← Сира

Сира · id 16365

السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية

محمد بن مصطفى الدبيسي

Полный текст (611 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

على أن في هذه الآية من تعظيم النبي ﷺ ، والتنويه به ما ليس في غيرها. انتهى ملخصًا. (١) وهذا ما أشار إليه بعضهم بقوله: صلاة الله على خلقه خاصة وعامة، فهي على أنبياءه الثناء والتعظيم، وعلى غيرهم الرحمة فهي التي وسعت كل شيء. (٢) ذكرنا فيما سبق من حقوقه ﷺ الصلاة والسلام - عليه حيًا وميتًا؛ وأن ذلك لتحصيل جزيل الثواب وعظيم الأجر، وكان هذا الحق سيرة أصحابه الكرام - حيًا وميتًا، وكذلك ديدن المؤمنين المتقين إلى يوم القيامة، وكان هذا الحق أثرًا من آثار محبته التي هي من محبة الله تعالى وقد شاع بين المؤمنين بسببه حينئذ تعظيم الرسول ﷺ واحترامه في ندائه وخطابه وجميع معاملات المؤمنين معه من قبل، ولكن كان لابد من توثيق هذه الحقوق والآداب، والتأكيد عليها، ليقوم بها الموجود وليعلمها من لم يعايشها، والمؤمنون من بعد، وكان ما ارتكبه جفاة الأعراب من وفد بني تميم من نداء الرسول ﷺ من وراء الحجرات سبب نزول هذه الآيات تحمل بيان تلك الآداب في سورة تسمت بذلك - سورة الحجرات - لتكون منشور تلك الأخلاق السامية إلى يوم الدين، وكانت هذه السورة من أواخر ما نزل إذ نزلت سنة تسع للهجرة، قرب ختام البعثة المحمدية لتكون دليلاً على علو درجة النبي ﷺ ، وأن دنو لحوقه بالرفيق الأعلى لا يمنع من نزول قرآن يتلى، ويتردد على مسامع الخلق يؤكد صحة النبوة وصدق الرسالة في تبيين الرب سبحانه لحقوق نبيه وخلودها، وإظهارًا لسمو منزلته، ورفعة مكانته، إذ لا يمكن أن تكون تلك التوجيهات لمن هم في عالم

стр. 72

الغيب إلا برهانًا على أنها من حكيم خبير، هو عالم الغيب والشهادة. ونبدأ بعد هذا التقديم في تحليل تلك الآيات الكريمات لتوضيح ما احتوت عليه من حقوق النبي ﷺ .

стр. 73

المبحث الثاني ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أما الآية الأولى فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١]. ونلاحظ ما يلي: - افتتاح الآية الكريمة بالنداء، للتنبيه على أهمية ما يرد بعد ذلك النداء لتترقبه أسماعهم بشوق؛ لأن ما في حيزه أمر خطير يستدعي مزيد اعتنائهم بشأنه، وفرط اهتمامهم بتلقيه ومراعاته، وهذا يدل على إجلال الله تعالى لنبيه ﷺ وعلو منزلته عنده إذ أحاط أوامره للمؤمنين عند إظهار حقوق النبي ﷺ بهذه الآداب فما بالك بالآداب معه ﷺ ، لقد أمر الله تعالى المؤمنين بالقيام بحقوقه في صورة لم تك لأحد من العالمين، وهذا منتهى الفخر، وغاية الشرف. - ووصف المخاطبين بوصف الإيمان؛ لتنشيطهم للمسارعة إلى الامتثال لهذا النهي، لأن وصفهم بالإيمان يؤذن بأنه داع للمحافظة على هذا الخطاب ووازع من الإخلال به، وأن ما يحملهم على المبادرة لذلك علامة إيمانهم، ومن ثم كان دليلاً على المحافظة والمسارعة للقيام بحقوقه ﷺ ، وأنه كلما ازداد الإيمان، زاد التفاني في القيام بهذه الحقوق والمثابرة على التخلق بها في معاملتهم معه ﷺ ، وفيه أعظم الدليل على أنه ما نقص حق القيام بواجباته إلا من نقص الإيمان، ولذا وجب على المؤمنين في هذه الأيام تفقد إيمانهم فيما يتعلق بالرسول

стр. 74

- ﷺ إذ يخشى عليهم في هذه المحن أن يذهب إيمانهم لعدم المبالاة بحقوقه ﷺ ، وله مزيد اتضاح عند قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]. أما قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ فقد جمع كل التقديم المناسب في حقه، إذ له ثلاثة معان: الأول: لا تقدموا بمعنى لا تفعلوا التقديم كقولنا: فلان يعطي ويمنع، أي يفعل الإعطاء والمنع، ويكون ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل (١) فيكونون منهيين أبدًا عن فعل التقديم كائنًا ما كان بين يديه ﷺ ، خاصة وأن التقدم حقيقته المشي قبل الغير. الثاني: لا تقدموا أمرًا من الأمور، ويكون حذف المفعول للتعميم أي لا تقدموا أي أمر من قول أو فعل حتى تعلموا فيه حكم رسول الله ﷺ ، فكأن المؤمنين مرتبطون برسول الله ﷺ لا ينفكون عنه في كل أحوالهم بخصوص الشرع وعمومه لأن ذلك هو فوزهم في الأولى والآخرة، لأنه كما بين بعد بأنه تقوى الله تعالى. الثالث: بمعنى التقدم، ومنه مقدمة الجيش، وهو مضارع قَدم القاصر لا مفعول له فكان بهذا الأدب قد جمع له المولى سبحانه ما ينبغي له من أدب المؤمنين كافة معه، وقصر عليه وحده هذه الآداب كافة، لأنه عُلِم من حال البشر أن ذلك لم يكن إلا له ﷺ وللأنبياء من بعده، وحسبك بذلك شرفًا وعلو قدر، يوحي هذا العلو من الشرف بأنه لا يعطيه إلا مالك الملك ، إذ لو كان وهب هذه المنازل السابقة لبشر لكان أولى أن يلصقوها بأنفسهم، ويدعوها لذواتهم، ومع ذلك لا تلبث أن تفنى أو تنسى بمضي أصحابها، ولكن انظر إلى بقائها مع رحيل النبي ﷺ بغير سلطان يفرضها أو حاكم يجبر الناس عليها، وما ذلك إلا لكونها الرسالة الصادقة، والنبوة الموحى بها من الله ﷻ .

стр. 75

ويبين هذا قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وإن المؤمنين لم يعرفوا مراد الله إلا من جهة الرسول ﷺ ، ويكون المعنى: لا تقدموا بين يدي رسول الله ﷺ وإنما ذكر قبله اسم الله للتنبيه على أن التقديم بين يديه ﷺ إنما هو تقديم بين يدي الله تعالى، وتهجين هذا الفعل واستقباحه وهو أن تفعل بين يدي المعظم ما تقدم به فعلك أو قولك. ويكون المقصود من الآية النهي عن إبرام شيء دون إذن من رسول الله ﷺ نفسه، ويحصل معنى آخر وهو الأمر باتباع رسول الله ﷺ في كل أمر من أمور المؤمن، ولا ينفرد عنه، وهو ما يبرهن عليه التركيب، إذ هو تمثيل بتشبيه حال من يفعل فعلاً دون إذن من الله ورسوله ﷺ بحال من يتقدم مماشيه في مشيه ويتركه خلفه، ووجه الشبه الانفراد عنه في الطريق، فهو أدب إذا باق إلى نهاية الدنيا مع النبي ﷺ . ولا بأس من ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات أولاً: لنبرهن به على ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ في التنافس على اتباع تعاليمه والتأدب بأحسن الأدب معه ليكون في ذلك قدوة للمصدقين بنبوة النبي ﷺ المؤمنين به، وعلامة بارزة على أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك طاعة لله ، عندما صدقوا بنبوة الرسول ﷺ ، وأيقنوا بصحة الوحي وصدقه إليه ﷺ وهو ما يدل على أنه رسول الله حقًا. ثانيًا: لنمهد به للأدب الثاني وهو عدم رفع الصوت عنده وهذا السبب لنزول الآية له شقان: الأول: المتعلق بالأعراب من بني تميم الذين نزلت الآيات لترشدهم مع التوبيخ إلى أصول الأدب مع الرسول ﷺ . الثاني: وهو المتعلق بالخيرين أبي بكر وعمر ﵄. وسنقتصر على ما رواه البخاري في صحيحه؛ لأنه أيا ما كان السبب فهو يدور حول أدب التعامل مع النبي ﷺ ، والتحذير الشديد من مخالفة ذلك، روى البخاري بسنده إلى ابن

