بالرجوع إلى بلده فهرب بالطبع من الجيش فور وصوله إلى الوطن.
وهكذا استمر الحديث ساعات طويلة وهو يدور عن الحرب. وكانوا يتحدثون عن الفرنسيين بمرارة لما يقومون به من تدمير للقرى الآمنة، ولما يمارسونه من تعذيب للسكان المدنيين الذين سقط منها آلاف الضحايا البريئة، علاوة على المعتقلين في معسكرات الأسرى والذين يزيد عددهم في المعتقلات على مائتي ألف، في تلك الفترة، وكانوا يؤكدون لي أن فرنسا سوف تخسر الحرب، وأن الثورة سوف تربحها مهما بلغ حجم الجيوش التي ترسلها
حكومة باريس إلى الخطوط الأمامية، وبالرغم من الموقف اللامبالي أو المساعدات التي تقدمها الدول الغربية، فإن ثقة المجاهدين بالنصر هي ثقة راسخة لا تتزعزع.
بعد القيلولة، في أيام الانتظار والراحة، كنا ننزل نحو الوادي متخذين طرقات من الوعورة بحيث نضطر إلى التمسك بالشجيرات خشية السقوط. وبلغنا بعض الأكواخ، حيث يقيم اللاجئون الذين جاؤوا من وسط الجزائر باتجاه الشرق نحو الحدود التونسية، حيث يجدون الأمن. وبينما ينصرف الضباط الى توزيع الألبسة والنقود، على الرجال والنساء، يجلس الجنود يتجاذبون أطراف الحديث مع المدنيين، ويبدو أنهم يتجنبون الأطفال، وأخذني جندي ضيق الوجه، عصبي القسمات، نحو شجرة أوتنا بظلها، بحيث لا يسمعنا أحد، وأسر إلي بقوله: أنه كان يعمل قبل اليوم داخل الحدود التونسية، في إحدى القواعد الكائنة في مدينة تونسية، وجاءته ذات يوم امرأة جريح وقالت له إنها فقدت كل شيء، أسرتها وبيتها أثناء غارة فرنسية شنت على القرية. وتابع الجندي: لن أنساها أبدا، وددت لو آخذ بندقية، وأخرج إلى المدينة التونسية،
стр. 2277
وأقتل كل من أصدفه من الفرنسيين فيها. ولكن حسنا كنت في تونس، والأوروبيون هناك لم تبق جنسيتهم فرنسية، بل تونسية.
وقد يكون بعضهم بريئا مما يرتكبه الفرنسيون في الشمال الأفريقي في السنوات الأخيرة. وصمت الجندي ثم إنه أضاف: هذا ما يصعب احتماله، وتصعب رؤيته، فإن الكثيرين منا يرهقهم أن يتذكروا ما حدث، وما يمكن أن يحدث لعائلاتنا في القرى التي يسيطر عليها الفرنسيون أو يهاجمونها، ولهذا تجدنا نتجنب كل ذكرى، وكل اتصال بعائلاتنا. ولعل هذا هو الذي يحملنا على تجنب الاختلاط بالأطفال هنا واللعب معهم.
اتجهنا عند الغسق نحو المرتفعات، حيث توجد أكواخنا المصنوعة من أغصان الشجر. وحملوا إلينا الطعام فوق موائد، وكان مؤلفا من خبز ضخم، وطبق كبير من البصل، وسلطات وبندورة (طماطم) وبطاطا مقلية، وقطع من لحم الدجاج، وماء يمازجه عصير بعض الفواكه. ويمكن للمرء هنا الاحتفاظ بشعوره بالسلم والطمأنينة والفرح، في وسط الطبيعة الخلابة، لو كان باستطاعته أن يصم أذنيه عن هدير عربات نقل الجند الفرنسية (الكميونات) الآتية من وراء الجبل، وعن هدير طائرات الاستطلاع، وإذا عميت عيناه عن رؤية بريق الأسلحة في الخنادق، حيث يرتاح الجنود الجزائريون، وإذا لم يعر المرء سمعه لأحاديث الشهود المريرة، وطلبات العون والنجدة والحماية الصادرة عن الفلاحين ضد الحملة القادمة من الشمال.
وقد روت لي المرأة العجوز التي دعتني لتناول قدح من القهوة، فحدثتني بهدوء عما حدث قبل شهر: حيث اجتازت الدبابات الفرنسية مجاري المياه، وبدأت القنابل تتساقط بين
стр. 2278
الأكواخ، وعام الرعب القرى المحروقة، وهرب السكان إلى الجبال. ولكن كل الناس لم يستطيعوا الهرب. ولم يتمكن أحد الرجال من النجاة من القنابل، واثنان آخران أخذا أسرين فأعدمهما الفرنسيون رميا بالرصاص. وما أن تبددت سحب الدخان والغبار، وانكفأت الدبابات عائدة إلى الشمال، حتى عاد سكان الوادي ليبحثوا عما كان (بيوتا) لهم من قبل - وشرعوا ينبشون بين الرماد لاستخراج الحجارة، ووضع أساسات جديدة. ولقد اختطف الفرنسيون زوج المرأة العجوز، وانتهبوا كل ما كانت قد ادخرته لأيام العسرة. لم يقدني أحد لسماع شهادة هذه العجوز، فليس ثمة وجود هنا لرجال الدعاية المحتالين.
ويبقى أقوى من كل الشهود والخرائب، أيدي أولئك الفلاحين التي تتشبث بأسلحة الجنود: ورد الفعل عند الأطفال. وقد حدث لي أكثر من مرة أني عندما كنت أنزل بين تجمعات أكواخ الفلاحين أن ألتقي بأطفال يصرخون ذعرا وهم يختفون بين ظلام الأكواخ. وعندما يأخذ اليأس مني كل مأخذ، أصحب معي أحد الجنود،
وأبحث عنهم لأهدىء من روعهم، وأوضح لهم موقفي. وكان يكفي الطفل أن يراني بصحبة أحد الجنود حتى يتخلى عن كل خوف أو وجل، بل إن خوفه ينقلب إلى حب استطلاع مثير للسلوى. وأما تفسير خوف الأطفال فإنه مبني - يقينا - على تصورهم لأول وهلة أن وجهي الغريب هذا لا بد أن يكون وجها فرنسيا. وهكذا عشنا أياما، قام خلالها المجاهدون بشن هجوم على قلعة فرنسية.
قمنا بزيارة كوخ لا يختلف البتة عن بقية الأكواخ المحيطة به ما خلا علما أبيض وأخضر يتوسطه الهلال والنجمة، وهو علم جبهة
стр. 2279
التحرير. كان البيت مستطيلا، وهو ذو أسس حجرية مستديرة، وثمة أوتاد متينة تشكل واجهته وحوامل سقفه، وكان السقف مؤلفا من أغصان ضخمة تعلوها أخرى أرق وفوقها طبقة من قشر الشجر. ولم تكن المسامير مستعملة في هذا البناء، إنما حلت الجبال محلها , وكان القسم الأكبر من الأرض مغطى بسجادة ذات ألوان عديدة، واصطفت وسائد ضخمة على طول الجدران. ودخل فلاح يحمل قطعة ضخمة من الخبز، ويبلغ هذا الخبز ضخامة دولاب الطاحون، وهو يؤكل دائما طريا ساخنا. وكان فلاح آخر يتبعه بإبريق فيه حليب، وثالث يحمل سلطة البصل. وأبدا كانت تشع في عيونهم تلك النظرة المرحبة، وتمتد أيديهم بالمصافحة الحارة أو العناق والقبل على الخدين. وهم ينظرون إلى كل غريب نظرتهم إلى (أخ - ضيف) - وفي إحدى زوايا الكوخ كانت تقوم مائدة مطلية باللون الأخضر الفاتح وقد نقشت عليها حروف عربية إنها آيات قرآنية كتبت لتكون درسا لطفل. ولكن أمدا طويلا قد مضى دون أن يستطيع أحد نقل هذا اللوح، ويضعه أمام أي طفل، ويشير إلى الحروف المتداخلة ليلقنه إياها. أما كتاب التمارين فكان مهجورا وقد علاه الغبار. وفي زاوية أخرى من الظل - في الكوخ - كانت بعض النسوة قد جلسن القرفصاء حول القدر، كن يلقين بالدقيق في القدر ويقطعن لحما. وثمة طفل مريض يصرخ وهو يلتصق بظهر أمه، بينما لاذت الأخريات بالصمت، ورحن يلاحقننا بأنظارهن. وهناك أيضا، أربعة أطفال في الخامسة تقريبا يرتدون الثياب البالية، لم أرهم يلعبون أبدا. وهذه - كما أذكر - يسمونها تصرفات ما يسمى - بالأطفال الشيوخ - الذين ينطوون على أنفسهم في صمت ووجوم.
