← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

١٩٥٦) فقد وقعت عربتا نقل تابعتان لقوة المظلات في كمين نصبه الثائرون. وكانت نتيجة الكمين أن قتل ضابط صغير وجندي فأخذت فرقتنا تستعد للرد، والانتقام، وتحركت راجلة نحو السهل في الساعة الرابعة صباحا. وبدل أن تذهب لإمداد القوة التي وقعت في الكمين. توجهت قوتنا نحو قريتين من القرى المجاورة لنا. وهناك بدأت عملية التفتيش واعتقال الرجال، وضربهم المبرح. وكانت القريتان على بعد خمسمائة متر من معسكرنا، وعلى بعد ثمانية أو تسعة كيلومترات من مكان الكمين. ولكن رجالنا وقع اختيارهم على القريتين لصب جام الانتقام عليهما. وباشرت الفرقة الأولى عملية السلب والنهب، فلم تترك شيئا إلا أخذته. أما قوتنا فقد كان سلوكها أفضل، وبعد هذه العملية صعدنا فوق هضبة وأخذنا نشاهد هجوم الطائرات المقاتلة على القرى وتدميرها لها، وكأننا على مسرح. وخلال هذه الفترة، من شهر آذار - مارس - ألقى أحد الفدائيين في (وادي الزناتي) قنبلة على جندي فرنسي، فأصابه بجرح خطير، وجاء رد الفعل الفرنسي سريعا جدا. إذ وقع الهجوم على الحي المجاور للمنطقة التي وقع فيها الاعتداء. وسيق كل المسلمين الذين يسكنونه إلى مركز الدرك - الجندرمة - حيث قضوا كامل الليل، ثم وقع اختيار الدرك على ستة من الرجال أعدموا فورا. وأذيع بيان على الأهلين بأنه سيعدم من بينهم ثلاثون رجلا كلما وقع اعتداء على أحد الجنود الفرنسيين. وفي اليوم التالي. أطلق رجال الشرطة - البوليس - سراح ستة من المسلمين، كان قد ألقي القبض عليهم منذ أسبوع، ولم تثبت إدانتهم بشيء، فتسلم العسكريون فورا هؤلاء الستة وذهبوا بهم. وفي صبيحة يوم الاثنين (٢٦ - آذار - مارس) اكتشف الناس جثث هؤلاء الستة في المكان المعروف باسم

стр. 2627

(منجم أ. أ.) وصدرت الصحف يوم الثلاثاء، وهي تحمل بلاغا عسكريا يقول: (إنه قد وقعت معركة قرب (منجم أ. أ.) أسفرت عن مقتل ستة من الثائرين. يمكن هنا الإشارة الى تلك الرسالة التي تحمل تاريخ ٣٠ نيسان - أبريل - ١٩٥٦. والتي تضمنت ما يلي: (أطلق أحد الفدائيين النار على أحد حراسنا منذ (١٢) يوما، فأصابه بجراح. وذلك على مقربة من إحدى القرى. فهاجم جندنا القرية، وأخرج سكانها. واختار من بينهم عشرة رجال تم إعدامهم فورا. وكانوا من العمال في المنجم المشهور. وارتاع سكان القرى، فأخلوها والتجأوا جميعا إلى القرى المجاورة. وكان السكان الأوروبيون يرون هذه الحادثة، وهم يذرفون الدموع لأن هؤلاء العمال الذين أعدموهم كانوا رفاقا لهم، وكانوا يعملون معهم جنبا إلى جنب في المنجم المذكور). لقد تم إعدام هؤلاء الرجال، وسواهم، من غير محاكمة، ومن غير تحقيق حقيقي. وقد تم في يوم ٢٨ آذار - مارس - ١٩٥٦ إعدام (٣٢) رجلا بطريقة مريعة، فيما بين الظهر والغروب بدوار قرية (أولاد الباشا) وذلك بعد أن عذبوا بقسوة ووحشية حتى اختفت صور وجوههم، ولم يعد بالإمكان معرفتها لكثرة ما لحق بها من التورم والكسور. ولم يكن هؤلاء الرجال قد حملوا السلاح، أو شاركوا في الثورة، وإنما كانوا يعيشون في مشاتيهم ويمارسون أعمال الزراعة - الفلاحة - وهم آمنين وادعين فحملوا على المكاره حملا (١).

стр. 2628

٢ - أكثر وحشية من النازيين والمغول (التتار) لقد عانت المرأة الجزائرية من قوة الإرهاب ما عانت. واحتملت من الأهوال فوق ما يحتمل. وكانت شريكة للجزائري الرجل، مجاهدا، أو فدائيا، أو مسبلا، أو حتى عاملا بسيطا وفلاحا متواضعا يعيش حياته في (مشتاه المنعزل). وإذا كانت المرأة الجزائرية قد تأثرت مباشرة بما يحدث من دمار شامل وإبادة عامة، تقع تحت سمعها وبصرها إن لم تكن هي ذاتها ضحية لها. فقد كانت هناك ممارسات أخرى لا تطالها مباشرة في بعض الأحيان، إلا أنها لم تكن بمعزل عن التأثر بها بصورة غير مباشرة. فقد مارس الاستعماريون الفرنسيون أعمال (التهدئة) بطرائق أكثر وحشية مما عرفه العالم عن طرائق النازيين والمغول (التتار). وقد أشارت المصادر الفرنسية ذاتها إلى بعض هذه الممارسات، وما لم يعرف هو أعظم وأرهب. وقد يكون من المناسب استقراء ملامح بعض هذه الممارسات (حتى لا ننسى): قال مجند فرنسي: إذا كانت هناك أعمال تتكرر باستمرار، في مجال التعذيب، فإن العمل الذي سأقصه عليكم لم يقع إلا بقلة، لكنني أريد تسجيله حتى تعلموا إلى أي درجة من الوحشية يستطيع أن

стр. 2629

يصل بعض الناس، ففي الفترة ما بين ١٥ و ٢٠ أيلول - سبتمبر - ١٩٥٦، أوتي برجل قيل أنه مشتبه في أمره، إلى مركز القيادة العامة ونقل بعربة خفيفة - جيب عسكرية - وكان الجنود طوال الطريق يتبارون في تقطيع أجزاء جلد ذلك الرجل، وهو حي، وتمزيق قطع من لحمه. كنا نحن خلال هذه الفترة في (وادي الصومام). ولقد أوتي بثلاثة من الرجال، وأمروا بحفر حفر، ثم دفنوا فيها إلى العنق، وبقي رأسهم معرضا لوهج الشمس. ووضعوا أمام كل منهم وعاء فيها ماء يبعد عن فمهم مسافة نصف متر تقريبا، وقيل لهم أنهم لن ينالوا شيئا من الماء إلا إذا تكلموا. ولقد بقوا على تلك الحالة يومين كاملين، فلم ينبس اثنان منهم ببنت شفة. وأعدم اثنان وهما على تلك الحالة، أما الثالث فقد قال شيئا - آخر الأمر - إلا أنه أعدم أيضا إثر ذلك (١). (وفي قرية (الشريعة) أوتي برجل للتحقيق معه (استجوابه) فنزعت عنه كل ثيابه، وقيد من أكتافه، ثم ألقي على الأرض بعدما ضمخوا كل جسده بمعجون السكري (المربى) وبقي كذلك طوال اليوم معرضا لشمس شهر تموز - يوليو - اللاذعة، وكانت أسراب الذباب تروح وتغدو حول تلك الفريسة البشرية التي كانت عيناها تعبران عن جنون الألم. وقال لنا النقيب (الكابتن) بأنه إذا لم يعترف فسأطلق عليه سربا من النحل) (٢). وجاء في مصدر آخر ما يلي: (لقد تعرفت على جماعة من

стр. 2630

الطلبة الفرنسيين، الذين كانوا في حالة من الهياج القصوى. وكان أحدهم يتحدث بحرارة عن أعماله. وكيف أنه أتى بمدفعين رشاشين من النمسا، لقتل المسلمين. وقص علي مفاخرا أنه رأى بعينيه في جهة (باليسترو) أحد الضباط وهو يدلي من طائرة عمودية (هيليكوبتر) - بواسطة حبال - بعض المشتبه بأمرهم، ويهددهم بإسقاطهم على الأرض إن هم لم يتكلموا. ولما امتنع هؤلاء عن الإدلاء ولو بكلمة واحدة - رغم التهديد المرعب - عمل هذا الضابط على قطع الحبال، وسقط أولئك الناس، وسحقوا على الأرض. لقد كان في هذا درس صالح للسكان العرب) (١). يمكن في هذا المجال الإشارة إلى البلاغ الصادر عن القيادة العامة لجيش التحرير الجزائري - لولاية وهران يوم ١٠ أيار - مايو - ١٩٥٧. والذي جاء فيه بالحرف ما يلي: (ان المجاهد العربي بن المهيدي الذي قبض عليه الفرنسيون أخيرا، لم يعترف بشيء أثناء الاستنطاق ولكنهم سلخوا جلدة رأسه في غرف التعذيب التابعة للبوليس الفرنسي، ثم لم يكفهم هذا، بل أدخلوا في فمه قضيبا من الحديد في أقصى درجات الاحمرار. فكانت النتيجة أن فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها إثر هذه العملية الوحشية التي تقشعر لهولها الأبدان. وقد كان هذا في مدينة الجزائر، والعقيد ﵀، كان من أشد الناس حماسة لقضية بلاده. وهناك وسيلة أخرى من نفس الوسائل السابقة تطبق الآن في مقاطعة (وهران). ففي يوم ٣ كانون الثاني - يناير - ١٩٥٧. سقط المجاهد أبو مدين محمد من دوار (أولاد حمو) من دائرة

