د - الإدانات المنطوق بها والإعدامات المنفذة دون محاكمة مسبقة، وحكم صادر عن محكمة منشأة، بصورة قانونية تتوافر فيها جميع الضمانات القضائية، التي تعدها الشعوب المتمدنة أمرا ضروريا.
٢ - إن الجرحى والمرضى يجب إيواؤهم والعناية بهم.
وتستطيع منظمة إنسانية محايدة كجمعية الصليب الأحمر الدولية أن تقدم خدماتها لأطراف النزاع.
ومن جهة ثانية، يعمل أطراف النزاع على تطبيق باقي أحكام هذه الاتفاقية كلا أو بعضا عن طريق اتفاقات خاصة. لا يكون لتطبيق الأحكام السابقة أي تأثير في الوضع القانوني لأطراف النزاع (باعتبار أن فرنسا لم تكن تعترف بالصفة القانونية لجبهة التحرير الوطني، ثم الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية واستمرت في التعامل مع الثوار الجزائريين على أنهم (فلاقة) عصاة، خارجين على السلطة الفرنسية) ورفضت فرنسا تطبيق هذه المادة التي كان يجب عليها تطبيقها من غير تدخل الهيئة الدولية. كما رفضت الحكومة الجزائرية تطبيقها. غير أنها تبنت، - من طرف واحد - عددا من التدابير التي لا تقتصر على تنفيذ مقترحات جمعية الصليب الأحمر الدولية، وحسب، وإنما تذهب الى مدى أبعد، لاسيما في مجال التعامل مع الأسرى في حين استمرت فرنسا في تجاهلها للمتطلبات الإنسانية، لا سيما فيما يتعلق بالخدمات الطبية والتعامل مع الجرحى.
стр. 2662
٦ - الأسرى والجرحى
أكدت الحكومة الجزائرية رسميا لمنظمة الصليب الأحمر الدولية، أنها ستمتنع عن كل بادرة من شأنها أن تزيد الحالة سوءا، علما بأنها ستجد نفسها مضطرة إلى استرداد حريتها في العمل إذا لم يبرهن الطرف الآخر في النزاع على تقيده بهذا النهح. تلك كانت خلاصة برقية أرسلتها جبهة التحرير الوطني إلى جمعية الصليب
الأحمر الدولية في ١٣/ ٥/ ١٩٥٨. أي قبل أسبوعين من تاريخ مذكرة الجمعية المشار إليها. وهذه البرقية أكدتها بعد ٢٨ أيار - مايو - عدة رسائل شفوية عن طريق المندوب الدائم للهلال الأحمر الجزائري لدى جمعية الصليب الأحمر الدولية، تؤلف إلى حد ما شريعة الطرفين، وهما الصليب الأحمر الدولي والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. وهكذا فقد قامت بين الطرفين المتحاربين هدنة (التوقف عن تنفيذ أحكام الإعدام) واستمرت قرابة خمسة أشهر. ولما عادت فرنسا إلى تنفيذ حكم الإعدام، عمدت الحكومة الجزائرية إلى إنذار جمعية الصليب الأحمر الدولية عدة مرات، اضطرت بعدها إلى استعادة حريتها في التصرف.
أصدرت الحكومة الجزائرية مرسوما في ٤/ ١٠/ ١٩٥٨،
стр. 2663
قضى بإطلاق سراح أسرى الحرب بلا قيد أو شرط. وكانت تأمل من وراء هذه المبادأة أن ترى الجانب الفرنسي يطبق المبادىء الإنسانية بصورة تدريجية على النزاع القائم. وأطلقت سراح خمسين فرنسيا على دفعات متتالية - تنفيذا لهذا المرسوم. وقد أعلن هؤلاء الأسرى للعالم بأن قوانين الحرب مصونة الشرف على ذرى الجزائر الحرة. وكانت النتيجة من الجانب الفرنسي أن المقاتلين الجزائريين الواقعين في الأسر، لم يعاملوا بمقتضى (قانون أسرى الحرب). ولم يكتف الجيش الفرنسي بذلك، بل بذل غاية الجهد حتى يصطدم بالوحدات الجزائرية، ويحاول الفتك بها عندما كانت تتجه بالأسرى الفرنسيين عبر الحدود التونسية أو المغربية، لأن الحكومة الجزائرية كانت تعلن عن إطلاق سراحهم مسبقا قبل عدة أيام ولكي تتقي الحكومة الجزائرية هذا الخطر، اضطرت في بعض الحالات إلى العزوف عن الإعلان المسبق، وآثرت أن يتم اطلاق سراح الأسرى بصورة مفاجئة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فقد وجه قادة الثورة عناية خاصة إلى حالة مؤلمة، هي حالة الشبان الأجانب الذين كانت السلطات الفرنسية تجندهم في الفرقة الأجنبية بغير رضائهم التام. وقد أثيرت فضيحة التجنيد التعسفي في الفرقة الأجنبية في كل من ألمانيا وبلجيكا، حيث عبرت عنها حملة شديدة في الصحافة، واستجوابات عديدة في البرلمان البلجيكي، وتبع ذلك بذل مساع رسمية لدى ممثلي الحكومة الفرنسية لإيقاف هذه العملية كما أثيرت الفضيحة ذاتها في سويسرا وفي المجلس الوطني الهلفيني يوم ١٨/ ٦/ ١٩٥٦. وقد عملت جبهة التحرير الوطني الجزائري من جانبها على تنظيم عدد من المكاتب واجبها إعادة هؤلاء الجنود الفتيان إلى أوطانهم. وفي ٢٣/ ٧/ ١٩٦٠ بلغ عدد هؤلاء المعادين
стр. 2664
إلى أوطانهم عبر الحدود الغربية للجزائر وحدها (٣٢٩٩) جنديا. منهم (٢٠٧١ - ألمانيا) و (٤٣٩ - إسبانيا) و (٤٤٧ - إيطاليا) و (٨٧ - مجريا) و (٤٢ - يوغوسلافيا) و (٤١ - بلجيكيا) و (٤٣ -
سويسريا) و (٢٩ - نمساويا) و (١٧ - هولانديا) و (١٦ - اسكندينافيا) و (٩ - إنكليز) و (٧ - من لوكسمبرغ) و (٥ - أمريكيين، اثنان من الولايات المتحدة وثلاثة من أمريكا الجنوبية) و (٣ - يونانيين) وواحد من كوريا وواحد من بلغاريا.