стр. 2280
بعد الظهر، غادرنا الوادي بشيوخه ونسائه وأطفاله، وكانت القرية خالية من الشباب، فالجميع قد قصدوا الجبال وحملوا السلاح. وكانت هذه آخر مرحلة في المسير إلى القلعة، وليلة الهجوم قد أزفت. ولم تمض عدة دقائق حتى لحق بنا فتى في الرابعة عشر ورجل آخر متقدم في السن يتبع الفتى باستمرار، وكان الفتى يحمل بندقية آلية - أوتوماتيكية - أغلب الظن أنه غنمها من جندي جريح، وتقدم من الرئيس: انه يريد الذهاب مع المجاهدين الثوار، والانضواء تحت لواء الجيش. وتقدم الرجل المسن هو الآخر، ولا يكاد يشعر به أحد، وصافح الرئيس، وعانق ابنه على الخدين. واستدار، وعاد، من غير أن ينطق ولو بكلمة واحدة. وقد خفضت جميع الأنظار. وران صمت ثقيل، ولحظت أني لم أكن الوحيد الذي ينظر إلى المنحدر والأشجار. ولكني لم أر الفتى أثناء سيرنا الليلي، ولا شك أن الرئيس قد أرسله إلى القاعدة ليتدرب.
خاض المجاهدون معركتهم - ضد القلعة الفرنسية - بنجاح رائع، كعادتهم، واتخذوا بعد ذلك طريق العودة عبر أودية أخرى. حتى إذا ما وصل الجميع إلى مجموعة من الأكواخ، وقف الرئيس خطيبا، فألقى كلاما حادا وجه فيه اللوم إلى رجل لأنه لم يرسل ابنه المريض إلى المركز الصحي للمجاهدين، والقريب من الحدود، ومضى (الرئيس) يتدفق كالسيل في حديثه الموجه إلى الفلاحين، وأظهر استجابته لطلباتهم بالمساعدة، كما أنه أرشدهم إلى الملاجىء الأمينة المنظمة في كل المنطقة، ونصحهم باللجوء إليها في حال حدوث حملات فرنسية. وفي قرية ثالثة، قام ضابط من المجاهدين بتوزيع مساعدات عائلية وأقمشة. فكان كل فرد
стр. 2281
يوقع على الإيصال، ومعظمهم ببصمة إبهامه على السجل. وكلما بلغنا مجموعة من الأكواخ، انبرى لنا مكانها يحملون الماء في الأوعية والسطول. وكانوا أول ما يسعفون الجنود المرضى، المحمولين على البغال. فيصبون الماء على أعناقهم. ويقدمون لهم الأكواب ليشربوا. وكان كل شيء يسير سيره الطبيعي، من غير ضجة ولا ضوضاء. ثم وصلنا في ساعة متأخرة من الليل إلى مقر القيادة، وكان عبارة عن كوخ غير مكتمل البناء، يقع في سفح الجبل، وأخذنا في الاستعداد للنوم، حيث رقد بجانبي أحد الضباط، وأخذ يحدثني بصوت خافت على الحد بين الحرب والإرهاب:
إننا نحصل على الطعام وغير الطعام من السكان. ونحن نمضي النهار في الأكواخ، إنه شعبنا ونحن جيشه، بل إخوته وأولاده أغلب الأحيان. ولكن هل يصح هذا ليكون ذريعة للغارات الجوية والقصف المدفعي والمذابح التي يقوم بها الفرنسيون؟ وهل هذا ما يسميه الفرنسيون (التهدئة)؟ وصمت. وطال الصمت. ورحنا في نوم عميق.
...
قال لي ضابط وهو يقدم لي مجموعة أوراق مكتوبة على الآلة الكاتبة: (هذا هو الإنذار الأخير)! ثم استمر في تقليب عدد من المغلفات كانت موضوعة فوق محفظة. وكانت تلك الأوراق عبارة عن رسالة موجهة إلى موظف عربي في مدينة صغيرة تبعد بضعة عشر كيلومترا عن الكوخ الذي كنا نطلب فيه مأوى لنا من حرارة الشمس. وكانت الرسالة تدعو الأخ المواطن بعبارات أنيقة، وبأسلوب فيه لف ودوران أن يدير ظهره إلى الفرنسيين ويغادر مركزه حيث يعمل
стр. 2282
لحساب الأعداء. فإذا رفض، عندئذ يحكم عليه بالموت. وخلال عدة أيام تصل الرسالة إلى (الخائن) وسوف يرى شارة (الإنذار الأخير) على الزاوية اليسرى من المغلف (الظرف) فيفهم المقصود رغم لهجة الرسالة المطمئنة وختامها الرقيق، مع الإخلاص والاحترام. وسوف يعلم أنه إذا لم يخضع للتهديد، اجتمعت هيئة من المحلفين تحت علم الثورة، وكلفت ثلاثة رجال بتنفيذ الحكم الذي تصدره، وتكون مهمتهم مطاردة المحكوم عليه ليلا ونهارا. ووضع الضابط ربطة المغلفات بهدوء، وكانت تناهز اثني عشر مغلفا، في محفظته. ثم تابع حديثه مع رئيسه بهدوء - باللغة العربية - وبعد بضع دقائق حمل محفظته واختفى. وكانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها هذا الضابط. لقد جاء من السهل ولا شك، من الجانب الآخر للجبل. ونظر إلى الرئيس، وقدم لي النار لأشعل لفافة التبغ (السيكارة) وأجاب على سؤالي: (كلا! إننا لم ننفذ أي حكم في قطاعي، غير أنه سبق لنا أن حاكمنا وصفينا بعض الخونة والجواسيس).
وكانت هذه هي المرة الأولى التي أقابل فيها، بشكل مباشر ومؤثر شهود الحرب الأخرى. معركة (المجاهدين) بالقنابل اليدوية والمسدسات والمدي- السكاكين - في المناطق الواقعة تحت المراقبة الفرنسية جزئيا أو كليا. وقلما يتحدثون في المجال عن هذه المعارك - غير أني التقيت برجال آخرين من جيش التحرير الوطني الجزائري ومن أنصاره الذين أعطوا تفصيلات عن (المغاوير -الفدائيين) وعن (فرق الانتحار) وعن (الإرهاب في المدن).
وتصف الدعاية الفرنسية الأعمال التي تستخدم فيها القنابل اليدوية بأنها تعبير عن (التعطش إلى الدماء)، وأنها أعمال (وحشية غير
стр. 2283
انضباطية) غير أن المجاهدين يدافعون عن ذلك قائلين: إنه تنفيذ لأحكام (محكمة عسكرية). فالعرب الذين يتعاونون مع الأعداء، ويرفضون الإصغاء إلى الإنذارات، يحكمون بالخيانة، والتعاون مع العدو، وهذا يستدعي حكم الموت. وأكد لي رجل سياسي من (المجاهدين): بأنهم لا يطلبون إلى هؤلاء تبديل موقفهم ومساندة منظماتهم، بل مجرد التخلي عن خدماتهم في المؤسسات الفرنسية. والبقاء دون أي نشاط. فإذا كان هذا ما يسمونه -الإرهاب - فليكن. وإن المرء ليجد مثيلا لهذا في تصفية الذين يتعاونون مع الاحتلال الألماني في السويد، وكان يشرف على ذلك عدد من منظمات المقاومة في بلدان عديدة من أوروبا الغربية، خلال الحرب العالمية الثانية.
...
تسمى الجماعات التي تعمل في مدنها أو مناطقها (الفدائيين). ويتناقل الناس قصصا فريدة عن معارك هؤلاء الفدائيين. فإذا ما لقي أحد هذه الجماعة حتفه متأثرا بالتعذيب الذي يلقاه على يد الجنود الفرنسيين، تسلل أفراد الجماعة ليلا إلى مراكز العدو، إلى حيث يوجد المسؤول عن قتل زميلهم، ويختفوا بعد أن يذبحوا العشرات من الجنود الفرنسيين. وتطرق الآذان قصص هؤلاء الفدائيين فقد جاء تقرير يقول إن أحد الأسرى من المجاهدين، يكاد أن يتكلم ويبوح بالأسرار تحت وطأة التعذيب الهائل. فما كان من الضابط إلا أن أرسل أحد عشر متطوعا لقتل رفيق السجين. ولم يعد من الأحد عشر سوى واحد فقط. والفدائي جندي نموذجي، والفقرات الأربع الأولى من القسم الذي يلفظه الفداني بالغة الروعة.
стр. 2284
١ - إن من يضعف أمام العدو يستحق الموت.
٢ - يجب على الفدائي أن يهتم بنظافة جسمه.
٣ - لا ينبغي للفدائي إهمال فروض الصلاة.
٤ - يجب على الفدائي إطاعة أوامر القيادة العليا إطاعة عمياء.
