← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وصعبة، لأنه كان على المجاهدين الذين لا يتجاوز عددهم (٣٥٠) مجاهدا، مجابهة قوات متفوقة بعددها وبوسائطها القتالية تفوقا لا يمكن مقارنته. فمقابل الهاون (٦٠ مم) ورشاش (برن) و (٣٠) رشاشا روسيا. كانت هناك طائرات (ب ٤٧٠) و (ب - ٢٦) ومدرعات ومدفعية، وكل ما كانت تحفل به ترسانة حلف شمال الأطلسي من ضروب الأسلحة المتنوعة ووسائط القتال المتباينة. وبالرغم من ذلك، فقد بقي المجاهدون هم الأقوى، لأنهم يمتلكون الأسلحة الأكثر فاعلية من تلك التي يمتلكها الاستعماريون: كان المجاهدون يحملون سلاح النصر، والإيمان العميق، وحب الوطن. ولذلك كانوا هم الذين يحبطون باستمرار كل المخططات الجهنمية - الشيطانية - التي يضعها دهاقنة الاستعماريين، وأفضل قادتهم الإستراتيجيين. كان من عادة الاستعماريين الافرنسيين افتتاح عملياتهم بقصف عنيف تقوم به الطائرات ضد مواقع المجاهدين، وذلك قبل زج القوات البرية من مشاة ومدرعات ومدفعية. وقد قال لنا المجاهدون بأن طائرات (ب - ٤٧) وطائرات (الميسترال) لا تميز في قصفها بين الرجال الذين يرتدون الألبسة القاتمة وبين جذوع الأشجار، أو الغياض المتفرقة، وذلك بسبب السرعة الكبيرة التي تحلق بها هذه الطائرات. ولهذا، فقد كان من المحال عليها إجراء قصف دقيق لمواقع المجاهدين المنتشرين فوق أرض شديدة التضاريس، وبمسافات كافية تفصل كل مجاهد عن إخوته بقية المجاهدين، وهو يتمركز في ملجأ تحت الأشجار، أو بين الصخور. وكانت طائرات (بوسارد) هي التي ترمي الشهب الدخانية لتحدد لتلك الطائرات أهدافها. ولكن طائرات (بوسارد) هذه باتت

стр. 2172

مرغمة على التحليق وهي مرتفعة فوق سطح الأرض بمسافات عالية، منذ أن امتلك المجاهدون الرشاشات (الخفيفة منها والثقيلة) والتي برهنت على فاعليتها في إسقاط هذه الطائرات. ومقابل ذلك كانت طائرات (ب - ٢٦) و (ت - ٦) شديدة التأثير، كبيرة الخطر، على مجاهدي الجيش الذين يفتقرون للأسلحة المضادة للطائرات والقادرة على التعامل مع الطائرات الأقل سرعة، والتي كان باستطاعتها إحكام رماياتها على مجموعات الرجال أثناء تحركهم. باختصار، استمر دوي القصف كالرعد، واستمر المي برشاشات الطائرات، فشمل كل الإقليم الذي بات يهتز بعنف، حتى وصلت تلك الاهتزازات إلى أولئك الذين وقفوا على جبل (غار - مالا) والذين شعروا بالأرض وهي تميد من تحتهم. وكانت قنابل النابالم الضخمة التي قذفتها طائرات (ب - ٢٦) هي التي أثارت هذا النوع من الاهتزازات القوية. بلغت الساعة الحادية عشرة صباحا (١١٠٠) ولا زال المجاهدون يحتفظون بمواقعهم على هضاب (تيزي - غمدان) وفي كافة المواقع الأخرى. وهبط ضباب أبيض كثيف على قمم جبل (جرجرة) فغطى منطقة القتال، وغلفها بحجاب سميك. وكان الواقفون على جبل غار مالا) ينظرون إلى سحب الغيوم التي تهبط من تحت أقدامهم بيضاء كالثلج، وهتف كل سكان الإقليم لقدرة الله التي أرسلت الغيم أمنا وسلاما على المجاهدين، ليحميهم من قصف طيران أعدائهم. لم يعد باستطاعة طائرات (ب ٤٧) و (ت ٦) متابعة تنفيذ عملياتها، فاضطرت للعودة إلى قواعدها. بينما تابعت طائرات (ب

стр. 2173

٢٦) تحليقها فوق الضباب. واستمرت في قذف قنابلها بصورة عمياء، وعلى غير هدى. أفاد المجاهدون كثيرا من هذا الضباب، فنظموا هجمات ضد مجموعات العدو المتفرقة والمنعزلة. واستعادوا المبادأة التي كانوا يمسكون بها في الصباح، ثم جاء القصف الجوي فكاد ينتزعها منهم: وخسر العدو كافة المميزات التي حصل عليها بفضل النيران الكثيفة للطائرات. وجال في خاطر الرقيب (محمد) سؤال لم يلبث أن طرحه ببراءة: (لماذا يهرب جند العدو بالرغم من أنهم هم الأكثر عددا، والأفضل تسليحا وتجهيزا؟). وأجابه الرقيب (العياشي): (لأننا مجاهدون في سبيل الله، نؤمن به وعليه نتوكل، ولأننا نقاتل على أرضنا، ولأننا على استعداد لبذل دمنا عن طيب خاطر، فوق هذه الأرض الطيبة، أرض وطننا الأم. لأننا نقاتل ونحن على قناعة بأنه ليس لحياتنا أية قيمة إلا إذا تحررت بلادنا تحررا كاملا، وخاليا من كل قيد أو شرط. ومقابل ذلك، فإنهم يخوضون معاركهم تنفيذا للأوامر التي يخطها لهم قادتهم العميان. إنهم يعرفون أنهم يقاتلون من أجل قضية خاسرة، محكوم عليها مسبقا بالفشل. ولهذا السبب فإنهم سرعان ما يبحثون عن طريق الفرار. إنهم يختارون باستمرار أضخم الوسائط وأقواها من أجل مجابهتنا، ويزجون ضدنا بالأسلحة التي لا نمتلك الوسائط ضدها .. غير أنهم وهم يفرون من ميادين القتال، يحاولون الظهور بمظهر الأبطال عندما يواجهون المدنيين المحرومين من كل وسائط الدفاع، فيعملون على التضحية بهم، وإبادتهم، في كافة القرى التي يمرون بها. آه يا أخي محمد، كم هو أمر مخجل أن يترك هؤلاء على هواهم ليسحقوا شعبنا طوال (١٢٧) عاما) هيا إلى الأمام!.

стр. 2174

وأصدر الرقيب (العياشي) أمره إلى عدد من الجماعات بالانقضاض على أقرب القوات الاستعمارية إليهم. وأطلق المجاهدون صيحتهم بصوت واحد (الله أكبر). وأسندوا مسدساتهم الرشاشة إلى (الورك) وضغطت أصابعهم على الزناد، فأفرغوا محتوى مخازن أسلحتهم، وهم يوجهون نيرانهم بدقة وإحكام. واختلط الأمر في وسط الضباب، فكان من المحال التمييز بين المجاهد وبين عدوه الإفرنسي. وارتفع صوت المجاهدين وهم ينشدون نشيدهم الوطني (جزائرنا). ورددت الوهاد والمنحدرات، السهول والجبال، مع المجاهدين (جزائرنا). وغنت معهم نشيدهم. عاد القتال عنيفا، ضاربا، في الساعة (١٤٣٠) - الثانية والنصف من بعد الظهر -. فقد أخذ الضباب في الاضمحلال شيئا فشيئا. وعادت الطائرات وهي تحلق كالعقبان تبحث عن طرائدها. وقد حلت طائرات (الميسترال) في هذه المرة محل طائرات (ب - ٤٧) وهي طائرات مسلحة بالمدافع وبالرشاشات الثقيلة. وكانت قنابل مدافع هذه الطائرات شديدة الحساسية من أي احتكاك، حتى لو كان هذا الاحتكاك بأوراق الأشجار. ولما كانت الوحدات المتصارعة على أرض المعركة قريبة بعضها جدا من بعض. وقد نزلت القنابل على الوحدات الإفرنسية ذاتها. (وعلى سبيل المثال فقد جرح المجاهد ساقي شعبان وهو من قرية - ولاساصي - بينما كان أسيرا في قبضة الإفرنسيين، وقد أصابته شظية في فخذه من إحدى رمايات طائرة ب - ٢٦ أثناء وجوده بين الجنود الإفرنسيين في (تيزي غمدان) وأصابت معه عددا من الإفرنسيين). شاهد المدنيون والمسبلون. من أماكنهم في قمة (غار مالا)

стр. 2175

شدة القتال وضراوته، فقرروا التوجه إلى (سيدي مسعود) حيث توجد (زاوية) في وسط الغابة. أقيم بجوارها مركز للعناية بالجرحى الذين يتم إخلاؤهم، وذلك لمديد العون، ومساعدة المجاهدين فيما قد يحتاجونه وعلى هذا، غادر المدنيون والمسبلون (غار مالا) وأخذوا في التنقل من شجرة إلى شجرة تنفيذا لتعليمات المجاهدين، وذلك فرارا من طائرات (ت ٦) التي كانت تحلق فوق رؤوسهم، وهي تعرف تماما أن كل هذه الجبال مأهولة بأعدائها. وقد استغرقت الرحلة إلى (سيدي مسعود) زهاء نصف ساعة. وهناك، تم اللقاء بين الجميع. تمدد عشرات الجرحى تحت الأشجار - على مقربة من الزاوية - بعضهم يئن من الألم، وآخرون يصلون أو يقرؤون القرآن. في حين كان آخرون يصنعون محفات - ناقلات - لحمل الجرحى مستخدمين في ذلك أغصان الأشجار، حتى يتم لهم بواسطتها إخلاء الجرحى وحملهم عندما يهبط ظلام الليل، لنقلهم إلى المستوصفات السرية في الإقليم. تسلح بعض المواطنين والمجاهدين والمسبلين بأسلحة الصيد، وانتظموا في مجموعات مقاتلة انتشرت على هضاب (ميت شيخ) ووزعوا الحراسة على مؤخرة المجاهدين لإجراء مراقبة حذرة هدفها الحيطة من أي تدخل قد يصدر عن معسكر الاستعماريين في (ولا سيدي إبراهيم) ضد مجاهدي (تيزي - غمدان). غير أن القوات الإفرنسية في هذا المعسكر لم تقم بأي تحرك. لم يكن في (سيدي مسعود) إلا ممرضان اثنان محرومين من كل الأدوية، باستثناء بعض أنابيب حبوب الأسبيرين وزجاجات صغيرة من مادة الميكروكروم. ولم يكن هناك طبيب في (سيدي

