الظلام والبربرية البدائية، يحل محل حكم التقدم البشري والعدالة الاجتماعية!).
...
تلك هي بعض مضامين (الفكر الاستعماري) الذي حاول التصدي للثورة الجزائرية، ولا حاجة لشرح تلك المضامين، فهي واضحة كل الوضوح. غير أن ما يجب قوله هو أن هذه المقولات - ومضامينها - لا زالت تعيش في عقلية (القادة الاستعماريين) رغم غروب شمس الاستعمار. وقد يكون من الضروري تذكرها أبدا عند تفسير الأحداث المعاصرة، كما أنه من الضروري تذكرها حتى (لا ننصرف عن الاستعداد الدائم لمجابهة المخططات المتطورة التي قد لا تحمل الصياغات اللفظية ذاتها ولكنها تحمل ما هو أخطر من المضامين). وهنا، لا بد أيضا من القول أنه قد صدرت عن فرنسا ذاتها بعض المواقف المضادة لا سيما خلال السنوات الأخيرة من الصراع المسلح (١٩٦٠ - ١٩٦٢) غير أن هذه المواقف المضادة كانت إما (تجميلية إصلاحية) لكسب ما يمكن اكتسابه لمصلحة فرنسا على حساب الثورة وعلى حساب أرواح شهدائها، وإما تعبيرا عن (ضمير حر) في عالم (غير حر) ولهذا فقد بقيت كالعملة الزائفة التي تفتقر للرصيد في سوق التداول.
стр. 2732
٢ - مشاريع استعمارية
لقد كانت المقولات السابقة تعبيرا عن الاتجاه العام للأجهزة الاستعمارية، وتصويرا واضحا للعقلية الاستعمارية، ويمكن اعتبارها تمهيدا لما أفرزته تلك العقلية من مشاريع مختلفة لمعالجة القضية الجزائرية، وهي المشاريع التي حملت أسماء أصحابها من دهاقنة الاستعمار من أمثال (غي موليه) و (جايار) و (لاكوست) ونهاية برئيس الجمهورية الخامسة (ديغول). ولقد أحرق لهيب الثورة الجزائرية تلك المشاريع، وترك رمادها نهبا تذروه الرياح؛ فاستطاع المجاهدون الجزائريون بذلك ممارسة عملية (غسل الدماغ) للعقلية الاستعمارية، وأرغموا دهاقنة الاستعمار على تبديل قناعاتهم وتغيير أساليب تفكيرهم، ولم تكن تلك العملية بالأمر السهل، فقد تطلبت جهود صراع مرير طوال سنوات الكفاح المرير، وكان ثمنها أرواح ملايين الشهداء الأبرار، ومعاناة الملايين من ضغوط لا توصف، وكان الإيمان الصلب والثبات المبدئي هو السلاح الأول الذي مكن المجاهدين من إحراز النصر. وقد يكون من المناسب العودة لاستقراء بعض ملامح تلك المشاريع
стр. 2733
من خلال مقولات كبار رجال الاستعمار والمسؤولين خلال مراحل الصراع الحاسم.
لقد صرح رئيس الوزراء الفرنسي (غي موليه) (١) أمام الجمعية الوطنية الفرنسية بما يلى:
(تواجه فرنسا حاليا مجموعة من المشاكل، وقضية الجزائر هي أكثر تلك المشاكل استعجالا وإلحاحا، ولذلك، فيجب لهذه القضية أن تحتل المكان الأول من اهتمامات الحكومة، وإعطاءها الأفضلية الأولى على كافة المشاكل الأخرى التي يجب حلها، وستحتل من عنايتي الخاصة مكان الصدارة، وإن إرسال وزير مقيم للجزائر، يعتبر من ألمع الشخصيات المعروفة بالإخلاص وإنكار الذات - هو الجنرال كاترو - يساعده في مهمته وزيران آخران للدولة، إنما هو دليل على رغبة الحكومة في إيجاد حل عاجل للمشكلة يحترم بدقة من قبل الجميع.
لقد قمت في الأسابيع الماضية، ولا سيما في الأيام الأخيرة منها، بتحقيقات دقيقة في المشكلة، انتهيت منها إلى أن من أولى الضرورات إزالة كل خلاف عقيم يدور حول التعابير من قبيل عبارات (الاستيعاب) و (الإدماج) و (التعاون) و (التحالف) الخ ... والأمر المهم الواجب ملاحظته في هذا الصدد هو أنه مهما كان الموقف النظري للباحث، فإن الإجراءات العملية يجب أن لا تكون محل خلاف في المستقبل: وكلها تتركز في زيادة الاتجاه نحو الحرية والمساواة - تصفيق من الاشتراكيين -. وإن المهم الآن هو ليس تنازع النظريات بل بلورة الإرادة وتحديد الأهداف وتثبيت الدوافع
стр. 2734
والاتفاق إن أمكن على طريقة للعمل.
إن غرض فرنسا وإرادة الحكومة، هما قبل كل شيء تحقيق السلام في الجزائر، وتحرير جميع الفرقاء المعنيين هناك من الخوف، وهذا يتطلب إيقاف الارهاب من جهة، وإيقاف القمع الأعمى من جهة أخرى، وبعد ذلك يجب الانصراف إلى تطوير الأنظمة تطويرا ديمرقراطيا، وتحقيق التعايش السلمي بين المجموعتين الجزائرية والفرنسية اللتين ربطهما التاريخ إلى الأبد، فلن يسمح لهما بالانفصال، وضمان التقدم الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، أو بعبارة أخرى: إن غرض فرنسا والحكومة الفرنسية هو تقوية عرى الاتحاد الذي لا ينفصم بين الجزائر والوطن الأم. وهل من اللازم أن نؤكد على فظاعة النتائج التي ستترتب على تجريد فرنسا من الجزائر، وفصل الجزائر عن فرنسا؟ لقد صاغ التارخ بينهما من العلاقات البشرية والمجادلات الاقتصادية ما لا سبيل إلى حله مما عاد ولا يزال يعود على البلدين معا بأجزل المنافع (؟). كذلك من الضروري الاعتراف للجزائر بشخصيتها الخاصة، واحترام هذه الشخصية، وتحقيق المساواة السياسية التامة بين جميع سكان الجزائر، ولكن لمن يجب أن نوجه أنظارنا الآن؟ ...
إن هناك مجموعتين رئيسيتين تكونان الجزائر الحديثة: الأولى هي الأقلية الأوروبية المهمة، وهذه بدورها تتألف من عناصر كثيرة؛ فإلى جانب قلة من أفرادها عرفت بالأنانية وقصر النظر تتحمل اليوم قسطا كبيرا من مسؤولية تردي الوضع في الجزائر، هناك أيضا جماعات كبيرة تعود لأصول متواضعة في المجتمعات الأوروبية، أغلبهم عمال أنقياء الضمير، مخلصون لوطنهم، وهم الممثلون
стр. 2735
الحقيقيون للوجود الفرنسي في الجزائر. أما المجموعة الثانية فهي المجموعة العربية التي يزداد عددها يوما بعد يوم، وإذا كانت هذه المجموعة تضم بعض المجرمين والسفاكين مع الأسف (!) فإن أغلبيتها لا تطمح إلا إلى إبقاء العلاقات الوثيقة مع فرنسا، مع مجرد ضمان المساواة التامة في الحقوق، بنفس الشكل الذي فرضت عليهم المساواة التامة في الالتزامات (الواجبات). والآن، وبعد تحديد المبادىء العامة، والأهداف الرئيسية، علينا أن نحدد أسلوب العمل. إن من أهم القضايا الواجب تأكيدها لأعضاء جمعيتكم المحترمة، هو أن مستقبل النظام في الجزائر سوف لا يتحدد من جانب واحد، كما أنه من الضروري التأكيد، وهذه نتيجة لازمة للمبدأ الأول، بعدم السماح بأي حل يفرض بالقوة، أو قبول ادعاء أحد عنصري السكان بفرض إرادته على العنصر الآخر.
إن حكومتنا تنوي في أجل قريب، القيام باستشارة جدية للشعب الجزائري، عن طريق انتخابات حرة، تجري على أساس الكتلة الانتخابية الواحدة، مما يتطلب مبدئيا إجراء تعديل في قانون الانتخابات، غير أنني لا أستطيع في الوقت الحاضر تحديد زمان إجراء الانتخابات المذكورة، سواء للجمعية الوطنية الفرنسية، أو للجمعية الجزائرية، أو للانتخابات المحلية.
كما تنوي الحكومة أن تقدم لأعضاء الجمعية الوطنية بأقرب فرصة التشريعات اللازمة التي تخولها السلطات الكافية لإجراء بعض الاصلاحات العاجلة، خاصة إصلاح التنظيم البلدي، وقوانين الإدارة والخدمة المدنية، وإن هذه القرارات التي ذكرتها لكم، من شأنها تغيير الجو في الجزائر وإذا كان من غير المحتمل، في المستقبل القريب، تقليل عدد الجيوش الفرنسية في الجزائر، فإن
стр. 2736
فعالياتها ستزداد من دون شك بعد إجراء إصلاحات أساسية في تشكيلاتها، وفي طرائق استخدامها وفي تلبية احتياجاتها حتى تتكيف مع ظروف القتال المحلية الخاصة في الجزائر.
