٣ - أن يكون الجاسوس اجتماعيا، بمعنى أن تتوافر له القدرة على الاتصال بكل طبقات الشعب، بما في ذلك الأجانب، وبحيث يستطيع العيش مع الطبقات المذكورة، مهما كانت بيئتها، أكان ذلك في المدن أو البوادي.
٤ - يشترط في الجاسوس ألا يكون ذا ميل سياسي، ولا يمنعه ذلك من الانخراط في أية منظمة سياسية بهدف الحصول على المعلومات، مع التظاهر بالمظهر المناسب للوسط الذي يؤدي فيه مهمته حتى لا يلفت إليه الأنظار بأي شكل من الأشكال.
٥ - أن يكون الجاسوس متزنا - بعيدا عن النزق والطيش - لا يندفع لأي عارض من العوارض، وهذا ما يفرض عليه أن يكون مستمعا أكثر منه متحدثا، لا سيما في الأوساط التي لا تتوافر له معرفة كافية بها، وعليه ألا يظهر حزنه وقت الهزيمة أو إظهار فرحه وقت النصر.
٦ - يشترط في الجاسوس ألا يكون صاحب إعجاب بنفسه، بعيدا عن الغرور والتبجح - الافتخار والفخفخة - لأن صفات كهذه تتنافى وأعماله، وأن يبتعد عن الثرثارين. كثيري الكلام، وألا يستخدمهم في أعماله وأغراضه لأن ضررهم أكثر من نفعهم، وألا يكون للجاسوس أصدقاء ملازمين له، لأنه يصبح بذلك أكثر قدرة على الاحتفاظ بأسراره.
٧ - أن يهجر جميع الملاذ الدنيوية، ويبتعد عن الأطماع والأهواء الشخصية التي عادة ما تجعل الإنسان أداة في قبضة الآخرين.
٨ - أن تتوافر له القدرة على التكهن - التوقع - غير أن عليه ألا يبني تصرفاته واستنتاجاته على هذا التكهن، بل عليه أن يتوخى الحقيقة
стр. 2312
من خلال تحرياته وأبحاثه.
٩ - أن تتوافر له الكفاءة والمهارة والفطنة والحيلة والدهاء، حتى يتمكن من الاطلاع على أسرار الآخرين من غير أن يطلع عليها أحدا.
١٠ - أن يستخدم الجاسوس المناورات الخداعية - التضليلية -لأن ذلك هو سبيله لكشف أسرار العدو وتحطيم مخططاته التي يهدف من خلالها معرفة أهدافنا وكشف جواسيسنا ومخططاتنا في هذا المجال.
الفقرة الثالثة
تقسيم الجاسوسية: (وهي تنقسم الى قسمين):
أولها: ما يسمى (بالمهاجمة) ومعناه جلب أسرار العدو، والاطلاع على برامجه السياسة والعسكرية والإعلامية وغيرها، والتعرف على أهدافه حتى يسهل القضاء عليها. وللوصول إلى هذا الهدف يجب علينا بدل قصارى جهودنا، وأن نضحي من أجله بالرجال والأموال. وعلى هذا، فلنبدأ بشرح الأعمال الأولية التي يقوم بها العدو .. فبمجرد تعيين ضابط للعمل في مكاتب الشؤون الأهلية (الساس) في جهة ما، من مدينة أو قرية أو عرش، يقوم بما يلي:
١ - يبحث عن تاريخ المدينة أو القرية أو العرش قبل سنة (١٨٣٠) أي قبل دخول فرنسا الى الجزائر، وموقفها من فرنسا بتأييد دخولها أو مقاومته.
٢ - يبحث عن موقفها من الثورات التي وقعت بعد سنة (١٨٣٠).
стр. 2313
٣ - يبحث عن (الأعراش) الموالية للعرش المؤيد للثورات، والأعراش المضادة له، كما يبحث عن عدد أبنائه الموجودين مع قوات جيش التحرير، وأولئك الموجودين مع القوات الفرنسية، ويقارن النسبة بينهما. كما يطلع على حالة أعيان العرش (وجهائهم وقادتهم)، ودراسة حالاتهم، ومحاولة التقرب منهم بكل وسيلة.
٤ - يبحث عن المستوى المعاشي - الحياتي - والثقافي، وعن النظم الاجتماعية، والعادات والتقاليد ويضبط جميع ممتلكات الأهالي.
٥ - يبحث عن موقف ذلك العرش، أو تلك المدينة، من ثورة سنة ١٩٥٤.
٦ - يطلب من المسؤول عن مكتب الشؤون الأهلية (الساس) الذي سبقه إلى ذلك العرش، أن يبدي له رأيه، وأن يشرح له شرحا مستفيضا أحوال العرش وعاداته وأخلاقه، ويشرع بعد ذلك في تنفيذ خطته التي تتلخص بما يلي:
إعادة تنظيم شبكة الجاسوسية في الأوساط الشعبية، وفي سائر المجتمعات، مثل منظمات الطلاب والمعلمين والأئمة والتجار والموظفين والعمال والرياضيين والأطباء والصيادلة والرعاة والحاطبين وصانعي القطران والنساء، بما في ذلك الممرضات وعمال إدارات البريد والإسعاف (في الهلال الأحمر والصليب الأحمر). وحتى في صفوف العسكريين - المجاهدين في جيش التحرير الوطني - وهو يلبس للظروف لبوسها، متخذا لذلك أساليب خاصة تناسب كل صنف من الأصناف الآتية:
العرش: يجعل العدو جاسوسا أو جاسوسين أو ثلاثة في كل لقب أو عائلة، بحسب كثرة عدد أفرادها أو قلتهم، ويختار الذين يثق
стр. 2314
فيهم ويعتمد عليهم، وهذا النوع من جواسيس العدو مكلف بمراقبة الطائفة والعائلة التي تحمل ذلك اللقب، والموقف العام من الثورة لكل فرد منها. كما أنه مكلف بتمزيق روابط العائلة، والرفقة، وإضعاف الشعور الوطني، والترويج لشائعات فشل الثورة وعدم فائدتها وجدواها، والإعلان عن هزائم - غير صحيحة - لحقت بالثورة. وإظهار فوائد بقاء فرنسا في الجزائر، وبث هذه الروح -الانهزامية - في قالب إرشادات وتوجيهات، مستفيدا في ذلك من كل الفرص والمناسبات. ويمكن لجاسوس (جيش التحرير الوطني) الاطلاع على هذا النوع من الجواسيس بفضل دراسته للشعب، وفهم جميع أفراده، وميولهم، وأفكارهم ومن كان منهم حتى الأمس
منعزلا ومنكمشا في زاوية، ثم بات اليوم وهو يختلط بجميع طبقات المواطنين.
التجار: يحاول العدو أن يجعل في كل أربعة تجار جاسوسا، مهمته مراقبة الباعة من المواطنين والتعرف على من كان بالأمس يشتري قنطارا من السميد - على سبيل المثال - في كل شهر وقد أصبح فيما بعد يشتري بالعشرة قناطير مع ملاحظة عدم الزيادة في أفراد عائلته. ويمكن لجواسيس (جبهة التحرير الوطني) معرفة جواسيس العدو، وكشفهم، بالاعتماد على مهارتهم في فنهم ودهائهم وذكائهم وفطنتهم وملاحظتهم الدقيقة ممن كان بالأمس - من التجار - يخاف العدو ويهاب سطوته، ولا يبيع للمواطنين إلا المحدد لهم، وهو يتظاهر اليوم بأنه مستعد لسد كل الحاجات التي يطلبونها من البضائع. وعلى من كان منهم لا يجلب من السلع إلا كمية محدودة، وقد أفسح له المجال بعد ذلك ليستورد كل ما يريده.
الأطباء والمبادلة: يسمح لهم إما ببيع أدوية زائدة، أو ببيع
стр. 2315
أدوية سامة لجيش التحرير.
الممرضون والممرضات والهلال الأحمر والصليب الأحمر:
تنحصر مهمتهم في الحصول على المعلومات من النساء والأطفال الصغار، لما تسمح به مهمتهم من التمكن من الاتصال يجمح طبقات الشعب، وإظهار مزايا فرنسا للمواطنين من عطف وشفقة ومعالجة وتوزيع الأدوية مجانا.
المعلمون: تنحصر مهمتهم بإضعاف إرادة التلاميذ والطلاب الجزائريين العرب، وتشريبهم كره اللغة العربية، ومحبة اللغة الفرنسية، وإظهار ضعف العرب وقصورهم، والتشهير بالثورة على اعتبارها عملا همجيا، مع إعطاء الشرعية للحرب التدميرية الي تقوم بها فرنسا ضد جزائر الثورة. كما يدخل في مهمتهم، كشف الطلاب العاملين مع الثورة وجبهة التحرير الوطني والسعي باستمرار لإفساد أخلاق الطلاب، بحملهم على تعاطي الخمر وسواه، وإبعادهم عن أداء فرائضهم الدينية.
الأئمة: وتنحصر مهمتهم في التنديد - أثناء خطبهم - بالمجاهدين، وأن ما يقومون به لا يعد جهادا، ولا عملا شرعيا، مدعين بأن القوة لا تواجه إلا بقوة مثلها. والعمل على تفسير بعض آيات القرآن الكريم والأحادي النبوية الشريفة تفسيرا معكوسا، والتشهير بأعمال الثورة، وبكل ما من شأنه هدم أسس الدين والعقيدة الإسلامية والوحدة.