стр. 2176

مسعود) أو في الإقليم كله. وكان المجاهد (بلقاسم) مصابا بتمزق في أضلاعه نجم عن انفجار قنبلة بعض الطائرات، مما كان يتسبب له بآلام مفزعة. وكان لا بد من إيقاف النزف بأية طريقة، فتم تقليم سيقان من نبات طبي يعرف باسم (أم الزير) يعرفه الفلاحون الجبليون جيدا، ويتواصون باستخدامه منذ القدم - ويتناقلون معرفته جيلا عن جيل في هذا الإقليم. وما أن تم تجريف الجروح بتلك العيدان حتى تم وضع أوراق النبات ذاته بإحكام على الجراح. ولم يبق إلا تضميد تلك الجراح بمساعدة قطع من النسيج من تلك المستخدمة في تغطية الأسرة (شرشف). وصل بعض المجاهدين من ميدان المعركة يحملون معهم الأخبار السيئة عن استشهاد المجاهد الرقيب (سالم) في الساعة (١٦٠٠) إثر إصابته بقنبلة طائرة (ب - ٢٦) بينما كان يقف على مرتفع يحمل اسم (الخطيبة من الصابون - إيسلي ناصابون) وبكى إخوان الشهيد موته، فما عرفوه إلا بطلا شجاعا، ووطنيا متحمسا، الأمر الذي أكسبه شهرة واسعة في وسط قوات جيش التحرير الوطني. زالت مخاوف المجاهدين وأنصارهم - مسبليهم، إذ لم تحاول القوات الاستعمارية نقل المعارك من (تيزي غمدان) والقيام بتمشيط الإقليم، أو محاولة تطويق المجاهدين. وانتهت المعارك في الساعة (١٩٠٠) - وعادت القوات الاستعمارية إلى ثكناتها مع غروب الشمس. وتجمعت كتائب المجاهدين في (سيدي مسعود). ولم يكن المجاهدون قد طعموا شيئا طوال النهار، ولم يكن هناك في (سيدي مسعود) ما يسد رمقهم، وكل ما كان هناك هو بعض أباريق القهوة التي تحتفظ بالحرارة (ترمس) وقليلا من زجاجات حليب الماعز التي احتجزت للجرحى.

стр. 2177

بلغت خسائر المجاهدين في معارك اليوم (٣٣) شهيدا و (٥٧) جريحا، كانت جراح (١٣) منهم خطيرة تمنعهم من الحركة. أما الآخرون فكان باستطاعتهم مرافقة المجاهدين والسير على أقدامهم. تكبدت القوات الاستعمارية خسائر فادحة في الأرواح والأعتدة والتجهيزات القتالية. غير أنه كان من الصعب معرفة العدد الدقيق لقتلى العدو وجرحاه. وقتل ثمانية مدنيين في (تيفرين) بنتيجة القصف الجوي. قامت نساء (تيفرين) بدفن شهداء المجاهدين الذين استشهدوا فوق ساحة الشرف، وذلك في اليوم التالي للمعركة (يوم ٢٥ تشرين الأول - اكتوبر ١٩٥٧). وكانت المجاهدة (حماني عادادا) في طليعة تلك النسوة، ومعروف أن السلطات الاستعمارية قد اعتقلت بعد ذلك المجاهدة (حماني) وبقيت في السجن حتى نهاية الحرب. حمل الرجال جرحاهم على أكتافهم، وغادروا (سيدي مسعود). وتوجهوا إلى قرية تبعد ثلاثين كيلومترا عن (تيفرين).

стр. 2178

٥ - معركة جبل (منور) (*) هجر المستوطنون الافرنسيون مزارعهم ليحولوها إلى مراكز عسكرية تنفيذا للسياسة التي وضعها (لاكوست) في إطار تمشيط البلاد - مسحها، وتقسيمها إلى مربعات (كادرياج) يتم التفتيش فيها مربعا بعد الآخر. واتفقت قيادة المجاهدين في المركزين المتجاورين: (مسكرة) و (المحمدية) - أي المنطقة السادسة والمنطقة الرابعة من الولاية الخامسة - على تنسيق عملياتهما القتالية - العسكرية - والقيام بهجوم عام على المدن والقرى في المنطقتين، في يوم واحد وهو يوم الأحد، وذلك بهدف إثارة الذعر، ونشر الرعب، في وسط الاستعماريين، حتى وهم في عقر ملاجئهم، وكذلك إزعاج الاستعماريين في منتجعاتهم ومراكز لهوهم وعبثهم وأماكن الترفيه في وقت فراغهم مثل (المسارح ودور السينما والمسابح والدوائر الرسمية). وتنفيذا لهذه العملية، كان على الكتيبة الثالثة - في المنطقة

стр. 2179

السادسة - بقيادة الملازم (سي محمود) أن تقوم بمجموعة من الهجمات في (مسكرة) وضواحيها: (تيغنيف) و (سونيس) و (البرج) و (هاشم) و (كاشرو). وكان على السرية الثانية من المنطقة المذكورة القيام بالهجوم على (بوحنيفة) و (السيدة) و (شارييه) و (فرانشيتي). أما في المنطقة الرابعة فكان على الملازم (سي رضوان) الهجوم على مدن (سيغ) و (المحمدية) و (روليزاذا) وبقية القرى في الإقليم. واستطاعت قيادة التنسيق في جيش التحرير الوطني إنهاء الاستعدادات والتحضيرات خلال أسبوع واحد، وتم التنفيذ يوم (٢٦ - آب - أوت - ١٩٥٧) في المنطقتين معا. وخاض المجاهدون معركتهم في (مسكرة) ضد عناصر الفرقة المدرعة الخامسة، ودارت رحى الاشتباكات العنيفة في شوارع المدينة، ولقي المجاهدون دعما قويا من الفدائيين المحليين، في حين كانت النساء الجزائريات من أمهات المجاهدين وإخوتهن تطلقن الزغاريد - اليويو - من شرف منازلهن أو من فوق الأسطحة فتستثرن بزغاريدهن حماسة المجاهدين الذين أمكن لهم تكبيد قوات العدو خسائر فادحة. وقتل عدد كبير من عسكرييه ورجال شرطته. وأكدوا له أنه ما من قوة يمكن لها أن تنال من تصميم الشعب الجزائري وجيش تحريره الوطني. قرر القادة الافرنسيون القيام بمحاولة تحدي جرأة جيش التحرير الوطني، والقيام بهجوم على نطاق واسع. وجرت عملية المسح الأولى في (بني الشقران) في وقت كانت فيه قوات كتيبتي جيش التحرير (لا يزيد مجموع أفرادهما عن ٢٢٠ مجاهدا) قد اتفقتا على اللقاء في دوار (حبوشة) بجوار (جباى منور) عند (سي عبد القادر ولد سي الحاج) والذي مات ميتة بطولية، إذ أحرقه الافرنسيون حيا في

стр. 2180

ملجئه بعد أن رفض نداء القوات الافرنسية التي كانت تطلب إليه - بمكبرات الصوات - أن يلقي سلاحه ويستسلم لها. ... قامت قوات العدو بتنفيذ عملياتها الانتقامية الثانية في (جبل منور) وفي منطقة ملاصقة لأماكن تجمع المجاهدين وذلك في يوم (٥ أيلول - سبتمبر - ١٩٥٧) حيث استطاعت قوات العدو تطويق المجاهدين. وهنا أظهر القائدان المسؤولان عن الكتيبتين (الملازم سي محمود) و (الملازم سي رضوان) كفاءتهما العالية، وشجاعتهما النادرة في مواجهة خطر التطويق، فقررا تلقين قوات العدو الاستعمارية درسا لا ينسى. لم تكن طبيعة الأرض صالحة لعمل المجاهدين، إذ كانت تشكل سهلا من (حبوشة) و (غريس) و (روليزانا). ولم يكن أمام المجاهدين إلا خيار واحد هو الوصول بأي ثمن إلى الذروة المربعة الشكل في جبل منور. وأسندت قيادة الكتيبتين إلى (سي رضوان) نظرا لما يتوافر له من الخبرة القتالية حيث سبق له أن عمل ضابطا في الجيش الافرنسي، وتخرج من كلية فرنسا الحربية، وخدم مرتين في الهند - الصينية، عندما كانت الحرب على أشدها في ذلك الاقليم. وأصدر (سي رضوان) أمره إلى كافة المجاهدين بالانقضاض على قوات العدو، والاستيلاء على خط الذرى في (جبل منور). حتى يصبح بالإمكان السيطرة على الموقف، والهيمنة على القوات الإفرنسية. وأمكن تحقيق هذا الجزء من العملية بنجاح رائع. واحتل المجاهدون مواقعهم على خط الذرى في الليل. وانتشر الخفراء والحرس، واتخذت تدابير الحيطة الضرورية.