إن أهداف القوات المذكورة هي إعادة الأمن إلى نصابه وحماية الأرواح والممتلكات إلى جانب تحرير النفوس من الخوف - ونعتزم كذلك أن نقوم، إلى جانب الإجراءات السابق ذكرها، لإصلاح الإدارة والوظيفة العامة، بإطلاق سراح الموقوفين السياسيين، مع عدم الخلط بين هؤلاء وبين الموقوفين بتهم تدخل في نطاق قوانين العقوبات.
كذلك سوف لا نتأخر عن القيام بالإجراءات العاجلة الضرورية في المجال الاقتصادي والاجتماعي، خاصة تطوير منهاج الأشغال العامة، وتوزيع المواد الغذائية والمنسوجات بهدف مكافحة الفقر، كذلك تعلق الحكومة أهمية كبرى على تحقيق الإصلاح الزراعي، وإننا لا نكتم عن أبناء البلاد في هذه المرحلة الخطيرة التي يتقرر فيها مصيرنا لأجيال، الحقائق المرة، ويقيننا أن إخفاءها من شأنه أن يزيد في تعقيد الأمور ويجعل من المحال إصلاحها، إلا أن إرادة الشعب الفرنسي ستمنع ذلك.
لقد تعهدت فرنسا في مقدمة دستورها (بقيادة الشعوب التي اضطلعت بأعبائها نحو الحرية، وحكم نفسها بنفسها والإدارة الديموقراطية لشؤونها الخاصة)، ويؤيد التاريخ هذه الحقائق الدستورية، وما منهاجنا في الواقع إلا تطبيق هذا النص الدستوري، وتحقيق هذا الاتجاه التاريخي نحو تمكين شعوب ما وراء البحار على إدارة أمورها بشكل ديموقراطي، أي تطوير أنظمتها الخاصة في الاتجاه الديموقراطي، ولكن ماذا يعني ذلك؟ ... إنه يعني توسيع
стр. 2737
مبدأ الكتلة الانتخابية الواحدة إلى سائر بلدان ما وراء البحار، وضمان سلامة الانتخابات، وزيادة صلاحيات البلديات، وتوسيع اختصاصات المجالس الانتخابية، وزيادة عدد الهيئات الفنية، وتحقيق اللامركزية الإدارية، والديموقراطية في الإدارة.
إنني أطلب إلى أعضاء الجمعية الوطنية المحترمة أن يشتركوا معي في شجب كل مظاهر التعصب العنصري على اختلاف ألوانه ومن أي جهة صدر، سواء من هؤلاء الذين يعتقدون بتفوقهم العنصري، أو من أولئك الذين يشعرون بأنهم يعاملون معاملة العنصر التابع.
إننا سنبدي لهذه الشعوب الصديقة بأن فرنسا ستقودهم حقا للحرية اخلاصا لرسالتها في التحرير والإتقان).
...
لقد استقبل النواب الاشراكيون هذا الخطاب بالهتاف والتصفيق الحاد، وقاطعوه مرات عديدة ليعبروا عن بهجتهم بمضمونه وحماستهم لتنفيذه. وفي خطاب آخر لرئيس الوزراء (غي موليه) أمام (لجنة الشؤون الداخلية) في (الجمعية الوطنية الفرنسية (١) جاء ما يلي:
(إن فكرة الحقيقة القومية الجزائرية، لا تستند إلى أي أساس من الاعتبارات الواقعية، وهي لا تختلف في هذا الصدد عن الفكرة المتطرفة الأخرى، فكرة اعتبار الجزائر مقاطعة فرنسية صرفة كسائر مقاطعات الوطن الأم. والواقع، إن مما لا يقبل الجدال، أن
стр. 2738
الجزائر لا يمكن اعتبارها مقاطعة فرنسية كسائر المقاطعات الأخرى، كما أن اجتماع قوميتين مختلفتين فيها، لا يسمح بالكلام عن الحقيقة القومية في الجزائر، والحل الوحيد الواجب تقديمه للجزائر هو حل من نوع خاص، من العبث مقارنته أو إسناده إلى إحدى الصيغ الثلاث التي وضعت في الهند الصينية وتونس ومراكش.
على أنني لا أستطيع في هذه المرحلة أن أحدد المضمون الدستوري لمفهوم الشخصية الجزائرية، فالجزائر بعيدة كل البعد عن مفهومي (الأمة) من جهة و (المقاطعة الفرنسية) من جهة ثانية.
انني أحتج على وصف سياسة الحكومة الفرنسية الحاضرة بأنها سياسة مبنية على القوة، إننا نرغب في التهدئة وليس في العنف، وإنني أكرر بأن الحلول العسكرية وحدها سوف لا تؤدي إلى شيء.
أما فيما يتعلق بأحكام الاعدام ضد العصاة، فقد تركت لنا الحكومة السابقة إضبارة ثقيلة بالمحتويات، وإنني لأتمنى أن يكون العدل - سريعا - ولكن بعد إجراءات - سليمة - وتحقيق كامل، كما أرجو أن يكون العدل - على السواء - فليس من العدل مثلا أن يحكم على عربي بالعقوبة العظمى لمجرد حمله السلاح، بينما يطلق سراح الأوروبي الذي ارتكب نفس الجريمة في مظاهرات مختلفة، ويكتفى بتغريمه بمبالغ تافهة.
إن الوضع القائم في الجزائر الآن، لا يسمح بإجراء انتخابات حرة، ولكن المهم أن يدرك أولئك الذين يزعمون الكلام باسب الشعب الجزائري، أنه بدون انتخابات حرة لن يكون لأحد حق الكلام، وهذه الانتخابات لا يمكن أن تتم إلا بعد ضمان الحرية التامة وسلامة السر الانتخابي.
стр. 2739
إن من أكبر الاخطاء الشائعة هو خطأ التسمم بالتعابير، والذي أعتقده أن فرصة - الإدماج - سبق أن سنحت لنا، ولكننا لم نستفد منها، ولعلها قد فات أوانها الآن، كذلك أبدي اشمئزازي من كل تعبير قد يثير إلى - الانفصال - بين الجزائر وفرنسا!
أما فيما يتعلق بتكوين جبهة التحرر الوطني، فإني أود أن أؤكد بأنه إذا كان هناك شيء من الوحدة في صفوف القوات العربية المسلحة، فإن من المهم التمييز بين ثلاث جماعات:
١ - الأولى: تتألف من أشخاص يدفعهم دون شك، حافز قومي، وهؤلاء هم من صنعنا نحن الفرنسيين؛ تخرجوا من مدارسنا، وهم يحاربوننا بنفس الروح التي حارب بها أنصار المقاومة من الفرنسيين، أثناء الاحتلال النازي - الهتلري -.
٢ - الثانية: ويظهر أنها أهم من الأولى، تتألف من أشخاص تسيرهم الدعاية الأجنبية، وتربطهم بالأجنبي الروابط الدينية؛ وهؤلاء يؤلفون الجناح المتحرك في قوات العدو، كما أنهم هم الذين يرتكبون الفظائع ضدنا.
٣ - أما الفئة الأخيرة فتتألف من عصابات السلب والنهب!).
...
وصرح (غي موليه) بعد ذلك لمراسل شركة إذاعة كولومبيا الأمريكية (١) بما يلي:
(... فيما يتعلق بملاحظات بعض المعلقين السياسيين حول إمكانية إضعاف فرنسا لمنظمة ميثاق الأطلس بسحبها قسما مهما
стр. 2740
من جيوشها في أوروبا لساحات المعارك في شمال أفريقيا، أود أن أقول: إن التضامن المفروض بين أعضاء المنظمة المذكورة يستوجب إمكانية استفادة كل عضو من أعضائها من حسن فهم الآخرين في الوقت الضروري لحل مشاكله الخاصة المعقدة، وبهذا الشرط فقط يمكن للميثاق المذكور بلوغ أهدافه التعاونية المرسومة له، وبهذا الأصل نفسه نعتمد نحن اليوم على مساعدات حلفائنا في منظمة الأطلسي. ومن المهم جدا أن لا يغرب عن بال أحد بأن الجزائر جزء لا يتجزأ من منطقة الأطلسي، وأنها مشمولة بميثاق حلف شمال الأطلسي. إن الجزائر بسبب وجود الثمانية ملايين عربي فيها، لا يمكن أن تعتبر طبعا منطقة فرنسية بنفس المعنى الذي تعتبر فيه مثلا مناطق (الانشوا) و (النورماندي) الفرنسيين، ولكننا نرفض أيضا رفضا باتا، وبسبب وجود المليون ونصف المليون أوروبي فيها، أن نسلم بوجود (حقيقة القومية الجزائرية) لأن ذلك لا ينطبق لا على الحقائق التاريخية، ولا على الحقائق العنصرية. وليس معنى ذلك أن الجزائر هي (مقاطعة فرنسية مزيفة) أو (أمة جزائرية مزيفة) بل معناه أن لها شخصية خاصة: حيث يعيش جنبا لجنب - العرب والأوروبيون - وكلاهما لا معدى عنه لتطور البلاد الاجتماعي. إن الجزائر يجب أن تكون (مجتمعا فرنسيا إسلاميا معا) مما يستتبع وجوب ربطها بفرنسا بروابط لا تفصم من جهة، وضرورة احترام فرنسا للشخصية الجزائرية من جهة أخرى. ولقد صممنا على أن نظام الجزائر المستقر سوف لا يتقرر من جانب واحد، بل بعد مفاوضات مع ممثلي السكان الجزائريين المنتخبين بصورة حرة. ولعل الجزائر تشكل قضية فريدة في تاريخ العالم، وهي لذلك يقتضيها حل مبتكر يجب أن يكون خاصا بها.