стр. 2631

(مونطانياك) أسيرا بيد العدو. فسيق إلى مدينة (تيران) ومن هناك إلى مركز الجندرمة. وفي داخل المركز المذكور، أوثقوه من رجليه إلى سقف الحجرة، وتركوا رأسه يتدلى، ثم طلبوا منه أن يدلهم على مخزن سلاح المجاهدين الموجود في تلك الناحية ولما فشلوا في محاولتهم تلك، أدخلوا رأسه في فرن ملتهب. فمات لساعته. وفي نفس اليوم، وفي المكان ذاته، قبض الفرسيون أيضا على المجاهد (محمد مصطفاوي بن عبد الله - من دوار بلغافر) دائرة (مونطانياك) وسيق كسابقه إلى مركز الجندرمة (الدرك). بمدينة (تيران). وبعد أنواع من الترويع والتعذيب حتى يحملوه على الاعتراف بما كانوا يريدونه منه، وبعدما عجزوا عن الوصول إلى مرادهم هذا. وضعوا في دبره أصبعا من الديناميت فجروه بواسطة مفجر كهربائي، فتمزق جسده في الحال إربا إربا .. وفي اليوم الخامس من شهر كانون الثاني - يناير - ١٩٥٧. وفي قرية (الخميس) دائرة (مغنية) وفي الشاب المجاهد (أحمد جلاد ولد محمد الصغير) أسيرا، في إثر اشتباك بالقرب من القرية المذكورة، فأخذوه إلى مدينة (مغنية) ومنها إلى مركز القيادة العامة لفرقة المدفعية الثانية والعشرين. وهناك ربطوه إلى شجرة، وربطوا يديه إلى سيارة جيب. ثم أخذوا في استنطاقه وهو على هذه الحالة المؤلمة. ولما لم يجبهم عما سألوه عنه. أمروا جنديا من جنودهم بأن يسير بالسيارة، فانفصلت ذراعه الأولى، ثم أعيدت العملية، فانفصلت ذراعه الثانية. وحينذاك مات بعد أن ذاق ألوانا وأشكالا من العذاب المريع (١).

стр. 2632

جاء في (مصدر فرنسي) (١٩) ما يلي: (جاءتنا دورية بأربعة من المشتبه بأمرهم - كما يزعمون - ولقد مر اثنان منهم حالا على غرفة المولد الكهربائي، فكنا طوال الليل نسمع صراخ الألم والاستغاثة يصدر عنهم. وهذه أول مرة تلجأ فيها فرقتنا الى أساليب التعذيب كوسيلة للاستجواب (الاستنطاق). ولقد حكى لي (ل) أنه حضر في قرية (هـ) منذ أيام، عدة عمليات تعذيب كهذه. فالعملية عبارة عن وضع سلك كهربائي في خصية الرجل، ووضع السلك الآخر في أذنه. ثم يقع إطلاق التيار الكهربائي على الرجل. وقال لي (ل) أن هذه العملية كانت تقع بحضور زوجة المشتبه فيه، والذي يتم تعذيبه) (١). وجاء في (مصدر فرنسي آخر) (٢) ما يلي: (جاء فرقتنا أحد التراجمة. وقص علينا قصة عملية استجواب (استنطاق) وقعت أمامه في قرية (بئر غبالو) وهي العملية التقليدية - السلك الكهربائي في الأعضاء التناسلية، وإذا لم يجد ذلك نفعا انهالوا على المشتبه به ضربا بالسياط (الكرباج). ولقد أطلعنا المترجم على عدد من الصور الفوتوغرافية التي التقطها لجماعة من العرب وقد تمزقت جلود وجوههم من آثار الضرب. وتورم لحمهم من التعذيب. يا لها من تهدئة؟). وتستخدم السلطات الاستعمارية الإفرنسية هذه الوسائل الوحشية السافلة، ضد الصبيان أيضا. وقد جاء في تقرير. يحمل تاريخ يوم ٢٨ كانون الثاني - جانفي - ١٩٥٦ ما يلي: (إن

стр. 2633

صياح الخنزير الذي كانوا يذبحونه بالأمس، على الساعة التاسعة ليلا، لم يكن في الحقيقة إلا صراخ صبي كانوا يعذبونه. لقد استعملوا معه وسيلة السلك الكهربائي، لكنهم استبدلوا هذه المرة الخصيتين باليد. وقيل أن الصبي اعترف بأنه قد ذهب لأربعة رجال مسلحين يعلمهم بمرور فرقة فرنسية في المكان. هذا ما أعلمني به الملازم (س) ووجهه يتهلل بشرا. أما بالأمس، فقد سمعت عواء حسبته أول الأمر عواء ذئب عابر، لكن ذلك العواء استمر، وزاد، فرابني الأمر، وخرجت وأنا أرتدي المنامة (البيجاما) فأيقنت أن تلك الأصوات المنكرة كانت تصدر عن خيمة الملازم قائد الفصيلة، ففهمت حقيقة الأمر، لكنني قلت في نفسي؛ بأنه من المحال أن يستعملوا السلك الكهربائي مع الصبي، ولا ريب أنهم يحاولون الآن انتزاع اعتراف من الشيخ الذي يصحبه. ورجعت إلى خيمتي، وقد أمتلأ قلبي غضبا وألما. وأخذت أفكر عن غير وعي في أمر الصبي الذي سجنوه طوال الليل الماضي بعد أن قيدوه إلى مؤخرة سيارة الجيب. وتخيلته شارد الذهن، بادي الروع، وهو يشاهد عن كثب تعذيب الشيخ. وكاد قلبي يتمزق من الغيظ صبيحة اليوم إذ عرفت بأن عملية التعذيب كانت تقع على الصبي نفسه لا على الشيخ. ولم يكن باستطاعتي أن أذهب للصبي، وأن أحادثه، فهو لا يفهم اللغة الفرنسية، لكنني عملت عملا آخر. فقد ذهبت للصبي المعذب، وأخذت له صورة فوتوغرافية، إنها لصور بليغة يجب أن يراها الرفاق في فرنسا. وما كدت أصل حتى رأيت (س) وهو يخرج من الغرفة - مكان التعذب، فكاد قلبي يصعد إلى فمي، ولا أدري كيف تمالكت نفسي فلم أبصق على وجهه. يا له من وحش، لقد أصبح قلبه غلفا لكثرة ما مارسه من عمليات التعذيب، وما تعود على سماعه من

стр. 2634

أصوات المعذبين، إنه ضابط تحقيق - استخبارات - ويصفونه بأنه من الأشداء) (١). وفي جهة (الأصنام) وعلى الطريق العام الذي يصل بين (الجزائر العاصمة) و (قسنطينة) أقامت إحدى الوحدات الفرنسية التابعة لكتيبة القناصة الأفريقية التاسعة عشرة (قفصا) للمشتبه بهم، هو عبارة عن حفرة في الأرض عمقها خمسة أو ستة أمتار، وعرضها أربعة امتار، وطولها عشرة أمتار. ولهذه الحفرة غطاء من الأسلاك الشائكة به فتحة لإنزال المعتقلين بواسطة سلم داخل الحفرة. ويكون عدد نزلاء هذا القفص من (١٠) حتى (٦٠) رجلا بحسب نتيجة العمليات المحلية الجارية وليس هناك أية وقاية من الشمس والأنوار. ويستخدم الأسرى أثناء النهار في أعمال شتى، ثم ينزلون إلى الحفرة أثناء الليل. ويرفع السلم ليلا. ويوجد كذلك معسكر للمعتقلين (المشتبه بهم) بالقرب من قرية (مايو). أما في (باليسترو) فإن معسكر المعتقلين (المشتبه بهم) كان قائما داخل إحدى المزارع على مسافة كيلومترين من (باليسترو) وعلى حافة الطريق المؤدي إلى (البليدة) ويتباين عدد النزلاء في هذه المعسكرات بحسب مسيرة العمليات الجارية، ولكن عددهم قد يرتفع كثيرا كما حدث في آب - أغسطس - ١٩٥٦ وكان المعتقلون (المشتبه بهم) يحتجزون في (أقبية النبيذ) المبنية بالإسمنت المسلح. ولم يكن لهذه الأقبية مدخل سوى فتحة واحدة، لا تتسع إلا لشخص واحد. وكان الناس يحشرون في هذا المضيق، ولا يسمح لهم بالخروج إلا مرة واحدة في اليوم، وفي

