← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

جيش يفوق بكثير إمكاناتها وقواها البشرية والاقتصادية والمالية، وبعد ذلك، وجدت نفسها سجينة ذلك الجيش، وكلما استمرت الحرب الجزائرية، فإن فرنسا - وليست الجزائر - هي التي ستعيش في أغلال جيشها، وحتى ديغول، فإنه يجب عليه أن يحسب ألف حساب لهذا الجيش، ورغم ذلك فإنه سيعجز عن السيطرة عليه، ثم إن الجنرال (ديغول) الذي اختار اليوم سياسة الإدماج، قد نسي على ما يظهر أنها عرضت على الجزائر منذ سنة ١٩٤٦ ولكن من غير جدوى، كما نسي الجنرال أن شمال أفريقيا هو موطن الإسلام واللغة العربية وتاريخها وحضارتها. ولقد رفضت الهند الصينية والمغرب وتونس البقاء داخل تلك - الوحدة الفرنسية - التي يقال أنها حرة، والتي كلفت فرنسا نصيبا وافرا من الدماء، والمليارات من الفرنكات، وعلى الرغم من ذلك، فما زال الفرنسيون متشبثين (بإدماج المائة مليون فرنسي) الذين لا يرغبون في الجنسية الفرنسية). وعلى الرغم من ذلك أيضا فقد مضى ديغول بعناد لتنفيذ مخطط الدمج، فأعلن مشروعه الجديد للدستور، ودعا الفرنسيين والجزائريين وكل سكان المستعمرات الفرنسية في أفريقيا للاستفتاء على هذا الدستور، وقد يكون من المناسب التوقف قليلا عند استعدادات فرنسا لهذا الاستفتاء. لقد ذكرت (صحيفه فرنسية) (١) ما يلي: (لقد وقع العزم على أن تكون عملية الاستفتاء في أرض الجزائر للاقتراع على الدستور الفرنسي الجديد ممتدة إلى عدة أيام بحيث تتفرغ كل جهة من

стр. 2767

الجهات في وقت مخصص لها وتقول السلطات العسكرية الفرنسية إن إجراء الاستفتاء على هذه الطريقة، يسمح بإرسال أكبر عدد من الجند لها قصد عملية الاقتراع وحمايتها). وهذا نص رسالة رسمية عسكرية صادرة عن أركان الجيش الفرنسي بجنوب الجزائر تحت رقم (١٢٤٧/ ر - ز - ١/ ٥) بتاريخ ٢٧ تموز - يوليو - ١٩٥٨ - تحمل عنوان (كيف يجب أن تبدأ عملية الاستفتاء) (١) وتضمنت ما يلي: (نرى من العبث أن نؤكد لكم من جديد مصلحة فرنسا الحيوية في نجاح هذا الاستفتاء. إن إخفاق العملية معناه الفشل النهائي الذريع للسياسة التي أعلنا عنها منذ يوم ١٣ أيار - مايو - وبناء على هذا فإنه يجب على الجيش الفرنسي الذي يملك الآن بين يديه زمام السلطتين المدنية والعسكرية، يجب عليه أن يقوم بحملة من أجل: أولا: الإحراز على أغلبية عظيمة جدا حول كلمة - نعم -. ثانيا: المبادرة بالقيام بحملة نفسانية - بسيكولوجية - عظيمة، تكون أولى نتائجها تهيئة السكان وإعدادهم للمشاركة لقول كلمة - نعم-. ويجب من أجل حمل السكان المسلمين على هذا العمل أن نخلق بين جمعهم - خيال - ديغول). وتضمنت التعليمات الشفهية التي تلقاها الضباط الفرنسيون من قيادة المصلحة السيكولوجية الفرنسية بالجزائر ما يلي -: (يجب أن تكون نتيجة الاستفتاء في الجزائر وبصفة جماعية:

стр. 2768

نعم يا ديغول، والهدف الذي نريده من هذا هو مد النقص الذي سيحصل في فرنسا من الذين يقولون - لا -. أما السكان المسلمون فيجب أن تحملهم عربات عسكرية إلى مكاتب الاستفتاء، ويجب إلقاء القبض بكل سرعة على الذين يمتنعون منهم عن المشاركة في عملية الاقتراع، أما المسلمون الذين يختفون يوم الاستفتاء فمن السهل اعتبارهم قد شاركوا فعلا في الاقتراع. هذا وقد تم تخصيص مبالغ طائلة لإنفاقها في سبيل نجاح الاستفتاء، من ذلك القيام بجولات دعائية واسعة توزع خلالها الأقمشة على النساء والحلوى على الصبيان، على شرط أن يسبق هذه العملية مظاهرة تحية الجيش والجنرال ديغول؟!) (١). ولم يبق بعد ذلك على سلطات (ديغول) إلا أن تعلن عن النتائج كما تريدها، وقد أعلنتها فعلا فكانت نتائج الاستفتاء هي: (٩٦,٥) في المائة أجابوا (نعم) و (٣،٥) في المائة أجابوا (لا) وهذه النسبة تشير إلى تقسيم الأصوات إلى صالحة، وغير صالحة، ولكنها لا تتحدث عن القصة كلها. فقد تم تسجيل (٤،٣٣٥،٠٠٩) من الناخبين، اقترع منهم (٣،٤٤٥،٠٦٠) وكان بينهم (٣،٤١٦،٠٨٨) أصوات صالحة، اقترع منهم (٣،٢٩٩،٩٠٨) بنعم، و (١١٥،٧٩١) بلا. وإذا ما تم التدقيق في أرقام التسجيل التي تضم طبعا جميع المستوطنين الصالحين للاقتراع والجنود الفرنسيين، فسيظهر بأن هناك عددا كبيرا من الجزائريين لم يسجلوا في القوائم الانتخابية قد يبلغون المليون، لأنهم تمكنوا من تجنب التسجيل على الرغم من جميع المحاولات التي قام بها الفرنسيون،