النساء: يقمن ببث روح الفرقة وسوء التفاهم بين النساء ورجالهن، وحملهن على أن يشتكين ببعولتهن إلى مكتب الشؤون الأهلية (الساس). وأن يقمن بمراقبة زيادة الأطفال والنساء في العائلات، ومن أين طرأت هذه الزيادة؟ وكذلك الاتصال بنساء
стр. 2316
المجاهدين وبث فيهن ما من شأنه التأثير عليهن، وإضعاف عقيدتهن الوطنية، والإيحاء لهن بأن أزواجهن قد تزوج البعض منهم بالتونسيات، والآخرون بالمغربيات، وهجرن زوجاتهم الجزائريات.
الرعاة والحاطبون وصانعوا القطران: وتنحصر مهمة الجواسيس من هذا النوع بما يلي:
١ - البحث عن آثار جيش التحرير الوطني، ومتابعة تحركاته.
٢ - تحديد الطرق التي يتبعها جيش التحرير كثيرا في تنقلاته.
٣ - مراقبة الذين يتصلون بالجيش من مسبلين (أنصار) وغيرهم من المواطنين، واكتشاف الطرق إلى مخابيء التموين، ومراكزها، إذا استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ويستطيع جواسيس (جيش التحرير الوطني) كشف هذا النوع من الجواسيس بمراقبة وجودهم مرات كثيرة في أماكن ممنوعة.
البطالون (العاطلون عن العمل): يعمل العدو على إقامة المشاريع لفتح المجال أمام العاطلين عن العمل مثل خدمة الطرقات وشقها، وإقامة بعض الأبنية، ثم ينتخب بعد ذلك منهم الجواسيس الذين تنحصر مهمتهم بما يلي -:
١ - حملهم على الاعتراف بفضل فرنسا وجميلها لأنها سهلت لهم طرق العيش، ومحاولة إقناعهم بالنفور من الثورة التي لا تجديهم نفعا. ويمكن لجواسيس (جيش التحرير الوطني) كشف هذا النوع من الجواسيس عن طريق مراقبة الذين يكثرون منهم التردد على الإدارات المكلفة بالعمل (الشغل) ومكاتب النقابة، بعد التعرف على مهماتهم من هذا الغدو والرواح وغيره. ويجب على جواسيسنا (جواسيس جيش التحرير) الاعتماد على العقل والدهاء في كل الأمور لكشف جواسيس العدو
стр. 2317
المنظمات العاملة مع الجيش:
بعدما يتعرف العدو على عضو من المنظمات الجزائرية الوطنية، أو أحد المسبلين (الأنصار) أو أحد أعضاء المجالس وغيرهم، يحاول الاتصال بهذا العضو العامل من غير إشعاره بأنه على معرفة بنشاطاته وأعماله، ويجرب إقناعه بفائدة بقاء فرنسا في الجزائر، وأهمية التعاون معها، مع مقارنة بعض الأحوال الحاضرة مع ما كانت عليه هذه الأحوال في الماضي، وإبراز نسبة التحسن - المزورة -. ويتعهد له بإعطائه الوظيفية اللائقة به والتي يرغب فيها. وبعد كل هذا الإغراء، يعرض عليه العمل معه، فإذا رضي بذلك انتهت مشكلته وأصبح جاسوسا للعدو. أما إذا رفض، فإنه يترك وشأنه لمدة أيام قليلة، ثم تصدر السلطة - الاستعمارية - أمرها بالقاء القبض عليه، بتهمة العمل مع جيش التحرير الوطني، ويسلط عليه أنواعا من العذاب الوحشي لإرغامه على الاعتراف بمهمته ودوره، ويتظاهر له - أثناء التحقيق - بالشفقة عليه أحيانا، مع الاستمرار في تعذيبه إن لم يعترف. وأما إذا أقر بعمله، فإن مكتب الشؤون الأهلية (الساس) يقتاده فورا إلى مكتبه، مذكرا إياه بكل ما صرح به أثناء استجوابه، وبالأعمال التي قام بها. ويهدده بأن كل ذلك يستوجب قتله. ويقول له: على فرض أني تسامحت معك، فلا بد لي من إلقاء القبض على رفاقك في العمل، الأمر الذي يؤدي إلى إعدامك من قبل جيش التحرير الذي سيتهمك بكشف أمرهم والإقرار عنهم. غير أني أرى من النصيحة لك، ومن الواجب الإنساني، أن أطلق سراحك، حتى ترجع الى عملك كما كنت، ولا ألقي القبض على رفاقك في العمل، وسأشيع بأنك لم تعترف بأي شيء. كل ذلك لتعمل معنا بعد خروجك من السجن. وعليك أن تخبرنا عن تحركات الجيش، وعن أعمالك وأعمال أصحابك
стр. 2318
وتنحصر مهمة هذا النوع من الجواسيس بالتالي:
١ - محاولة التعرف على المنظمات الثورية الوطنية العاملة في الأعراش والبلدان المجاورة.
٢ - بث روح التفرقة بين الطبقات والمنظمات العاملة مع الثورة.
٣ - جمع أسرار الشعب بصورة عامة.
٤ - دفع تلك المنظمات لاستخدام وسائل العنف والشدة وسوء المعاملة بطريقة لا يحتملها الشعب ولا يستسيغ قبولها من منظمات يعتبرها مثل أمه الحنون. وهذه الطرق، وأشباهها، تنفر الشعب من الجيش والعاملين في صفوفه، وتسقط من قيمة المنظمات الثورية في أنظار الشعب، وتدفع المواطنين للاقتراب من شيوخ البلديات (الأميار) الاستعماريين، وعملاء العدو، والاقتراب منهم قدر ابتعادهم عن جيش التحرير الوطني والتنظيمات التابعة له.
٥ - إعطاء معلومات عن الأموال التي يساهم بها المواطنون في الثورة، من حيث الزيادة أو النقصان، وموقف التموين والذخائر لدى قوات الثورة. والعمل على إضعاف ميزانية الجيش، إما عن طريق الحد من الدخل المالي، وإما عن طريق شراء القليل من المواد التموينية بمبالغ باهظة، مع إبلاغ السلطات الفرنسية عن طرائق تموين جيش التحرير الوطني وأساليب نقلها. وكذلك السعي للحد من النشاط السياسي للثورة عن طريق إبلاغ ونشر أوامر مزورة من جيش التحرير الى المواطنين. ويمكن لشبكة جاسوسية جيش التحرير الوطني كشف جواسيس العدو من هذا النوع وذلك بفضل معرفة حقيقة أعمال المنظمات الوطنية ونشاطاتها ومواقفها، وملاحظة النقاط التي سبق ذكرها. وكذلك من خلال مراقبة أعضاء المنظمات بعد خروجهم من السجن، ومقارنة أعمالهم ومواقفهم مع ما كانت عليه قبل دخولهم السجن.
стр. 2319
جواسيس العدو داخل جيش التحرير الوطني:
يعمل العدو على تشكيل هذا النوع من الجواسيس وتكوينهم، إما عن طريق بعض المواطنين المزودين بالتعليمات الضرورية والتوجيهات اللازمة، وإما عن طريق الذين يطلبون التطوع في صفوف الجيش الفرنسي وإما عن طريق عساكره (جنوده) الذين يدفعون للانضمام إلى جيش التحرير الوطني بعد تزويدهم بالتعليمات والتوجيهات الضرورية، وكذلك عن طريق الأسرى من مجاهدي جيش التحرير الذين يقعون في قبضة العدو، أو حتى المدنيين الجزائريين الذين يعدهم العدو في السجون والمعتقلات ثم يسهل لهم عملية الفرار. وإما عن طريق النساء. ومهمة هؤلاء الجواسيس، كما مجددها لهم العدو، هي على النحو التالي:
١ - جمع المعلومات السرية عن حالة الجيش (قوات جيش التحرير) مثل: عدد أفراد الجيش، والمساحة الجغرافية التي يحتلها - يشغلها -وأنواع أسلحته ومستوى تدريبه العسكري، ومسؤوليه وأسماءهم وعلاقتهم بعضهم ببعض، وعلاقتهم بجنودهم، والنظام الإداري، والحالة المعنوية للجيش في حياته الجبلية، وموقفه من النظام الثوري. وموقف قواته من غارات القوات الفرنسية وما يظهره هؤلاء من ضروب الشجاعة، أو الحذر، والنسبة المائوية لتكوين القوات وتشكيلها مثل: يوجد من العرش الفلاني عدد كذا، ومن العرش الفلاني عدد كذا، معيشتهم، أكلهم، أعمالهم اليومية، عدالة الجيش، تزوير الأعمال إن وجدت. تمركز أفراد الجيش، سيرتهم، حراستهم الخ ..
٢ - القيام بالدعاية لفرنسا في وسط جيش التحرير، وحمل أفراد منه على إفشاء أسراره، كل ذلك مقابل ما يقوم به مكتب الشؤون
стр. 2320
الأهلية (الساس) من تموين لعائلات جواسيس فرنسا، وضمان حياتهم ووعدهم بالمستقبل الزاهر قصد التأثير على معنوياتهم، وإضعاف إرادتهم، وحملهم في النهاية على الاستسلام لمخططاته.
٣ - بث روح الفرقة في وسط المجاهدين، وإشاعة الروح الانهزامية - الملل من الجهاد واليأس من النصر - مع تقديم الوعود المغرية: مثل ضمان مصير الأسرى، والعفو عن المجاهدين إلخ ..
٤ - التظاهر بالحماسة للعمل حتى يحتل الجاسوس مركزا مسؤولا في التنظيمات الثورية، الأمر الذي يساعده على فتح باب التجنيد أمام عملاء العدو وجواسيسه.
