← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

البرية والقوات الجوية، فكان كل تراجع للقوات الأرضية يعقبه قصف جوي كثيف، يتكبد المجاهدون فيه خسائر فادحة. وعلى هذا النحو انقضى النصف الثاني من شهر آذار - مارس -. وأقبل شهر نيسان - إبريل - ١٩٥٩. والطرفان المتصارعان يقفان عند النقطة التي بدأ منها الصراع. ومئات القتلى من الأعداء يقابلهم مئات الشهداء من المجاهدين. ولكن شيئا واضحا وأكيدا بات يبرز للوجود، وهو أنه ليس من السهل على الاستعماريين الاستيلاء على الأوراس، لا سيما وأن سيل الإمداد بالمجاهدين والذخائر والإسعافات الطبية، استمر في التدفق على مجاهدي الأوراس، من كل مكان. أصبح موقف المجاهدين حرجا للغاية في شهر أيار - مايو - ١٩٥٩، فقد ارتفع عدد الشهداء في صفوفهم إلى أكثر من خمسمائة شهيد واستمر المجاهدون في القتال من خنادقهم ومواقعهم الحصينة وهم يرددون: (آه! لو لم يكن هناك طيران. وإننا نعتقد أننا مدينون كثيرا لمواقعنا الاستراتيجية، إذ لولاها لما بقي واحد منا على قيد الحياة). وقد أصبحت الأرض من حول المجاهدين مغطاة بالمحطومات، حتى لم يعد يظهر منها إلا حديد الطائرات التي تم إسقاطها، والآليات التي تم تدميرها. هذا بالإضافة إلى الجثث التي لم يتمكن العدو من إخلائها فباتت تغطي سطح الأرض منذ أسابيع عديدة. وأخذت هذه الجثث النتنة في إفساد رائحة الجو الذي دنسته من قبل طائرات العدو، وما تحمله من أسلحة الإبادة. مضى شهران على هذه المعارك الطاحنة، وفي نهاية شهر أيار - مايو - قرر العقيد الافرنسي (شارل) وضع حد حاسم لهذا القتال المتواصل. فقذف بكل قواته ضد قوات جيش التحرير الوطني في

стр. 2207

الأوراس كلها. وبات من المحال على المجاهدين البقاء في خنادقهم، إذ ظهر لهم أنه من الأفضل إيقاف هجمات العدو بهجمات مضادة، وبصورة جبهية في العراء. فكان يحدث في بعض الأحيان قتال الالتحام - جسما لجسم - بطرائق مثيرة ورهيبة. واستخدم الفدائيون المجاهدون أساليب تعبوية - تكتيكية - مبتكرة، إذ كانوا يبتعدون بزمر صغيرة عن كتلة القوات الرئيسية، ويسمحون لقوات العدو بتطويقهم وهي تعتقد أنها ستحصل، أو بإمكانها الحصول، على عدد من الأسرى. وعندها يقع جند العدو في الكمين، وتنطلق رشات الرصاص من كل الأسلحة الخفيفة، وعلى مسافات قريبة جدا فكان قتال الالتحام جسما لجسم هو وسيلة المجاهدين الوحيدة، لإضعاف قدرة العدو العددية، واستنزاف موارده البشرية: لقد كان الهدف بالاستمرار هو الإفادة من كل موقف لقتل أكبر عدد من قوات العدوان الاستعمارية. كانت الأيام الأخيرة من أقسى الأيام وأصعبها. وكثيرا ما تساءل الجميع: لمن يكون النصر؟ وهل سيكون للعقيد (شارل) ورجاله المجرمين السفاكين للدماء؟ أم للعقيد (سي محمد بونعمة) ورجاله المجاهدين الصابرين - من الفدائيين - الذين هجروا أرضهم والعمل فيها، وتنكروا للرفش والمعول فحملوا البواريد للعمل في جيش التحرير الوطني من أجل الدفاع عن الوطن. تقدم تجربة الحياة شواهد كثيرة على قدرته تعالى في تنظيم الكون، بحيث لا بد للخير في النهاية من أن ينتصر على الشر، ولكن ماذا تستطيع العدالة فعله في قضيتنا هذه للنصر على مئات الطائرات (القاذفة منها والمقاتلة) وعلى المدافع الحديثة جدا.

стр. 2208

لقد كنا نحن المجاهدين نمثل في المعركة (العدالة) و (الحق). ونحن الذين سنحصل على النصر، بالرغم من ضعفنا في التسلح بالمقارنة مع ما يمتلكه العدو. ذلك أننا نقاتل من أجل الدفاع عن قضية تستحق أن نموت من أجلها. وكان هذا الاعتقاد راسخا في أعماق نفوسا، في حين لم يكن لدى الجنود الاستعماريين مثل هذا الاعتقاد أو القناعة. ومن هنا فقد كنا على استعداد لمجابهة مدافع العدو، حتى لو لم يبق لدينا إلا الحجارة. وقد أدرك العقيد (شارل) ذلك، ولكن بعد فوات الأوان. ولو أدرك ذلك من قبل، وعرفه، لما دفع قواته الاستعمارية إلى الانتحار، حيث سقط من قوتها ما يزيد على ستين بالمائه، فوق ذرى الأوراس الشماء. ولم يقيد لهم بعد ذلك أن يروا نور الشمس أبدا. أجل، عرف العقيد (شارل) ذلك متأخرا، ومتأخرا جدا. ولكنه قبل أن يصل إلى هذه المعرفة الثابتة، حاول أن يقوم بهجوم أخير، مدفوعا إلى ذلك بأنانيته الفردية بالدرجة الأولى، فزج بكل جنده المأجورين الذين أخذوا في التدفق على الأوراس من كل الجهات، وبوسائط متفوقة جدا على تلك التي يمتلكها المجاهدون، واستمرت مدافعهم في قصف متواصل بهدف إضعاف مؤخرات المجاهدين وإعاقتهم عن كل تحرك. وتدخل الطيران بقوة فأعاق المجاهدين عن مجابهة القوات البرية الاستعمارية بكل قوتهم ووسائطهم - المتواضعة على كل حال -. تميز خلال هذه الفترة - بصورة خاصة - مجاهدو (تيارت) الذين كانوا أفضل تسليحا بالأسلحة الثقيلة من سواهم من المهجاهدين وأمكن لهم تكبيد العدو خسائر فادحة في الطيران، غير أنهم لم ينجحوا في دفعه نهائيا، أو منعه من متابعة الطيران فوق المنطقة.

стр. 2209

وعاد السؤال المطروح: هل هي نهاية الأوراس بكل من عليها من مواطنين ومجاهدين؟ لم يكن هناك من يستطيع الإجابة على مثل هذا السؤال بصورة موضوعية، والقضية هنا ليست قضية آمال أو تمنيات. غير أن المجاهدين كانت لهم طريقتهم الخاصة في التفكير، إذ أنهم لم يكونوا يفكرون إلا في قضية واحدة، وهي: الموت في المعركة ولا شيء غير ذلك، وكانت آمالهم وتمنياتهم محددة بطلب أولى الحسنيين (الشهادة)، أما قضية النصر فتبقى مرتبطة بإرادة الله. والشواهد على ذلك كثيرة، يكفي هنا الإشارة إلى حادثة واحدة تبرز هذه الحقيقة التي كانت العامل الوحيد لما تميز به المجاهدون من روح معنوية عالية. كان العقيد (سي محمد بو نعمة) في مقدمة الصفوف دائما، وعلى خطوط النار الأولى باستمرار. وفي يوم أصابه تمزق في أربطة القدم (لي أو التواء في الرسغ) بينما كان يعمل على مساعدة مجموعة من المغاوير الذين وقعوا في مأزق حرج نتيجة التقدم العنيف لقوات الاستعماريين. ووقع العقيد (بو نعمة) أرضا، ثم تحامل على نفسه ونهض، إلى أن وجد لنفسه ملجأ أمينا خلف إحدى الصخور التي تضمن له وقاية أفضل من الرصاصات الطائشة. وفجأة ظهر مجاهد لا يعرف أحد من أين أتى، ولا كيف تقدم، ولم يكن هذا المجاهد يعرف العقيد معرفة شخصية، غير أنه لاحظ طريقته في التحرك، فثارت الشبهة في نفسه، وأخذ في مطاردته، حتى إذا ما أمكنت له الفرصة المناسبة، انقض عليه، وجرده من سلاحه، وظنه هاربا من قوات العدو، ولهذا فانه لم يترك له الفرصة للكلام، ووجه اليه فوهة رشيشه القصير. وابتسم العقيد ابتسامة زادت من توتر

