المؤمنين عن حد المسامحة، والإعراض عن الجاهلين، أو العفو عمن ظلمهم، مما يدل على أن قلوبهم قد ملئت غيظاً من هؤلاء المجرمين لدرجة انتظار الانتقام منهم، بدلاً من الصفح، وتمني الهداية لهم، وهي روح الإسلام العظيم.
أخلاق جبلى وكسبي:
وإذا كان قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] كانت في أول ما نزل من القرآن الكريم جاء هذا السؤال، وهو: هل الأخلاق جِبِلِّيِّة أو كَسبِيِّة؟ خاصة وأننا ادّعينا في أول الكلام أنه ﷺ ما نزل عليه الوحي إلا وهو في عظيم الأخلاق وأعلاها، وهو ما يؤيده الواقع كما ذكرنا.
والإجابة العامة: هي أن الأخلاق منها ما يكون جِبِلِّياً قد طبع عليه المرء، ومنها ما يكون كَسبِياً يقع له بالتخلق والتكلف، حتى يصير له سجية وملكة، وله أمثلة عدة، وأقوال كثيرة وردت عن النبي ﷺ منها ما قاله ﵊ لأشج عبد القيس ﵁: (إنَّ فيك لخُلُقين يحبهما الله: الحلم، والأناة. فقال: أخُلُقين تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما؟ فقال: بل جبلك الله عليهما. فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله) (١).
وهذا يدل على أن الأخلاق منها: ما يطبع المرء عليه، وقد رأينا الواقع مليء بتلك الصور، وقد رأينا الشجاع الثابت بطبعه، والكريم، والحليم، وغيرهما، والعكس كذلك كأصحاب الأخلاق المذمومة كالبخل، والجبن، وغيرهما.
стр. 37
ومنها: ما هو مكتسب، يكتسبه الإنسان بالتكلف، ورياضة النفس ومجاهدتها، وقد ورد في هذا قوله ﷺ : (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتَّحَلَم، ومن يتحرَّ الخير يُعطَه، ومن يتوقَّ الشر يوقه) (١).
وهذا يوضح أن من الأخلاق ما يكتسب بالتدرب عليها، وممارستها مع المجاهدة على مدافعة ضدها عند ورود أسبابها، فالحلم يحاول المرء أن يتخلق به، ويظهر مدى التزامه بهذا الخلق عند ورود سبب الضد من معاملات وأقوال وتصرفات تخرج الإنسان عما يحاول أن يكون عليه من الحلم، فيضبط حينئذ جهله، ويكظم غيظه، ويجاهد نفسه على الثبات فيما عرض له من امتحان حلمه، وهكذا بقية الأخلاق، وهذا باب طويل في رياضة النفس، ترى النبي ﷺ حاول شيئاً من ذلك؟ الواقع يأبى إلا أن يقول لا، لقد كانت تلك الأخلاق سجية فيه، لقد تعرض لامتحانات الأخلاق كافة، فما سمعنا له هنة فيها عَيَّرَه بها قومه، وامتنعوا من وصفه بسببها بأنه صاحب الخلق القويم، أو تذرعوا بها لئلا يدخلوا الإسلام.
ومع ذلك من حسن تواضعه، وهضمه لنفسه، التي لا ينطق بها إلا العظماء وجدناه يدعو ربَّه بأن يرزقه ويهبه، ويعينه، ويوفقه لأحسن الأخلاق، وقد ذكر ذلك ليكون تعليماً للمؤمنين، وتنبيهاً لهم على الثبات على أحسن الأخلاق بدوام الدعاء لله تعالى أن يهديهم إليها، ويوفقهم لها، فيقول ﷺ : (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها
стр. 38
إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت) (١).
ولابد من إضافة هنا تبين مصدرية الأخلاق، وتوضح ما سبق، وهي أنَّ الأخلاق لا يمكن أن تكون نتاج عقل، حتى نقول إن الرسول أنتج هذه الأخلاق بعقله، لأن العقل يستطيع أن يختبر العلاقات بين الأشياء ويحددها، ولكنه لا يستطيع أن يصدر حكماً قِيَمِياً عندما تكون القضية قضية استحسان أو استهجان أخلاقي. إنَّ محاولة إقامة الأخلاق على أساس عقلاني لا يستطيع أن يتحرك أبعد مما يسمى بالأخلاق الاجتماعية، أو قواعد السلوك اللازمة للمحافظة على جماعة معينة، وهي في واقع الأمر نوع من النظام الاجتماعي (٢).
ويؤكد هذه الفكرة الدكتور محمد الله دراز لقوله: "فإذا ما قيل لنا، إننا نحن الذين نشرع لأنفسنا، بوصفنا أعضاء في عالم عقلي، وجب علينا أن نتفق على ذلك الاستقلال الذي خص به العقل."
ماذا تعني في الواقع هذه المقولة: " العقل يمنح نفسه قانونه؟ هل هو مبدع العقل والقانون، أو أنه يتلقاه مُعدًّا على أنه جزء من كيانه كما يفرضه على الإرادة، ذلك لأنه إذا كان العقل مبدع القانون فإنه يصبح السيد المطلق، فيبقى عليه، أو يبطله تبعاً لمشيئته، فإذا لم يستطع ذلك فلأنه قانون سبق في وضعه وجود العقل، وأن صانع العقل قد طبعه فيه،
стр. 39
كفكرة فطرية، لا يمكن الفكاك عنها" (١).
مما سلف من القول يتضح لنا أن الأخلاق منها ما هو كسبي، ومنها ما هو جبِلِّي طبعي، وإن الكسبي إنما هو لأخلاق معلومة ظاهرة في الواقع يحاول الإنسان أن يتخلق بها بالتدرب عليها، ورياضة النفس بها، وبالتالي لا يمكن أن تكون نتاجاً للعقل، إذ العقل قد وجد، وهذه الأخلاق متقررة في الواقع وموجودة.
فإذا طبقنا هذا الكلام على رسول الله ﷺ فإنه لا مناص من أن نقول إن أخلاقه كلها جبلِّية، لأنه أتى قومه بدعوته، وليس هناك مغمز واحد يغمز، أو غمز عليه في أخلاقه باتفاق المخالف والموافق ساعتها، وإلى الآن، ثانيًا أتاهم يدعوهم إلى مكارم الأخلاق، وقد فاقهم في أخلاقه بما لا طاقة لهم به، بمعنى أن الفارق بين أخلاقه وأخلاقهم كان في الدرجة العليا التي يستطيع بها أن يدعوهم إليها، وأن يرشدهم إليها إذ كيف يدعوهم وهو مثلهم، بقى هذا الفارق الأخلاقي العظيم كما هو، بل زاد، فلو كانت الأخلاق من مفرزات العقل الإنساني فلم اختص بها محمد ﷺ ، والعقول متقاربة في البيئة العلمية والثقافية والاجتماعية الواحدة.
وقد يأتي هذا الإعتراض - كاعتراضات المستشرقين - إنه كان يتحنث في غار حراء حتى ادّعى النبوة، وهي تلك التأملات التي قادته إلى ما ادّعى!
ونقرر كما ينبغي أن يقرر العقلاء بإنصاف، هل كان يتحنث ليتعلم الأخلاق؟ لم يقلها أحد، ولا رماه بها أحد ولا يستطيع، لأنه ليس من عادة العرب أن يكون كذلك. وكيف يكون شهراً في العام لعدّة أعوام سبباً لهذا العلو الأخلاقي، والسمو العقلي؟ وكيف ولِمَ لم
стр. 40
يَقُم مناهضو الدعوة، أو بعضهم لمثل ذلك ليجنبوا قومهم، أنفسهم تلك المواجهات الدامية؟ أو الادعاء على النبي ﷺ ونبذه بذلك؛ ليظهروا كذبه فيما ادعى؟
إنَّ معاملة الرسول لقومه، وللناس كافة من أول يوم بهذا الخلق الحسن إلى آخر يومٍ في حياته لَيدل دلالة قاطعة على أنَّه ليس له من أمره شيء، وأن الموجه له لا علاقة له بنفسه، ولا من داخله، ولا لهدف آخر يسعى إليه، بل هو شيء فوق طاقته لا يستطيع له رداً ولا دفعاً، إنما هو يُنفذ أوامر هذه القوة الخارجة العليا، ليس غير، لا ينتظر من وراء ذلك إلا رضا هذا الإله عنه، لا يلوي على غير ذلك، ولا يخشى أحداً ولا ينتظر جزاءً أو شكوراً من أحد، فضلاً عن أي غرض مادي أوحسي آخر، وهو يلهج بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٦]، وقد جاءت آيات كثيرة في هذا السبيل، وكذلك في سياق أنه لا يملك من أمر نفسه شيئاً، وإلا لما عرَّض نفسه لذلك كله بغير أية أغراض حصلها في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام: ٥٠]، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾ [يونس: ٤٩].