стр. 2181

تردد في الصباح المبكر صوت أحد الخفراء - المراقبين - وهو يرسل إنذاره (إنذار! قافلة ضخمة من المدرعات تتقدم من اتجاه الغرب - اتجاه مسكرة). ولم يخلص هذا الخفير من أداء واجبه، حتى تردد صوت خفير آخر - فى الاتجاه المقابل - وهو ينادي: (إنذار! قافلة أخرى تتقدم من اتجاه الشرق - اتجاه روليزانا،. ومضت دقائق فقط، وبدأت طائرات (ت - ٦) برمي نيران رشاشاتها على الجبل في محاولة للقضاء على المقاومة في بعض المناطق تمهيدا للسماح للطائرات العمودية (هيليكوبتر - بانانا) بانزال قواتها من المظليين واحتلال النقاط الاستراتيجية. وفهم الأخ المجاهد (سي رضوان) مناورة القادة العسكريين الافرنسيين فأصدر أمره إلى المجاهدين بتركيب الحراب، والتقدم صعدا فوق مجنبات الجبل. وتدخل الطيران بسرعة لإعاقة قوة مجاهدي جيش التحرير الوطني عن بلوغ المرتفعات الجبلية. وحدثت اشتباكات قاسية خسر فيها المجاهدون (١٧) شهيدا. غير أنهم نجحوا في الوصول إلى الخط الذي يريدون بلوغه. ودارت رحى صراع بطولي لمدة ساعتين، غير أن المجاهدين استطاعوا في الساعة (٨٠٠) أن يسيطروا على الموقف سيطرة تامة، وذلك على الرغم من تدخل الطيران، وعلى الرغم أيضا من القصف المدفعي الشديد وعندئذ أصدر (سي رضوان) أوامره إلى كافة المجاهدين، بحفر الحفر الفردية، والاقتصاد في الذخائر. وعدم الرمي على جند العدو إلا عند اقترابهم لمسافة تنقص عن مائة متر عن مواقع المجاهدين. حدد العدو بدقة مواقع المجاهدين على خط ذرى الجبل، فعمل على إجراء عملية تطويق بعيدة، وأحكم الحصار على كافة نقاط المرور. واستقدم قوات دعم من كافة المراكز العسكرية

стр. 2182

القريبة، فجاءت النجدات من: (تيارت) و (سيده) و (روليزانا) و (مسكرة) و (وهران). وأشيع أن قوات لحلف شمال الأطلسي ستقوم بالإنزال فوق السهول المحيطة (تيغنيف) و (روليزانا). قامت المدفعية الثقيلة للعدو بقصف مواقع المجاهدين لمدة ساعتين. وبدأ المشاة بعد ذلك هجومهم، وأخذوا في تسلق مجنبات الجبل، على اتجاه المجاهدين، حيث الأرض مكشوفة وتسمح بقتال الالتحام - جسما لجسم - مع المجاهدين. واستمر الصراع الدموي الرهيب لمدة ساعة كاملة، وتمكن مجاهدو جيش التحرير الوطني من الدفاع عن مواقعهم بحزم، ولم يتمكن ولو فصيل واحد من قوة الأعداء، من الثبات أو الوصول إلى هدفه. وأخذت القوات الافرنسية بالتراجع، وعندها تحولوا إلى أهداف رائعة لنيران رشاشات المجاهدين، كما أخذ مهرة الرماة - القناصة - من المجاهدين، بممارسة مهاراتهم، فقتلوا عددا كبيرا من جند العدو الذين حاولوا البقاء في مواقعهم على مجنبات الجبل وسفوحه. أصيب العدو بالذعر، فطلب إلى مدفعيته الثقيلة بمعاودة قصف مواقع المجاهدين. كما أصدر أوامره إلى قاعدته الجوية (سينيا - في وهران) وقاعدته الأخرى في (تييرسفيل - مسكرة) بالتدخل ضد مواقع المجاهدين. وانصبت حمم القنابل بكثافة رهيبة على الجبل حتى اعتقد الضباط الافرنسيون بأنه لم يبق للمجاهدين وجود فوق المنطقة. فأصدروا أوامرهم، ودفعوا الوحدات للهجوم مرة ثانية. وقاوم المجاهدون مرة ثانية مقاومة ضارية تقدم القوات الافرنسية، وتمسكوا، بعناد مثير، بمواقعهم على خط الذرى، وحافظوا على مواقعهم وخنادقهم. وتوقف هجوم القوات الافرنسية، وأخذ جنود الأعداء يتدافعون في محاولة ليأخذ كل واحد منهم الملجأ الأفضل,

стр. 2183

الذي يحميه. وسمع المجاهدون من مراكزهم صوت قائد إفرنسي يصيح بجنوده: (لتنحرف السرية السادسة قليلا نحو اليمين) ويدمدم الجنود الافرنسيون بصوت يسمعه المجاهدون: (أجل! انحرفوا إلى اليمين قليلا، وأنت تبقى دائما في الخلف!). وتأكد المجاهدون - مرة أخرى - بأن العدو قد أصيب بالإحباط على الرغم من تفوقه الساحق بالقوى والأسلحة والتجهيزات القتالية، وأن الروح المعنوية لجنوده قد بلغت الحضيض. المهم في الأمر هو أن قوات العدو قد ابتعدت، ملتجئة إلى الهضاب المجاورة لتلك التي يحتلها المجاهدون. زج العدو الافرنسي سربا من الطيران الذي قصف مواقع المجاهدين بقنابل النابالم. وأدرك الأخ المجاهد (سي رضوان) أن العدو بات يرفض الدخول مع المجاهدين في قتال جبهي، وذلك على الرغم من تفوقه بالقوى والوسائط، وأنه لجأ إلى الطيران حتى يبعد مجاهدي جيش التحرير الوطني عن مواقعهم القتالية. فأصدر (سي رضوان) أوامره إلى معاونيه بجمع المعلومات عن الموقف، كما أمر المجاهدين بالاستعداد للرد على تدخل الطيران بكافة الأسلحة - الفردية - علاوة على الرشاشات الاجماعية. وبقي المجاهدون في حفرهم الفردية، غير أن الحرارة اللاهبة، والغبار الكثيف، أثقلا على المجاهدين تنفسهم إلا بصعوبة كما نفد الماء من المجاهدين. وتبين أن هناك مجاهدين اثنين قد استشهدا، بالاضافة إلى أربعة جرحى، وأضيف هؤلاء إلى السبعة عشر شهيدا الذين قضوا في معركة الصباح. وبقيت الروح المعنوية للمجاهدين عالية فعاد (سي رضوان) وأصدر أمره من جديد بتشكيل سد ناري ضد الطائرات المغيرة

стр. 2184

بلغت حمى القتال ذروتها في الساعة (١٦٠٠) تقريبا. وقاوم المجاهدون ببطولة نادرة رمايات الطائرات، وأمكن لهم إسقاط عدد منها واحتفظ كل مجاهد بموقعه، وحافظ على هدوئه والتحكم بأعصابه على الرغم من إصابة عدد من المجاهدين بقنابل النابالم، واستشهاد بعضهم. كان المستشار السياسي للكتيبة (الشهيد سي بلقاسم) يغادر حفرته في كل مرة ينجح فيها المجاهدون في إسقاط طائرة للعدو، فيركع على ركبتيه، ويتوجه إلى القبلة - الكعبة الشريفة - ويرفع رأسه إلى السماء مبتهلا: الله أكبر. ولتحيا الجزائر، وليسقط الاستعماريون!. استطاع مجاهدو الكتيبتين اختراق دائرة الحصار، بعد نهار طويل من الصراع المرير. وحملوا على ظهورهم الجرحى الذين كان من بينهم البطل (سي رضوان). واتجه رجال كتيبة المنطقة الرابعة نحو جبل (تيميكسي - الى الشرق من مسكره). ورفع الملازم (سي محمود) قائد كتيبة المنطقة السادسة، تقريره عن المعركة الى القيادة العامة لمنطقته. وقد جاء في هذا التقرير (كان لا بد من فك الاشتباك - وتكبدنا خسائر فادحة - غير أن خسائر العدو كانت كبيرة جدا. لقد أمكن تدمير هيبة العدو، وإحباط روحه المعنوية. وإصابة قواته بالذعر. وهو يتابع أعماله الانتقامية، ويقوم بأعمال المسح. وقد زج قواته في هجوم جديد إلى الشرق من الجبل، في محاولة للوصول إلى موقع الكتيبة - جنوب روليزانا - وأسر الجرحى). ومضى يومان على معارك ذلك النهار الظافر، عندما حقق العدو نجاحا في اكتشاف مستوصف للمجاهدين يقع في السهل، عند دوار القنطرة، حيث قرية (سيدي محمد بن عودة) وكان هذا

стр. 2185

المستوصف يضم عددا من الجرحى، بينهم المجاهد الملازم (سي رضوان) والذي كان مصابا بحروق من نار قنابل النابالم. ما إن علمت قيادة عمليات العدو بهذا الخبر حتى هتفت لما أحرزته - من نصر: وأسرع ضباط القيادة العليا للجيش الافرنسي نحو المكان لرؤية هذا الملازم الشهير باسم (سي رضوان) والذي أحبط لهم مخططات عملياتهم في مقاطعته، من خلال ما أحرزه من انتصارات عليهم في اشتباك المحمدية (بيريغو قديما) في سنة ١٩٥٦، وفي معركة (براهما) وكمين (تيارت) ومعركة (أوارسنيس). وكان الملازم (سي رضوان) قد نجح في إدخال المجاهدين إلى معسكر الجنود الافرنسيين في (بيريغو) وهم متنكرون في ثياب مفرزة من رجال الشرطة العسكرية الافرنسية. وبذلك استطاع المجاهدون استخدام نيران رشاشاتهم للرمي على المسرح والسينما وغيرهما. فنشروا الرعب في كل مكان - لاسيما في وسط المستوطنين الافرنسيين (الكولون). كان من بين الضباط القادة الذين جاؤوا لرؤية الملازم (سي رضوان) العقيد (غاسك) قائد الكتيبة (٢٠) من قوات المظليين المغاوير (كوماندو - باراشوتيست) ومعه ملازمه قاتل المدنيين (باسيلي) المكلف بعمل المكتب الثاني (الاستخبارات العسكرية) والذي أطلق على نفسه اسم (ابن عزيز) بهدف خداع المسلمين وتضليلهم. وكان هذا الضابط الافرنسي قد أظهر وحشية في تعامله مع أهالي (تيمازينا) وقتل بلؤم ونذالة (٥٢) مدنيا. وكان خلال خدمته في مركز النقل والفرز (مزرعة شابو قديما) قد عمل على قتل