стр. 2210

أعصاب المجاهد الشاب، فكاد يطلق نيران سلاحه ويضغط على الزناد، عندما سمع صوت أحد جرحى المجاهدين وهو يقول له (احذر! قف! إنه العقيد). وخلال ذلك لم تفارق الابتسامة شفتي العقيد، وهو ينظر إلى المجاهد الشاب بإعجاب، وقال له بلهجة أخوية: (إنني أعرف الآن سبب فشل الاستعماريين في القضاء علينا). وصدرت عنه ضحكة طويلة رددت الصخور أصداءها. فكانت ضحكته تحديا للاستعماريين ولفرنسا كلها. وهي ضحكة أكدت أنه ما من سبب يدعو النصر ليكون فرنسيا، إلا إذا أمكن للقوات الافرنسية أسر العقيد (بو نعمة) ورجاله، وأخذهم أحياء لتقديمهم هدية إلى فرنسا. وقد كان من المحال على فرنسا بلوغ ذلك. أخذت مسيرة الأحداث - على مسرح العمليات - في التحول عبر المنعطف الحاسم، وظهر للعقيد (شارل) أنه بات في موقف لا يحسد عليه، فأخذ اليأس يهيمن عليه، بالرغم مما كان يملكه من تفوق في ميزان القوى - أو حتى بما بقي له من فضلات ميزان القوى - وبالرغم أيضا من دعمه بأحدث الأسلحة المتطورة، وأشد الوسائط القتالية الفتاكة. طور جيش التحرير الوطني في هذه الفترة أساليبه القتالية - التكتيكية - فلم تعد قواته في الاوراس - تقف عند حدود ضد العدو، أو القيام بالهجوم المضاد، ما بين فترة وأخرى. وقد عرفت هذه القوات من خلال تجاربها مع العدو، أن قواته الاستعمارية تجيب على كل هجوم بهجوم مضاد أكثر قوة وعنفا. وكان ذلك يسمح للمغاوير المجاهدين بتدمير قسم من قوات العدو، وإنقاص قوته العددية. ولكن ذلك لم يعد كافيا. ولهذا، فقد لجأ المجاهدون

стр. 2211

لأسلوب الهجمات الخداعية المرتبطة بتنظيم الكمائن، فكانوا يقومون بهجومهم، ثم يتراجعرن، تاركين عددا من المقاتلين في مؤخرتهم، حيث يتظاهر هؤلاء بأنهم قتلى، أو أنهم يتمركزون بمواقع مموهة. وسرعان ما ينطلق العدو بهجومه المضاد، غير منتبه وهو يتحرك بسرعة إلى أسر عشرات المجاهدين المغاوير المنتشرين حوله. وتستمر الكتلة الرئيسية من المجاهدين في انسحابها بينما تتابع القوات الاستعمارية مطاردتها الحاسمة، مركزة كل جهذها لملاحظة هؤلاء الذين يتحركون أمامها. ويجد المقاتلون الاستعماريون فجأة أنهم وقعوا في كمين (فخ) محكم. ومن السهل بعد ذلك توقع ما يحدث بعد ذلك. مضت الأشهر الثلاثة على هذا الصراع المرير، وهو الصراع الذي لم يشترك فيه العقيد (شارل) ولو بمعركة واحدة، ولم يصل فيه أبدا إلى قمة الأوراس، ولو لمرة واحدة. وإذا ما أمكن له الوصول مع قواته إلى بعض المرتفعات والذرى، فإنه ما وصلها إلا لينسحب منها بسرعة أكبر من سرعة تحركه إليها، مخلفا وراءه الجثث المتراكمة والممددة على الأرض - إلى الأبد -. لم يتمكن الاستعماريون من البقاء في الأوراس، فكانت في ذلك هزيمتهم. ولم تكن هناك ضرورة لأن تصدر قيادتهم أوامرها بالانسحاب. ففي نهاية شهر حزيران - يونيو - ١٩٥٩ لم يعد هناك أي وجود للاستعماريين هناك. وضاع العقيد (شارل) ولم يعد له أي ذكر. وبقيت الأوراس منطقة محررة من مناطق جيش التحرير الوطني، وبقيت محررة حتى اسقلال الجزائر كلها وتحريرها تحريرا تاما. وكم كان الثمن فادحا؟ لقد غابت عن ساحة الصراع ثلاثة أفواج تقريبا (أو ما يعادل ١٤٠٠

стр. 2212

مجاهد). ولقد استشهد هؤلاء الألف والأربعمائة من المجاهدين البررة، لا دفاعا عن الأوراس وحدها، وإنما من أجل أن تتحرر الجزائر كلها وتصل إلى سيادتها واستقلالها. وتلك هي القصة الحقيقية لمعركة الأوراس. المجاهدون يتفقدون أرض الكمين

стр. 2213

٨ - معركة في الجنوب (*) بلغت الثورة الجزائرية مرحلة متقدمة من تطورها في سنة ١٩٥٧، وفي هذه المرحلة، وقف الاشتراكي رئيس وزراء فرنسا. غي موليه - ليوجه مواعظه ونصائحه إلى الثوار، وليطلب إليهم الأخذ بثلاثيته الشهيرة: وقف إطلاق النار، فالانتخابات، فالمفاوضات. وفي هذه المرحلة ذاتها أيضا، وقف اشتراكي آخر اشتهر بصفة (سفاح الجزائر) وهو (روبرت لاكوست) فأعلن (بأنه لم يبق إلا ربع ساعة فقط للقضاء على الثورة). والتقطت الصحافة الافرنسية، هذا الإعلان وأخذت في الترويج له. وعلى هذا الأساس، فقد رفضت الحكومة الافرنسية الرابعة التسليم للثوار الجزائريين بمطالبهم، وأخذت في وضع المشاريع لتقسيم الجزائر، وأمعنت في طريقها هذا، ففصلت إقليم الصحراء وعينت له وزيرا افرنسيا (هو ماكس الصغير). وكان إقليم الصحراء هذا قد عرف منذ عام انتفاضة (التحرير)

стр. 2214

وأخذ في التفاعل مع الأحداث التي كانت تجري فوق التراب الوطني للجزائر. وفي الحقيقة، فإن الجبهة الصحراوية، قد أخذت منذ نهاية شهر ايلول - سبتمبر - ١٩٥٦ في تنظيم جبهة التحرير الوطني، وجيش التحرير الوطني. وتبع ذلك ظهور مجموعات من المجاهدين في عدد من النقاط الصحراوية، أو بصورة أكثر تحديدا فيما تم الاتفاق على تسميته بالمنطقة الثامنة من الولاية الخامسة، تحت قيادة (النقيب - الكابتن - لطفي) وهي المنطقة الممتدة من مرتفعات جبل (عمور) في إقليم (آفلو) وحتى (تندوف) على الحدود الجزائرية - المغربية. مرورا (بالبياض - سابقا غيريفيل) و (عين صفرا) و (بيشار) و (تيميمون). شهدت السنة الممتدة من النصف الثاني لعام ١٩٥٦ والنصف الأول من العام ١٩٥٧ مجموعة من المعارك العنيفة والتي كانت مسارحها في (القعدة في كينح عبد الرحمن) من إقليم (آفلو) تحت قيادة (النقيب لطفي) حيث دار صراع دموي رهيب استمر سبعة أيام بلياليها، حتى نفدت ذخائر المجاهدين وموادهم التموينية واضطر المجاهدون مرغمين لأكل جذور الأشجار والأفاعي وكل ما يمكن أكله، وشرب ماء بولهم حتى يستطيعوا البقاء على قيد الحياة. ويمكن هنا الإشارة إلى أن قائد الطيران الافرنسي (كلوسترمان) قد اشترك في هذه المعارك، ونشر بعد عودته إلى فرنسا مقالا - في صحيفة الاكسبريس - تحت عنوان (نكبة آفلو) تعرض فيه إلى ما تتكبده القوات الإفرنسية من الخسائر على أيدي المجاهدين الجزائريين. ترددت أصداء انتصار المجاهدين في هذه المعركة التي قادها