وإذا انتهينا من هذه النقطة، فلابد من الإشارة إلى أمر مهم من فهم أخلاقه ﷺ ، وهو: مع أن الله جَبَلَه على عظيم الأخلاق، وأنه ما بعث لدعوة الحق إلا وهو كذلك، فإن أخلاقه بعد البعثة كانت في ارتفاع وعلو دائم، إذ لا يوصف شيء بالثبات في الدنيا، وفي ذلك نقدم بما يقول سيد قطب: ما أن أخلاقية الإسلام لا تستمد ولا تعتمد على اعتبارات أرضية من العرف أوالمصلحة أوغيرها، إنما تستمد من السماء وتعتمد على السماء، تستمد من هتاف السماء للأرض لكي تتطلع إلى الأفق، وتستمد من صفات الله المطلقة ليحققها البشر في حدود الطاقة، كي يحققوا إنسانيتهم العليا. ومن ثم فهي غير مقيدة ولا محدودة بحدود؛ إنما
стр. 41
هي طليقة ترتفع إلى أقصى ما يطيقه البشر، لأنها تتطلع إلى تحقيق صفات الله الطليقة من كل حد، ومن كل قيد (١).
ويزيد ابن رجب الحنبلي في كتابه "لطائف المعارف" هذا الأمر توضيحاً وتفصيلاً فيقول من كلام طويل له: ولما كان الله قد جَبَلَ نبيه ﷺ على أكمل الأخلاق وأشرفها، كما في حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٢) فدل هذا على أنه ﷺ أجود بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة.
وكان مثالاً لهذه الأوصاف، هو جوده ﷺ فكان جوده يتمثل بجميع أنواع الجود، من ذلك العلم والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق، ومن إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم.
ولم يزل على هذه الخصال منذ نشأ، ولهذا قالت له خديجة ﵂ في أول مبعثه: «والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق» (٣).
ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثه وتضاعفت أضعافاً كثيرة.
وفي الصحيحين عن أنس، قال: «كان رسول الله ﷺ أحسن الناس، وأشجع الناس،
стр. 42
وأجود الناس» (١)، وفي صحيح مسلم (٢) عنه، قال: «ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة» (٣).
وإننا إذ نذكر مثلاً قليلاً لهذه الأخلاق، لنبين ما كان عليه ﷺ من علو الأخلاق التي بعث بها، مجبولاً عليها، حتى شهد بها أعداؤه شهادة من لم ير، ولم يسمع بمثلها فيمن ذكر بالسؤدد والشرف، فقد ذكر عن صفوان بن أمية، وهو من هو فضلاً وشرفاً وقيادة لقومه في معاداة النبي وحربه سنين طويلة، أعطاه رسول الله ﷺ يوم حنين وادياً مملوءاً إبلاً ونَعَماً، فقال صفوان: "أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي. (٤) "
ولمثل ما سبق، ويزيد عليه، يقول ابن رجب: وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار.
ترى لو كان له غرض من تلك الأغراض الاستشراقية المفتراة، فما الذي كان يحمله على ذلك، وقد عرض عليه الكفار، الملك والمال، وشهوات الدنيا ولذاتها من النساء وغيره، فلم يعبأ بها، حتى ولو كانت الشمس والقمر عن يمينه وشماله، ما تراجع قيد شعرة
стр. 43
عن ذلك؛ لأنه ليس له ذلك، عدم الوقوع دليل الصدق.
جاءته ابنته فاطمة ﵍ تشتكي ما تلقى من خدمة البيت وتسأله خادماً يعينها يكفيها ذلك، فقال لها: (لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع.) وأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها (١).
ويستكمل ابن رجب كلامه بقوله: وكان جوده ﷺ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه يتضاعف فيه أيضاً، فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة، وكان على ذلك من قبل البعثة. (٢) وهو ما يؤكد الذي ذهبنا إليه.
ذكر ابن إسحاق في سيرته عن وهب ابن كَيْسَان عن عبيد بن عمير، قال: كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كل سنة شهراً، يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به ما أراد من كرامته، من السنة التي بعثه الله فيها، وذلك الشهر شهر رمضان، خرج إلى حِرَاءَ، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله تعالى برسالته، ورحم العباد بها، جاءه جبريل من الله .
ثم كان جوده في رمضان - بعد الرسالة - أضعاف ما كان قبل ذلك؛ فإنه كان يلتقي هو وجبريل ﵇، وهو أفضل الملائكة وأكرمهم، ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه، وهو أشرف الكتب وأفضلها، وهو يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق.
ومن ثم كان رسول الله ﷺ هذا الكتاب له خُلُقاً بحيث يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حث عليه، ويمتنع عما نهى عنه؛ فلهذا كان يتضاعف جوده
стр. 44
وإفضاله في هذا الشهر؛ لقرب عهده بمخالطة جبريل ﵇، وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم، الذي يحث على المكارم والجود. (١)
وهكذا كل الأخلاق التي اتصف بها النبي ﷺ كانت في الغاية من السمو، وإذا بها تتضاعف إلى أعلى وأسمى من ذلك بعد بعثته المشرفة؛ لأنها تستمد من صفات الله التي لا يحدها قيد ولا حد.
وممن ذكر ذلك من المحققين، وإن لم يقصد إليه ولكنه يوضح الفكرة التي نحن بصددها العلامة الطاهر بن عاشور في تفسيره للآية الكريمة ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾، ونحن نذكر ما قاله مختصراً، يقول:
أشبعت هذه السورة من أفانين قوارع المشركين من عظتهم، وإقامة الحجة عليهم، وبعثهم على التأمل في دلائل الوحدانية، وصدق الرسول ﷺ ، وما جاء به من الهدى، مع تبيين ضلال المشركين، وفضح فساد معتقدهم، وكيف سجل مكابرتهم وعنادهم، والتعجب من ركوبهم لرؤوسهم، ونأيهم بجانبهم، وكيف أصموا أسماعهم، وأغمضوا أبصارهم عما دعوا إلى سماعه، كل ذلك تكلمت به السورة، وسارت به آياتها ونظرت في نفس الوقت أحوالهم بأحوال الأمم الذين كذبوا من قبلهم، وكفروا نعمة الله فحل بهم من أصناف العذاب ما ذكرته السورة الكريمة، وأنه إنذار لهؤلاء أن يحل بهم ما حل بأولئك، وقد أعلنت السورة باليأس من ارعوائهم، وانتظار ما سيحل بهم بأيدي المؤمنين، وبتثبيت الرسول والمؤمنين، وتبشيرهم والثناء عليهم بما هم عليه من الهدى، مسلاة لهم وتنويهاً بفضلهم، كان من شأن، ذلك أن يثير في أنفس المؤمنين كراهية أهل الشرك كراهة تحفزهم
стр. 45
للانتقام منهم، ومجافاتهم، والإعراض عن دعائهم إلى الخير، لا جرم شرع في استئناف غرض جديد، يكون ختاماً لهذا الخوض البديع، وهو غرض أمر الرسول ﷺ والمؤمنين بقلة المبالاة بجفاء المشركين وصلابتهم، وأن يسعوهم من عفوهم، والدأب على محاولة هديهم والتبليغ إليهم بقوله خذ العفو ... الآية (١).
والمتأمل لهذا الأمر بمكارم الأخلاق ليدل المرة بعد المرة على أخلاقية هذا الدين، وأن قضية الخلق الحسن هي محور دعوته، وأن الثبات على هذه الأخلاق تحت مختلف الظروف من أهم مهماته وأقوى مقوماته.