٥ - النساء: يقمن بالأعمال ذاتها، علاوة على محاولة الزواج من المسؤولين. واتهام المجاهدين بارتكاب الفحشاء معهن. ويستطيع جواسيس جبهة التحرير الوطني كشف هؤلاء الجواسيس من خلال متابعة أعمالهم وأعمالهن، حيث يمكن تقويم الأعمال بذكاء، وإعطاء الأمور حقها من المراقبة، وإجراء دراسة دقيقة لأحوال الأفراد: سيرتهم وتحركهم وأعمالهم وحال العاملين مع العدو. وبذلك يمكن فرز الخائن عن المخلص، كمن كان بالأمس ذو ميل للعدو، أو كان منعزلا عن الثورة، ثم جاء يطلب فجأة التجنيد للتطوع في الجيش من غير أن يطلب منه ذلك، وكذلك من كان في صفوف قوات العدو ومعروفا بعدائه للثورة، وممارسته أعمالا بشعة ضد جمهور المواطنين، ثم جاء يطلب هو الآخر الانضمام لقوات جيش التحرير، من غير القيام بأعمال إيجابية تؤكد صدقه وإخلاصه. أو الأسرى الفارون من العدو، أو الذين يتم إطلاق سراحهم. الأمر الذي يقتضي دراسة حياتهم في
стр. 2321
الجيش قبل وقوعهم في الأسر، وكيفية أسرهم، ومعاملة العدو لهم طوال المدة التي قضوها في السجن، وطريقة فرارهم، إذا كانوا قد هربوا من السجن، أو خروجهم منه، إذا كان العدو هو الذي أطلق سراحهم.
الاتصال بين العدو وجواسيسه
أ - الاتصال المباشر، ويتحقق كما يلي:
١ - مع المواطنين الذين لهم اتصال دائم بالعدو.
٢ - مع الجنود الموجودين في صفوف العدو.
٣ - مع المساجين الذين أطلق العدو سراحهم، والذين يترددون على الإدارات الاستعمارية مرة في كل أسبوع أو كل ثلاثة أيام، حيث يتظاهر العدو بأنه لا زال يشك في أمر هؤلاء، مستخدما هذه الطريقة للتمويه، وللحصول على المعلومات، وهذا النوع قليل.
٤ - يقوم العدو بحملات تفتيشية، يجمع فيها المواطنين، ويتصل بجواسسيه أثناء البحث، ويتلقى منهم المعلومات، بينما هو يتابع في الوقت ذاته استجواب المواطنين بأسئلة لا تمت أحيانا إلى الثورة بأية صلة. ويظهر هذا النوع لجواسيس الثورة، الذين عادة ما يكونون بين المواطنين، من خلال إطالة البحث والتحقيق مع بعض أفراد الشعب، في حين يكون موضوع الاستجواب واحدا للجميع.
٥ - ويوجد هذا النوع أيضا بين الذين يتصلون دائما بالإدارات الفرنسية، معتمدين في ذرائعهم على قضاء مهام خاصة بهم. ويسعتطيع جواسيس الشبكات الوطنية فهمهم ومتابعة مراقبتهم،
стр. 2322
والتمييز بين ما هو صحيح من هذه الاتصالات، وبين ما هو كاذب مخادع.
ب - الاتصال غير المباشر:
١ - ينحصر هذا النوع في أفراد يقدمون معلوماتهم إلى مكتب الشؤون الأهلية (الساس) عن طريق البريد. ويعرف هؤلاء بكثرة أسفارهم إلى بعض المدن والقرى التي يوجد فيها مركز للبريد، ويتم تحرك هؤلاء حسب خطة محددة، وفي وقت معين (مرة في كل أسبوع، أو في كل خمسة عشر يوما، أو حتى كل ثلاثة أشهر). ويمكن لشبكة جاسوسية الثورة كشف هؤلاء عن طريق الجواسيب الثوريين الذين يعملون في مكاتب البريد، حيث يقومون بقراءة الرسائل الموجهة إلى الإدارات الفردية، وتحديد مصدر هذه الرسائل. وخط العنوان، ومكان تحرير الرسالة، والضبط اللازم لهذه الأشكال من الاتصالات المتبادلة.
٢ - يكتب بعض الجواسيس من هذا النوع تقاريرهم، ويضعونها في أمكنة معينة متفق عليها مع العدو. وتنقل هذه التقارير عن طريق الدوريات المتجولة العادية التي ينظمها العدو. وتقوم هذه الدوريات بدورها أيضا بوضع تقارير عن ملاحظاتها. ويظهر هذا النوع للأذكياء من جواسيس الثورة، عن طريق مراقبة دوريات العدو المتجولة، وترددها على مكان - أو أمكنة - معينة في أوقات محددة. وعندئذ تنظم جاسوسية الثورة رقابة دقيقة ومستمرة للأمكنة المذكورة حتى يتم إلقاء القبض على الخائن.
٣ - قد يقوم العدو بتجهيز بعض جواسيس هذا النوع بالأجهزة اللاسلكية، ويستطيع جواسيس الثورة كشف هؤلاء بفصل ما يتوافر لهم من الفطنة والحكمة.
стр. 2323
٤ - ويوجد هذا النوع من الجواسيس بين المواطنين الذين لهم اتصال ببعض الإدارات الفرنسية البعيدة، في بلاد أخرى، بحيث لا يكونون معروفين هناك أو يكونون موضعا للشبهات. ولهذا يجب مراقبة كل المسافرين، وخاصة الذين تكون أسفارهم إلى بلد معين، والتعرف على الأسباب الداعية إلى أسفارهم. ومن هنا يستطيع جواسيس الثورة استخلاص النتائج الحقيقية، عن طريق مراقبة جميع الحركات وفهمها، على أن تتخذ بعد ذلك اللإجراءات التالية:
١ - حمل هؤلاء الجواسيس على العمل مع الثورة من غير إشعارهم بمعرفة حقيقتهم على أنهم جواسيس للعدو.
٢ - إذا لم تتحقق النتيجة المذكورة، واستمروا في ممارسة عملهم العدواني، فيلزم قتلهم.
مناورات العدو
أ - بالنسبة لجواسيس الثورة العاملين في إدارات البريد وغيرها، يسلك معهم إحدى طريقتين:
يحاول العدو معرفتهم واكتشافهم في الإدارات المذكورة، فإذا ما تمكن من ذلك، فإنه سيحاول استخدامهم لتزويد الثورة بأخبار ومعلومات مضادة وفي صالحه، وذلك إما بالاتفاق معهم بعد تسخيرهم لغرضه وإما من غير علمهم وبحيث لا يشعرون بها، وهي ترمي إلى الغرض ذاته.
ب - يحاول العدو تلطيخ سمعة منظماتنا الثورية -الشعبية- العاملة بكل حماستها الوطنية الحقيقية،
стр. 2324
والنيل من غيرتها وإخلاصها بكل الوسائل الممكنة، مثل:
١ - بعد معرفتها وكشف أمرها، يعمل على امتداح أفرادها وإزجاء الشكر لهم أمام المواطنين، بهدف دفع الثورة إلى الشك بأمرهم والعمل على تدميرهم والقضاء عليهم.
٢ - عندما يكتشف العدو أمر عملاء مخلصين للثورة، ومن النوع الذي لا يرقى لإخلاصهم شك أو ريبة، فإنه يكثر من التردد عليهم وزيارتهم في محلاتهم أو مضاربهم (خيامهم) ويتقرب إليهم في كل المناسبات، وهدفه من ذلك إثارة الشك حولهم، والريبة في أمر إخلاصهم، وحرمانهم من ثقة الثورة ودفعها للقضاء عليهم.
٣ - توجيه بعض الرسائل إلى أولئك المخلصين، ووضع إعلانات شكر لهم على الطرق العامة لإقدامهم على إفشاء أسرار أو غير ذلك من افتراءات ومزاعم يلصقها بهم.
٤ - قيام العدو بتكليف عملائه غير المعروفين من قبل جاسوسية الثورة - إن وجدوا - للتوجه إلى جيش التحرير الوطني، وإبلاغه بأن (فلانا) يعمل مع العدو. والزعم بأن العميل الفرنسي لم يتقدم بمعلوماته (الكاذبة طبعا) إلى جيش التحرير، إلا بدافع الغيرة الوطنية. مع التظاهر بعدم معرفته للشخص الذي نقل إليه المعلومات بتعاون المتهم مع الفرنسيين - أعداء البلاد -.
٥ - يوصي العدو عملاءه: بأنه إذا ما ألقي عليهم القبض من قبل أجهزة الثورة، أن يتهموا بعض المخلصين العاملين مع الثورة.
стр. 2325
٦ - يلقي العدو القبض على بعض الأفراد المتعاونين مع الثورة، والمتفانين في خدمتها والإخلاص لها، ثم يطلق سراحهم بعد فترة وجيزة، وهدفه من ذلك هو دفع الثورة للقضاء عليهم قبل التروي في أمرهم.
٧ - يستخدم العدو هذه المناورات ذاتها مع الفرع العسكري لجيش التحرير - ما عدا طريقة الاتصال لأنها لا تحدث.
ج - يستعمل العدو، بالنسبة للعاملين معه، وبهدف تضليل جاسوسية الثورة، المناورات الآتية:
* يبعث لهم رسائل يهددهم فيها بالموت، بزعم أنهم يعملون مع (جيش التحرير الوطني).
* يزج بهم في سجونه، ثم يطلق سراحهم بعد فترة وجيزة من الزمن.
* يعلن أمام المواطنين أن فلانا (جاسوسه) هو عنصر عامل مع جيش التحرير، وأنه في سبيله لإلقاء القبض عليه لا محالة.
* يصادر أموالهم، ويهدم ديارهم، ويعوض عليهم خسائرهم خفية، ويلزم بعض عملائه بالتظاهر بعدم الذهاب إلى السوق، وتأمين متطلباته الضرورية إلا خفية وبصورة سرية.