لقد أجرت الحكومة الجزائرية عدة مخابرات واتصالات مع جمعية الصليب الأحمر الدولية، أبلغتها بمقتضاها أن الحالة في الجزائر، قد وصلت حدا من الخطورة، يجعل طلب تطبيق المادة الثالثة من الاتفاقيات غير كاف، ومتخطى. وقد اقترحت الحكومة الجزائرية إبرام اتفاق خاص بين المتحاربين تحت إشراف جمعية الصليب الأحمر الدولية، من أجل تسوية مجموعة من المشاكل الإنسانية المتولدة عن حرب الجزائر. ولو أن الحكومة الفرنسية قبلت إبرام هذا (الاتفاق الخاص) لأدى ذلك إلى تنظيم عدة أمور منها:
- حظر أساليب الحرب غير الإنسانية، وطرق الإكراه المعنوي (التعذيب، النابالم، الغاز، غسيل الدماغ، الخ ...).
- حماية السكان المدنيين (منع عمليات الجرف، والقصف بالقنابل لإزالة القرى، وتحريم ترحيل الأشخاص القسري جماعات أو أفرادا، بمقتضى المادة (٤٩) من اتفاقية جنيف الرابعة، وإلغاء معسكرات التجميع).
- إسعاف الجرحى والمرضى (١).
стр. 2665
- نظام المحاربين الواقعين في الأسر من كلي الطرفين.
إسعاف الأشخاص المعتقلين في المنظمات العاملة في الاعتقال والتعذيب وفي معسكرات الاعتقال. ولقد كررت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية عروضها مرات عديدة من أجل إبرام اتفاق خاص من هذا النوع. ولكن جمعية الصليب الأحمر الدولية لم تتمكن من الحصول على موافقة الحكومة الإفرنسية على مثل هذا الإجراء أخيرا، اتخذت الحكومة الجزائرية المؤقتة قرارها بالانضمام إلى اتفاقيات جنيف الأربع في ٢٠/ ٦/ ١٩٦٠. ولقد دعت الضرورة حكومة الجزائر إلى أن تتحرى وسائل مختلفة من أجل حمل فرنسا على احترام قوانين الحرب وقد تحقق هذا الغرض بانضمام الجمهورية الجزائرية إلى اتفاقيات جنيف. وأصبح بالإمكان اعتبارا من هذا التاريخ وضع الصراع الفرنسي - الجزائري وجها لوجه من فريقين كلاهما موقع على اتفاقيات جنيف. ولكن،
стр. 2666
وعلى الرغم من ذلك. فقد استمرت فرنسا في ممارساتها الإجرامية. ولم تتوقف سلطاتها وقوادها عن متابعة أعمال التعذيب، وإقامة معسكرات التجميع، والإعدامات المختصرة من غير محاكمة، وارتكاب الفظائع المختلفة واستمرت أيضا في التعامل مع (المسبلين - أو الأنصار) ومع (الفدائيين بالمدن) باعتبارهم إرهابيين، لا تنطبق عليهم شروط أسرى الحرب. مع العلم أن المذكرة التي أصدرها المركز القانوني للأنصار خلال الحرب العالمية الثانية، والتي صدرت على أثرها مذكرة عن جمعية الصليب الأحمر الدولية في ١٧/ ٨/ ١٩٤٤ إلى جميع المحاربين، طلبت فيها اعتبار أمثال هؤلاء المقاتلين أسرى حرب، مثلهم كمثل الجنود في القوات المسلحة سواء بسواء.
وبقيت الحرب الجزائرية نموذجا فريدا بين الحروب، في قسوتها ووحشيتها، في بعدها عن كل القيم الحضارية والمفاهيم الإنسانية. لقد أرادتها فرنسا حرب مصير ووجود، وقبل الشعب الجزائري وقيادته الثورية التحدي الثقيل، بكل ما يتضمنه من جهود وتضحيات. وانتصر الشعب الجزائري في الرهان المصيري. غير أن طبيعة هذه الحرب الوحشية لم تمر دون أحداث مثيرة، ولعل أبرز ما في إثارتها هو أنها اكتسبت أنصارا لها ومؤيدين في وسط الأعداء ذاتهم.
стр. 2667
٧ - ملحقات ضد الاستعمار وأساليبه الهمجية
لم تعدم الثورة الجزائرية، منذ مراحلها الأولى، أن تجد لها أنصارا في وسط الشعب الإفرنسي. غير أن الاتجاه الاستعماري بقي هو المهيمن على السلطة، فكانت أصوات الاحتجاج ضعيفة متخاذلة، ثم أخذت في الانتظام والتعاظم حتى شكلت تيارا قويا. وكانت عدالة القضية في حد ذاتها، ثم أساليب القمع الوحشية، المثيرة لأبسط المشاعر الإنسانية، وما يقابلها من صمود رائع أظهره مجاهدو شعب الجزائر فاكتسبوا إعجاب العالم الذي سيبقى أبدا مشدودا إلى البطولات الأسطورية، كل ذلك أحدث انشقاقا في الرأي العام الفرنسي. وهو انشقاق سيستمر طويلا محورا للجدل والنقاش. وإذا كان من العسير عرض كل الشواهد المتوافرة في هذا المضمار، والتي تعبر عن ظواهر الخير والشر في المجتمع الواحد. فإن اللجوء إلى بعض القراءات (الملحقات) كافية لإبراز مثل هذه المواقف التي يمكن وصفها (بالإنسانية) أو وصفها أيضا (بالنظرة البعيدة للتطور المتوقع - والرغبة في تبديل العلاقات الاستعمارية القديمة بعلاقات استعمارية متطورة). وتبقى إرادة الشعوب هي الحكم في تقويم العلاقات الصحيحة والسليمة:
стр. 2668
الملحق (أ)
شخصيات فرنسية ضد الهمجية الاستعمارية (*)
لقد كلف عدد كبير من شبابنا من جنود نظاميين، أو ممن استدعوا للخدمة من الاحتياطي، بالاشتراك في حرب الجزائر باسم الشعب الفرنسي. وهي كما ترون مهمة شاقة وعسيرة، غير أننا قد تسلمنا منذ أكثر من عام عددا كبيرا من المعلومات الصحيحة التي تستند إلى شهادات لا يرقى إليها الشك، وهي تؤكد بأن هؤلاء الجنود الشبان قد أرغموا على الاشتراك في الأعمال العدوانية التي لا يمكن أن يقلبها أي ضمير إنساني
إن الأمر لا يتعلق بحوادث، هي على الرغم من تعددها، يمكن أن تعتبر حوادث فردية، ولكن يتعلق بطريقة اتبعت على شكل واسع، ونعني بها اللجوء إلى تعذيب الأسرى الذين يتم إلقاء القبض عليهم وهم يحملون السلاح. فهم باعتبارهم (ثوارا) لا تطبق عليهم الضمانات التي تعترف بها معاهدة جنيف لجنود الأعداء، ولا الحقوق التي تضمنها قوانيننا للمواطن الفرنسي. كما أن الأمر يتعلق أيضا بتنفيذ الإعدام الفوري على الأبرياء ممن يؤخذون (رهائن) أو بأعمال القسوة والسلب والنهب وتدمير قرى بأسرها على سبيل التخويف والأخذ بالثأر.