إن التمسك بهذه الأخلاق في تلك الظروف الشاقة، والأحوال العصيبة تبرهن بما لا يدع مجالاً للشك على أن الموجه لهذه الدعوة هو الله تعالى، وبالتالي يدلل ويشهد لصحة الرسالة، إنها أخلاق تخالف معهود البشر كافة، إذ لم يكن في تاريخ البشرية وإلى اليوم والغد من عامل أعداءه الذين دعاهم إلى السمو الروحي والأخلاقي والنفسي بمعرفة الله، فواجهوه بالبطش وأشد التنكيل تلك المعاملة الحسنة، التي تخالف جبلة النفوس، وما كان عليه الواقع، إذ كل الناس ينتظرون من كل قلوبهم لمن آذاهم - إذا لم يتمكنوا منهم - أياماً سوداً يشمتون بهم فيها، ويُسرون لما وقع عليهم إبانها، وأما إذا قدروا على الانتقام فالتاريخ يحدثنا بوقائع يندى لها جبين البشرية خجلاً وأسفاً، في القديم والحديث قد وقعت على أيدي هؤلاء الناقمين المنتقمين، تفيض حقداً وغلاً وظلماً وعدواناً وشططاً إلى آخر ما يذكر المعجم من ألفاظ في هذا الصدد، وتاريخ الروم والفرس ويهود طافح بمثل ذلك في القديم، وتاريخ أوربا الحديث أشد ابتلاء بتلك الأحداث الدامية فيما بين الأوربيين أنفسهم، أو فيما بينهم وبين الشعوب التي استعمروها مما يثير الإشمئزاز والتقزز من مدعي الرقي
стр. 46
والتمدن.
كل ذلك بغير الإسلام الذي منع فيما منع الشماتة بالأعداء، حتى الشماتة منعها فما بالك بما هو أشد؟
إن هذه التعاليم ما كان ليتبعها أحد إلا أن يكون مستسلماً للقوة التي لا تقهر متبعاً لأوامر الإله الحق ، مصدقاً بما جاءه به النبي من ربه، قد امتلأ قلبه واستولى عليه ذلك الإيمان بصدق الرسول ﷺ ومحبته بحيث يوطن نفسه مهما كانت الملمات والخطوب على اتباع أوامره والانتهاء عن نواهيه، إن تلك منزلة لم يبلغها أحد من البشر إلا ذلك الرسول المؤيد بالوحي الإلهي من السماء.
إن في ذلك رداً بليغاً على أولئك المستشرقين في ادعاءاتهم الباطلة حول الإسلام ورسوله (١).
ونعود إلى تحليل الآية ..
فقوله ﴿خُذِ﴾ مستعمل هنا مجازاً، حيث استعير بالتلبس بالوصف والفعل من بين أفعال لو شاء لتلبس بها، فكأنه يمكن أن يتلبس بالعفو أو بضده، أو بالعدل أو غير ذلك فأمره القرآن الكريم أن يأخذ العفو من بين ذلك وأن يكون ذلك اختياره، فيكون معنى ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: عَامِل به واجعله وصفاً ولا تتلبس بغيره (٢).
والعفو: هو الصفح عن ذنب المذنب، وعدم مؤاخذته به، كقوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا
стр. 47
وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩].
والمراد بالعفو عنه ما يعم ويشمل العفو عن المشركين، وعدم مؤاخذتهم بجفائهم وإساءتهم للرسول ﷺ وللمؤمنين.
وقد عمَّت الآية صورة العفو كلها لأن التعريف في العفو تعريف للجنس فهو مفيد للاستغراق، فهو يستغرق العفو، كل العفو ومعناه أمر الرسول ﷺ بأن يعفو عموماً ويصفح، ولا يؤاخذ بالجفاء وسوء الخلق، ولا يعاقب ويقابل بمثل الصنيع الواقع عليه أو على المؤمنين.
وأسبق من يتبادر إلى الذهن العفو عنه في هذه الآية هم المشركون (١).
وقوله ﴿بِالْعُرْفِ﴾ فالعرف اسم مرادف للمعروف من الأعمال، وهو الفعل الذي تعرفه النفوس، ولا تنكره إذا خليت وشأنها بدون غرض في ضده، وقد دل على
مرادفته للمعروف قول النابغة (٢):
فلا النُّكْر معروفٌ ولا العُرفُ ضائِعُ
والمعروف مجاز في المقبول المرضي به، لأن الشيء إذا كان معروفاً كان مألوفاً مرضياً به، وأريد به هنا ما يقبل عند أهل العقول، وفي الشرائع، وهو الحق والصلاح.
وذلك ما يدلنا على أمر هذه الشريعة الرشيدة، إذا يتأكد في كل فترة من فترات دعوتها عنوانها الأصلي من كونها دعوة الحق والخير والصلاح والعفو لإبقاء المؤمنين بها على طريق
стр. 48
جادتها، لا تثنيهم المحن ولا يحولهم عنها ما يلاقون من أذى ليخرجهم عن رسالتهم الحقة. فكانت شريعة الأخلاق العالية في كل مراحلها حتى تنتهي الدنيا.
ويدخل في الأمر بالعرف الإتسام به، والتخلق بخلقه؛ لأن شأن الآمر بشيء أن يكون متصفاً بمثله، وإلا فقد تعرض للاستخفاف، وعلى أن الآمر يبدأ بنفسه فيأمرها كما قال أبو الأسود (١):
يا أيها الرَّجُلُ المعلمُ غَيرَه ... هَلاَّ لنفسِكَ كان ذا التعليمُ
وجاء العرف معرفاً ليفيد الاستغراق أيضاً، ليكون شاملاً لكل معروف، فما من معروف من خير وصلاح إلا ودعت إليه هذه الشريعة، ونادى به رسول الله ﷺ وندب الناس كافة إليه، لأن حذف مفعول الأمر يفيد عموم المأمورين، وهكذا تكون دعوته الخالدة موجهة للعالمين، فأفادت هذه الكلمة شمولها كل عرف، شمولها لكل أحد، وبالتالي خلودها وبقاءها وصلاحيتها لكل زمان.
وإن شمولها لكل أحد يدخل فيه المشركون دخولاً أولياً، لأنهم سبب الأمر بهذا العموم، وإن إعراضهم لا يصدنك عن إعادة إرشادهم (٢)، والدأب في سبيل هديتهم، وتلك ميزة أخرى من مميزات دعوة الحق، ورسالة السماء.
"والإعراض" مشتق من العارض، وهو الخد، ومعناه إدارة الوجه عن النظر للشيء، وهو هنا مستعار لعدم المؤاخذة بما يسوء من أحد، فشبه عدم المؤاخذة على العمل بعدم الالتفات إليه في كونه لا يترتب عليه أثر العلم به، لأن شأن العلم به أن تترتب عليه
стр. 49
المؤاخذة.
"والجهل" هنا ضد الحلم والرشد، وهو أشهر إطلاق الجهل في كلام العرب قبل الإسلام، فالمراد بالجاهلين السفهاء كلهم؛ لأن التعريف فيه الاستغراق، وأعظم الجهل هو الإشراك، إذ هو أشد السفاهة.
وهذه الآية أوقفت المرء كثيراً عن الرد على المستشرقين إذ هم بهذه الحالة من رد الحق من معانديهم وسفهائهم توجب الإعراض عنه، وكذلك من مدعي العلمية والحياد؛ لأن الإنصاف يحمل على اتباع الإسلام، فأين اتباعهم للإسلام الذي لابد أن يقودهم إليه تفكيرهم الحر، ونزاهتهم في البحث!
إن الإعراض عنهم بالترك والإهمال، والتهوين من شأن ما يجهلون به من الأقوال والأفعال، وعدم الدخول معهم في جدال لا ينتهي إلا إلى الشد والجذب، وإضاعة الوقت والجهد لهو الأولى.
على أن جمعاً من المفكرين اليوم يميلون إلى تفنيد هذه الآراء لأولئك المستشرقين إظهاراً لصورة الإسلام الصحيح، ورداً للظلم والافتراء الواقع عليه، وعلى المسلمين، ودعوة لدين الإسلام بتبيين جمال الإسلام وعظمته، وببيان عظمة رسوله وفخامته ﷺ ، وهي وجهة لها ما يؤيدها أيضاً من الشرع، ويساندها من الواقع.
وننوه في آخر الآية بكلام للطاهر بن عاشور حاصله أن الآية حوت مكارم الأخلاق فيقول: وقد جمعت هذه الآية مكارم الأخلاق؛ لأن فضائل الأخلاق لا تعدو أن تكون عفواً عن اعتداء فتدخل في ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، أو فعل خير واتساماً بفضيلة فتدخل في ﴿وَأْمُرْ
стр. 50
بِالْعُرْفِ﴾، وهذا معنى قول جعفر بن محمد: "في هذه الآية أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها" (١).
ومع الكلام عن أخلاق النبي ﷺ ، وأخلاقيات الإسلام يثور السؤال، وماذا عن الجهاد في الإسلام؟ مع تشعبات كثيرة تنبثق منه، أو تحيط به، خاصة من المستشرقين (٢) المجاهرين بالعداوة، والسوء من القول. وشهرة ما قالوا، وما يقولون غنيٌ عن تسويد الصفحات به.