* وتستخدم فرنسا هذه المناورات ضد أعراش بكاملها، وحتى ضد قرى أو مدن، حيث تعمل على تمييز عرش على آخر، فتفتح لأحد الأعراش المجال للحصول على كل الموارد، في حين يفرض الحصار الاقتصادي على أخرى. ويقيم المحتشدات في ناحية من النواحي، ويطلق في الوقت ذاته الحرية في ناحية أخرى. ويسجن عددا من أفراد أحد الأعراش، في حين يتجنب اعتقال ولو فرد واحد من أخرى. وإزاء هذا، يجب على جواسيسنا
стр. 2326
أن يكونوا متبصرين ومدركين لأهداف هذه المناورات، وما تلحقه من الضرر بالأفراد والجماعات، ومعرفة نوايا كل مواطن ومقدار حبه لنظام الثورة وتعلقه به وإخلاصه له. والتمييز بين هؤلاء الصادقين في إخلاصهم وأولئك الجواسيس المخادعين، لأن الأساليب الاستعمارية شديدة التعقيد، ولا يمكن فصحها وكشفها إلا بانتباه ومهارة وفطنة. وعلى (جواسيس الثورة) استخدام كل الوسائل الممكنة لحمل عملاء العدو وجواسيسه على العمل لمصلحة الثورة، من غير أن يشعروهم بذلك. مع العمل على حمل ضباط الشؤون الأهلية (الساس) وضباط (اللفيف الأجنبي) للعمل على خدمة الثورة، وذلك بدراسة ميولهم وحالاتهم السياسية ومشاعرهم، ومقدار حبهم للمال، لأن معظمهم يحب المادة حبا جما، ويموت من أجلها، إذ هم أشبه ما يكونون بالبهائم، لا هم لهم في هذه الحياة إلا إشباع رغباتهم وإرضاء ميولهم وملذاتهم، وهذا مما يساعد على شراء هؤلاء الضعفاء بالمال للحصول على ما يتوافر لهم من معلومات.
والجد كل الجد في تأدية الرسالة على أكمل وجه والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد.
ملاحظة: يجب على مسؤولي هذا الفرع أن يعتمدوا بالدرجة الأولى على دهائهم وذكائهم وفطنتهم واعتنائهم ليستطيعوا تأدية مهمتهم كاملة، وإفادة بلادهم وثورتهم.
على حامل هذه التعليمات أن يخبر حالا السلطات المسؤولة إذا ضاعت منه.
صدر في ١٥/ ٦/ ١٩٦١.
стр. 2327
٥ - التطور الثوري في الشمال القسنطيني
وصلت الثورة الجزائرية بعد انقضاء السنوات الأولى من الصراع المرير، إلى مرحلة متقدمة من التنظيم الشامل، وإذا كانت (الولاية الثانية - أو ولاية الشمال القسنطيني) هي إحدى ولايات الكفاح التي كان لها شرف السبق في التطور الثوري، فإنها بالمقابل قد تعرضت لقسط أكبر من ويلات الحرب. ولكن، وبالرغم من ذلك فقد أمكن للقيادة الثورية فيها، كما في غيرها، تجاوز كل المحن والمصائب، وإجراء التطور الضروري للتكيف مع الظروف المتجددة باستمرار. وقد يكون من المناسب ملاحظة ملامح ذلك التطور عبر ولايات الكفاح كلها، من خلال ما حدث (في الولاية الثانية) (١) من تطور.
إن تصور مدى ما بلغه جيش التحرير الوطني من التقدم، وما أمكن له إحرازه من انتصارات، هو أمر يتطلب بالضرورة العودة قليلا لاستقراء ملامح الأساليب التعبوية (التكتيكية) والتي طبقها الجيش الفرنسي في سنتي ١٩٥٥ - ١٩٥٦، ضمن إطاز محاولة
стр. 2328
القضاء على الثورة. ومن المعروف أن المرحلة الأولى من هذا التكتيك كانت تتمثل في نظام التربيعات (الكادرياج). وهو نظام يتلخص بإقامة مراكز عسكرية متعددة في مختلف الجهات التي انتشرت فيها الثورة، والمقصود من تلك المراكز هو محاصرة تحركات جيش التحرير الوطني، وخنق الجهاز التنظيمي الذي تقوم عليه حياة جيش التحرير في المشاتي والقرى ومحاولة القضاء على جميع العناصر المدنية والعسكرية العاملة في الثورة.
وبعد فشل هذه المحاولة، لجأ العدو إلى أسلوب جديد هو أسلوب (التجمعات) الذي يتلخص بإجلاء السكان المدنيين عن المناطق التي تتمركز فيها الثورة، وجميعهم في مراكز قرب الجيش الفرنسي، ومهدوا لهذه العمليات بمسألتين، أولاهما: إعلان المناطق المحرمة التي تشمل ثلثي مساحة (الشمال القسنطيني). وثانيتهما: تنظيم عمليات مسح كبرى (راتيساج) لنقل المدنيين وإجلائهم بالقوة عن مساكنهم، وخلال هذه العمليات كان الجيش الفرنسي يقتل أو يحمل معه جميع الحيوانات التي يصادفها في طريقه، كما يدمر جميع مصادر الحياة. وقد اضطر الجيش الفرنسي إلى اتخاذ هذه الطريقة بعد أن سيطرت الثورة على مناطق شاسعة، أصبح هو عاجزا عن الدخول إليها، وكان مقصوده من ذلك هو عزل جيش التحرير عن السكان، وحرمانه من الاتصال بهم، ومن العون والمؤونة التي يجدها عندهم، ريثما يقضي الطيران شيئا فشيئا على جيش التحرير. وقد توهم العدو أنه بهذه الطريقة قد قسم الأرض تقسيما طبيعيا بفصله الجبال عن السهول. وتوهم أنه وضع بذلك حاجزا حصينا بين جيش التحرير والسكان. لكن الذي غاب عن الجيش الفرنسي هو أن جيش التحرير الوطني
стр. 2329
موجود في كل مكان. وأنه رغم إقامة (المناطق المحرمة) فإنه لم ينقطع أبدا عن سيل المعلومات التي كان يحتاج إليها، كما أنه لم يفتأ، رغم التجمعات من البقاء على اتصال دائم بالسكان، بل لقد تبين للجيش الفرنسي أن هذه المناطق المحرمة أصبحت خطرا عليه أكثر مما هي لفائدته، فقد قطعت عليه الاتصال بالمناطق المحرمة، وانقطع عن التزود بالمعلومات عن تحركات جيش التحرير، إذ لم يعد في اسطاعته إرسال جواسيسه وأعوانه إلى مناطق الثورة (المحررة) للتزود منها بالمعلومات عن تنقلات قوات جيش التحرير ونشاطها. لقد أراد العدو فصل الثورة عن قاعدتها الشعبية، فكانت النتيجة أن أصيب هو بالعزلة التامة، ولم يعد يعرف شيئا عن نشاط جيش التحرير، وأصبح من جراء ذلك في خوف دائم من الهجمات المفاجئة والكمائن المباغتة.
أدرك قادة الجيش الفرنسي أنهم أصيبوا بخيبة أمل مريرة في الميدان العسكري. وكان شعورهم بالفشل قاسيا، فبحثوا لأنفسهم عن غطاء يسترون به هذه الهزيمة. فكان انقلاب (١٣ - أيار- مايو- ١٩٥٨) والذي أزال (الجمهورية الرابعة) وجاء جمهورية ديغول (الخامسة). وحاولوا تصوير هذا الانقلاب على شكل انتصار سياسي كبير. وقد كنا نتوقع حدوث مثل هذا الانقلاب، ليس فقط لأنه يمثل التطور الطبيعي للأحداث منذ (٦ شباط -فبراير - ١٩٥٨) حيث وقع العدوان على الحدود التونسية (حادثة ساقية سيدي يوسف). ولكن لأننا كنا بالإضافة إلى ذلك على علم بالاتصال القائم بين غلاة المستعمرين وبين قادة الجيش الفرنسي. وقد كان هدف غلاة الاستعمار هو تأكيد استعدادهم لقلب كل حكومة تفكر بالتفاوض مع جبهة التحرير الوطني. وقد بدأت هذه
стр. 2330
الاتصالات قبل (١٣ أيار- مايو) بزمن طريل، حيث عرضوا على (الجنرال ماسو) أن يعمل معهم على إعداد الجهاز الذي ينفذ الانقلاب، فرفض، فهددوه بالقتل، فقبل وخضع لهم، وعرضوا المسألة ذاتها على (الجنرال سالان) فرفض بدوره ولذلك حاولوا اغتياله في (حادث البازوكا الشهير- في أول سنة ١٩٥٧). ورغم أن (سالان) لم يشترك معهم، فإن الاطارات العسكرية الكبيرة قد رضيت بهذا العمل لأن شعورها بمرارة الفشل العسكري جعلها تبحث، كما قلنا، عن تعويض لذلك، وتوجه مسؤولية خيبتها إلى الجهاز السياسي الفرنسي المتمثل في حكومات (الجمهورية الرابعة) والاستعداد لقلب هذا النظام (الفاسد) وهذا هو سر الالتحام الذي وقع في الماضي بين قادة الجيش الفرنسي وغلاة الاستعمار. كما أننا علمنا قبل (أيار مايو- ١٩٥٨) أن (جاك سوستيل) له ضلع كبير في تهيئة الانقلاب، وأنه ينوي الحضور إلى الجزائر لقيادته وتنفيذه.