стр. 2215

(النقيب لطفي) (*). بصورة قوية أثارت حماسة المجاهدين الذين خاضوا مجموعة من المعارك المماثلة، كان من أشهرها معركة (جبل مرقاد - غيريفيل) ومعركة (جبل مزيمير) و (معركة الجبل) و (درمل - عين صفراء) ومعركة (حمدان) ومعركة (ميزيب) ومعركة (عنتر) ومعركة (غيروز - بيشار). وإذا كان من العسير التعرض , لكل هذه المعارك، فلا أقل من اختيار واحدة منها، ويمكن الأخذ بمعركة (غيروز - بيشار) نموذجا لها. بواكير المعركة ومقدماتها: أصبحت كلمات (الثورة) و (جبهة التحرير الوطني) و (جيش التحرير الوطني) و (الاستقلال الوطني) تتردد كالأنشودة الحلوة على كل شفة، فتهتز لها القلوب في كل منزل وفي كل بيت وكوخ على امتداد الصفحة الجغرافية للجزائر، ليس ذلك فحسب، بل إن هذه الكلمات أخذت في اقتحام معسكرات الأعداء، لتصل إلى قلوب أولئك الذين وقفوا إلى جانب الأعداء من الجزائريين - إن طوعا أو كرها - وحملوا السلاح لقتال مواطنيهم وأهلهم وإخوتهم في الدين. وأمام هذا الموقف، أخذت المنظمات الخاصة في جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني ببذل جهودهما الكثيفة - اعتبارا من مطلع سنة ١٩٥٧ - بهدف الاتصال مع العناصر العسكرية الجزائرية التي تخدم في الوحدات المسماة من قبل الافرنسيين (بالوحدات الصحراوية - للجيش الإفرنسي) ومحاولة إقناعها بالانضمام إلى قوات جيش التحرير الوطني. ولم تلبث هذه الجهود حتى أينعت

стр. 2216

ثمارها، وأخذ هؤلاء الجزائريون بالفرار من معسكر العدو والالتحاق بالثورة - بصورة إفرادية - ثم تطورت العملية إلى فرار زمر صغرى، وأخيرا، أخذت فصائل بكاملها في الانضمام إلى قوات الثورة. وكانت الظاهرة الأكثر خطورة بالنسبة للفرنسيين هي فرار العسكريين الجزائريين من معسكر الإفرنسيين والانضمام إلى جيش التحرير الوطني ومعهم كامل أسلحتهم وذخائرهم. وشعرت السلطة الافرنسية بثقل وطأة هذه العملية عندما قام فصيلان من الجنود الجزائريين بقتل ضباطهم الإفرنسيين، وانضما إلى قوات الثورة في شهر أيار - مايو - ١٩٥٧ ومعهما كمية ضخمة من الأسلحة والذخائر. ورافق ذلك - بصورة طبيعية - تعاظم في هجمات الثوار المجاهدين على المراكز الافرنسية، وزرع الألغام على الطرق، ومعركة الخطوط الحديدية والأسياج الشائكة. الأمر الذي أثار هياج العدو الافرنسي الذي لم يعد باستطاعته ابتلاع هذه المجابهة، فوضع, مخططه لتنفيذ عملية بواسطة قواته المحمولة جوا وهدفها مطاردة الجزائريين الهاربين من المعسكرات الافرنسية: غير أن الفشل الذريع كان حليفا لهذه العملية، لأن الجنود الهاربين كانوا قد وصلوا إلى مسافات بعيدة عن قبضة العدو، واستقروا في مراكز حصينة ومأمونة. عاد العدو لوضع مخطط جديد للعمليات على نطاق واسع، لا يقتصر هدفها على تصحيح الموقف بتأديب الهاربين، وإنما يتجاوز ذلك إلى محاولة الاستيلاء على مركز القيادة الاقليمي الذي قامت عناصره بتأمين جسور الاتصال التي عبرت عليها جموع الهاربين. وكانت الخطوط الرئيسية للعملية تتلخص في تنسيق جهود القوات الافرنسية المتمركزة في (بيشار) و (عين صفرا) وبقية

стр. 2217

مناطق الجزائر، وكذلك القوات الافرنسية المتمركزة في المغرب. قامت طائرتا استطلاع من نموذج (ت - ٦) بالتحليق فوق قواعد المجاهدين، وذلك قبل يومين اثنين من بدء تنفيذ العملية. وفي الوقت ذاته قامت منظمات الاستخبارات التابعة لجيش التحرير بإنذار قواتها عن وجود هيجان يجتاح معسكرات العدو. وهكذا افتضح أمر العملية، ولم تعد الاستعدادات لتنفيذها سرية. واتخذ المجاهدون استعداداتهم القتالية بصورة سرية، واحتلوا مواقعهم، بوسائطهم المتواضعة. قامت القيادة الفرنسية بنقل ما يزيد على ألفي جندي بواسطة قطارين: القطار الأول انطلق من (بيشار) وانطلق القطار الثاني من (عين صفرا). والتقى القطاران في (الجحايفة) حيث تم نقل القوات بعد ذلك إلى مسرح العمليات بواسطة الطائرات العمودية - الهيليكوبتر -. هذا علاوة على إرسال خمسين عربة نقل جند كبيرة محملة بالمقاتلين وأسلحتهم من القوات الاستعمارية المتمركزة في المغرب. وبالإضافة أيضا إلى سرب طائرات نفاثة، وطائرات نقل جند (جونكر) وطائرات عمودية ... وجدير بالذكر أن جهاز الحرب هذا كان أكبر من قدرة فرنسا، ولهذا فقد كان يعتمد في تموينه ودعمه على قوات (حلف شمال الأطلسي). فما هي القوة التي كان يجب عليها التصدي لهذا الجهاز الضخم؟ كان لدى جيش التحرير الوطني الجزائري في المنطقة قوة لا تزيد على الفصيلين، يتلقيان دعما مناسبا من المواطنين - وبصورة خاصة من أفراد القبيلتين الكبيرتين اللتين تستقران في المنطقة وهما: (قبيلة ولد جرير) و (قبيلة دوى منيح). ويضاف إليهما بعض الأفراد من (شامباس) و (ولد سيدي الشيخ) الذين كانوا ينفردون

стр. 2218

بكفاءة قتالية جديرة بالتقدير: إنهم محاربون حقيقيون يتمتعون بخيال حربي متوارث، ولديهم رماة مهرة لا نظير لهم، وهم مسلحون بالبواريد الحربية المتنوعة مثل (الموسكوتون) و (ماس ٣٦) و (ماس ٤٩) و (موزر) ومعظمها مما غنمه المجاهدون من أسلحة العدو الاستعماري. وكان تموين هؤلاء المجاهدين بسيطا: بعض قرب الماء التي يتم إملاؤها من (حاسي أبو الأكحل) وحفنة من البلح (لا تتجاوز ربع كيلو غرام). وشريحة من اللحم وقطعة من الخبز أو الكعك المشوية على رمال الصحراء الساخنة. كانت أكثر المشاكل خطورة مما جابهته عناصر جيش التحرير الوطني في هذه الفترة، مشكلة حماية مركز القيادة الإقليمية الذي بات الهدف الرئيسي لجهد العدو، مع ما يتبع هذا المركز من مصالح وخدمات، وأولها مصلحة الإمداد والتموين، ومصلحة الخدمات الصحية التي كانت تسهر على العناية بأكثر من سبعين جريحا ومريضا عاجزين عن حمل السلاح. علاوة على مشكلة بعض العملاء والخونة الذين كانوا محتجزين في هذه الفترة بانتظار تقديمهم إلى محكمة عسكرية، وبينهم على سبيل المثال: (مدني ولد غدايفه) و (الحبيب شاطري) وخونة افتضح أمرهم وحوكموا ونفذ فيهم حكم الإعدام بعدئذ. وكذلك (هـ. م) الشاب الذي لا يتجاوز السابعة عشرة عاما من عمره، حاول العدو استخدامه وكشفت استخبارات جيش التحرير الوطني أمره، وأخذت المحكمة العسكرية باعتبارها صغر سنه فلم تصدر حكمها عليه، وعفت عنه. ... استطاع المجاهدون استباق المعركة، فقاموا بإخلاء الكهوف والمغاور والأودية، واحتلوا مواقعهم على النقاط ذات الأهمية

