
ويكفي منهج علماء المسلمين، من سلكه منهم بتحقيق أكثر، وتحديد أدق كابن تيمية ومن تبعه، أن يرجع إليه الأوربيون اليوم بعد أن تشردوا في صحراء المادة القاحلة، التي تصوروا فيها سعادتهم، فإذا هي سراب، وقد عادوا إلى إدخال الإيمان كعنصر فعال في تحديد الأخلاق الموصلة للسعادة التي اتضح لهم أنها مبنية على الإشباع الروحي والسلام النفسي الذي تظهر آثاره في الأخلاق المحمودة مع البشر كافة، والتي بها يشعر المرء بقيمة لهذه الحياة التي أصبح لها غايات وأهداف محمودة.
إننا بتغير الأخلاق إلى ذلك نغير جميع أنماط السلوك الإنساني، وقد رأينا كيف غيرت دعوة النبي ﷺ لمكارم الأخلاق هؤلاء العرب في أقصر فترة إلى أعظم أنماط ووسائل السلوك الإنساني على مرَّ التاريخ.
الأركان الأساسية للأخلاق:
ما سبق يدفعنا - بعد أن علمنا تحقق هذا العلو الأخلاقي في الرسول ﷺ وأنَّه كان الأنموذج الفخم لدعوته - إلى أن نحدد الأركان الأساسية للأخلاق، وشيئاً من تفصيلاتها لنرى مدى انطباقها على شخص الرسول الكريم ﵊ فيتضح بذلك شيء من قيمة الرسول والرسالة، وصحة نسبه هذا الوحي لله تعالى.
стр. 31
يقول الإمام ابن القيم في كتابه "مدارج السالكين" ما ملخصه: وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر، والعفَّة، والشجاعة، والعدل. وأخذ يفصِّل كيف جمعت كل منها جملة من مكارم الأخلاق التي بمجموعها تكتمل صورة الأخلاق الحسنة في صاحب الرسالة، لتكون عنواناً وتفصيلاً لهذه الرسالة بحيث لا يبقى عقلاً ولا واقعاً إلا التسليم بكونها من عند الله تعالى.
وإنَّ من الإنصاف العلمي أن نعرض من حين إلى آخر على مدار الرسالة لما اعترض به المعترضون، أو شكك به المرتابون من المستشرقين، ومن لفَّ لفَّهم لتلك الأغراض الخبيثة من محاربة الإسلام - العدو الرئيسي الذي اتخذوه لهم في هذه الأيام - ولنرى أتصمد أمام النقد العلمي النزيه، أم لا، من وجهة نظر هذه الرسالة، وإن كنَّا سنختصر ذلك اختصاراً؛ لئلا نخرج عن مقصود البحث، وسيكون ذلك فيما سنعرض له فقط من بعض مواقفهم التي تدل على سائر المواقف، مع الإعراض التام عما تتميز به هذه الكتابات من التطاول والتسافه، وقلّة الحياء والأدب (١)، إذا ذلك بضاعة الجهلة التي تظهر عند فقد الحجة
стр. 32
والبرهان، وسيكون البحث مع مدعي الحياء والأدب منهم، وإن اعتقد الباحث أنهم لا يفرقون عن غيرهم شيئاً، إلا أنهم صاغوا ما يريدون من أبحاث الظلمات بطريقة حاولوا فيها إلباسها ثوب العلم مع البعد عن طريقة الشتم والسب والقذف.
نعود إلى كلام ابن القيم حيث يقول:
فالصبر: يحمله على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى، والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة.
والعفة: تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل الظاهر والباطن، وتحمله على الحياء، وهو رأس كل خير، وتمنعه من الفحشاء، البخل والكذب، والغِيبَة والنميمة.
والشجاعة: تحمله على عزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق، وعلى البذل والندى، الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وتحمله على كظم الغيظ والحلم؛ فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها، وبكبحها بلجامها عن الترف والبطش، كما قال النبي ﷺ : (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) وهو حقيقة الشجاعة، وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه.
والعدل: يحمله على اعتدال أخلاقه، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط، فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الذل والقِحَة، وعلى خلق الشجاعة الذي هو التوسط بين الجبن والتهور، وعلى خلق الحلم الذي هو
توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس.
فمنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة.
стр. 33
ومنشأ جميع الأخلاق السافلة، وبناؤها على أربعة أركان: الجهل، والظلم، والشهوة، والغضب (١)، وكيف رأينا أنَّ الرسالة وصاحبها ﵊ أبعد شيء عن هذه الأخلاق، وأشد نهياً عن الإتصاف بها، وأكثر العالمين حملاً لهم على مجاهدة أنفسهم على تركها، فجعل الدين كله خُلُقاً، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، ودليل ذلك وبرهانه من كلامه هو ﷺ لما سئل عن البرِّ والإِثم فقال: (البُّر حسن الخلق، والإِثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطَّلع عليه الناس) (٢).