والمعروف أن هؤلاء الفدائيين لا يشهرون السلاح في وجه الخونة العرب فحسب، بل إنهم يتصدون للجنود والشرطة الفرنسيين ممن يمارسون أعمال العنف التي تؤدي إلى موت الجزائريين. وكذلك ضد عشرات ألوف المزارعين الفرنسيين أو من يسمونهم (بالمعمرين). والكراهية التي يكنها المجاهدون (للمعمرين) كراهية عميقة تلمس آثارها ليلا ونهارا في الجبال، ويروي هؤلاء المجاهدون قصصا مريعة عن وحشية المزارعين الفرنسيين (المعمرين) في معاملتهم للعرب الذين يعملون لديهم. وعن الأجور الضئيلة التي يتقاضونها والظلم الذي يتعرضون له. وكان يوجد في الجيش الفرنسي فرق كاملة مؤلفة من أولئك (المعمرين) غير أن السلطات الفرنسية عملت في سنة ١٩٥٦ على حل هذه الفرق لما لمسته من قوة متناهية تجاه المواطنين المدنيين الجزائريين.
стр. 2285
٢ - فضائل الثوار
في تقرير عن (جيش التحرير الوطني الجزائري ومجاهديه) (١) ورد ما يلي: (يتمنع جيش التحرير بنظام محكم، إنه جيش منظم يرتدي جنوده زيا عسكريا موحدا، ولقد أقرت بهذا البلاغات الحكومية، ويحمل كل جندي منهم على كتفه الأيسر شارة تمثل العلم الجزائري، نقشت عليها عبارة: (جيش التحرير الوطني الجزائري) ويحمل على صدره علامة رسم عليها هلال ونجمة، وهذه الشارة تعطى للمتطوع عندما ينضم لصفوف الجيش - ولا ترى إلا قلة ممن يضعون على رؤوسهم (الشملة) أو (الزمالة). ولا يقتصر تنظيم الجيش على اللباس فحسب، بل إن كل جندي من جيش التحرير يتبع وحدة نظامية مرتبة ترتيبا واضحا من الجندي البسيط حتى القائد الأعلى، ومن الواجب أن يتقدم بجميع طلباته إلى رئيسه المباشر، وتهتم المنظمة العسكرية كذلك بكل ما يتعلق بعائلات الجنود، فتسجل جميع المعلومات التي تمكنها من إعانة تلك العائلات.
ومن الوجهة الحربية، فإن تنقلات الوحدات وهجماتها لا
стр. 2286
تجري إلا حسب التعليمات الواردة من الأعلى، من القيادة، وفقا لبرنامج يتفق عليه داخل المنطقة، أو باتصال مع المناطق الأخرى التي يتكون منها الوطن الجزائري. وأما طاعة الأوامر، فهي أمر مفروغ منه، ولم أر طوال إقامتي في صحبة الجنود من استخدم القيود - الأغلال - إلا على سبيل المزاح. ولا يعني ذلك أنه لا توجد قوانين عسكرية يعمل بها جيش التحرير، بل على العكس من ذلك، فإنه باستطاعة أي جندي أن يشرح بصفة معقولة وطبيعية النظم التي يخضع لها جيش التحرير، ومما يدل على ذلك، أن الحكم بالإعدام، لم ينفذ إلا مرتين في كامل الولاية، لمدة سنة كاملة. وقد نفذ في المرة الأولى بسبب التعدي على حرمة امرأة. وقد حكي لي أن الجندي الذي تفذ حكم الإعدام كان يبكي عندما رماه بالرصاص. ومن ذلك الحين، صار كل مدني يستطيع أن يؤوي الجندي في نفس البيت الذي تنام فيه بناته من غير تحرز أو خوف. أما في المرة الثانية فقد نفذ على جندي أضاع سلاحه: إذ أن الجيش لا يسمح لأي كان أن يفرط في سلاحه، بل يوصيه بتخبئة سلاحه إن هو أصيب بجراح بالغة تمنعه من حمله.
هذا، ويتمتع جيش التحرير بمصالح مختلفة، مثل (مصلحة الصحة) فكل وحدة عسكرية تضم ممرضا قادرا على إخراج الرصاص من الجرحى. ولدى كل جهة، أو ناحية، أطباء يعالجون الجرحى والمرضى، ويقومون في الوقت ذاته بتدريب الممرضات والممرضين، ولا يهملون مع ذلك الأهالي بل يأتونهم بأدوية لا تتوافر لدى الجيش الفرنسي. ومن مهام الأطباء، فحص المتطوعين الجدد، واتخاذ القرار بقبولهم ورفضهم، حسب حالتهم الصحية.
стр. 2287
كان مما لاحظته أثناء مقامي في المناطق التي زرتها: أن جنود جيش التحرير يحترمون بكل دقة قوانين الحرب، والدليل على ذلك، ما شهد به أسيران من الجيش الفرنسي التقيت بهما، فقالا: خرجنا من مراكزنا لنأتي بالماء على البغال، ولكننا وقعنا في كمين، فيئسنا من الحياة، واعتقدنا أننا لن نرى فرنسا أبد الدهر. واليوم وجدتهما يعيشان بين المجاهدين، ويأكلان مما يأكلون ويطالعان الصحف، ويبعثان بالرسائل إلى عائلتيهما. وقد أكد لي المسؤولين في تلك الناحية أنهم كلما أغاروا على قرية لتدميرها، بادروا قبل كل شيء إلى إبعاد المدنيين. وقد سمعت من أفواه جنود عديدين أن قائد وحدتهم، أمرهم في بعض الكمائن بإيقاف إطلاق النار عندما شاهد سيارة مدنية في وسط قافلة عسكرية، وقال لهم: (لا ترموا المدنيين! لا ترموا المدنيين!).
ثم إن جيش التحرير الوطني، يعلم يقينا، أنه جيش وطني يجاهد من أجل الحصول على السيادة الوطنية لبلاده، ولست ترى وحدة لا تحمل العلم الجزائري المحمول على طرف بندقية الجنود. وإن كل وحدة من وحدات جيش التحرير الوطني (بوهران) لتهتز طربا للانتصارات التي تحرزها وحدة أخرى في مناطق (قسنطينة أو الجزائر) وإنها لتتألم أيضا عندما تبلغها ما تتعرض له (قبائل الأوراس) من التعذيب الذي يسلطه عليها الفرنسيون، ذلك أن كل مجاهد من مجاهدي جيش التحرير يدرك أنه لا معنى لجهاده اليومي إلا داخل إطار الجهاد الذي يخوضه مجاهد آخر في الطرف الثاني من القطر الجزائري، ولذلك، يتابع كل مجاهد تفاصيل العمليات التي تقع في الجزائر - العاصمة - أو في بلاد القبائل الكبرى أو في جبال الأوراس. هذا وتعمل معظم
стр. 2288
الوحدات في الجهات التي تنتمي إليها، ولكن المجاهد من (بسكرة) أو من (قسنطينة) - على سبيل المثال - والذي فر من الجيش الاستعماري، والتحق أثناء المعارك بالمجاهدين، يجد بطبيعة الحال مكانه بصفوفهم، حتى لو كان ذلك بعيدا عن المنطقة التي ينتمي إليها. ويتغنى المجاهدون بأناشيد وطنية تربط بين كفاحهم من جبال (الأوراس) إلى جبال (تلمسان) ومن ذلك نشيدهم.
من بلادنا طلع صوت الأحرار ... ينادينا للاستقلال
ينادينا للاستقلال ... الاستقلال لوطننا
تضحيتنا للوطن خير من الحياة ... أضحي بحياتي وبمالي عليه
يا بلادي يا بلادي ... أنا لا أهوى سواك
قد سلا الشوق فؤادي ... وتفانى في هواك
من جبالنا
نحن سور بك دائر ... وجبال راسيات
نحن أباء الجزائر ... أهل عزم وثبات
من جبالنا
نحن بالأرواح نفدي ... كل جزء من ثراك
إننا أشبال أسد ... فاصرفينا لعداك
من جبالنا
تظهر الوحدة والتلاحم بين الجيش والشعب كل يوم في الأقوال والأعمال، ويؤكد ذلك عمق ما يجمع بينهما من روابط اللغة والدين والأرض والعادات. ورغم جميع الكوارث والنكبات فإن الفلاح الجزائري لم يهمل أخلاقه الطيبة. ولم ينس تقاليده الأصيلة
стр. 2289
التي اشتهرت بها الخيمة والمنزل في الجزائر. فصاحب الدار يقدم بنفسه للجنود الماء، ليغسلوا أيديهم ووجوههم في الصباح وقبل الأكل وبعده. ويعرض عليهم كذلك عند نزولهم عنده الشاي والقهوة. ولا يمكن أن تسمع في جيش التحرير كلمة نابية -بذيئة -. والكل ينادي الآخر بعبارة (يا أخي أو - يا صاحبي!). وهم يتذوقون حلاوة النوادر المضحكة ذاتها، ويستمتعون بالأغاني الشعبية التي توحي بها المعارك البطولية، وكثيرا ما يساهم الجنود في حراثة الأرض التي تركوا خدمتها مند ما يقارب السنتين.
وبما أن جيش التحرير يضم أغلبية ساحقة من أهالي البادية، فإنه يشتهر بذات الصفات التي اشتهروا بها، وأبرزها: الصبر والصمود والبساطة. ويملك معظم الجنود قطعا صغيرة من الأرض كانوا يعملون فيها بأيديهم، ومنهم من كان يعمل عند المعمرين، من غير أن يكون له مورد رزق آخر. ولذلك، فإن جيش التحرير يضم جماعة ممن تطوعوا للحرب في (الهند الصينية) للحصول على مورد للرزق.