стр. 2219

الإستراتيجية في الجبل. وقام كل مجاهد بحفر ملجأ له، وأعد موقعه القتالي على مهل، وغير متعجل، حتى يمكن له مجابهة كافة الاحتمالات. واحتل المجاهدون جميعا مواقعهم القتالية في ليلة المعركة، وأمضوا الليل في خنادقهم وملاجئهم. أرسل المراقبون في وقت مبكر من الصباح إنذارا إلى المجاهدين يعلمونهم بتقدم أرتال من الآليات - المركبات - المتجهة من (بو عرفة) إلى (الفجيج) وهي تنتقل عبر مضيق (غروز - لاميز). وظهر واضحا أن هذه الأرتال كانت تنقل وحدات من الجيش الفرنسي الاستعماري المتمركز على تراب المغرب. واستنفرت القوات، واستعد المجاهدون جميعهم للمعركة بعد أن أدوا فرض صلاة الفجر، وابتهلوا إلى الله أن يثبت قلوبهم، ويمنحهم النصر الذي وعد به المجاهدين الصابرين. ظهرت الخيوط الأولى لضوء النهار، وبينما كانت أنظار المجاهدين وأحاسيسهم مشدودة كلها لمتابعة تحرك الأرتال القادمة من المغرب، ارتفع هدير يصم الآذان صادر عن محركات الطائرات، مما أرغم المجاهدين على تحويل أنظارهم نحو السماء: فكان أول مشهد وقعت عليه أبصارهم ثلاث طائرات ضخمة - من قاذفات القنابل - نموذج (ب - ٢٦) قامت بجولة سريعة فوق الإقليم، ثم أخذت بإرسال قنابلها وإطلاق نار مدافعها الرشاسة. متبعة في ذلك طريقتها التقليدية لتطهير الأودية والثنايا، والتمهيد لإنزال القوات المحمولة جوا التي كلفت الهبوط فوق المواقع لقصم ظهر الثوار - الفلاقة-. مضت ساعة والقصف الكثيف لمواقع المجاهدين لم يتوقف أو ينقطع، حتى إذا ما أشارت عقارب الساعة إلى السابعه، ارتفع هدير

стр. 2220

وضجيج لا يقل في شدته أو قوته عن الهدير السابق ارتعد له المجاهدون وأجفلوا، وإذ ذاك ظهر سرب من الطائرات المتنوعة النماذج والأشكال، جاءت كلها فحجبت السماء، وأخذت في التحليق فوق رؤوس المجاهدين. وهنا ظهرت بغتة موجة جديدة من الضجيج قادمة من الشرق، فوقف لقدومها شعر المجاهدين، وكانت هذه الموجة صادرة عن سرب الطائرات العمودية (الهيليكوبتر) والتي أخذت في نقل وحدات العدو التي تم نقلها بالقطارات من (بيشار) و (عين صفرا). وهي وحدات كانت تعمل تحت قيادة - الجنرالين -: (فانوكسين) و (كريفكور). واجبها الاتصال مع القوات القادمة من المغرب، وإحكام حلقة الحصار على المجاهدين، بطريقة التطويق والحصار المعروفة. تحركت قيادة المجاهدين للعمل بسرعة من أجل مجابهة هذا الموقف، فقسمت وحداتها إلى مجموعات قتالية، وأعادت تنظيمها في إطار زمر صغرى، تعمل في إطار مجموعتين رئيسيتين: أولاهما بقيادة الأخ المجاهد (غاوطي) وهو محارب قديم اشترك في حرب الهند الصينية ولديه خبرات قتالية جيدة. وحددت مهمة هذه المجموعة بالاستيلاء على النقاط ذات الأهمية الاستراتيجية في مواجهة المحور الذي تتقدم عليه القوات الافرنسية الآتية من المغرب بينما أسندت قيادة المجموعة الثانية للأخ المجاهد (عبد الحميد شيران) ومهمتها التمركز - وظهر أفرادها إلى ظهر أفراد المجموعة الأولى - لمجابهة قوات العدو التي كانت تتقدم من اتجاه الشرق. ونظمت زمر للقيام بمهمة تأمين الاتصال - الارتباط - بين المجموعتين، وتنسيق التعاون فيما بينهما. وأسندت قيادة هذه الزمر إلى المجاهدين (الحاج دوغما) و (محمد بن زيان).

стр. 2221

كان المجاهدون يعرفون تماما أن معركتهم مع عدوهم هي (معركة استنزاف) تعتمد في أساسها على تجنب الدخول مع قوات العدو في قتال جبهي - نظامي -. والتركيز على مبدأ المباغتة وما تحدثه من التأثير. وعلى هذا، فقد صدرت الأوامر إلى الرجال بعدم فتح النار على العدو قبل الظهيرة، وأن يتم فتح النار بصورة مباغتة وعندما تصل قوات العدو إلى مسافة قريبة جدا من المجاهدين حتى يكون بالمستطاع إنزال أكبر قدر من الخسائر في قوات العدو. وبذلك تتوافر الفرصة أيضا أمام المجاهدين حتى يقوموا بالانسحاب من مواقعهم ليلا، مستفيدين من ظلمته للوصول إلى نقطة التجمع. غير أنه وقع في هذه الفترة - وحوالي الساعة العاشرة صباحا - حدث غير متوقع قلب مخطط المجاهدين رأسا على عقب. إذ بينما كانت طائرتان (من نموذج ب - ٢٦) تقصفان من غير هوادة المرتفعات والوديان بالقنابل والغازات الخانقة، ظهرت طائرتان (من نموذج الجونكر) وأخذتا في التحليق فوق رؤوس المجاهدين استعدادا لإنزال حمولتهما من رجال المظليين. نفد صبر مهرة الرماة، فأطلقوا نيران أسلحتهم على طائرتي (الجونكر) وأصابوا بالتأكيد مستودع الوقود في إحدى الطائرتين، فاندلعت فيها النيران وهي في السماء، وسقطت على مسافة غير بعيدة عن موقع المجاهدين بأكثر من مائة وخمسين مترا، وتمزقت بانفجار لم يبق على أحد من ركبها الطائر - على قيد الحياة - بمن فيهم قائد الطائرة وملاحوها. وهنا عادت قيادة المجاهدين فأكدت أوامرها السابقة بعدم فتح النار إلا عند وصول قوات العدو إلى مسافة قريبة جدا من مواقع المجاهدين. ولكن حدث بصورة مباغتة أن هبطت طائرة عمودية (هيليكوبتر) محملة بالضباط القادة - الجنرالات - إلى

стр. 2222

جوار طائرة (الجونكر) المحترقة والمدمرة. ويظهر أن هؤلاء قد أقبلوا لمعرفة سبب الكارثة. وأخذ قائد المجموعة المقابلة للشرق (المجاهد عبد الحميد شيران) في متابعة ما يجري أمامه، فقد كان الجنرالات - القادة - لا يبعدون عن موقعه بأكثر من مائة وخمسين مترا، وكان باستطاعته أن يميز بمنظاره رتب هؤلاء القادة والأوسمة والشارات التي تلتمع تحت الشمس وهي تزين صدورهم. ولم يتمكن من مقاومة الإغراء الماثل أمامه. وكان جنده يتحفزون مثله لقنص هذا الصيد الثمين، فأخذت الحماسة بالقائد (شيران) وأخذ في تلاوة الآية الكريمة على مسمع مجاهديه - وهي بعد البسملة -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ - صدق الله العظيم) (*) ثم قال لمجاهديه: (ها هو اليوم الذي هجرتم من أجله كل ما هو عزيز عليكم طلبا لإحدى الحسنيين الشهادة أو النصر فلا تخافوا من كثرة عدد العدو ووفرة عتاده. اصبروا واثبتوا) وانتصب واقفا وصاح بملء صوته، وبكل قوته: (الله أكبر - والنصر لنا). وأصدر أمره بفتح النار، وتمت إبادة مجموعة الضباط القادة بلحظة واحدة فقط. وأعقب ذلك اشتباك عنيف استمر حتى الساعة الخامسة مساء مرت ساعات كان الضجيح خلالها نوبا بين هدير طائرات (ت -

стр. 2223

٦) والطائرات العمودية مرة، ثم هدير طائرات الجونكر وطائرات (ب - ٢٦) مرة أخرى. وكان ذلك مختلطا بدوي انفجارات القنابل والصواريخ وأزيز الرصاص: وكانت كل نوبة من القصف يتبعها هجمات متتابعة من قوات العدو الأرضية لا تلبث حتى تتوقف مباشرة عندما تصطدم بنيران المجاهدين الغزيرة والدقيقة. وخلال ذلك كله، بقي العدو مستمرا في تضييق حلقة الحصار بين فكي قواته لرضع المجاهدين أمام واحد من خيارين لا ثالث لهما: فإما الاشتباك في صراع جسم لجسم، وإما محاولة قيام المجاهدين بخرق الحصار، مما يضع المجاهدين - في الحالين - أمام مأزق حرج، إذ باستطاعة العدو في الحالين استثمار تفوقه الساحق - عدديا - من أجل القضاء على المجاهدين. وعلى كل حال، فقد رفض المجاهدون الاشتباك مع العدو في قتال الالتحام - جسما لجسم - وقرروا القيام بانسحاب تدرجي، وعلى مراحل، وفقا للطريقة التقليدية في التناوب بين النار والحركة: وشرع العدو على الفور بتنظيم المطاردة، وأفاد المجاهدون من تأثير المباغتة، فأوقعوا في قوات العدو خسائر كبيرة بدأت وحدة المجاهدين - المجابهة للمشرق - انسحابها بحادث مؤسف، إذ استطاعت إحدى الطائرات النفاثة تحديد موقع الرشاش الثقيل، فقصفته بصاروخ مزق رامي الرشاش (الشهيد بو عمامة) وأصابت عددا من المجاهدين بجراح مختلفة. ونظرا للمسافة القصيرة التي كانت تفصل بين المجاهدين وأعدائهم، فقد تركز جهد قائد الوحدة (شيران) على سحب الأسلحة والرشاشات الثقيلة بصورة خاصة حتى لا تقع في قبضة العدو. وكانت حلقة الحصار حول هذه المجموعة محكمة جدا. فأعطى قائد الوحدة أمره إلى