стр. 2186

أكثر من ألف مدني جزائري. ومن أساليبه القذرة أنه كان يأمر المدنيين بالعدو - الركض - أمامه، ثم يرميهم بنيران رشاشه في ظهورهم. ويعلن بعدئذ أنه قتلهم (خلال محاولتهم الفرار). بدأ ظباط الاستخبارات الافرنسيون (المكتب الثاني) باستجواب الأخ (سي رضوان) الذي شعر مرة بالعطش فطلب إعطاءه جرعة ماء من الجندي الإفرنسي الذي كان يقف لحراسته. غير أن العقيد (غاسك) أجاب بلهجة جافة، وبصوت عال: (لا - ولا نقطة ماء) وأدار المجاهد (سي رضوان) رأسه المحترق، ونظر إلى هذا الضابط القائد، وقال له: (ابتعد عني، أيها اللئيم القذر، إنك لا تخجل من نفسك! إنك لست رجلا جديرا بحمل اسم الرجل، بل ولا حتى بحمل رتبة ظابط. بالأمس فقط، وأثناء الاشتباك، كنتم تختبئون بين نسائكم. والآن تجد في نفسك الجرأة لإصدار أوامرك ضد جريح من جرحى الحرب. وكان لزاما عليك قبل كل شيء أن تظهر جرأتك أمام رجالك). وأعقب ذلك تبادل الهمسات المسموعة في وسط الضباط الافرنسيين. توفي المجاهد الملازم (سي رضوان) بعد ذلك بأسبوع، متأثرا بجراحه، ودفن في (روليزانا) إلى جوار قبر القائد (زغلول). من أنه بقي حيا في ذكراه بين إخوانه مجاهدي المنطقتين الرابعة والسادسة، سواء هؤلاء الذين عرفوه عن قرب، أو أولئك الذين لم يعرفوه إلا عن بعد.

стр. 2187

٦ - المقاومة في (بوهندس) (*) عندما أقبل شهر أيلول - سبتمبر - ١٩٥٧. كان قد مضى على الثورة الجزائرية ثلاث أعوام تقريبا من يوم اندلاعها في الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤، ففي ذلك اليوم التاريخي، قررت الطليعة الثورية حمل السلاح من أجل وضع حد لليل الاستعمار المظلم، وتمهيد السبيل أمام الشعب الجزائري لإقامة دولته التي تجسد له سيادته. وفي تلك الفترة من سنة ١٩٥٧، كانت الثورة قد قطعت شوطا بعيدا عن بداياتها الصعبة. واستجاب الشعب بكل فئاته لنداء الثورة، وأقبل بشكل إجماعي على التطوع لدعم حرب التحرير الوطني. لم تكن (الجروة) في الولاية الرابعة متخلفة عن الركب الثوري الذي سارت فيه شمال - قسنطينة واوريس ووهران ومنطقة القبائل الكبرى. وكان قد مضى عام تقريبا على تطبيق ما تم اتخاذه من مقررات في (مؤتمر الصومام) بنجاح رائع، فأقيمت المجالس

стр. 2188

الادارية في الولاية والأقاليم - المناطق - والمقاطعات منذ اجتماع الولاية فى أيلول - سبتمبر - ١٩٥٦. وأخذت المجالس الشعبية في ممارسة دورها المتعاظم يوما بعد يوم، في التأثير بالحياة اليومية لجماهير الشعب. ونظمت في مناطق (باليسترو) و (بليدا) و (مليانة) قوات من الوحدات المختارة من المغاوير. واستطاعت هذه الوحدات إلحاق الهزائم المتتالية بالقوات الافرنسية في كل أنحاء الولاية. وأكدت الولاية الرابعة بذلك أنها قادرة على منافسة بقية الولايات في تطوير الثورة المسلحة. وهيمنت الحماسة للثورة على كتلة المواطنين جميعهم بمثل ما كانت مهيمنة على المجاهدين في جيش التحرير الوطني. وفي هذه الفترة، نزلت بالقوات الافرنسية خسائر فادحة، فأخذت القيادة الاستعمارية في الاستعداد لإبادة قرية وإزالتها من على الأرض الجزائرية، ووقع الخيار على (دشرة بوهندس) التي تعرضت للإبادة في يوم الجمعة من أيام شهر أيلول - سبتمبر - ١٩٥٧. لم يكن فصل الخريف قد أطل على الجزائر، غير أن رياحه قد أخذت في حمل بشائر وصوله إلى الجبال: فاصفرت أوراق الأشجار، واضطرت الثمار التي لم تنضج بعد إلى تأخير نضجها حتى وقت متأخر يقع بين فصلي الصيف والخريف (الثمار الرجعية). وكانت (بوهندس) تحتل ضهرة في الأطلس البليدي. وتستند في ظهرها إلى نهر الشريعة الذي يشق طريقه عبر سهل صغير تحيط به الغابات. وهو المنظر الذي كثيرا ما تقع عليه العين في الجزائر، فهنا غابات كثيفة، وهناك منطقة سهلية مفتوحة، تفسح المجال لظهور الشجيرات القصيرة التي تنبت فوق تربة رملية أو أرض صخرية تفتقر إلى الانتظام في استقبال المياه الشتوية.

стр. 2189

وقد سكنت في قرية (بوهندس) مئات العائلات التي اعتادت على العيش على الزراعة الموسمية، وزراعة الأشجار المثمرة، ولم تكن (بوهندس) تفتقر إلى الماء، فالماء فيها متوافر. غير أنها أخذت في العيش اعتبارا من سنة ١٩٥٧ لقضية الثورة، بأكثر من عيشها لأمور حياتها اليومية. فالضهرة كلها تعيش من أجل الجهاد والصراع، وهذا ما أنساها أمورها المادية الثانوية، ولم تعد تظهر تجاهها أي اهتمام، وأدى بها ذلك إلى أن تصبح أكثر يسرا، وأقل معاناة من الصعوبات. وأخذت (الضهرة كلها) تعيش على مثلها الأعلى الذي كانت تعيشه الجزائر. أما (بوهندس) فقد باتت قادرة على تأمين الطعام لا لسكانها فقط، وإنما لقوات جيش التحرير الوطني التي كانت تنزل على ضيافة القرية، عندما تضطرها الظروف إلى اللجوء إليها. ولم تكن قلوب الفلاحين في هذه الفترة منفتحة على الزراعة، بل أصبحت هناك قضية أكثر خطورة، وأكثر أهمية تملأ قلوبهم وتشغلهم. وعلى هذا فقد أخذوا في تنظيم قريتهم (بوهندس) حتى تتكيف مع ظروف الحياة الجديدة. واعتبرت القرية أن الحياة السابقة التي كانت تعيشها هي نموذح من العيش لا يمكن قبوله، في حين يندلع الصراع في كل مكان ضد القمع وضد الضغط، وضد المعتصبين الغرباء الذين أرادوا إخضاع شعب أبي بالقوة، وتجريده من فضائله وشرفه بفرض قوانينهم على أرض الآباء والأجداد وقام أهل (بوهندس) بتنفيذ مجموعة من الأعمال، قدر استطاعتهم؛ مثل حفر الملاجىء وتنظيم مجموعات الأنصار - المسبلين - القادرين على تحويل حياة الغزاة إلى جحيم وبؤس مقيم، مع تأمين الدفاع الداتي عن أنفسهم وتنظيم حرس يقظ باستمرار. وتقديم الأدلاء - الكشافين - لقوات جيش التحرير الوطني

стр. 2190

حتى تستطيع توجيه ضرباتها إلى قوات العدو، من غير أن تصاب بضرر أو أذى. هذا بالاضافة إلى استئصال شأفة الخونة والعملاء. وجمع المعلومات الدقيقة عن كل ما يتعلق بالصراع حتى اشتهر أهالي (بوهندس) بأنهم من أكثر الناس كفاءة وقدرة في أعمال الاستطلاع. وكانت هذه القدرة الكامنة في مقاومة العدو تبرز يوما بعد يوم وكان ذلك لسوء الحظ سببا في اتخاذ الاستعماريين قرارهم بشأن مصير (بوهندس). غير أن هذا القرار لم يدخل الخوف إلى قلواب هؤلاء الجزائريين الشجعان، الذين كانوا يحبون أرضهم، وشعبهم، وجيشهم، حبا لم تعرفه إلا قلة من الشعوب المتمسكة بأصالتها وفضائلها. ولم تكن هذه (الدشرة) تخشى أبدا أن تستيقظ يوما على مصير كمصير أختها (قرية الجرة) التي دمرها الاستعماريون في سنة ١٩٥٦. وتبلورت في وسط القرية خلال هذه الفترة أمنية، وهي أنه إذا كان لا بد من الموت، فيجب مقاومة الاستعماريين حتى لا يأخذوا القرية على حين غرة، ويبيدوا أهلها بنذالة وجبن، وبحيث يستطيع الرجال المقاومة حتى الاستشهاد وأسلحتهم في أيديهم. لقد ماتت (بوهندس) يوم الجمعة من أيام شهر ايلول - سبتمبر -. ولكنها ماتت كما أراد أهلها وتمنوه وكانت ميتتها على أيدي الأنذال الحاقدين من مظليي الفرقة العاشرة لقوات المظليين الافرنسيين والذين اجتاحوا في طريقهم وأزالوا عشرات المشاتي. والتي شيدها أهلها بجهدهم وعرقهم يوما بعد يوم وسنة بعد سنة، حتى أصبحت وافرة الظلال، كثيرة الخيرات والثمرات. ولم يكن تدمير هذه (المشاتي) إلا برهانا جديدا على بربرية الاستعماريين،