стр. 2635

كثير من الأحوال، مات عدد منهم مختنقين، بسبب اشتداد الحر، وكثرة عدد المعتقلين المحشورين في القبو، على نحو ما حدث في أوائل آب - أغسطس - ١٩٥٦. وقد شهد أحد ضباط الصف كيف يعامل الجزائريون عند حشرهم في هذه الأقبية. حيث ينهال الجنود عليهم ضربا ولكما. ولما كانت هذه الأقبية عبارة عن حفر كبيرة فتحتها إلى أعلى، فإن المعتقلين كانوا يتعلقون بأصابعهم على حافة تلك الفتحة، عندما يتدلون إلى قاع الحفرة. وكان الجنود يرفهون عن أنفسهم بالضرب على أصابع الأسرى بأحذيتهم الغليظة. وكان استجواب الأسرى المعتقلين يتم بصورة إفرادية أثناء النهار، وينتهي الاستجواب عادة بإرسال المعتقل إلى غرفة التعذيب الكهربائي، ويطلق على هذا اللون من التعذيب الكهربائي لفظ (الهاتف - التلفون). وقد لوحظ أن هذا النوع من التعذيب الكهربائي لتعذيب المعتقلين غير كاف لبلوغ الهدف، فتم استبداله في يوم ١٨ آب - أغسطس - ١٩٥٦ بمولد كهربائي قوي، يقوم باستخدامه عامل اللاسلكي في السرية الثانية من الكتيبة السادسة مشاة. وذكر أن أحد الأسرى - المعتقلين - قد صعقه التيار الكهربائي أثناء التعذيب، وفاضت روحه. ولقد تم توسيع سجون الثكنات توسيعا كبيرا. إلا أن هذه السجون لم تكن تتسع لأكثر من (١٤٠) أو (١٥٠) معتقلا - سجينا. وكان الفرنسيون يحشدون في الزنزانة التي تتسع لأربعة أشخاص (١٥) معتقلا لمدة أسابيع عديدة، وأحيانا كان يتم حشد (٢٥) معتقلا، فكان لا بد من نوم المعتقلين وهم جلوس - القرفصاء - وكان في الزنزانة مسطبتان - دكتان - يحتلهما أكثر المعتقلين بؤسا وأكثرهم إعياء. ولم يكن غذاء الأسرى المحتجزين إلا فضلات

стр. 2636

الجنود التي تقدم لهم في علب المربى الفارغة. وكان الجو داخل الزنزانة، مشمع برائحة الأجسام وبالرطوبة والحرارة المرتفعة، مما كان يضر بالرئتين - خصوصا في شهور حزيران وتموز وآب (يونيو ويوليو وأغسطس) وإذا اضطر أحد الأسرى أن يتبول ليلا، فهو يتبول في أحد الأركان، ويسيل البول إلى الخارج من تحت الباب) (١). واعترف مجند بما يلي: (نفذت عمليات كبرى في جبل (س) يوم ٥ حزيران - يونيو - ١٩٥٦. وقد بلغ عدد الضحايا من العرب (١٥) رجلا، على الرغم من أننا لم نعثر على واحد من الفلاقة (الثوار) ولم تطلق علينا طلقة واحدة. وكان رجالنا يطلقون النار من بنادقهم الرشاشة ومدافعهم بصورة منتظمة على القرية التي كنا سنجتازها بعد قليل. ففر جميع الأهالي ولجأوا إلى المغاور والأخاديد المجاورة، وعثر بعض الجنود على فريق من الأهلين الملتجئين إلى إحدى المغاور، وخرج أحد هؤلاء من المغارة رافعا يديه إلى أعلى، وعندئذ دخل جندي إلى المغارة وأطلق نيران بندقيته الرشاشة على جميع الموجودين وعددهم سبعة أشخاص فصرعهم. وبعد ذلك جرت أجسادهم إلى قاع الوادي. ولما مضى الجندي القاتل في سبيله، عثر على بعد خمسين مترا على أحد الفارين جريحا، فأجهز عليه برصاص بندقيته) (٢). وذكر مجند ما يلي: (كان جرحى الثوار المصابون في الساق كثيرا ما يعجزون عن الهرب فيقعون في قبضة القوات الفرنسية.

стр. 2637

وكانت جراح هؤلاء قابلة للشفاء، بالرغم من نزيف دمائهم، وبالرغم أيضا من الزرقة التي كانت تحيط بجراحهم بسبب برد الليل القارص. غير أن القوات الفرنسية كانت تجهز عليهم بطريقة قد لا يتصورها الإنسان الطبيعي. لكن الجزائريين كانوا يرون ذلك رأي العين. وقد برز في هذا الميدان - ميدان الوحشية المجرمة - عدد من القادة العسكريين الذين كانوا يتولون ما يطلق عليه اسم (إدارة عمليات التطهير) فإذا ما وجدوا جريحا، صوبوا أحذيتهم الثقيلة إلى جروحه حتى يموت من الألم. وكانوا يمزحون مزاحا فظا أثناء التقاط صورهم الفوتوغرافية مع هؤلاء الجرحى، حيث يقولون للجريح وهو في طور الاحتضار: ابتسم حتى تكون الصورة جميلة. ابتسم للعصفور الصغير ثم يسحبون سكينا من سكاكين المطبخ، ويشرعون في شحذه (سنه) على الصخر، على مشهد من الضحية - قبل أن يذبحوها ذبحا بطيئا ليس فيه شيء من أصول الذبح - الجزارة - ويبعدون النصل عن الضحية حتى يطول عذابها. وعندما تصبح هذه جثة هامدة، لا يعدم جلادوها نكتة يطلقونها عليها لتشييعها إلى الآخرة. وقد يضيفون إلى الذبح إطلاق رصاصة عن كثب على وجه الرجل حتى يصبح هذا الوجه كومة دموية مشوهة ليس لها وصف في قاموس البشاعة. ومما يذكر أن الفرنسيين قد قتلوا الأسرى، وفيهم أسير كان محتفطا بمقدار كاف من القوة ليحمل لهم على ظهره جهازا لاسلكيا ضخما طوال ساعات عديدة. وقد شاؤ وا أن يكون القتيل وسيلة لبث الرعب في نفوس الأهالي، فاستدعوا الفلاحين من القرى البعيدة للقيام بنقل جثث القتلى إلى أسفل الجبل على ظهور الخيل ودفنها في إحدى ثنيات الوادي، وتحت طبقة من التراب لا يزيد سمكها على

стр. 2638

خمسة عشر سنتيمترا) (١). ومما قاله أحد المجندين: (قابلت عددا من الكهنة العسكريين القائمين بالخدمة الدينية في الجيش، وقد لاحظت أن لديهم معلومات واسعة عن هذا الموضوع، وأنهم يعتقدون أن من واجبهم التحدث عن الفظائع التي تصل إلى علمهم، مثل تقطيع الأسنان بالسكين أثناء الاستجواب (التحقيق) وترك المعتقلين ثمانية أيام في إحدى الأمكنة الضيقة حيث يكادون يختنقون من ضيق التنفس، ثم صب الماء عليهم لحملهم على الكلام أثناء استجوابات أخرى. وقد دلت جميع أقوال الشهود التي جمعتها كل يوم في الجزائر على أن (السيد فارس) أصاب كبد الحقيقة عندما وصف هذه الأعمال بأنها: (قتل يحميه القانون) وأن هذه الممارسات التي لا يزال بعض الناس يشكون في إمكان حدوثها - لا تليق إلا بالنازية البائدة -) (٢). وهذا ما أكده ضابط فرنسي - من الفرقة العاشرة، في رسالة له بتاريخ ٦ حزيران - يونيو - ١٩٥٦. حيث ذكر ما يلي: (لم يصبني الملل من الحياة بمثل ما أصابني في هذه الأيام وأنا في الجزائر. فإن الألمان النازيين في وحشيتهم القاسية، ليسوا إلا أطفالا أمامنا. ولقد رأيت بعيني إجراءات المكتب الثاني - الاستخبارات العسكرية - لجنود المظلات الذين كانوا يعذبون المواطنين طول اليوم بأبشع الوسائل لإرغامهم على الكلام، وذلك بوضع ماسورة

стр. 2639

في فم الوطني تحت ضغط الماء حتى يخرج الماء من جميع منافذ الجسم، الأيدي مكتوفة وراء الظهر، ثم يعلق من رسغه حتى تخرج المفاصل عن مواضعها، فحينذاك ينهال عليه جنود المظلات ضربا لا هوادة فيه ولا رحمة، ثم بعد ذلك، إن لم يعترف بشيء مما يريدون الحصول عليه من المعلومات، حاولوا معه أساليب أشد فظاعة مثل وضع الكهرباء في رأسه ورجليه حتى يكاد يموت. وأخيرا، ينهالون عليه ضربا بالخنجر بين الكتفين) (١).