стр. 2741
لقد برهنت فرنسا على رغبتها في السلام، إلا أن تهدئة الجزائر لا يمكن أن تتم الا بالرغبة المتبادلة من قبل الطرفين، ولست أعتقد أن هناك بين عرب الجزائر من يستطيع أن يتحمل أمام العالم وأمام التاريخ المسؤولية الفظيعة لجعل الوضع هناك لا يحتمل، ومنع التحرر السلمي لعرب الجزائر، ووأد الصداقة الفرنسية العربية؟! ...
إن وضع الجزائر مختلف تماما عن وضع تونس ومراكش، واذا كانت هناك وحدة جغرافية لأفريقيا الشمالية، فإن الوحدة السياسية معدومة! إن التقاليد القومية التونسية والمراكشية تستند الى تاريخ طويل، كما أنها تستند في حالة مراكش إلى اعتبارات دينية أيضا، وليس الوضع كذلك في الجزائر، كذلك يجب التأكيد على الحقيقة الأخرى التي سبق أن أشرت إليها: وأعني وجود أقلية أوروبية كبيرة جدا في الجزائر، لا تقارن بمثيلتيها في تونس ومراكش.
إن الاعتراف بدولتي تونس ومراكش لم يكن موضع نزاع في وقت من الأوقات أبدا، وتنبعث علاقاتهما بفرنسا من معاهدات دولية معقودة بصورة حرة، فإذا حازتا اليوم على استقلالهما في نطاق التكافل المنظم مع فرنسا فإن ذلك مما يتفق مع مبادىء الدستور الفرنسي ذاته. أما الحل الدستوري في الجزائر فلا يمكن أن يكون من النوع ذاته؛ ومع ذلك فنحن مصممون على تمتع الجزائرين في ظل إطار تشريعي مختلف، هو الإطار الفرنسي - الإسلامي المشترك! ...).
...
ومن خطاب لرئيس الوزراء (غي موليه) من محطة إذاعة
стр. 2742
(باريس) (١) ورد ما يلي:
(إن مجموع القوى الموضوعة تحت تصرف منظمة حلف شمال الأطلسي، تشمل في نطاق أعمالها اقطار أفريقيا الشمالية، ولذلك، فإنه من واجبنا حماية هذه الأقطار، لا بصفتنا فرنسيين فقظ، بل بصفتنا أعضاء في المنظمة المذكورة. إن جميع حلفائنا أدركوا هذه الحقيقة كل الإدراك، ولقد تلقينا التشجيع لموقفنا من قبل (غرونتر) والسفير الأمريكي في باريس (المستر دوغلاس ران) و (اللورد أزمي) والسفير البريطاني في باريس (السير غلادوين جيب).
إن الشباب الفرنسي المدعو للخدمة في الجزائر، ليست مهمته خوض الحرب، بل إعادة الصداقة الفرنسية - الجزائرية لوضعها الطبيعي. إنني رجل ديموقراطي، ولهذا السبب بالذات، لا أعترف للحكومة الفرنسية بحقها في اختيار الممثلين الشرعيين الجديرين بالتفاوض باسم الشعب الجزائري، ولكنني من باب اولى لا أعترف لخمسة عشر ألفا من العصاة المسلحين بحق الكلام باسم ثمانية ملايين من الجزائريين لم يؤخذ رأيهم في ذلك؛ إذن فالحل الوحيد هو إجراء الانتخابات.
أما فيما يتعلق بالشعب البطولي الصغير، الشعب الاسرائيلي! فقد قامت الحكومات الفرنسية المتعاقبة ولا تزال تقوم بواجبها تجاهه. إن هذه النقطة جديرة بالتذكير والاعتبار؛ لقد انتهزنا كل الفرص أمام حلفائنا الكبار حتى نكون في الطليعة في هذا المضمار. أما عن المشكلة العربية، فأود أن أوضح فرقين أساسيين: الأول
стр. 2743
وجوب التمييز بين موقف الحكومة الفرنسية تجاه بلد عربي بالذات، وموقفها تجاه الوحدة العربية؛ ذلك لأن الفكرة الأخيرة تمثل رغبة واضحة في التوسع والامتداد. كذلك يجب التمييز الصريح بين الوحدة العربية والجامعة الإسلامية، ذلك لأننا بالحديث عن الحملة الإسلامية الموجهة ضدنا، إنما نثير علينا فريقا كبيرا من المسلمين يحرص ذاته على الدفاع عن كيانه ضد أطماع الوحدة العربية، وتحرص الحكومة الفرنسية حرصا شديدا على تحويل هذه الفروق الدقيقة إلى أعمال مادية في سياستها العامة.
...
استقال الراديكالي - رئيس الوزراء الفرنسي (مانديس فرانس) من منصبه يوم ٢٣/ ٥/ ١٩٥٦، وقد وجه بهذه المناسبة رسالة إلى خلفه الاشتراكي (غي موليه) تضمنت ما يلي:
عزيزي رئيس الوزراء.
قدمت استقالتي توا من الحكومة، مدفوعا بسياستنا التي اتخذناها في الجزائر؛ لقد كانت الحكومة مجمعة على اتخاذ إجراءات للإنقاذ تفرضها ضرورات في غاية الإلحاح والاستعجال، ولكنها في الوقت ذاته، وبينما كانت تدعو شبابنا إلى بذل تضحيات جديدة تقبلها بأروع خصائص الشعور بالواجب، فإنها لم تعمد لتطبيق أي إجراء من شأنه إقناع العرب في الجزائر برغبتنا في التهدئة والتجديد، وحملهم على الاعتقاد بأنه بالإمكان السير خطوة إلى الأمام مع فرنسا وليس ضدها.
لقد كان الالتجاء إلى السلاح بالنسبة إلينا للأسف ضرورة من الضرورات! بل لقد كنت أفضل، كما تعلمون، إرسال قوات أكثر
стр. 2744
بسرعة أكبر، ولكني أكدت أيضا بأن الالتجاء إلى السلاح وحده لا يكفي بالمرة؛ إنه يهدد بإدامة القطيعة بيننا وبين الجماهير الإسلامية، هذه القطيعة التي يعمل لها بالضبط أصحاب هذه الأساليب الكريهة التي تثيرنا كل الاثارة، والواقع أن كل سياسة تتجاهل عواطف السكان الأصليين وبؤسهم تؤدي، شيئا فشيئا، إلى فقدان الشعب الجزائري، وإلى ضياع الجزائر ذاتها، ومن ثم يؤدي بصورة حتمية إلى فقداننا أفريقيا كلها، وهذه هي سياسة الهزيمة والانسحاب لقد حثثت الحكومة على سلوك سبل أخرى، واتباع - رغم معارضة أولئك الذين عموا عن رؤية الهوة السحيقة التي يشرفون عليها ويجروننا معهم إليها - سياسة أخرى غالبا ما أسيء فهمها، بل وصفت أحيانا بأوصاف بشعة: تلك هي سياسة إعادة البناء على أساس انضمام جميع الشعوب التي تشكل هذه الامبراطورية التي هي مبعث فخرنا واعتزازنا!.
اننا إذا أردنا في الجزائر إنقاذ (الوجود الفرنسي) فيجب علينا الإسراع بأقصى ما يمكن حتى نجذب إلينا تلك العناصر من السكان التي عرفت منذ أمد طويل بثقتها بفرنسا، لضمان تحررها التدريجي. لقد ابتعدت هذه العناصر عنا بتأثير دعايات ممقوتة أجنبية وداخلية، إلى جانب أخطائنا الكثيرة التي تعود لجهلنا بالأمور، وعدم فهمها فهما صحيحا! ولذلك، فإنه من الضروري - في اعتقادي - إحياء الثقة والأمل من جديد في نفوسنا بأعمال ملموسة وشواهد حية: وإلا فإننا سنطرد من الجزائر عاجلا أم آجلا، هذا الطرد الذي يتعين علينا واجب منعه ودفعه، يدا بيد وساعدا بساعد! ومن المؤسف أن العناصر المعتدلة بين مسلمي الجزائر، هذه العناصر التي كان من واجبنا أن نسندها ونؤيدها،
стр. 2745
تساء معاملتها يوميا من قبل الإدارة والبلديات، وخاصة من قبل الصحافة المشبعة في غالب الأحيان بروح عدوانية سببت لنا كثيرا من الأضرار. وهكذا فإنهم بمعاناتهم لكثير من الآلام، ورميهم في معسكرات الاعتقال، وإبعادهم عنا، إنما ندفعهم في حقيقة الأمر إلى الارتماء في أحضان عدونا الألد.