стр. 2191

وحقدهم الدفين على شعب يعمل على استرجاع حقه الذي لا ينكر في حياة هو جدير بها وأهلا لها. لقد ماتت (بوهندس) يوم الجمعة من أيام شهر أيلول - سبتمبر -. وفي عشية ذلك اليوم، أو بالأحرى في صباحه، كانت قد استقبلت المغاوير الفدائيين الشهيرين (بمغاوير باليسترو) والذين لم يصلوا إلى (بوهندس) إلا بعد مسيرة شاقة. وكانت (الضهرة كلها) قد وقفت على قدم وساق لاستقبال أبنائها المغاوير الذين دفنوا قوات العدو في (زبار بار) و (وادلاكرا) وأماكن أخرى كثيرة - ولم تكن (بو هندس) تتسع لفرحتها قادرة على استيعاب فرحتها أو احتواء بهجتها وهي تستقبل مجاهديها الظافرين لقد كانت سعادتها أكبر من قدرتها على الاحتمال. أخيرا! رأى أهل (بو هندس) عددا من القادة الذين طالما رددوا أسماءهم على شفاههم وتناقلوا أخبارهم، وأحبوهم من غير معرفة بهم. لقد وقف أهل (بو هندس) شيبا وشبابا، رجالا ونساء وكلهم يريد استقبال الأبطال، والاستماع منهم عن قصصهم، والاستيضاح كيف أمكن لهم الانتصار على الافرنسيين في ذلك الاشتباك، أو تلك المعركة، أو ذاك الكمين الخ ... ؟ ... ولم تتعب (بوهندس)، ولم يتعب أهلها، من سماع ما يرغبون معرفته: لم نكن نعرف الخوف أبدا، كان العدو هو الخائف باستمرار لأنه يحارب ويقاتل من أجل قضية جائرة ومعركة خاسرة. اشتهرت (بوهندس) بطبيعتها الجميلة، وكان على قائد الفدائيين المغاوير مشاهدة هذه الطبيعة مع بزوغ فجر اليوم الذي وصل فيه للقيام باستطلاع المنطقة، وكانت (الضهرة) تقع تحت هيمنة المنحدرات الحادة للذرى الواقعة فيما وراء الشريعة. وتقع

стр. 2192

(بوهندس) في أسفل السفوح حيث يمر نهر يشق طريقه عبر الوادي الذي يحتضنه. وإلى يمين الضهرة، حيث اتجاه الغرب، يصعد الطريق المتعرج (الاستراتيجي) والذي يصل (الشفة) بمدينة (المدية) ويتفرع عن هذا الطريق عدد من الدروب والسالك التي تصل إلى الذرى المهيمنة على (بوهندس). ... اتخذت كافة ترتيبات الحيطة والأمن: وتمركزت الرشاشات في أماكنها، كما انتشر الفدائيون والمجاهدون يحملون بواريدهم في الأماكن المناسبة لهم. ونظمت الدوريات. وكان لا يزال أمام مجاهدي المغاوير متسع من الوقت للاختلاط برجال (الضهرة). وفي هذا اليوم خصصت النساء وقتهن لسخرة الغسيل، فمضين منذ الصباح المبكر لجمع ما يمكن تنظيفه وغسيله. هذا فيما خصصت فترة بعد ظهر يوم الخميس لعقد اجتماع سياسي يتم فيه الاتفاق ما بين قادة المغاوير، وقادة المجاهدين المحليين وقادة الفدائيين على خطة العمل في الولاية. وفي هذا الاجتماع، تمت عملية تقويم النجاحات التي حققها جيش التحرير الوطني في الولاية الرابعة، مع عرض لإنجازات قوات جيش التحرير الوطني في الولايات الأخرى، وكذلك الموقف السياسي للثورة. ونوقشت الأساليب التعبوية (التكتيكية) للعدو، وما يعانيه هذا العدو من عزلة ديبلوماسية. لقد كان الصراع المسلح لجيش التحرير يحقق كل يوم انتصارات جديدة وكان على المجاهدين طرح بعض المسائل، وعرض الصعوبات التي يصطدمون بها، وتقديم وجيز عن الدروس المستخلصة من تجربتهم القتالية في حربهم الثورية. وتحدث المسؤولون في (بوهندس) عن التحولات التي طرأت على

стр. 2193

حياتهم، وعن التدابير التي تم اتخاذها ضد القصف الجوي للعدو (إقامة الملاجيء). وكذلك عن تدابير الحيطة والأمن التي تم اتخاذها، وهجماته المسبلين على مزارع المستوطنين. وقدموا تقريرا عن نشاط الأدلاء والخفراء المراقبين. وانتهى الاجتماع بقراءة تقرير عن الدعم الذي يقدمه الشعب بفئاته المختلفة لقوات الثورة، وتقويم ظاهرة التضامن المثيرة بين كل قوى الشعب للوصول إلى أهدافه في السلام والتقدم. انصرف بعد ذلك كل واحد للقيام بالأعمال التي يتطلبها الموقف. أما قائد المغاوير الفدائيين (علي خوجه) فقد مضى في سبيله لتفتيش المجاهدين القائمين بواجب الحراسة، وتفقد المسبلين - الأنصار - الذين تمركزوا بعيدا عن (الضهرة). واقترب المساء، وغابت الشمس كعادتها وراء الأفق، وهبط الظلام، وكان وجود المغاوير الفدائيين كافيا لتبديد أية مخاوف - إن وجدت - بين سكان الضهرة، وجلب الطمأنينة والسكون إلى نفوسهم. عندما أنهى قائد المغاوير الفدائيين جولته، توجه إلى مشتى المسؤول عن عقد الاجتماع الشعبي للمسؤولين في مجالس الولاية عن المنطقة الثانية والإقليم الثاني ممن كانوا حضورا في (بوهندس). وما أن بدأ النقاش السياسي في الاجتماع حتى وصل أحد الأنصار - المسبلين - فأعلم المساعد: بأن هناك حركة كثيفة لرتل عدو يضم دبابات وعربات مدرعة نصف مزنجرة (هاف تراك) ومركبات كبيرة لنقل الجند (كميونات). وأن هذا الرتل يسير على الطريق المتفرع عن طريق (المدية). وأن كل الآليات تسير وهي مطفأة الأنوار بالرغم من ظلمة الليل. ولم تمض أكثر من دقائق قليلة حتى أقبل مسبلان - نصيران - وقدما تقريرهما عن مشاهدتهما

стр. 2194

لتحركات قوات راجلة، لوحدات من المشاة - تسير على امتداد الوادي، وعلى خط ذرى الجبال. وفي هذا الوقت ذاته انفجرت نيران غزيرة على الذرى، فأكدت المعلومات عن قيام العدو بالهجوم. واستعد الفدائيون المغاوير لخوض المعركة خلال دقائق قليلة. واستدعى قائد المغاوير الفدائيين إليه، من كان حاضرا من المسؤولين، وطلب إليهم إبداء وجهات نظرهم في السلوك الواجب اتباعه لمجابهة الموقف. وأثناء ذلك توافرت معلومات أكثر دقة أكدت أن هدف العملية الافرنسية هو تطويق المنطقة المحيطة بقرية (بوهندس). ويظهر أن العدو كان يجهل وجود المغاوير الفدائيين في المنطقة، وأن ما تم تنفيذه في هذه الأمسية - الخميس - هو استعداد لعملية تمشيط - مسح - استعدادا لعملية اليوم التالي -الجمعة -. وكانت الاقتراحات التي قدمها المسؤولون تتركز حول حلين:...الأول هو الإفادة من ظلمة الليل لاختراق دائرة الحصار وتركيز الجهد الرئيسي للهجوم من أجل تحقيق الهدف الرئيسي وهو إحداث ثغرة للوصول إلى النهر. أما الحل الثاني، فهو البقاء في دائرة الحصار، لمجابهة قوة العدو في منتصف اليوم التالي - الجمعة - وتكبيدها أفدح الخسائر. وكان رأي المسؤول في (بوهندس) هو الرأي الحاسم إذ قال: (بأن الإفادة من ظلمة الليل لاجراء الاختراق هو - بالنسبة لجيش التحرير الوطني - بمثابة انسحاب من (الضهرة) وتعريضها لانتقام تجار الحروب. وإذا كان لا بد من الموت، فيجب أن نموت بشرف في ميدان القتال). واتخذ المغوار (علي خوجة) قراره، وذلك بالدخول في معركة مكشوفة مع العدو، وقبول التحدي المفروض، وقام (علي

стр. 2195

خوجة) بإملاء أوامر القتال، واتخاذ المواقف القتالية كالتالي: أولا: إذا زج العدو الكتلة الرئيسية من قواته عبر الذرى والمجنبة الغربية، فانه يجب على المغاوير الانتشار على امتداد النهر والمنحدرات الشرقية. ثانيا: يجب على المغاوير قتال العدو فوق كل شبر من الأرض عند تقدمه من خط الذرى نحو الوادي. ثالثا: على المغاوير الانقسام إلى زمر. عند التحرك إلى نقطة الازدلاف - الاجتماع - الكائنة على خط الذرى. والانتقال من هناك إلى النهر، وعلى كل زمرة أن تصطحب معها واحدا من المسبلين - الأنصار - ليعمل دليلا للزمرة. بقيت النقطة الأكثر حساسية في الموقف، وهي التفكير بمصير النساء والأطفال والشيوخ من أهالي (بوهندس).وقد تمسك المسؤولون في (الضهرة) بموقفهم تجاه هذه النقطة ولم يتراجعوا عنه: يبقى العجزة والنساء والأطفال في الملاجىء. أما بقية الرجال من غير العجزة، فيبقون مع رجال جيش التحرير ويتبعونهم، سواء كانوا يحملون أسلحة أو لا يحملونها .. وعندما نوقشوا فيما يتضمنه هذا الموقف من الخطورة، كان جوابهم: بأنه من الأفضل لهم أن يستشهدوا في ميدان الجهاد من أن يقتلوا غيلة وفي مواقف الضعف والجبن. مضت ساعات ليلة الخميس - الجمعة متثاقلة بطيئة، واستسلم كل واحد إلى أفكاره وتأملاته: ترى ماذا سيحل بقرية (بوهندس)؟ ... وهل سينجح العدو في اكتشاف ملاجىء النساء والأطفال؟ ... وهل أن القرار الذي تم اتخاذه هو القرار الأمثل والأفضل، أم هناك حلول أخرى؟ .. إن المغاوير الفدائيين لا