стр. 2640

٣ - مدارس تعليم أساليب التعذيب أنشأت القيادة العسكرية الفرنسية في الجزائر مدارس لتعليم أساليب التعذيب. وما لم يكن في البداية سوى ارتجال دموي، أصبح شيئا فشيئا منظمة لها ملاكاتها (كادراتها) وأساتذتها ومنفذوها، ويمكن القول: أن لها قوانينها أيضا. وهي تحمل اسما سريا يعرف بأحرفه الأولى (د. او. ب) وتمارس نشاطها في الجزائر - كالغستابو النازي ولكن بوحشية أكبر. ولهذه المنظمة تقاليدها وفروع اختصاصها ومخابرها ومعسكراتها. ويمكن الإشارة هنا إلى ما صرح به أحد الرهبان الذي خدم في الجزائر برتبة ضابط من صيف ١٩٥٨ لغاية صيف ١٩٥٩. وذلك عند الإدلاء بشهادته إلى (دار الشهادة المسيحية) حيث ذكر ما يلي: (كيف لا تقع المسؤولية على مجموعة الجهاز الرسمي، وهناك في مدرسة مثل (مدرسة سكيكدة) يقوم مركز التدريب على حرب التدمير. وكذلك في مدرسة معسكر (جان دارك) المزدحمة، حيث يشرحون لنا أثناء الدرس الدائر المعلومات المتعلقة بأساليب التعذيب الإنساني. وها هي بعض الملاحظات التي دونتها من دروس النقيب - الكابتن ل - خلال النصف الثاني من العام ١٩٥٨. وكنا

стр. 2641

أربعة ألوية، وقد أعطانا (النقيب ل) خمس نقاط دونتها بوضوح مع الاعتراضات والأجوبة: ١ - يجب أن يكون التعذيب نظيفا. ٢ - ألا يجري على مرأى من الصغار. ٣ - ألا يجري على مرأى من الفجار. ٤ - أن يجري من قبل ضابط مسؤول. ٥ - أن يكون إنسانيا. بمعنى أن يتوقف بمجرد اعتراف المعتقل الذي يتم استجوابه. وعلى الأخص ألا يترك التعذيب آثارا بهذه الشروط، وبالنتيجة، لكم الحق باستخدام الماء والكهرياء (١) وأضافت الصحيفة التي نشرت التصريح: (يستفاد من المعلومات الواردة إلينا أن هذه الدروس في موضوع - التعذيب الإنساني - ما زالت تلقى في (معسكرات جان دارك) ويحضر عملية التعذيب طبيب عسكري ليبين ردود فعل المستجوب على الصعيد الفيزيولوجي. وقد أعلن مؤخرا عن نقل الدروس من مدرسة (سكيكدة) إلى (أرزيو) الواقعة إلى الجنوب من ولاية وهران) (٢). هذا التعذيب الذي أنشئت له مؤسسة خاصة، لم يلبث

стр. 2642

المسؤولون الفرنسيون أن اعترفوا بوجوده في شيء من عدم الاكتراث واللامبالاة، فقد جاء في مقطع من التقرير السابع (لجمعية الصليب الأحمر الدولية) ما يلي: (أما عن التعذيب الواقع أثناء الاستجواب، فإن العقيد - الكولونيل - المسؤول في الدرك - الجندرمة - يعلل ذلك بأن مكافحة الإرهاب تجعل من الضروري اللجوء إلى بعض طرق الاستجواب التي تتيح وحدها الحفاظ على أرواح بشرية، ومنع وقوع اعتداءات جديدة. وهو يؤكد لنا مع ذلك أن هذه الأساليب مدخرة لبعض الحالات الخاصة على وجه الحصر، وأنها ليست عامة. وأنها لا تنفذ إلا على مسؤولية أحد الضباط) (١). وفي القضية المعروفة بقضية (يرادو) التي عذب أثناءها فريق من الجزائريين في مدينة (ليون) الفرنسية أكد الكاردينال (جيرلين) رئيس أساقفة إقليم (غول) وقوع التعذيب في فرنسا ذاتها. لقد افترضت تعليمات (مدارس التعذيب) أن يكون التعذيب نظيفا، لا يترك آثارا، وأن يتوقف، بمجرد اعتراف المعتقل. ولكن الممارسة العملية أكدت أن (التعذيب لم يكن نظيفا أبدا). كما أن التعذيب لم يكن يتوقف إلا عندما تنتهي حياة المعتقل الخاضع للتحقيق، في معظم الأحيان، والشواهد أكثر من أن تحصى. ويذكر ضابط، سببا من أسباب الانحرافات الإجرامية في التعذيب، بقوله:

стр. 2643

(رأيت ضباطا، لم يمر عليهم وقت حتى أصبحوا مهرة في فن التعذيب، من غير شفقة ولا رحمة. رأيت ضباطا مارسوا التعذيب، ولكثرة احترافهم له أصبحوا اختصاصيين فيه. وبعضهم سبق له أن مارس هذه المهنة، وأصبح يتلذذ فيها، كهذا الضابط الذي سبق له أن مارس التعذيب في (كوريا) وأصبح قائدا لفرقة اتخذت مركزا لها في أحد الجبال، واتخذ قائدها عملا له هو استجواب المواطنين المسلمين وتعذيب المشتبه بهم. وهؤلاء المشتبه بهم، هم كل جزائري تعثر عليه الدوريات في طريقها. وقد رأيت جندا يضربون هؤلاء المشبوهين، ويتنافسون في ضربهم مع رجال الدرك، حتى ان أيديهم ظلت منتفخة ثلاثة أيام. ثم أعادوا الكرة في أول فرصة. ومن المدهش أن في بلدة الشريعة حوضا خصصته فرقة (ج. م. ب. ر.) لتلقي فيه الأظافر المقلوعة، ولتستخدمه في عمليات النفخ بالماء. ومن الذي يجهل أن في مركز الشرطة في (تبسة) حجرة مظلمة للاستجواب حل محل طلاء جدرانها دم الأبرياء، وصبغ أسفل جدرانها بلون أحمر قاني لا يمحى. (١). وقال ضابط آخر في مذكرته اليومية بتاريخ ٨ آذار - مارس - ١٩٥٦ ما يلي: (قام الجنود، مساء هذا اليوم، ومعهم ملازم، بتعذيب المساجين، فصفعوهم بالأيدي وضربوهم بالعصي على ظهورهم، ورفسوهم بالأرجل تحت بطونهم، وأرغموهم على ابتلاع الماء بالقوة، وعلقوهم بعضهم من أيديهم وآخرون من أرجلهم، ثم

стр. 2644

أخذوا في استعراض هذا المنظر، متلذذين بسماع صياح ضحاياهم وأنينهم) (١). وكتب شاهد عيان ما يلي: (قام أحد المحققين باستجواب متهم (مشتبه بأمره) يوم ٧ تموز - يوليو - ١٩٥٦، وأرغم على النطق بكلمة (تحيا فرنسا) وصاح (تحيا فرنسا) مرة وثانية وثالثة الخ ... وأخيرا أرغموه أن ينادي (تحيا البطاطس المقلية) وقد عجز عن تكرار هذه الكلمات بسبب جهله اللغة الإفرنسية، وحينئذ قتلوه. وعلى بعد مائة كيلومتر من مدينة - قسنطينة - نظمت إحدى الفرق إدارة للاستخبارات في شهر أيلول سبتمبر - ١٩٥٦ وجهزت مكتبين إضافيين أحدهما لبحث الاستعلامات والآخر للاستجواب والتعذيب والتحقيق. وجهز هذا المكتب بآلة (المحرض الكهربائي) و (الأنبوبة) و (التغريق) وسواها من الوسائل التي كثيرا ما أودت بحياة (المشتبه بهم). والمؤكد هو أن بعض الوحدات نظمت إدارات تحقيق واستعلامات خاصة بها، وجلبت الاختصاصيين في التعذيب، والخطر الفادح هو أنها تسببت في القضاء بسرعة على عدد كبير من (المشتبه بهم) ممن يلقي بهم قدرهم تحت رحمة الجلادين) (٢). ... وتضمن مصدر فرنسي عرضا لأبرز أعمال (التعذيب النظيفة) وأساليبها بالقول: (يجب أن أحدثكم طويلا عن عمليات التعذيب، إنها عمليات

стр. 2645

تقوم بها فرقة خاصة من المجندين تحت قيادة عشرة من الضباط وأربعة من صف الضباط، وهم يقولون إن التعذيب هو الوسيلة الوحيدة التي تمكن من معرفة الحقيقة. وفي قرية (تابلاط) اجتاز نحوا من (١٥٠) عربيا مسلما من الذين يتهمون (بالاشباه بأمرهم) هذا الامتحان الرهيب، الذي تضمن العمليات التالية: - تسليط التيار الكهربائي على الخصيتين والأذنين. - وضع (المشتبه به) في قفص، تحت الشمس الحارقة. - وضع (المشتبه به) على عصا، ورفعه فوق فرس، وهو مقيد اليدين والقدمين. - الضرب المبرح بالسياط (الكرباج). - وضع يد الإنسان خلف الباب ثم إيصال الباب عليها والضغط بشدة. - قبض على رجل، وتقرر إرساله إلى الجزائر - العاصمة - لكنه قضى طوال الليل (تبابلاط) وقد أوثقوا كتفيه، وربطوا رجليه إلى شجرة، وأسندوا ظهره إلى سياج الأسلاك الشائكة، وسقوه كمية من مياه الغسيل القذرة. - بقي اثنان من أعز أصدقائي في (سريات) وشاهد العقيد - الكولونيل - من الفرقة (١٤ - ر. س. ب) وإلى جانبه اثنين من قادتنا وهم يستجوبون جماعة من العرب، جاء بهم المظليون. وقالوا عنهم أنهم من (المشتبه بأمرهم) وشملت عملية تعذيبهم - وضع السلك الكهربائي في المكانين المعلومين، وزادوا هذه المرة تضميخ الجسم بالماء حتى يكون تأثير التيار الكهربائي أقوى وأكبر، ثم أخذوا في إدخال سكين في جسم المشتبه بأمره شيئا فشيئا. وقد شاهدت أحد هؤلاء المعذبين وقد صبغته الدماء، وترك