لقد عددت - على سبيل المثال - في رسالة سابقة، بعض الإجراءات التي كان من شأنها أن تؤدي إلى آثار حسنة في هذا الصدد، ولكن لم يطبق أي إجراء من هذه الإجراءات، وقد رأيت بعيني كيف تنهار فرص توجيه الحكومة نحو سبيل الخلاص الوحيد. على أنني أعلم - يا عزيزي الرئيس - بأنكم تفهمون عواطفي أحسن الفهم، وأترك الأمر لحكومتكم التي علق عليها كثير من الفرنسيين، ومنهم أنا وأنت، كثيرا من الآمال. وانني أود على الأقل أن يكون لاستقالتي هذه معنى تجديد النداء للحكومة لاتخاذ القرارات الضرورية، مهما تكن صعوبتها.
إنني أؤكد بأن الوقت لم يفت حتى الآن، لاختيار السياسة التي يمكنها أن تنقذ في نفس الوقت، السلام من جهة، والوجود الفرنسي في الجزائر من جهة أخرى.
وختاما أرجو أن تثقوا، يا رئيسي العزيز، بأخلص عواطفي نحوكم
...
أعقب ذلك نقاش في (الجمعية الوطنية الفرنسية) استمر أربعة أيام، أحرزت (حكومة غي موليه) على إثر ذلك ثقة الأغلبية، وألقى (غي موليه) خطابا بدأه بإعلان أسفه الشديد لاستقالة (مانديس
стр. 2746
فرانس). وأكد استمرار ولائه وإخلاصه للخطوط العامة لسياسته الجزائرية التي أعلنها في عدة مناسبات سابقة، وانتقل بعد ذلك فأثنى على سياسة وزيره المقيم في (الجزائر) وامتدح شجاعته وحكمته، وتضمن بعدئذ خطابه (١) ما يلي:
(... إن موقف الصحافة والأحزاب ورجال السياسة مثقل بأشد المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، ولكنهم لم يفهموا مسؤولياتهم دائما؛ فكثيرا ما تجدهم مفتقرين للروح الموضوعية، ومتأثرين مباشرة بالاعتبارات الحزبية الداخلية الضيقة. إنهم يضخمون بعض الأخطاء الفردية المرتكبة من قبل بعض المواطنين الفرنسيين في الجزائر، فيعطون بذلك مجالا خصبا للدعاية التي يستخدمها خصومنا وأعداؤنا ضدنا في العالم كله؛ إنهم يصفون العصاة بأنهم (وطنيون) بل إنهم يجرؤون حتى على مقارنتهم بأبطال المقاومة من الفرنسيين. إننا وإن كنا لا ننكر بأن بعض المحاربين لفرنسا في الجزائر، يستوحون بعض المثل القومية والوطنية، إلا أننا نتساءل باستنكار: أي بطل وطني حقيقي من أبطال المقاومة يرتضي لنفسه أن يقارن بهؤلاء الذين يضرمون النار في المدارس والمستشفيات، ويذبحون حتى النساء والأطفال؟!
إن بعض صحافتنا لا تتورع عن أن تنشر في أعمدتها تفاصيل مريعة عن جرائم وحشية مزعومة قامت بها قواتنا، دون أن تعبأ بآثار ذلك على معنويات الجيش الفرنسي، أو تهتم أقل اهتمام بسمعة المسؤولين في الحكم وكرامتهم! ...
لست أزعم احتكار (المقاومة) الفرنسية لنفسي أو لحزبي إلا
стр. 2747
لم تتمكن جحافل فرنسا من قهر إرادة الشعب الجزائري
стр. 2748
أننا نحن اليساريين الفرنسيين، لنا الحق أكثر من أي شخص آخر، أن نعتز بالوطنية، وبالدفاع عن الديموقراطية والجمهورية. إننا نحن اليساريين الجمهوريين لا نحتاج لإقامة الدليل على وطنيتنا، وإن جميع الهجمات التي توجه ضدنا مردودة على أصحابها. إنني أوجه ندائي إلى كل أولئك الذين ما انفكوا أبدا يدافعون عن وطنهم المهدد، وأهيب بهم لضمان السلم في الجزائر، وبشجب سياسة وقف إطلاق النار التي توجه إلينا فقط دون أن توجه في نفس الوقت لخصومنا وأعدائنا!
إن الحل الذي ندعو إليه لمسألة الجزائر لن يكون إلا حلا سياسيا، لقد قررت الحكومة الفرنسية أن لا تسمح بإقامة نظام الجزائر المستقبل من جانب واحد فقط. إننا لا نقبل أن يفرض علينا العدو حله الخاص به بالقوة، كما أننا لم نفرض ولن نفرض حلنا الخاص بالقوة. إن المفاوضات السلمية فقط التي ستدور مع الممثلين الحقيقيين للشعب الجزائري عن طريق الانتخابات الحرة، هي التي ستقرر النظام الجزائري المذكور. إن الحكومة لا تمانع في نداء وقف إطلاق النار وإنها مستعدة لإجراء الاتصالات الضرورية لذلك، ولكن بشرط أن تكون رسمية ومباشرة، مع استعدادها التام أيضا لإعطاء جميع الضمانات لأولئك الذين يباشرون وضع سلاحهم بالفعل، إن لم يشاركوا في ارتكاب جرائم تخضع للقانون العام. أما الانتخابات الحرة فإنها ستجري بعد مرور ثلاثة أشهر على إعادة السكينة للجزائر، وستكون على أساس مبدأ الكتلة الانتخابية الواحدة. وإنني أعلن على رؤوس الأشهاد بأن حرية الانتخابات المذكورة ستكون مضمونة بكل الوسائل، ولست أمانع في إجراء
стр. 2749
الرقابة اللازمة تحت إشراف شخصيات محترمة مشهود لها بالحياد من قبل الجميع.
إن الجزائر لن تكون دولة إسلامية بسبب وجود المليون أوروبي مسيحي فيها، كما لن تكون دولة عربية بسبب وجود البربر فيها، ولكنها لن تكون في الوقت ذاته مقاطعة فرنسية صرفة كسائر المقاطعات الأخرى، بسبب وجود الثمانية ملايين مسلم فيها. إن للجزائر طابعها الخاص الذي تتميز به عن سائر بلدان العالم (؟!) ومن الضروري الاعتراف لها بشخصيتها الجزائرية الخاصة، مع ضمان اتحادها بفرنسا الأم بروابط غير قابلة للانفصام! إن من الضروري ضمان المساواة التامة في الحقوق لسكانها المسلمين، إلى جانب احترام الحقوق المشروعة للسكان الأوروبيين. إن المجتمع الجزائري الجديد سوف يبنى على توزيع المسؤولية العادل في الأمور السياسية والاقتصادية معا، كما أن اللامركزية الإدارية ستضمن منح الوحدات المحلية سلطات واسعة تتفق مع مبدأ الإدارة الذاتية. إذن، لن يتضمن الحل للقضية الجزائرية، لا الرجوع لانظمة الماضي العتيقة، ولا الانفصال عن فرنسا وطرد الأوروبيين من وطنهم الحقيقي الجزائري. إن رغبتنا، إذن، في التجديد واضحة، ولا أستطيع إلا أن أعجب لأولئك - العرب - الذين يشكون في طابع سياستنا الحر، أو يجرأون على السخرية منها! فهل هناك سياسة أكثر حرية من إعلان الانتخابات الحرة (؟) وهل هناك من لا يتمنى أن يرى البلدان التي تنتقد سياستنا وتصرفاتنا، تعطي نفس الضمانات ونفس الطابع الديموقراطي لأنظمتها في الحكم؟ .. نحن لا نشهر الحرب ضد الشعب الجزائري ذاته، كما لا نشهرها
стр. 2750
ضد الشعوب العربية. إننا نعلنها فقط ضد حفنة من العصابات المسلحة لحماية أغلبية الجزائريين، وضمان السلم والصداقة معهم! نحن نود أن نقيم في الجزائر نظاما جديدا يعيد الصداقة الفرنسية - الإسلامية في مجتمع مبني على الأخوة التي لا تنفصم!
لقد أراد بعض الخطباء أن يقارنوا بين سياستنا في الجزائر، وسياستنا في تونس ومراكش، والواقع أننا نتبع في كل شمال أفريقيا نفس المبادىء والأسس، ونستوحي نفس الإدارة، أعني ضمان الصداقة الفرنسية - الإسلامية في ظل الأمن والنظام أعنى أن الوضع في الجزائر يختلف تمام الاختلاف عنه في تونس ومراكش، ولذلك يستدعي إجراءات خاصة به تماما.