стр. 2769

وكذلك الجولات التي قام بها الضباط - بصورة شخصية - على القرى - لتسجيل المقترعين، وهؤلاء الذين لم يسجلوا، لم يكوبوا جميعا من أعضاء جيش التحرير الوطني، بل جزائريين يعارضون الحكم الفرنسي وهكذا تظهر هذه الأرقام أيضا أن أكثر من مليون شخص من الذين سجلوا لم يقترعوا أيضا، وجميع هؤلاء طبعا من الذين لو اقترعوا لقالوا (لا) إذ أنهم كلهم من الجزائريين المسلمين، وتكون نتيجة أرقام الفرنسيين أنفسهم، أن أكثر من مليوني جزائري، أي أكثر من نصف عدد الذكور البالغين قد تمكنوا من إظهار معارضتهم للنظام الاستعماري الفرنسي، بشكل أو بآخر. ولم تحاول جبهة التحرير أن تهتم (بلعبة الأرقام) هذه منذ البداية، بل أعلنت استنكارها للاستفتاء على أنه تزييف للنظم الديموقراطية. وكما وقع في معركة الجزائر ذاتها، لم تكن كفتا الميزان في معركة الاستفتاء متعادلتين، ذلك لأن وطأة ضغظ الجيش الفرنسي، وقعت على المدنيين من الجزائريين، وهم أقل قدرة على المقاومة والاحتمال. وكان على الجيش الجزائري أن يختار بين أحد أمرين: أما أن يستخدم القوة لمنع الشعب الجزائري من الاشتراك في الاستفتاء، أو أن يسمح لهم باتخاذ موقف (عمل ما يمكن عمله) ليجنبهم عنف الجيش الفرنسي وإرهابه، وقد ترك الجيش الجزائري اتخاذ القرار النهائي للقادة المحليين، وبالطبع، آثر الكثيرون منهم عدم اتخاذ أي إجراء عسكري فجاءت نتيجة الاستفتاء الظاهرة، بانتصار الفرنسيين شيئا مؤلما (١).

стр. 2770

أ - قضية تمثيل الشعب الجزائري: لقد أراد (ديغول) من محاولة (الدمج) و (الاستفتاء) إلغاء دور القيادات الوطنية - وبصورة خاصة في الجزائر - لاختيار ممثلين لديهم الاستعداد لتنفيذ المشاريع الاستمعارية الديغولية وفي الواقع، فإن قضية التمثيل الجزائري أصبحت محلولة، ومنتهية، بالنسبة لجبهة التحرير الوطني الجزائري؛ إذ أكدت جماهير الشعب الجزائري، في مناسبات كثيرة، التفافها حول (جبهة التحرير الوطني) واعتبارها الممثل الشرعي الوحيد لها، وكان أكبر استفتاء شعبي يؤكد هذا الواقع؛ هو إضراب الثمانية أيام الذي امتد من ٢٨ كانون الثاني - يناير - وحتى ٤ شباط - فبراير - ١٩٥٧ والذي يتطلب في الواقع التوقف قليلا عند بعض التقارير التي وردت عنه؛ وقد جاء في أحد هذه التقارير ما يلي: (الجزائر - يوم ٢٨ كانون الثاني - يناير -: سكون مؤثر على مدينة شبه مقفرة، لقد بدأت تجربة من تجارب القوة في الجزائر، تحت أكثر الشموس إشراقا وضياء، وهذه التجربة هي الإضراب الذي سيستمر ثمانية أيام، والذي أوعزت به جبهة التحرير الوطني إلى المواطنين المسلمين. يظهر أن المدينة لا زالت نائمة حتى الآن، ولا زال الهدوء مهيمنا حتى على الأحياء المركزية، حيث المخازن الأوروبية مفتوحة كعادتها، ولا يعكر صفو السكون في القصبة والأحياء المتطرفة، إلا الضجة الصماء المنبعثة عن المطارق والمعاول التي يستخدمها الجند، لتدمير أبواب المخازن والحوانيت المغلقة. لقد لبى التجار المسلمون بكثرتهم الساحقة أمر الإضراب، وكانت السيارات المجهزة بمكبرات الصوت قد أعلنت في الساعة

стр. 2771

الثامنة من صباح اليوم - فيما كانت قطعات عسكرية قد رابطت على مداخل الأحياء العربية - أنه بقي للتجار مهلة ربع ساعة لفتح حوانيتهم، ولكن هذه النداءات اصطدمت بصمم مؤثر واجهها به المسلمون القابعون في منازلهم. وفي الساعة الثامنة والنصف كانت ضربات المطارق تخرق السكون ... لا شيء أوقع في النفس، في هذه المدينة التي غلبها النوم، من مشهد الدكاكين التي فتحت بالقوة، وتركت هكذا تحت رحمة المارة) (١). وورد في (صحيفة فرنسية) (٢) تعليق عن اليوم الثاني من إضراب الثمانية أيام ورد فيه ما يلي: (الأبواب المغفورة التي فتحها الجيش عنوة تسمح هنا برؤية (الديكور) التقليدي لمقهى عربي خاو، وهناك ترى أكداس مهملة من الأنسجة ذات الألوان الزاهية - برتقالي ووردي -. وإذا كان التجار المسلمون قد أضربوا عن العمل، فقد حذا المشترون حذوهم ... إن هدف (قادة جبهة التحرير الوطني) هو أبسط من ذلك وأكثر خطرا: البرهان على أنهم يمارسون بلا منازع تأثيرا حاسما على المسلمين بالجزائر. لقد تم استدعاء العسكريين مرة أخرى، إنهم يقرعون الأبواب القديمة المزينة بالورود، في حي القصبة، ويدعون الأهالي للالتحاق بأماكن عملهم، أو لمغادرة منازلهم على الأقل. وإذن، كان بالمستطاع في هذا الصباح أن تقع العين على عدد لا بأس به من المسلمين، يتجولون في شوارع منتصف المدينة، معيدين إليها

стр. 2772

نشاطها العادي، ولعل حضورهم كاف لإعطاء صورة، وهمية بلا شك، ولكنها مدعاة لإثارة الطمأنينة في المدينة، وبأنه لن يحدث فيها شيء استثنائي، على أن سائر المطلوبين لا يلتحقون بأعمالهم: فنفر يضطربون تحت الشمس، وهم يتعرضون لرحمة نقاط المراقبة والتأكد من بطاقات تحقيق الشخصية - الهويات - وآخرون على الأرصفة: عمال محترفون، يمشون مثنى مثنى وراء جنود الشرطة العسكرية بخوذهم البيضاء. أما الموظفون والمستخدمون، فما زال معظمهم متغيبون عن الإدارات والمصالح، ولم يفت في عزمهم التهديد بعقوبات تبلغ حد العزل، باستثناء قلة منهم). وعادت (الصحيفة الفرنسية) (١) لتكتب عن إضراب اليوم الثالث، ما يلي: (مرة أخرى يستيقظ النهار على أصواب المطارق التي تبتر الأبواب، ومرة أخرى يذعن سكان حي القصبة لأوامر العسكريين الفرنسيين. ولا ريب في أن أوامر الدوريات، وعقوبات السجن التي فرضت على العمال والمعلمين والموظفين الذين أضربوا عن العمل، والإجراءات القاسية التي كان يتهامس بها هذا الصباح شباب بلكورت، إذ يساقون إلى المرفىء، كل هذا يبرهن على أن هذا النشاط العارض والجزئي، لم يكن عقويا، وما زال عدد المضربين، رغم التدابير المتخذة، ظاهر التفوق على الذين استأنفوا العمل من المسلمين؛ لقد كانت الجزائر يوم الإثنين مدينة صامتة اختفى منها المسلمون). وجاء بعد ذلك ما يلي: يلاحظ هذا الصباح، بلا ريب، أن