...
- لقد وقع هذا البيان (٣٧٥) شخصا من الشخصيات البارزة في
стр. 2669
المجتمع الفرنسي وكان من بينهم: الدكتور لويس، روجيه ميهل، لوك أستانج، جوزيف فولييه أجولا بول فريس، موريس دو جانديلاك، الاب جولي، رينيه جوليار موريس لاكروا، اندريه لاترييل، الاب فارييون، لويس ماسيبيون فرانسوا مورياك، مدام بوليت مونييه، اندريه فيليب، الأب ريتيف بول ريكور، دافيد روسيه، الأب اندريه مونييه، الأب بيير تروكميه الأب فاريبون، هوريس فوسار، فيليب فياني.
الملحق (ب)
قرار عن الجزائر في اجتماع الكرادلة وكبار الأساقفة (*)
نشرت أمانة سر الأسقفية صباح اليوم القرار الآتي الذي تم الاتفاق عليه في اجتماع الكرادلة، وكبار الأساقفة، الذي انتهت آخر جلساته بعد ظهر الخميس في (باريس).
(لقد تقرر بطريقة قاطعة الامتناع عن اتخاذ أي قرارات سياسية فيما يتعلق بالمشكلة الجزائرية. ويوجه مؤتمر الكرادلة وكبار الأساقفة نصيحته هذه إلى جميع من أصابتهم حوادث الجزائر المؤلمة في صميم أفئدتهم وأبدانهم، فمنذ خريف عام ١٩٥٥،
стр. 2670
وجه أساقفة الجزائر خطابا مشتركا، اتبع بقرار اتخذه جميع الكرادلة وكبار الأساقفة، تعرض فيه للمبادىء التي يجب أن يستنير بها المسيحيون للحكم على الحوادث، ويسترشدوا بها لاتباع الطريق السوي.
إن الآلام التي تنتج عن الخلاف القائم، يخشى أن تؤدي إلى أوخم العواقب، وأن تضر بكل محاولة لتسوية المشكلة بطريقة عادلة، وقد يترتب عنها، عند البعض، فقدان تام للاحترام الواجب للكرامة الإنسانية، كما يترتب عنها عند الآخرين اضطرابات وشكوك قد تؤدي إلى إعادة النظر في الواجبات المبدئية نحو الوطن.
إن الحقد لا يجب أن يجد له مكانا في قلب المؤمن، وهو بالأحرى لا يمكن أن يستعمل حجة للقيام بأعمال إرهابية عمياء، يكون ضحاياها الأبرياء، أو إلى القيام بمظاهرات دامية لمقاومة الإرهاب. إن هذه الطريقة الشنيعة المكروهة يخشى منها أن تخلق عوائق وعقبات لا يمكن التغلب عليها في الطريق المشروع الطويل الأجل الذي يقوم عليه مستقبل الجزائر. وما سبق للأسقفية أن أكدته مرارا، وكما يشهد بذلك تدخلها المتكرر لدى السلطات المسؤولة، فإن كل من تكون مهمته حماية الأفراد والأموال ملزم بأن يحترم الكرامة الإنسانية، وأن يمتنع البتة عن كل إجراءات تحرمها الشريعة الطبيعية والقانون الإلهي. وهي إجراءات كثيرا ما اعترضت عليها السلطات العامة. وبالنسبة للأزمة الحالية، فإننا جميعا وكل منا على انفراد، يجب أن يتذكر في كل وقت بأنه لا يمكن أن يسمح له بأي حال من الأحوال أن يستخدم طرقا وأساليب مستهجنة في ذاتها، ولو كان ذلك في سبيل قضية محمودة.
وفي وسط كل هذا الاضطراب والقلق، ما زال هناك سبب كبير
стр. 2671
للأمل، إن العلاقات الودية بين مختلف الطوائف لم تنقطع بعد، والاتصالات ما زالت عديدة بين المسيحيين والمسلمين والإسرائيليين، وإن الجهود التي تبذل للتفاهم المشترك وروح التسامح عن الإهانة، والرغبة في التعاون للمصلحة العامة المشتركة، كل هذه فيها دلالة كافية وأكيدة على أن هناك محاولات حقيقية للتعاون والاتحاد.
إن كرادلة فرنسا وكبار أساقفتها، يجددون نداءهم لتقديم صلوات حارة، وابتهالات إلى الله حتى تتحد كلمة جميع ذوي النوايا الطيبة والأماني الحقيقية، ويقوم سلام حقيقي على أسس عادلة مقبولة).
الملحق (ج)
خطاب من الأستاذ رينيه إلى وزير التربية الوطنية الفرنسي (١)
سيدي الوزير!
علمت الآن عن طريق الإذاعة أن (علي بو منجل) قد انتحر بمدينة (الجزائر) بأن ألقى بنفسه من أعلى سطح إحدى العمارات حتى يتخلص من طريقة الاستجواب التي كان سيتعرض لها.