стр. 76

الزبير ﵁ قال: "قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ ، فقال أبو بكر: أمر عليهم القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي (أو إلى خلافي)، قال عمر: ما أردت خلافك أو إلى خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما في ذلك فنزل: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ١، ٢]. جعلت هذه الآية توطئة للنهي عن رفع الأصوات عند رسول الله، والجهر بالقول، وندائه من وراء الحجرات؛ لأن من خصه الله تعالى بهذه الحظوة والمرتبة العالية من جعل إبرام العمل بدون أمره كإبرامه بدون أمر الله حقيق بالتهيب والإجلال أن يخفض الصوت عنده. ومن ثم جعلت هذه الآية في صدر السورة مقدمة على توبيخ وفد من بني تميم حين نادوا النبي ﷺ من وراء الحجرات حيث ذلك من قبيل رفع الصوت عنده، وإن مماراة أبي بكر وعمر ﵄ كانت في نفس قصة بني تميم فكانت الآية تمهيدًا لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ (١) وباستكمال تحليل الآية الكريمة نصل إلى ختامها في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾. أما العطف في قوله ﴿وَاتَّقُوا﴾ فهو تكملة للنهي عن التقدم بين يدي الرسول ﷺ ليدل

стр. 77

على أن ترك إبرام شيء دون إذن الرسول ﷺ من تقوى الله وحده، وأن ضده ليس من التقوى، ليرد ذلك قول مدعي التقوى اليوم، وأنها في القلب يريدون بذلك هدم الإسلام بالتحلل من اتباع النبي ﷺ والتزام تعاليمه والاقتداء به، فيه الرد إذًا عليهم بأن ما فيه (هم) مضاد للتقوى، وهم ليسوا منها في شيء. وكانت جملة ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ في موضع العلة للنهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله، والأمر بتقوى الله (١)، وهي كناية عن التحذير من المخالفة لكون الله تعالى سميعاً بما يقولون عليماً بما يدبرون من مخالفته ليرعوي ولينزجروا بذلك، ففي ذلك تأكيد للنهي والأمر. وجاء الأدب الثاني الذي انتظمته الآيات الكريمات، وهو عدم رفع أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ وذلك في مجلسه وحضرته إذا كلم بعضكم بعضًا. وقد تحصل من هذا النهي معنى الأمر بتخفيض الأصوات عند رسول الله ﷺ وكان الصحابة عنوان هذا الاحترام والأخذ بأحكامه، فما كان يفد أحد من البادية على رسول الله ﷺ ، إلا نبهوه على هذا الأدب. قال صفوان بن عسال ﵁ في حديثه الطويل -: كنا مع النبي ﷺ في سفر، إذ ناداه أعرابى بصوت له جهورى: يا محمد فأجابه رسول الله ﷺ نحواً من صوته: هاؤم! فقلنا له: ويحك! اُتغضض من صوتك، فإنك عند النبي ﷺ ، وقد نهيت عن هذا ... . (٢)

стр. 78

ونعود إلى تحليل الآية: - الآية في النهي عن التجاوز في كيفية القول عند النبي ﷺ بعد النهي عن التجاوز في القول والفعل، كأنه تفصيل لشيء من مفردات النهي الأول وضرب المثل له. - وإعادة النداء مع قرب العهد بالنداء الأول للمبالغة في إيقاظ المؤمنين وتنبيههم، مع إظهار الاهتمام بهذا الغرض الجديد، والإشعار باستقلال كل من الكلامين لأنه كان يمكن أن يكون السياق: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ولا ترفعوا أصواتكم ... ولكن حتى لا ينغمر الغرض الثاني في الأول، إذا هذا الثاني من آداب سلوك المؤمنين في معاملة النبي ﷺ ، والتي تدل بدلالة الفحوى على ما هو آكد من المعاملات مع النبي صلوات الله وسلامه عليه من باب الأولى، لذلك أفرد بالتنبيه مرة أخرى (١). - وحقه ﷺ ألا يرفع عنده الصوت حيًا ولا ميتًا، فكان عمر ﵁ يزجر من يرفع صوته عند مقام النبي ﷺ تأدبًا بهذا الأدب، وسلوكًا لهذا الواجب وكذا لا يرفع الصوت على سنته ميتًا، فما دام قد تحقق من كون الأمر سنة من سنته فمن واجب التأدب أن يقول قول المؤمنين المتقين: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]. (٢) - والرفع مستعار لجهر الصوت جهرًا يتجاوز معتاد الكلام، وهو إما من تشبيه جهر الصوت بإعلاء الجسم في أنه أشد بلوغًا إلى الأسماع كما أن إعلاء الجسم أوضح له في الإبصار، أو من تشبيه إلقاء الكلام بجهر قوي بإلقائه من مكان مرتفع كالمئذنة، فالأول على سبيل الاستعارة المكنية والثاني على طريقة الاستعارة التبعية.

стр. 79

ويكون قوله ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ترشيح لاستعارة ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾، وهو فوق مجازي ويكون موقع قوله: ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ موقع الحال من أصواتكم، أي متجاوزة صوت النبي ﷺ أي متجاوزة المعتاد في جهر الأصوات إذ ذلك جهر النبي ﷺ ولا شك أنه نهي مخصوص بغير المواضع التي يؤمر فيها بالجهر، كالأذان وتكبير العيد، وما أذن فيه النبي ﷺ إذنًا خاصًا كإذنه للعباس يوم حنين (١) وهذا يدل على علو مكانة الرسول ﷺ إذ يأمر المولى عباده بمراعاة النبي ﷺ ، وحسن معاملته إلى درجة ألا يرفع أحد صوته عنده، فما بال المؤمنين المتقين بغير ذلك من الآداب، قد جمعت له كل وسائل الأدب إذاً على أكمل الوجوه واتمها ظاهرًا وباطنًا، حيًا وميتًا، مرتبة عظيمة تلك التي أنبأنا الله تعالى عن رسوله ﷺ لم يبلغها أحد من الخلق طرًا، والمقارنة بين ما أمر الله به، وبين ما وصلنا إليه في معاملتنا للرسول ﷺ مما يدعو إلى الأسى والحزن، والخوف من عقاب أليم ينزل لا يبقي ولا يذر، كما أكد سبحانه بقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]، وإن نظرة لما هبطنا إليه في سلم العلو والحضارة ليخبرنا بالبون الشاسع بيننا وبين رسول الله ﷺ الذي كان الاقتداء به سببًا للعلو والمجد وانتشار الهداية والنور ورفع راية الحق والعدل، والرحمة والمساواة، والسمو المادي والأخلاقي الذي لم يعهد مثله من قبل. إن ما سبق من الكلام في الأدب الثاني مع رسول الله ﷺ إنما كان بعدم رفع الصوت في مجلسه وحضرته، وبالتالي يأتي الأدب الواجب المتعلق بمكالمته ومشافهته إذ هذا لصيق الصلة بذلك، حيث كانت مجالسه مجالس الهداية والتعليم والإرشاد والرحمة ونزول السكينة وغيرها من سبل الرشاد مما يستدعي أن يخاطبه الصحابة رضوان الله عليهم سؤالاً

стр. 80

واستفهامًا واستفتاءً واسترشادًا، هل ترك الله جل وعلا لهم مخاطبة النبي ﷺ بأي قول أو بأي هيئة بغير أن يبين لهم السلوك الواجب في ذلك تعظيمًا لأبهة النبوة وإظهارًا لعظم المكانة وتبجيلاً له ﷺ ليعلموا بخطابه أنهم يخاطبون المهيب العظيم المتدثر بالنبوة والذي تقديره وإعزازه من تقدير مرسِله وتوقيره ؟ نعم بين لهم ذلك وأوضح لهم في نفس الوقت جزاء المخالفة لذلك وعاقبته المخزية في الأولى والآخرة هذه بداية حروف الأدب الواردة في القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]. بين هذا الجزء من الآية شقين من الكلام؛ الأول حقه ﷺ ، والثاني العقاب المترتب على المخالفة والتقصير في هذا الحق. لما عطف هذا النهي - عن الجهر - على الجهر بالصوت عند خطابهم الرسول ﷺ دل على أنه جهر آخر للتغاير بين مقتضى قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ومقتضى قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ خاصة وقد تعدى الفعل ﴿تَجْهَرُوا﴾ باللام في قوله ﴿لَهُ﴾، فدلت اللام هنا على أن هذا الجهر يتعلق بمخاطبته، وزاده وضوحًا التشبيه في قوله: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. (١) ومعنى الكلام المعظم: ولا تجهروا له بالقول إذا كلمتموه كالجهر الجاري فيما بينكم، بل اجعلوا صوتكم أخفض من صوته ﵊، وليس غض الصوت فقط هو المطلوب وإنما ما يدل عليه من الأدب في المحادثة كالتعهد في مخاطبته اللين القريب من الهمس، كما هو الدأب عند مخاطبة المهيب المعظم، محافظة على مراعاة أبهة النبوة وجلالة