стр. 2773

المسلمين الذين يضطرهم العسكريون لمغادرة منازلهم، يعمدون إلى نوع من المقاومة السلبية؛ لقد أكرهوا على الخروج، ولكنهم يتنقلون هنا وهناك، بلا هدف، في الشوارع المضيئة، وكثيرون منهم يرفضون العودة إلى المناجم أو المشاريع) (١). وورد بعد ذلك أيضا ما يلي: (إن الإضراب الذي أطلقته (جبهة التحرير الوطني) يوم الاثنين - ينتهي اليوم، ودللت السلطات على أنها تعتبره منتهيا منذ أمس، حيث رفعت الحصار العسكري الذي كانت فرضته على حي القصبة، بعد ظهر الأمس. وعلى الرغم من أن ظواهر الأمور لا تنم عن شيء من هذا، فإن الإضراب ما زال مستمرا في عدد من المصالح الإدارية، حيث بلغت نسبة المتخلفين (٩٨) بالمائة. وأخيرا، فإن تغيب معظم التجار المسلمين عن مخازنهم وحوانيتهم التي ما تزال مفتوحة وخاوية، يؤكد أن الإيعاز قد روعي تنفيذه حتى يومه الأخير من قبل الكثيرين ...). ووصفت (وكالة رويتر) (٢) البريطانية الإضراب بقولها: (بدأ الجزائريون إضرابهم العام عن العمل لمدة ثمانية أيام تنفيذا لإيعاز (جبهة التحرير الوطني)، وفي صباح الإثنين كانت سائر المخازن بمدينة الجزائر معلقة، إلا ما يديره الأوروبيون، وقبيل الضحى، أجبرت القوات الفرنسية التجار المضربين على فتح مخازنهم. وتدل الأنباء التي وردتنا على أن المخازن المغلقة في مدن الجزائر الرئيسية كانت بنسبة تسعين بالمائة، كما أن (٧٥) بالمائة من الموظفين غير

стр. 2774

صورة من صور إضراب الجزائر - شكل من أشكال المقاومة

стр. 2775

الأوروبيين لم يلتحقوا بمراكز عملهم، ويقوم ألوفا من الجند الفرنسيين بدورياتهم في شوارع العاصمة والمدن الجزائرية الهامة، وعزل حي القصبة، وتقوم المصفحات بمراقبة كافة الطرق المؤدية إلى الجزائر، وألقت الطائرات العمودية - الهيليكوبتر - مناشير تدعو الجزائريين إلى مقاطعة الإضراب وتتوعد، بأنه سيجري اعتقال المحرضين وإدانتهم فورا، ولكن الإضراب مستمر في مختلف القطاعات وعلى امتداد التراب الجزائري، ابتداء من (مارني) على الحدود المغربية، إلى (تبيب) على الحدود التونسية). وكتبت صحيفة (فرانس أوبسرفاتور) في الموضوع ذاته: (... لم يثن الشعب الجزائري ركبتيه - ولم يركع - على الرغم من طوفان الحديد والنار الذي يغمره منذ سنتين، وإن الاضراب الذي أوعزت به - جبهة التحرير الوطني - لهو البرهان الساطع على ذلك، وإنه لمن غير المتوقع أن يركع هذا الشعب الآن، حتى لو أضفنا مائة أو مائتي ألف إلى عدد ضحايانا). وكتبت صحيفة (ليبيراسيون) الباريسية: (الجزائريون يمضون في الامتثال الأمر بالإضراب الذي أصدرته - جبهة التحرير الوطني -؛ ففي العاصمة يعد المسلمون الذين غادروا منازلهم على الأصابع، وما تزال كافة المخازن مغلقة، والقطعات الفرنسية ماضية في تنفيذ أوامر (الجنرال ماسو) بتحطيم الأبواب الحديدية - للمتاجر -، ولقد استدعت السلطات عددا من العمال الأوروبيين لتسيير حافلات النقل (الباصات) والحافلات الكهربائية، ولكنها، كما قال مراسل وكالة الأنباء الأمريكية - الأسوشيتد برس - جهدت في أن تخلع على عملهم صفة الحملة النفسانية. هكذا وهنالك عسكريون فرنسيون تجولوا في شوارع القصبة، وحاولوا توزيع

стр. 2776

السكاكر على الأطفال المسلمين، وتطلب سيارات مجهزة بمكبرات الصوت إلى المسلمين أن يثقوا بقوات الأمن، قائلة: إن الجيش والشرطة سيحميانكم، وبين كل نداءين للانضباط تذيع السيارات المذكورة بعض الموسيقى الخفيفة - لبعث الطرب في النفوس -. وقد شوهدت موسيقى الفرقة التاسعة وهي تطوف شوارع حي القصبة، وهي بكامل لباس المراسم (السترة البيضاء مع صدارة من الجلد فوق البنطال الأحمر، وهي عزلاء من السلاح، إنما يقودها عقيد، كولونيل)، وكانت تعزف ألحانا مما يسخدم في التدريب العسكري، وذلك لاجتناب الأهالي إلى الشارع، ولكن النتائج على ما يبدو كانت تستدعي الرثاء، ويظهر أن حركة الإضراب لم تعارض حتى الآن بصورة حاسمة وفي القصبة، اقتيد آلاف العمال، تحت حراسة القوى العسكرية إلى مراكز عملهم، بينما كانت سائر الأزقة تحت الحراسة، وطائرات الهيليكوبتر تطير على ارتفاع منخفض لتطارد المنهزمين، وتلافي الاغتيالات التي قد تدبر من فوق الأسطحة ...). أما في ولايتي الجزائر ووهران، فقد نجح الإضراب يقينا، بالرغم من التأكيدات الرسمية التي تحاول الانتقاص من نجاحه. وكان شموله بنسبة (٩٠) بالمائة، سواء في الإدارات أو في المصالح الكبرى: النقل والمواصلات والبرق والهاتف، أو حتى في المجالات ااتجارية وأسواق بيع الماشية، وحتى الأوروبيين الذين روعتهم الاغتيالات الصارخة التي حدثت يوم السبت، شرعوا يهجرون شوارع المدينة التي زايلها نشاطها العادي. وثمة نفر من التجار المسيحيين من أصل اسباني الذين اضطروا إلى فتح مخازنهم، كانوا ينتظرون، تحت حماية الجيش، زبائن شاردين،