إن تونس ومراكش لم تفقدا أبدا شخصيتهما الدولية، لقد كانتا دولتين تحت حمايتنا، فأردنا أن تكونا دولتين صديقتين لنا؛ لقد استبدلنا بنظام الوصاية نظاما آخر للتعاون، ومن الطبيعي والمفهوم أن الوضع في الجزائر يشغل بال زعماء تونس ومراكش؛ إلا أنه من الواجب علينا أن نرد - وقد رددنا فعلا - على بعض التصريحات في هذا الصدد، بأن القضية الجزائرية هي من الاختصاص المطلق لفرنسا، وأنه ليس لتونس ومراكش أن تتدخلا بأية صورة من الصور في هذا الأمر، وإن هذا التدخل من شأنه أن يهدد الصداقة الفرنسية كل التهديد، ونحن مصممون كل التصميم على مراقبة الحدود الجزائرية، لمصلحة الجزائر ذاتها، ولمصلحة الأمن الداخلي لتونس ومراكش جميعا).
...
بينما كان (غي موليه) ينادي (بالسلام) ويضع المشاريع
стр. 2751
المختلفة، كانت القوات الفرنسية - الاستعمارية تمارس أبشع أنواع القبر، وأقذر اشكال القمع الوحشي، حتى أنه ما من فترة كانت أكثر ثقلا على المجاهدين الجزائريين من فترة حكم (الاشتراكيين). وخيل لهؤلاء أنهم في سبيلهم للقضاء على الثورة بحيث أن جلاد الجزائر الاشتراكي (لاكوست) اطلق شعاره المشهور: (يجب ألا نقدم للثوار أي تنازلات، وألا نتسرع بتقديم إصلاحات سياسية، فنحن في الربع الساعة الأخيرة من تصفية الثورة) (١) واتبعه (غي موليه) بتصريحه الشهير (لمقاومة هذا التطرف نقدم البرنامج الوحيد الموافق لقانون الديمرقراطية، الذي ينحصر في: إيقاف القتال غير المشروط، وإجراء انتخابات حرة، والمشاركة في نقاش مفتوح - حر - مع منتخبي الجماهير الجزائرية) (٢). وجاء بعد ذلك رئيس الجمهورية الفرنسية (روني كوتيه) ليصدر بدوره التصريح التالي: (كيف يمكن لفرنسا دون إهانة نفسها، أن تسلم هذه الجماهير إلى ذابحي هذا العدد الهائل من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال (؟) وهل يمكن لديموقراطية جديرة بهذا الاسم أن تميز بين السيادة القومية المتعفنة والأكثر تأخرا، وبين حرية المرء، هذه التي هي غايتنا المشتركة إلا إذا اتهمنا بالجهل؟ .. لا يمكن أن يعتمد علينا بأن نضحي بالجهة المقابلة من البحر الأبيض المتوسط. ولن نخلق (ألزاس ولورين) جديدة) (٣).
стр. 2752
وكذلك صرح رئيس مجلس الوزراء (بورجيس مونوري) (١) بما يلي: (في إطار القانون، هناك ثلاث التزامات: الأول، لا أحد ولا شيء يفرق بين الجزائر وفرنسا ... تفاوض؟ مع من؟ السلم وبأي ثمن؟ إنه لا يمكن التفاوض إلا مع ممثلين أكفاء، ونحن لا يمكن لنا أن نعتبر ممثلين أكفاء أولئك الذين يستمدون كفاءتهم عن طريق الإجرام والإرهاب).
والأمر مماثل في تصريح رئيس المجلس (فيلكس جايار) (٢) الذي قال: (الجزائر هي جزء لا يتجزأ من الجمهورية الفرنسية، وولاياتها مجتمعة تكون مناطق موحدة فيما بينها، تسير بكل حرية وديموتراطية شؤونها ... إن نهاية الحرب تعني بأن الجزائر يجب أن تبقى فرنسية).
...
هنا، تجدر الإشارة إلى المشروع الاستعماري الذي عرف باسم (مشروع جايار) والذي طرحه لإقامة وحدة للمغرب العربي الإسلامي تحت زعامة (فرنسا) باسم (وحدة غرب البحر الأبيض المتوسط) وقد جوبه هذا المشروع منذ ظهوره بمقاومة عربية ضارية تمثلها المقولة التالية (٣):
(ما يزال مشروع - جايار - لعقد ميثاق للقطاع الغربي من حوض البحر الأبيض المتوسط يثير اهتمام الدوائر السياسية في شمالي أفريقيا
стр. 2753
لإدراك غاياته ومراميه، وحتى يتسنى لها مقاومته والرد عليه بمشروع عربي قومي، وقد أعلن أن اجتماعا للقمة يضم سلطان مراكش وملك ليبيا والرئيس بورقيبة سعيقد بطنجة قريبا وذلك تمهيدا لمؤتمر سيعقد (بطنجه) في منتصف نيسان - أبريل - ١٩٥٨، ويشترك فيه ممثلو جبهة التحرير الوطني الجزائري وأقطاب حزب الاسقلال المراكشي، والحزب الحر التونسي - حزب الدستور - لدراسة مشروع (الاتحاد التعاهدي) لبلاد شمال أفريقيا؛ والغاية من هذين المؤتمرين إظهار رغبة المغرب في تدعيم وحدته العربية المعنوية والسياسية، بصرف النظر عن (ميثاق البحر المتوسط) أو غيره من المشاريع الفاشلة التي تروج لها الدول الاستعمارية من آن لآخر، استدراجا لبلاد الشمال الافريقي، ومحاولة لإيقاع هذه البلاد في شباكها، حيث تحاول البلاد الاستعمارية التغرير بالسذج والجهلة والمخدوعين الذين ما يزالون يحسنون الظن بالمستعمرين ويتلقون صفعاتهم بالرضى والقبول. واقتنع أعضاء (الحزب الحر الدستوري التونسي) أخيرا بآراء مندوبي حزب الاستقلال المراكشي في مسائل شمال أفريقا، وضرور استقلال الجزائر. والواقع، أن السلطان (محمد الخامس) يحظى بالزعامة في الشمال المغربي لتمسكه بالعروبة، ولعدم ثقته في مشاريع الدول الاستعمارية التي ما تزال قواتها المحتلة تهدد كيان بلاده واستقلالها (بريطانيا في جبل طارق) و (فرنسا وأمريكا في الداخل) و (اسبانيا في الجنوب)، هذا الى اقتناع جلالته بأن السياسة الانتهازية خطرة على البلاد الحديثة العهد بالاستقلال، وإنها تؤدي في النهاية إلى الغنم للمستعمرين والغرم على المستضعفين كما يقع في تونس، وهذه الآراء تطابق وجهة نظر أقطاب (جبهة التحرير الوطني الجزائري) ..
стр. 2754
أما في (ليبيا) فقد نشرت صحيفة (شريناكا - ويكلي) التي تصدر أسبوعيا باللغة الانكليزية، مقالا أعلنت فيه رفضها التام لمشروع (جايار) لما يرمي إليه من إقرار الأوضاع القائمة حاليا في شمال أفريقيا، وإنه لا جدوى من مثل هذه الأحلاف والمواثيق ما دامت الجزائر لم تحصل على استقلالها التام، ولم تنزح جميع القوات الأجنبية عن شمال - أفريقيا. ومضت الصحيفة - الليبية - في قولها إن (جايار) يتجاهل أن حل مسألة الجزائر مرهون بأيدي الشعب الجزائري وحده؛ فلا القوات المسلحة، ولا الأحلاف والمواثيق، تستطيع أن تضمن لفرنسا دوام النظام الاستعماري القائم حاليا في الجزائر، بل إن الحكومات المغربية التي يسعى (جايار) إلى إشراكها في ميثاقه المزعوم، تدرك تماما أن استدامة الاستعمار الفرنسي في شمالي أفريقيا يعد تهديدا خطيرا لمصالحها.
إن الاحلاف والمواثيق لن تقوم إلا بين بلاد ذات سياسة مشتركة، سعيا إلى دفاع مشترك، ضد خطر مشترك، فإن كان ذلك كذلك، فما هي يا ترى الأغراض المشتركة التي تصل فرنسا بمراكش، وتونس، وليبيا؟ وما هي الأخطار المشتركة التي تهدد هذه الأقطار جمعاء؟ ...
حسب المرء نظرة واحدة، ليدرك لأول وهلة أن الخطر الوحيد على المغرب العربي متجسم كله في السياسة الإجرامية العدوانية المنظمة ضد تونس والجزائر ومراكش؛ وما مشروع ميثاق البحر الابيض المتوسط إلا مرحلة من المراحل التي تدبرها فرنسا في مختلف ميادين السياسة العالمية، ولتتأكد فرنسا وغيرها من الدول الغربية أن ليبيا، وتونس، ومراكش، لن تشترك على الإطلاق في مثل هذا الميثاق قبل أن تحقق الجزائر مطامحها القومية من حرية،
стр. 2755
ومن استقلال كامل غير منقوص، ويبقى السبيل الوحيد لكسب صداقة شعب شمال أفريقيا وتعاونه، هو في الاعتراف بهذه الحقيقة الواقعة، وبها وحدها يستقر السلام لا في المغرب وحده، بل وفي جميع القسم الغربي من حوض البحر الأبيض المتوسط).