لقد كان (علي بو منجل) أحد تلاميذي في كلية الحقوق بالجزائر، حينما كنت أدير حركة المقاومة في شمال أفريقيا وقد هزني خبر وفاته، في مثل هذه الظروف، وإن هذا الخبر
стр. 2672
ليؤكد بما لا يدع مجالا للشك، وبطريقة مؤلمة، ما قرأته منذ أيام في كتاب (هنري بيير سيمون - ضد أعمال التعذيب).
وطالما أن مثل هذه الطرق التي لم نتبعها قط حتى مع الأسرى الألمان في الحرب الأخيرة، سوف يسمح باتباعها أو بتطبيقها ضد الجزائريين بمعرفة حكومة بلادي، فإنه لن يكون في استطاعتي أن أستمر في التدريس بكلية الحقوق الفرنسية. وإني لذلك سأضطر إلى إيقاف تلقين الدروس فيها.
أقلني إذا رغبت في ذاك، أو إذا استطعت ذلك، إني سوف أتقبل بامتنان كل ما يمكن أن يؤدي إلى نشر اعتراضي على وقائع يمكن أن تدنس شرف فرنسا إذا ما اتخذت موقفا سلبيا تجاهها.
رينيه كابيتان
أستاذ في كلية حقوق باريس
وزير المعارف السابق
في وزارة الجنرال (ديغول)
الملحق (د)
الجنرال (دو بولارديير) يستقيل من قيادته (*)؟
طلب الجنرال (باري - دو بولارديير) الحامل لوسام جوقة الشرف بدرجة ضابط، وزميل التحرير، وقائد منطقة عمليات في الجزائر إعفاءه من مركز قيادته.
стр. 2673
فبعد أن شرح أسباب القرار الذي دفعه إلى الوزير المقيم بالجزائر، السيد (دوبير لاكوست) وإلى الجنرال (سالان) القائد العام. سلم الجنرال (دو بولارديير) قيادة منطقة الأطلس البليدي التي كان مسؤولا عنها، ورجع إلى فرنسا. وقد عجب كثير من الفرنسيين ذوي النيات الحسنة، وأبدوا استياءهم من البيانات التي قدمت لهم بطريقة رسمية على أنها حملة مغرضة من رجال الفكر والمسيحيين الذين يسهل إثارتهم والتأثير عليهم، وإن لم يكن الأمر متعلقا بتحريضات شيوعية. وعلى كل، فإن النتيجة كانت واحدة في الحالتين الهبوط بالروح المعنوية للجيش والأمة لمصلحة الخطط الإجرامية لجبهة التحرير الوطني.
إلا أن (رسالة القوات المسلحة) كانت تؤكد بأن بعض الضباط الذين يحاربون في الجزائر، من مختلف الطبقات، ومن ذوي التاريخ الحربي المجيد، قد أظهروا خيبة أملهم تجاه بعض عمليات البحث عن الإرهابيين فقد جاء في هذه الرسالة (إن النخبة الممتازة من الضباط دوي الماضي الأدبي يأنفون من أداء هذه المهمة الدنيئة وغير المجدية).
واليوم! نرى رئيسا من بينهم، له ماض ساطع مشرف، يحذر المسؤولين برفضه القاطع لتنفيذ الأوامر الصادرة إليه. واتباع الطرد التي يراها غير مقبولة في نظره. وقد أبدى غيره من قبل إلى الرؤساء المباشرين أراءهم بأن المشكلة التي تواجهها قوات المحافظة على الأمن، هي مشكلة لا يمكن حلها، ما لم تتوافر للقوات معاونة حقيقية وفعالة من قبل السكان، وأن عمليات القمع الأعمى إن هي إلا مجازفة سوف تؤدي بنا عاجلا أو آجلا إلى اتباع سياسة (إبادة الشعب الجزائري) أو (الاستسلام لمطالبه).
стр. 2674
إن الجنرال (باري - دو بولارديير) قد عمل حسابا لخطورة القرار الذي اتخذه، وقدر ما سوف يترتب عليه من رد فعل عميق. وهذا القرار إنما يدل ببساطة أنه باستطاعة الإنسان أن يكون في وقت واحد (رجل حرب) وأن يرفض، من أجل الوصول إلى نتائج قريبة وعاجلة، التضحية بالقيم الأخلاقية التي تكون عظمة الجيوش، وتضمن مستقبل المدنية التي هي حاميتها.
***
стр. 2675
٨ - الكلمة الأخيرة
تثير الحروب بصورة عامة نوعا من التخلخل الاجتماعي، الذي بات معروفا لعلماء النفس والاجتماع، فالتأرجح بين الضغوط العالية والاسترخاء أو الهمود المنخفض، والعيش تحت ظروف التوتر الشديد، يترك في النفس عصابات قد تصل إلى حدود مرضية خطيرة في أحيان كثيرة يضاف إلى ذلك ويلات الحرب ومآسيها والقلق على المصير وفقد الأهل والأحباء ومعاناة الجوع والمرض، وأهوال التخريب والدمار والتشرد، كل ذلك مما يترك أشكالا مختلفة من الجنوح غير السوي. فكيف الأمر بالحروب الاستعمارية التي تتعاظم في أهوالها ومصائبها على كل أشكال الحروب التقليدية؟ ثم كيف الأمر بالنسبة للاستعمار الفرنسي بالذات، والاستعمار الفرنسي للجزائر منه بصورة خاصة؟
لقد أظهرت الصفحات السابقة بعض ملامح (المأساة الجزائرية). وهي مأساة تبقى على الرغم من كل ما كتب عنها، وعلى الرغم من كل ما أمكن معرفته عنها، غامضة في كثير من جوانبها. وهنا، لا بد من القول على ضوء ما سبق عرضه - بأنه إذا ما كان من شأن الحرب، وكل حرب، إثارة اضطراب في تكوين
стр. 2676
المجتمع وبنائه، فإن الاستعمار الفرنسي قد زاد من عمق المأساة بتعمده إحداث هذا الاضطراب، فانتهاك المحرمات، وإشاعة الفواحش، وتعهير المحصات، ونقل كل مساوىء الحضارة الغربية وتعميمها، كل ذلك قد تم في إطار محكم من التخطيط والتنفيذ. وترك ذلك كله بصمات عميقة على المجتمع الجزائري. وقد يكفي التوقف لحظة لتأمل الوجوه عند (نهح المصارف) أو في المجمعات عند بداية الطريق (للقصبة) حتى يصطدم الإنسان بكل معالم البؤس التي بقيت واضحة بعد ربع قرن من زوال الاستعمار الإفرنسي.