стр. 2777

ولكن في معظم الحالات ظل أصحاب المخازن مختفين، وتركوا للسلطات أن تخلع الباب والواجهة، ولم تسلم بعض هذه المخازن من النهب ... وفي الأحياء القريبة من المدينة العربية، والمأهولة بالأوروبيين اكتفت السلطات بدك الواجهات وتخريب المبيعات ... أما في وهران وتلمسان وسيدي ابن العباس ومستغانم، فقد أغلقت معظم المخازن، وشمل الإضراب قسنطينة، حيث خلت سائر الأسواق والمخازن من أهلها وكذلك بالنسبة للمناطق المجاورة لها حيث كانت نسبة المضربين عالية جدا، حتى في أوساط الموظفين، رغم العقوبات الشديدة التي توعدتهم بها السلطات. وفي فرنسا ذاتها، سجلت حركة الإضراب، في بداية الأسبوع، انتصارات واضحة جدا، وقد اضطرت المصالح الرسمية ذاتها للاعتراف بأن نفوذ الجبهة في أوساط العمال الجزائريين المهاجرين إلى فرنسا أخذ في التعاظم. وأيا كانت النتيجة التي سيؤول إليها الموقف، في الأيام القادمة، سواء في الجزائر أو في فرنسا، فثمة حقيقة باتت مقررة، وليس لأحد أن ينتقص من أهميتها، ولو لم نستتع آثارها المباشرة تلك أن نفوذ الجبهة يتعزز باستمرار وانتظام سواء في أوساط العمال المهاجرين، أو بين جماهير الحضر بالجزائر). ... يظهر العرض السابق أن جبهة التحرير باتت بعد المراحل الأولى من الصراع المرير وهي واثقة من قدراتها، عارفة لإمكاناتها، مؤمنة بالتفاف الشعب الجزائري حول أهدافها. ولهذا فلم يكن هناك ما تخشاه من محاولات (ديغول) للعزف على إسطوانة (الدمج) المهترئة، غير أنه لم يكن باستطاعتها في الوقت ذاته ترك المبادءات

стр. 2778

السياسية للخصم، بعد أن أمكست بحزم في قبضتها بالمبادءات العسكرية، ولهذا، فقد أقدمت على إجراء حاسم قبل عملية الاقتراع المزعوم - والمزيف -. ففي يوم ١٩ ايلول - سبتمبر - ١٩٥٨، تم الإعلان في كل من (القاهرة) و (الرباط) و (تونس) عن تشكيل (الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية برئاسة فرحات عباس، واختيار احمد بن بللا الزعيم السجين نائبا أول لرئيس الوزراء). كان هذا الإجراء من قبل جبهة التحرير الوطني استجابة طبيعية للتحدي الذي حاول (ديغول) فرضه على الجزائر، وتلقى ديغول اللطمة، فعمل على تصعيد التحدي، وأعلن يوم ٢٣ تشرين الأول أكتوبر - ١٩٥٨: (أنه على استعداد للتفاوض مع - مندوين - يأتون لتسوية قضية إنهاء القتال مع السلطة الفرنسية في باريس، وعلى هؤلاء المندوبين اذا أرادوا ذلك أن يتقدموا أولا إلى السفارة الفرنسية بتونس أو المغرب أو غيرها ... ثم دعا المجاهدين إلى الاسستلام وإلقاء السلاح بقوله: أما الذين يقاتلون فعليهم أن يوقفوا إطلاق النار، ويعودوا إلى ديارهم وأعمالهم). لقد كان عرض (ديغول) شاذا في شكله، غريبا في مضمونه، منطويا على كل أصجاب الرفض والاحتقار، فهو يدعو المجاهدين للاستسلام وإلقاء السلاح، و (ديغول) لا يمانع في استقبال مندوبين - أو ممثلين - للتفاوض في مسألة (إنهاء القتال) من الناحية العسكرية فقط، وذلك بصفته صاحب السلطة العليا. وقد أعلن بعد ذلك أنه لا يقبل التغاوض مع هؤلاء المندويين في (المشكلة السياسية) لأنه يعتبر بأنه لم يعد هناك وجود لهذه المشكلة بعد أن أعلن سياسة (الدمج)، وبعد أن وافق عليها الشعب الجزائري -

стр. 2779

بحسب زعمه ووهمه - وهذا هو ما عبر عنه ديغول بقوله: (هناك ٢٥ مليون نسمة في أفريقيا السوداء من مدغشقر إلى جيبوتي، أعلنوا باختيارهم عن مشاركتهم لفرنسا في نوع الحكم الذي يرتضونه، وفي الوقت ذاته، فقد أعلن ٥٥ مليون من المواطنين، في الوطن الأم - فرنسا. وفي الجزائر، وفي الاتحاد - ريئينيون - وليزا نتيل - إلى آخره قد عبروا عن إرادة مماثلة). وكان بدهيا أن ترفض الجزائر هذا المنطق الملتوي. ب - العصا والجزرة - محاولة القضاء على الثورة حاول (ديغول) تنفيذ سياسة الدمج، بسياسة ملتوية يمكن وصفها وصفا دقيقا بأنها سياسة (العصا والجزرة) وذلك بهدف القضاء على الثورة المسلحة. وهكذا، وبينما كانت القوات الفرنسية تتلقى الدعم الهائل لتنفيذ مجموعة من مخطلطات العمليات العسكرية (للتهدئة)، كان ديغول يمضي قدما في محاولاته المرفوضة لتطبيق سياسة الدمج عمليا، مع الإعلان عن إصلاحات اقتصادية وسياسية (لترقيع ثوب الاستعمار المهترىء)، وأخذ يسير ببطء لتحقيق (مشروعه الكبير) للجزائر، الذي ينص على أن تكون جزءا خاصا من مجموعة فرنسية يعاد تنظيمها لتضم كافة المستعمرات الأفريقية. وقام (ديغول) بعد انتهاء الاستفتاء بزيارة (قسنطينة) في مطلع شهر تشرين الأول - أكتوبر - وأعلن مشروعا شاملا وواسع التكاليف لسنوات الخمس للتطور الاقتصادي في الجزائر. وقد تضمن (برنامج قسنطينة) إحداث أربعمائة ألف مركز جديد للعمل للجزائريين، وإعداد مساكن جديدة لنحو من مليون شخص، كما تضمن إيواء ثلثي الأطفال الجزائريين قبل انتهاء مدة السنوات