стр. 81

مقدارها. وهذا ما يدلنا عليه تأكيد سابق في سورة النور لتوضيح هذا الأدب وهو في قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ حيث إن الآية ذكر لها المفسرون تفسيرين ما يعنينا هنا هو: اعتبار إضافة ﴿دُعَاءَ﴾ إلى ﴿الرَّسُولِ﴾ من إضافة المصدر إلى مفعوله، المقدر الفاعل ضمير المخاطبين، والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسول، فالمعنى نهيهم أن يدعوا الرسول ﷺ كما يدعو بعضهم بعضًا، وقدر الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للمسلمين، حيث الخطاب: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾، ليكون حثًا على تلقي هذه الجملة بنشاط فهم، فنهاهم أن يدعوا الرسول ﵊ عند مناداته كما يدعو بعضهم بعضًا في اللفظ أو في الهيئة؛ فأما في اللفظ فبأن لا يقولوا: يا محمد، أو يا ابن عبد المطلب، ولكن يا رسول الله، أو يا نبي الله، وأما في الهيئة فبأن لا يدعوه من وراء الحجرات، وأن لا يلحوا في دعائه إذا لم يخرج إليهم كما جاء في السورة التي معنا نتكلم فيها عن آداب مخاطبة النبي ﷺ ، وهي سورة الحجرات. لأن كل هذه الأخلاق من الجلافة التي لا تليق بعظمة قدر الرسول ﷺ فهذا أدب المسلمين، وسد لأبواب الأذى عن المنافقين. (١) بيد أنه لا يسعنا مع ما وصلت إليه أحوال المسلمين اليوم إلا أن نشير إلى ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من الاستجابة لهذه التوجيهات والعمل بمقتضاها مسارعة لرضا الله تعالى، وتعظيمًا لأوامره، والتي تظهر أول ما تظهر في محبتهم لرسوله وتعظيمهم له ﷺ . كان أول المسارعين إلى ذلك أبو بكر وعمر ﵄، ونذكرهما بالذات أولاً لكونهما خاصة الخاصة عند رسول الله ﷺ ، ولورود ذكرهما في أسباب نزول الآيات التي

стр. 82

نحن بصددها. أما ما ورد عن أبي بكر ﵁ فعن أبي هريرة: أن أبا بكر قال بعد نزول هذه الآية: «والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله». (١) وزاد أنه ﵁ كان يرسل إلى الوفود إذا قدموا على رسول الله ﷺ من يعلمهم كيف يسلمون، ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله ﷺ . أما عمر ﵁ ففي صحيح البخاري: قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه. (٢) وكان على هذا الأدب أصحاب النبي ﵊ حيث كان يأتي الأعرابي فيرفع صوته بحضرته فيعلمونه ويرشدونه بقولهم اخفض صوتك إنك عند رسول الله ﷺ . (٣) مضى على تلك الأخلاق الحسنة الأجيال الفاضلة التي علت ودانت لها الدنيا، حتى ظهرت هذه الأخلاق الآثمة من الكفرة ومدعي الإسلام، تتنقص الرسول وتسيء إليه، وترفع صوتها فوق صوته، بل ترد قوله، وتمجد قول غيره وتعظمه وتنعق به، وتسير وراءه، وهنا مكمن الخطر، وموضع الزلل، وهو الشق الثاني في الآية الكريمة، الذي يبين عاقبة

стр. 83

الجهر له كالجهر لغيره بمعتاد القول، فكيف بما هو أشنع وأسوأ، وهو ما جلاه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾. وهذا العقاب الشديد معناه أن التقصير في هذا الأدب مع رسول الله ﷺ يؤدي إلى الكفر الذي تحبط به الأعمال، ومعنى كلام الله تعالى: أن الجهر بالقول له يفضي بكم إن لم تكفوا عنه أن تحبط أعمالكم، ويكون التقدير عند البصريين لا تجهروا له بالقول خشية أن تحبط أعمالكم، وتقدير الكوفيين بتقدير ﴿لَا﴾ النافية فيكون أن لا تحبط أعمالكم. (١) والحَبَط: تمثيل لعدم الانتفاع بالأعمال الصالحة بسبب ما يطرأ عليها من الكفر مأخوذ من حبطت الإبل إذا أكلت الخضر فنفخ بطونها واعتلت أو ربما هللت، وقد جاء في الحديث ما يدل عليه في قوله: (وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطًا أو يلم)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] (٢). ومما سبق يتضح شيء من المقصود من القيام بسلوك واجب الأدب، وحسن المعاملة التي تحقق بها الصحابة رضوان الله عليهم، خشية أن يحل عليهم عذاب الله أو تصيبهم الفتنة من الوقوع فيما يحرجه ﷺ ، فيغضب له الرب، فيعد لهم هذا السيئ من العذاب، ومن ثم جاء التحذير من الله لمن بعدهم إلى أن تقوم الساعة أن يقعوا في ذلك أو أن يتساهلوا فيه ويستمرئوه وأنهم إذا وقع منهم ذلك مهما كانت لهم من أعمال صالحة - يظنون - فإنها لن تجديهم نفعًا، بل هي هباء قد ذهب منثورًا، وهو حال الذين يزعمون اليوم أنهم مسلمون صادقون، فكيف بحال من يبطن الكفر ويدعي الإسلام، إن مآل إليه حال المسلمين اليوم

стр. 84

ليدلنا على صحة الرسالة، وصدق النبوة إذ أخبر القرآن بذلك، وليس الكلام في إحباط الأعمال من شأن البشر، وما كان ليقال، ويخبر به إلا من لدن حكيم خبير، حيث لما ظهرت ما حذر منه من أسباب تؤدي إليه. إن ظاهر الآية التحذير من حبط جميع الأعمال، لأن الجمع المضاف من صيغ العموم ولا يكون ذلك الحبط إلا في حالة الكفر، لأن من الأعمال الإيمان، فمعنى الآية: أن عدم الاحتراز من سوء الأدب مع النبي ﷺ بعد هذا النهي قد يفضي بفاعله إلى إثم عظيم، يأتي على عظيم من صالحاته، أو يفضي به إلى الكفر. قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" أي يكون ذلك سببًا إلى الوحشة في نفوسكم فلا تزال معتقداتكم تتدرج القهقري حتى يؤول ذلك إلى الكفر فحبط الأعمال. يقول الإمام ابن عاشور في "التحرير والتنوير" تعقيبًا على كلام ابن عطية: لأن عدم الانتهاء عن سوء الأدب مع الرسول ﷺ يعود النفس بالاسترسال فيه، فلا تزال تزداد منه، وينقص توقير الرسول ﷺ من النفس، وتتولى من سيء إلى أشد منه حتى يؤول إلى عدم الاكتراث بالتأدب معه وذلك كفر، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ لأن المتنقل من سيء إلى أسوأ لا يشعر بأنه آخذ في التملي من السوء بحكم التعود بالشيء قليلاً حتى تغمره المعاصي، وربما كان آخرها الكفر حين تضري النفس بالإقبال على ذلك. (١) على عكس ذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ يشعرون بالمخالفة اليسيرة ويستعظمونها، ويحزنون لوقوعها منهم حتى ولو بغير قصد وعمد؛ خوفًا من أن يتنزل عليهم غضبه، أو يحل عليهم عذابه، لذلك عظم الله قدرهم، ورفع منزلتهم وأثابهم أجزل

стр. 85

المثوبة في الدنيا والآخرة، فكانوا خير أمة أخرجت للناس، هذا ثابت بن قيس بن شماس - خطيب رسول الله ﷺ وكان في أذنه وقر وكان جهوري الصوت، لما نزلت هذه الآية افتقده النبي ﷺ فأخبر بشأنه فدعاه فسأله، فقال يا رسول الله: أنزلت عليك هذه الآية وأنا رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال له رسول الله ﷺ : «إنك تعيش بخير، وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة» (١) وهكذا كانوا في عموم حالهم مع ربهم ورسولهم وقرآنهم ودينهم اعتقادًا وأخلاقًا وسلوكًا ودعوة. تصديقًا لمثل ذلك، جاءت الآية التالية لما سبق تبين عظيم البشريات وأجمل العواقب لمن كان في سلوكه على مثل هذا النهج الحسن فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ [الحجرات: ٣]. ونحلل هذه الآية الكريمة نختم بها بعد الترهيب المخوف السابق، بالترغيب المُطَمئِن للنفس، الباعث فيها لروح الرجاء الدافع بالمرء إلى أقصى درجات المحبة لرسول الله ﷺ ، لتتفجر منه أقوى طاقات الاتباع والسلوك والاقتداء والتأدب معه ﷺ ، مع بذل النفس والمال، وهجرة الأهل والوطن لنصرته والذود عنه. إن أول ما يصادفنا في الآية هو: - افتتاحها بحرف التأكيد، فالكلام استئناف بياني لأن التحذير في قوله تعالى ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ يثير في النفس سؤالاً عن جزاء من حاله ضد هذه الحال المخزي الذي حبط عمله.