стр. 2646

ملقيا على الأرض طوال يوم وليلة. كما شاهدت أحد هؤلاء البؤساء وهو مشدود إلى طائرة عمودية - هيليكوبتر - ثم ألقت به الطائرة على الأرض من ارتفاع مائتي متر تقريبا. أما جميع المشتبه بأمرهم، والذين تم تعذيبهم بهذه الطريقة، فقد سلموا لجماعة جنود المظلات الذين أجهزوا عليهم جميعا، وبصورة فورية. فما أبعدنا عن (عمليات التهدئة) التي قالوا أنهم أتوا بنا إلى هنا من أجلها، إن قلوبنا لتكاد تتفجر غيظا، ونحن نرى هذا الدرك الأسفل الذي انحدرت إليه طبيعتنا البشرية، ويكاد يعترينا اليأس والقنوط عندما نرى جماعة من الفرنسيين يعمدون لارتكاب نفس الأسلوب الفظيع الذي كان النازيون يستعملونه بوحشية وقسوة. على أن القوم لم يكتفوا بهذه الأعمال؛ بل إن الشر قد غمرهم، فأصبحوا يريدون الشر من أجل الشر، فيزيدون على أعمال الفظاعة أعمالا هي السهول بعينه. وعلى سبيل المثال: جاء رجال فرقتنا إلى قائدهم برجلين من العرب، عثروا عليهما في المزارع. وقرر القائد أنهما من المشتبه بأمرهما، ولا أحد يعرف ما حمله على اتخاذ هذا القرار. وباشر القوم عملية التعذيب فورا، إذ لم ينتظروا تهيئة المولد الكهربائي، فانهالت أيدي رجال الفرقة ذات الخواتم الغليظة، وانهالت السواعد المفتولة، وانهالت الأرجل التي تحمل الأحذية ذات المسامير، انهالت كلها دفعة واحدة على وجهي الرجلين وعلى بطنيهما وعلى معدتيهما وكبديهما، واستمر هذا العمل إلى أن تخضبت الأرض بما برز فيها، وبما سال من جسديهما، وارغما عندئذ على الانحناء، من أجل لحس ما لصق بالأرض، ثم انهالت على وجهيهما وهما على هذه الحالة ضربات الأرجل ذات الأحذية المصفحة. ويظهر أن ذلك كله لم يكن كافيا، فارغما على نقل

стр. 2647

حجارة ضخمة من مكان إلى مكان، لا لسبب، إلا لزيادة رشح الدماء التي كانت تسيل منهما. ثم جاء الليل، فأطلق سراحهما، لأنه تأكد للقائد أنهما لا يملكان أية معلومات مفيدة؟) (١). ومزيد من الأمثلة عن (مدارس التعذيب) على لسان أحد مجندي الجيش الفرنسي: بدأ الاستجواب والتعذيب عند القائد بصورة هادئة، ثم انتقل إلى الضرب باليد وبشدة حتى تعب القائد، فأخذ في استعمال عصا غليظة، وإذ لم تنفع هذه العملية مع (المشتبه به) فقد تم تحت (الدوش) أو - رشاش الماء - حيث مكان التعذيب الحقيقي المجهز بمولد الكهرباء وأدوات النفخ بالماء الخ ... واقتلاع الأظافر أثناء تلك العمليات، ووضع الملح مكان الأظافر المقلوعة، ووخز كل أجزاء الجسم بالأبر، واقتطاع أجزاء من الجلد بواسطة ملاقط الشعر. ولقد ربطوا أيدي (المشتبه بأمره) من رجليه وفق طريقة أطلقوا عليها اسم (وضع الضفدعة). ثم شدوه إلى السقف وهو على تلك الحالة، عاري الجسم تماما، وبقي كذلك ليلة كاملة، وهم يتعهدونه بتسليط الماء عليه حتى يتجمد من شدة البرد. وبين حين وآخر يأتيه (المحقق) ليحاول انتزاع اعتراف منه، دون جدوى، حتى مات الرجل. وهنالك (مشتبه آخر) اسمه (عامر بن الطيب - شيخ طريقة بقرية - ت) وقد استمروا في تعذيبه ثمانية ليال تباعا. وكانت عملية التعذيب تستمر حتى يشرف الشيخ على الموت، فيعملون عندها

стр. 2648

على إنعاشه بحقن، ليعودوا إلى تعذيبه من جديد. وهكذا إلى أن أصبح الرجل عجينة طرية بين أيديهم، وتعفنت أجزاء جسمه. فأجهزوا عليه، من غير أن يحصلوا منه على كلمة واحدة (١). وقال مجند في اعترافاته: (اليوم هو ٢٥ أيلول - سبتمبر - ١٩٥٦. وأنا الآن مع النقيب - الكابتن - وقد زالت بيني وبينه الحواجز الرسمية، إنه يباشر عمليات التعذيب بنفسه بعد ارتداء ثياب الألعاب الرياضية. ولقد رأيته مرة يعمل طوال ست ساعات مع اثنين فقط من (المشتبه بأمرهم). أما الأول منهما فقد بدأت معه عملية الضرب لمدة عشرين دقيقة، ثم بدأت عملية نفخ البطن بالماء حتى حد انفجار المعدة، ثم الضغط بواسطة اليد على جزء حساس جدا من الجسم (ويقولون أن هذه العملية ناجعة جدا) ثم الضرب المبرح على الوجه حتى يتورم وتتغير كل ملامحه. أما (المعتقل الثاني المشتبه بأمره) فقد قضى كذلك ثلاث ساعات أمام المحقق، وقد اقتلعت أظافر يديه، واستعمل معه التيار الكهربائي، وطبقت عليه وسائل تعذيب فيها تفنن وابتكار. وكان هذا النقيب قد جرب كل هذه الوسائل أثناء حرب فييتنام، ولديه خبرة واسة. ويقال إن لديه وسائل تعذيب هائلة لا تترك أثرا على الجسم) (٢). وذكر مجند معترفا: (كان يوم الأحد الأخير مؤلما رهيبا. وكان العمل فيه هو استجواب (استنطاق) رجل اتهم بإنه من الثوار (الفلاقة) واستمرت عملية التعذيب من الثامنة صباحا حتى الساعة التاسعة ليلا. ولقد تفنن كل رجال فرقتنا المؤلفة من قدماء حرب

стр. 2649

الهند الصينية، في ابتكار وسائل التعذيب طوال اليوم مثل: تمزيق أوصال هذا الرجل، وتسليط العقارب عليه، ولم تترك وسيلة أو مادة إلا واستعملت، التيار الكهربائي والبنزين والإسمنت، والفلفل الأسمر والملح فوق الجروح ونفخ البطن بالماء، وضرب المعدة والوجه والخصيتين بالأحذية ذات المسامير. وإذ لم تنجح معه أية وسيلة، ولم يعترف بشيء، فقد أجهز عليه بأن ألقي في حفرة تجمع القاذورات (الغائط). يا للهول، لقد كنت استسيغ مرغما استعمال وسائل التعذيب من أجل الحصول على الحقيقة فذلك ويا للأسف من الوسائل اللازمة. أما استعمال جسم بشري كوسيلة من وسائل التسلية والتفنن في ابتكار وسائل التعذيب لمجرد اللهو العبث، فذلك هو الأمر الذي يمزق قلبي ويحطم نفسي، والأدهى من ذلك والأمر هو أن الذين يقومون بهذه العملية المنكرة القذرة، إنما هم شبان فرنسا الذين يبلغون من العمر عشرين عاما، والذين يمثلون الشباب الفرنسي كله. ويا لها من أوصاف وسجايا يتصف بها هذا الشباب وهو يمر بهذه المدرسة: الدناءة، والنذالة، والخسة، والوحشية هذه صورة من صور (طرائق التهدئة) وهذا هو فهمنا للشرف) (١). وجهت جمعية (الصليب الأحمر الدولية) في مستهل سنة ١٩٦٠، تقريرا إلى الحكومة الفرنسية، أنقض ظهرها على ما يبدو، وقد نشر هذا التقرير بطريق التهريب. وكان فيما تضمنه التقرير على لسان - الملازم س - ما يلي: (لشد ما صدمني أن الناس - مدنيين وعسكريين - يتحدثون عن ذلك جهارا في غير ما