طنجه - موندار
...
يظهر العرض السابق مجموعة من النقاط التي تدخل في صلب السياسة الاستراتيجية الفرنسية منها:
١ - التفريق بين مسلمي الجزائر - خاصة - والمغرب العربي - عامة - من خلال التمييز بين (العرب المسلمين) و (مسلمي البربر) وفقا للنظرية الاستعمارية التي رافقت الاستعمار منذ بدايته (١).
٢ - إن من لا يمكن تحويلهم عن طريق الدين يمكن تحويلهم عن طريق (الاشتراكية) وفقا لمخطط (لاكوست) الشهير، والذي
стр. 2756
يمكن التعرض لبعض ملامحه عما قريب.
٣ - الوقوف موقف العداء من (الوحدة العربية) و (الجامعة الإسلامية) وتخويف الدول الإسلامية من الوحدة العربية وفصل الوحدة العربية عن الجامعة الإسلامية.
٤ - طرح المشاريع المختلفة لربط المغرب العربي - الإسلامي بالسيادة الفرنسية، والتأكيد على مفهوم (الجزائر الحديثة) و (جزائر المستقبل) لخلق كيان مميز عن الدولتين العربيتين الاسلاميتين المجاورتين (المغرب - مراكش) و (تونس)، والزعم بأن هذا التمايز إنما هو ناجم عن الارتباط (التاريخي) بين الجزائر وفرنسا، وكذلك الزعم بأن (للمغرب) و (تونس) تكونا خاصا يختلف عن الجزائر.
٥ - محاولة ربط الجزائر بحلف شمال الأطلسي، حتى تستفيد فرنسا الاستعمار من إمكانات الحلف وموارده للقضاء على ثورة أحرار الجزائر؛ (الأمر الذي دفع الحكومة المؤقتة فيما بعد لإعلان انسحاب الجزائر - رسميا - من حلف شمال الأطلسي الذي قيدت به دون أخذ رأيها).
...
هنا يمكن التوقف قليلا عند قراءة (لكاتب جزائري) (١) في التعليق على الموقف الفرنسي، حيث ذكر الكاتب ما يلي: (لم يكن في وسع رسول الإنسانية الملحد - البير كامو - شأنه شأن جبهة التحرير الوطني الجزائري، أن يتجاهل الصليبية السياسية التي يمثلها مشروع لاكوست لإبادة، حتى ولو كان هذا المشروع مموها
стр. 2757
(بالطلاء الاشتراكي). لقد كانت البهلوانية اللفظية الاشتراكية - الفاشستية تلجم أفواه الشهود الخطرين، وتلغي حق انتقاد البربرية الفرنسية، بحذفها من القاموس (كلمة استعمار) وهي موضوع الخلاف. وفي الواقع، فحين أعطى مجرم الحرب رقم واحد (روبير لاكوست) الصلاحيات الكاملة لمجرم الحرب رقم اثنين (الجنرال سالان) حرض النقابي الفرنسي السابق على التصريح بقوله (لا وجود للاستعمار في اللغة الفرنسية).
لقد تم انتخاب (روبير لاكوست) ليحمل السلام إلى الجزائر، فإذا به يلح على إرسال إمدادات من الجيش لحرب عمياء وبلا رحمة. إن أصدقاءه السياسيين، ومعاونيه الأوثق علاقة به، قد عادوا الواحد تلو الآخر إلى باريس حتى لا يلحقوا العار بأنفسهم، وحتى يحتفظوا بإنسانيتهم سالمة غير ملوثة.
معروف أن الجنرال (دوبولارديير) لم يتردد، وقد حشر بين واجب الطاعة من جهة وكرامته كجندي من جهة أخرى، في أن يسفه علانية أوامر (الجنرال ماسو). لكن ما لا يعرفه إلا القلائل هو أن القمع الوحشي قد أمر به (روبير لاكوست) ذاته، ولذلك، لم يبق (الجنرال لوريو) قائدا أعلى إلا لفترة سبعة عشر يوما فقط؛ لقد آثر الاستقالة على تنفيذ خطة الشيطان الفرنسي - الماركسي: (الخطة القاضية بإبادة الشبيبة الجزائرية إبادة تامة لاسئصال المقاومة الوطنية المناوئة لحركة فرقة العرب المسلمين، والقاضية كذلك باستغلال حقبة سنوات الهدوء العشرين من أجل تكوين الأجيال الجديدة وفقا لروح (روبير لاكوست - الاشتراكي الديموقراطي).
ماذا يمكن أن نسمي ذلك؟ إنه - للأسف - دوار عجيب، دوار
стр. 2758
جنوني، إنه طموح الضفدع الذي يظن نفسه بطة طائرة، ويجب ألا نتعجب كثيرا من خطة - لاكوست - فمن السهل جدا وشم الأذهان عندما تكون في بدء تفتحها، وذلك أنجع من محاولة (غسل عقول) البالغين، ولقد حققت العملية في الجزائر - من قبل - على نطاق صغير.
لقد رأى (لافيجوري) الذي كان في يوم من الأيام مطرانا لمدينة (الجزائر) بوضوح، عندما ادعى، وعبثا ادعى، أنه وريث (نابليون الثالث) في حق تحويل الجزائريين إلى (المسيحية).
كان التصميم على تمدين المسلمين (نصف تمدين) الذين ما كانوا يستطيعون أن يصبحوا (فرنسيين) قبل أن يتحولوا إلى (مسيحيين)، وكان ذلك ضربا من ضروب العبث. ولمناسبة التأسيس الرمزي لقرى الاستعمار (العربي - الكاثوليكي) في (سان سيبريان - دي زاتاف) حيث اضطر الكاردينال الاستعماري العتيد أن يكتفي بالأيتام الذين نجوا من الموت إبان (عام المجاعة - أو عام الشر سنة ١٨٦٨)، وكان (التحويل الديني) عملية جراحية روحية خيبت الأمل بقدر ما يمكن أن تخيبه عملية تلقيح بعنصر غريب. غير أن التحويل الديني، لم يلبث أن أبدل بالإلحاق السياسي. إن الوزير مؤهل، ومجهز، أكثر من رجل الدين (لتمدين الشبان الجزائريين وتطويرهم) أولئك الشبان الذين لم يكن باستطاعتهم أن يصبحوا -
فرنسيين - إلا إذا صاروا (اشتراكيين - ديموقراطيين!).
أما فيما يتعلق بالقمع، وإعادة السلام، فقد كان باستطاعة (الاشتراكي لاكوست) أن يستلهم التكنيك الهتلري إبان حملة روسيا؛ كان التوجه - الكوميسياري - يأمر بإبادة جميع المدنيين الذين ارتكبوا جريمة المقاومة، دون أي اعتبار للقوانين الدولية
стр. 2759
O.A.S
SALAN
سالان وجه استعماري لا ينسى
стр. 2760
عندما قبل (الجنرال سالان) أن يتولى مهمة (إبادة الجسم القومي للجزائر) بأسره عن طريق الإبادة الفعلية، وقتل كل جزائري مشتبه بتأييد (جبهة التحرير الوطني الجزائري) أصبح من المحال عليه ألا يلطخ كرامته كقائد أعلى، وأصبح محتما عليه أن يتصرف تصرف (مجرم الحرب رقم اثنين).
هذا ما تنبغي معرفته لتقدير جبهة التحرير الوطني حق قدرها، ولأخذ فكرة عن البطولة الروحية التي اجترحها المجاهدون حتى (يدوسوا على قلوبهم) وحتى (ينتصروا على نزواتهم وعواطفهم العمياء) وحتى (يحتفظوا برؤوسهم باردة) في مواجهة الحرب (العقائدية).
لم يهرق عبثا دم الشهداء الكريم، لقد تمسك المجاهدون بأهدافهم: الاستقلال والسيادة والحرية، وما أبعد ذلك عن الفكرة المضحكة التي اقترحها الاشتراكي (غي موليه) والتي كانت تريد أن تجعل من الجزائريين عبيدا (أحرارا) في (وطن أسير). لقد كانت خرافة (الدمج الاستعماري) المموه تتنكر بوحشية لجوهر الجغرافية الطبيعية والإنسانية والسياسية والتاريخية - للجزائر -. لكن تلك الخرافة - خرافة إعطاء الاغتصاب صفة شرعية - لم تلبث أن ماتت على أيدي المجاهدين، وأصبحت جيفة. لقد بقي المجاهدون - وهم في ساعات العسرة الأليمة - يرددون بثقة وإيمان:
سيصير حرا ترابنا.
سيصير أحرارا مواطنونا.
وستنعتق رقابنا من نير العبودية.
الحمد لله؟ هللو يا؟.
стр. 2761
تلك هي النهاية لعرق أسياد الغرب (الأوروبي) وتلك هي نهاية حكم الأقلية (الأوليفارشية) التي انتحلت (الحق الإلهي) لغير المسلمين. لقد قضى المجاهدون على آخر سلطان لأمجاد العبيد البيض. وفضحوا (الرسالة التمدينية) التي حاول الاستعمار الفرنسي التظاهر بها.