стр. 86

- فجاء هذا الاستئناف بالتأكيد ب ﴿أَنْ﴾ للاهتمام بمضمونه من الثناء عليهم وجزاء عملهم. - وتفيد الجملة تعليل النهيين ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾ و ﴿وَلَا تَجْهَرُوا﴾ بذكر الجزاء عن ضد المنهي عنهما، وأكد هذا الاهتمام باسم الإشارة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ مع ما في اسم الإشارة من البعد الدال على بعد مكانتهم وعلوها، والتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بالخير المذكور بعد اسم الإشارة، لجل ما ذكر من وصفهم قبله. (١) - والغض حقيقته: خفض العين، أي لا يحدق بها إلى الشخص، وهو هنا مستعار لخفض الصوت والميل به إلى الإسرار، والامتحان: الاختبار والتجربة، وهو افتعال من محنة، إذا اختبره. - واللام في قوله ﴿لِلتَّقْوَى﴾ لام العلة، أو لام الاختصاص، ويكون التقدير على الأولى: امتحن الله قلوبهم لأجل التقوى، لتكون فيها التقوى، فيكونون أتقياء، يقال: امتُحِنَ فلان للشيء الفلاني كما يقال: جُرِّب للشيء، ودُرِّبَ للنهوض بالأمر، أي فهو مضطلع به، فيكون قد ضَرَبَ قلوبهم بضروب المحن، والتكاليف الشاقة لأجل التقوى، فإنها لا تظهر إلا بالاصطبار عليها، وكل ذلك موافق لما عليه المتقون المحمودون في علاقتهم بالنبي ﷺ في كل زمان ومكان، صابرين على تكاليف التقوى يقومون بها بخالص المحبة متقبلين لنتائجها، لأن كل ذلك في رضا الله، ووقوع ذلك منهم يدل عليه جواز أن يجعل الامتحان كناية على تمكن التقوى من قلوبهم، وثباتهم عليها، بحيث لا يكونون في

стр. 87

حالٍ ما غير متقين، وهي كناية تلويحية لكون الانتقال بعدة لوازم وفي هذه المعاني درس المسلمين اليوم. - ويجوز أن يجعل فعل ﴿امْتَحَنَ﴾ مجازًا مرسلاً عن العلم، أي علم الله أنهم متقون، وعليه تكون اللام من قوله ﴿لِلتَّقْوَى﴾ متعلقة بمحذوف حال من قلوب، أي كائنة للتقوى، فاللام للاختصاص وهو القول الثاني. - أو هو سبحانه علم كون هذه القلوب مفعمة بالمحبة لرسوله تستحق ذلك بفضله، فأخلصها للتقوى كامتحان الذهب لتمييز إبريزه من خبثه، وهذا من فضل الله تعالى ومنته على أولئك المستجيبين لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم، ويكون فيه فوزهم في الآخرة، ورفع رايتهم في الدنيا. - وجملة "لهم مغفرة وأجر عظيم" جعلت جزاء للغاضين أصواتهم، الملتزمين بالشرع المؤدب مع رسول الله ﷺ ، في مقابل عقاب أولئك المنحرفين عنه المتعاملين معه على هذا الحال النكد، فهؤلاء لم يغفر لهم؛ لأنهم كفروا بذلك الفعل، وذلك شرع الله القائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)﴾ [محمد: ٣٤] وبالتالي حبط عملهم فلم يستفيدوا منه بشيء على عكس أولئك المؤمنين المتقين، حيث غفر لهم ما يمكن أن يفلت منهم من تقصير بمقتضى البشرية، وأثيبوا على عملهم الصالح، وخص منه سلوك الأدب مع الرسول ﷺ بالأجر العظيم مبالغة في تقدير عملهم هذا وتنويهًا برفعة قدره، وعلو شأنه. - والجملة ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ للمفسرين فيها إعرابان، الأول: أنها خبر إن، وذهب الزمخشري إلى أن خبر أن هو اسم الإشارة مع خبره، وجعل جملة ﴿لَهُمْ﴾ مستأنفة. فعلى القول الأول فإن ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ هو المقصود من هذا الاستئناف، وما بينهما

стр. 88

اعتراض للتنويه بشأنه. وفي القول الثاني نختم بكلام الزمخشري ذاته حيث يقول في "الكشاف": (وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم اسمًا لـ ﴿إِنَّ﴾ المؤكدة وتصيير خبرها من مبتدأ وخبر معرفتين معًا، والمبتدأ اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة مبهمًا أمره؛ ناظرة في لدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول الله ﷺ ، وفي الإعلام بمبلغ عزة رسول الله ﷺ وقدر شرف منزلته.) (١) وهذا الوعد والثناء يشملان ابتداء أبا بكر وعمر إذ كان كلاهما يكلم رسول الله ﷺ كأخي السرار (٢)، والباقي كل حسب سلوك واجب الأدب معه ولا تعليق بعد هذا الكلام إلا بالأسى والحزن مرة أخرى لما وصل إليه حالنا، وما ينبغي للمؤمنين فيه من معاودة الكرة بالرجوع إن كانوا صادقين إلى محبته وسنته وتعظيم قدره، ورفع راية شريعته، ليعود إليهم مجدهم، ﴿إِن اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].

стр. 89

الفصل الثالث عصمته ﷺ

стр. 90

المبحث الأول معنى العصمة والعصمة مما اختص الله تعالى رسوله ﷺ بها، كذلك الأنبياء من قبله، ونقصد بالعصمة: أن الله جل وعلا حفظه من المعاصي والسيئات صغيرها وكبيرها بعد البعثة، وحفظه أيضًا مما يكون سببًا للشين أو التنقص قبل البعثة، ألا يقع منه قبل البعثة ما يكون سببًا لازدرائه أو الوقوع في عرضه بأن يقال له بعد البعثة قد كنت تفعل هذا الذي تنهانا عنه الآن، وكذلك من كل ما يكون منفرًا من قبول الدعوة عند أصحاب الطباع السليمة. إن الرسول ﷺ لابد أن يكون متميزًا عمن يدعوهم إلى الله تعالى، فهو يدعوهم إلى مكارم الأخلاق وأحاسن الصفات، وصحيح الاعتقادات وجميل العبادات، فهو أسوتهم إذن في ذلك وقدوتهم في أقواله وأفعاله وأخلاقه، فلا يجوز أن يكون كذلك ويصدر عنه ما يخالف قوله أو فعله، مما يسقطه من أعينهم أو يقلل قيمته وشأنه في نظرهم، فيكون حائلاً عن وصول دعوة الحق إلى الناس، وصادًا لهم عنها، بدلاً من أن يكون هاديًا لهم فيها معينًا لهم عليها، وهذا قادح في مرسله حاشا له - إن ذلك يناقض هدف الدعوة ومقصودها. وقد أخذنا أنفسنا في أول الفصل بأن يكون الكلام على الرسول ﷺ مما نزل به القرآن الكريم أي - رسول الله ﷺ في القرآن - ترجمة أمينة له لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، لما ذكرناه هناك من أسباب، فكذلك القول في العصمة.

стр. 91

وسوف نعالج موضوع عصمته ﷺ بطريقة مختلفة عن طريقة التقرير العادية للقضايا، بطريقة تعتمد على قراءة النصوص القرآنية كلها الواردة في الموضوع، والربط بينها لنخرج بنتيجة نطبقها من باب الأولى على النبي ﷺ وقد اخترنا قصة يوسف ﵇ لنقرأ نصوصها، وندرسها، ونقارن بينها وبين بقية النصوص، ثم نستخلص منها النتيجة التي تؤدي إليها، وحينها ندلل بها على عصمة ﷺ من باب الأولى بمقارنتها بما ورد فيها وفي غيرها من النصوص التي تشير إلى النبي ﵊.

стр. 92

المبحث الثاني عصمة الأنبياء (قصة سيدنا يوسف ﵇ وقد اختار الباحث قصة يوسف ﵇ بعينها لكونها مما ثار حوله الأخذ والرد، والقبول والرفض، وأثيرت حوله الشبهات بين معارض للعصمة، وبين مدافع عنها، وبين مفصل فيها، ما يقبل وما يرد. والقصة مع ذلك غنية بالمواقف والمشاهد والمعاني، التي تصلح لدراسة النصوص ومقارنتها، وهذه هي الآيات التي تصور القصة نسوقها ونحللها مع بقية الآيات الكريمات التي لم نسقها. يقول الله : ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩) وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ [يوسف: ٢٢ - ٣٠] إلى آخر الآيات التي سنتعرض لها بمشيئة الله.