وأما سكان المدن، فيمثلهم في جيش التحرير أولئك العمال الذين عاشوا طويلا في فرنسا، وأولئك الطلاب الذين كانوا في معاهد الجزائر أو فرنسا، والتحقوا بالجبال. وكذلك الأطباء الذين هجروا مراكزهم وانضموا الى الجيش كجنود. والحقيقة هي أن العناوين ليست هي المقياس في الاضطلاع بالمسؤوليات، إنما هي الكفاءات، ولذلك فإنه كثيرا ما يكون قائد الوحدة عاملا أو فلاحا بسيطا كونه الكفاح والجهاد.
إن جيش التحرير الوطني الجزائري هو جيش ثوري، ومعنى ذلك أنه يتكون في معظمه من الشبان الذين يدفعهم الإيمان،
стр. 2290
وتربطهم أواصر الأخوة. ومن هؤلاء الشبان الذين لا تتجاوز أعمارهم الخامسة والعشرين سنة، يتخرج الضباط والقادة العسكريون والمسؤولون الحربيون من بين المئات والألوف من المواطنين الجزائريين الذين تقول فيهم أغنية شعبية:
(إن شباب اليوم شابت رؤوسهم)
غير أنهم احتفظوا بالرغم من ذلك، بحيويتهم وابتسامتهم وإيمانهم بالمستقبل، وقد لمست عمق هذا الإيمان في مناسبات كثيرة، وهو الأمر الذي تبرزه محادثة أجريتها مع أحد المجاهدين، حيث قال لي ببساطة: هل يحسب المستعمرون أن أولئك الذين صعدوا إلى الجبال سوف ينزلون منها، قبل أن يحصلوا على الاستقلال، ولو فرضنا أنه لم يبق بالجزائر إلا امرأة واحدة، إلا امرأة عمياء، فإنها لن تتردد في حمل السلاح والكفاح من أجل وطننا. ولو فرضنا أن تلك المرأة قد استشهدت بدورها أثناء اضطلاعها بواجبها، فإن الجزائر كلها، الجزائر التي أبيد أهلها وأحرقت غاباتها سوف تثور حجارتها على المستعمر الطاغية).
وعندما يتحدث المجاهدون فيما بينهم عن مشاريعهم في المستقبل، فإنهم لا يقولون مثلا: (في اليوم الذي يقف فيه القتال) وإنما يقولون: (في يوم الاستقلال). هذا وإن المسؤولين لا يتم تعيينهم في مواقع المسؤولية تبعا لكفاءتهم العسكرية والقيادية فحسب، وإنما تراعى زيادة على ذلك أقدميتهم في العمل الثوري قبل اندلاع الثورة، ولا يحتمل القائد أثناء التدريب أي تقصير أو تهاون، ولا يقبل أية مخالفة أو تمرد على الأوامر، ولكن شرفه لا يسمح له في الوقت ذاته بإهانة الجندي أو التصغير من شأنه. إذ أنه يعتبر كل واحد نفسه أنه مجاهد يؤدي
стр. 2291
واجبه وفقا لعزته وكرامته. وإن أشد ما كانوا يبغضون في الجيش الافرنسي إقدامه على ضربهم وإهانتهم. ولهذا فإن الاحترام يسود علاقاتهم. وتعتمد الأخوة التي تؤلف بين قلوبهم على المساواة التامة فيما بينهم، وعلى الشعور العميق بالصداقة، والبساطة التي تتصف بها علاقة الجندي بقائده، فهم يأكلون من طعام واحد، وينامون على حصير واحد، ويتصدون لأخطار واحدة. وإن أسخف الأكاذيب التي ترددها الدعاية الاستعمارية هي ما يرمون به القادة من التهرب من مواجهة الأخطار، وتعريض الجنود لها. وقد قال لي أحد المسؤولين: (إن حياتي ليست ذات أهمية تفوق أهمية حياة أي مجاهد آخر، طالب مثلي أو فلاح أو عامل). وفعلا فقد استشهد هذا المسؤول في أول معركة، وهذا برهان على صدق قوله، كما يكفي لتأكيد هذا القول ما يردده الجميع، قادة وجنود، بقولهم: (إن الشعب أعز علينا من عيوننا، وإننا لنفتخر به).
وأعترف أنني لم أتمكن من التجول في مجموع الجهات التي تقع تحت نفوذ جبهة التحرير الوطني، ولكن شاهدت كثيرا من البراهين والدلائل التي تؤكد أن جبهة التحرير الوطني وجيشها يسيطران على مناطق واسعة جدا من الوطن الجزائري. فهذا مسؤول حضر من منطقة الجزائر أو قسنطينة أو الجنوب، وهذا جرح أوتي به من مكان بعيد، وهذا جندي فر من الجيش الفرنسي من نقطة بعيدة عن النقطة التي يوجد بها الآن. ولاحظت أثناء تنقلاتي بين الدواوير والمداشر أن الجيش حاضر في كل مكان، وأن نفوذ الجبهة موجود في كل موضع، وقد صرح لي مسؤول قائلا: (إننا لا نريد إظهار قوتنا إذا كان في ذلك ضرر للشعب،
стр. 2292
ولهذا تجدنا نوصي المواطنين بالامتثال إلى عمليات - إعلان الولاء - التي تنظمها السلطات الفرنسية حتى لا يكونوا عرضة لقمع لا فائدة منه). وهذا ما جعل نظام الجبهة يختفي أحيانا في الظاهر فقط، في جهات كاملة، وبالعكس من ذلك، فإن الإدارة الفرنسية أصبحت معدومة في الواقع.
وهكذا، نرى السكان المدنيين يعيشون بصفة سرية في جزائر مستقلة، يديرها جزائريون وفقا لتجاربهم الخاصة، نعم، إن السلطات الاستعمارية لا زالت تفرض الضرائب على الأهالي في الجهات التي تتمركز فيها قواتها، ولكن سجلات الأحوال المدنية فارغة، إذ صار المواطنون يسجلون مواليدهم لدى الإدارة الجزائرية، ويحتكمون إلى محاكمهم الشعبية في جميع المنازعات المتعلقة بالأملاك والإرث والطلاق، الذي لم يعد فيه للزوج التصرف المطلق. كما أن الإدارة الجزائرية تحمع الضرائب، من غير أن تفرض على الأهالي مبالغ باهظة على نحو ما كان يفعله المستعمرون، فكل فرد يدفع ما هو مناسب لوضعه، حتى المعمرون الذين صاروا يعترفون بنفوذ إدارة الجبهة باتوا يقدمون الضرائب لجبهة التحرير الوطني. وتتحمل الإدارة الأهلية مقابل ذلك أعباء نفقات عائلات المجاهدين والمنفيين والمسجونين والمبعدين والشهداء من الجنود والمدنيين وحتى عائلات الخونة الذين أعدموا. وقد قضى جيش التحرير على أبغض ممثل الإدارة الاستعمارية مثل (الشنابط) و (القياد) الذين عوضوا بضباط الشؤون الأهلية. وإذا بقي قائد في منصبه من غير أن يستقيل، فذلك لأنه متفق مع الجبهة ومتعاون معها.
إن الجبهة منظمة شعبية، تضم في صفوفها كل مواطن، ولا
стр. 2293
المرأة المسلمة - صمود في مواجهة الاستعمار
стр. 2294
ترفض من صفوفها إلا أولئك الذين اشتهروا بتواطئهم مع الاستعمار، وهي قبل كل شيء منظمة الشعب التي تعمل لتحقيق التحرير الوطني، ولكل فرد منها مسؤوليته: (إذ إن الشعب هو العين التي يرى بها جيش التحرير، وإن جيش التحرير هو عمدة الشعب). هذا ما قاله لي أحد المجاهدين. وفعلا، فإن وحدات جيش التحرير لا تستطيع العيش بدون تأييد الأهالي لها، فهي تجد عندهم السلامة وحفظ أسرار التنقلات والمأوى والمأكل والمساعدة في تأدية العمليات الضخمة مثل تلك التي سمحت في صيف سنة ١٩٥٧ بقطع مائة كيلو متر من الأسلاك الشائكة وتدميرها في ليلة واحدة على الحدود المغربية ويشكل المواطنون، بالنسبة إلى جيش التحرير، جيشا آخر من العيون والحرس الذين يراقبون تحركات العدو، ويكشفون عملاء الاستعمار. فتجد مثلا الراعي الصغير الذي لا يتجاوز عمره الخمس سنوات، يرد على كل من يسأله عن حركات المجاهدين بقوله: (إني لا أعرف اللغة العربية) وهو يقول ذلك بالعربية، ثم يمضي لشأنه مرفوع الرأس. وقد تحدث في بعض الأحيان مناقشة بين العسكرين والمدنيين ولكن ذلك لا يؤدي إلى أي اصطدام بين الفريقين، إذ أن لكل منهما أن يحل مشاكله أمام الهيئة المشتركة من الجبهة والجيش. وتقوم الإدارة الجزائرية، باستمرار، بإدخال تطورات عميقة على نظام العيش في البوادي. وهي تكتفي في كل مرحلة، بتطبيق المباديء التي تسمح لها بتكتيل الشعب وتوجيهه نحو هدف واحد. وقد نجحت الجبهة في الوصول إلى هذا الهدف، إذ لم يعد هناك أثر للمنازعات التي كان يغذيها الاستعماريون، وأصبح باستطاعة المجاهد أن يأتي من جهة بعيدة ليأخذ مكانه في خيمة، أو تحت سقف، قبيلة أخرى، ويجلس بين أفرادها، وهو
стр. 2295
جالس بين أهله وإخوانه، إنه جزائري. فكيف نسمي هذا الجهاد؟ ..