إن ديمواقراطية (الاشتراكي غي موليه) الاستعمارية، ظالمة هي أيضا، كالديموقراطية الارستقراطية القديمة في (أثينا)؛ إنها تمارس عدم المساواة، سياسيا، بادعائها الكاذب أنها تحقق المساواة الأخلاقية أو شبه الحقوقية، إنها تمنح الفرنسيين الجدد هيمنة سياسية - اقتصادية تتعدى بكثير أهميتهم العدديه: يخضع لكل مواطن أوروبي واحد، اثنا عشر جزائريا مسلما.
стр. 2762
٣ - سياسة ديغول
كان للثورة الجزائرية تأثيرها العميق على الحياة الفرنسية في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، وقد حمل المجاهد الجزائري سلاحه ليهز دعائم الاستعمار ويقوض بنيانه، فكان من أبرز ثمار تضحياته ذلك الاضطراب الذي انعكس على الصفحة السياسية لفرنسا طوال سبع سنوات ونيف من الصراع المستمر، والذي أدى إلى تغيير نظامين هما: (الجمهورية الرابعة) و (الجمهورية الخامسة) إلى جانب تبديل أربعة من القادة، وتغيير (سبع حكومات فرنسية). غير أن أكبر تحول حدث في مسيرة الصراع هو (إنقلاب ١٣ أيار - مايو - ١٩٥٨) والذي حمل (ديغول) إلى سدة الحكم، وحمل معه (جمهوريته الخامسة)؛ وذلك بعد سلسلة من الأزمات الحادة التي تركت فرنسا في حالة من الفراغ السياسي المرعب - للفرنسيين طبعا - وجاء (ديغول) على أمل (وضع حد لمأساة فرنسا) و (إخراجها من الوحل).
...
لم يكد ديغول يجمع في يديه سلطات الحكم في فرنسا بعد أن وافقت الجمعية الوطنية على منحه هذه السلطات لمدة ستة شهور
стр. 2763
حتى قرر مواجهة المشكلة الأولى التي تعانيها فرنسا - مشكلة الجزائر - فقرر القيام بزيارة ميدانية للجزائر، ومن هناك يعلن موقفه من هذه المشكلة وطريقة معالجته لها. وتطلع العالم كله إلى الكلمات التي سينطق بها (ديغول)، وكان هناك أمل لدى الكثيرين أن (ديغول) لن يخضع للمستوطنين، بعد أن تمكن من كل شيء، وأنه سيغلب مصلحة الشعب الفرنسي على (مصلحة المائتي عائلة).
ولكن، لم يكد (ديغول) يصل إلى الجزائر يوم ٤ حزيران - يونيو - ١٩٥٨، حتى أعلن أن إنقلاب (١٣ أيار - مايو -) قد بعث فرنسا من جديد، وأنه يوافق على كل ما فعله زعماء هذا الانقلاب، ثم عقد اجتماعا ضخما حضره آلاف الفرنسيين المستوطنين بالجزائر. وقال: (إن كل المواطنين في الجزائر سيصبحون فرنسيين، ولم يعد في الجزائر مسلمون وفرنسيون كما كان الحال في الماضي) وأعلن بعد ذلك أنه سيجري انتخابات عامة تشترك فيها الجزائر، مسلموها وفرنسيوها على السواء؛ وطلب إلى المجاهدين (إلقاء السلاح والدخول في هذه الجزائر الجديدة، الجزائر الفرنسية، وقال إنهم أبطال شجعان، اضطروا لحمل السلاح لأن السياسة الفرنسية فيما مضى هي التي كانت تفرق في المعاملة بينهم وبين الأوروبيين، ولكن عهد المساواة قد بدأ الآن، ليفتح المجال أمام الصلح).
وسافر (ديغول) في اليوم التالي إلى قسنطينة، ثاني مدينة في الجزائر، حيث ردد نفس المصطلحات مع مزيد من الإيضاح: (فقال إنه ميحقق المساوة بين المسلمين والفرنسيين فيما يتعلق بالاشتراك في الاستفتاء على الدستور الفرنسي الجديد، وانتخابات الجمعية الوطنية، وعاد فناشد المجاهدين الكف عن القتال، وبدء
стр. 2764
عهد جديد من العلاقات الودية مع فرنسا).
وصل (ديغول) في رحلته إلى (وهران) يوم ٦ حزيران - يونيو - ١٩٥٨.وقال فيها:
(إن فرنسا موجودة في الجزائر، وستبقى بها ممثلة في رجال الجزائر رنسائها، وإني سأعمل على إزالة الخلافات السياسية بين
فرنسا والجزائر). وفي يوم ٨ حزيران - يونيو - ألقى خطابا في (مستغانم) قال فيه (تحيا الجزائر الفرنسية).
أسرعت جبهة التحرير، فردت على (ديغول) وأعلنت رفضها لمشروع (دمج الجزائر بفرنسا).
وعقد بعد ذلك مؤتمر في تونس ضم ممثلين عن أقطار المغرب العربي - الإسلامي في الفترة من ١٧ الى ٢٠ حزيران - يونيو - وقرر المؤتمر استنكار السياسة التي أعلنها (ديغول) وقد تضمن البيان الختامي للمؤتمر ما يلي: (يرى المؤتمر أن هذه السياسة لن تؤدي إلا إلى توسيع نطاق حرب الإبادة التي تشنها فرنسا ضد شعب عقد العزم على المقاومة والكفاح حتى لا تكون له جنسية غير الجنسية الجزائرية، وصمم ألا يحيا إلا حياة شعب مسالم حر، وهو لذلك يرفض كل برنامج يهدف إلى الإدماج، ذلك النظام الذي استنكرته شعوب أفريقيا التي تعلن تمسكها بالمباديء التي تم الاتفاق عليها في - طنجه - ويعلن المؤتمر حق الشعب الجزائري في السيادة والاستقلال. وإن هذا الحق هو الشرط الوحيد لحل النزاع ...). وعلقت صحيفة (الأومانيتيه) الفرنسية (١) على جولة (ديغول) في الجزائر - بما يلي:
стр. 2765
(كان أول عمل حكومي قام به - ديغول - هو تبني رأي المتطرفين في إدماج الجزائر بفرنسا، رغم أن هذا الرأي يصطدم بالحقيقة التاريخية، ألا وهي الأماني القومية للشعب الجزائري. إن تصرفات - ديغول - هذه تتعارض مع شعور الفرنسيين الذين حنكتهم التجارب، والذين يريدون الوصول إلى حل سلمي لتسوية النزاع الجزائري - الفرنسي على أساس المفاوضات. وإن الاعتراف بحق الجزائر في نيل استقلالها هو السبيل الوحيد الذي يمهد لمثل هذه المفاوضات، ولإنشاء علاقات جديدة بين فرنسا والجزائر، تقوم على تجاوب المصالح وصداقة الشعبين ...).
وهاجمت صحيفة (كوريير دي لاسيرا) الايطالية سياسة (الدمج) التي تبناها (ديغول) في مقال لها تضمن ما يلي: (إن أكثر الأشياء بروزا في فرنسا هو خلو صحافتها من أي درس عميق وجدي للمشكلة الجزائرية، ومع ذلك فإن كل فرنسي يعلم أن هذه المشكلة هي السبب في إغراق الجمهورية الرابعة، وأنها بصورة خاصة السبب في المناداة بالجنرال - ديغول -. لقد مضى على فرنسا إثنا عشر عاما وهي تغرق نفسها، وتنزف دماءها من أجل الدفاع عن امبراطورية استعمارية تخجل من تسميتها باسمها الحقيقي، فهي تمدد في عمر مشاكلها لأنها عجزت عن النظر فيها نظرة صريحة إيجابية، وإن المستعمرات لم تكتف باستنفاذ أموال فرنسا، بل أنهكت أعصاب الفرنسيين، وعجلت بقلب نظام الحكم. إننا لسنا في حاجة للدخول في الجزئيات، بل نكتفي بالملاحظة التالية وهي أن فرنسا، في سبيل الدفاع عن مستعمراتها، اندفعت إلى تأسيس
стр. 2766
جيش يفوق بكثير إمكاناتها وقواها البشرية والاقتصادية والمالية، وبعد ذلك، وجدت نفسها سجينة ذلك الجيش، وكلما استمرت الحرب الجزائرية، فإن فرنسا - وليست الجزائر - هي التي ستعيش في أغلال جيشها، وحتى ديغول، فإنه يجب عليه أن يحسب ألف حساب لهذا الجيش، ورغم ذلك فإنه سيعجز عن السيطرة عليه، ثم إن الجنرال (ديغول) الذي اختار اليوم سياسة الإدماج، قد نسي على ما يظهر أنها عرضت على الجزائر منذ سنة ١٩٤٦ ولكن من غير جدوى، كما نسي الجنرال أن شمال أفريقيا هو موطن الإسلام واللغة العربية وتاريخها وحضارتها. ولقد رفضت الهند الصينية والمغرب وتونس البقاء داخل تلك - الوحدة الفرنسية - التي يقال أنها حرة، والتي كلفت فرنسا نصيبا وافرا من الدماء، والمليارات من الفرنكات، وعلى الرغم من ذلك، فما زال الفرنسيون متشبثين (بإدماج المائة مليون فرنسي) الذين لا يرغبون في الجنسية الفرنسية).