стр. 2224

قائدي الفصيلتين (تاج) و (جلالي) بالتناوب فيما بينهما لإجراء قفزة جديدة على طريق الانسحاب. وتأبط قائد الوحدة رشاشه، وانحرف لتأمين الجرحى ووضعهم في ملجأ أمين يحميهم من الخطر. وأمكن تنظيم إخلائهم إلى الوادي عن طريق نقلهم واحدا بعد الآخر، وتغطية انسحابهم بالنيران. وهنا حدثت معجزة حقيقية. معجزة أثارت الأمل في النفوس. ففي هذه الفترة كانت الوحدة المتمركزة في اتجاه الغرب - لمواجهة القوات القادمة من المغرب - قد تعرضت لمأزق صعب، وجابهت ضغطا قويا. فأصدر قائدها (غاوطي) أوامره بالانسحاب التدريجي - وبالتناوب - وعندما رأى العدو تحرك القوات المنتظم من جانبين متعاكسين - متضادين - اعتقد بأن المجاهدين يقومون بمناورة لتطويق قواته. واعتقد أيضا أن هذا التحرك - أو المناورة - هي جزء من خطة عامة للمجاهدين الذين افترض وجودهم في كل مكان. فأصدرت القيادة الافرنسية أوامرها إلى قواتها بالتراجع، حتى لا يباغتها الثوار (الفلاقة) بحركة تطويق على مؤخراتها. وهنا انفتحت ثغرة واسعة لم يكن يتوقعها المجاهدون، وأمكن لهم بذلك المرور مع جرحاهم وأسلحتهم الثقيلة وأعتدتهم، والانتقال إلى الجهة المقابلة من الوادي. حيث احتلوا هناك مواقع قتالية جديدة. كان العدو يعتقد أن بإمكانه أخد المجاهدين أسرى بعد إحكام قبضته عليهم، وعندما وصلت قواته إلى الأماكن التي كانوا يحتلونها، لم تجد فيها أحدا. وكانت خيبة أمله كبيرة عندما عرف بأنهم قد انسحبوا بعيدا، وأصبحوا خارج مجال عمل أسلحته الآلية - الأوتوماتيكية - وذلك باحتلالهم المواقع المواجهة له على المنحدرات الجبلية. ولم يبق أمام جند العدو الذين أصيبوا بالإحباط، إلا أن

стр. 2225

جنود جيش التحرير الوطني أمام حطام طائرة أسقطوها

стр. 2226

يوجهوا شتائمهم وإهاناتهم المقذعة للمجاهدين الذين كان باستطاعتهم الرد بإهانات أقذع ولكن أقل فحشا لأنه ليس بإمكانهم مجاراتهم في مجال الفحش والرذيلة - ولو بكلمات الإهانة. لم يعد للمجاهدين في مواقعهم الجديدة من شغل يشغلهم إلا اتقاء ضربات الطيران، والعمل لمجابهة إغارات الطائرات التي اشتدت وطأة هجماتها وهي تلقي قنابلها المحرقة وقنابل النابالم. غير أن أحدا من المجاهدين لم يصب بأذى - بفضل الله ورعايته - وكان لا بد من احتمال وطأة القتال حتى الليل. ولكن هنا حدثت المعجزة الثانية - وكانت معجزة حقيقية أيضا. فقد هبت عاصفة رعدية يندر هبوبها في مثل هذا الفصل من السنة. وأظلمت سماء الصحراء. فاضطرت حشود العدو للانسحاب، وهي في حالة من الفوضى الشاملة والاضطراب المثير. ولم يدع المجاهدين هذه الفرصة تفوتهم، فأطلقوا على العدو بعض الرمايات التي زادت من فوضاه واضطرابه. تجمعت قوة المجاهدين مع هبوط الظلام، وغادرت مواقعها متجهة إلى قبيلة (مرانيات) التي كانت تضرب خيامها على مسافة غير بعيدة. فوجد المجاهدون عندها ما أنساهم شقاء نهارهم. لقد كانت القبيلة كلها في عيد، فاستقبلت المجاهدين بالاهازيج والهتاف والترحيب والغناء على قرع الطبول وصيحات الفرح. وكانت الموائد قد أعدت مسبقا على شرف المجاهدين، فهل كانت القبيلة واثقة مسبقا من حتمية انتصار المجاهدين؟. مهما كان عليه الأمر، فقد أكدت هذه التظاهرة العفوية ما يتمتع به الإنسان المسلم من تعاطف كبير مع مجاهديه ; وما عرف عنه من الأريحية وكرم الضيافة.

стр. 2227

وعاش المجاهدون لحظات لا تنسى، تحوط بهم كل ظواهر العناية الممكنة والرعاية التي لا يمكن تصورها أو تصويرها. واستراح المجاهدون في إغفاءة قصيرة، ثم استأنفوا تحركهم نحو (جبل المعيز) بهدف أخذ قسط من الراحة، لتضميد الجراح، وإخلاء الجرحى والمرضى، وتفقد الأسلحة، والاستعداد لمعارك جديدة، إذ كان كل واحد من المجاهدين يعرف عن قناعة ثابتة، بأن طريق الجهاد لا زال طويلا وشاقا. ويتطلب كثيرا من الجهد حتى يتم بلوغ الهدف. كانت نتيجة المعارك في هذا اليوم التاريخي، كالتالي: خسر العدو طائرة جونكر مع كل ركبها الطائر (١٢٠ - ١٥٠ قتيلا) وبقي حطامها متناثرا فوق أرض (وادي الثعابين) حتى هذا اليوم. بالإضافة إلى الضباط الذين تمت إبادتهم في بداية الاشتباك. وخسر العدو في معاركه عشرات القتلى والجرحى، بدلالة أن الطائرات العمودية (الهيليكوبتر) التي أنزلت المظليين في الصباح، قد اضطرت للعودة والعمل جيئة وذهابا طوال النهار لإخلاء القتلى والجرحى. ومقابل ذلك، فقد استشهد رامي الرشاش الثقيل (بو عمامة) بالإضافة إلى استشهاد مجاهد كان مريضا ورفض الانسحاب مع إخوانه الجرحى. علاوة على عشرة جرحى كانت جراحهم خفيفة. ذلك هو وجيز المعركة التي وقعت يوم ٢٩ حزيران - جوان - ١٩٥٧ والمعروفة باسم (معركة الصحراء) أو (معركة الجنوب).

стр. 2228

٩ - إعدام (فروجي) (*) جن جنون الاستعماريين بسبب ما كانت تحققه الثورة الجزائرية من انتصارات متتالية، وأخذوا في البحث عن وسائل ظنوا أنها تصل بهم إلى النصر، وأنها تمكنهم من توجيه ضربة حاسمة للثورة. وعلى هذا زجو ابقواتهم المشتركة (البريطانية - الافرنسية) في العدوان على مصر وإنزال القوات على أرضها، وكان لا بد لقيادة الثورة الجزائرية من القيام بعمل مثير وضخم، للتأكيد على بقاء الثورة، وللبرهان على استمرار وجودها فتقرر إعدام عمدة الجزائر العاصمة (بو فريق أميدي فروجي - الذي كان رئيس اتحاد عمداء الجزائر) والناطق باسم الاستعماريين....وتم تعيين زمرة من الفدائيين المغاوير الذين عرفوا بنشاطهم، والذين توافرت لهم الخبرة للاضطلاع بتنفيذ مثل هذه المهمة. وقد شملت هذه الزمرة (عبد زيناتي) و (مزيان حجاب) و (رباح جعفور) و (قدور الملقب بـ: العيون الزرقاء). وكان لكل واحد منهم مهمته المحددة بدقة: فقد كان (جعفور) هو الرامي - وكان شابا رياضيا يحمل النطاق الأسود