إننا نسميه (ظهور العدالة). إن هذه الحرب هي من نوع الحروب التي تنطوي على معنى أن الانتصار الذي سوف يتحقق، سيكون نتيجة انتصار قوة على أخرى، وسيكون خاتمة تطور وتحسن ثورة عسكرية وسياسية ومادية. والدليل على ذلك أن الثورة التي بدأ بها عشرات المجاهدين لا يمتلكون أكثر من بنادق للصيد. ولم تمض عليهم إلا سنة واحدة حتى صاروا آلافا من المجاهدين، يقاتلون بأسلحة عصرية، ويسيطرون على مناطق واسعة. ولم توجد قبل ذلك إلا بعض الخلايا الثورية السرية التي باتت بعد ذلك تشكل منظمة شعبية تقود الكفاح، وليست هذه النتائج كلها إلا مرحلة من مراحل الثورة. أما النتيجة الأخيرة، فسوف تظهر في المستقبل، وقد عبر عن ذلك مجاهد فلاح في هذه الكلمات: (لقد حرثنا الأرض، وبذرنا، وما تراه اليوم ليس إلا نبتة أولى، أما الحصاد فموعده الغد).
ولقد قضى الجزائريون وقتا طويلا لتحقيق وحدتهم، وهذه الوحدة الملموسة هي أساس قوتهم. وهذا ما عبر عنه فلاح مجاهد أيضا بقوله: (كان الشعب ينتظر بلهفة أكثر من لهفة الجائع الذي يترقب نضح الثمار حتى يسد بها رمقه). إن الاستعمار يمثل لنا سلسلة من المصائب التي حملها معه المعمرون والإدارة الفرنسية، ولم يكن لنا حول أمام هذه الإدارة سوى الرشوة نعطيها للموظفين كلما اضطررنا إليها. إني فقير الحال، ولست أملك إلا قطعة صغيرة من الأرض أحرثها وأعيش من زرعها. وكلما أقبل الشناء ذهبت إلى الغابة لأقطع شيئا من الحطب، وأصنع منه كمية من
стр. 2296
الفحم، وإذا عثر علي حارس الغابة، فإنه يفتك مني الفحم والبغل، وحينئذ أجد نفسي مضطرا إلى شراء بغلتي ودفع غرامة مالية تتراوح بين الخمسين والمائة ألف فرنك، هكذا كنا نعيش. أما المعمر، فإنه لا يشبع من ضم أراض جديدة الى ممتلكاته وهو لا ينفك يحتال على الفلاحين البؤساء مثلي ليأخذ أراضيهم. وبما أنني أجهل
القراءة والكتابة، باللغتين العربية والفرنسية، فإنه تمكن من تغليطي ببعض الأوراق المزيفة، وهكذا سلبت مني أرضي. وبحثت عن أرض أستأجرها - أكتريها - ولكن الأرض باهظة الثمن ولم تبق لي إلا وسيلة واحدة أرتزق منها وهي العمل على الطرقات وتكسير الحجارة. وليس ذلك بالعمل السهل، إذ أن الشرط الأول لتحصل على هذا العمل هو دفع ألف فرنك إلى القائد هذا إن رضي بها وحتى ذلك العمل لم يدم طويلا، فاضطررت عندئذ إلى طلب العمل عند المعمر الذي افتك مني أرضي. والمعمر لا يدفع الأجور إلا حسب مشيئته. وإذا اشتكينا، فإنه يهددنا بالفصل عن العمل، أو يرمي بنا في السجن، وبذلك نضطر للخضوع لشروطه حتى لا تبقى عائلاتنا طعمة للجوع. وفي النهاية، لا يبقي لنا الاستعمار، وأجهزته من إداريين ومعمرين، إلا زوجاتنا وأولادنا.
وهذا ما كان يضطر الجزائريين إلى بيع أجسادهم عن طريق الانخراط في القوات الفرنسية العاملة في الهند الصينية. وهكذا فإن الاستعمار وأجهزته ومن يمثله باتوا في نظر الشعب: (أبغض مخلوقات الله على الأرض).
إن مجاهدي الجزائر لا يعتبرون في ثورتهم المشاكل المحلية فحسب، وإنما أصبحوا ينظرون إلى وطنهم بجميع ما يشتمل عليه من ثروات معدنية، وأرض خصبة وغابات رائعة، ولهذا فإنهم لا
стр. 2297
يهدفون إلا لشيء واحد هو تحرير الوطن بكامله فهم مقتنعون بأن الاستقلال هو الضمان الوحيد لتمكين الشعب من السيطرة على توجيه مصيره. وكثيرا ما سمعت الجزائريين يؤكدون أن اليوم الذي يقبلون فيه إصلاحات (لاكوست) سيكون نهاية الحياة في الجزائر، إذ أن الشعب الجزائري يريد حكومة منبثقة عن الشعب تكون مسؤولة أمامه. وإذا ما أراد المعمرون البقاء في الجزائر، والعيش فيها، فما عليهم إلا أن يخضعوا لسلطة جزائرية. وأكد لي أحد المسؤولين موقف الثورة بقوله:
(إننا نحارب من أجل التحرير الوطني، وإن جهادنا لا يقوم على التعصب العرقي - العربي - ضد الأوروبيين، أو التعصب الإسلامي ضد المسيحيين).
وقد أكدت مشاهداتي ومحادثاتي صحة هذا التصريح. وما على (السيد سوستيل) إلا أن يزور الثوار إذا ما أراد أن يتحقق من وجود شبح (التعصب العربي). وإذا كان هناك تعصب فإن الفرنسيين هم السبب في تكوينه، إذ أن المجاهدين لم يكونوا أبدا لينشغلوا بظاهرة التعصب لولا العدوان الفرنسي. وليس أدل على عدم تعصب الجزائريين من معاملتهم للأسرى الفرنسيين معاملة طيبة، وكذلك فرار الجنود من الجيش الفرنسي، وهم يعلمون يقينا أن أفرادا أوروبيين، وحتى يهودا، يخوضون الحرب داخل إطار جبهة التحرير من أجل تحقيق هدف واحد. وإذا ما كان يجهل ذلك، فإنه سيجد من يخبره به، وكثيرا ما سمعتهم يقولون لبعضهم: (تذكر يا أخي، أن هناك أجانب يكافحون إلى جانبنا). وإذا تناقش المجاهدون في مسألة الإصلاح الزراعي، فإنهم يتفقون على أن ذلك مبدأ يجب على الحكومة الجزائرية أن تطبقه في
стр. 2298
المستقبل على كبار الملاكين سواء كانوا أوروبيين أو مسلمين.
لقد لاحظت أن كثيرا من جنود جيش التحرير متأثرون شديد التأثر بالدين الإسلامي. ولهذا فإنك تجدهم متصفين بأخلاق أوصى بها القرآن الكريم، سواء في معاملاتهم للجار أو في معاملتهم للأمير والعدو. فهم يدركون أعمق الإدراك مشاعر التضحية والأخوة والكرامة الإنسانية، واحترام الآخرين والعدالة
...
وأخيرا فهذه رسالة، في جملة (وثائق الثورة) تظهر الروح الحقيقية لمجاهدي الثورة:
الجمهورية الجزائرية.
الولاية (١) - المنطقة (١) الناحية (٤) القسمة (٢).
إخواني الأعزاء رجال لجنة الشعب رقم (٢) أحييكم وشعبكم وأرضكم وسماءكم، شاكرا جميلكم على الرسالة التي وجهتموها إلي، مخبرين إياي على حياتكم في تاريخ اليوم، معلنين لي رغبتكم للقيام بزيارتكم، وإني أبتهل الله الكريم أن يمنحني فرصة التقابل معكم، سواء في هذه الدنيا التي نجاهد فيها، أو في الآخرة التي سنحيا مرة أخرى فيها.
أيها السادة! إن الاستعمار إذا خرج من مقركم الحالي، بكل قواه، فهو ما زال في وطنكم، وفي بلدان تجاوركم. وعليه يمكنني أن أقول لكم جميعا، اليوم يجب عليكم أن تحتفظوا بأنفسكم من جهته أكثر ولا تغتروا بأنه بعيد عنكم، هو والخونة
стр. 2299
الذين يبغضونكم وما زالوا في تتبع آثاركم. فعليكم بهزيمتهم دائما، لتبقوا وشعبكم دائما منتصرين. فإلى الأمام، ولشعبكم مني ومن كل المواطنين هنا أحر التحية وأزكى السلام.