ونواصل السير مع الترتيب الزمني لنزول القرآن الكريم، لنستكشف به مواضع ثناء الله تعالى على رسوله ﷺ ، وليوضح تكامل هذا الثناء من عدمه، بما يدل على صدق الرسول وصحة الرسالة - أي فيما ادعاه من الوحي، ومدى تطابق هذا المدح مع الواقع الذي كان فيه رسول الله ﷺ ، وأن ذلك لم يتخلف عن النبي ﷺ إلى أن لقي الله تعالى، بل على العكس، كان في ازدياد مما جبله الله عليه من كل خلق كريم إلى آخر أنفاسه الطاهرة في هذه الحياة، ثم نقارن كما هي العادة النصوص، ونبين ترابطها؛ ليظهر التناسق والاكتمال فيها. هذا الواقع الذي لم يدفعه أحد بدليل يُنظر فيه فضلاً عن أن يناقش، مما يعري - وهي عارية أصلاً - تلك الافتراءات عليه ﷺ . (٣)
стр. 51
المبحث الثالث
﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾
ووصلنا إلى مدحه في سورة الضحى، وهو السورة الحادية عشرة في ترتيب السيوطي، أي من السور المتقدمة جداً في النزول، فننظر فيها ونحللها، ثم نقارنها بما سبق من ثناء وتكريم من الله تعالى للنبي ﷺ فنلاحظ:
أولاً: تُشْعِرُ السورة الكريمة بأنه قد حدث تأخير للوحي عن النبي ﷺ ، لدرجة أن أرجف الكفار بذلك، وأن شيطان محمد قد ودعه وقلاه، وانتهى أمر النبوة المزعومة، وفرحوا بذلك.
ويبدو من السياق أنه كان فرحاً مشوباً بالحذر، لأن القرآن لم يشر إلى ابتهاجهم بذلك، بل أغفل ذكر قولهم وحالهم وقتئذ، لأن المتصور أيامها أن يقال إن محمداً صادق، وما جربنا عليه كذباً، ولكنها أماني النفس وتطلعاتها، ركوباً لموجة العناد والإستكبار، مع الإصرار على دين الآباء والأجداد.
ثانياً: ذكر المفسرون والمؤرخون والمحدثون كالبخاري ومسلم (١) وغيرهم، أن جبريل تأخر عن النبي ﷺ ليلتين أو ثلاثاً مرض فيها - اشتكى - كما تقول الروايات، فجاءته أم
стр. 52
جميل امرأة أبي لهب فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قَرِبك منذ ليلتين أو ثلاثاً، فأنزل الله :
﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى: ١ - ٢].
إن تأخر الوحي عن النبي ﷺ ليلتين أو ثلاثاً ينبغي في مثل هذه الأحوال أن يكون أمراً عاديَّاً، لا يتوقف أمامه ليكون مصدر تكذيب، إذ سرعان في عادة البشر، فضلاً عن الوحي أن يأتي تكذيب من الرسول ﷺ ، فيكون صاحبه في موقف سيء يدل في نهاية المطاف على عدم استخدام العقل، أو البصر بنتائج تصرفه، ومثل هذا لا يُحكِم العلم والإنصاف والحيدة والموضوعية، إنما يندفع وراء ما يعتمل في نفسه، ويكون تصرفه رد فعل لما يتمنى ويهوى أن يكون، وذلك صنيع المستشرقين في سيرة النبي ﷺ ، وأسلافهم وقدوتهم في ذلك أم لهب على جهلها وغيها، ولعلها كانت أفضل منهم في قولها: إني لأرجو ... وقد ذكرنا هذه القصة الصحيحة لنبين أمراً في غاية الأهمية، هو أن أحوال النبي ﷺ كافة كانت معلومة لقريش، مسلمها وكافرها، رجالها ونسائها، لا يغيب عنهم من أحواله وأقواله شيء، إلى الدرجة التي حملت هذه المرأة على ما فعلت، وأنه ما كان يخفي شيئاً ويظهر آخر، أو يكتم من أمر رسالته وأخلاقه وحياته بعضاً ويبدي بعضاً، بل كان بادي الصفحة معهم، ومع كل أحد، واضحاً كل الوضوح، لا لبس في منطقه وقوله، ولا تحير في فهم كل مواقفه وأعماله، وإن التبس على بعضهم فهم شيء سارع بالبيان المبين.
ويبين هذا الموقف من جهة أخرى علامة فاصلة بين النبوة، وبين كون هذا الدين من عند محمد، وهو أن يتغيب أو يفتر عن الوحي إلى درجة أن يقال شيطانه قلاه وتركه، وما كان عليه وهو مدعي النبوة إلا أن يواصل الإرسال الكاذب، ولكنه يقف في شجاعة
стр. 53
ليعلنها أنه ليس له من الأمر شيء (١)، واثقاً في ربه، مطمئناً لما هو عليه، متحملاً كل التبعات المترتبة على ثباته، صامداً للتحديات كافة التي تواجهه، يعلن ضمن ما يعلن أن دينه سيعلو وسينتصر في وقت لا تواجه مثل فيه هذه التنبؤات في أقل أحوالها إلا بالسخرية والإستهزاء والإستخفاف، وإذا بالتاريخ يذكر وقوع ما تنبأ به حرفاً حرفاً.
أما تحليل الآيات - ونذكر ما يتعلق فيها بمدحه والثناء عليه ﷺ كما ألمحنا آنفاً مما نزل في أوائل بعثته المشرفة - فنلاحظ:
الأولى: القسم، وقد أشرنا إلى معناه في سورة القلم، وإن دلنا هنا على أمر زائد - مطرد معنا في كل السور التي افتتحت بالقسم - هو كثرة الأقسام في السور المكية، على عكس السور المدنية، فلم تفتتح سورة واحدة منها بقسم، وكأن القسم كان مطلوباً في بداية البعثة، خاصة وأن المقسم به كان من خلق الله العظيم الذي يظهر وحدانية الله تعالى وقدرته، وأنه ليس لأحد من البشر تصريف في هذه المخلوقات إلا له وحده، فيكون ذلك باعثاً على التأمل في الآيات الكونية، داعياً إلى الإيمان بخالقها الذي يدعو محمد إلى توحيده، وقد وجدنا الكثرة الكاثرة كذلك من آيات الدعوة إلى النظر في الكون والإنسان وبقية المخلوقات آيات مكية، ليستدل بها على الإله الواحد سبحانه، ولتأكيد قضايا الإيمان، وترسيخها في أذهان وقلوب الناس آنئذ، وإن القسم في مثل هذا الأحوال لينبهنا إلى أن القرآن الكريم استخدم كل الأساليب التي تبين صدق الرسول ﷺ ، ومنها تأكيد أقواله
стр. 54
وتقريراته بالقسم الذي كان له أهميته عند العرب في تصديق المتكلم.
ويوضح القسم بتلك المخلوقات بجلاء أنه ليس كلام محمد ﷺ ، لأنه ما كان له أن يقسم بغير الله كما أمر هو نفسه، إذ هو شرك (١)، فالذي يقسم بتلك المخلوقات والظواهر هو خالقها سبحانه، لأنه لم يدع أحد أنه خلقها، أو أنه خالق مع الله لشيء منها، أو لغيرها، وهو شيء واضح تمام الوضوح أنه منفصل عن عقل محمد ونفسيته، علاوة على أنه يدعو في بيئة يشترك مع من فيها في عامة علومهم وثقافتهم.
الثانية: تؤكد لنا القصة أن الرسول ﷺ ليس له من الأمر شيء، فلا هو يعجل نزول الوحي، ولا يؤخره، ولا يد له فيما ينزل أو لا ينزل، ساءه شيء من ذلك أو سَرَّه، أسعفه في المواقف التي يظن لزوم الوحي فيه، أو بطأ عنه، وما كان موقف كهذا الذي نحن بصدده، ليحتمل تأخير الوحي ليضع الرسول في موقف مؤلم بهذه الطريقة، بل ما كان النبي ﷺ لينتظر أن يقع ذلك له، ولكنه في النهاية الوحي الذي لا يخضع لرؤية محمد، إنه تنزيل من حكيم حميد له الكون وهو خالقه ومدبره بتمام الحكمة والعلم المحيط، وما محمد ﷺ إلا مبلغ عن ربه يقول له: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]، وإن محمداً لو كان ذلك إليه لكان من السهل عليه أن يخترع وحياً، أو أن ينسج موقفاً وقصة تناسب حل المشكلة التي وقع فيها، بل إن الواقع والعقل ليمنع ابتداء من الوقوع في ذلك، فضلاً عن أن يرويها بكل صدق وأمانة، على أعدائه، ليروجوها ليسوا مسيئين إليه فحسب، وإنما لمرسله سبحانه في المقام الأول.