فقابل البَّر بالإِثم، وأخبر أنَّ البر حسن الخلق، والإثم حواز الصدور، وهذا يدلُّ على أنَّ حسن الخلق هو الدين كله، وهو حقائق الإيمان، وشرائع الإسلام، ولهذا قابله بالإِثم.
وإنَّ مما يؤكد ذلك في نظر صاحب الشريعة قوله ﵊: (إنَّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) (٣) فجعل حسن الخلق درجة المتقين الصائمين القائمين، وليس ثَمَّ درجة أعلى من ذلك إذ هي أعظم صفات المدح، وأعلى درجة الإيمان، ولذا قال: (إنَّ من أكمل المؤمنين إيماناً: أحسنهم خُلُقاً) (٤).
ولقد تمثلت هذه الصفات جميعها فيه ﷺ كما ذكر أبعد الناس منه، وكذلك أقرب الناس إليه، حيث قالت السيدة عائشة ﵂ لمَّا سُئلت عن خلقه عليه الصلاة
стр. 34
والسلام: (كان خلقه القرآن) (١)، أي خلقه آداب الشرع التي أمر بها جميعها، إذ لا يمكن أن يأمر الله بأي شيء، إلا ويكون الرسول ﷺ أول المسارعين إلى تنفيذه لقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣]، وحديث أنس ﵁ خادمه بعد حديث زوجه، يبين لنا ذلك، فعلى طول خدمته للنبي ﷺ لم يتغير عليه قطّ، ولا بدا له منه شيء من ذلك، خاصةً مع من يخدمه؛ لأنه لابد من أفعال يقع بها الضجر والتأفف، أو تؤدي إلى المعاتبة أو المعاقبة، ولكن شيئاً من ذلك كله لم يقع لأنس ﵁ مع النبي ﵊، يقول أنس: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقاً) وقال: (ما مَسَستُ ديباجاً ولا حريراً أليَن من كفِّ رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قطّ أطيب من رائحة رسول الله ﷺ ، ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أُفّ، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا) (٢).
стр. 35
المبحث الثاني
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
وتمشيًا مع سياق القواعد الموضوعة لهذا البحث، نذكر آية أخرى جمع الله فيها للنبي ﵊ مكارم الأخلاق، وهي قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩] لنُحللها حتى يتضح كيف أمره الله بهذا؟ بعد أن مدحه بأنه على خُلُقٍ عظيم، ونلاحظ ما يلي:
أنَّ هذه الآية في سورة الأعراف، وهي السابعة والثلاثون في ترتيب النزول، ومعنى أنَّ الله تعالى يأمره ﷺ بعد هذه المدة بذلك مع أن تلك أخلاقه، وأنه أثنى عليه بها أن يكون ذلك خطاباً لأُمَّته ﷺ ، وهو المناسب للسياق القرآني حيث جاء بعد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
وكما بَيَّنَّا في عصمته لا يمكن أن يكون ذلك في حَقَّه ﵊ والاحتمال الآخر أن يكون الخطاب له في جزئه الأول، وهو خذ العفو ... ، وكذلك يكون مُوَجَّهًا للمؤمنين، ولا يمتنع أن يكون في الثاني للمؤمنين أيضاً، وحينئذ يكون المراد من هذا التوجيه القرآني الكريم لهذه الصيغة، هو التأكيد مرة أخرى على مكارم الأخلاق، وتثبيت المؤمنين فيما لا قوة من الأذى على مارَبَّاهم عليه من حسن الخلق، لأن ذلك دليل أنه لأمر ما مهم، قد ندبهم لذلك مرة أخرى، وأمرهم به.
ويوضح هذا الأمر أن المشركين قد وصلت إساءتهم إلى الحد الذي يمكن أن يخرج
стр. 36
المؤمنين عن حد المسامحة، والإعراض عن الجاهلين، أو العفو عمن ظلمهم، مما يدل على أن قلوبهم قد ملئت غيظاً من هؤلاء المجرمين لدرجة انتظار الانتقام منهم، بدلاً من الصفح، وتمني الهداية لهم، وهي روح الإسلام العظيم.
أخلاق جبلى وكسبي:
وإذا كان قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] كانت في أول ما نزل من القرآن الكريم جاء هذا السؤال، وهو: هل الأخلاق جِبِلِّيِّة أو كَسبِيِّة؟ خاصة وأننا ادّعينا في أول الكلام أنه ﷺ ما نزل عليه الوحي إلا وهو في عظيم الأخلاق وأعلاها، وهو ما يؤيده الواقع كما ذكرنا.