стр. 2650

حياء، حديثهم عن شيء طبيعي، أو عن فيلم سينمائي، أو عن مباراة في كرة القدم .. وهذه الفظائع التي عممت في الجيش، على وجه يملأ الصحف كل يوم، هي مقبولة ومعتبرة أمرا عاديا. الجميع يتكلمون عنها علانية، المدنيون في المقاهي والملاهي، والعسكريون في كتائبهم ومظابخهم، والجميع يستخفون .. هناك البحر الأبيض المتوسط بين الجزائر وفرنسا. وعلى كل حال فنحن أمة تعلم المدنية) (١). ... وكتب مجند في موضوع (مدرسة التعذيب) التي كان هدفها إبادة أكبر عدد من شعب الجزائر , (نصب الثائرون كمينا في الساعة السادسة من صباح يوم ٢ حزيران - يونيو - ١٩٥٦، وأسفر الكمين عن مقتل (١٤) من رجالنا. وتمكن الثائرون من الانسحاب بسلام. ولما لم تتمكن القوات الفرنسية من مجابهة الثائرين -كعادتها - فقد صبت جام غضها وانتقامها على المدنيين العزل. وهكذا، ففي الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، انطلقت مجموعات من الجنود - رفاق القتلى على ما يزعمون للانتقام لرفاقهم - وأخذوا يجوبون القرى الواقعة على مسافات قريبة من منطقة الكمين، وجمعوا ما أمكن لهم جمعه من الرجال، فاستحوذوا على (٣٥) رجلا. ثم أوقفوا هؤلاء الرجال (المشتبه بأمرهم) ستة وراء ستة، في مزرعة قمح - بين السنابل - وبقوا ينتظرون على قارعة

стр. 2651

الطريق. وفي هذا الأثناء، مر بالطريق العام خمسة أو ستة من العمال الفلاحين العرب قاصدين سبيلهم، وكانوا يركبون عربة تحمل الحجارة، فما كان من جندنا إلا أن ألقوا القبض عليهم جميعا، وأوقفوهم مع المعتقلين الآخرين، بين سنابل القمح، وذلك رغم توسلات زوجة المقاول صاحب العربة - وهي فرنسية -وتأكيدها بأن هؤلاء أبرياء وأنهم يعملون مع زوجها المقاول. وبقيت أنظر ساعة كاملة مدى ما قاساه هؤلاء الناس من ضرب مبرح بالأرجل وأعقاب البنادق (الأخمص) على البطون والضلوع والوجوه، وسقط رجل منهم وقد أغمي عليه من شدة العذاب، فصبوا عليه وعاء ماء، وانهالوا عليه بضرب السياط - الكرباج - حتى ينهض من جديد ليتلقى المزيد من الضرب. لكن البعض منهم سقط ولم تنفع معه أية وسيلة لإنهاطه. وهكذا مات ثلاثة فورا أما الباقون فقد تبين أنهم أعدموا تلك العشية بمن كان معهم من نساء وأطفال. وكانت البيانات التي أمكن الحصول عليها بعد ذلك تؤيد صحة هذه الواقعة) (١).

стр. 2652

٤ - معسكرات الانتقاء والترحيل أقامت السلطات الاستعمارية الفرنسية ما أطلقت عليه أسماء (معسكرات الانتقاء والترحيل) و (معسكرات الاعتقال) و (معسكرات الإيواء) وذلك في إطار المحاولات لقمع الثورة الجزائرية. ولقي الجزائريون: رجالا ونساء، شيوخا وأطفالا، في هذه المعسكرات، مختلف صنوف التعذيب والبؤس والشقاء. وتلك التقارير التي وضعتها جمعية (الصليب الأحمر الدولية) وأذيع السابع منها في فرنسا (كانون الثاني - يناير - ١٩٦٠) على غير علم من المنظمة، إنما جاءت في إثر عدد من الشهادات والتحقيقات لتؤلف قرارات اتهام موجهة ضد مجرمي الحرب الفرنسيين. وقد جاء في مقاطع من التقرير السابع - المشار إليه - ما يلي: (لقد خصصت البعثة زيارتين متتالتيتين لمعسكر (برج أم نايل) ففي ٣٠/ ١٠/ ١٩٦٠. وجدت المعتقلين في حالة رعب تام من الإرهاب. وقد توسلوا الى أعضاء البعثة ألا يبوحوا ببياناتهم، مخافة أن يضربوا أو يقتلوا انتقاما، وأتوا على ذكر ما لقوه من ضروب العنف والتعذيب أثناء استجوابهم في أمكنة قريبة من المعسكر ... ويظهر أنهم قبيل زيارتنا سارعوا فأقصوا عن المعسكر فجأة ستين معتقلا ممن

стр. 2653

كانت حالتهم سيئة. ولقيت البعثة جريحا في زنزانة منفردة، فاتضح لها من تصريحات هذا الجريح الملقى على الأرض العراء، دون أن تضمد جراحه، أنه أثخن جراحا أثناء استجوابه. وكان متروكا بلا إسعاف منذ ثمان وأربعين ساعة. ومع أن المصير موجود منذ ثلاث سنين، فإن المعتقلين لا يملكون قصاعا ولا ملاعق أو سواها تحت تصرفهم، وهم يتناولون طعامهم في علب المحفوظات الغذائية. ونعتقد بأن الوضع البائس في هذا المعسكر إنما هو أمر مقصود، قضى به تنظيم خاص. أثناء زيارة (مركز ترحيل النخلات الخمس) تم اكتشاف زنزانة فيها ستة معتقلين، تبدو على ثلاثة منهم آثار رضوض حديثة العهد، وفي وسطهم تضطجع على الأرض العراء جثة رجل لفظ أنفاسه في الليل، بينما وقعت الزيارة في الساعة الحادية عشرة والنصف نهارا - ٣٠، ١١ - وقد طلبت البعثة شهادات الوفاة لخمس وقوعات حدثت بين ١٢ و١٨ تشرين الأول - اكتوبر - فتحقق لها أنها جميعا، تعزو الوفاة إلى سبب واحد: التسمم البطيء بالغازات السميلة للدموع. والأمر يتعلق برجال، أخرجوا قبل عدة أيام من أحد الكهوف باستخدام القذائف المسيلة للدموع. ويستخدم الجيش الفرنسي ما يسمى بالغازات المسيلة للدموع، ذات العيار الكثيف، وهي في الحقيقة مركبات - أمينودي كلورو أرسين - أعني أنها غازات ثقيلة جدا ومخربة للأنسجة الداخلية والخارجية ومحظور على المحاربين استعمالها. وعلى العموم، ففي هذه المعسكرات تحاشوا أن يعرضوا على أنظار أعضاء البعثة عددا من المعتقلين، رغم أن أسماءهم مدونة في سجل الاعتقال: لقد سلم هؤلاء الى (جيش الحملة في الريف) من أجل حمل الأثقال أو من أجل استخدامهم في (العمليات الحربية).

стр. 2654

وحيثما استطاع المعتقلون أن يتحدثوا إلى أعضاء البعثة على انفراد، كانوا يشكون أنهم عذبوا، وعوملوا بالكهرباء أو بالماء. وفي مركز الانتقاء والترحيل في (تلاغ) على مقربة من (سيدي بو العباس) تظلم المعتقلون المكدسون في غرفة واحدة، من أنهم كبلوا طوال الليل بالسلاسل أو القيود في أرجلهم، وأنهم عوملوا بالعنف الشديد أثناء استجوابهم من قبل المكتب الثاني -الاستخبارات العسكرية - في المعسكر، مثل (التعليق بالأيدي المشدودة الى الظهر، والكهرباء، والماء، الخ ...). وكانت آثار الحبال التي شدوا بها بادية على أيدي عدد منهم. وشكا المعتقلون أن أرجلهم قيدت كل الليل بقيد من الخشب القاسي، وقد رأينا هذا القيد بأم العين لأنه لا يفارق غرفة المعتقلين. وفي معسكر (بوسوية): شكت البعثة أن موظفا في الاستعلامات العامة ملحقا بهذا المعسكر، كان يتبعها طوال المدة التي استغرقتها زيارتها. ومن الواضح أن مهمة هذا الموظف هي كشف أولئك الذين كنا نتحدث إليهم من المعتقلين) (١). يمكن أن يضاف الى معسكرات الانتقاء والترحيل أعمال الإبادة التي كانت معروفة باسم (سخرة الحطب) حيث كانت تأتي سيارة جيب عسكرية الى مكان تجمع الرهائن والمعتقلين، وينادي الحراس على أسماء الذين وقع الاختيار عليهم لكي يكونوا (ضحايا اليوم) - فيساقون الى سيارة الجيب، ويركبونها، ثم يسار بهم الى جبل مشرف على البحر، وهناك يتم إعدامهم. ومن العسير معرفة عدد الذين كانوا يقتلون أسبوعيا ضحايا (سخرة الحطب) بصورة