стр. 55
وهكذا - من بداية نزول الوحي - والقرآن يؤكد قضايا صحة الرسالة، يما لا يدع مجالاً لمنصف، أو لمن له أدنى عقل على صدق الرسول ﷺ فيما ادعى من الوحي؛ لأنهم لم يكونوا يكذبونه ﷺ فيما بينهم في غير ذلك حتى جاءهم بالوحي المبارك.
وتحمل الآيات التصريح والتلميح في الرد على المستشرقين، الذين جاءوا بعد سنين طويلة ليخترعوا أموراً لم تكن (١)، ومواقف لم تحدث، ناهيك عن الأخلاق المفتراه ليلصقوها بالنبي ﷺ ، وكان ذلك رداً موضوعياً عليهم، إن كل شيء في حياته معلوم، إنه لا علاقة له بما ينزل عليه إلا التبليغ، والله هو الحكم بعد ذلك. كان الأولى بهذه المواقف هؤلاء الكفرة أعدى أعدائه ليشيعوها وينفروا الناس بها عن دعوته، فلم لم يكن ذلك، دل على عدم الوقوع، ولكن ماذا تقول لمنصفين استبدلوا الأحذية بالعقول، وحكموها في التاريخ، واخترعوا له أحداثاً وفسروها بتلك الفعال.
الثالثة: يبدو في اختيار القَسَم بالضحى والليل إشارة إلى إشراق نور التوحيد، وانتهاء ظَلْماء الشرك، وأنه ما فتر الوحي ليقف وينتهي، بل ليعاود انبلاجه وظهوره، وليزداد سناؤه وضياؤه حتى يعم العالمين بأبهى مما كان ضوءاً، وأقوى إشراقاً، والآيات في السياق تشير إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥] وإن رضاءه - كما ذكرنا - في رضا الله، ورضا لله في علو دينه، وظهور بنيانه، وتمكين شرعه، هداية للناس إلى طريقه القويم.
стр. 56
يشير إلى ذلك ابن القيم فيقول: عن قوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ [الضحى: ١ - ٢] إقسام منه على إنعامه على رسوله ﷺ ، وإكرامه له، وإعطائه ما يرضيه، وذلك متضمن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوته، وعلى جزائه في الآخرة، فهو قسم على النبوة والمعاد.
وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته وحكمته ورحمته، وهما الليل والنهار، فتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل للمقسم عليه، وهو نور الوحي؛ الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمداً ربُّه. فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه.
وأيضاً فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهار هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة فهذان للحس، وهذان للعقل.
ثم يشير إلى معنى مهم، وهو أن لا يليق بحكمته سبحانه أن يترك عباده في ظلمة الليل يعيشون، لا نهار له يقيمون فيه معايشهم، وتستقيم بضوئه وشمسه دنياهم، فكذلك لا يليق أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي، بل يهديهم بنور الوحي والنبو إلى مصالح دنياهم وآخرتهم، فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه. (١)
الرابعة: قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ٣] جواب القسم، وهو إبطال لمقالتي المشركين في قول بعضهم ودعه ربه، وفي قول آخرين قلاه ربه تهكماً به ﷺ ، وهو يدل على بقاء مكانته عند ربه، وحظوته لديه، إذ من ودعك قد بالغ في تركك، فما الظن بالقلى وهو البغض والشنآن له؛ أي ما خلاك وأهملك وتركك ولا قطعك وأبغضك منذ اصطفاك
стр. 57
ورفعك. (١)
إذ التوديع: تحية من يريد السفر، واستعير في الآية للمفارقة بعد الاتصال تشبيهاً بفراق المسافر في انقطاع الصلة، حيث شبه انقطاع صلة الكلام بانقطاع صلة لإقامة، والقرينة إسناد ذلك إلى الله الذي لا يتصل بالناس اتصالاً معهوداً.
وهذا نفي لأن يكون اتصاله بالله قد قطع؛ بقطع الله الوحي عنه (٢)؛ ولذلك وجدنا هذا البر العظيم من الله تعالى به عندما أضاف لفظ الربوبية إلى ضمير المخاطب ﷺ ﴿وَمَا قَلَى﴾ ليبين عنايته به، وولايته له، وفيه من اللطف به ما لا يخفى، فكأنه قيل: ما تركك المتكفل بمصلحتك والمبلغ لك سبل الكمال اللائقة بك (٣).
ونلاحظ في قوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾ حذف المفعول، وذلك لئلا يواجه ﵊ بنسبة القلى، لو قال ما قلاك، لطفاً به وشفقة عليه ﷺ وفيه احتمال آخر، وهو أنه لنفي صدوره عنه بالنسبة إليه ﷺ ولأحد من أصحابه، ومن أحبه إلى يوم القيامة، وذلك لقوله ﷺ : (المرء مع من أحب). (٤)
ويأتي بعد نفي التوديع والقِلى قوله تعالى: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤]
стр. 58
وهو من عطف الجمل كلام مبتدأ به، إذ لما نفي القلى بُشر بأن آخرته خير من أولاه، وأن عاقبته أحسن من بدأته، وأن الله خاتم له بأفضل مما قد أعطاه في الدنيا والآخرة. يقول الطاهر بن عاشور (١) ما حاصله: والتعريف في ﴿وَلَلْآخِرَةُ﴾ و ﴿الْأُولَى﴾ يؤذن بالعموم الذي يشمل استمرار الخير كله للنبي ﷺ ومنه استمرار الوحي.
وتعبير الآخرة غلب في اصطلاح القرآن الكريم على الحياة الآخرة والدار الآخرة، كما غلب لفظ الدنيا على حياة الناس هذه التي قبل انخرام هذا العالم، ومقصودنا من ذكر ذلك، ما أكرم الله به نبيه، وأثنى عليه به من أن المراد من كلا اللفظين كلا معنييه وهما:
المعنى الأول: أن الحياة الآخرة خير له من هذه الحياة العاجلة؛ تبشيراً له بالخيرات الأبدية.
المعنى الثاني: الإيماء إلى أن عودة الوحي عليه هذه المرة خير مما سبق، وتكفل الله تعالى له بأن لا ينقطع عنه نزول الوحي من بعد.
ثم يشير إلى الأمرين معاً فيقول: فاللام في ﴿وَلَلْآخِرَةُ﴾ و ﴿الْأُولَى﴾ لام الجنس، أي كل آجل أمره هو خير من عاجله في هذه الدنيا وفي الأخرى.
والكلام يشير إلى معاني ثناء الله على رسوله ﷺ تصريحاً واستنباطاً من الكلام الكريم إلا أن السياق يقتضينا أن نلمح إلى أن حمل الكلام على الدنيا أولى وإن كان العموم كما قال يشمل الآخرة؛ وذلك لما يأتي:
أولاً: أن المشركين مخاطبين بالقرآن، وهم لا يؤمنون بالآخرة كما هو معلوم من
стр. 59
حجاجهم للنبي ﷺ ، فكان مواجهتهم بما سيرونه في الدنيا أولى من أن يقال سترون في الآخرة مصداق ذلك.
ثانياً: أن الفاء في ﴿فَتَرْضَى﴾ في قوله تعالى ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] للتعقيب، مما يفيد تأييد النبي ﷺ المباشر بهذه البشريات، وذلك أقرب أن يكون في الدنيا، مع التصديق بوقوع ذلك في الآخرة بلا شك.
ثالثاً: كان في قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١)﴾ فقد ذكرنا أن ذلك يشير إلى أن نزول الوحي عليه هذه المرة يشبه الإشراق وانبلاج النور وفشوه، ومجيء الصبح المضيء للكون، وذلك في الدنيا.
وعلى أية حال فقد جمع له ربه سبحانه الخير في العاجل والآجل، وبشره بوقوع ذلك ليراه المكذبون على أعينهم في حياتهم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة.