стр. 2229

في المصارعة اليابانية - الجيدو - أما (العيون الزرقاء) فكان واجبه المراقبة وحماية الرامي. وكان واجب (الحاجب) تأمين انسحاب الرامي. أما واجب (الزيناتي) فهو قيادة السيارة. ... عمد أفراد زمرة الفدائيين المغاوير على مراقبة (فروجي) مراقبة مستمرة في الليل كما في النهار وطوال أيام عديدة، مع متابعة تحركاته في ذهابه ومجيئه، وعاداته. ومواعيد تحركاته. وكان المجاهد (بو جملين الهراش) قد التحق بالثوار - الماكي -. وأخذت الشرطة السرية الافرنسية في مطاردته وتتبع أثره، فترك سيارته (السيتروين) الجديدة لزمرة المغاوير. غير أن أفراد هذه الزمرة استخدموا خلال مرحلة المراقبة عددا من السيارات المختلفة، واستطلعت خلالها أيضا أفضل الطرق التي يمكن اتباعها خلال الأوقات المختلفة، وذلك بهدف اختيار أفضل الطرق بعد تنفيذ المهمة. وفي النهاية، قرر أفراد زمرة المغاوير تنفيذ مهمتهم يوم ٢٨ كانون الأول: ديسمبر - ١٩٥٦. غادر (فروجي) منزله الواقع في (١٠٨ - شارع ميشليه - ديدوش مراد حاليا) وذلك في الساعة (٩٥٠) ليمتطي سيارته (بيجو - ٤٠٣) كانت لوحتها تحمل بالأحرف الافرنسية (ن. ر - ٧٦ - د. يو - ٩١) وكانت متوقفة بصورة ملاصقة للبيت تماما وما إن حاول فتح الباب الأمامي - الأيمن - حتى بادره (جعفور) بطلقة من مسدسه عيار (٧،٦٥) أصابته في رقبته، ثم أتبعها بثلاث رصاصات في قلبه. وأسرع الرامي والمراقب والمكلف بالحماية إلى السيارة - الستروين - التي كان محركها يعمل بأقصى سرعته، وانطلقت السيارة كالسهم. ووصل رجال الشرطة إلى مكان الحادث

стр. 2230

فورا فأذاعوا باللاسلكي (الراديو) أمرا بإلقاء القبض على (رباح جعفور) و (مزيان حجاب) وإيقاف السيارة الستروين التي أعلن عن رقمها. اتبعت زمرة المغاوير الطريق الذي حددته مسبقا لانسحابها. وتركت أول أثر لها عندما اخترقت أول حاجز عسكري اعترض طريق السيارة في منطقة (الداي حسين). وأتبعته بالحاجز الثاني عند (كريسونيير). ثم سارت على طريق (بير خادم). ومرت من أمام مركز الشرطة، فمركز قيادة الجيش، ثم إلى حي (فوكرو) حيث كان يقع مركز تتجول فيه دورية من الشرطة - البوليس - بصورة ثابتة ونجح أفراد زمرة المغاوير في وضع طرد أسلحتهم ضمن أحد المنازل. وتركت المجارة في مكان قريب من منزل (مزيان حاجب) مع تسليم مفتاح السيارة إلى أخي الرامي (حامد جعفور) ليتولى أمر إخفائها. والتجأ أفراد زمرة المغاوير إلى مخزن يمتلكه (الحاج عواوا). أما (زيناتي) فقد ذهب إلى منزله الذي كان قريبا جدا من مكان إخوانه. لم تمض أكثر من برهة قصيرة حتى تدفق سيل السيارات العسكرية الكبيرة (ناقلات الجند) وأخذ الجنود في تطويق المنطقة وكان (حامد جعفور) أول من رأى جند الفرنسيين. فأسرع لإنذار زمرة المغاوير التي نجح أفرادها في مغادرة المكان عبر قطاع لم يكن قد خضع بعد لمراقبة العدو. وكان باستطاعة (زيناتي) أن يرتدي بسهولة ثياب سائق يعمل في شركة المواصلات العامة، وأن يغادر المكان دون قلق، ومن غير أن يثير أدنى شك أو ريبة. أما (رباح جعفر) و (مزيان حاجب) و (قدور - العيون الزرقاء) فقد لجأوا إلى مخبأ يقع حاليا في شارع (عبد المجيد حطاب) حيث كان

стр. 2231

هناك تاجر يبيع الزيوت وبلح البحر، وهو صاحب المخبأ والمسؤول عنه. أثار مقتل (فروجي) موجة من الذعر الشديد في أوساط الاستعماريين. فدفعوا أذنابهم للقيام بالمذابح التي سقط ضحيتها عدد من النساء والأطفال والشيوخ في الجزائر. وفي منطقة (بوفريق). ووضعت قنبلة موقوتة بالقرب من القبر حتى تنفجر في لحظة دفن الجثة. غير أن إحكام القنبلة كان سيئا، فانفجرت قبل وصول الموكب الجنائزي بقليل. ورد الأوروبيون على ذلك، عند خروجهم من المقبرة، فهاجموا كل من صادفوه في طريقهم من المسلمين وقتلوه. كما قذفوا بعدد من المسلمين إلى البحر، وذبحوا كثيرين، وما من أحد يعرف عدد الضحايا البريئة التي أزهق الأوروبيون أرواحها. ... نجح أفراد زمرة المغاوير في مغادرة العاصمة - الجزائر -. وانضموا إلى إخوانهم المجاهدين في صفوف الثوار - الماكي - واشتركوا في تنفيذ عدد من العمليات، وخاضوا مجموعة من المعارك ضد العدو، حتي استشهدوا بشرف وهم يحملون السلاح (في حزيران - يونيو - ١٩٥٧) وذلك في (جبل بوزغزا).

стр. 2232

﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الأنفال - الآية ٦١ - ٦٢) قراءات ١ - نداء الطلاب - والاضراب التاريخي (١٩٥٦). ٢ - تعليمات وأوامر إدارية - بومدين (١٩٦٠). ٣ - بيان الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (١٩٦٢). ٤ - أمر يومي من قيادة الأركان العامة (١٩٦٢).

стр. 2233

١ - الاضراب التاريخي للطلاب الاضراب التاريخي - ماي - ١٩٥٦ (*). النداء الصادر عن الطلبة الجزائريين بعاصمة الجزائر. أيها الطلبة الجزائريون! بعد اغتيال أخينا (بلقاسم زدور) من طرف البوليس الفرنسي، وبعد مصرع أخينا الدكتور (زراجب) وبعد فاجعة الأخ (إبراهيمي) الطالب بمعهد بجاية الثانوي الذي أحرقته القوات الافرنسية بالنار حيا، عندما أحرقت قريته التي رجع إليها في العطلة الدراسية، وبعد اغتيال كاتبنا (رضا حوحو) الكاتب العام بمعهد (عبد الحميد بن باديس) بقسنطينة، وبعد التعذيب الذي لقيه الإخوان الدكتور (هدام - بقسنطينة) و (بابا أحمد) و (طوبال) في تلمسان. وبعد إلقاء القبض على إخواننا الزملاء (عمارة) و (لوتيس) و (صابر) و (تواتي) و (زروقي) و (المهدي). وبعد إخفاء زميلنا (صبحي)، وبعد الاستفزازات التي شنها البوليس الافرنسي ضد (منظمة الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين). ها هو البوليس الفرنسي ينتزع من بين أيدينا أخينا (فرحات حجاج) الطالب، والناظر بالقسم الداخلي في ثانوية (ليسيه) (ابن عكنون) مع مواصلة ... والتعذيب ما يزيد عن

стр. 2234

عشرة أيام (وما يتبع ذلك من مشاركة القضاء الفرنسي والإدارة العليا بالجزائر التي نظرت في هذه القضية) إلى أن وصلنا خبر اغتياله من طرف البوليس بمدينة (جيجل). إذن! فالانذار الذي سجله إضرابنا يوم ٢٠ جانفي (كانون الثاني) ١٩٥٦ لم يجد نفعا. إن التحصيل على شهادة زائدة قد يجعل منا جثة حقيقية، لأي شيء تصلح إذن هذه الشهادات العلمية التي تمنح لنا في وقت يكافح فيه شعبنا كفاحا بطوليا، في وقت انتهكت حرمات أمهاتنا وزوجاتنا وأخواتنا، في وقت سقط فيه أطفالنا وشيوخنا تحت رصاص الرشاشات وقنابل النابالم. (ونحن إطارة المستقبل) ماذا تحيط إطاراتنا؟ ومن تحيطهم؟ الخراب وأشلاء الجثث؟ من دون شك جثث قسنطينة وتبسة وسكيكدة وتلمسان وغيرها من الجهات والمدن. إن الوضعية التي نحن عليها لا ترضي ضمائرنا. إن واجبنا ينادينا إلى مهام استعجالية. واجبنا ينادينا إلى التضحية المتواصلة بجانب الذين يكافحون ويستشهدون أحرارا مجابهين العدو. إننا نقرر الإضراب التام، وبصفة عاجلة، ونقرر مقاطعة الدراسة والامتحانات إلى أمد غير معين. يجب مبارحة مقاعد الجامعة للالتحاق بصفوف جيش التحرير. يجب الالتحاق جماعات بجيش التحرير الوطني الجزائري وبجبهة التحرير الوطني الجزائرية. الجزار ١٩ ماي - أيار - ١٩٥٦.