قد يكون من الطبيعي، ومن المتوقع، ظهور انحرافات مرضية تبتعد بالشعب عن أصالته، ولا بد من فترة زمنية حتى يستعيد المجتمع توازنه المفقود. غير أن إعادة التوازن تتطلب عملا مخلصا دؤوبا، وجهدا واعيا مستمرا. وتتزايد صعوبة إعادة التوازن - بدهيا - بتأثير عاملين:
أولهما وأخطرهما: استمرار الدور التخريبي الاستعماري - من خلال الاستطالات المرضية للاستعمار ورواسبه، ومن خلال استمرار التحريض الخارجي.
ثانيهما: ظهور الصراع بين الأجيال، الجيل التقليدي المحافظ والجيل الصاعد المتمرد. وصورة العاملين واضحة في رد (الاستاذ أحمد طالب الإبراهيمي) على رسالة فتاة وصلته وهو في سجنه في (فرين) بعد أربع سنوات ونيف من الاعتقال. واذا كات رسالة الفتاة لم تطالعنا، فإن الرد عليها كافيا لايضاح مضمونها (١).
стр. 2677
وقد كان الرد هو التالي:
الى مناضلة جزائرية،
فرين، ٢٧ جويلية ١٩٦١،
أختي العزيزة ح ...
إن حالة الأرق، وهي الأليفة الوفية لي، تهيب بي أن أكاتبك، وأن أقول لك أنني انشرحت لقراءة رسالتك.
وإنه ليبهجني أن قد حظيت بلقيا ذويك (وخاصة والدتك) بعد طول البعاد. ويقيني أن عودتك هذه إلى أحضان الأسرة ستروح عنك، مهما كان من الصدمات الحاصلة بموجبها.
وقد أشرت إلى مدى الهوة بينك وبين أسرتك، وهو أمر لا محيد عنه، فإنك لتعلمين حق العلم انتسابك إلى ذلك الجيل الانتقالي الذي كثيرا ما فرض عليه الصمود في واجهتين .. ولعمري إن النزاع لمعقد كل التعقيد: ذلك أن جيل والدك قد اضطلع بكفاح جدير بإعجابنا للحفاظ على شخصيتنا القومية، وهو الكفاح الذي ما كان يتسنى بدونه تصور اندلاع الثورة، ولا إبرازها إلى الوجود. وباعتبار الظروف التاريخية السائدة آنذاك، اتخذ الكفاح في جوهره شكلا دفاعيا. وأمعن فوق ما يجب في تقديس ما هو في حد ذاته شيء رمزي، أي شكلي صرف. وإن أبناء ذاك الجيل لمصيبون في تنبيههم الشبان إلى الأخطار المهددة لهم من جراء مسخ الشخصية وطمس معالمها. على أنهم يعمدون إلى ذلك في غير ما لباقة، ولربما في أسلوب شرس. ولا غرو، فإن موقفهم ذلك لينم في الوقت نفسه عن حنقهم وغيظهم لعدم المساهمة في (حركة التحرير). وعن شبه الشعور بالخيبة والإفلاس: فهم يدركون ما كان من عجزهم عن تلقين
стр. 2678
أبنائهم هذه الحقيقة، وهي أن تفتحنا للعالم المعاصر لنا لن يكون ذا جدوى، ولن يكون مأمون العقبى إلا على شرط أن نبقى أوفياء للصميم، والخلاصة من ذاتيتنا.
وإذا ما سلمنا بهذا أصبح من الضروري القيام بتنازلات من الطرفين، بغية التقريب من مسافة الخلف بينهما. ولقد أحسنت صنعا من جانبك إذ قبلتها، ولن تندمي على موقفك هذا، فلسوف تعلمين يوما أن لا شيء يضارع حب الوالدين في نفاسته وعلو قدره. فهو الحب الوحيد البالغ صلابة الصخر.
وهذا هو نفس ما خاطبت به عشية اليوم صديقاتك الأربع، حيث أسعفني الحظ بالتعرف عليهن، وأتيح لي من خلال التحادث معهن أن أقدر من جهة مبلغ الشوط الذي قطعته امرأتنا، وأن أدرك من جهة أخرى وإلى أقصى حد أن لقب (الجيل الانتقالي) إنما هو مجاز خلاب لتغطية مفهوم (الجيل المضحى به) وقد تعرضت في رسالتك، بلهجة التأثر لمباهج حياة الأكواخ، وما حفها من الدعة والاطمئنان. وكم بودي أن لا يخمد على الدهر في قلب كل مناضل ومناضلة، ذلك التوق إلى الكوخ. وذلك التشوق الحالم إلى السعادة. مهما كان من عدم تحققها في واقع الأمر. ولا غرو، فالثورات ليست بمنجاة عن تجريد البشر من إنسانيتهم، فلربما خلقت أمساخا مشوهة، ونماذج آلية صرفة، فتعين إذن مواصلة الكفاح تفاديا للتحجر الذاتي.
...
إلى هنا وتنتهي رسالة الأستاذ (أحمد طالب الإبراهيمي). وهي في الواقع رسالة لا تطرح مشكلة (المرأة) في فجر استقلال، وإنما تطرح مشكلة اجتماعية - سياسية تأخذ أبعادها في
стр. 2679
حينها وتطل منها على أفق المستقبل.
عند هذه الرسالة تظهر مشكلة (العالم العربي - الإسلامي) كله.
الذاتية. مشكلة الحافظة على قواعد الصمود في عصر تتعاظم التحديات ضد الدول (حديثة العهد بالاستقلال) وفي طليعتها بدهيا دول العالم العربي - الإسلامي، وهي المتميزة - بصورة خاصة - بإرث حضاري متقدم، وأصالة ذاتية عريقة وأصيلة حفظها لها الإسلام.