وتستمر المعاني الجميلة تتدفق من الآية تبين رفعة مكانته ﷺ وذلك ما نراه في قوله:
﴿لَكَ﴾ حيث اللام هنا هي لام الاختصاص، أي خير مختص بك (١)، وهو شامل لكل ما له تعلق بنفس النبي ﷺ ، فهو ثناء بالغ عليه، وفي ذاته، فكل شيء متعلق بذاته المشرفة في ازدياد من الخير، وكذلك دينه، وفي أمته أيضاً، أي هو في نفس الوقت وعد لا يتخلف من الله
- جل وعلا - بأن ينشر دين الإسلام، وأن يمكن أمته من الخيرات التي يأملها النبي
стр. 60
- صلوات الله وسلامه عليه - لهم، وقد تحقق ذلك، فقد ورد أنه عُرِض عليه ما سيفتح الله على أمته من بعده فَسَرَّهُ ذلك (١)، فكان عطاء الله له، وفضله عليه عظيماً، فجاءت الآية التالية لتجلي هذا العطاء، وتبرز ذلك الفضل من الله - جل وعلا - للنبي ﵊ حيث تبين قيمة الفضل درجة المتفضل عليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]، والواو للعطف على جملة القسم، وحرف الاستقبال لإفادة أن هذا العطاء الموعود به مستمر لا ينقطع، كما سنعود إليه في سورة الليل في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ [الليل: ٢٣].
ونلاحظ على معانى الآية ما يلي:
- حذف المفعول الثاني لـ ﴿يُعْطِيكَ﴾ يشعر بعموم العطاء له ﷺ ، أي أنه سيعطيه كل ما يرجوه من خير، فأفادت الجملة هنا تعميم العطاء، كما أفادت التي قبلها عموم الأزمنة، وهذا الخير لنفسه ولا يكمل إلا بخير أمته ودينه ﵊ (٢) فهو عطاء من كل شيء في كل الأزمنة، وقد جمعت الآية بين حرف التوكيد، وهو لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والتأخير في سوف ليدل على أن العطاء كائن لا محالة (٣)، وإن تراخى لحكمة فزاد هذا العطاء، علاوة على أنه مستمر لا ينقطع، كونه لا محالة في وقوعه.
وما يُعبر بهذه التعبيرات البليغة إلا لكون النبي ﷺ في الدرجة العليا من الثناء والرفعة، وفي المكانة التي لم نسمع بمثلها لأحد.
стр. 61
- وترتفع وتيرة الفضل، وحسن العطاء، ليجيء التعبير بفاء التعقيب في ﴿فَتَرْضَى﴾ لتفيد كون هذا العطاء عاجل النفع، بحيث يحصل به رضا المعطَى، فلا يترقب أن يحصل نفعه بعد تربص (١).
- رأينا قوله: ﴿يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ بإضافة رب دون اسم "الله" العلم إلى ضميره ﷺ لما يؤذن به لفظ الرب من الرأفة واللطف، وللتوسل بإضافته إلى ضمير المخاطب، وهو النبي ﷺ للإشعار بعنايته برسوله، وتشريفه بإضافة "رب" إلى ضميره.
أما هذا العطاء الذي وعد الله رسوله ﷺ به فقد خاض المفسرون والمؤرخون وغيرهم فيه، وما اجتمعوا إلا على أن عطاء الله هذا لنبيه ﷺ قد تحقق كاملاً، ووقع مصداقاً لما أخبر به، أقر بذلك الكافرون والمسلمون.
فما هذا الذي أعطيه - صلوات الله وسلامه عليه - لقد أعطى عدة كريمة شاملة لما أعطاه الله في الدنيا من كمال النفس، وعلوم الأولين والآخرين، وظهور أمره بالظفر والنصر على أعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وإعلاء الدين بالفتوح الواقعة في عصره ﷺ وفي أيام خلفائه الراشدين وغيرهم من الملوك الإسلامية، وفشو الدعوة والإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، علاوة على ما ادخر له في الآخرة من الكرامات التي لا يعلمها إلا هو ﷻ .
ونأتي في نهاية الكلام على هذه الآيات من السورة التي تختص بما نحن بصدده من الثناء على النبي ﷺ إلى مقارنتها بما سبق من الآيات التي تثني على النبي ﷺ وتمدحه، لتتضح بقية جوانب هذا البحث، ذلك الترتيب الزمني الذي تسلم كل سلسلة فيه إلى ما يليها في
стр. 62
تناسق بديع، يجعل من المقارنة هنا مجالاً لاستنباط معانٍ جديدة ومهمة في إبراز جدية البحث وجدته.
فنقارن ما نزل في سورة القلم الذي سبق ذكره بما في سورة الضحى التي وقفنا عندها آنفاً، وأول ما يتبدى من المقارنة هو أن أول ما نزل على النبي ﷺ من الثناء، ذلك الثناء العظيم في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] في سورة القلم، فإذا ما قارنَّاه بقول في سورة الضحى بقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ٣] نرى التناسب الذى ينبنى بعضه على بعض، فلا يعقل أن يقال له إنك أعلى صاحب خلق وأعظمه، ثم يقال له: لقد ودعك ربك وأبغضك، فكانت الأولى دليلاً على بعد الثانية عقلاً وواقعاً.
стр. 63
الفصل الثاني
حقوقه ﷺ
стр. 64
المبحث الأول
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
وإذا كنا قد اختصرنا الثناء عليه، فقد آن الأوان لذكر حقوقه أو واجبات المؤمنين تجاهه ﷺ ، فمن الواجبات التي تجب له ﷺ ، والتي أناطها الله تعالى بالمؤمنين للنبي صلوات الله وسلامه عليه الصلاة عليه ﷺ ، حقوق تبين عظيم قدره عند الله تعالى، وقد أُمر بها المؤمنون في الآيات المتأخرة النازلة في سورة الأحزاب بعد الهجرة بزمن غير قصير، وهذا يوضح ردًا آخر على ما كنا بصدده في سورة الضحى من البغض والقلى، إذ كيف يتأتى بعد البغض الأمر من الله تعالى بالصلاة عليه، تعبيرًا عن رفع درجته وعلو منزلته وبعد مكانته، وأنه في ازدياد من معاني التشريف والتبجيل، حتى وصلت إلى هذه الدرجة، وأعلى منها فيما بعد، وإن كانت الآيات الأولى في التشريع تشير بوضوح إلى أن درجته عظمى من بداية البعثة، كما ثبت في آية ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [سورة القلم: ٤].
وكيف يخبر الله تعالى الخبر الصادق بأنه وملائكته يصلون على النبي ﷺ ، وهناك أدنى شائبة تشوب فعله، أو قوله، أو أخلاقه في الظاهر أو الباطن.
والآية الواردة في ذلك هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
ونحلل الآية لنرى ما تحوي من معان تستوقفنا، تمس مسًا رقيقًا شغاف القلب بما له
стр. 65
- ﷺ من المنزلة السابقة، وتنبه العقل إلى تصحيح تلك المفاهيم عن قيمة هذا النبي ﷺ ومرتبته السامية عند الله على جميع البشرية، وهي مفاهيم في حاجة إلى تصحيح عند المسلمين قبل غيرهم، إظهارًا لمكانته المشرفة، والتي تفانى المؤمنون الأول في بذل نفوسهم فداء لها من قبل أن يفرض عليهم شيء وما ذلك إلا لمحبتهم له، وتقديمه على أولادهم وأنفسهم وأموالهم.
ونعود إلى تحليل الآية ونلاحظ:
أولاً: أن مقصود الآية هو جملة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ وأن ما قبلها توطئة وتمهيد لها؛ لأن الله لما حَذَّر المؤمنين من كل ما يؤذي الرسول ﵊ (١) أعقبه بأن ذلك ليس هو أقصى حظهم من معاملة رسولهم أن يتركوا أذاه، بل حظهم أكبر من ذلك وهو أن يصلوا عليه ويسلموا، وذلك هو إكرامهم الرسول ﵊ فيما بينهم وبين ربهم، فهو يدل على وجوب إكرامه في أقوالهم وأفعالهم بحضرته بدلالة فحوى الخطاب (٢).
ثانيًا: أن الآية بينت دوام صلاة الله وملائكته على النبي ﷺ ، وثباتها وقتًا بعد وقت، وقراءتنا للآية الآن وقراءتها إلى أن تقوم الساعة دليل على استمرار هذا التشريف العظيم الذي ينبغي التدقيق في فهمه من الآية، وذلك أن الجملة الاسمية دالة على الدوام والاستمرار، وصدر الآية جملة اسمية، وأن الجملة الفعلية تفيد التجدد، وعجز الآية جملة فعلية، فأفادت الآية الأمرين معًا، فيكون مفادها استمرار الصلاة وتجددها وقتًا فوقتًا، وتقوى ذلك وتأكد تأكيدًا لا مرية فيه بـ ﴿إِنَّ﴾ وذلك للاعتناء بشأن الخبر، وهذا لم يحدث
стр. 66
لأحد من قبل من الأنبياء والمرسلين أن يخبر الله تعالى بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، أن الله وملائكته يصلون عليه! وهذا من التشريف العظيم الذي لم يعهد له نظير.