стр. 2780

الخمس في المدارس، وإعادة نحو من (٦٢٥) ألف فدان من الأراضي إلى الفلاحين الجزائريين ويقضي البرنامج بتصنيع الجزائر على أساس النفط والغاز الطبيعي اللذين اكتشفا حديثا في الصحراء، وبإقامة مصانع للفولاذ والمنتجات الكيماوية في المناطق الساحلية. وأكد البرنامج أيضا أن الفروق الكبيرة بين الرواتب، في فرنسا والجزائر، ستزول، وأن مراكز خاصة في الإدارات العسكرية والمدنية في فرنسا ستخصص للجزائريين، وقدرت التكاليف الإجمالية للمشروع مبلغا أضخم من تكاليف الحرب التي تربو على البليون دولار أمريكي في السنة. وكانت خطة (ديغول) لإعادة بعث فرنسا، واستعادة قوتها، وقيام أسرة افريقية - فرسية، تعتمد إلى حد كبير على مدى نجاحه في تحقيق السلام في الجزائر. ولكن مفهوم (سلام الاستسلام) الذي أعلنه ديغول يوم ٢٣/ ١٠/ ١٩٥٨ كان سلاما مرفوضا من قبل مجاهدي جيش التحرير وقيادة منظمة التحرير، حيث ذكر (ديغول) في خطابه المشار إليه، ما يلي: (... أقول دون التواء، إن معظم رجال الثورة قاتلوا بشجاعة ... فليأت صلح البواسل! كيف العمل لوضع حد للمعارك؟ حيث يحتم تنظيمهم أن يقاتلوا في أمكنتهم، يجدر برؤسائهم أن يتصلوا بالقيادة، وفي هذه الحالة، سيستقبل المقاتلون ويعاملون بشرف. إن الحكمة القديمة للمعارك تتطلب، في هذه الأحوال، استخدام راية البرلمانيين البيضاء ... ، وفيما يختص بالمنظمة الخارجية التي تبذل الجهد في إدارة القتال من بعيد، فاني أردد عاليا ما سبق أن قلت: إذا سمي مندوبون للاشتراك مع السلطة في تنظيم إنهاء أعمال الحرب، فما عليهم إلا أن يقصدوا السفارة الفرنسية في توتس أو في الرباط، فهذه أو تلك ستؤمن

стр. 2781

انتقالهم إلى فرنسا، وهناك تكون سلامتهم التامة مضمونة، وإني أكفل لهم حرية العودة ...). أثارت خطب (ديغول) وتصريحاته غضب أعضاء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، لأسباب كثيرة، منها فضح الاتصالات السرية لإجراء مفاوضات تمهيدية من أجل تسوية الصراع، ومنها طرح (سلاح الاستسلام) ومنها تجاهل (المشكلة السياسية). وكان هدف ديغول هو الحصول من جبهة التحرير على اعتراف بشرعية الانتخابات التي كان قد أعلن عنها، وخلق انقسام في صفوف قادة الثورة. وجاء تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٨، فشهد معركة أخرى من معارك الزيف والتزوير، وكانت المعركة هذه المرة لانتخاب (أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية). وبما أن الجزائر قد ادمجت في فرنسا - من وجهة نظر ديغول فقط - واعتبرت جزءا منها ... فقد تقرر أن يكون لها عدد من كراسي الجمعية الوطنية، وعلى هذا الأساس بدأت معركة الانتخابات في الجزائر، ولم يكن الهدف من (معركة الانتخاب) واحدا على كل حال في مفهومي (الوطنيين الجزائريين) من جهة، وأعدائهم (الفرنسيين) من جهة ثانية؛ فقد كانت المعركة من جانب الجزائريين مرفوضة باعتبار أن (الجزائر ليست جزءا من فرنسا) وأنه لا شأن لها بها ولا (بالجمعية الوطنية الفرنسية). ولهذا فقد كان هدف (جبهة التحرير الوطني) هو إحباط هذه الانتخابات، واسقاط تطبيقات نظرية الدمج التي أعلنها (ديغول)، وتدمير سياسته. أما هدف الفرنسيين من هذه الانتخابات، فهو جعل الشعب الجزائري شريكا في هذه الانتخابات بأي ثمن، وكان لا بد لهم من إرغام بعض المنحرفين الجزائريين على ترشيح أنفسهم للانتخابات،

стр. 2782

حتى يخرجوا على العالم بعد ذلك بقولهم أن (الدمج) قد أصبح حقيقة واقعة، وأن الجزائر باتت ممثلة في (البرلمان الفرنسي) كأي إقليم من الأقاليم الفرنسية، وأن النواب الجزائريين يمثلون الشعب الجزائري بالانتخاب، فتزول بذلك الصفة التمثيلية الشرعية (للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية) و (جبهة التحرير الوطني). وكان لا بد - تبعا لأهداف المعركة الانتخابية - من أن تأخذ هذه المعركة صفتها الدموية الضارية. لقد قاطع الجزائريون الانتخابات، حتى أنه عندما حان موعد إغلاق جدول المرشحين، لم يكن قد تقدم للترشيح من الجزائريين أي فرد - لاشعال ٤٥ منصبا نيابيا من أصل ٦٦ كرسيا خصصت للجزائر -. وأمام هذا الموقف، اضطرت الإدارة الفرنسية في الجزائر إلى تحديد أسماء المرشحين المقبولين من فرنسا على أنهم من أنصار الدمج، ووضعت القوائم الانتخابية، وجاءت بالذين وقع عليهم الاختيار، وأرغموا على توقيع طلبات الترشيح للانتخابات، أو القتل. ثم بدأت المرحلة الثانية من الصراع، وهي إرغام (الجزائريين على انتخاب الذين رشحتهم الإدارة الفرنسية للانتخابات. غير أن جماهير الشعب الجزائري قاطعت الانتخابات بصورة إجماعية، وظلت حوادث النسف والتدمير والتخريب تتوالى على مراكز الانتخابات طوال اليوم، وخسر الجيش الفرنسي في هذا اليوم مئات القتلى والجرحى وعشرات السيارات المصفحة والأسلحة والطائرات. وجاءت اللحظة التي تنتهي فيها عمليات الاقتراع، والصناديق خاوية فارغة، وأعلن حاكم مدينة الجزائر عن تمديد عملية الاقتراع ثلاث ساعات (حتى يتمكن الجزائريون من الإدلاء بأصواتهم)، وأذاع (الجنرال ماسو) من راديو الجزائر، بأن