لم تحمل مجاهدة الأوراس السلاح، ولم تفتح فتاة وهران والجزائر صدرها للنار، حتى تأتي صورتها مشوهة في أعمال (لوكور بوزييه) كنموذج لا يمت إلى فتاة الجزائر الطاهرة بصلة قرابة على الإطلاق (١) فأين صورة المجاهدة، ترتدي عباءتها (برنسها) وتحمل السلاح تخفيه في طيات ثيابها من هذه الصورة العارية البشعة. وليست هذه على كل حال هي الصورة الوحيدة التي تصدم المسلم المجاهد، والمسلمة المؤمنة التقية الورعة.
في نشرة (المرأة الجزائرية (٢)) صورة لعرض فتيات كتب تحتها (العمل على انجاح الاختيار الاشتراكي للبلد). لو تأمل الإنسان الصورة، بالصدور البارزة،
стр. 2680
والسيقان العارية لأنكر أن يكون لهذا الجيل علاقة (بفاطمة) و (عائشة) و (جميلة) و (مليكة) وأخواتهن من عشرات آلاف المجاهدات.
عند هذه النقطة تبرز مجموعة من الأسئلة، ومرة أخرى، فالمشكلة ليست مشكلة خاصة (بالجزائرية) ولو أن (النموذج الجزائري) يبرز التناقض الحاد للمشكلة.
- ترى هل انتصر العربي - المسلم على العدو الخارجي، ليهزم من داخله؟.
- وهل انتصرت المرأة العربية المسلمة على كافة التحديات طوال أربعة عشر قرنا لتهزم خلال جيل واحد؟.
إن ذلك يبرز قوة المحرض الخارجي من جهة، واستمرار عمله من جهة ثانية.
مثال ذلك: لم تهزم الجيوش العربية - عسكريا - في الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة (١٩٧٣) غير أن عدم هزيمتها خارجيا تحول إلى هزيمة داخلية، والمشكلة معروفة.
مثال آخر: نحتفل بذكريات الشهداء - وفاء لأرواحهم الطاهرة - ونرقص على أجداثهم ونهرق الخمور أيضا ...
تلك هي مأساة العالم العربي - الإسلامي. وهي سبب التفجرات الذي تطفح على سطحه باستمرار. إنها البراكين الثائرة الذي تجثم فوقها قوى هائلة لتمنعها من الانعتاق. عودة إلى (مشكلة المرأة الجزائرية).
لقد ظهرت هذه المشكلة، وجيل الثورة، الأمين على تراثها، لا زال ممسكا بالسلطة والحكم، فكيف سينتهي الأمر بعد جيل من
стр. 2681
الزمن؟ وهل ستصبح الثورة مجرد ذكريات في متحف (المجاهدين) لا يلتفت إليها أحد، ولا يتوقف عندها إنسان.
إذن فستدفن قيم الثورة أيضا وعندها يقال ﴿وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت﴾.
هنا تظهر الحاجة لإعادة تقويم (أساليب التعليم والتربية) و (ازدواجية التعليم).
إن المرأة التي تحدت (لاكوست) يوم حاول إرغامها على رفع الحجاب: قد تعرت طواعية بحكم تقليد الضعيف للقوي.
ولكن:
هل يمنع الاحتشام المرأة من الحرية، حرية التعلم , وحرية العمل.
المسؤولية عامة ومشتركة، وإعادة التقويم، والنقد الذاتي، كافيان حتى يضطلع كل بمسؤوليته لحل هذه المشكلة.
لقد ناضلت الفتاة لرفع الحجاب، وآن لها بعد إعادة التوازن للمجتمع، أن تجاهد للعودة إلى آداب اللباس.
وكم هو رائع، للطبيبة المسلمه في عيادتها، والمهندمة المسلمة في مكتبها، والمعلمة المدرسة في محراب العلم المقدس، والموظفة في عملها. وكل واحدة تمارس دورها وهي في زيها الإسلامي - المتحجب، المحتشم.
ليست موعظة، وما أكره الموعظة على النفس.
إنما هي وفاء لأرواح الشهيدات، ودعما لقواعد الصمود، ومحافظة على الأصالة الذاتية.
وليست القضية قضية تقليد، أو عادات، إنها قضية ترتبط بجوهر الدين، فالقضية أعمق من أن تكون قضية شكل، وإنما هي
стр. 2682
قضية مضمون (مضمون المرأة المسلمة).
انتهت الحرب، ولا زالت الحرب مستمرة.
والشواهد كثيرة، يعرفها كل إنسان بحكم ممارسته.
إن (المجاهدة الجزائرية) التي انتصرت على ذاتها، وانتصرت على غيرها، مدعوة اليوم، وأكثر من أي يوم مضى. لإبراز المضمون الحقيقي (للمجاهدة العربية المسلمة) وعندئذ (ستشرق الشمس من الغرب).
стр. 2683
قراءات
١ - من منهج وادي الصومام - في موضوع الحركة النسائية.
٢ - من توصيات المجلس الوطني للثورة الجزائرية لتحرير المرأة.
стр. 2684
(١)
من منهج الصومام في موضوع الحركة النسائية
وضعت مقررات مؤتمر وادي الصومام (في ٢٠ آب - أوت - ١٩٥٦) الأساس للعمل الثوري، ولبناء المجتمع الجزائري الجديد. وقد تضمنت تلك المقررات في موضوع الحركة النسائية ما يلى:
و- الحركة النسائية
توجد في الحركة النسائية إمكانيات واسعة تتزايد وتكثر بصورة مستمرة. وإنا لنحيي بإعجاب وتقدير ذلك المثل الباهر الذي تضربه في الشجاعة الثورية الفتيات والنساء المتزوجات والأمهات. ذلك المثل الذي تضربه جميع أخواتنا المجاهدات اللائي يشاركن بنشاط كبير - وبالسلاح أحيانا - في الكفاح المقدس من أجل تحرير الوطن. ولا يخفى أن الجزائريات قد ساهمن مساهمة إيجابية فعالة في الثورات الكثيرة التي توالت وتجددت في بلاد الجزائر منذ سنة (١٨٣٠) ضد الاحتلال الفرنسي.