ثالثًا: وقيل ﴿وَمَلَائِكَتَهُ﴾ ولم يقل الملائكة إشارة إلى عظيم قدرهم ومزيد شرفهم بإضافتهم إلى لفظ الجلالة، وذلك مستلزم لتعظيمه ﷺ حيث إن العظيم لا يصدر منه إلا العظيم، ثم فيه التنبيه على كثرتهم، وأن الصلاة من هذا الجمع الكثير الذي لا يحيط بمنتهاه غير خالقه واصلة إليه ﷺ على مر الأيام والدهور مع تجددها كل وقت وحين، وهذا أبلغ تعظيم وأبهاه وأشمله وأكمله وأزكاه. (١)
رابعًا: أن الآية عبر فيها بالنبي، ولم يقل على محمد كما وقع لغيره من الأنبياء صلاة الله وسلامه عليهم كقوله لآدم: ﴿يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، و ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨]، ولما ذكر النبي ﷺ مع الخليل ذكر الخليل باسمه وذكر رسول الله بلقبه فقال: ﴿إِن أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وهذه فضيلة عظيمة قد نوه العلماء بذكرها وشرفها وجعلها من المراتب العلية.
والألف واللام في لفظ النبي يحتمل أن تكون للعهد فقد تقدم ذكر النبي ﷺ من قبل، ولكن الأولى أن تكون للغلبة كالمدينة والكتاب لما أشعر به اللفظ من الفضل والمزية فكأنه هو المعروف الحقيق به المقدم على سائر الأنبياء. (٢)
خامسًا: أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ مع قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 67
آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ إخبار من الله لعباده بمنزلة نبيه ﷺ عنده في الملأ الأعلى إذ يثني عليه، والملائكة المقربون يصلون عليه، ثم أمر أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعًا، فأهل السماء ومؤمنو الأرض مجمعون على الصلاة عليه ﷺ ، وهذا من جليل الشرف ورفيع الدرجة التي له والتي لم تكتمل لغيره ﵊، والتي لم يصل إليها سواه، يقول الإمام السخاوي: وغاية مطلوب الأولين والآخرين صلاة واحدة من الله تعالى، وأنى لهم بذلك، بل لو قيل للعاقل أيهما أحب إليك أن تكون أعمال جميع الخلائق في صحيفتك أو صلاة من الله تعالى عليك لما اختار غير الصلاة من الله تعالى، فما ظنك بمن يصلي عليه ربنا سبحانه وجميع ملائكته على الدوام والاستمرار فكيف يحسن بالمؤمن أن لا يكثر من الصلاة عليه، أو يغفل عن ذلك. قاله الفكهاني. (١)
سادسًا: يأتي السؤال مستكملين به معنى الآية فهمًا وتحليلاً، ليوضح ما أشرنا إليه من تشريف النبي ﷺ ودرجته العالية وهو ما معنى الصلاة على النبي؟ سواء كانت من الله تعالى أو من ملائكته أومن المؤمنين، وكذا التسليم وعلاقته بالصلاة؟
أما معنى الصلاة لغة فقد ذكر الأصبهاني في "المفردات" (٢) أن كثيرًا من أهل اللغة قالوا إنها: الدعاء والتبريك والتمجيد، وهو يجمع ما ذكره العلماء والمفسرون من كونها الدعاء والثناء والرحمة (٣)، وإظهار الشرف وتعظيم الشأن (٤)، وإشاعة الذكر الجميل له (٥).
стр. 68
وهذا كله قد اجتمع للنبي ﷺ في الدارين، في الأولى والآخرة يقول الإمام الألوسي: واختلفوا في معنى الصلاة من الله تعالى وملائكته ﵈ على نبيه على أقوال، فقيل: هي منه ثناؤه عليه عند ملائكته وتعظيمه، ورواه البخاري عن أبي العالية وغيره عن الربيع بن أنس، وجرى عليه الحليمي في شعب الإيمان، وتعظيمه إياه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء العمل بشريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وإجزال أجره ومثوبته، وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود، وتقديمه على كافة المقربين الشهود، وتفسيرها بذلك لا ينافي عطف غيره عليه كالآل والأصحاب عليه؟ لأن تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به. (١)
والمعنى الثاني لصلاة الله تعالى على نبيه ﷺ هو الرحمة كما ذهب إليه جمع من أهل العلم (٢)، وبتدقيق النظر في هذا الاختيار الأول وجدناه الأصوب حيث رأينا بالفعل فروقًا كثيرة بين الصلاة والرحمة - كما ذهب إلى ذلك جمع من المحققين - مما يشي بتقوية القول الأول، وحسن دليله ورجحانه، ونذكر بعض الأدلة على أن الصلاة ليست الرحمة فمنها:
الأول: أن الله تعالى فرق بين الصلاة والرحمة كما في قوله : ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧] حيث عطف الرحمة على الصلاة، فاقتضى ذلك تغايرهما، وهذا أصل العطف.
стр. 69
الثاني: أن رحمته سبحانه وسعت كل شيء، أما صلاته فهي خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، فليست الصلاة إذن مرادفة للرحمة، لكن الرحمة ثمرة من ثمرات الصلاة، ولازم من لوازمها، وهذا كثيرًا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن، وألفاظ الرسول ﷺ ، حيث تفسر اللفظة بلازمها وجزء معناها، كتفسير الريب بالشك، والشك جزء مسمى الريب، وتفسير المغفرة بالستر، ونظائر ذلك كثيرة.
الثالث: أن الصلاة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلاً، والمعروف عند العرب من معناها إنما هو الدعاء والتبريك والثناء، قال الشاعر:
وإن ذُكِرَت صَلَّى عليها وزَمزَمَا
أي: بَرَّك عليها ومدحها، ولا تعرف العرب قَطُّ "صلى عليه" بمعنى الرحمة؛ فالواجب حمل اللفظة على معناها المتعارف في اللغة.
الرابع: أن أكثر المواضع التي تستعمل فيها الرحمة لا يحسن أن تقع فيها الصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وقوله ﷺ عن ربه: "إن رحمتي سبقت غضبي" (١).
وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].
وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤٣].
وقول النبي ﷺ : "لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها" (٢).
стр. 70
فمواضع استعمال الرحمة في حق الله تعالى، وفي حق العباد لا يحسن استعمال الصلاة في أكثرها، ومن ثم لا يصح تفسير الصلاة بالرحمة.
وضَّحت هذه الأدلة كما هو مبين إذاً أن القول الأول هو الذي يصار إليه ويعتمد في التفسير عليه، ولا ندعي أنه القول الأوحد، إذ ذهب بعض أهل العلم لما رأوا وتحققوا من كون هذا التفسير هو الأقرب إلى روح المعنى، والأوفق بظاهر النص إلى أن يوفقوا بينهما (١)، يجعل الصلاة هنا الرحمة لكنها رحمة خاصة لائقة بالنبي ﷺ ، وفي هذا يقول ابن حجر الهيتمي ما ملخصه: وأن مآل هذا القول والذي قبله إلى شيء واحد، والتخالف بينهما إنما هو في اللفظ فقط؛ إذ لا يسع أحد أن يقول: إن صلاة الله على نبيه أو رحمته له بمعنى صلاته على بقية المؤمنين أو رحمته لهم؛ لأن القدر اللائق به ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره، فالرحمة وإن شملت الأمرين لكنها بالنسبة للأنبياء أجل وأرفع، وهذا الأجل الأرفع فيه من الخصوص ما ليس في مطلق الرحمة فخص باسم الصلاة، وخص اسمها باستعماله في الأنبياء تمييزًا له ولهم، وتنويهًا لشرفه وشرفهم.
ويستكمل ابن حجر القول بأنه رأى "عياضًا القاضي" صرح بما ذكره نقلاً عن أبي بكر القشيري حيث يقول: الصلاة على النبي ﷺ تشريف له وزيادة تكرمة وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي ﷺ وبين سائر المؤمنين في أن الله وملائكته يصلون على النبي، مع قوله قبله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾.