لقد شعر الجنود الفرنسيون بعد (١٣ أيار - مايو) بفرحة كبيرة، وراحوا يرقصون ويغنون ويشربون. لقد توهموا أنها نهاية الحرب، وأنه لم يبق أمامهم إلا العودة إلى بلادهم وعائلاتهم وذلك طبيعي. لقد أفهمهم قادتهم أن حكومات الجمهورية الرابعة هي المسؤولة عن هزائمهم، وعن استمرار الثورة، فكان من البدهي أن يتصوروا قرب نهاية الحرب بعد أن أسقطت الجمهورية الرابعة، وتم إبعاد رجالها السياسيين. ولكن لم يروع الجنود الفرنسيين بمثل ما روعوا عندما تسلموا تعليمات جديدة تحذرهم من التمادي بالمرح، وتحثهم على مواجهة جيش التحرير الوطني مرة أخرى، فكانت خيبة أمل الجنود الفرنسيين عاملا جديدا زاد من تدهور
стр. 2331
روحهم المعنوية. ولئن زعم جهاز الدولة الفرنسية أن الفرنسيين كانوا كلهم كلمة واحدة يوم (١٣ أيار - مايو). فقد كنا نحن نعلم خلاف ذلك، إذ كنا على علم بوجود هيئات فرنسية تناهض (١٣ - أيار - مايو) وتقاوم رجاله.
جاءت بعد ذلك (معركة الاستفتاء) لتشكل معركة سياسية كبيرة، استعد لها الفرنسيون عسكريا وسياسيا. وكان هدف الفرنسيين هو جمع الجزائريين بالقوة وإظهارهم في مظهر من رضي بالاستفتاء. لكن جيش التحرير الوطني كان قد استعد بدوره لمواجهة العدو في هذه المعركة، فعبأنا المناضلين في حملة مضادة للحملة الفرنسية، ووزعنا تعليمات خاصة إلى جميع المسؤولين لينسقوا أعمالهم. وأصدرنا نشرات خاصة لإيضاح حقيقة (حركة - ١٣ أيار - مايو) و (بالجنرال ديغول) و (مجازر ٨ أيار- مايو - ١٩٤٥) التي حدثت في عهد الجنرال (ديغول) وأصدرنا نشرات خاصة بالنساء، مع تكليف النساء المثقفات باللغة العربية، للاتصال بالنساء، وأن يشرحن لهن دور المرأة في مقاومة حملة الاستفتاء الفرنسية. وكنا في الميدان العسكري على استعداد أيضا لمواجهة العدو، ووعدنا جميع المدنيين بأنهم لن ينفذوا أوامر العدو. وحدثت منافسة بين سكان البوادي وسكان المدن، أيهم يكون أكثر التحاما مع الثورة، وتنفيذا لأوامرها، وأفسدنا جميع خطط الجيش الفرنسي الذي كان مقسما إلى فرق لحراسة الصناديق، وأخرى للدعاية بالأبواق، وأخرى لرد الهجمات المتوقعة. وقدر العدو اتساع الحملة التي نظمناها، فحاول مكتب الدعاية الفرنسي (المكتب الخامس) أن يرد علينا في نشرات خاصة، لكنها في الواقع لم تزد على أن أسهمت في نشر حججنا
стр. 2332
وأقوالنا، إذ كانت تنقل فقرات من نشراتنا لترد عليها ردا متهافتا ضعيفا. ورغم أن العدو قد أجرى الاستفتاء في البوادي قبل الموعد الذي كان حدده، فإنه لم يجد أمامه إلا الفراغ، إذ أن سكان البوادي كانوا قد لجأوا إلى قواعدنا واحتموا فيها. أما سمكان المدن فقد أظهروا شجاعة كبيرة، رغم ألوان الإرهاب الفرنسي التي سلطت عليهم. وأحرزنا فعلا انتصارات سياسية وعسكرية هامة ; وخرجنا بنتيجة ملموسة، ازداد الشعب الجزائري فيها نضجا ووعيا.
لم نكن نتوقع بداهة أن تتحدث الصحافة الفرنسية عن هذه الانتصارات، فقد تعودت تلك الصحافة أن تعمل في خدمة الاستعمار - إلا أقلها - وأن تصمت عن ذكر الحقيقة حتى ولو كانت صارخة، فمن ذلك سكوتها عن الخيبة التي مني بها (ديغول) في زيارته الأولى للجزائر، وخصوصا عند مروره بمدينة (قسنطينة) ولم تتعرض ولو بكلمة واحدة للمظاهرة التي نظمها الجزائريون بعد خطابه، وفي نفس المكان، وهي مظاهرة ضمت الشبان والشابات وهم يهتفون (تحيا الجزائر) و (تحيا جبهة التحرير الوطني) و (يسقط سوستيل) كما صمتت الصحافة الاستعمارية عن الهجوم الذي قام به بعض الفدائيين على الحرس الخاص المرافق للجنرال (ليعود) في قلب مدينة (قسنطينة) أثناء مروره بين الحديقتين الواقعتين بين (ساحة لابريش) و (باب الوادي). وسكت أيضا عن الهجوم الذي قتل فيه ضابط وجرح اثنين من بين الضباط الذين كانوا ذاهبين من (الميلية) لمقابلة (ديغول).
لقد تصدى الفرنسيون (المستوطنون) للثورة منذ البداية، غير أن عداء هؤلاء للثورة ليس على درجة واحدة، ومن الممكن تقسيم
стр. 2333
الأوروبيين - عامة - إلى قسمين: (الطبقة المتوسطة) وهذه لها موقفها السلبي سواء من حكومتنا أو الحكومة الفرنسية، وكل ما تأمله هذه الطبقة هو أن تحدث معجزة تحل (المشكلة الجزائرية) وقد أبدوا مخاوفهم من مستقبل الاستقلال أن يقضي على مصالحهم لأنهم يريدون البقاء في الجزائر. لكننا أفهمناهم بواسطة نشرات خاصة، وطمأناهم على مستقبلهم في الجزائر المستقلة. وهناك (غلاة الاستعمار) ورؤوس الفتنة الذين يريدون أن يمسكوا بأيديهم زمام الموقف السياسي في الجزائر وفي فرنسا، وهؤلاء تبينوا الآن أن آمالهم في (ديغول) قد تبخرت، وأغضتهم بعض تدابير (الجنرال ديغول) مثل الفصل بين السلطات المدنية والعسكرية، وإبعاد بعض القادة العسكريين المشتغلين بالسياسة، كما أغضبهم صمته عن (قضية الدمج). وقد فهموا من هذه التدابير أن (ديغول) يريد القضاء عليهم، ولذلك فهم يفكرون في انقلاب جديد، وفي مجابهة كل حكومة تريد التفاوض.
أما (المعمرون) فيعرف كل واحد، أننا عندما هاجمنا مزارعهم في أول الأمر، جعلوا في كل مزرعة مركزا عسكريا لحمايتهم وحراسة ممتلكاتهم، لكن على أثر انقلاب (١٣ أيار - مايو) انسحب الجيش الفرنسي من بعض المزارع، ونتج عن ذلك أن فقد المعمرون ثقتهم في جيشهم، ولذلك احتجوا على الجيش والحكومة. وسبب انسحاب الجيش الفرنسي أن جيش التحرير قد تمركز تمركزا قويا وأصبح يشكل خطرا كبيرا على المراكز العسكرية الفرنسية ذاتها، ومما يجدر تسجيله هو أن اتصال المدنيين الفرنسيين بجيش التحرير قد كثر وتعدد في المدة الأخيرة، وأصبحوا يدفعون اشتراكاتهم طوعا كبقية الجزائريين، من غير أن يفرض عليهم أحد
стр. 2334
ذلك. وعلى كل حال، فليس المدنيون الفرنسيون هم وحدهم المنقسمون على أنفسهم، بل إن العسكريين بدورهم منقسمون وممزقون أيضا. فهناك العسكريون الخلص - إذا جاز التعبير - وهناك العسكريون الذين يمارسون العمل السياسي. وقد وزعنا منشورات عديدة على الجنود الفرنسيين شرحنا فيها طبيعة المعركة التي نقوم بها. وقد أثرت فيهم تلك المنشورات حتى أن بعض الضباط أظهروا سخطهم وثاروا على قادتهم فزج بهم في السجون. كما وجهنا عنايتنا واهتمامنا الى (فرق القوم والحركة) ووزعنا عليهم منشورات عديدة، حتى صاروا ينضمون إلينا أكثر من ذي قبل، ومن المعروف أن نظام (رجال الحركة) يعتمد على المتطوعين الذين يعملون في دواويرهم، ويتم تسليحهم لمحاربة جيش التحرير، أي أن القيادة الفرنسية لا تنقلهم الى أماكن أخرى عندما تريد، كما تفعل مع بقية الجنود، كما أنها تدفع لهم رواتب وأجورا مرتفعة جدا. لكن لما كثرت عمليات انضمامهم إلينا أجبرتهم القيادة الفرنسية على التنقل من دواويرهم، وصارت تدفع لهم رواتب وأجورا مساوية لبقية الجنود. وأفاد جهاز إعلامنا - دعايتنا - من هذه المعاملة الجديدة (لرجال القوم والحركة) فوجه الدعوة إليهم من أجل الالتحاق بقواتنا. ولقت هذه الدعوة الاستجابة المناسبة.
جاءت بعد ذلك مناسبة تشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، فكان أول عيد يحتفل به الشعب منذ قيام الثورة، ونظمت الاجتماعات، وأقيمت الأفراح، ورفعت الرايات الجزائرية على رؤوس الجبال، وبقيت هناك أكثر من عشرين يوما. وأطلقتا المدافع إعلانا لهذا الحدث التاريخي. وقد كان تشكيل الحكومة الجزائرية عاملا هاما في تكتل قوى الشعب الجزائري،
стр. 2335
والتفافها حول (جبهة التحرير الوطني) و (جيش التحرير الوطني). ومنذ إعلان تشكيل الحكومة ونحن نتلقى البيانات المتعددة من مجالس الشعب، وهي تؤكد لنا ولاء الشعب لحكومته، ومبايعته لها، مع المطالبة بالسلاح وبالطائرات، ومن طرائف ما سجلناه أن إحدى الرسائل التي وصلتنا كانت تقول: (أعطونا طائرات، حتى لو لم يكن لدينا وقود لها، لتسييرها، فإننا مستعدون لدفعها بأيدينا).