وإن الثورات الرئيسية كثورة أولاد سيدي الشيخ في سنة (١٨٦٤) بالجنوب الوهراني، وثورة القبائل في سنة (١٨٧١)
стр. 2685
وثورة سنة (١٩١٦) في الأوراس وناحية معسكر، قد تركت لنا صورا حية خالدة لوطنية الجزائريات اللائي ضحين بأنفسهن في كثير من المناسبات. والمرأة الجزائرية اليوم موقنة أن الثورة الحالية ستنتهي لا محالة بالحصول على الاستقلال.
وإن المثل الذي ضربته أخيرا تلك الفتاة القبائلية التي رفضت الفتى الذي تقدم لخطبتها لأنه ليس من المجاهدين، لهو دليل رائع على ما تمتاز به الجزائريات من الروح المعنوية السامية، والمشاعر النبيلة.
وعلى هذا، فإنه من الممكن في هذا الميدان أيضا تنظيم وسيلة من أخطر وسائل الكفاح وأكثرها جدوى وفائدة بطرائق خاصة مناسبة لعادات البلاد وتقاليدها الخاصة، وذلك:
أ - بمؤازرة المحاربين والمقاومين مؤازرة أدبية.
ب - بتقديم المعلومات (الأخبار) والمشاركة في الاتصالات والتموين وإعداد الملاجىء وتهيئتها.
ج - مساعدة عائلات وأبناء المجاهدين، والأسرى المعتقلين (١).
стр. 2686
(٢)
من توصيات المجلس الوطني للثورة الجزائرية لتحرير المرأة
عقد المجلس الوطني للثورة الجزائرية مؤتمرا له في (طرابلس - ليبيا) في جوان (حزيران) ١٩٦٢. والجزائر على
أبواب الاستقلال، وذلك بهدف وضع أسس لمجابهة قضية بناء الجزائر في عهد الاستقلال (سياسيا واقتصاديا واجتماعيا) وقد وضع المجلس الوطني مشروع برنامج (لتحقيق الثورة الديموقراطية الشعبية) وقد صادق المجلس على هذا البرنامج بالإجماع، وتضمن فيما يتعلق بالمرأة ما يلي:
٥ - تحرير المرأة
لقد خلقت مشاركة المرأة في كفاح التحرير، الظروف الملائمة لكسر الكابوس القديم الذي كان يحيط بها ويقيدها، ولإشراكها إشراكا كاملا في تسيير الشؤون العامة وتنمية البلاد. وينبغي للحزب أن يقضي على كل العوائق التي تعترض تطور المرأة وتفتحها. وأن يدعم عمل المنظمات السرية، ولسوف يكون عمل الحزب ناجحا في هذا الميدان. ولن ننسى أن مجتمعنا لا يزال إلى يومنا هذا لديه عقلية سلبية بشأن دور المرأة، فكل شيء يساعد، وبأنماط
стр. 2687
مختلفة، على نشر فكرة نقص المرأة وعجزها. وبلا غلو، نجد هذه العقلية البائدة متفشية في أوساط النساء. ولن يتسنى للحزب أن يخطو خطوة واحدة إلى الأمام، ما لم يساند دوما محاربة الأحكام الاجتماعية المسبقة والمعتقدات الرجعية، ولا يمكنه أن يكتفي بالمواقف المبدئية فقط. بل عليه أن يجعل من تطور المرأة واقعا لا رجعة فيه وذلك بواسطة تخويل النساء مسؤوليات حزبية (١).
стр. 2688
الفهرس
стр. 2689
_________
الفصل الثالث
١ - معاناة الإرهاب ................................................... ١٤٩
٢ - أكثر وحشية في النازيين والمغول (التتار) ......................... ١٦٣
٣ - مدارس تعليم أساليب التعذيب ..................................... ١٧٥
٤ - معسكرات الانتقاء والترحيل ........................................ ١٨٧
٥ - معسكرات التجميع ................................................. ١٩٢
٦ - الأسرى والجرحى .................................................. ١٩٧
٧ - ملحقات ضد الاستعمار وأساليبه الهمجية ........................... ٢٠٢
٨ - الكلمة الأخيرة ..................................................... ٢١٠
قراءات
١ - من منهح الصومام في موضوع الحركة النسائية ..................... ٢٢١
٢ - من توصيات المجلس الوطني للثورة الجزائرية لتحرير المرأة .......... ٢٢٣
стр. 2690
الاستعمار الفرنسي
стр. 2691
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2692
الاستعمار الفرنسي
(في مواجهة الثورة الجزائرية)
بسام العسلي
دار النفائس
стр. 2693
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى: ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م
الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
стр. 2694
الإهداء
كانوا كلهم إخلاصا للجزائر، وقضيتها العادلة.
وكانوا كلهم استعدادا للتضحية من أجل بناء جزائر المستقبل.
بعضهم قصر عن متابعة السير على درب الجهاد، أو عجز عن رؤية الهدف العظيم.
وبعضهم نجح في السير وسط حقول الأشواك الدامية، حتى النهاية الظافرة.
فإلى أولئك الذين مارسوا قيادة الجهاد، ولا زالوا يمارسونها، للعودة بالجزائر إلى أصالتها العربية الإسلامية.
أقدم هذا الجهد المتواضع
بسام
стр. 2695
المقدمة
وتبقى (الثورة الجزائرية) العملاقة منجما ثرا للتجربة التاريخية في التعامل مع الاستعمار التقليدي. لقد خاض الشعب الجزائري المجاهد التجربة المريرة، ووصل بها حتى نهايتها، ولم تكن هذه التجربة محددة بميدان الأعمال القتالية على الثرى الجزائري الطهور، وإنما كانت أكثر شمولا وأكثر اتساعا، حتى أنها شغلت العالم طوال سنوات الصراع.
لقد أخذ الاستعمار التقليدي في التقلص والانكماش منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، غير أن فرنسا خاصة، والدول الأوروبية عامة (هولاندا والبرتغال وبلجيكا) وجدت من الصعب عليها التكيف مع المستجدات الدولية، أو التنازل للدولتين العظميين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي) عن امتيازاتها التقليدية. ومن أجل ذلك، خاضت فرنسا حرب الهند الصينية (فييتنام) بوحشية وضراوة حتى اقتنعت بعجز قواتها عن مجابهة تيار التاريخ، وكان من المفروض أن تفيد فرنسا قبل غيرها من تجربتها الذاتية، فتتجنب الوقوع في أخطائها، غير أن رؤيتها للأمور من خلال زاوية محددة،
стр. 2696
زاوية (العظمة الفارغة) و (القوة الغاشمة) حملتها على ارتكاب الخطيئة من جديد، فكانت (حرب الجزائر).