(الإمضاء: أخوكم في الجهاد عبد القادر)
في ٢٠/ ٦/ ١٩٦١م.
стр. 2300
٣ - الإدارة في مجتمع الثورة
لقد عملت الإدارة الفرسية الاستعمارية طوال ليل الاستعمار على تدمير الإنسان الجزائري من أجل إحكام السيطرة على الثرى الجزائري والوطن الجزائري، وأحكمت سيطرتها على الأرض الجزائرية من أجل تدمير الإنسان الجزائري والتحكم بأموره ومصيره، واسترقاقه من غير إعلان عن تطوير نظام الرق. ومن خلال عملية التدمير المتعمد والتعسفي للإنسان الجزائري والأرض الجزائرية، زالت أو كادت تزول شخصية الجزائر المادية والمعنوية. وهكذا فعندما انطلقت شرارة الثورة كان لا بد للقيادة التاريخية من ممارسة عمل مزدوج: تحرير الأرض من جهة،
وتحرير الإنسان من جهة ثانية، ولم تكن هذه العملية بالعملية السهلة، إذ كانت أعباء قيادة الجهاد في تلك الظروف العسيرة كافية لإرهاق أقوى القيادات وأصلبها. غير أن الضرورات فرضت وجودها واضطر القادة التاريخيون للقيام بالعمل المزدوج في وقت واحد: بناء المجتمع الجزائري وتنظيم الإدارة الجزائرية. وكان هذا العمل المتكامل هو الذي أعطى الثورة الجزائرية طابعها المدني - العسكري، إذا جاز التعبير، أو مجتمع السلم والحرب، بتعبير آخر. ويفسر ذلك الطابع الذي لا زالت الجزائر تحمل أثره
стр. 2301
ذلك التلاحم في العمل العسكري والعمل الإجتماعي.
لقد كان على قيادة جيش التحرير بناء العلاقات الاجتماعية من (الصفر) أو من (العدم). وإيجاد الحلول الناجعة والفعالة للمشكلات التي كانت تتركها، أو تخلقها، طبيعة الصراع والتي لم تكن تميز بين المجاهد الجزائري والمجتمع الجزائري. وقد استطاعت القيادة التاريخية للثورة وضع أسس الحلول في مؤتمراتها المتتالية، بهدف توحيد نظم الإدارة للمجتمع الجزائري الجديد - مجتمع المستقبل - وعملت باستمرار على تطوير تلك النظم، وقد يكون من المناسب التوقف قليلا عند أحد الأوامر التنظيمية لولاية مد ولايات الكفاح التي صدرت في بداية سنة (١٩٥٩) حيث تلقي الضوء على (روح التنظيم) في تلك الحقبة التاريخية.
الجمهورية الجزائرية
جبهة التحرير الوطني ......... جيش التحرير الوطني
الولاية السادسة .......... أركان الحرب
التحرير في ٥٨/ ١١٠ رقم ٥٢٧/ ٥٨ ط.
المجالس البلدية
إلى أعضاء المجالس البلدية.
نوجه إليكم هذه النقاط لتسيروا على ضوئها حتى تنير لكم الطريق لبلوغ ما رسمته لكم حكومتكم الجزائرية. ولتعينكم على تسيير شؤونكم الداخلية من تأسيس وتشييد. بهذا يجب علينا أن نعمل ونسير بنظام مع العزم والحزم في كل عمل حتى نصبح قادرين على تسيير أعمالنا، والله معنا ما دمنا سائرين في سبيل العدل والأخوة. الطاعة لله ولحكومتنا.
стр. 2302
تركيب المجالس البلدية: يتكون المجلس من خمسة أعضاء ينتخبون من بينهم رئيسا يسمى (شيخ البلدية) ويحتوي تنظيمه على خمسة مكاتب:
أ - مكتب شؤون الأمة: يشرف عليه (شيخ البلدية) كما يشرف على المكاتب الأربعة الأخرى ويتولى رقابتها، وله اتصال مباشر بلجنة الأوقاف المدنية.
ب - مكتب الإصلاحات البلدية والحالة الصحية: ويقوم بتوزيع المياه والأراضي والغابات والبناء والتعمير وتسجيل الولادات والوفيات والاصلاحات الحيوية في دائرة السكان.
ج - المكتب المالي:
ويقوم بتنفيذ مهمتين:
١ - جمع المدخولات من: الزكاة، الاشتراكات، والتبرعات والضرائب، والإعانات الخاصة أو العامة.
٢ - توزيع الإعانات على: المكاتب الشعبية المستحقة لها، وللأئمة، وللمعلمين، وللفقراء من أفراد الشعب، للمسجونين، ولعائلات المجاهدين والشهداء والأسرى، وتقديم الإعانات للفلاحين لمؤازرتهم وتشجيعهم على الحرث والزراعة.
د - المكتب التجاري: ويتولى الحالة الاقتصادية من صادرات وواردات، وتأمين كل ما يطلبه منه العريف الأول السياسي من شراء.
هـ - مكتب الشرطة: يتولى حفظ الأمن، وإقرار السلام، ومراقبة الشعب من ظالم ومظلوم، وكل من ارتكب ما حرم الله، وفي ذلك الامتثال والسير تحت أوامر (شيخ البلدية).
стр. 2303
توضيحات:
أ - مكتب شؤون الأمة:
١ - كل المسائل الشرعية تتولاها لجنة الأوقاف.
٢ - له إبداء الرأي في حل المشاكل، إذا طلبت منه اللجنة المذكورة.
٣ - يتولى رقابة كل التسجيلات للمكاتب الأربعة الأخرى.
ب - مكتب الإصلاحات البلدية والحالة الصحية:
١ - يتولى تسجيل الولادات والوفيات، فور حدوثها، وبألا تتجاوز مهلة تأخير التسجيل مدة أسبوع.
٢ - عليه أن يدرس كل الأراضي الصالحة للتعمير والبناء ويقوم بتقديم تقرير يوضح فيه كل ما يراه صالحا للشعب.
ج - المكتب المالي، وواجبه:
١ - الاتصال بكافة أفراد الشعب، وجمع الاشتراكات وغيرها.
٢ - تسجيل كل ما حصل عليه من المال.
٣ - دفع المال كله إلى العريف الأول السياسي شهريا.
٤ - تسجيل كل من فرضت عليه الإعانة وامتنع عن دفعها.
٥ - تسجيل اسم كل شحص لم يتمكن من إعلامه بالطلب.
٦ - فرض الضرائب وتحصيلها من أصحابها.
٧ - تقديم إيصالات رسمية لكل من يقدم مبلغا من المال - من أفراد الشعب - وكذلك استلام إيصال رسمي من العريف الأول السياسي عندما يتم تسليمه المال.
стр. 2304
د - المكتب التجاري:
١ - لا يعترف بأي طلب كان، إلا من العريف الأول السياسي.
٢ - لا بد أن يكون كل شراء مصحوبا بالحجة - فاتورة الشراء.
٣ - إذا احتاج المال، فليطلبه من العريف الأول - الإتصال والإخبار.
هـ - مكتب الشرطة:
١ - يجب عليه إطاعة وتنفيذ كل ما يأمره به (شيخ البلدة).
٢ - القيام بالسهر الدائم لحماية الشعب والدفاع عن كيانه وشرفه.
٣ - التحقيق في كل مشاجرة - نزاع - وبحثها، ورفع تقرير عنها إلى شيخ البلدة.
٤ - يمنع من فرض الضرائب، ويكتفي بإبلاغ شيخ البلدة عن كل حادث وقع وهو يتولى تنفيذ واجب تحصيل الضرائب.
تعليمات:
١ - يجب على كل فرد من الأعضاء المذكورين أن يحتل مكانه حسب معرفته ومقدرته، لأن الشعب يحاسب كل واحد منا على عمله ومسؤوليته.
٢ - يشترط في أعضاء هذا المجلس التحلي بالأخلاق الإسلامية، والتشبع بالروح الوطنية، وأن يكون الإخلاص رائدهم، مع الحرص على إحراز ثقة الشعب، وتقوية الروابط فيما بينهم، متجاوزين الحزازات القديمة، والأغراض الشخصية
стр. 2305
التي من طبيعتها زرع روح الانشقاق بين أفراد الشعب وطبقاته.
٣ - تكون الأحكام مستمدة من الشريعة الإسلامية، أو العرف السائد - الموجود.
٤ - إذا عجز المجلس عن حل مشكلة أو تنفيذها:
-...إن كانت من الناحية العسكرية فيقدمها إلى العريف الأول السياسي.
- وإذا كانت شرعية فيقدمها إلى لجنة الأوقاف والشؤون الدينية والثقافية.