وخلاصة القول، فإن الثورة الجزائرية ما انفكت تسير في اتجاه تصاعدي، ففي الميدان العسكري تمكنا من تدعيم أجهزتنا العسكرية رغم المحاولات الفرنسية العديدة لإضعافنا، مثل إقامة الخطين المكهربين على الحدود التونسية والمغربية، كما حاول الفرنسيون أن يجرونا إلى المعارك الكبرى دائما، لكننا لم نقع في الفخ، ورحنا نواصل حربنا كما نريد نحن، بأسلوب يجمع بين حرب العصابات والحرب التقليدية، وبذلك تمكنا من المحافظة على قواتنا في نفس الوقت الذي كبدنا فيه العدو خسائر فادحة. واستطعنا في الفترة الأخيرة إقامة معامل خاصة لصنع الألغام ووسائل التدمير في كامل الولاية. وقد أصبحت هذه المصانع تثشكل خطرا جديدا على العدو، إذ أمكن بفضلها تدمير خط مواصلات (قسنطينة - الجزائر) وخط (قسنطينة - سكيكدة - عنابة) كما أمكن لنا بفضل وسائل التدمير هذه، تدمير محاور الاتصال وعزل قسنطينة عن العالم عزلا كاملا طوال ثلاثة أيام وحرمانها من الكهرباء والماء والمخابرات الهاتفية، وهذا ميدان لم يكن العدو متضررا به كثيرا قبل هذه المدة.
وبفضل تعاظم هذه القدرة العسكرية، تمكنا من تدعيم بقية
стр. 2336
أجهزتنا الثورية، فقد أنشأنا اللجان القضائية المكلفة بالفصل في الخلافات (النزاعات) بين المدنيين على أسس الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، وأغلب أعضاء هذه اللجان من ذوي الثقافة العربية وهذه اللجان القضائية تتصل بنشرات خاصة تحدد لها البنود القانونية. كما أنشأنا اللجان الخيرية التي تتولى جمع الأموال وتوزيعها على الفقراء، وتنظيم اللجان الاحتياطية التي تشرف على توجيه المجتمع وإرشاده، ولدينا مستشفيات متعددة، وقد أنشأنا أيضا مدارس لتعليم اللغة العربية في كامل أنحاء الولاية. مع تنظيم مدارس لإعداد الأطر (الكادرات) السياسية والعسكرية. ومدرسة لتخريج الممرضين يشرف عليها دكتور في الطب.
...
لقد أدرك الفرنسيون مبلغ إحكام نظامنا، وعرفوا مدى دقته، وعلى هذا الأساس فقد حاولوا التسلل إلينا عن طريق آخر، هو طريق التفرقة بين جيش التحرير وحكومته، فزعموا أن الحكومة الجزائرية لا تسيطر على الداخل، وانطلاقا من هذا الزعم اتصل بنا قائد فرقة من (قسنطينة). وعرض علينا أن نطلق سراح أسيرين فرنسيين كانا بين أيدينا، وأن نعين له أسيرين من أسرانا يطلق سراحهما مقابل ذلك، وأدركنا هدف هذه المحاولة، وهو التمهيد لايجاد اتصالات محلية، وتعزيز فكرتهم القائلة بأن الحكومة الجزائرية لا تسيطر على الموقف داخل الجزائر. ولذلك كان جوابنا ما يلي:
(إن لنا مسؤولين سياسيين، ولكم حكومتكم، فما عليكم الا أن تتصلوا بحكومتكم، وتطلبوا منها الاتصال بحكومتنا لتسوية هذه المسألة).
стр. 2337
لقد استشهد في الفترة الأخيرة القائدان (عميروش - مارس -آذار- ١٩٥٩) و (حواس). وعلى اثر ذلك، انطلقت أبواق الدعاية الاستعمارية لتقول بأن غيابهما عن ساحة الصراع سيضعف الثورة في ولاية (قسنطينة). أو (الولاية الثانية). والحقيقة المعروفة هي أن ثورتنا ثورة شعبية، إنها لم تقم أبدا على الأشخاص بل هي ثورة يشارك الشعب كله في صنعها، ولذلك فهي لن تتوقف أبدا باستشهاد أحد أبطالها وقادتها. ولقد استشهد أبطال كثيرون، كان غيابهم عنا خسارة حقيقية لنا، لكن ذلك لم يؤثر أبدا على سير الجهاد، بل إن استشهاد كل واحد من القادة كان يزيد الآخرين حماسة للقيام بالواجب والجد في العمل طلبا لإحدى الحسنيين الشهادة أو النصر. ولا أدل على الطابع الشعبي الذي تتسم به ثورتنا، أننا لم نصطدم حتى الآن بأية مشكلة في تجنيد المجاهدين لدعم قوة جيش التحرير الوطني. مع العلم أننا لا نقبل إلا المتطوعين، وبشرط أن يكونوا قد عملوا في صفوف الثورة من قبل، وبشرط آخر هو أن يكون من المحال عليهم الاستمرار في البقاء ضمن المدن.
وإذن، فدع الفرنسيين في ثرثرتهم وهذيهم يغرقون، إذ أن الواقع الجبار بالجزائر أبلغ من كل دعاية، وهذا الواقع نحن الذين نمسك بزمامه، ونحن الذين نوجهه. أجل، إن جيش التحرير الوطني هو الذي يسيطر على الموقف بحق، وهو الذي يختار ميادين المعارك كما يريد هو لا كما يريد الجيش الفرنسي. وتلك هي الحقيقة في بساطتها التي لا تحتاج الى أي تنميق أو تزويق.
стр. 2338
تقضي الرجولة أن نمد جسومنا ... جسرا فقل لرفاقنا أن يعبروا
стр. 2339
٦ - صدق الثورة ينتصر على كذب الاستعمار
وتستمر الثورة في طريقها، متمسكة بفضائلها، معززة لقيمها، متباهية بأخلاقها، متحلية بإيمانها، لا يردعها عن هدفها رادع، ولا يحرفها عن طريقها عارض، مهما كبر وتعاظم، ويظن الاستعماريون أنهم بافتراءاتهم ومزاعمهم الكاذبة قادرون على حجب وهج الحقيقة الساطعة والمعتمدة على صدق الثوار وعزيمة الأحرار. فلا تلبث المزاعم الكاذبة أن تتهاوى، ولا تلبث الأقنعة المخادعة أن تتساقط. وتصاب الأجهزة الاستعمارية بالإحباط المرة بعد المرة، وتتلاحق عليها الهزائم الكرة بعد الكرة، وتتلقى الضربات الموجعة الصربة في إثر الضربة، وكان من أقسى تلك الهزائم، وأوجع تلك الضربات هي التي جاءت عن طريق (المحايدين) من المراقبين، أو حتى عن طريق الفرنسيين ذاتهم ممن عاشوا حياة الثورة بصفائها ونقائها وطهرها، سواء بسبب وقوعهم في أسر الثوار، أو بسبب معايشتهم لظروف الثورة. وقد تحدث الأسرى الفرنسيون بصراحة أذهلت الاستعماريين، فكان في ذلك نصرا حاسما من انتصارات جيش التحرير على الأكاذيب الفرنسية (١).
لقد أطلقت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في بداية سنة
стр. 2340
(١٩٥٩) سراح مجموعة مكونة من (١٦) أسيرا، بينهم أسير سويسري و (٦) مدنيين فرنسيين والبقية من العسكريين الفرنسيين. وقد كان لهذا العمل الإنساني صداه البعيد في أوساط (الصليب الأحمر الدولي) الذي نشر بلاغا عبر فيه ارتياحه لموقف جيش التحرير - وقد قام جيش التحرير الوطني بهذا العمل الإنساني في الوقت الذي كان فيه العسكريون الفرنسيون يمارسون أبشع أعمال القمع والعنف والتعذيب ضد المدنيين الجزائريين، وفي ذات الوقت الذي يتعرض فيه أكثر من مليون جزائري في مراكز التجمع الى الموت البطيء والمجاعة المنظمة. وقد صرح أسيران فرنسيان ممن كانوا بالولاية الثالثة، تصريحات عبرا فيها عن المعاملة الطيبة التي يلقاها أسرى جيش التحرير، وكان في أقوالهما ما يلي: (إننا نحب أن نعلن عن المعاملة الطيبة التي لقيناها من الوطنيين الجزائريين، فلم نتعرض أبدا للشتم أو الإهانة، ولم يستعمل ضدنا أي ضغط مادي أو معنوي، وكنا نتناول طعامنا قبل الجميع. وفي غالب الأحيان كنا نخجل من هؤلاء الرجال الذين يعاملوننا بمنتهى الطيبة والروح الإنسانية في الوقت الذي خربت ديار أكثرهم وقتلت عائلاتهم).
(لقد كنا نظن أننا وقعنا بين أيدي عصابة من القتلة، ولكننا اكتشفنا جيشا نظاميا، ولقينا رجالا يمتازون بالنظام والحماسة والعزيمة القوية ويجاهدون لتحقيق هدف نبيل يؤمنون به.
إن جنود جيش التحرير شبان متفائلون، يستقبلون الحياة بالبهجة والثقة، وهم يضجون حيوية ونشاطا، ويشعر الإنسان معهم أن الحياة تتدفق من نفوسهم الفتية، الشابة، في قوتها وخصب، وأن هذه الصفة هي الميزة الرئيسية لكل من وقفوا حياتهم في جميع
стр. 2341
أنحاء العالم من أجل خدمة العدالة والحرية.