стр. 93

أطلت في نقل تلك الآيات وإن اقتصرت عليها لتكون بداية دراسة حديث العصمة للأنبياء خاصة رسولنا محمد ﷺ ، وهي من منهجنا الجديد في البحث، وهو ذكر الأنبياء وما حدث لهم مع المقارنة بالنبي ﷺ . ونبدأ بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي لما بلغ يوسف ﵇ منتهى اشتداد جسمه وقوته - أي ما بين الثلاثين والأربعين - آتيناه حكمًا وعلمًا وتنكيرهما للتفخيم من شأنهما أي حكمًا وعلمًا فخمًا لا يقادر قدرهما إلا الله، والحكم هو العليم المؤيد بالعمل، أو حكمًا بين الناس أو النبوة، وكل ذلك متحقق فيه ﵇، وكذلك العلم هو التفقه العالي في الدين (١)، ويحسن هنا أن نشير إلى قول آخر للإمام الفخر الرازي في المسألة الثالثة - في تفسير الحكم والعلم أقوال: القول الأول: أن الحكم والحكمة أصلها حبس النفس عن هواها، ومنعها مما يشينها، فالمراد من الحكم الحكمة العملية، والمراد من العلم الحكمة النظرية، وإنما قدم الحكمة العملية هنا على النظرية، لأن أصحاب الرياضات يشتغلون بالحكمة العملية، ثم يترقون على الحكمة النظرية ... وهي طريقة يوسف ﵇، لأنه صبر على البلاء والمحنة ففتح الله عليه أبواب المكاشفات، فلهذا السبب قال: ﴿آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. (٢) وكذلك هذا القول يبين مدى ما وصل إليه يوسف ﵇ من الحكمة والعلم الحافظين له عما يشين النفس، أو يعرضها للتهمة، أو يجعلها غرضًا لسهام النقد أو التنقص،

стр. 94

ويدل لهذا القول وما سبقه قوله تعالى: "وكذلك نجزي المحسنين" وفيها معانٍ: الأول: وصف يوسف ﵇ بالإحسان، وإذ هو نبي فلابد أن يكون في الدرجة العالية من الإحسان، لأن تعليق الجزاء المذكور بالمحسنين إشعار بعلية الإحسان له، وتنبيه على أنه سبحانه إنما آتاه ما آتاه لكونه محسنًا في أعماله، متقيًا في عنفوان أمره. الثاني: أن ذلك الإحسان جزاء على ما كان من يوسف في تحمل الشدائد والأحزان، والثبات على طاعة الله ومرضاته، واجتناب مساخطه وما يغضبه : ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقد رأينا ذلك سجنه وشدته من نظرة السجناء معه عند طلبهم منه أن يؤول لهم الرؤيا بقولهم: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾، وهي شهادة من الكفرة له، بدون سابق معرفة إلا مطالعة محياه الطاهر ﵇. الثالث: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف للتشبيه، أي ومثل ذلك الجزاء العجيب نجزي كل من يحسن في عمله، حيث اسم الإشارة للبعيد دليل على بعد منزلة هذا الجزاء وعظمها. (١) وذلك كله يوضح في ضمن ما سيذكر أن سيدنا يوسف ﵇ كان في المنزلة الرفيعة من حفظ النفس ومرضاة الرب، وأن جزاء الله له محيط به يحفظه بحفظه، ويكلؤه بكلاءته. وذلك كله قبل ذكر مراودة امرأة العزيز له. ولقد ذكرت سورة يوسف في الآيات المبكرة منها أن يوسف ﵇ في محل اجتباء الله له واصطفائه إياه، من حيث قص رؤياه وهو غلام صغير على أبيه يعقوب ﵉، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى

стр. 95

آَلِيَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ [يوسف: ٦]. وهذه الآية الكريمة تشتمل على محاسن من المعاني التي تشترك مع غيرها فيما بعد لتكون الصورة المشرقة عن عصمة النبي ﷺ ، وعصمة الأنبياء ﵈. وأول ذلك: العناية الربانية بهؤلاء المصطفين الأخيار من صغرهم، وذلك في قوله تعالى .... وكذلك فالواو عاطفة لهذا الكلام على قوله: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ إعلامًا ليوسف ﵇ بعلو قدره ومستقبل كماله، كي يزداد تمليًا من سمو الأخلاق، فيتسع صدره لاحتمال إخوته، صفحًا عن غيرتهم وحسدهم، وليكون كلام الأب نصحًا خالصًا تنفي عنه البغضاء ونحوها، وهي حكمة نبوية عظيمة، وطب روحاني ناجح، وقد آتى ذلك ثمرة كما هو يتضح من نهاية القصة في تعامل يوسف ﵇ مع إخوته. والكاف للتشبيه، وهو ما يلفت النظر ويثير الانتباه، أي مثل هذا الاصطفاء الذي دلت عليه الرؤيا من العناية الربانية به يجتبيك ربك في المستقبل، والتشبيه هنا تشبيه تعليل لأنه تشبيه أحد المعلولين بالآخر لاتحاد العلة. وموقع الجار المجرور موقع المفعول المطلق لـ "يجتبيك" المبين لنوع الاجتباء ووجهه. والاجتباء: هو الاختيار والاصطفاء، ومعنى ذلك أن الله قد اجتباه واختاره واصطفاه في صغره، وهو حال الأنبياء قبل البعثة؛ ليرشدنا ذلك إلى تحليل أحوالهم على هذا المنوال بعد البعثة. ثانى ذلك: أن هذا الاجتباء والاصطفاء قبل البعثة، وتلك العناية الربانية دليل رفعة شأن في المستقبل وذلك يؤذن بنبوته، وإنما علم يعقوب ﵇ أن رفعة يوسف ﵇ في مستقبله رفعة إلهية لأنه علم أن نعم الله تعالى متناسبة فلما كان ما ابتدأه به من النعم اجتباء وكمالاً نفسيًا تعين أن يكون ما يلحق بها من نوعها.

стр. 96

ثالثه: أن هذا الاجتباء يتبعه لا شك ارتقاء نفسي من الواردات الإلهية إلى أن يصل إلى النبوة لأنه ذكر بعد ذلك: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ فهو في تدرج في هذه النعم إلى تمامها، وتمامها هو إعطاؤه أفضل النعم، وهي نعمة النبوة، مما يدل عند الكلام على مراودة امرأة العزيز أن يوسف ﵇ في الترقي إلى الكمال، قد وصل منتهاه، هذا تحليل وسياق الآيات والواقع ليكون الباحث على ذكر من ذلك حال بحثه في آيات العصمة، ليرد مخالفها بهذا التحليل القاطع. ويمكن أن يكون إتمام النعمة كذلك بضميمة الملك إلى النبوة والرسالة، فيكون المراد إتمام نعمة الاجتباء الأخروي بنعمة المجد الدنيوي. ولذلك كان المعنى في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ إن كان المراد من إتمام النعمة النبوة فالتشبيه تام، وإن كان المراد من إتمام النعمة الملك فهو إتمام النعمة على الإطلاق فقد تمت كل النعم عليه ﵇ فأنى يقع بعد ذلك فيما يتنزه عنه غيره ممن لم يصل إلى شيء من تلك النعم، وهو يمكن أن يعيش وأن يموت ولا يقع في شيء من تلك الرذائل. رابع ذلك: وهو جملة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، ولها تعلق كبير بما نحن بصدده إذ هي تذييل بتمجيد هذا النعم، وأنها كائنة على وفق علمه وحكمته، فعلمه هو علمه بهذه النفوس التي تصلح لهذه الفضائل، لأنه خلقها لقبول ذلك، وحكمته وضع النعم في مواضعها المناسبة، وذلك تعريض بالثناء على يوسف ﵇ لعلم الله تعالى بكونه من هذه النفوس الصالحة التي يصلح لهذه النعم الكاملة وحكمته التي اقتضت وضع هذه النعم موضعها المناسب. نعود إلى بداية الآيات التي بدأنا بها لنستكمل تحليلها، وهي من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. لما بلغ يوسف ﵇ أشدة آتاه ربه العلم والحكمة، ووصل إلى أعلى

стр. 97

درجات الرقى الدينى والأخلاقى؛ بتمام تلك النعم عليه، وبدأ فصل جديد هو مراودة امرأة العزيز له عن نفسه. ويبدأ هذا المقطع بمراودة امرأة العزيز ليوسف ﵇، وقد أُوتي العلم والحكمة، وبلغ عنفوان الشباب والقوة، وهو في بيتها، وغلقت الأبواب، وننظر في هذه الآيات نظرة تحليلية دقيقة فاحصة لنرى ما يأتي: أولاً: إن قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ رجوع إلى شرح ما جرى عليه في منزل العزيز بعدما أمر امرأته بإكرام مثواه، فكان قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ استطراد اعتراض بين الأمر بإكرام مثواه وبين المراودة جيء به أنموذجًا للقصة ليعلم السامع من أول الأمر أن ما لقيه ﵇ من الفتن التي ستحكى بتفاصيلها له غاية جميلة، وعاقبة حميدة، وأنه ﵇ محسن في جميع أعماله، لم يصدر عنه في حالتي السراء والضراء، ما يخل بنزاهته (١)، إذ كيف يكون ذلك وملخص القصة في بدايتها التمكين والإنجاء، وبل التمكين البالغ المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا﴾ لأننا لو أجرينا اسم الإشارة على قياس كثير من أمثاله في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة: ١٤٣]، كان التمكين المستفاد منه ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ تنويهًا بأن ذلك التمكين بلغ غاية ما يطلب من نوعه، بحيث لو أريد تشبيهه بتمكين أتم منه لما كان إلا يشبه بنفسه بنحو قول النابغة: والسفاهة كاسمها فيكون الكاف في محل نصب على المفعول المطلق. والتقدير: مكنا ليوسف تمكينًا كذلك التمكين، وإن أجرينا اسم الإشارة على ما يحتمله اللفظ كان الحاصل هو المذكور