стр. 2783

(مقاطعة الانتخابات هي خيانة للجيش الفرنسي). وانطلقت على الأثر القوات الفرنسية، في جميع أنحاء الجزائر، لحشد المدنيين العزل من بيوتهم وقراهم ومتاجرهم بالقوة المسلحة، وتقتل على الفور كل من يمتنع أو يبدي مقاومة، ثم ساقت هؤلاء جميعا إلى صناديق الانتخابات للإدلاء بأصواتهم. وقد وصفت (وكالة الأسوشيتد برس) معركة الانتخابات في الجزائر بقولها: (قضى الجزائريون نهائيا على كل أمل - لديغول - في الاعتماد على نتيجة الانتخابات لإقرار أي وضع للجزائر، فلا زال الجزائريون يقاطعون هذه الانتخابات مما سيفقد نتيجتها أي شرعية، إذ أنها لن تكون ممثلة تمثيلا حقيقيا للرأي العام الجزائري). وتعرضت (صحيفة فرنسية) (١) للانتخابات الجزائريه بقولها: (ندد العضو السابق في البرلمان الفرنسي - السيد فونلوب اسيرايير - بتدخل السلطات الفرنسية في الانتخابات الجزائرية، فقال: إن المساعي التي يبذلها أولئك الذين يشرفون على الانتخابات التي ستجري في الثلاثين من تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٨، ما هي إلا محاولة فاشلة لإيهام العالم بأن الجزائريين يحبذون الاندماج، وأنهم اختاروا رجالا للدفاع عن هذه الأكذوبة الكبرى، ومما لا شك فيه هو أن السلطات العسكرية الفرنسية في الجزائر سوف تسيطر على الانتخابات، وسوف توجهها نحو تحقيق فكرة الاندماج، ومن المحقق أن تسفر الانتخابات في الجزائر على نتائج سوف لا تكون أكثر حظا وتوفيقا من الانتخابات السابقة).

стр. 2784

وذكرت (صحيفة فرنسية) (١) أخرى ما يلي: (لقد بدأ الصراع، وكان هناك خوف في الجزائر من أن يتربع في أية لحظة المسلمون الذين سجلت أسماؤهم في القوائم الفرنسية، ومع ذلك، فالجيش الفرنسي ذاته هو الذي انتقاهم واختارهم من جملة الموظفين ورؤساء العصابات في الجزائر، وقبيل إقفال باب الترشيح بساعات قليلة، عرفت أسماء أربعين من الثلاث والخمسين مسلما الذين رشحوا للانتخابات، لكنه ينقصهم الشرط الأساسي، وهو أهلية التمثيل، فلا يوجد واحد منهم تتوافر فيه شروط تلك الأهلية، ومعنى هذا أن خطة الجنرال ديغول قد خابت تماما، وفشلت في الوصول إلى أهدافها وتعرض الوزير السابق (آلان سافاري) (٢) في مقال له تحت عنوان (لماذا انسحبت من معركة الانتخابات) فقال ما يلي: (لقد بات من المحال إنشاء قوة ثالثة بين القوتين المتصارعتين في الجزائر، أو زج أي نظام ديموقراطي بينهما، وما من قوة في الجزائر تستطيع التدخل بين الجيش الفرنسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية، لأنه من المسلم به أن النخبة الجزائرية كلها اليوم في الجبال أو مهاجرة أو معتقلة في السجون والمحتشدات الفرنسية). تناقلت وكالات الأنباء العالمية أخبار (هذه المهزلة الانتخابية) وانتظمت مجموعة الصحف في معظم دول العالم في ما يشبه الجوقة الواحدة للتنديد بهذه الظاهرة (الديموقراطية) المريضة. واشتركت الصحافة الفرنسية في فضح (لعبة التمثيل الانتخابي) و (سياسة

стр. 2785

الدمج الفاشلة)،غير أن ذلك كله لم يقنع الجنرال ديغول بخطأ سياسته، فسافر من جديد إلى الجزائر في كانون الثاني - يناير - ١٩٥٩، ليتحدث إلى النواب الجزائريين الذين انتخبوا حديثا، على الرغم من أنهم لم يكونوا الممثلين الحقيقيين الذين كان يأمل في أن يبحث معهم المستقبل السياسي للجزائر وتوغل بعد ذلك في الصحراء ليطلع على أعمال التنقيب عن الزيت والغاز الطبيعي التي يعتمد عليها في تنفيذ برنامجه الاقتصادي، وقد أعلن في (واحة توغورت) (١) ما يلي: (يجب أن تكون الصحراء منطقة عظيمة من مناطق المستقبل بين عالمين، عالم البحر الأبيض المتوسط، وعالم أفريقيا السوداء، وبين عالم المحيط الأطلسي، وعالم حوض النيل والبحر الأحمر - ولا ريب في أن فرنسا مهتمة كل الاهتمام بهذا العمل العظيم ... أما بالنسبة إلى هؤلاء القادمين حديثا إلى ميدان الحرب الأهلية، فعليهم أن يفهموا أن صفحة النضال قد طويت، وقد غدت أمامنا الآن صفحة من التقدم ومن الحضارة ومن الأخوة التي كانت مفقودة؛ إنها صفحة رجالنا، فلتعش الصحراء! ولتحيا فرنسا!). وقد أطلق ديغول في رحلة عودته الى الجزائر على زعماء الثورة صفة المتعصبين، وكان قد وصفهم من قبل بالشجعان. وظهر واضحا أن (ديغول) قد أقفل عن عمد الطريق لإيجاد تسوية سياسية، وانصرف لتنفيذ مشروعه للإصلاح الاقتصادي، في الوقت الذي تابع الجيش عملياته للقضاء على الثورة بالقوة العسكرية.

стр. 2786

أدرك (ديغول) أن اصطلاح (الدمج) قد تجاوزه الزمن، ولهذا فقد مضى لتطبيق سياسة الدمج من غير الإعلان عنها، ومن غير تسميتها باسمها، وتحت اصطلاح جديد. وقد امتنع عن ذكر لفظة الدمج، وقال: (ان جزائر الأجداد قد ماتت، وإننا يجب أن نعترف بأن للجزائر الجديدة شخصيتها المتميزة). وقد قالها هو نفسه، وقالها الساسة الذين يعملون معه: (إننا لا نذكر لفظ الدمج، ولكن هذا الهدف سيتحقق في المدى البعيد، بنتيجة السياسة التي نعمل لها). وهذا ما دفع عضو مجلس الدولة الفرنسي (جيلني) للقول: لقد صفقت كغيري من الناس للكلمات الفخمة، الرنانة، التي قالها (الجنرال ديغول) في ندوته الصحافية عن الجزائر، ذلك أنه من المهم جدا أن يتم الاعتراف بالشخصية الجزائرية، وأن يعبر الجنرال ديغول عن أمله في مشاركتها مشاركة متينة مع فرنسا. ولكن قبل هذه الكلمات توجد الحقائق والوقائع، وعندما أمعن النظر، لا أجد مناصا من أن ألاحظ أن الإجراءات الإيجابية الواقعية الوحيدة التي اتخذت حتى الآن هي (إجراءات دمج) وهي كما يلي: ١ - تقسيم الجزائر إلى مقاطعات فرنسية. ٢ - تنظيم البلديات الفرنسية في الجزائر. ٣ - توحيد طوابع البريد في البلدين. ٤ - حذف كل تمثيل (شخصي) للشخصية الجزائرية. ٥ - انتخاب نواب عن الجزائر في البرلمان الفرنسي. ٦ - إدماج الموظفين المسلين في إطارات - كادرات - الموظفين الفرنسيين بفرنسا.