إن أهم ما لاحظناه كذلك هو الروح الأخوية المهيمنة على علاقات جنود جيش التحرير بعضهم ببعض. فالضباط والجنود يعيشون بطريقة واحدة، ويتناولون طعاما واحدا. ولا تمنع الروح الأخوية من وجود طاعة شاملة ونظام متين يستمد قوته من كونه صادر عن طواعية واختيار.
لقد كان ضباطنا يقولون لنا في الثكنات أن جنود جيش التحرير لا يجدون ما يأكلون، ويتغذون من الأعشاب وجذور النباتات، ولكننا وجدنا الأمر على النقيض من ذلك؛ فالطعام متوافر بكميات كافية، وهو جيد في نوعه - في معظم الأحيان - وقد دهشنا للمستوى الرفيع من التنظيم الذي لم يكن لنا أن نتصوره على الإطلاق. ولقد رأينا وحدات عديدة وهي مسلحة بأفضل وأحدث الأسلحة. والتقينا بممرضين أكفياء، وبرجال فنيين يعملون في صناعة الأسلحة وإصلاحها، وبغيرهم من العناصر التي لا يضمها إلا جيش منظم حديث).
...
ومقابل ذلك، فإن معنويات الجيش الفرنسي منهارة جدا، فهو لا يحارب في سبيل مثل عليا أو هدف نبيل. ونحن نعلم أن الحرب التي يدفعوننا إليها تقوم على الظلم والاستعمار. ولو كان الجنود الفرنسيون يحاربون دفاعا عن استقلال وطنهم، لأظهروا نفس العناد، وذات الشجامعة التي يبديها مجاهدوا جيش التحرير الوطني
الجزائري، ولكنهم يرفضون أن يقتلوا من أجل حفنة من الاستعماريين (الكولون). إن الجندي الفرنسي يؤدي مهمته في
стр. 2342
هم وقلق. وفي القلعة الزرقاء أطلق جندي رصاصة على فخذه حتى لا يشترك في العمليات. وفي كل الثكنات والمراكز يرتفع صوت واحد: (اتركونا نرجع إلى أهلنا). وإذا كان الشباب المترف من أبناء الإستعماريين (الكولون) يريد متابعة الحرب، فما عليه إلا أن يحارب ينفسه. إن من السهل على الرجال الاستعماريين أن يتصايحوا في طرقات الجزائر، بعد الرجوع من حفلات الرقص أو السينما، ومن السهل عليهم أن يتابعوا الحرب بدماء غيرهم. فليأتوا بأنفسهم الى المجزرة، وليحتملوا جزءا من غرائم الحرب.
إننا نعرف زيف البلاغات الفرنسية وكذبها، ولهذا فإنه ما من أحد منا يصدقها. إنهم لا يعرفون كيف يكذبون، وفي كثير من المرات كنا نعيش بأنفسنا الوقائع الصارخة التي تكذب بلاغات القيادة الفرنسية. فمنذ بضعة شهور، وقع جنود فرنسيون في كمين بناحية (المياه الساخنة) وقتل فيه (١٢) جنديا من زملائنا. وفي الغد قرأنا في الصحف أن الجيش الفرنسي نصب كمينا في المكان ذاته وقتل عشرات من الثوار. ولم ندهش لهذا الخبر، لأننا لو صدقنا البلاغات العسكرية الفردية، وما تقتله هذه البلاغات كل يوم من جنود جيش التحرير الوطني، لما بقي حتى الآن أي جزائري على قيد الحياة ولكانت الحرب قد انتهت منذ زمن بعيد.
أما في مجال علاقة الجنود الفرنسيين بالاستعماريين (الكولون) فيكفي القول بأن رجال الكولون يتظاهرون بالرقة واللطف مع القادة والضباط، ولكنهم يعاملون الجنود بوقاحة سافرة، وباستهتار يتجاوز كل الحدود. ففي الوقت الذي نسهر فيه على حراسة مزارعهم، محتملين قسوة البرد ولهب الحر، ومعرضين للموت المباغت في ظلمة الليل، يعيشون هم حياة
стр. 2343
مترفة ناعمة هنيئة. ونفسيتهم هي نفسية محدثي النعمة الذين لا يحترمون إلا القوة المرافقة (للرتب والألقاب). وذات مرة كنا نقضي الليل في حراسة مزرعة (الأخوة صوير) قام هؤلاء بدعوة ضباطنا لتناول القهوة داخل المزرعة. وعندما سألهم أحد زملائنا إذا كان لديهم شيء من القهوة للجنود، أجابوه: بأن أمامهم الماء إن أرادوا شرب شيء.
وفي مجال علاقة الجنود الفرنسيين بجنود (القوم والحركة - من الجزائريين) فإنه بالإمكان القول، بأنه لم تكن لنا علاقة وثيقة بهؤلاء المرتزقة الذين لا نثق فيهم. وكنا نحتقر بيعهم لأنفسهم من أجل المال، وهم يعيشون منعزلين، ويتناولون طعامهم وحدهم، وينامون منعزلين، ومما زاد من مضايقاتهم وجود نسائهم معهم في المركز، الأمر الذي أدى في إحدى المرات، بالضابط المسؤول عن المركز، الى طردهم جميعا ما عدا ثلاثة منهم أما فيما يتعلق بقائدهم، المدعو (الشريف بن العيد) والذي سمى نفسه (الكولونيل - العقيد سي الشريف) فإننا لم نلتق به أو نجتمع إليه، ولكننا نعرف أنه تلقى في شهر كانون الثاني - جانفي - ١٩٥٩: أمرا من الجنرال (ديغول) بأن يحمل رتبة (ملازم ثان - سوليتنان) فقط. وكان هو ينتحل رتبة عقيد (كولونيل) فتألم للأمر، واتخذت الاحتياطات توقعا لأي احتمال يمكن حدوثه، وألغيت إجازاتنا، وأعلنت حالة الطوارىء حتى نشدد الحراسة عليه حتى لا يفر. ولا يحمل ضباطنا أي احترام لهذا الشخص الذي يأخذون عليه رفضه الدائم للمشاركة في المعارك. أما هو، فإنه يتشبث بحمل رتبة عقيد، رغم ابتسامات السخرية التي يلقاها من الضباط الفرنسيين.
***
стр. 2344
ما إن تم إطلاق سراح الأسرى حتى أسرع مراسلوا الصحف الفرنسية بالجزائر، لإجراء المقابلات معهم، والاستعلام عن طبيعة حياتهم في الأسر، وعن معاملة جيش التحرير لهم، فكتبت صحيفة (أوران ريبو بليكان) الصادرة يوم ٢١ أيار - مايو- ١٩٥٩ ما يلي: (كان من بين الأسرى ثلاثة جنود مكثوا في الأسر مدة خمسة عشر شهرا ونصف وهم: بيير دي غانيدو، وريمون كابل، وبرانجينوا ديفيزا. وقد سردوا قصتهم فقال - دي غانيدو-: بعد وقوعنا في الأسر أخذنا الثوار معهم، ومشينا لمدة خمسة عشر يوما، ثم قدمونا الى الكولونيل - العقيد عميروش - الذي أكد لنا أنه سيطلق سراحنا قريبا، إما عن طريق الصليب الأحمر، أو عند نهاية الحرب. وهنا قاطعه صاحبه كوبل بقوله: ولم يسألنا عميروش أي سؤال، بل قال لنا أنه لا يطلب منا المعلومات لأنه يعرفها أحسن منا، وأخبرنا على سبيل المثال عن عدد الجنود في مراكزنا، مع أننا لم نكن نعرف نحن عددنا بالضبط. ثم استأنف - بيير دي غانيدو- حديثه قائلا: وفي الفترة الاولى من أسرنا حدث أن مكثنا في مكان واحد لمدة خمسة أشهر، وفي الليل، لا يتحدث حراسنا إلا عن حياة الجهاد، أما نحن فلا نتحدث إلا عن الطعام والمأكل، ونحلم بالمآدب الفخمة والأطعمة الفاخرة الشهية).
وكتبت صحيفة (صدى الجزائر- ايكو دالجي) الصادرة يوم ٢١ أيار - مايو- ١٩٥٩ تحقيقا مع الأسرى جاء فيه: (قال دي غانيدو: لقد سمعت يوما بوضوح تام ضابطا فرنسيا يعطي أوامر السير لفصيلته، ولم يكن الجنود الفرنسيون يبعدون عن مخابئنا بأكثر من ثلاثين مترا، كما كانت الطائرات العمودية - الهيليكوبتر - تحلق فوق تلك المخابىء على مسافة منخفضة، من غير أن تتمكن من اكتشافها
стр. 2345
أو رؤيتها. ولم يكن المجاهدون يعتبروننا مسؤولين عن الخسائر التي تصيب المدنيين من جراء قصف الطائرات الفرنسية. وفي المساء يأتوننا بالصحف، ويقرؤون لنا الأخبار، وكان أمين سر الولاية الثالثة - السكرتير - يقرأ لنا ما تحتويه صحيفتي (لوموند) و (الاكسبريس).