стр. 98

آنفًا، وهو ما يفيده من الإنجاء العجيب له قبل ذلك من كيد إخوته، ومن إخراجه من الجب، أي مكنَّا ليوسف تمكينًا من صنعنا مثل ذلك الإنجاء الذي نجيناه، فتكون الكاف في موضع الحال من مصدر مأخوذ من ﴿مَكَّنَّا﴾، والتمكين هنا مراد به ابتداؤه وتقدير أول أجزائه؛ لأنه بحلوله ﵇ محل العناية من عزيز مصر قد خُطَّ له مستقبل تمكينه في الأرض على الوجه الأتم الذي أشير له بقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾. وعطف على ﴿وَكَذَلِكَ﴾ قوله تعالى: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ وهي علة كذلك لهذا التمكين؛ لأن الله تعالى لما قدر في سابق علمه أن يجعل يوسف ﵇ عالمًا بتأويل الرؤيا، وأن يجعله نبيًا أنجاه من الهلاك، ومكن له في الأرض تهيئة لأسباب مراد الله تعالى (١)، ثم بعد هذه العناية، وتحقيق ذلك التمكين، وذلك العلم وتلك الحكمة، يأتي هذا المجتبى بأمور الخيانة ومخالفة الرب، والوقوع فيما تنزه عن الوقوع فيه من ليسوا بهذه العناية من البشر العاديين وهذا ما يأباه السياق وينعى على عقول أصحابه، ويدفع أفكارهم. ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ ونلاحظ تقديم المراودة على تغليق الأبواب، والتهيؤ له، وطلب المبادرة منه؛ لأن المراودة هي المقصودة من إحكام إغلاق الأبواب والتهيؤ، والمراودة: مفاعلة مستعملة في تكرير المحاولة معه ﵇ من راد يرود، إذا جاء وذهب فشبه حال المحاول أحدًا على فعل شيء مكررًا ذلك بحال من يذهب ويجيء في المعاودة إلى الشيء المذهوب عنه، وكأنها أخذت تراوده، وتحاول معه.

стр. 99

يقول العلامة ان عاشور: و ﴿عَنْ﴾ للمجاوزة، أي راودته مباعدة له عن نفسه، أي بأن يجعل نفسه لها. والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن، فالنفس هنا كناية عن غرض المواقعة، قاله ابن عطية، أي فالنفس أريد بها عفافها وتمكينها منه لما تريد والتعبير عن امرأة العزيز بطريق الموصولية في قوله تعالى: ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ لقصد ما تؤذن به الصلة من تقرير عصمة يوسف ﵇ لأن كونه في بيتها من شأنه أن يطوَّعه لمرادها. ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: اسم فعل أمر بمعنى بَادرْ، واللام في ﴿لَكَ﴾ لزيادة البيان بالمقصود بالخطاب أي بادر أنت، وهِئْتُ لك أنت، كما في قولهم سقيا لك. أشارت هذه العبارات إلى عصمة يوسف ﵇ كما سبق من معنى السياق، وكذلك لم يكن منه بعد ذلك كله إلا أن قال ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ وذلك ما نحلله في ثالثًا. ثالثًا: قال معاذ الله: أي أعوذ عوذًا بالله، وهو مصدر أضيف إلى اسم الجلالة إضافة المصدر إلى معموله، أي أعتصم بالله مما تحاولين، مما تدعينني إليه، وهذا اجتناب منه على أتم الوجوه، وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله للخلاص منه (١)، لأنه شيء في حد ذاته في غاية القبح والسوء، وأنه ممتنع عنه أشد الامتناع، وعلل ذلك الامتناع والاستعصام بتعليلين: الأول: بقوله: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، وهذا من الكلام الموجه توجيهًا بليغًا حكي به كلام يوسف ﵇ إما لأن يوسف ﵇ أتى بمثل هذا التركيب في لغة القِبط، وإما لأنه أتى بتركيبين لعُذرين لامتناعه فحكاهما القرآن بطريقة الإيجاز والتوجيه، وأيا ما كان فالكلام

стр. 100

تعليل لامتناعه، وتعريض بها في خيانة عهدها (١)، وفيه عبرة عظيمة من العفاف والتقوى وعصمة الأنبياء، إذ يذكر هذه الموعظة في هذا الموقف الصعب، والمزلة الدحضة، مع الاعتصام بالله واللجوء إليه. وكان هذا التعليل ببعض الأسباب الخارجية - بعد أن ذكرها بقبح الزنا وسوئه في ذاته - مما عسى أن يكون مؤثرًا عندها وداعيًا لها إلى اعتباره، والضمير للشأن كأنه قال إن الشأن الخطير هذا وهو ربي. على احتمال إنه خالقه، أو أنه العزيز، فإن كان العزيز هو المراد فالمعنى إن الشأن الخطير هذا وهو ربي العزيز أحسن مثواي حيث أمركِ بإكرامي فكيف يمكن أن أسيء إليه بالخيانة في حرمه، وإن قيل إن الضمير راجع إلى الله فالمعنى أن الحال هكذا فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشة الكبيرة، وفيه تحذير لها من عقاب الله تعالى. وعلى التقديرين ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالة إيذان بأن هذه المرتبة من البيان كافية في الدلالة على استحالته، وكونه لا يدخل تحت الوقوع أصلاً (٢)، هذا تركيب وسياق ومعنى الكلام في اللغة فكيف يمكن أن يقع منه شيء بعد ذلك سبحانك هذا بهتان مبين. الثاني: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ وهو التعليل الثاني لإبائه وامتناعه واعتصامه، وضمير ﴿إِنَّ﴾ ضمير الشأن وهو يفيد أهمية الجملة المجعولة خبرًا عنه؛ لأنها موعظة جامعة، وأشار إلى أن إجابتها لما راودته ظلم، لأن فيها ظلم كليهما نفسه بارتكاب معصية مما اتفقت الأديان على أنها كبيرة، وظلم سيده الذي آمنه على بيته، وآمنها على نفسها إذ اتخذها زوجة وأحصنها.

стр. 101

وصلنا إلى نهاية هذا المشهد الذي جسد إباء يوسف ﵇ واعتصامه بالله ووعظ المرأة بكون ذلك سوءًا وقبيحًا وظلمًا وخيانة لله ولزوجها، وأنه لا يفلح أصحابه في الدنيا والآخرة، مما كان بيانًا واضحًا منه ﵇ باستحالة وقوع ذلك منه، هذا موقفه ﵇ فما موقف المرأة؟ كأنها لم تسمع من ذلك شيئًا مما يدل على سيطرة الشهوة عليها، وتغييب العقل والمنطق والأخلاق، والذي بدا فيما أقدمت عليه حيث قال: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ عزمت على الفعل عزمًا محققًا، أكده القرآن الكريم بـ ﴿وَلَقَدْ﴾ ولام القسم، وجملة ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ مستأنفة استئنافًا ابتدائيًا، والمقصود من ذكر همها به تبيين ثبات يوسف ﵇ على موقفه، وتمهيد إلى ذكر انتفاء همه لبيان الفارق بين الحالين بين حالة من سيطرت عليها الشهوة، ومن حكم عقله ودينه وخلقه وخوفه من ربه، واستبشاعه للخيانة والجرم، مع تعوذه والتجائه إلى الله من الوقوع في شيء من ذلك. وجملة: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ معطوفة على جملة ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ كلها، وليست معطوفة على جملة ﴿هَمَّتْ﴾ والتي هي جواب القسم المدلول عليه باللام؛ لأنه لما أُردفت جملة ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ بجملة شرط ﴿لَوْلَا﴾ المتمحض لكون من أحوال يوسف ﵇ وحده لا من أحوال امرأة العزيز تعين أنه لا علاقة بين الجملتين، فتعين أن الثانية مستقلة لاختصاص شرطها بحال المسند إليه فيها، والتقدير ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها فلم يقع من يوسف هم أصلاً بهذا المعنى اللغوي الصحيح (١). ومع ذلك فإن الهم الذي لم يقع أصلاً سواء قدمنا جواب ﴿لَوْلَا﴾ على شرطه، أم لم نقدمه فإن السياق واللغة وبقية الأدلة التي ذكرها القرآن تبين لنا أن هم يوسف ﵇ ليس