والإجابة العامة: هي أن الأخلاق منها ما يكون جِبِلِّياً قد طبع عليه المرء، ومنها ما يكون كَسبِياً يقع له بالتخلق والتكلف، حتى يصير له سجية وملكة، وله أمثلة عدة، وأقوال كثيرة وردت عن النبي ﷺ منها ما قاله ﵊ لأشج عبد القيس ﵁: (إنَّ فيك لخُلُقين يحبهما الله: الحلم، والأناة. فقال: أخُلُقين تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما؟ فقال: بل جبلك الله عليهما. فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله) (١).
وهذا يدل على أن الأخلاق منها: ما يطبع المرء عليه، وقد رأينا الواقع مليء بتلك الصور، وقد رأينا الشجاع الثابت بطبعه، والكريم، والحليم، وغيرهما، والعكس كذلك كأصحاب الأخلاق المذمومة كالبخل، والجبن، وغيرهما.
стр. 37
ومنها: ما هو مكتسب، يكتسبه الإنسان بالتكلف، ورياضة النفس ومجاهدتها، وقد ورد في هذا قوله ﷺ : (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتَّحَلَم، ومن يتحرَّ الخير يُعطَه، ومن يتوقَّ الشر يوقه) (١).
وهذا يوضح أن من الأخلاق ما يكتسب بالتدرب عليها، وممارستها مع المجاهدة على مدافعة ضدها عند ورود أسبابها، فالحلم يحاول المرء أن يتخلق به، ويظهر مدى التزامه بهذا الخلق عند ورود سبب الضد من معاملات وأقوال وتصرفات تخرج الإنسان عما يحاول أن يكون عليه من الحلم، فيضبط حينئذ جهله، ويكظم غيظه، ويجاهد نفسه على الثبات فيما عرض له من امتحان حلمه، وهكذا بقية الأخلاق، وهذا باب طويل في رياضة النفس، ترى النبي ﷺ حاول شيئاً من ذلك؟ الواقع يأبى إلا أن يقول لا، لقد كانت تلك الأخلاق سجية فيه، لقد تعرض لامتحانات الأخلاق كافة، فما سمعنا له هنة فيها عَيَّرَه بها قومه، وامتنعوا من وصفه بسببها بأنه صاحب الخلق القويم، أو تذرعوا بها لئلا يدخلوا الإسلام.
ومع ذلك من حسن تواضعه، وهضمه لنفسه، التي لا ينطق بها إلا العظماء وجدناه يدعو ربَّه بأن يرزقه ويهبه، ويعينه، ويوفقه لأحسن الأخلاق، وقد ذكر ذلك ليكون تعليماً للمؤمنين، وتنبيهاً لهم على الثبات على أحسن الأخلاق بدوام الدعاء لله تعالى أن يهديهم إليها، ويوفقهم لها، فيقول ﷺ : (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها
стр. 38
إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت) (١).
ولابد من إضافة هنا تبين مصدرية الأخلاق، وتوضح ما سبق، وهي أنَّ الأخلاق لا يمكن أن تكون نتاج عقل، حتى نقول إن الرسول أنتج هذه الأخلاق بعقله، لأن العقل يستطيع أن يختبر العلاقات بين الأشياء ويحددها، ولكنه لا يستطيع أن يصدر حكماً قِيَمِياً عندما تكون القضية قضية استحسان أو استهجان أخلاقي. إنَّ محاولة إقامة الأخلاق على أساس عقلاني لا يستطيع أن يتحرك أبعد مما يسمى بالأخلاق الاجتماعية، أو قواعد السلوك اللازمة للمحافظة على جماعة معينة، وهي في واقع الأمر نوع من النظام الاجتماعي (٢).
ويؤكد هذه الفكرة الدكتور محمد الله دراز لقوله: "فإذا ما قيل لنا، إننا نحن الذين نشرع لأنفسنا، بوصفنا أعضاء في عالم عقلي، وجب علينا أن نتفق على ذلك الاستقلال الذي خص به العقل."
ماذا تعني في الواقع هذه المقولة: " العقل يمنح نفسه قانونه؟ هل هو مبدع العقل والقانون، أو أنه يتلقاه مُعدًّا على أنه جزء من كيانه كما يفرضه على الإرادة، ذلك لأنه إذا كان العقل مبدع القانون فإنه يصبح السيد المطلق، فيبقى عليه، أو يبطله تبعاً لمشيئته، فإذا لم يستطع ذلك فلأنه قانون سبق في وضعه وجود العقل، وأن صانع العقل قد طبعه فيه،
стр. 39
كفكرة فطرية، لا يمكن الفكاك عنها" (١).