لقد ظنت فرنسا، أن ما فعلته في الجزائر طوال (قرن وربع القرن) قد دمر كل جذور الأصالة الدينية والقومية والوطنية، حتى لم يعد في الجزائر إلا فرنسا الاستعمار والصليبية.
وظنت فرنسا، أن العامل (الجيواستراتيجي) وقرب المسافة من فرنسا، سيمنع كل (تمرد) أو (ثورة).
وأطلق المجاهدون شرارة الثورة التي أحرقت السهل والجبل، ومضت فرنسا على طريقتها التقليدية في محاولات متفائلة في البداية، ويائسة في النهاية، للتشبث بخرافة (الجزائر الفرنسية).
وكان الصراع المرير والشامل؛ فقد ألقت فرنسا بكل ثقلها، وتحالفت مع كل قوى الاستعمار في الغرب الاستعماري لقمع ثورة الأحرار المؤمنين المجاهدين، وكان للثورة بدورها محيطها العربي الإسلامي، فكان من الطبيعي أن تتسع دائرة الصراع السياسي لتتجاوز حدود ميادين الصراع المسلح. وفي هذا المجال، كانت ترسانة الاستعمار حافلة بكل مخزون (اللعب الاستعمارية) غير أن المجاهدين الذين تمرسوا على أيدي الاستعمار بالألاعيب الاستعمارية لم يعودوا عاجزين عن رؤية أهدافهم بوضوح تام.
واضطلعت القيادة الثورية التاريخية بأعباء قيادة الصراع السياسي، وأمكن لها هز العالم وإثارته، بما حققته من تنسيق رائع بين (الجهد السياسي) و (الجهد العسكري)، وكان لا بد في النهاية من الوصول بالصراع إلى نهاياته الحتمية، وتحقيق الانتصار لمصلحة المجاهدين المؤمنين.
стр. 2697
وانقضت التجربة التاريخية. وتوقف الصراع المسلح، لتبدأ مرحلة (الجهاد الأكبر) من أجل تصفية رواسب الاستعمار والقضاء على مرتكزاته.
انقضت التجربة التاريخية في أفق الصراع المسلح، ولكنها استمرت في أفق الصراع السياسي، ومضى ربع قرن على التجربة التاريخية، ولا زال الصراع السياسي مستمرا مع (رواسب الاستعمار) و (بقايا أجهزته) و (شبكات اخطبوطه).
لقد تطور الاستعمار - أخيرا - غير أنه بات في تطوره أكثر خطورة وأشد فتكا وتدميرا؛ ذلك لأنه يعتمد على أساليب الهجوم غير المباشر للوصول إلى الأهداف المباشرة.
بكلمة أخرى، إنه بات يستأثر بالمغانم ليلقي على أعباء الشعوب المستضعفة بالمغارم كلها. وهنا تبرز أهمية التجربة الجزائرية.
لقد استطاعت فرنسا الحصول على غنائم الحرب من خلال الاتفاقات التي عقدتها مع الثورة الجزائرية، وقد استطاعت الجزائر المجاهدة متابعة طريق الجهاد لتحرير نفسها من تلك القيود التي فرضتها مجموعة الظروف التي أحاطت بالصراع.
المهم في الأمر هو أن تلك الغنائم - في حد ذاتها - تظهر طبيعة التطور الجديد للاستعمار الحديث ومن هنا تبرز أهمية التجربة الجزائرية.
لقد استخدمت فرنسا كل أساليب الخداع، والتمويه، والمكر، واستخدم المجاهدون كل أساليب الصراع الواضحة، والشريفة والعادلة، وانتصر الحق وزهق الباطل، وسقطت الأقنعة،
стр. 2698
﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾. وكان انتصار الثورة برهانا ساطعا على القيم البناءة والفضائل الأصيلة التي توافرت للمجاهدين، بقدر ما كانت برهانا أكيدا على حتمية فشل الشر المتمثل (بالنهب الاستعماري).
انتصرت الثورة، ولا زال الصراع مستمرا، ومن أجل ذلك، تكتسب التجربة الجزائرية أهميتها، لأنها أكبر وأضخم تجربة ترسل ظلالها إلى الأفق البعيد، أفق المستقبل،
стр. 2699
الفصل الأول
١ - الجزائر في منظور الاستعماريين.
٢ - مشاريع استعمارية.
٣ - سياسة ديغول.
أ - قضية تمثيل الشعب الجزائري.
ب - العصا والجزرة - محاولا استيعاب الثورة.
ج - مقولات (ديغولية).
стр. 2700
١ - الجزائر في منظور الاستعماريين
ما أن انطلقت الرصاصت الأولى في الجزائر، في الفاتح من تشرين الثاني - نوفمبر-١٩٥٤، (مع فجر عيد جميع القديسين) حتى أصيب الاستعماريون الفرنسيون بالذعر، لقد أصابت تلك الرصاصات قلب الاستعمار، وكان تحرر الجزائر هو آخر ما يضعه دهاقنة الاستعمار في مخيلتهم، وجاء أول رد فعل رسمي على لسان وزير الداخلية الفرنسي (فرنسوا ميتيران) الذي أعلن: (الجزائر هي فرنسا، من الفلاندر إلى الكونغو، هناك قانون واحد، ومجلس نيابي واحد، وبذلك فهي أمة واحدة، هذا هو دستورنا، وتلك هي إرادتنا). وأعقب هذا الإعلان بتصريح آخر: (إن المفاوضات الوحيدة هي الحرب) (١). وتتابعت التصريجات المتاشبهة، ومنها: (إن فرنسا هنا في ديارها، أو على الأصح فإن الجزائر وجميع سكانها جزء لفرنسا، كما أنها جزء لا يتجزأ منا، إن مصير الجزائر فرنسي، وهو اختيار قررته فرنسا،