стр. 102

كهم امرأة العزيز وذلك لما يأتي: أولاً: السياق السابق ذكرنا فيه كيف أن الله تعالى مكن ليوسف ﵇ واتاه العلم والحكمة وبين فضله ومرتبته وظهر ذلك جليًا في رده على مراودة المرأة والذي ملخصه أنه مستعصم بالله، وأنه يستحيل أن يقع منه ذلك أصلاً، وحذر المرأة ووعظها، وذكرها بمغبة ذلك وسوئه، هل يعقل بعد ذلك أن تهمَّ به فيهم وهو المجتبى الذي يُذكرها بذلك، أن يقع في الخيانة وأن يهمَّ بالسوء، بعد أن يقول هذا حرام لا يجوز اتقى الله، هذه خيانة وظلم ولا يفلح أهله إنني أخاف الله ثم إذا به يقول هيا إليَّ أيتها المرأة، أين العقل إذًا أو الفهم أو الواقع، هل تقول له بادر فيقول لها لبيك! عجيب. ثانيًا: إن الهم في اللغة له معانٍ أُخر جاء بعضها في القرآن الكريم من مثل قوله تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣]، وجاء في الحديث: «أن رجلاً من الكفار شتم عمر بن الخطاب، فهمَّ به عمر ﵁ ...». (١) وعليه فلا شك أن هذا الهم الذي لم يقع أصلاً لابد يكون مخالفًا لهمَّ المرأة التي أغلقت عقلها وأقفلت قلبها على الشهوة فلم تر ولم تحس إلا من خلالها، والذي يقبله السياق أنه هم بها ليدفعها عن نفسه لما بدأت في مقدمات السوء، أو هم بها زجرًا وهو مقبول مع السياق، فالسياق دل على الموعظة بالرفق، والتبيين للخطأ والخيانة بالوجوه اللطيفة فإذا استمر الطاغي في طغيانه، والمعتدي في اعتدائه لابد أن ينتقل المنكر إلى درجة أعلى من الوعظ والتذكير ليدفع عن نفسه السوء كالزجر أو الدفع أو الضرب، خاصة وأن الباغي بدأ يأخذ في خطوات سوء أشد، وهذه وظيفة الأنبياء من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر

стр. 103

إذن ما فائدة البرهان الذي رآه يوسف ﵇، فلم يقع به هم أصلاً؟ هذا البرهان هو ما وقع في علم الله السابق من شهادة الشاهد بقطع القميص، فلعله لو دفعها لانقطع ثوبه من أمام فكان هو المتهم والمدان في هذه القضية، لذلك رأيناه يترك هذا الدفع، ويجري هاربًا، وهو متسق تمام الاتساق مع الواقع، وقرائن الأحوال، وبيان ذلك أيضًا لأنه لم يهم بها كما ذكرنا، وهو يتلاءم مع الهرب لا مع غيره مما ذكر الجهال، إذ قالوا قعد منها مقعده الذي ذكروا، فليس هذا همَّاً، بل انتقل من الهمَّ إلى الفعل، وهو لا تناسب منه مع الهرب الذي أكده السياق مع ترك الهم، فخالفوا بذلك السياق نفسه. ثالثًا: لا يعقل أن يكون هم من أوتي العلم والحكمة والاصطفاء، كهم امرأة تريد أن تقضي شهوتها بأي سبيل بالترغيب والترهيب، والسجن والتعذيب، إن ذلك إهدار للعقل، ومساواة للشهوة بالحكمة، وللجهل بالعلم، وللخيانة والغدر بالوفاء والأمانة، ولم يعد هناك ميزان يتبين به الصلاح والفساد، ولا الهدى والضلال، واختلت الأمور، واختلفت الأحوال. ومن معاني ذلك أنه لو قيل إن الأستاذ المحترم الذي لم يؤثر عليه خيانة ولا سوء خلق يراود تلميذته عن نفسها، أو إن الطبيب الفلاني الماجد المؤدب صاحب التاريخ الناصع يراود مريضته، لن يكون الرد، لا، لا يمكن ذلك، ولا يحدث، ويصعب تصديقه، وسيكون الرد هذا عادياً. تكملة الآية مما يؤكد ما نحن بصدده، نشير إليه سريعًا لأننا سنعود إليه، وهو قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ فأشار القرآن بهذه الألفاظ إلى أنه صرف السوء والفحشاء عنه، ولو كان هو المتلبس بالسوء والفحشاء لكان التعبير كذلك لنصرفه عن السوء والفحشاء - الزنا والمقدمات - ثم ختم ذلك بالثناء عليه والمدح له ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي الذين لا يهمون بالسوء والفحشاء سبحانك هذا بهتان عظيم، بل هو من المخلصين الذين لا سبيل لمثل هذه الادعاءات إليه،

стр. 104

بل هم أعظم وأجل. وهذا يرد على قول من خالف هذا، ويطعن فيه كائنًا من كان، ومن أجل ذلك قال الإمام الرازي: القول الثاني: إن يوسف ﵇ كان بريئًا عن العمل الباطل والهم المحرم، وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين، وبه نقول وعنه نذب ... ثم قال بعد ذلك تعليل: إلا أن نزيد هاهنا وجوهًا نقتصر على أحدها وهو: الوجه الأول: أن الزنا من منكرات الكبائر، والخيانة في معرض الأمانة أيضًا من منكرات الذنوب، وأيضًا مقابلة الإحسان العظيم بالإساءة الموجبة للفضيحة التامة والعار الشديد من منكرات الذنوب، .... وأيضًا الصبي إذا تربى في حجر إنسان، وبقى مكفي المؤنة مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه وكمال قوته، فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم من منكرات الأعمال. إذا ثبت هذا فنقول: إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف ﵇ كانت موصوفة بهذا الجهات الأربع، ومثل هذا المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله تعالى، وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه، فكيف يجوز إسنادها إلى الرسول ﵊ المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة؟! (١) وزاد "العلامة أبو السعود" في تعليقه على الأقوال الشنيعة المنسوبة لسيدنا يوسف

стр. 105

- ﵇: "إن كل ذلك إلا خرافات وأباطيل تمجها الآذان، وتردها العقول والأذهان، ويل لمن لاكها ولفقها أو سمعها وصدقها" (١). ونثنى عنان الكلام إلى وجهة أخرى، لنحرر بها بقية الكلام الموصل إلى تلك النتيجة من عصمة يوسف لنردفها بما يتعلق بعصمة النبي ﷺ ، ونبين بها بقية الأدلة على ذلك، بتحليل بقية الآيات ومقارنتها ببعضها، لتستنير بذلك الصورة كاملة أو تضيء كافة جوانبها بما لا يدع مجالاً للشك في عصمة الأنبياء، ومقدمهم في ذلك سيدنا رسول الله ﷺ ، وهي تحمل في ظاهرها ومطاويها الردود الجازمة على المستشرقين، حيث قررت أن أضرب صفحًا عن ذكر كلامهم، لعدم موضوعيته ولعدم حيدته، مع شدة تهافته، إلا ما كان جديرًا بالنظر فنشير إليه في حينه. نبدأ هذه الأدلة بكلام الإمام الرازي ﵀ حيث يقول: القول الرابع: أن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف ﵇ من المعصية. واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة: يوسف ﵇، وتلك المرأة وزوجها، والنسوة، والشهود، ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب، وإبليس أقر ببراءته أيضًا عن المعصية (٢). أما بيان أن يوسف ﵇ ادَّعى البراءة عن الذنب فهو فيما يلي: أولاً: قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ والمراودة قبل الهم، فهو تبرئه لنفسه في هذا المقام عن المراودة، وعن الهم من باب الأولى، أي هي راودتني، أنا لم أراودها، أنا لم أفعل شيئًا، أنا نصحتها لم ترتدع، أنا جريت منها كما ترون عندما همت بي، ولو كان هناك أدنى تعلق يتعلق

стр. 106

به العزيز ليلصق التهمة بيوسف ﵇ لتعلق به درء للتهمة عن عرضه، وللخيانة عن أهله، ولكنه قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، خاصة وعلامة الخيانة بادية عليها من تزينها وتهيئها بأعظم الزينة، وكيف يؤذيها وهو يجري عنها، وقد قُدَّ قميصه، ولم تسبق عليه ﵇ أي أمارة من أمارات عبيد السوء. ثانيًا: قوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ وهذا استئناف بياني، لأن ما حُكِيَ قبله من مقام الشدة على يوسف ﵇ من شأنه أن يسأل سامعه عن حال تلقي يوسف ﵇ لكلام امرأة العزيز بسجنه وصغاره إذا لم يفعل ما تأمره، وهذا الكلام مناجاة لربه الذي هو شاهدهم، ويحتمل أن جهر به في ملأهن تأييسًا لهن من أن يفعل ما تأمره به. ولا يحتمل هذا النص من يوسف ﵇ سواء كان مناجاة لربه، أو مواجهة لهن إلا أن يكون بريئًا من أي شين قبل هذه المناجاة، إذ كيف يناجي ربه الذي هو شاهده ومطلع عليه، وناظر إليه بما يعلم خلاقه منه. أي تجرؤ هذا، ويؤكد ذلك أنه واجه النسوة بتقديم السجن مع ما فيه من الألم والشدة وضيق النفس على ما يدعونه إليه من الاستمتاع بالمرأة الحسنة النفيسة؛ لأن ذلك مما يكرهه الله تعالى ويحرمه، فكيف يكون قد صدر منه شيء قبل ذلك يمكن أن يُعَيَّرَ به، أو أن يقال هلمَّ قد هممت من قبل أيها الناسك الشريف!؟ وهنا ملحوظة أخرى في النص، وهي إسناد فعل ﴿يَدْعُونَنِي﴾ إلى نون النسوة، على ضمير جمع الإناث مع أن التي دعته امرأة واحدة! وكأن ذلك لأن تلك الدعوة من رغبات صنف النساء، أو أن النسوة اللاتي جمعتهن امرأة العزيز لما سمعن كلامها تمالأن على لوم يوسف ﵇ وتحريضه على إجابة سيدته وتحذيره من وعيدها بالسجن، وهذا مما يدل على ما كان فيه من الشدة والمقاساة ﵇ ومدى تحفظه وصيانته وعفافه من قبل، وهذا يسلمنا إلى الثالث. ثالثًا: من إظهار يوسف ﵇ لبراءته، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ

стр. 107

إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. ومعنى أصب، أي: أمل، يعني يناجي ربه بقوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ يعني أميل إليهن، فدل على أن الميل مع كل أسبابه لم يحدث، ويدعو ربه أن يصرف عنه هذا الكيد الشديد، وفكيف يكون قد وقع منه هم، والميل نفسه لم يحدث إلى وقت مناجاته تلك؟ وهذه الجملة من المناجاة خبر مستعمل في التخوف. والوقع التجاء إلى الله تعالى، وملازمة للأدب نحو ربه بالتبرؤ من الحول والقوة والخشية من تقلب القلب، ومن الفتنة بالميل إلى اللذة الحرام التي قدم السجن عليها، فالخبر مستعمل في الدعاء، ولذلك فرع عنه جملة ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ (١). وكذلك مما يدل على إبراء (تبرئه) يوسف ﵇ لنفسه أنه لو وقع منه شيء من ذلك لبادر ﵇ بالتوبة والاستغفار، ولأن الأنبياء إذا صدر منه شيء على خلاف مراد الله اجتهادًا منهم مثلاً - لأننا نقول بعصمتهم جميعًا بهذه الأدلة التي نسوق - استعظموا ذلك، وبادروا إلى الله تعالى بإظهار الندامة والتوبة وطلب المغفرة والتواضع حتى كأن ما حدث ذنب عظيم، كما حدث في قصة آدم ﵇ في أكله من الشجرة لأنه لم يأكل منها مخالفة لله تعالى، وإنما اجتهاد منه ليكون من الخالدين عند الله تعالى، أو ليكون ملكًا مقربًا لديه، ومع ذلك جاء عنه وزوجه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾. أما في قصة يوسف فلم يحدث من ذلك شيء أصلاً، فدل على أنه لم يقع منه هذا لا خطأ ولا اجتهادًا فضلاً عن الذنب والمعصية، بل على العكس جاءت كلماته التي حكاها القرآن الكريم عنه ﵇ لتدل بوضوح على هذا المعنى، وذلك في قوله لإخوته بعد أن

стр. 108

عرفوه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِن اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ولذا كان ردهم - وهو رد كل مخطئ خاطئ -: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾. وما بلغ المنزلة التي هو فيها بالذنب والمراودة، ولكن بلغها وحصلها بالتقوى والصبر، وإنها لأعظم تقوى، وإنه لأعظم صبر، ولسنا في مجال الكلام على التقوى والصبر. هناك دليل آخر على تبرئة يوسف ﵇ فإن كان ما سبق براهين تبرئته بالنطق والسكوت، فهذا البرهان يمكن أن نسميه بالفعل لتجتمع له ﵇ كل أدلة وبراهين البراءة وهو في قوله لما أرسل إليه الملك ليأخذه من السجن، أبى ورفض حتى يتحقق الملك بنفسه من الواقعة، مَن البريء ومَن المتهم، وذلك في قوله تعالى عن يوسف لرسول الملك: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾. فلو كان ﵇ قد صدر منه ذنب وفحش، أو كان متهمًا لاستحال عرفًا وعادة أن يطلب من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة، وألا يخرج من السجن إلا بعد النظر فيها، وتبيين الخاطئ من البريء، وإلا لو كان فعل ذلك لكان قد أقدم على فضح نفسه، وتجديد عيوبه التي صارت خفية مندسة، والعاقل لا يفعل ذلك، وهب أنه قد وقع الشك لبعضهم في عصمته إلا أنه لا شك بما سمعنا أنه كان عاقلاً، والعاقل يمتنع أن يسعى في فضيحة نفسه، وفي حمل الأعداء على أن يبالغوا في إظهار عيوبه (١). أما بيان المرأة تبرئته ﵇ فهو: أولاً: اعترافها للنسوة بذلك حيث قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ فقد باحت لهن بأنها هي التي راودته فعلاً؛ لأنها رأت منهن الافتتان به فعلمت أنهن قد عذرنها،

стр. 109

فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ حسبما سمعتن وقلتن، فاستعصم وهي للمبالغة في عصم نفسه، أي اعتصم اعتصام معصوم، جاعلاً المراودة خطيئة عصم نفسه منها، بل دل هذا البناء كذلك، وهو استعصم وهو بناء مبالغة على الامتناع الشديد والتحفظ البليغ، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها مثل استمسك واستجمع الرأي، وفي ذلك برهان نير على أنه لم يصدر عنه ﵇ شيء مخل باستعصامه من الهم وغيره بقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ ويدل على ذلك أيضًا ترتيب كلامها بأنها اعترفت لهن أولاً بما كُنَّ يسمعنه من مراودتها له، وأكدته بقولها: ﴿وَلَقَدْ﴾ بالقسم ولام التوكيد إظهارًا لابتهاجها بذلك، ثم زادت على ذلك أنه أعرض عنها على أبلغ ما يكون الإعراض، ولم يمل إليها قط، وزادت أيضًا أنها مستمرة على ما كانت عليه غير مرعوية عنه لا بلوم العواذل ولا بإعراض الحبيب بل قالت: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (١). ثانيًا: قولها: ﴿الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. الآن: ظرف للزمان الحاضر، وحصص: أي ثبت واستقر، والحق: هو براءة يوسف ﵇ مما رمته به، وإنما ثبت الآن؛ لأنه كان محل قيل وقال فزال ذلك باعترافها بما وقع، وتقديم اسم الزمان للدلالة على الاختصاص، أي الآن لا قبله للدلالة على أن ما قبل ذلك الزمان زمن باطل وهو زمن تهمة يوسف ﵇. والتعبير بالماضي في حصحص، مع أنه لم يثبت إلا من إقرارها الآن فهو لتقريب زمن الوقوع من الماضي، أو لأن الحق ثابت من قبل في براءة يوسف ﵇ من المراودة (٢)، وكل ذلك يدل على انتفاء أي تعلق لاتهام يوسف ﵇ بأي أمر مشين.

стр. 110

وأما قولها: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فهو دليل بليغ على صدق يوسف ﵇ وطهارته ونزاهته، فقد أكدت ذلك بـ ﴿إِنَّ﴾ واللام والجملة الاسمية (١) لتبرهن على صدقه في أنه لم يراودها، ولم يصدر منه من ذلك لا قليل ولا كثير لا ميل ولا هم وأنها هي التي راودته، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ هو صادق، وقد عبرت بقولها: ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لأنها أبلغ من لو قيل هو صادق، كذلك تختم القضية بالنسبة لها بهذه البراءة المؤكدة بكل هذه المؤكدات البليغة التي لا راد لها، ولا ناقض. أما بيان تبرئة زوج المرأة ليوسف ﵇ فهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [يوسف: ٢٨ - ٢٩]. فقوله إنه من كيدكن من كلام العزيز بعد أن استبان له براءة يوسف ﵇ من الاعتداء على المرأة وإلا كان الكلام مختلفًا، وكان اللوم وما فوقه متوجهًا إلى يوسف ﵇ فيه شهادة من العزيز أكدت براءة يوسف ﵇ بدليل قوله بعد ذلك مخاطبًا الاثنين معًا ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ بأن يكف عن الخوض في هذا الموضوع لئلا ينتشر وتظهر الفضيحة، وعطف على ذلك خطابه لزوجه: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ فقد أثبت لها الذنب والسوء، بما ينفيه عن يوسف ﵇ وطلب منها الاستغفار عن ذلك، بما يدل على انتفاء أي هفوة في حق يوسف ﵇ خاصة وهو ينتظر أن يكون يوسف هو المخطئ ليحفظ عرضه وزوجه عن قالة السوء والفضيحة بها. وهذا الأسلوب من مخاطبة المرأة بأن ما دبرته من كيد النساء ثم توجيه الخطاب إلى يوسف ﵇ ثم عودة الخطاب إلى المرأة يسمى بالإقبال، أو الالتفات للمعنى اللغوي عند
следующие страницы →