٥ - يمنع على المجالس البلدية إصدار حكم الإعدام، أو التأديب، على أي مدني كان، وعلى هذه المجالس تقديم -المرتكب - إلى العريف الأول السياسي مصحوبا بالحجج والبراهين الدالة على إجرامه، وهو يتولى الحكم في ذلك.
٦ - كل نزاع أو خصام أدى إلى قتل أحد الخصمين، فيحجر قبل كل شيء على ما تم النزاع عليه، كما يحجر على القاتل، ويقدم إلى الجيش.
٧ - يمنع تقاضي أي أجر عن تسجيل العقود والزواح والطلاق والتركة.
٨ - يدفع الشاري الجزائري ثلث المال المشترى به عند شراء الأملاك إذا ما تجاوز مبلغ الشراء الخمسمائة ألف فرنك، هذا إذا كان البيع والشراء بين الجزائريين. كما يرخص للجزائريين بشراء أملاك (المعمرين).
٩ - يجب على المكتب الشعبي أن يهتم بالمحافظة على عائلات الشهداء وأولادهم وأملاكهم، وكذلك الأسرى والمعتقلين من عسكريين ومدنيين، وتعيين الكفيل للقاصرين وأملاكهم.
стр. 2306
١٠ - يجب على كل مجلس عقد اجتماعين في كل شهر لدراسة شؤونهم العامة وفحص تقاريرهم الشهرية ويقدم كل مكتب أعماله التي قام بها والتي هو مأمور بتنفيذها. كما يدرسون الأعمال المقبلة وتسييرها وكذلك توزيعها على أقسامها. وبعد الاجتماع، يعقد كل مكتب اجتماعا لأعضائه ليقدم لهم الأعمال التي كلف بتنفيذها.
١١ - يجب على (شيخ البلدة) مراقبة عمل المكاتب الخمسة.
١٢ - تسجيل (القوم) (١) ولمن ينتمون، مع ملاحظة عن أسباب انخراطهم.
١٣ - رفع التقارير الشهرية إلى الجيش في اليوم المعين لاستلام البريد من الجيش وتسليمه إليه. وكذلك الأمر بالنسبة للبريد الأسبوعي بين المجلس والقسمة في يومه المعين من قبل المساعد.
١٤ - على كل من لم يصله البريد في موعده المعين رفع تقرير إلى مسؤول الناحية أو المنطقة.
١٥ - التعليم إلزامي للبنين والبنات.
١٦ - يمنع كل مدني من غير أعضاء هذه المكاتب التدخل في شؤونها أو معارضتها في أعمالها، وإذا صدر عنها ما يخالف القانون، فعليه رفع شكواه إلى العريف الأول السياسي.
١٧ - يمنع كافة أعضاء المكاتب الشعبية الاطلاع أو التدخل
стр. 2307
في شؤون بعضهم البعض، وكل فرع مسؤول عن عمله وأسراره.
١٨ - يمنع كل فرد من أفراد الشعب، أو المجالس البلدية، التدخل أو الاتصال أو رفع الشكوى، عن غير طريق مسؤوله - أي قسمته وناحيته -.
١٩ - يمنع منعا باتا تأسيس المنظمات أو الأحزاب السياسية أو الانخراط فيها، ويحال إلى المجلس العسكري من يلاحظ عليه مخالفة ذلك.
٢٠ - يحال فورا إلى الجيش، وعن طريق الدرك، كل مجاهد أو مدني يعثر عليه بدون رخصة - تصريح -.
محكمة المدنيين: إن للمدنيين أحكاما ينفذها الجيش في مجاله العسكرية، ويحاكمون بالعقوبات التالية:
١ - التأديب.
٢ - الغرامة.
٣ - الإبعاد.
٤ - الإعدام.
الفصل الأول - الإعدام:
١ - كل ما يمس أمن الدولة (الحكومة).
٢ - اختلاس أموال الجيش.
٣ - ارتكاب ما يسمى بمبادىء الإسلام.
الفصل الثاني - التأديب:
١ - إفشاء السر.
٢ - رفض الأوامر.
٣ - التمرد على المكاتب الشعبية ومنها البلدية والدرك والشرطة.
الفصل الثالث - الغرامة:
١ - رفض المشاركة في أداء الواجب الوطني.
٢ - الاعتداء على ممتلكات الآخرين.
٣ - المشاجرة.
стр. 2308
الفصل الرابع - الإبعاد:
١ - التهم بدون حجج (الافتراء).
٢ - قلة الثقة وفقدانها.
٣ - الإساءة إلى الجوار.
تأكيد: تلغى من الآن فصاعدا التسميات القديمة، وتكون كالتالي:
١ - اللجان - يسمون (المجالس البلدية).
٢ - المسبلون - يسمون (رجال الدرك).
٣ - المنظمات الشعبية تسمى (المكاتب الشعبية).
٤ - خلايا الجاسوسية تسمى (المكاتب السرية).
تنبيه هذا القانون مؤقت، وتلغى جميع القرارات السابقة، ويتم العمل بما ذكر أعلاه، وبما يتم إبلاغكم به في المستقبل. ويعتمد تنفيد هذا القرار على إخلاصكم وتضحيتكم لوطنكم المفدى، وجمهوريتكم الفتية عاشت الجزائر بأبنائها المخلصين لها.
الصدور في: فبراير (شباط) ١٩٥٩
الصاغ الثاني للولاية السادسة
أحمد بن عبد الرزاق
стр. 2309
٤ - تنظيم الجاسوسية
اتبعت قيادة جيش التحرير الوطني كل الطرائق الممكنة لتطوير إمكانات الجيش ماديا ومعنويا، واستخدمت كل الوسائل المتوافرة لرفع مستوى كفاءة المجاهدين القتالية، سواء في مجال التسلح أو في مجال التدريب التعبوي والفني، أو في مجال الإعداد الفكري. وكال في جملة الوسائل المستخدمة تلك النشرات الدورية، مثل (مجلة المجاهد) و (مجلة الشباب) و (جريدة المقاومة) أو عن طريق نشرات تصدرها الولايات ذاتها (مثل صدى الجبال). وكثيرا ما كان يتم الاعتماد على إصدار نشرات خاصة لمعالجة مواقف معينه، وكانت هذه النشرات تصدر إما عن قيادة إحدى الولايات الستة (ولايات الكفاح) أو تصدرها القيادة العامة، ويمكن هنا التوقف عند إحدى تلك النشرات التي تحمل عنوان (التعليمات السوداء) والتي تعالج موضوع (الجاسوسية):
الجمهورية الجزائرية
جبهة التحرير الوطني الجزائري جيش التحرير الوطني الجزائري
الولاية السادسة...أركان الحرب
стр. 2310
الفقرة الأولى
أهمية الجاسوسية
تعتبر (الجاسوسية) من الأركان الأساسية التي تجعل الدول والشعوب في أمن واستقرار، وتصير في المستوى اللائق بها بين الأمم. فالجاسوسية بالنسبة للدولة هي عبارة عن نبراس ينير الطريق، وهي عبارة أيضا عن حارس أمين يوقف العابثين والمتآمرين عند حدودهم، ودرع متين يقي الدولة والشعب من الانهيار، وسد منيع يتعرض للغزاة الطامعين. والدولة الخالية من الجاسوسية هي جسد بلا روح. ولما كان لهذا الفرع من كبير الأهمية، فقد تم استخلاص بعض نقاط الجاسوسية من تجارب الماضي وأحداث الحاضر، بهدف تقديم بعض الفائدة التكميلية التي يمكن للمسؤولين في هذا الفرع الإفادة منها. وقد تم ترتيب هذه النقاط على النحو التالي.
الفقرة الثانية
صفات الجاسوس:
١ - أن يكون متشبعا بالروح الإسلامية والمبادىء الوطنية، وأن يكون كتوما (صاحب سر).
٢ - أن تتوافر لديه الرغبة في أداء مهمته الدقيقة مع ثقته بنفسه في نجاحها، وأن يكون ذا عزيمة صادقة وصبر قوي، قادرا على احتمال أقسى الشدائد، وألا يشعر باليأس أو الملل قبل بلوغ أهدافه المعينة، مهما طال أمد الوصول إليها، وألا يؤخذ بالانفعالات العاطفية أو المشاعر الحساسة.
стр. 2311
٣ - أن يكون الجاسوس اجتماعيا، بمعنى أن تتوافر له القدرة على الاتصال بكل طبقات الشعب، بما في ذلك الأجانب، وبحيث يستطيع العيش مع الطبقات المذكورة، مهما كانت بيئتها، أكان ذلك في المدن أو البوادي.
٤ - يشترط في الجاسوس ألا يكون ذا ميل سياسي، ولا يمنعه ذلك من الانخراط في أية منظمة سياسية بهدف الحصول على المعلومات، مع التظاهر بالمظهر المناسب للوسط الذي يؤدي فيه مهمته حتى لا يلفت إليه الأنظار بأي شكل من الأشكال.