مما سلف من القول يتضح لنا أن الأخلاق منها ما هو كسبي، ومنها ما هو جبِلِّي طبعي، وإن الكسبي إنما هو لأخلاق معلومة ظاهرة في الواقع يحاول الإنسان أن يتخلق بها بالتدرب عليها، ورياضة النفس بها، وبالتالي لا يمكن أن تكون نتاجاً للعقل، إذ العقل قد وجد، وهذه الأخلاق متقررة في الواقع وموجودة.
فإذا طبقنا هذا الكلام على رسول الله ﷺ فإنه لا مناص من أن نقول إن أخلاقه كلها جبلِّية، لأنه أتى قومه بدعوته، وليس هناك مغمز واحد يغمز، أو غمز عليه في أخلاقه باتفاق المخالف والموافق ساعتها، وإلى الآن، ثانيًا أتاهم يدعوهم إلى مكارم الأخلاق، وقد فاقهم في أخلاقه بما لا طاقة لهم به، بمعنى أن الفارق بين أخلاقه وأخلاقهم كان في الدرجة العليا التي يستطيع بها أن يدعوهم إليها، وأن يرشدهم إليها إذ كيف يدعوهم وهو مثلهم، بقى هذا الفارق الأخلاقي العظيم كما هو، بل زاد، فلو كانت الأخلاق من مفرزات العقل الإنساني فلم اختص بها محمد ﷺ ، والعقول متقاربة في البيئة العلمية والثقافية والاجتماعية الواحدة.
وقد يأتي هذا الإعتراض - كاعتراضات المستشرقين - إنه كان يتحنث في غار حراء حتى ادّعى النبوة، وهي تلك التأملات التي قادته إلى ما ادّعى!
ونقرر كما ينبغي أن يقرر العقلاء بإنصاف، هل كان يتحنث ليتعلم الأخلاق؟ لم يقلها أحد، ولا رماه بها أحد ولا يستطيع، لأنه ليس من عادة العرب أن يكون كذلك. وكيف يكون شهراً في العام لعدّة أعوام سبباً لهذا العلو الأخلاقي، والسمو العقلي؟ وكيف ولِمَ لم
стр. 40
يَقُم مناهضو الدعوة، أو بعضهم لمثل ذلك ليجنبوا قومهم، أنفسهم تلك المواجهات الدامية؟ أو الادعاء على النبي ﷺ ونبذه بذلك؛ ليظهروا كذبه فيما ادعى؟
إنَّ معاملة الرسول لقومه، وللناس كافة من أول يوم بهذا الخلق الحسن إلى آخر يومٍ في حياته لَيدل دلالة قاطعة على أنَّه ليس له من أمره شيء، وأن الموجه له لا علاقة له بنفسه، ولا من داخله، ولا لهدف آخر يسعى إليه، بل هو شيء فوق طاقته لا يستطيع له رداً ولا دفعاً، إنما هو يُنفذ أوامر هذه القوة الخارجة العليا، ليس غير، لا ينتظر من وراء ذلك إلا رضا هذا الإله عنه، لا يلوي على غير ذلك، ولا يخشى أحداً ولا ينتظر جزاءً أو شكوراً من أحد، فضلاً عن أي غرض مادي أوحسي آخر، وهو يلهج بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٦]، وقد جاءت آيات كثيرة في هذا السبيل، وكذلك في سياق أنه لا يملك من أمر نفسه شيئاً، وإلا لما عرَّض نفسه لذلك كله بغير أية أغراض حصلها في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام: ٥٠]، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾ [يونس: ٤٩].
وإذا انتهينا من هذه النقطة، فلابد من الإشارة إلى أمر مهم من فهم أخلاقه ﷺ ، وهو: مع أن الله جَبَلَه على عظيم الأخلاق، وأنه ما بعث لدعوة الحق إلا وهو كذلك، فإن أخلاقه بعد البعثة كانت في ارتفاع وعلو دائم، إذ لا يوصف شيء بالثبات في الدنيا، وفي ذلك نقدم بما يقول سيد قطب: ما أن أخلاقية الإسلام لا تستمد ولا تعتمد على اعتبارات أرضية من العرف أوالمصلحة أوغيرها، إنما تستمد من السماء وتعتمد على السماء، تستمد من هتاف السماء للأرض لكي تتطلع إلى الأفق، وتستمد من صفات الله المطلقة ليحققها البشر في حدود الطاقة، كي يحققوا إنسانيتهم العليا. ومن ثم فهي غير مقيدة ولا محدودة بحدود؛ إنما