стр. 2787

٧ - إدماج مؤسسة الخطوط الحديدية الجزائرية بمثيلتها في فرنسا. وأمام وضع كهذا لا أعجب أبدا من رد الفعل الذي قام به الوطنيون الجزائريون ردا على ندوة الجنرال ديغول، لأنهم وطنيون (شجعان) كما وصفهم ديغول ذاته، معترفا بحقيقة لم يعد بالمستطاع إنكارها). وكذلك ما قاله مندوب ديغول - دولوفرييه - في الجزائر يوم ١٠ - آذار - مارس - ١٩٥٩. حيث أعلن ما يلي: (... هناك ثورتان تجريان اليوم في الجزائر: أولهما هي ثورة البترول والغاز في الصحراء، والثانية هي هذا المجهود الذي لم يسبق له مثيل في الميادين الاقصادية والاجتماعية والبشرية، والتي تريد فرنسا أن تقضي بها على المشاكل التي أوجدت حركة الثورة الجزائرية حتى تصبح هذه الثورة غير ذات موضوع) (١). لقد كان هدف سياسة (ديغول) هو (استيعاب الثورة) وتطوير عملية (النهب الاستعماري)، ولم يكن هذا الهدف بعيدا عن أنظار قادة الثورة، فقد أعلنت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، فور ظهور نتائج الانتخابات المزيفة عن موقفها ببيان رسمي نشرته على العالم، وتضمن ما يلي: (إن نتائج الانتخابات التي أعلنتها السلطات الفرنسية في الجزائر، لا يلتزم بها الشعب الجزائري بأي حال من الأحوال. إن هذه الانتخابات لا تعبر إلا عن رأي جيش الاحتلال الفرنسي في

стр. 2788

الجزائر، ولقد قامت حكومة الجنرال ديغول بعملية الانتخاب في الجزائر لتؤكد استمرارها فى التنكر لإرداة الشعب الجزائري، وإن عمل حكومة الجنرال ديغول هذا بدلا من أن يساعد على إعادة السلم في الجزائر، أكد أنه المناصر الوفي للنظام الاستعماري الذي يعتمد على القوة والخداع). وعالجت مجلة (المجاهد) الجزائرية، موقف (ديغول) وسياستة بقولها: (إن المشكلة في حقيقة الأمر، ليست في القمع، ولا في الانتخابات، وليست في البترول ولا في الخبز، وإنما في شيء يرمز إلى كل ذلك، وإلى ما هو أوسع وأعظم، وهو أن ثورتنا تسير اليوم تحت ظل علم وطني، وبقيادة حكومة وطنية، وتحت رائد الاستقلال الوطني. هذه هي الأهداف الأساسية، والبقية فروع، وفرنسا الآن مهتمة بالفروع ظنا منها أننا سننسى الأصل. إن الجزائر أيضا يتحداها التاريخ، وليس انتصارها من باب الممكن، بل إنه عندنا يقين وعمل يتجدد بتجدد طلوع الشمس). وعادت مجلة (المجاهد) لترد على مشاريع (ديغول) الإصلاحية، بقولها: (تستطيع فرنسا إعطاء الشعب الجزائري - نوابا - بلديين أو برلمانيين، ولكن الثورة تبقى إلى جانب ذلك مستمرة، ولا تستطيع فرنسا أن تفعل شيئا بنوابها لإيقاف الثورة، ولا تستطيع حتى أن تخدع بتلك الصنائع الرأي العام العالمي. وتستطيع فرنسا أن تقيم المشاريع الاقتصادية في بلادنا، وتحمل

стр. 2789

طبقاتنا الشعبية على العمل في تلك المصانع، ولكن الثورة تبقى مستمرة إلى جانب تلك المصانع وإلى جانب ما سماه - دي لوفريي - ثورة البترول والإصلاح. ومن الممكن جدا أن تستفيد بعض الطبقات الشعبية من هذه المشاريع، ولكن استفادتها سكون عنصر قوة لثورتنا ولن تكون عنصر ضعف. وباستطاعة فرنسا تحسين ما شاءت أو ما تمكنت من تحسينه على أوضاعنا الإدارية والاجتماعية والاقتصادية، ولكن لتثق فرنسا أن ذلك كله سيزيد من قوة ثورتنا، مثلما كانت، وما تزال، المجازر وأعمال التدمير والاعتداء على الحرمات قد زادت من قوة ثورتنا. الثورة دائما مستمرة، لأن هدفها الأول والأخير هو أن يزول هذا الوجه الاستعماري من على أرضها إلى الأبد، وبعد ذلك، سيكون النواب أعضاء في البرلمان الجزائري لا الجمعية الوطنية الفرنسة، وستصبح هذه المصانع ملكا للشعب الجزائري وليست ملكا للفرنسيين، وهذا هو الفرق الشاسع بين أهداف الثورة، وبين محاولات المستعمر ...). لقد اصطدمت سياسة (ديغول) بمجموعة من العقبات والمقاومات، لا على مستوى الجزائر أو على مستوى الصراع المسلح، أو حتى على مستوى الصراع السياسي، وإنما على مستوى فرنسا ذاتها وعلى المستوى العالمي؛ فقد أصيب الاقتصاد الفرنسي بالتدهور، وظهر بوضوح أن مشاريع ديغول للإصلاح الاقتصادي في الجزائر (مشروع قسنطينة) لن تتمكن من النهوض بسبب ما تتطلبه من قدرات وإمكانات تزيد على ما تمتلكه فرنسا من القدرات والإمكانات الأمر الذي أرغم فرنسا على الخضوع لألمانيا - الغربية - وقبول هيمنتها التقنية والاقتصادية وحتى