٥ - أن يكون الجاسوس متزنا - بعيدا عن النزق والطيش - لا يندفع لأي عارض من العوارض، وهذا ما يفرض عليه أن يكون مستمعا أكثر منه متحدثا، لا سيما في الأوساط التي لا تتوافر له معرفة كافية بها، وعليه ألا يظهر حزنه وقت الهزيمة أو إظهار فرحه وقت النصر.
٦ - يشترط في الجاسوس ألا يكون صاحب إعجاب بنفسه، بعيدا عن الغرور والتبجح - الافتخار والفخفخة - لأن صفات كهذه تتنافى وأعماله، وأن يبتعد عن الثرثارين. كثيري الكلام، وألا يستخدمهم في أعماله وأغراضه لأن ضررهم أكثر من نفعهم، وألا يكون للجاسوس أصدقاء ملازمين له، لأنه يصبح بذلك أكثر قدرة على الاحتفاظ بأسراره.
٧ - أن يهجر جميع الملاذ الدنيوية، ويبتعد عن الأطماع والأهواء الشخصية التي عادة ما تجعل الإنسان أداة في قبضة الآخرين.
٨ - أن تتوافر له القدرة على التكهن - التوقع - غير أن عليه ألا يبني تصرفاته واستنتاجاته على هذا التكهن، بل عليه أن يتوخى الحقيقة
стр. 2312
من خلال تحرياته وأبحاثه.
٩ - أن تتوافر له الكفاءة والمهارة والفطنة والحيلة والدهاء، حتى يتمكن من الاطلاع على أسرار الآخرين من غير أن يطلع عليها أحدا.
١٠ - أن يستخدم الجاسوس المناورات الخداعية - التضليلية -لأن ذلك هو سبيله لكشف أسرار العدو وتحطيم مخططاته التي يهدف من خلالها معرفة أهدافنا وكشف جواسيسنا ومخططاتنا في هذا المجال.
الفقرة الثالثة
تقسيم الجاسوسية: (وهي تنقسم الى قسمين):
أولها: ما يسمى (بالمهاجمة) ومعناه جلب أسرار العدو، والاطلاع على برامجه السياسة والعسكرية والإعلامية وغيرها، والتعرف على أهدافه حتى يسهل القضاء عليها. وللوصول إلى هذا الهدف يجب علينا بدل قصارى جهودنا، وأن نضحي من أجله بالرجال والأموال. وعلى هذا، فلنبدأ بشرح الأعمال الأولية التي يقوم بها العدو .. فبمجرد تعيين ضابط للعمل في مكاتب الشؤون الأهلية (الساس) في جهة ما، من مدينة أو قرية أو عرش، يقوم بما يلي:
١ - يبحث عن تاريخ المدينة أو القرية أو العرش قبل سنة (١٨٣٠) أي قبل دخول فرنسا الى الجزائر، وموقفها من فرنسا بتأييد دخولها أو مقاومته.
٢ - يبحث عن موقفها من الثورات التي وقعت بعد سنة (١٨٣٠).
стр. 2313
٣ - يبحث عن (الأعراش) الموالية للعرش المؤيد للثورات، والأعراش المضادة له، كما يبحث عن عدد أبنائه الموجودين مع قوات جيش التحرير، وأولئك الموجودين مع القوات الفرنسية، ويقارن النسبة بينهما. كما يطلع على حالة أعيان العرش (وجهائهم وقادتهم)، ودراسة حالاتهم، ومحاولة التقرب منهم بكل وسيلة.
٤ - يبحث عن المستوى المعاشي - الحياتي - والثقافي، وعن النظم الاجتماعية، والعادات والتقاليد ويضبط جميع ممتلكات الأهالي.
٥ - يبحث عن موقف ذلك العرش، أو تلك المدينة، من ثورة سنة ١٩٥٤.
٦ - يطلب من المسؤول عن مكتب الشؤون الأهلية (الساس) الذي سبقه إلى ذلك العرش، أن يبدي له رأيه، وأن يشرح له شرحا مستفيضا أحوال العرش وعاداته وأخلاقه، ويشرع بعد ذلك في تنفيذ خطته التي تتلخص بما يلي:
إعادة تنظيم شبكة الجاسوسية في الأوساط الشعبية، وفي سائر المجتمعات، مثل منظمات الطلاب والمعلمين والأئمة والتجار والموظفين والعمال والرياضيين والأطباء والصيادلة والرعاة والحاطبين وصانعي القطران والنساء، بما في ذلك الممرضات وعمال إدارات البريد والإسعاف (في الهلال الأحمر والصليب الأحمر). وحتى في صفوف العسكريين - المجاهدين في جيش التحرير الوطني - وهو يلبس للظروف لبوسها، متخذا لذلك أساليب خاصة تناسب كل صنف من الأصناف الآتية:
العرش: يجعل العدو جاسوسا أو جاسوسين أو ثلاثة في كل لقب أو عائلة، بحسب كثرة عدد أفرادها أو قلتهم، ويختار الذين يثق
стр. 2314
فيهم ويعتمد عليهم، وهذا النوع من جواسيس العدو مكلف بمراقبة الطائفة والعائلة التي تحمل ذلك اللقب، والموقف العام من الثورة لكل فرد منها. كما أنه مكلف بتمزيق روابط العائلة، والرفقة، وإضعاف الشعور الوطني، والترويج لشائعات فشل الثورة وعدم فائدتها وجدواها، والإعلان عن هزائم - غير صحيحة - لحقت بالثورة. وإظهار فوائد بقاء فرنسا في الجزائر، وبث هذه الروح -الانهزامية - في قالب إرشادات وتوجيهات، مستفيدا في ذلك من كل الفرص والمناسبات. ويمكن لجاسوس (جيش التحرير الوطني) الاطلاع على هذا النوع من الجواسيس بفضل دراسته للشعب، وفهم جميع أفراده، وميولهم، وأفكارهم ومن كان منهم حتى الأمس
منعزلا ومنكمشا في زاوية، ثم بات اليوم وهو يختلط بجميع طبقات المواطنين.
التجار: يحاول العدو أن يجعل في كل أربعة تجار جاسوسا، مهمته مراقبة الباعة من المواطنين والتعرف على من كان بالأمس يشتري قنطارا من السميد - على سبيل المثال - في كل شهر وقد أصبح فيما بعد يشتري بالعشرة قناطير مع ملاحظة عدم الزيادة في أفراد عائلته. ويمكن لجواسيس (جبهة التحرير الوطني) معرفة جواسيس العدو، وكشفهم، بالاعتماد على مهارتهم في فنهم ودهائهم وذكائهم وفطنتهم وملاحظتهم الدقيقة ممن كان بالأمس - من التجار - يخاف العدو ويهاب سطوته، ولا يبيع للمواطنين إلا المحدد لهم، وهو يتظاهر اليوم بأنه مستعد لسد كل الحاجات التي يطلبونها من البضائع. وعلى من كان منهم لا يجلب من السلع إلا كمية محدودة، وقد أفسح له المجال بعد ذلك ليستورد كل ما يريده.
الأطباء والمبادلة: يسمح لهم إما ببيع أدوية زائدة، أو ببيع
стр. 2315
أدوية سامة لجيش التحرير.
الممرضون والممرضات والهلال الأحمر والصليب الأحمر:
تنحصر مهمتهم في الحصول على المعلومات من النساء والأطفال الصغار، لما تسمح به مهمتهم من التمكن من الاتصال يجمح طبقات الشعب، وإظهار مزايا فرنسا للمواطنين من عطف وشفقة ومعالجة وتوزيع الأدوية مجانا.
المعلمون: تنحصر مهمتهم بإضعاف إرادة التلاميذ والطلاب الجزائريين العرب، وتشريبهم كره اللغة العربية، ومحبة اللغة الفرنسية، وإظهار ضعف العرب وقصورهم، والتشهير بالثورة على اعتبارها عملا همجيا، مع إعطاء الشرعية للحرب التدميرية الي تقوم بها فرنسا ضد جزائر الثورة. كما يدخل في مهمتهم، كشف الطلاب العاملين مع الثورة وجبهة التحرير الوطني والسعي باستمرار لإفساد أخلاق الطلاب، بحملهم على تعاطي الخمر وسواه، وإبعادهم عن أداء فرائضهم الدينية.
الأئمة: وتنحصر مهمتهم في التنديد - أثناء خطبهم - بالمجاهدين، وأن ما يقومون به لا يعد جهادا، ولا عملا شرعيا، مدعين بأن القوة لا تواجه إلا بقوة مثلها. والعمل على تفسير بعض آيات القرآن الكريم والأحادي النبوية الشريفة تفسيرا معكوسا، والتشهير بأعمال الثورة، وبكل ما من شأنه هدم أسس الدين والعقيدة الإسلامية والوحدة.
النساء: يقمن ببث روح الفرقة وسوء التفاهم بين النساء ورجالهن، وحملهن على أن يشتكين ببعولتهن إلى مكتب الشؤون الأهلية (الساس). وأن يقمن بمراقبة زيادة الأطفال والنساء في العائلات، ومن أين طرأت هذه الزيادة؟ وكذلك الاتصال بنساء