стр. 2655

دقيقة. فهم على الأقل خمسة أو ستة كل أسبوع - في كل معسكر - أما الثوار (الفلاقة) الذين كانوا يقعون في الأسر وهم يرتدون اللباس العسكري (من مجاهدي جيش التحرير الوطني) فإن مصيرهم لم يكن أفضل من مصير الرهائن المعتقلين. وأذكر أنه قد وقع أسر سبعة من هؤلاء الرجال يوم ٣١ تشرين الأول - اكتوبر - ١٩٥٦. فطافوا بهم المدينة تحت حراسة مشددة، ثم سلموهم بعد ذلك للفرقة التي أسرتهم. وقادتهم هذه الفرقة الى (سخرة الحطب) الشهيرة (١). وجاء في مصدر فرنسي: (ذهبت الجماعة الثالثة ومعها عشرين من المشتبه بهم، كلفوا (بجلب الحطب) وعندما وصلوا الى مضيق - بيكارت - المكان الذي وقع فيه كمين للثوار ضد الفرقة (٢/ ١١٧) والتي تركت (١٣) قتيلا في ميدان المعركة، أجهزوا عليهم رميا بالرصاص، في رؤوسهم، وتركوهم من غير أن يواروهم التراب، وأخبروا الدرك - الجندرمة - بأنهم قتلوا (٢٠) أسيرا حاولوا الفرار وختمت هذه المأساة بالجملة التي نطق بها الرائد - الكومندان -: لقد أخذت بالثأر لرفاقكم؛ فهؤلاء هم العرب الذين قتلوهم، ولنفرض جدلا بأنهم لم يكونوا هم، فقد دفعوا الثمن بدلا عنهم) (٢). وفيما ذكره أحد المجندين ما يلي: (ذكر لي بعض الجنود من فرقة المظليين الثانية، ومن الذين مضى عليهم وقت طويل في خدمة الجيش الاستعماري - الطريقة التي يتبعونها مع الموقوفين عند تكليفهم (بسخرة الحطب) حيث يكلفونهم أولا بحفر خندق في

стр. 2656

الأرض ثم ينزلونهم فيه، وبعد قتلهم يردون فوقهم التراب، وينتهي الأمر هكذا ببساطة) (١). وأكمل مجند آخر - وصف الموقف بقوله: (ذكر لي (أ. ز) قائد الكتيبة التي أنتسب إليها أنه يشاهد منذ ثمانية أيام منظرا لا يحتمله بشر، فقد قتل رقيب أول فرنسي منذ ثمانية أيام، وجاء الفرنسيون بمن حفر خندقا ضيقا، وأخذوا يلقون فيه أعدادا من الرجال (المشتبه بأمرهم) أو الذين يتم إلقاء القبض عليهم أثناء عمليات البحث (التفتيش). ويقوم الجنود بالحراسة على حافة الخندق. وقد لاحظت أن هؤلاء الناس يصابون بالفزع عندما يدفعون الى الخندق، اذ يعرفون بأن هناك من قتل قبلهم بهذا المكان، حيث كانت أطراف الخندق تحمل علامات دموية ظاهرة جدا) (٢).

стр. 2657

٥ - معسكرات التجميع أقامت السلطات الاستعمارية الفرنسية أيضا ما أطلقت عليه اسم (معسكرات التجميع) التي لم تكن إلا برهانا على أن فرنسا قد شنت في الجزائر حربها بأساليب شريرة وغير إنسانية يندر أن يوجد لها مثيل. فالتجميع بمقتضى المبدأ الذي يدين به، لا يعدو أن يكون تطبيقا لأسلوب بارع من أساليب إبادة العنصر. وعندما يضيفون على هذا الأسلوب ألوانا من نعوت التورية المشؤومة، كقولهم: (تجميع، ورص، وطي، وإزاحة القرى عن مكانها) فإن ذلك لا يعني في حقيقة الأمر سوى التهجير، والزج في المعتقلات، وعالم من البشر المحشور، ومعهد ادخار الذكريات البائسة الحزينة. ففي الوقت الذي يهدر حق الإنسان في بيته، وعاداته، وطراز عشه، والأرض التي اختارها ذووه ليقضوا فيها حياتهم، ويعهدوا اليه برفاتهم، في الوقت الذي يتضرر فريق من البشر جوعا ويتمزقون ألما، فتطفيء حياتهم بالموت البطيء، يقف المرء مذعورا أمام رسالة الهمجية التي استمر الاستعمار يخاطب بها الجزائريين طوال الحرب تحت سمع العالم وبصره. وفي موضوع (التجميعات، وأسبابها، والمسؤولية الإدارية المترتبة عليها) يقول التقرير الرسمي

стр. 2658

الذي وضعه المحققون الفرنسيون، وأحيل إلى الحكومة الفرنسية (بأن جميع المراكز التي تناولتها الزيارة إنما أنشأتها السلطة العسكرية وحدها. والأسباب التي دعت الى اتخاذها هي دوما عسكرية صرف) (١). وإذن، ولما كان سبب التجمع عسكريا، ومنشؤه مجهولا بحكم انبثاقه عن قرار سام من الجيش الفرنسي، فقد بقي من الصعب معرفة العدد الدقيق لأولئك الذين أرسلوا إلى هذه المعسكرات ليكونوا على موعد مع الجوع والمرض والموت. وكان هناك إجماع في القول بأن هذه المعسكرات تفتت في بطء إنسانية تفوق مليون شخص، وقد جاء في التقرير الرسمي السالف الذكر: (أنه يبدو من الصعب أن نسلم بأن عدد المجمعين ينقص عن المليون) وذكر الأمين العام للإعانة الكاثوليكية الفرنسية في تقريره: (لقد اكتشفت أن هناك أكثر من مليون إنسان معظمهم من النساء والأولاد) ويضيف: (أنا أحد أصدقائي وهو مراقب ذو مكانة مرموقة يقدر أن الرقم الحقيقي الحالي للذين أقصوا عن ديارهم يزيد على مليون ونصف المليون (ولقد كان

стр. 2659

لهذه التجميعات آثارها المفجعة، فقد كانت ظروف الحياة في معسكرات التجميع قاسية جدا ثم، أليس استعمال (هذه العبارة ينطوي على الإساءة الى ذكرى الذين لفظوا أنفاسهم في هذه المعسكرات) هي بمقتضى الشهادات الرسمية نفسها جد مؤلمة. ولقد مارس الجيش الفرنسي والسلطات الاستعمارية الفرنسية في هذه المعسكرات نشاطات أخرى. فلقد كانت حوادث الاختفاء، والإعدام من غير محاكمة وفيرة كثيرة إلى درجة مذهلة. وكثيرا ما كانت ذريعة الإعدام هي الزعم الكاذب (بمحاولة الفرار) وقد عبر التقرير السابع لجميعة الصليب الأحمر الدولية عن قلقه في هذا الخصوص، فقال: (إن مشكلة الوفاة أثناء محاولة الهرب تستحق أن تدرس عن كثب، نظرا لكثرة الحوادث). وإن ما مارسه الجيش الفرنسي، واعترف به، من أعمال الجرف، وتخريب القرى، وإبادة السكان المدنيين، لمما يؤلف جرائم إبادة عنصرية مبيتة ضد الشعب الجزائري. وقد أعلن النائب (بيير كلوسترمان) في ١٣/ ٥/ ١٩٥٨ من على منبر الجمعية الوطنية الفرنسية (وكان قد اشترك في الحرب الجزائرية كطيار) فقال: (لكي لا يجد الفلاحون مأوى لهم في القرى أثناء ترحيلهم، ولكي لا يتمكن أبناء القبيلة الصغيرة من مساعدتهم، فقد اضطررنا الى القيام بعملية تطهير جوي ضد قرى هذه المنطقة). وإن مثل هذه الشهادة ليست وحيدة. وعلى العموم، فقد سلكت فرنسا في صراعها ضد الجزائر مسلك التحديد المستمر لجميع القيم الإنسانية. وظلت المحاولات المبذولة، طوال الحرب، لإضفاء السمة الإنسانية على هذا الصراع، عديمة الجدوى. لقد حاولت جمعية الصليب الأحمر الدولية التدخل في النزاع

стр. 2660

القائم، من غير أن تحصل - للأسف - على نتائج مرضية. واذا ما أمكن تجاوز كل المحاولات التي بذلتها هذه المنظمة الحيادية، التي تتمتع بسلطة أدبية رفيعة طوال الفترة من سنة ١٩٥٥ حتى سنة ١٩٥٨، فإنه بالإمكان التعرض لما قدمته هذه المنظمة إلى الحكومة الفرنسية ولجنة التحرير الوطني في ٢٨/ ٥ / ١٩٥٩، حيث عرضت مشروع اتفاق يتعهد فيه (طرفا النزاع) أن يحترما أحكام المادة الثالثة الواردة في كل من اتفاقيات جنيف الأربع لعام ١٩٤٩، وأن يتجنبا تدابير الثأر، وأن يعاملا الأسرى الذين يقعون في قبضة قواتهما معاملة إنسانية. وتنص المادة ٣ المشار اليها على: (في حالة النزاع المسلح الذي لا يتسم بطابع دولي، فإن كلا من أطراف النزاع ملزم، على الأقل، بتطبيق الأحكام التالية: ١ - إن الأشخاص الذين لايشتركون مباشرة في الأعمال الحربية، بما فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا السلاح، والأشخاص الذين أخرجوا من المعركة بسبب المرض، أو الجراح أو الاعتقال، أو أي سبب آخر إنما يعاملون، في جميع الظروف، معاملة إنسانية دون أي تمييز ذي طابع ضار قائم على العرق أو اللون أو الدين أو العقيدة، أو الجنس، أو المولد، أو الثروة (أو أي معيار مماثل. وتحقيقا لهذه الغاية. يحرم، ويظل محرما، في كل زمان ومكان، أن تقترف تجاه الأشخاص السالفي الذكر الأفعال التالية: أ - الاعتداء على الحياة وعلى سلامة الجسم، ولا سيما القتل في جميع صوره، وبتر الأعضاء والمعاملة بالقسوة والتعذيب. ب - أخذ الرهائن. ج - الاعتداء على شرف الشخص، ولاسيما معاملة الإذلال والحط من القدر.