стр. 2235

٢ - تعليمات وأوامر إدارية أعادت الحكومة الجزائرية المؤقتة تنظيم أجهزتها في الجلسة التي عقدتها في طرابلس - ليبيا - سنة (١٩٦٠). وعينت (بومدين - هواري) مسؤولا عن قيادة جيش التحرير الوطني فأصدر (بومدين) مجموعة من التعليمات والأوامر الادارية. وهي تبرز بعض المشكلات التي كان يجابهها جيش التحرير خلال تلك الحقبة التاريخية. هذا ومن الملاحظ ضعف التركيب اللغوي - في اللغة العربية - ويمكن أن يعزى سبب ذلك إلى كتابته بأسلوب بسيط حتى يفهمه الجميع. ويعكس ذلك بداهة ما تعرضت له اللغة العربية، وما وصلت إليه بسبب التركيز الاستعماري المستمر لتدمير اللغة العربية في الجرائر (*).

стр. 2236

(اعلام) من الفصل المؤرخ في ٢٧ جانفي إلى ٣١ منه ١٩٦٠. للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بعد المواقف التي اختتمها المجلس الوطني للثورة المجتمع في طرابلس. تأسست قيادة عليا عامة، لتمسك بيدها جميع المشاكل العسكرية للثورة. هذه القيادة العليا العامة تتركب كما يلي: الكلونيل: بومدين - مسؤول القيادة العليا العامة. الأعضاء: الكمندان: سليمان. الكمندان: منجلي. الكمندان: عز الدين. ليكن هذا الاعلام في علم كل المصالح والفرق المجاهدة في اجتماع منظم. للجيش ٨ فبراير - ١٩٦٠. الكلونيل، مسؤول القيادة العليا العامة (بومدين) (القرار رقم ١) احتياجات السنة السادسة من الكفاح، جعلت حالة الحكومة

стр. 2237

المؤقتة للجمهورية الجزائرية، لأن تسرع في تنظيم عجلات مصالح الثورة. القيادة العليا العامة التي تكونت في هذا الإطار قررت بقوة تطبيق السياسة العسكرية التي اختتمتها وجعلتها قرارات الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. وعلى هذا العمل، يتوجه نداء إلى جميع الطبقات للعمل الكبير الشريف الذي تنتظره البلاد، ويجعل جميع المسؤولين والجنود يوجهون نظرهم نحو المستقبل، ونحو الجزائر، ويجندون أنفسهم بإرادة، لكل الظروف. وباختصار، جميع المسؤولين الذين هم على رأس كل العجلات الموجودة أن: ١ - يبينوا جميع الحالات التي أظهرتها مقدرتهم، للقيادة العليا العامة. ٢ - يبتعدوا على جعل قرارات هامة بدون أن يطلعوا السلطة العليا. إنه يمنع بشدة القيام بالتجنيد. القيادة العليا العامة هي القادرة في اتخاذ القرارات. ٣ - يقدموا كل الاقتراحات المفيدة التي يريدونها في إطار التغييرات المنتظرة.

стр. 2238

٣ - بيان الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية إلى الشعب الجزائري أيها الشعب الجزائري! بعد عدة أشهر من المفاوضات الصعبة والمثمرة، تم التوصل إلى اتفاق عام في مؤتمر إيفيان بين الوفد الجزائري، والوفد الفرنسي، وهذا يعتبر انتصارا كبيرا يحرزه الشعب الجزائري الذي انتزع ضمان حقه في الاستقلال. وبهذه المناسبة نعلن باسم الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، المفوضة من المجلس الوطني للثورة الجزائرية وقف القتال في كافة أنحاء التراب الوطني ابتداء من يوم الاثنين ١٩ مارس (آذار) ١٩٦٢ على الساعة التاسعة ليلا، كما نأمر باسم الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية كافة القوات وقف جميع العمليات العسكرية والأعمال المسلحة في جميع أنحاء التراب الوطني. أيها الجزائريون! أيتها الجزائريات! لقد مرت سبع سنوات ونصف تقريبا على حمل الشعب الجزائري للسلاح من أجل التحرر من النير الاستعماري وانتزاع استقلاله وسيادته الوطنية، والمجد للشعب الجزائري الذي سجل خلال هذه الفترة في تاريخه الحافل، إحدى أروع ملامحه. والمجد لجميع ضحايا الحرب والشهداء الذين سقطوا ليعيش الشعب

стр. 2239

الجزائري، وللجرحى العديدين الذين كانوا رمح المعركة، وللمعتقلين والمساجين الذين طالما قاسوا وعانوا من المعتقلات والمحتشدات الاستعمارية، فإليكم جميعا يكن الشعب عزا أزليا، وستحتفظ - الأجيال بالذكريات الخالدة للمثل الذي أعطيتموه. فبفضلكم وبفضل إخلاصكم وتضحياتكم اللامحدودة أحرز تقدما كبيرا على طريق التحرر. ففي هذا اليوم، وفي هذه اللحظات التاريخية، نوجه تحياتنا باسم الحكومة المؤقته للجمهورية الجزائرية إلى الشعب الجزائري البطل، الذي دفع الفدية الغالية للحرب، وسمح بفضل شجاعته وتفانيه بإنقاذ الوطن المسحوق أكثر من قرن من الاستعمار، وباسترجاع كرامته. أيها الجزائريون! أيتها الجزائريات! لقد واجه الشعب الجزائري طوال سبع سنوات ونصف من الحرب الشرسة، أعتى قوة استعمارية عرفها القرن، جندت ما يزيد على المليون من الجنود الفرنسيين، وكل الأسلحة العصرية من طيران ومدفعية ودبابات وبحرية. وقد دفع ذلك بفرنسا إلى حد إنفاق ثلاثة مليارات من الفرنكات يوميا، إضافة إلى الدعم الجماعي الذي قدمه لها حلف الأطلسي في شتى المجالات: العسكرية والمالية والديبلوماسية والمعنوية، وحاولت بمساعدة قسط كبير من المستوطنين الأوروبيين بالجزائر، العمل دون جدوى للإبقاء على (الجزائر الفرنسية). وقد واجه الشعب الجزائري هذه القوة، قبل كل شيء، بإيمانه بعدالة قضيته، وثقته في نفسه، ومصيره، وإرادته الثابتة في تحطيم أغلال الاستعمار، وخاصة بإجماعه في النضال، وقد نهض

стр. 2240

الجزائريون - كل الجزائريين - من رجال ونساء، وشباب وشيوخ، من مدينة الجزائر إلى (تمنراست) ومن (تبسه) إلى (مغنية) كرجل واحد في حرب التحرير. ولم تتمكن محاولات التفرقة، وتسلل المناهضين للثورة والمستفزين في صفوفهم، من أن تنال من عزيمتهم ووحدتهم. وقد شعر الجزائريون بأنهم أعضاء جسم واحد في هذا الكفاح المرير، وكانت جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني أداة المعركة الفعالة في خدمة الشعب، وألحق بفضل عملها المستمر ضربات قاضية بالمستعمر، ونالت الثورة الجزائرية إعجاب الجميع، وتحظى حاليا بسمعة عالمية جلبت لها العديد من التأييدات. فإلى أشقائنا المغاربة والعرب وجميع الأفارقة والاشتراكيين وشعوب العالم الثالث، والديموقراطيين في فرنسا وأوروبا الذين ساعدونا. عرفاننا بالجميل. وكان هذا الكفاح درسا تستلهم به الشعوب الخاضعة للامبريالية، إذ أنه حطم خرافة الامبريالية التي لا تقهر، فبالإضافة إلى مساهمته في تحرير أفريقيا، أبرز أن أي شعب مهما كان صغيرا، وبوسائله القليلة، يستطيع مواجهة أعتى قوة امبريالية، وينتزع حريته. وقد أجبر الكفاح البطولي للشعب الجزائري، والمساندة الدولية للقضية العادلة، أجبر الخصم على التخلي عن مواقفه القائلة (بأن الجزائر فرنسية). وحمله على الرضوخ لاستقلال الجزائر. وقد أرغم الخصم، رغم قوة العتاد الذي وضعه طوال سنوات الكفاح المريرة، على العدول عن الحلم بانتصار عسكري والدخول في مفاوضات مع الحكومة المؤقتة للجمهورية