стр. 2196

يعرفون الطبيعة الطبوغرافية للمشتى، فهل كان القرار الذي اتخذه قائدهم استجابة لفكرة لم تدرس بصورة جيدة؟ وهكذا كان تفكير كل واحد موجه إلى ما فيه المصلحة العامة. ولم يكن هناك بينهم من فكر في شخصه، أو في أمر يهمه وحده. كان كل جندي يشعر بنوع من القلق قبل خوض المعركة؛ فهل كان المجاهدون يشعرون بهذا القلق وهم جند الثورة؟ لقد خلق الإنسان في الحياة ليعيشها - يقينا - ولكن في ظروف مغايرة لتلك التي تتطلبها التضحية من كل فرد لرفع راية الجهاد المقدس والذي يخوضه شعب بأكمله. لقد كان دور المجاهد هو الريادة والطليعة أمام حركة شاملة. وقد فرض عليه هذا الدور التاريخي احتمال كافة النتائج، ومجابهة أخطرها، بهدوء مطلق ونكران للذات. وكما يحمل كل واحد في ذاته - أو في الأنا - حوافزه للدفاع عن شخصه وعن ذويه. فقد كان لا بد له من ضمان التجاوزات الضرورية لحدود (الأنا) عندما يتطلب الموقف بعث الأمة التي ينتمي إليها. طلع سحر يوم الجمعة أخيرا. وغمر الضباب الكثيف (بوهندس) وحمل السحر معه نسمات رطبة حلوة أنعشت نفوس المجاهدين. لقد مضت ليلة الاستنفار، وحدث نوع من الراحة والاسترخاء. ثم أقبل النهار مضيئا، مشرقا، يحمل معه أملا متجددا هو: إظهار قوة العقيدة والفضائل التي يتحلى بها المجاهدون. ظهرت طائرات الاستطلاع الأولى في سماء (بوهندس). وأخذت في توجيه الرمايات التمهيدية للمدفعية. ومضت ساعة كانت خلالها مدفعية العدو الرابضة في المراكز المحيطة، تصب ثقل قنابلها لسحق (الضهرة الشهيدة). واشتركت مدافع الدبابات في هذا القصف المركز. وكانت طائرات الاستطلاع تتابع بأجهزتها رصد

стр. 2197

الرمايات وتوجيهها لتدمير ما بقي من (المشاتي) القائمة في (بوهندس). وأثناء ذلك كان (الاستراتيجيون) الذين قدموا (البرهان) على علمهم ومعرفتهم تحت سماء بلاد أخرى، يستعدون الآن لإطلاق وحداتهم المختارة في الهجوم وهذه الوحدات هي (المظليون). ترى ألم تكن فرقة المظليين العاشرة تخشى من التعرض للسخرية، أو الفشل، وهي الفرقة المختارة في (الحرب ضد العصابات) وهم يزجونها للهجوم على (مشتى)؟ ... لقد كلفت فرقة المظليين العاشرة بالاستيلاء على المناطق المحصنة، فتصورت هذه الفرقة أنها ستهاجم منطقة، مثل منطقة (خط ماجينو الذي لا يقهر). وكانت تلك هي المأساة التي عاشتها الأرض الجزائرية. انتهت فترة التمهيد المدفعي، وأصدرت القيادة الإفرنسية أوامرها بتضييق حلقات الحصار حول مشتى (بوهندس). وأسرع المظليون - أصحاب القبعات الحمراء والثياب المموهة - بالتقدم على منحدرات المشتى من كل الاتجاهات. وأصدر قائد المجاهدين أمرا بعدم الرمي على الأعداء - المظليين - إلا عندما يصل هؤلاء الى مسافة (رمي الحجر) من مواقع المجاهدين. وهكذا بدأت حشود العدو بالتقدم، وفي اللحظة المناسبة، فتح المجاهدون نيران أسلحتهم، فتمزقت صفوف المظليين الذين كانوا يهرولون بخطوات متسارعة، وسقط جنودهم على الأرض، وحاول الأحياء منهم التشبث بمواقفهم التي وصلوا إليها، غير أن قيادتهم أصدرت إليهم الأمر بالتراجع، وذلك لإفساح المجال أمام نوبة جديدة من (التمهيد المدفعي) وأخذت القنابل في التساقط بغزارة، وبشكل أعمى، حتى حرثت المنحدرات حرثا بالقذائف. وكانت مجموعات

стр. 2198

الفدائيين المجاهدين تغير ما بين فترة وأخرى مواقعها. وقامت قوات العدو بهجومها الثاني، غير أن الفشل والدمار كانا من نصيب هذا الهجوم أيضا. انقسمت قوة الفدائيين المجاهدين إلى مجموعات صغرى، واحتلت مواقع متباعدة جغرافيا، غير أنها بقيت تعمل كما لوكانت رجلا واحدا، مستخدمة كل قدراتها النارية بكفاءة عالية. فرماة الرشاشات الخفيفة كانوا يستخدمون نيرانهم وكأنهم يعزفون على أسلحتهم لحنا شجيا، تطرب له آذان الرجال الجزائريين. وكان لكل رام من رماة (علي خوجه) طريقته الخاصة في إحكام رماياته، وكان كل واحد يعرف كيف يعزف على أداته الموسيقية الخاصة به، ومتى يجب أن يعزف. ليس ذلك فحسب، بل إن كل مجاهد كان يعرف اللحظة المناسبة التي سيبدأ فيها هذا السلاح أو ذاك في التعامل مع العدو. واكتشف العدو مدى الكارثة التي تنتظره على امتداد الجبهة، وعرف قدرة هذه القوة التي تجابهها قواته والتي تمكت من دفن الانساق الأولى من الهجومين فوق المنحدرات. وإذن، فليست (بوهندس) وحدها في المعركة، فالمنتقمون من مجاهدي جيش التحرير الوطني يقفون سدا بين العدو، وبين الضهرة. وقد أكدوا مرة أخرى أنهم في خدمة شعبهم. اضطرت قيادة فرقة المظليين العاشرة لطلب نجدات جديدة، وقوات دعم إضافية، من أجل مجابهة (مغاوير باليسترو). كما طلبت قيادة قوات العدو أيضا تدخل الطيران، وزج القوات المحمولة جوا. وأظهرت الفرقة العاشرة للمظليين بذلك عجزها عن مجابهة قوة المغاوير التي يقودها (علي خوجة). ارتفع قرص الشمس حتى بلغ السمت تقريبا. وأشارت عقارب

стр. 2199

الساعة إلى الحادية عشرة ظهرا (١١٠٠). ترى ماذا تخبيء بقية النهار لهؤلاء المدافعين عن كل شبر من أرض وطنهم، ويضحون بحياتهم فوق كل موطىء قدم، وهم على ما هم عليه من البؤس، وماذا يخبىء لهم القدر؟ لم يكن الوقت في هذه الفترة يعمل لمصلحة الجزائر، ولكن مقابل ذلك، فإن المحصلة العامة للجهود المبذولة لم تكن صلبية. ألم تثمر هذه المحصلة العامة عن ولادة الجزائر الحديثة من خلال ذلك التلاحم بين الشعب وجيشه؟ ... كانت النساء الطاعنات في السن - العجائز - قد غادرن الملاجىء في هذه الفترة، فالمجاهدون يحتاجون إلى الطعام - بالتأكيد - إذا ما استمرت المعركة. فهل سيتركن ثمار (بوهاندس) حتى يأتي المغتصبون فيقطفونها ويأكلونها؟ ... لقد احتدمت المعركة، وانطلقت النسوة (العجائز) للعمل، يبحثن عن الشهداء، ويوزعن الخوخ والدراق اليابس الذي تشتهر به أشجار (بوهندس)، ويتعرضن خلال ذلك لخطر الموت. ولكن ماذا يمثل الموت لهن عندما يموت الأبناء. مزقت طائرات (ت - ٦) عنان السماء وهي تطلق صواريخها بالعشرات. لكن قدم جيش التحرير الوطني بقيت ثابتة، وأمكن لها خرق بعض الثغرات على المجنبة - الشرقية لطوق العدو. وأمكن الحصول على بعض الغنائم من أسلحة الإفرنسيين. وأعطت (بوهندس) المثل في الشجاعة وحمل السلاح. وكانت كل شجرة، وكل صخرة، تجابه العدو برشقات من الرصاص، فتمزق صفوفه وتكبده الخسائر الفادحة. ولم يكن لقنابل النابالم، أو الصواريخ، أي تأثير في المغاوير المجاهدين الذين يدعمهم شعب مسلح. وتوقف جند العدو عن الهجوم. واكتفوا بممارسة قتال المواقع

стр. 2200

والرمايات من مسافات بعيدة. غابت الشمس، وأمكن للمغاوير المجاهدين فتح ثغرة في تنظيم العدو، وأخذت زمر المغاوير في عبور الثغرة وهي تتبادل الحماية بالتناوب ونجحت عملية العبور. ورافق المسلحون من (بوهندس) قوات المغاوير في عبورهم. وانتهت عملية تجميع القوات في الليل. وكان لا بد من الاستدارة حول قوات العدو الذي أخذ في تطوير عملياته، عن طريق استدعاء قوات جديدة. واستمر صراع المغاوير المجاهدين مع العدو طوال عشرة أيام، لم يتوقف خلالها القتال في الليل أو في النهار. وخلال هذه الفترة بقيت ثمار (بوهندس) هي الطعام الوحيد لعدد كبير من المجاهدين الذين كانوا يتناولون الثمار مع بذورها حتى يحافظوا على قوتهم، ويسدوا بها رمقهم. خسر المجاهدون في هذا الصراع المرير عددا من شهدائهم، وأصيب عدد منهم بجراح. وكان المجاهدون يحملون معهم قتلاهم حتى لا تتاح للعدو فرصة تدنيس هذه الأجاد الطاهرة التي سقطت حتى تعيش الجزار. واغتيك (بوهندس) وزالت من الوجود. ولكن (بوهندس) لم تمت في الحقيقة غيلة، وإنما فضلت أن تدمر وهي تقاتل. إن (بوهندس) لم تمت إلا لتعود من جديد مزهرة في ربع الحرية. وتمشي الحرب، وتبت سفوح (بوهندسس) في كل ربع زهور ثقائق النعمان الحمراء. إنها زهور تحمل لون الدم الأحمر القاني. إن هذه الزهور التي تغطي المطقة في الريع شتمد غناءها من دم الأبطال المجاهدين إبناء الشعب.