وعلى الرغم من ذلك أيضا فقد مضى ديغول بعناد لتنفيذ مخطط الدمج، فأعلن مشروعه الجديد للدستور، ودعا الفرنسيين والجزائريين وكل سكان المستعمرات الفرنسية في أفريقيا للاستفتاء على هذا الدستور، وقد يكون من المناسب التوقف قليلا عند استعدادات فرنسا لهذا الاستفتاء.
لقد ذكرت (صحيفه فرنسية) (١) ما يلي: (لقد وقع العزم على أن تكون عملية الاستفتاء في أرض الجزائر للاقتراع على الدستور الفرنسي الجديد ممتدة إلى عدة أيام بحيث تتفرغ كل جهة من
стр. 2767
الجهات في وقت مخصص لها وتقول السلطات العسكرية الفرنسية إن إجراء الاستفتاء على هذه الطريقة، يسمح بإرسال أكبر عدد من الجند لها قصد عملية الاقتراع وحمايتها).
وهذا نص رسالة رسمية عسكرية صادرة عن أركان الجيش الفرنسي بجنوب الجزائر تحت رقم (١٢٤٧/ ر - ز - ١/ ٥) بتاريخ ٢٧ تموز - يوليو - ١٩٥٨ - تحمل عنوان (كيف يجب أن تبدأ عملية الاستفتاء) (١) وتضمنت ما يلي:
(نرى من العبث أن نؤكد لكم من جديد مصلحة فرنسا الحيوية في نجاح هذا الاستفتاء. إن إخفاق العملية معناه الفشل النهائي الذريع للسياسة التي أعلنا عنها منذ يوم ١٣ أيار - مايو - وبناء على هذا فإنه يجب على الجيش الفرنسي الذي يملك الآن بين يديه زمام السلطتين المدنية والعسكرية، يجب عليه أن يقوم بحملة من أجل:
أولا: الإحراز على أغلبية عظيمة جدا حول كلمة - نعم -.
ثانيا: المبادرة بالقيام بحملة نفسانية - بسيكولوجية - عظيمة، تكون أولى نتائجها تهيئة السكان وإعدادهم للمشاركة لقول كلمة - نعم-.
ويجب من أجل حمل السكان المسلمين على هذا العمل أن نخلق بين جمعهم - خيال - ديغول).
وتضمنت التعليمات الشفهية التي تلقاها الضباط الفرنسيون من قيادة المصلحة السيكولوجية الفرنسية بالجزائر ما يلي -:
(يجب أن تكون نتيجة الاستفتاء في الجزائر وبصفة جماعية:
стр. 2768
نعم يا ديغول، والهدف الذي نريده من هذا هو مد النقص الذي سيحصل في فرنسا من الذين يقولون - لا -. أما السكان المسلمون فيجب أن تحملهم عربات عسكرية إلى مكاتب الاستفتاء، ويجب إلقاء القبض بكل سرعة على الذين يمتنعون منهم عن المشاركة في عملية الاقتراع، أما المسلمون الذين يختفون يوم الاستفتاء فمن السهل اعتبارهم قد شاركوا فعلا في الاقتراع. هذا وقد تم تخصيص مبالغ طائلة لإنفاقها في سبيل نجاح الاستفتاء، من ذلك القيام بجولات دعائية واسعة توزع خلالها الأقمشة على النساء والحلوى على الصبيان، على شرط أن يسبق هذه العملية مظاهرة تحية الجيش والجنرال ديغول؟!) (١).
ولم يبق بعد ذلك على سلطات (ديغول) إلا أن تعلن عن النتائج كما تريدها، وقد أعلنتها فعلا فكانت نتائج الاستفتاء هي: (٩٦,٥) في المائة أجابوا (نعم) و (٣،٥) في المائة أجابوا (لا) وهذه النسبة تشير إلى تقسيم الأصوات إلى صالحة، وغير صالحة، ولكنها لا تتحدث عن القصة كلها. فقد تم تسجيل (٤،٣٣٥،٠٠٩) من الناخبين، اقترع منهم (٣،٤٤٥،٠٦٠) وكان بينهم (٣،٤١٦،٠٨٨) أصوات صالحة، اقترع منهم (٣،٢٩٩،٩٠٨) بنعم، و (١١٥،٧٩١) بلا. وإذا ما تم التدقيق في أرقام التسجيل التي تضم طبعا جميع المستوطنين الصالحين للاقتراع والجنود الفرنسيين، فسيظهر بأن هناك عددا كبيرا من الجزائريين لم يسجلوا في القوائم الانتخابية قد يبلغون المليون، لأنهم تمكنوا من تجنب التسجيل على الرغم من جميع المحاولات التي قام بها الفرنسيون،
стр. 2769
وكذلك الجولات التي قام بها الضباط - بصورة شخصية - على القرى - لتسجيل المقترعين، وهؤلاء الذين لم يسجلوا، لم يكوبوا جميعا من أعضاء جيش التحرير الوطني، بل جزائريين يعارضون الحكم الفرنسي وهكذا تظهر هذه الأرقام أيضا أن أكثر من مليون شخص من الذين سجلوا لم يقترعوا أيضا، وجميع هؤلاء طبعا من الذين لو اقترعوا لقالوا (لا) إذ أنهم كلهم من الجزائريين المسلمين، وتكون نتيجة أرقام الفرنسيين أنفسهم، أن أكثر من مليوني جزائري، أي أكثر من نصف عدد الذكور البالغين قد تمكنوا من إظهار معارضتهم للنظام الاستعماري الفرنسي، بشكل أو بآخر. ولم تحاول جبهة التحرير أن تهتم (بلعبة الأرقام) هذه منذ البداية، بل أعلنت استنكارها للاستفتاء على أنه تزييف للنظم الديموقراطية. وكما وقع في معركة الجزائر ذاتها، لم تكن كفتا الميزان في معركة الاستفتاء متعادلتين، ذلك لأن وطأة ضغظ الجيش الفرنسي، وقعت على المدنيين من الجزائريين، وهم أقل قدرة على المقاومة والاحتمال. وكان على الجيش الجزائري أن يختار بين أحد أمرين: أما أن يستخدم القوة لمنع الشعب الجزائري من الاشتراك في الاستفتاء، أو أن يسمح لهم باتخاذ موقف (عمل ما يمكن عمله) ليجنبهم عنف الجيش الفرنسي وإرهابه، وقد ترك الجيش الجزائري اتخاذ القرار النهائي للقادة المحليين، وبالطبع، آثر الكثيرون منهم عدم اتخاذ أي إجراء عسكري فجاءت نتيجة الاستفتاء الظاهرة، بانتصار الفرنسيين شيئا مؤلما (١).
стр. 2770
أ - قضية تمثيل الشعب الجزائري:
لقد أراد (ديغول) من محاولة (الدمج) و (الاستفتاء) إلغاء دور القيادات الوطنية - وبصورة خاصة في الجزائر - لاختيار ممثلين لديهم الاستعداد لتنفيذ المشاريع الاستمعارية الديغولية وفي الواقع، فإن قضية التمثيل الجزائري أصبحت محلولة، ومنتهية، بالنسبة لجبهة التحرير الوطني الجزائري؛ إذ أكدت جماهير الشعب الجزائري، في مناسبات كثيرة، التفافها حول (جبهة التحرير الوطني) واعتبارها الممثل الشرعي الوحيد لها، وكان أكبر استفتاء شعبي يؤكد هذا الواقع؛ هو إضراب الثمانية أيام الذي امتد من ٢٨ كانون الثاني - يناير - وحتى ٤ شباط - فبراير - ١٩٥٧ والذي يتطلب في الواقع التوقف قليلا عند بعض التقارير التي وردت عنه؛ وقد جاء في أحد هذه التقارير ما يلي:
(الجزائر - يوم ٢٨ كانون الثاني - يناير -: سكون مؤثر على مدينة شبه مقفرة، لقد بدأت تجربة من تجارب القوة في الجزائر، تحت أكثر الشموس إشراقا وضياء، وهذه التجربة هي الإضراب الذي سيستمر ثمانية أيام، والذي أوعزت به جبهة التحرير الوطني إلى المواطنين المسلمين. يظهر أن المدينة لا زالت نائمة حتى الآن، ولا زال الهدوء مهيمنا حتى على الأحياء المركزية، حيث المخازن الأوروبية مفتوحة كعادتها، ولا يعكر صفو السكون في القصبة والأحياء المتطرفة، إلا الضجة الصماء المنبعثة عن المطارق والمعاول التي يستخدمها الجند، لتدمير أبواب المخازن والحوانيت المغلقة.
لقد لبى التجار المسلمون بكثرتهم الساحقة أمر الإضراب، وكانت السيارات المجهزة بمكبرات الصوت قد أعلنت في الساعة