ومن المعلوم أن القدر الذي يليق به ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد
стр. 71
على أن في هذه الآية من تعظيم النبي ﷺ ، والتنويه به ما ليس في غيرها. انتهى ملخصًا. (١)
وهذا ما أشار إليه بعضهم بقوله: صلاة الله على خلقه خاصة وعامة، فهي على أنبياءه الثناء والتعظيم، وعلى غيرهم الرحمة فهي التي وسعت كل شيء. (٢)
ذكرنا فيما سبق من حقوقه ﷺ الصلاة والسلام - عليه حيًا وميتًا؛ وأن ذلك لتحصيل جزيل الثواب وعظيم الأجر، وكان هذا الحق سيرة أصحابه الكرام - حيًا وميتًا، وكذلك ديدن المؤمنين المتقين إلى يوم القيامة، وكان هذا الحق أثرًا من آثار محبته التي هي من محبة الله تعالى وقد شاع بين المؤمنين بسببه حينئذ تعظيم الرسول ﷺ واحترامه في ندائه وخطابه وجميع معاملات المؤمنين معه من قبل، ولكن كان لابد من توثيق هذه الحقوق والآداب، والتأكيد عليها، ليقوم بها الموجود وليعلمها من لم يعايشها، والمؤمنون من بعد، وكان ما ارتكبه جفاة الأعراب من وفد بني تميم من نداء الرسول ﷺ من وراء الحجرات سبب نزول هذه الآيات تحمل بيان تلك الآداب في سورة تسمت بذلك - سورة الحجرات - لتكون منشور تلك الأخلاق السامية إلى يوم الدين، وكانت هذه السورة من أواخر ما نزل إذ نزلت سنة تسع للهجرة، قرب ختام البعثة المحمدية لتكون دليلاً على علو درجة النبي ﷺ ، وأن دنو لحوقه بالرفيق الأعلى لا يمنع من نزول قرآن يتلى، ويتردد على مسامع الخلق يؤكد صحة النبوة وصدق الرسالة في تبيين الرب سبحانه لحقوق نبيه وخلودها، وإظهارًا لسمو منزلته، ورفعة مكانته، إذ لا يمكن أن تكون تلك التوجيهات لمن هم في عالم
стр. 72
الغيب إلا برهانًا على أنها من حكيم خبير، هو عالم الغيب والشهادة.
ونبدأ بعد هذا التقديم في تحليل تلك الآيات الكريمات لتوضيح ما احتوت عليه من حقوق النبي ﷺ .
стр. 73
المبحث الثاني
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
أما الآية الأولى فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١].
ونلاحظ ما يلي:
- افتتاح الآية الكريمة بالنداء، للتنبيه على أهمية ما يرد بعد ذلك النداء لتترقبه أسماعهم بشوق؛ لأن ما في حيزه أمر خطير يستدعي مزيد اعتنائهم بشأنه، وفرط اهتمامهم بتلقيه ومراعاته، وهذا يدل على إجلال الله تعالى لنبيه ﷺ وعلو منزلته عنده إذ أحاط أوامره للمؤمنين عند إظهار حقوق النبي ﷺ بهذه الآداب فما بالك بالآداب معه ﷺ ، لقد أمر الله تعالى المؤمنين بالقيام بحقوقه في صورة لم تك لأحد من العالمين، وهذا منتهى الفخر، وغاية الشرف.
- ووصف المخاطبين بوصف الإيمان؛ لتنشيطهم للمسارعة إلى الامتثال لهذا النهي، لأن وصفهم بالإيمان يؤذن بأنه داع للمحافظة على هذا الخطاب ووازع من الإخلال به، وأن ما يحملهم على المبادرة لذلك علامة إيمانهم، ومن ثم كان دليلاً على المحافظة والمسارعة للقيام بحقوقه ﷺ ، وأنه كلما ازداد الإيمان، زاد التفاني في القيام بهذه الحقوق والمثابرة على التخلق بها في معاملتهم معه ﷺ ، وفيه أعظم الدليل على أنه ما نقص حق القيام بواجباته إلا من نقص الإيمان، ولذا وجب على المؤمنين في هذه الأيام تفقد إيمانهم فيما يتعلق بالرسول
стр. 74
- ﷺ إذ يخشى عليهم في هذه المحن أن يذهب إيمانهم لعدم المبالاة بحقوقه ﷺ ، وله مزيد اتضاح عند قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢].
أما قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ فقد جمع كل التقديم المناسب في حقه، إذ له ثلاثة معان:
الأول: لا تقدموا بمعنى لا تفعلوا التقديم كقولنا: فلان يعطي ويمنع، أي يفعل الإعطاء والمنع، ويكون ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل (١) فيكونون منهيين أبدًا عن فعل التقديم كائنًا ما كان بين يديه ﷺ ، خاصة وأن التقدم حقيقته المشي قبل الغير.
الثاني: لا تقدموا أمرًا من الأمور، ويكون حذف المفعول للتعميم أي لا تقدموا أي أمر من قول أو فعل حتى تعلموا فيه حكم رسول الله ﷺ ، فكأن المؤمنين مرتبطون برسول الله ﷺ لا ينفكون عنه في كل أحوالهم بخصوص الشرع وعمومه لأن ذلك هو فوزهم في الأولى والآخرة، لأنه كما بين بعد بأنه تقوى الله تعالى.
الثالث: بمعنى التقدم، ومنه مقدمة الجيش، وهو مضارع قَدم القاصر لا مفعول له فكان بهذا الأدب قد جمع له المولى سبحانه ما ينبغي له من أدب المؤمنين كافة معه، وقصر عليه وحده هذه الآداب كافة، لأنه عُلِم من حال البشر أن ذلك لم يكن إلا له ﷺ وللأنبياء من بعده، وحسبك بذلك شرفًا وعلو قدر، يوحي هذا العلو من الشرف بأنه لا يعطيه إلا مالك الملك ، إذ لو كان وهب هذه المنازل السابقة لبشر لكان أولى أن يلصقوها بأنفسهم، ويدعوها لذواتهم، ومع ذلك لا تلبث أن تفنى أو تنسى بمضي أصحابها، ولكن انظر إلى بقائها مع رحيل النبي ﷺ بغير سلطان يفرضها أو حاكم يجبر الناس عليها، وما ذلك إلا لكونها الرسالة الصادقة، والنبوة الموحى بها من الله ﷻ .
стр. 75
ويبين هذا قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وإن المؤمنين لم يعرفوا مراد الله إلا من جهة الرسول ﷺ ، ويكون المعنى: لا تقدموا بين يدي رسول الله ﷺ وإنما ذكر قبله اسم الله للتنبيه على أن التقديم بين يديه ﷺ إنما هو تقديم بين يدي الله تعالى، وتهجين هذا الفعل واستقباحه وهو أن تفعل بين يدي المعظم ما تقدم به فعلك أو قولك.
ويكون المقصود من الآية النهي عن إبرام شيء دون إذن من رسول الله ﷺ نفسه، ويحصل معنى آخر وهو الأمر باتباع رسول الله ﷺ في كل أمر من أمور المؤمن، ولا ينفرد عنه، وهو ما يبرهن عليه التركيب، إذ هو تمثيل بتشبيه حال من يفعل فعلاً دون إذن من الله ورسوله ﷺ بحال من يتقدم مماشيه في مشيه ويتركه خلفه، ووجه الشبه الانفراد عنه في الطريق، فهو أدب إذا باق إلى نهاية الدنيا مع النبي ﷺ .
ولا بأس من ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات أولاً: لنبرهن به على ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ في التنافس على اتباع تعاليمه والتأدب بأحسن الأدب معه ليكون في ذلك قدوة للمصدقين بنبوة النبي ﷺ المؤمنين به، وعلامة بارزة على أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك طاعة لله ، عندما صدقوا بنبوة الرسول ﷺ ، وأيقنوا بصحة الوحي وصدقه إليه ﷺ وهو ما يدل على أنه رسول الله حقًا. ثانيًا: لنمهد به للأدب الثاني وهو عدم رفع الصوت عنده وهذا السبب لنزول الآية له شقان:
الأول: المتعلق بالأعراب من بني تميم الذين نزلت الآيات لترشدهم مع التوبيخ إلى أصول الأدب مع الرسول ﷺ .
الثاني: وهو المتعلق بالخيرين أبي بكر وعمر ﵄.
وسنقتصر على ما رواه البخاري في صحيحه؛ لأنه أيا ما كان السبب فهو يدور حول أدب التعامل مع النبي ﷺ ، والتحذير الشديد من مخالفة ذلك، روى البخاري بسنده إلى ابن