стр. 2201

حطام طائرة أسقطها جيش التحرير

стр. 2202

٧ - معركة (الأوراس) (*) استمرت معركة الأوراس لمدة ثلاثة أشهر، من منتصف شهر آذار - مارس - وحتى شهر حزيران - يونيو - ١٩٥٩. ويعرف كل مجاهد من قدامى المجاهدين أن ذرى الأوراس كانت تعتبر من المناطق المحررة، والتي كانت الدوريات التابعة لجيش التحرير الوطني، وكذلك القوافل العابرة لهذا الجيش، تجد فيها كل ما هو ضروري للتوقف والاستراحة. واستمر ذلك حتى جاء اليوم الذي قرر فيه ضابط طموح (برتبة عقيد) الاستيلاء عليها. وقد صرح هذا الضابط في بداية سنة ١٩٥٩، أنه على استعداد لتسليم الأوراس بكل من فيها، إلى فرنسا، بشرط واحد هو: أن تترك له حرية العمل العسكري لإدارة العمليات بطريقته، مع ما يتبع ذلك من مضاعفة للقوات التي سيتم زجها في العمليات. توافرت معلومات لقيادة جيش التحرير الوطني - في بداية شهر آذار - مارس - ١٩٥٩، أن حكومة (باريس) منحت العقيد (شارل)

стр. 2203

صلاحيات مطلقة لإدارة الحرب في الأوراس. وأن هناك قوات دعم قد تم سحبها من كل أنحاء الجزائر، لتنفيذ العمليات، علاوة على تلك التي كانت متمركزة عند سفوح الأوراس، أو على مقربة منه. ومضت أيام قليلة، وأقبل منتصف شهر آذار - مارس - وأصبح باستطاعة العقيد (شارل) أن يزج بثقل قواته للهجوم على الأوراس. وقد يكون من المؤسف حقا عدم توافر معلومات دقيقة عن حجم هذه القوات، وعلى كل حال، فقد قدرت في حينه بقوة (٢٠) ألفا، وأحيانا ارتفعت إلى (٣٠) ألفا. وزادت على ذلك في بعض التقديرات خلال مراحل معينة. إذ كانت قوات الدعم تتدفق باستمرار طوال المعركة المديدة. ويكفي هنا القول بأن الأوراس لم تكن مقر قيادة عسكرية لجيش التحرير الوطني - فقط - أو مجرد مركز لإمداد قوات جيش التحرير الوطني فحسب، وإنما كانت أيضا القاعدة الصلبة الوحيدة لقوات جيش تحرير الوطني في الشمال الغربي من الجزائر. ويصبح من السهل على هذا الأساس التأكيد بأن حجم القوات الإفرنسية لم تكن أقل أبدا من التقديرات التي سبق ذكرها. كان العقيد (سي محمد بونعمة) هو القائد المسؤول عن العمليات في الأوراس. وكان الأوراسيون يعتبرونه أبا لهم. وينظرون إليه بتقدير واحترام كبيرين، نظرا لما كان يتوافر له من الفضائل وأبرزها عبقريته الكبرى في المجال الاستراتيجي. وقد عمل العقيد (سي محمد بو نعمة) على تقويم قوات العدو، مع مقارنتها بما يتوافر له من القوات، ووصل إلى نتيجة وهي أنه وقوات الحرس التابعة له يجابهون موقفا عسيرا ; وأنه من المحال عليه الصمود بصورة عملية لأكثر من أيام قليلة - لا تتجاوز الأسبوعين في أفضل الظروف -. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار ما كان يتوافر لقوات

стр. 2204

جيش التحرير من مميزات، أهمها سيطرتها على المواقع الاستراتيجية الرائعة في ذرى الأوراس المنيعة، والتي تضم إليها عشرات الكهوف والمغاور التي كانت معاقل حصينة للثوار المجاهدين. ولهذا قرر استنفار كافة كتائب جيش التحرير الوطني القريبة منه (والموجودة في الولاية الرابعة) بالإضافة إلى تلك المجاورة له (في الولاية الخامسة). مضى يومان فقط، ووصلت إلى الأوراس ثماني كتائب من قوات جيش التحرير الوطني. وبالرغم من ذلك، فقد بقيت المقامرة في دخول المعركة كبيرة، وكانت الثقة في كسبها غير مؤكدة. لا سيما وأنها كانت بالنسبة للعقيد (شارل) مصيرية. ولهذا فإنه كان مستعدا لزج كل شيء من أجل كسب كل شيء. وكان لديه آلاف الجنود الاستعماريين الذين حقنهم بالمواد الطبية التي تفقدهم أحاسيسهم، وأغرقهم بالمشروبات الروحية القوية، فباتوا كتلا متحركة - ومحرومة من المشاعر والأحاسيس الإنسانية. وعرف المجاهدون ذلك، غير أن هذا الأمر لم يكن يخيفهم، لأنهم كانوا يعتمدون على قوة المواقع التي يمسك بها جيش التحرير الوطني والتي تمكنهم من مجابهة هجمات القوات الأرضية بكل ثقة وارتياح غير أن ما كان يخيفهم بحق هو هجمات القوات الجوية الإفرنسية. لم تكن الكتائب الثماني التي وصلت إلى الأوراس، أكثر من مقدمة للدعم، فقد استمرت الإمدادات والنجدات في التدفق من (بليدا) و (تيارت) و (زكار). كتائب تتبعها كتائب. تتدفق من كل مكان، يدفعها تصميم عنيد على إنقاذ الأوراس أو الموت دونها. كانت تلك الليلة هادئة؛ وكان هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة

стр. 2205

نذير شؤم: لم تطلق في الليل ولو طلقة واحدة، ولم تظهر حركة كبيرة أو صغيرة تعكر صفو الصمت المطبق. ولكن آلافا من الشعلات الصغرى كانت تندلع هنا وهناك في معسكرات العدو البعيدة عن مواقع المجاهدين بمسافة كيلومترات عديدة، وكانت لهذه المشاعل دلالاتها، إنها تشير بالتأكيد إلى أن الفجر سيكون موعد الهجوم، وليس الفجر ببعيد. وصل إلى المجاهدين، وهم في مواقعهم، هدير يصم الآذان، وظلمة الفجر لا زالت قاتمة، فهل قامت القيامة ووصل العالم إلى نهايته؟ لقد ظهرت في السماء مئات الطائرات - من قاذفة ومطاردة - قادمة من جنوب - غرب الأوراس، فحجبت الأفق، ولم تمض أكثر من ثوان قليلة حتى حجبت سحب الطائرات السماء، ومنعت بواكير ضوء النهار من الوصول إلى الأرض لقد أظلمت الدنيا من حول المجاهدين الذين شاهدوا مئات وآلاف الأطنان من القنابل وهي تتساقط على رؤوسهم، واستمر هذا القصف الوحشي حتى منتصف النهار تقريبا. ومع الساعة الحادية عشرة (١١٠٠). بدأت القوات الاستعمارية زحفها وهي واثقة من النصر. لقد كانت هذه القوات تتقدم على شكل موجات متتالية، غير أنها موجات لن تلبث حتى تتكسر على صخرة قوات المجاهدين الصلبة الصامدة. تكبدت قوات العدو خسائر فادحة جدا في هجومها الأول - عشرات القتلى - ولكن ما قيمة هذا العدد بالنسبة لتلك الموجات التي لا زالت تتابع تقدمها بالرغم مما ينزل بها من الخسائر. إنها موجات من الجنود الذين يتقدمون للإنتحار، إنهم جبناء حشوهم بالعقاقير حتى باتوا كالحمام الذي يندفع نحو بارودة الصياد - هذا إذا جاز تشبيههم بطيور الحمام الوديعة -. واستمر الصراع نوبا بين القوات