стр. 2241

الجزائرية. ويكمن الانتصار العظيم الذي حققه الشعب الجزائري في تخلي العدو عن مواقفه السابقة التي تربط كل مفاوضات بوقف القتال وقد تجسد هذا الانتصار على الصعيد السياسي باسقلال بلادنا بواسطة تقرير المصير الذي ستكون نهايته المنطقية والحتمية بالاستفتاء. وكان من نتائج المفاوضات بين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية والحكومة الفرنسية، فتح صفحة جديدة في تاريخ بلادنا، كما كان قرار وقف العمليات العسكرية في كافة أنحاء التراب الوطني، إحدى نتائج الاتفاقيات المبرمة، حول ضمان تقرير المصير ومستقبل بلادنا وكان مضمون هذه الاتفاقيات مطابقا لمبادىء الثورة التي تأكدت في مناسبات عديدة، والتي هي كالآتي: ١ - الوحدة الترابية للجزائر في حدودها الإقليمية الحالية، الأمر الذي يبعد أي محاولة سافرة أو مستترة لتقسيم شمل الجزائر، ويبعد كذلك كل محاولة لتجزئة بلادنا وصحراءها. ٢ - استقلال الجزائر: تتمتع الدولة الجزائرية بكل مهام السيادة والدفاع الوطني والديبلوماسية واختيار توجيهها الخاص على الصعيد الداخلي والصعيد الخارجي. ٣ - الاعتراف بوحدة الشعب الجزائري، وتخلي فرنسا عن مفهومها القاضي بأن الجزائر خليط من الجاليات المختلفة، والاعتراف بالشخصية الوطنية للشعب الجزائري ذا الثقافة العربية - الإسلامية التي التحمت في لهيب المعركة من أجل الاستقلال. ٤ - الاعتراف بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية كمفاوض وحيد، وممثلا حقيقيا للشعب الجزائري، فرض نفسه على الواقع. وهكذا تطورت مرحلة المفاوضات التي كانت مرتكزة في البداية

стр. 2242

على ضمانات تقرير المصير بصفة واقعية، إلى مفاوضات شاملة حول مستقبل الجزائر. أيها الجزائريون! أيتها الجزائريات! فلنستعد لتحقيق الاستقلال. إن الاستقلال ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو وسيلة فقط، تسمح بتحويل وضعية بلادنا التي تمر من حالة الركود الاستعماري إلى وضعية بلد حر يخوض معركة البناء الاقتصادي والتحرر الاجتماعي. ان هناك مهاما كبرى تنتظرنا، وهي النهوض ببلد عرف الخراب بسبب ما يزيد على سبع سنوات من الحرب، وتضميد الجراح والقضاء على البطالة ومحاربة التخلف، كما أنه يقع علينا واجب بناء مجتمع جديد يعكس وجهه الجديد الفتي - الجزائر الحرة - التي يقدم فيها كل المواطنين مساهمتهم، وكل هذه المهام تفرض علينا من الآن بذل الجهود أكثر من قبل، وتعبئة جميع الطاقات ودعم الوحدة والتلاحم الكاملين، والالتزام بالانضباط واليقطة لإحباط مناورات الاستفزازيين ودعاة الانقسام والديماغوجية. فعلى كل الجزائريين ملازمة حالة التأهب، وسيتم توطيد تنظيم الجماهير في الجزائر، وتدعيم الروابط السياسية والديبلوماسية التي التحمت في غضون سبع سنوات من الكفاح. أيها الجزائريون! أيتها الجزائريات! إن وقف القتال لا يعني السلم، وإن مرحلة الانتقال ما هي إلا إعداد لحالة الاستقلال، غير أنها لا تعني الاستقلال، وما دام الاستقلال لم يعلن بعد والدولة وحكومة الجزائر الحرة ليستا على التراب الوطني، ينبغي على الشعب والمجاهدين والمناصلين اعتبار

стр. 2243

أنفسهم في حالة تجنيد وملازمة اليقظة طوال المرحلة الانتقالية، وينبغي على كل مسؤول مناضل البقاء في منصبه. وسيواصل شعبنا القوي بوحدته أمام العالم، نضاله لبلوغ الأهداف التي سقط من أجلها مئات الآلاف من المواطنين الجزائريين. أيها الجزائريون! أيتها الجزائريات! فلنضاعف الطاقات، ولنستعد لإنشاء دولة جزائرية مستقلة ذات سيادة، تسمح لنا بإرساء أسس لجمهورية جزائرية ديموقراطية اجتماعية. يحيا الشعب الجزائري، يحيا استقلال الجزائر (*).

стр. 2244

٤ - أمر يومي من قيادة الأركان العامة (١٩ - آذار - مارس - ١٩٦٢) أيها الضباط وضباط الصف، أيها المجاهدون والمسبلون والفدائيون! في أول نوفمبر (تشرين الثاني) ١٩٥٤، وبعد (١٢٤) سنة من ليل مظلم، ثار الشعب الجزائري، وإنكم لتعرفون آثار ونتائج هذه العملية جميعا لأنكم عشتموها. وطوال قرابة ثماني سنوات، لم يساوم الشعب الجزائري، الذي وقف كرجل واحد، ولم يبخل أبدا بأي شيء للوطن. وإن آلاف الشهداء يشهدون على ضمانة تضحيات هذا الشعب. فالويل والدمار لمن ينسى هذه التضحيات! أيها المكافحون في صفوف جيش التحرير الوطني! اليوم أعلن عن وقف القتال. وإن هذا العمل ليضع حدا لمرحلة من أكثر المراحل التي عرفتها البلاد من حيث الاضطراب والعنف. وكما كان الشأن بالنسبة لعملية أول نوفمبر (١٩٥٤) فإن هذا العمل ليفتح في الأفق إمكانيات هائلة لبلدنا. وإن نتائج هذه المرحلة الثانية ستوقف علينا نحن فقط، ونحن ما سنكون عليه، إما يقظين حقيقيين، أو لا مبالين وغير مسؤولين. إن وقف القتال ليس هو السلام. وكما أن السلام ليس هو

стр. 2245

الاستقلال، فان الاستقلال ليس هو الثورة. أي إن المعركة ما زالت مستمرة، وستكون أكثر ضراوة، وأكثر تعقيدا وأكثر دقة، وذلك أكثر من أي وقت مضى. أيها الضباط وضباط الصف، أيها المجاهدون! إن الطريق الذي سيوصلنا إلى الأهداف الأساسية للثورة ما يزال طويلا، وهو طريق خطير لأنه مزروع بالعراقيل والعقبات المتصدرة. إن الوفاء للقسم الذي أعطيناه لشهدائنا يفرض علينا، ويتطلب منا، طيلة سنوات أخرى التعبئة في كل وقت. وطالما لم يصبح الاسقلال ملموسا ومجسما فإنه لن يسمح لأي كان بأن يخرج عن الصفوف، وأن يضع سلاحه، وأن يستسلم للراحة السهلة. أيها المكافحون الأبطال، ويا أيها الحراس اليقظون، إنكم ستبقون كما كنتم حتى النصر النهائي. أيها المناضلون، والمجاهدون! بعد حوالي ثماني سنوات من الكفاح، ما زال شعبنا مشتتا، وهياكله الاجتماعية مضطربة، وثرواته مخربة. وليس من حق أي واحد منا أن ينسى هذا الحصار المؤلم. وعليه فإنه يتعين، وبكيفية إجماعية، أن يعاد لهذا الشعب إطار الحياة العادية والتوازن الاقتصادي والاجتماعي الذي يكون في مستوى طموحاته وتضحياته. فمن هو أولى وأكثر أمانة منكم بأن يؤمن له عودة كرامته وثرواته وحريته في العمل، ويضمن له سيره السريع نحو التقدم؟ لا أحد! فمنذ الآن، وبالنسبة لكم، فإن الطريق مسطر كله. والمعركة مستمرة. وإذا كانت الأسلحة ستسكت، فإن العمل الثوري يجب أن
следующие страницы →