لقد جاء (ديغول) الى الجزائر، وإذ ذاك راود بعض الجنود أمل بأن تحصل الحكومة الجزائرية على استقلال الجزائر، عن طريق المفاوضات مع (ديغول) ولكن طبيبهم الذي كان يتناقش معهم أقنعهم بأن هذا الأمل بعيد التحقيق. لأن (ديغول) لن يقبل بالتفاوض مع (عباس فرحات) في بلد محايد. ولن يقبل (عباس) كذلك أن يذهب إلى باريس إذا لم يسبق ذلك مفاوضات تمهيدية. وحينئذ قال الجنود - المجاهدون - أنهم سيحاربون حتى النهاية من أجل الحصول على الاستقلال الذي هو مثلهم الأعلى، ولكنهم كانوا يعبرون عن هذا الإصرار من غير حقد ولا ضغينة. وتابع - دي غانيد -قوله: لقد بلغ عدد الأسرى - في بعض الأوقات - وفي المعسكر الذي كنا فيه فقط (٢٥) أسيرا. أما (ديفيزا) صانع الأخشاب في (بوفاريك) و (هرننديز) الذي يعمل طباخا في (بوغني) الذي أسر منذ شهر ونصف عند عودته من إجازته في طريق (شعبة العامر) فقد أكد الاثنان بأن الثوار ليس لهم أي شعور عدائي خاص نحو الأوروبيين القاطنين في الجزائر - وقال (ديفيزا): لقد كانوا
يعاملوننا معاملة حسنة، مثل بقية زملائنا الأوروبيين القادمين من فرنسا، وكانوا يتوجهون بالحديث إلينا على الخصوص لأننا نفهم اللهجة العربية.
لقد علم الأسرى بموت القائد (سي عميروش) بعد يومين أو
стр. 2346
ثلاثة من وقوع الاشتباك في (بو سعادة). وكان الحراس يتناقلون همسا بأن (سي عميروش) قد استشهد. ولكن لم يظهر عليهم أي تخوف من عواقب الحادث، بل كانوا يرددون بأنه (مكتوب). وفي ١١ أيار - مايو- جاءنا القائد الذي تولى قيادة الولاية الثالثة بعد (عميروش). وقال لنا: إني أحمل لكم خبرا سعيدا فإننا سنطلق سراحكم يوم ١٨ أيار - مايو - جميعا، من مدنيين وعسكريين. فقد وصلتنا أوامر من حكومتنا بإطلاق سراحكم. ثم زارنا الطبيب في يوم ١٦ أيار - مايو - وسلم لنا ملابس نظيفة، وقبل ذهابنا قال لنا أمين سر الولاية الثالثة - سكرتيرها -: إننا لا نطلق سراحكم من أجل الدعاية في الخارج، ولكننا نرجع إليكم حريتكم بدافع إنساني محض. وعند توديعنا صافحنا جنود (جيش التحرير الوطني) بود خالص وقالوا لنا: إنهم مسرورون من أجل إطلاق سراحنا، واسعادتنا لحريتنا.
لقد أثارت هذه المقولات عاصفة قوية في غير مصلحة فرنسا، لا سيما وأنها أثارت مجال المقارنة بين هذه المعاملة الإنسانية السمحاء، وبين ما يلقاه مجاهدو جيش التحرير الوطني، ومناضلو جبهة التحرير الوطني، على أيدي الجلادين الفرنسيين عندما يقعون في قبضتهم، لا في الجزائر وحدها، وإنما في فرنسا أيضا. وكان من المفروض أن تتعلم (فرنسا الحضارة) من (جزائر الثورة) أساليب التعامل الإنساني. غير أن الحضارة المجردة من إنسانيتها مضت في وحشيتها، ويكفي التوقف عندما جاء في (نشرة جزائرية) بعد ذلك بمدة سنتين تقريبا، حيث ورد ما يلي (١):
стр. 2347
(صوتت هيئة الأمم المتحدة أخيرا على توصية طلبت فيها إلى الحكومة الفرنسية احترام الأنظمة العالمية، بمنح المعتقلين السياسيين حقوقهم، ويلاحظ أن مظاهرات فرنسية مرت من أمام السجون الفرنسية، فبعد النساء الفرنسيات، طالب جمع من الشبان يقدر بعشرين ألف متظاهر، بوضع حد للظروف المهينة التي يعيشها المعتقلون الجزائريون في سجون فرنسا. ومن الملاحظ عجز فرنسا عن تحقيق التطابق بين أقوالها وأفعالها، فبينما تتحدث الحكومة الفرنسية (الديغولية) عن رغبتها في السلم بواسطة التفاوض مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. تتابع - هذه الحكومة - سياستها المجردة من كل المعاني الانسانية، فتخضع المعتقلين لأقسى أنواع القمع والقهر، وليس ذلك فحسب، بل إن القمع المنظم قد اتسع نطاقه حتى بات يشمل كل الجزائريين المهاجرين في فرنسا، بحيث بالت من الصعب وصف العمل الفرنسي ضد الجزائريين بغير كلمات الوحشية والفظاعة والعنصرية. وبات لا يمضي يوم من الأيام، إلا ويتم فيه التقاط جثث الأخوان الجزائريين الذين عذبوا، واستشهدوا ; وقذف بهم في نهر السين، ولا يمر يوم إلا يتم فيه اكتشاف جثث جديدة، فالشرطة الفرنسية (البوليس) تقتل، وتبيد، وتنهب، وتخفي جرائمها، ولقد التقطت ستين جثة من نهر السين، واكتشفت أيضا ثلاثين جثة في (غابة بولوني). واليوم يعترف القتلة بجرائمهم.
ولقد وزع منشور - غير موقع - يحمل عنوان (جمع من رجال الشرطة - البوليس - الجمهوريين) وجاء في هذا المنشور: (من بين آلاف الجزائريين الذين اقتيدوا إلى ساحة المعارض في باب فرساي، قتل عشرات بمؤخرات البنادق - أعقابها - وبالعصي -
стр. 2348
الهراوات) فهشمت أعناقهم، أو حطمت أعضاؤهم، أو فتت أكبادهم، وسحقت أجسامهم وديست على مرأى المراقب العام المحترم (السيد باريس). في حين اقتلعت أصابع أو أظافر بعضهم من قبل رجال الأمن والدرك - الجندرمة - المتجولين الذين أطلق عليهم تجاوزا، ظلما وعدوانا، اسم: لجنة الاستقبال. وبالاضافة الى ذلك، فإن ميليشيا (المنظمة السرية المسلحة) تقتل وتنهب في طمأنينة كاملة تحت حماية (ميشيل دوبريه) الذي يشاركهم جرائمهم ويحميهم من المثول أمام العدالة. أما نحن - الثوار - فمثلنا اليوم مثل ما كنا بالأمس، وإن إرادتنا في تحرير بلادنا لن تضعف، لا بالإغراق في مياه السين، ولا في اعتقال إخواننا وإخضاعهم لظروف عنصرية وغير إنسانية - لقد عاهدنا على ذلك، وسنستمر حتى تتحقق تطلعاتنا الوطنية).
стр. 2349
٧ - مواقف لا تنسى (*)
تعتبر العدالة الفرنسية في الجزائر، أن كل جزائري هو إنسان (مشبوه) وأن كل مشبوه يجب أن يكون (مجرما). وأن كل مجرم يجب أن (يحاكم) وكل من يحاكم يجب أن (يعدم). وهذه هي المعادلة البسيطة التي سار على نهجها القضاء الفرنسي في الجزائر، طوال ليل الاستعمار عامة، وخلال مرحلة الثورة التحريرية منه بصورة خاصة.
كل جزائري مشبوه، هكذا بكل بساطة، ومن ثم فكان شيئا ملازما لهذا المنطق أن يرى أبناء الجزائر في كل يوم أعمال الاعتقالات الجماعية التي لا تفرق بين كبير أو صغير، بين رجل أو امرأة، بين غني وفقير، فكلهم جزائريون. وبمجرد أن يتم اعتقال المشبوه فإنه يقتل فورا، بتهمة محاولة الفرار، وهو إن لم يقتل في الحين، تسلط عليه عمليات التعذيب التي تنتهي (بالانتحار) أو (بالإعدام).
هكذا، اخترع رجال الشرطة (البوليس) ورجال الجيش من الفرنسيين ما عرف باسم (الاستجواب الانتحاري) ولم يكن من
стр. 2350
الغريب بعدها أن تسفر تلك التحقيقات - أو الاستنطاقات - عن اكتشاف قتل أربعة أو خمسة من المتهمين بارتكاب حادثة واحدة قام بتنفيذها رجل واحد وعندما يخرج المتهم - حيا - من أيدي المحققين (الشرطة أو الجيش) يحال إلى القضاة الفرنسيين، وقد يتخيل الإنسان أن المظالم قد انتهت عند هذا الحد، غير أن من يعرف (من هم القضاة؟) يدرك أن للقصة بقية.
إن القضاة هم فرنسيون قبل كل شيء، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، واجبهم الأول هو الدفاع عن النظام الاستعماري الفرنسي، أو ما يسمونه (الجزائر الفرنسية). فالقضاة يحاربون بأسلوبهم الخاص ضد المجاهدين الجزائريين. وليس هناك أي فارق عملي، من هذه الناحية، بين القاضي الفرنسي والجندي الفرنسي، إنهم جميعا يشكلون ما كان معروفا باسم (الجهاز الاستعماري). وإن الذين يتولون محاكمة الجزائريين (مجاهدين أو
مواطنين مدنيين) هم من الفرنسيين الذين ينظرون الى الجزائري نظرتهم إلى عدو قبل كل شيء، لا نظرتهم الى متهم بريء لا تجوز إدانته قبل ثبات التهمة عليه. ويكتفي معظم أولئك القضاة بالتصديق على تقارير تحقيقات الشرطة (البوليس) غير ملتفتين إلى أي احتجاج يصدر عن الجزائريين الأبرياء.
وبتطبيق قرار ١٧ آذار - مارس - ١٩٥٦، بات من المحال على القاضي إجراء تحقيق أو بحث حقيقي، لأنه لم يعد أمام المتهم فرصة زمنية كافية لتكليف محام من أجل الدفاع عنه. أما في المحاكم العسكرية، فإن ضباط الجيش الفرنسي هم القضاة، أي ذات الضباط الذين يرتكبون الجرائم في كل يوم خلال (عمليات التطهير والتهدئة) حيث يقتلون كل يوم من يقع تحت نظرهم من