стр. 2206

البرية والقوات الجوية، فكان كل تراجع للقوات الأرضية يعقبه قصف جوي كثيف، يتكبد المجاهدون فيه خسائر فادحة. وعلى هذا النحو انقضى النصف الثاني من شهر آذار - مارس -. وأقبل شهر نيسان - إبريل - ١٩٥٩. والطرفان المتصارعان يقفان عند النقطة التي بدأ منها الصراع. ومئات القتلى من الأعداء يقابلهم مئات الشهداء من المجاهدين. ولكن شيئا واضحا وأكيدا بات يبرز للوجود، وهو أنه ليس من السهل على الاستعماريين الاستيلاء على الأوراس، لا سيما وأن سيل الإمداد بالمجاهدين والذخائر والإسعافات الطبية، استمر في التدفق على مجاهدي الأوراس، من كل مكان. أصبح موقف المجاهدين حرجا للغاية في شهر أيار - مايو - ١٩٥٩، فقد ارتفع عدد الشهداء في صفوفهم إلى أكثر من خمسمائة شهيد واستمر المجاهدون في القتال من خنادقهم ومواقعهم الحصينة وهم يرددون: (آه! لو لم يكن هناك طيران. وإننا نعتقد أننا مدينون كثيرا لمواقعنا الاستراتيجية، إذ لولاها لما بقي واحد منا على قيد الحياة). وقد أصبحت الأرض من حول المجاهدين مغطاة بالمحطومات، حتى لم يعد يظهر منها إلا حديد الطائرات التي تم إسقاطها، والآليات التي تم تدميرها. هذا بالإضافة إلى الجثث التي لم يتمكن العدو من إخلائها فباتت تغطي سطح الأرض منذ أسابيع عديدة. وأخذت هذه الجثث النتنة في إفساد رائحة الجو الذي دنسته من قبل طائرات العدو، وما تحمله من أسلحة الإبادة. مضى شهران على هذه المعارك الطاحنة، وفي نهاية شهر أيار - مايو - قرر العقيد الافرنسي (شارل) وضع حد حاسم لهذا القتال المتواصل. فقذف بكل قواته ضد قوات جيش التحرير الوطني في

стр. 2207

الأوراس كلها. وبات من المحال على المجاهدين البقاء في خنادقهم، إذ ظهر لهم أنه من الأفضل إيقاف هجمات العدو بهجمات مضادة، وبصورة جبهية في العراء. فكان يحدث في بعض الأحيان قتال الالتحام - جسما لجسم - بطرائق مثيرة ورهيبة. واستخدم الفدائيون المجاهدون أساليب تعبوية - تكتيكية - مبتكرة، إذ كانوا يبتعدون بزمر صغيرة عن كتلة القوات الرئيسية، ويسمحون لقوات العدو بتطويقهم وهي تعتقد أنها ستحصل، أو بإمكانها الحصول، على عدد من الأسرى. وعندها يقع جند العدو في الكمين، وتنطلق رشات الرصاص من كل الأسلحة الخفيفة، وعلى مسافات قريبة جدا فكان قتال الالتحام جسما لجسم هو وسيلة المجاهدين الوحيدة، لإضعاف قدرة العدو العددية، واستنزاف موارده البشرية: لقد كان الهدف بالاستمرار هو الإفادة من كل موقف لقتل أكبر عدد من قوات العدوان الاستعمارية. كانت الأيام الأخيرة من أقسى الأيام وأصعبها. وكثيرا ما تساءل الجميع: لمن يكون النصر؟ وهل سيكون للعقيد (شارل) ورجاله المجرمين السفاكين للدماء؟ أم للعقيد (سي محمد بونعمة) ورجاله المجاهدين الصابرين - من الفدائيين - الذين هجروا أرضهم والعمل فيها، وتنكروا للرفش والمعول فحملوا البواريد للعمل في جيش التحرير الوطني من أجل الدفاع عن الوطن. تقدم تجربة الحياة شواهد كثيرة على قدرته تعالى في تنظيم الكون، بحيث لا بد للخير في النهاية من أن ينتصر على الشر، ولكن ماذا تستطيع العدالة فعله في قضيتنا هذه للنصر على مئات الطائرات (القاذفة منها والمقاتلة) وعلى المدافع الحديثة جدا.

стр. 2208

لقد كنا نحن المجاهدين نمثل في المعركة (العدالة) و (الحق). ونحن الذين سنحصل على النصر، بالرغم من ضعفنا في التسلح بالمقارنة مع ما يمتلكه العدو. ذلك أننا نقاتل من أجل الدفاع عن قضية تستحق أن نموت من أجلها. وكان هذا الاعتقاد راسخا في أعماق نفوسا، في حين لم يكن لدى الجنود الاستعماريين مثل هذا الاعتقاد أو القناعة. ومن هنا فقد كنا على استعداد لمجابهة مدافع العدو، حتى لو لم يبق لدينا إلا الحجارة. وقد أدرك العقيد (شارل) ذلك، ولكن بعد فوات الأوان. ولو أدرك ذلك من قبل، وعرفه، لما دفع قواته الاستعمارية إلى الانتحار، حيث سقط من قوتها ما يزيد على ستين بالمائه، فوق ذرى الأوراس الشماء. ولم يقيد لهم بعد ذلك أن يروا نور الشمس أبدا. أجل، عرف العقيد (شارل) ذلك متأخرا، ومتأخرا جدا. ولكنه قبل أن يصل إلى هذه المعرفة الثابتة، حاول أن يقوم بهجوم أخير، مدفوعا إلى ذلك بأنانيته الفردية بالدرجة الأولى، فزج بكل جنده المأجورين الذين أخذوا في التدفق على الأوراس من كل الجهات، وبوسائط متفوقة جدا على تلك التي يمتلكها المجاهدون، واستمرت مدافعهم في قصف متواصل بهدف إضعاف مؤخرات المجاهدين وإعاقتهم عن كل تحرك. وتدخل الطيران بقوة فأعاق المجاهدين عن مجابهة القوات البرية الاستعمارية بكل قوتهم ووسائطهم - المتواضعة على كل حال -. تميز خلال هذه الفترة - بصورة خاصة - مجاهدو (تيارت) الذين كانوا أفضل تسليحا بالأسلحة الثقيلة من سواهم من المهجاهدين وأمكن لهم تكبيد العدو خسائر فادحة في الطيران، غير أنهم لم ينجحوا في دفعه نهائيا، أو منعه من متابعة الطيران فوق المنطقة.

стр. 2209

وعاد السؤال المطروح: هل هي نهاية الأوراس بكل من عليها من مواطنين ومجاهدين؟ لم يكن هناك من يستطيع الإجابة على مثل هذا السؤال بصورة موضوعية، والقضية هنا ليست قضية آمال أو تمنيات. غير أن المجاهدين كانت لهم طريقتهم الخاصة في التفكير، إذ أنهم لم يكونوا يفكرون إلا في قضية واحدة، وهي: الموت في المعركة ولا شيء غير ذلك، وكانت آمالهم وتمنياتهم محددة بطلب أولى الحسنيين (الشهادة)، أما قضية النصر فتبقى مرتبطة بإرادة الله. والشواهد على ذلك كثيرة، يكفي هنا الإشارة إلى حادثة واحدة تبرز هذه الحقيقة التي كانت العامل الوحيد لما تميز به المجاهدون من روح معنوية عالية. كان العقيد (سي محمد بو نعمة) في مقدمة الصفوف دائما، وعلى خطوط النار الأولى باستمرار. وفي يوم أصابه تمزق في أربطة القدم (لي أو التواء في الرسغ) بينما كان يعمل على مساعدة مجموعة من المغاوير الذين وقعوا في مأزق حرج نتيجة التقدم العنيف لقوات الاستعماريين. ووقع العقيد (بو نعمة) أرضا، ثم تحامل على نفسه ونهض، إلى أن وجد لنفسه ملجأ أمينا خلف إحدى الصخور التي تضمن له وقاية أفضل من الرصاصات الطائشة. وفجأة ظهر مجاهد لا يعرف أحد من أين أتى، ولا كيف تقدم، ولم يكن هذا المجاهد يعرف العقيد معرفة شخصية، غير أنه لاحظ طريقته في التحرك، فثارت الشبهة في نفسه، وأخذ في مطاردته، حتى إذا ما أمكنت له الفرصة المناسبة، انقض عليه، وجرده من سلاحه، وظنه هاربا من قوات العدو، ولهذا فانه لم يترك له الفرصة للكلام، ووجه اليه فوهة رشيشه القصير. وابتسم العقيد ابتسامة زادت من توتر

стр. 2210

أعصاب المجاهد الشاب، فكاد يطلق نيران سلاحه ويضغط على الزناد، عندما سمع صوت أحد جرحى المجاهدين وهو يقول له (احذر! قف! إنه العقيد). وخلال ذلك لم تفارق الابتسامة شفتي العقيد، وهو ينظر إلى المجاهد الشاب بإعجاب، وقال له بلهجة أخوية: (إنني أعرف الآن سبب فشل الاستعماريين في القضاء علينا). وصدرت عنه ضحكة طويلة رددت الصخور أصداءها. فكانت ضحكته تحديا للاستعماريين ولفرنسا كلها. وهي ضحكة أكدت أنه ما من سبب يدعو النصر ليكون فرنسيا، إلا إذا أمكن للقوات الافرنسية أسر العقيد (بو نعمة) ورجاله، وأخذهم أحياء لتقديمهم هدية إلى فرنسا. وقد كان من المحال على فرنسا بلوغ ذلك. أخذت مسيرة الأحداث - على مسرح العمليات - في التحول عبر المنعطف الحاسم، وظهر للعقيد (شارل) أنه بات في موقف لا يحسد عليه، فأخذ اليأس يهيمن عليه، بالرغم مما كان يملكه من تفوق في ميزان القوى - أو حتى بما بقي له من فضلات ميزان القوى - وبالرغم أيضا من دعمه بأحدث الأسلحة المتطورة، وأشد الوسائط القتالية الفتاكة. طور جيش التحرير الوطني في هذه الفترة أساليبه القتالية - التكتيكية - فلم تعد قواته في الاوراس - تقف عند حدود ضد العدو، أو القيام بالهجوم المضاد، ما بين فترة وأخرى. وقد عرفت هذه القوات من خلال تجاربها مع العدو، أن قواته الاستعمارية تجيب على كل هجوم بهجوم مضاد أكثر قوة وعنفا. وكان ذلك يسمح للمغاوير المجاهدين بتدمير قسم من قوات العدو، وإنقاص قوته العددية. ولكن ذلك لم يعد كافيا. ولهذا، فقد لجأ المجاهدون
следующие страницы →