стр. 2661

د - الإدانات المنطوق بها والإعدامات المنفذة دون محاكمة مسبقة، وحكم صادر عن محكمة منشأة، بصورة قانونية تتوافر فيها جميع الضمانات القضائية، التي تعدها الشعوب المتمدنة أمرا ضروريا. ٢ - إن الجرحى والمرضى يجب إيواؤهم والعناية بهم. وتستطيع منظمة إنسانية محايدة كجمعية الصليب الأحمر الدولية أن تقدم خدماتها لأطراف النزاع. ومن جهة ثانية، يعمل أطراف النزاع على تطبيق باقي أحكام هذه الاتفاقية كلا أو بعضا عن طريق اتفاقات خاصة. لا يكون لتطبيق الأحكام السابقة أي تأثير في الوضع القانوني لأطراف النزاع (باعتبار أن فرنسا لم تكن تعترف بالصفة القانونية لجبهة التحرير الوطني، ثم الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية واستمرت في التعامل مع الثوار الجزائريين على أنهم (فلاقة) عصاة، خارجين على السلطة الفرنسية) ورفضت فرنسا تطبيق هذه المادة التي كان يجب عليها تطبيقها من غير تدخل الهيئة الدولية. كما رفضت الحكومة الجزائرية تطبيقها. غير أنها تبنت، - من طرف واحد - عددا من التدابير التي لا تقتصر على تنفيذ مقترحات جمعية الصليب الأحمر الدولية، وحسب، وإنما تذهب الى مدى أبعد، لاسيما في مجال التعامل مع الأسرى في حين استمرت فرنسا في تجاهلها للمتطلبات الإنسانية، لا سيما فيما يتعلق بالخدمات الطبية والتعامل مع الجرحى.

стр. 2662

٦ - الأسرى والجرحى أكدت الحكومة الجزائرية رسميا لمنظمة الصليب الأحمر الدولية، أنها ستمتنع عن كل بادرة من شأنها أن تزيد الحالة سوءا، علما بأنها ستجد نفسها مضطرة إلى استرداد حريتها في العمل إذا لم يبرهن الطرف الآخر في النزاع على تقيده بهذا النهح. تلك كانت خلاصة برقية أرسلتها جبهة التحرير الوطني إلى جمعية الصليب الأحمر الدولية في ١٣/ ٥/ ١٩٥٨. أي قبل أسبوعين من تاريخ مذكرة الجمعية المشار إليها. وهذه البرقية أكدتها بعد ٢٨ أيار - مايو - عدة رسائل شفوية عن طريق المندوب الدائم للهلال الأحمر الجزائري لدى جمعية الصليب الأحمر الدولية، تؤلف إلى حد ما شريعة الطرفين، وهما الصليب الأحمر الدولي والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. وهكذا فقد قامت بين الطرفين المتحاربين هدنة (التوقف عن تنفيذ أحكام الإعدام) واستمرت قرابة خمسة أشهر. ولما عادت فرنسا إلى تنفيذ حكم الإعدام، عمدت الحكومة الجزائرية إلى إنذار جمعية الصليب الأحمر الدولية عدة مرات، اضطرت بعدها إلى استعادة حريتها في التصرف. أصدرت الحكومة الجزائرية مرسوما في ٤/ ١٠/ ١٩٥٨،

стр. 2663

قضى بإطلاق سراح أسرى الحرب بلا قيد أو شرط. وكانت تأمل من وراء هذه المبادأة أن ترى الجانب الفرنسي يطبق المبادىء الإنسانية بصورة تدريجية على النزاع القائم. وأطلقت سراح خمسين فرنسيا على دفعات متتالية - تنفيذا لهذا المرسوم. وقد أعلن هؤلاء الأسرى للعالم بأن قوانين الحرب مصونة الشرف على ذرى الجزائر الحرة. وكانت النتيجة من الجانب الفرنسي أن المقاتلين الجزائريين الواقعين في الأسر، لم يعاملوا بمقتضى (قانون أسرى الحرب). ولم يكتف الجيش الفرنسي بذلك، بل بذل غاية الجهد حتى يصطدم بالوحدات الجزائرية، ويحاول الفتك بها عندما كانت تتجه بالأسرى الفرنسيين عبر الحدود التونسية أو المغربية، لأن الحكومة الجزائرية كانت تعلن عن إطلاق سراحهم مسبقا قبل عدة أيام ولكي تتقي الحكومة الجزائرية هذا الخطر، اضطرت في بعض الحالات إلى العزوف عن الإعلان المسبق، وآثرت أن يتم اطلاق سراح الأسرى بصورة مفاجئة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فقد وجه قادة الثورة عناية خاصة إلى حالة مؤلمة، هي حالة الشبان الأجانب الذين كانت السلطات الفرنسية تجندهم في الفرقة الأجنبية بغير رضائهم التام. وقد أثيرت فضيحة التجنيد التعسفي في الفرقة الأجنبية في كل من ألمانيا وبلجيكا، حيث عبرت عنها حملة شديدة في الصحافة، واستجوابات عديدة في البرلمان البلجيكي، وتبع ذلك بذل مساع رسمية لدى ممثلي الحكومة الفرنسية لإيقاف هذه العملية كما أثيرت الفضيحة ذاتها في سويسرا وفي المجلس الوطني الهلفيني يوم ١٨/ ٦/ ١٩٥٦. وقد عملت جبهة التحرير الوطني الجزائري من جانبها على تنظيم عدد من المكاتب واجبها إعادة هؤلاء الجنود الفتيان إلى أوطانهم. وفي ٢٣/ ٧/ ١٩٦٠ بلغ عدد هؤلاء المعادين

стр. 2664

إلى أوطانهم عبر الحدود الغربية للجزائر وحدها (٣٢٩٩) جنديا. منهم (٢٠٧١ - ألمانيا) و (٤٣٩ - إسبانيا) و (٤٤٧ - إيطاليا) و (٨٧ - مجريا) و (٤٢ - يوغوسلافيا) و (٤١ - بلجيكيا) و (٤٣ - سويسريا) و (٢٩ - نمساويا) و (١٧ - هولانديا) و (١٦ - اسكندينافيا) و (٩ - إنكليز) و (٧ - من لوكسمبرغ) و (٥ - أمريكيين، اثنان من الولايات المتحدة وثلاثة من أمريكا الجنوبية) و (٣ - يونانيين) وواحد من كوريا وواحد من بلغاريا. لقد أجرت الحكومة الجزائرية عدة مخابرات واتصالات مع جمعية الصليب الأحمر الدولية، أبلغتها بمقتضاها أن الحالة في الجزائر، قد وصلت حدا من الخطورة، يجعل طلب تطبيق المادة الثالثة من الاتفاقيات غير كاف، ومتخطى. وقد اقترحت الحكومة الجزائرية إبرام اتفاق خاص بين المتحاربين تحت إشراف جمعية الصليب الأحمر الدولية، من أجل تسوية مجموعة من المشاكل الإنسانية المتولدة عن حرب الجزائر. ولو أن الحكومة الفرنسية قبلت إبرام هذا (الاتفاق الخاص) لأدى ذلك إلى تنظيم عدة أمور منها: - حظر أساليب الحرب غير الإنسانية، وطرق الإكراه المعنوي (التعذيب، النابالم، الغاز، غسيل الدماغ، الخ ...). - حماية السكان المدنيين (منع عمليات الجرف، والقصف بالقنابل لإزالة القرى، وتحريم ترحيل الأشخاص القسري جماعات أو أفرادا، بمقتضى المادة (٤٩) من اتفاقية جنيف الرابعة، وإلغاء معسكرات التجميع). - إسعاف الجرحى والمرضى (١).

стр. 2665

- نظام المحاربين الواقعين في الأسر من كلي الطرفين. إسعاف الأشخاص المعتقلين في المنظمات العاملة في الاعتقال والتعذيب وفي معسكرات الاعتقال. ولقد كررت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية عروضها مرات عديدة من أجل إبرام اتفاق خاص من هذا النوع. ولكن جمعية الصليب الأحمر الدولية لم تتمكن من الحصول على موافقة الحكومة الإفرنسية على مثل هذا الإجراء أخيرا، اتخذت الحكومة الجزائرية المؤقتة قرارها بالانضمام إلى اتفاقيات جنيف الأربع في ٢٠/ ٦/ ١٩٦٠. ولقد دعت الضرورة حكومة الجزائر إلى أن تتحرى وسائل مختلفة من أجل حمل فرنسا على احترام قوانين الحرب وقد تحقق هذا الغرض بانضمام الجمهورية الجزائرية إلى اتفاقيات جنيف. وأصبح بالإمكان اعتبارا من هذا التاريخ وضع الصراع الفرنسي - الجزائري وجها لوجه من فريقين كلاهما موقع على اتفاقيات جنيف. ولكن،
следующие страницы →