стр. 2790

السياسية، وهذا هو بدقة ما أثار الرأي العام الفرنسي الذي كان محتفظا برواسب العداء التقليدية (الفرنسية - الألمانية) وبالرغم من كل هذه العقبات (وغيرها) فقد استمر (ديغول) في ممارسة لعبة الانتخابات، فأجرى الانتخابات الجزائرية (الثالثة) للمجالس البلدية، ثم الرابعة (لمجلس الشيوخ)، ولكن ذلك كله لم يحل له (مشكلة الجزائر) كما قصرت قواته العسكرية عن الوصول إلى ما يريده منها (التهدئة الشاملة)، وبات لزاما على ديغول أن يتعلم من تجاربه الذاتية، وقد تعلم فعلا، وهذا ما تؤكده مقولاته المتتالية - عبر سنوات الصراع - والتي يمكن استعراضها بسرعة، والوقوف عند أبرزها، وأكثرها أهمية. ج - مقولات ديغولية: لقد صدرت عن ديغول تصريحات كثيرة، وهي تظهر التطور في موقف ديغول من الحرب الجزائرية - الفرنسية وما يهم البحث هنا هو نوعان محددان، أولهما التصريحات المتعلقة بالصراع المسلح، وثانيهما التصريحات المتعلقة بالصراع السياسي. ومن المقولات المتعلقة بالحرب، يمكن الوقوف عند ما يلي: (أولئك الذين يحاربوننا في الجانب الآخر، تعالوا، فمن المؤكد أننا سننهي القتال ... يجب أن تنتهي المعارك) (١). (لا بد وأن ينقضي بعض الوقت قبل أن تتوقف المعارك) (٢). (هذه الثورة بحصر المعنى، أعني المعارك، فإذا لو تتوقف كانت البلية العظمى). (٣).

стр. 2791

(إنني اعترف بشجاعة المقاتلين الذين قضوا في ساحة الشرف ... وحينئذ أقول لجميع الجزائريين: إن الحرب التي تخوصونها، الحرب المظلمة التي تخوصونها لم يبق لها معنى صحيح) (١). (إن الجزائريين يشنون الحرب منذ ستة أعوام) (٢). (نحن الآن قانعون بإنهائها، إننا ننهي الحرب التي وقعت في الجزائر) (٣) (وإن شروط إنهاء القتال، سوف تحترم البسالة التي بدت تحت السلاح، وعلينا أن نعمل كثيرا من أجل حماسكم، من أجل بسالتكم، من أجل حبكم لمسقط رأسكم) (٤). (وإني لأعترف أيضا بالشجاعة التي أبداها كثير من المحاربين) (٥). (يجب علينا مناقشة الوسائل لإيجاد نهاية مشرفة للمعارك الدائرة، وتقرير المصير للأسلحة ومستقبل المقاتلين، لقد خدم طوال سنوات الصراع الخمس الأولى، في القوات النظامية العاملة في الجزائر مليون وأربعمائة ألف جندي، مات منهم ثلاثة عشر ألفا في ساحة الشرف، أما الثوار الجزائريون فقد قتل منهم (١٤٥) ألف رجل) (٦). (لقد بدأت المفاوضات حول وقف إطلاق النار) (٧). (لا يمكن تحقيق النصر في الميدان، ولا خطر من انعكاس الآية، بفضل طاقة جنودنا في الميدان، ولكن، يكفي الكسب في الميدان) (٨). ... أما في مجال المقولات المتعلقة بالصراع السياسي، فقد

стр. 2792

صرح - ديغول - بما يلي: (... ستبقى هناك مكانة مفضلة مخصصة للجزائر، ضمن المجموعة المشكلة بهذه الكيفية، وذلك بعد تهدئة الجزائر وتحويلها، بحيث تنمي بنفسها شخصيتها، وتكون مشتركة اشتراكا متينا مع فرنسا) (١) (اعتبارا لكل المعطيات الجزائرية، الوطنية منها والدولية، أعتبر أنه من الضروري أن يتم الإعلان منذ اليوم عن اللجوء إلى تقرير المصير، وأتعهد بأن أطلب من الجزائريين في عمالاتهم (ولاياتهم) الاثنتي عشر ما يريدون أن يكونوا في النهاية. أما بالنسبة لتاريخ الانتخاب فسأحدده عندما يحين الوقت، ومع أكثر تقدير بعد أربع سنوات، بعد العودة النهائية للسلام) (٢). (هناك جزائر، هناك كيان جزائري، هناك شخصية جزائرية، فإلى الجزائريين يعود تقرير مصيرهم، فما هو الحل الذي سيصل إليه الجزائريون إذن؟ أعتقد أنهم سيريدون في جميع الحالات أن تكون الجزائر جزائرية) (٣) (... وقف القتال، تقرير المصير، تلك هي الشروط المسبقة ليفتح للجزائر طريقها، إننا سنستخلص النتائج من إرادة الانتماء إلى فرنسا التي من المحتمل جدا أن يعبر عنها بعض السكان، الذين نعرف مسبقا أماكن تواجدهم، هؤلاء السكان، يجب علينا إذن تجمعيهم مع ضمان حمايتهم، وبعد ذلك؟ وبعد ذلك سنرى ..) (٤). (تنحصر المسألة الجزائرية بالنسبة إلينا - نحن الفرنسيين - في ثلاثة اعتبارت أساسية: إقامة دولة جزائرية، علاقة فرنسا مع هذه الدولة، مستقبل الصحراء ... وفيما يخص

стр. 2793

الصحراء، فإن خط سيرنا هو خط حرية مصالحنا، وهو كذلك الخط الذي يأخذ الواقع بعين الاعتبار) (١). (تريد فرنسا أن تنتهي من الجزائر، بطريقة أو بأخرى، وأن تعمل على تصفية الظروف الحالية، بما فيها من التزامات سياسية واقتصادية ومالية وإدارية وعسكرية تربطها بهذا البلد، والذي إن بقي على ما هو عليه، فإنه لا يعني لفرنسا إلا تجنيدا للرجال وهدرا للأموال والامكانات من غير فائدة، بينما هناك العديد من المهمات التي تتطلب مجهودنا في جهات أخرى) (٢). (... ومع ذلك فإننا نقترب من الهدف، الذي هو هدفنا، وبالنسبة لنا، فالأمر يعني أن نحقق السلام بأسرع ما يمكن، وأن نساعد الجزائر على أن تمسك زمام أمرها بأيديها، وسيكون ذلك بإنشاء هيئة تنفيذية مؤقتة، وأن نكون مستعدين للاعتراف، دون أي تحديد، الشيء الذي سيخرج من تقرير المصير، أي دولة مستقلة ذات سيادة) (٣). (إن رئيس الجمهورية الفرنسية، يعلن أن فرنسا تعترف رسميا باستقلال الجزائر) (٤). ... كيف حدث هذا التحول؟ وكيف اعترفت فرنسا أخيرا باسقلال الجزائر؟ وبأي ثمن؟ ... لقد سارت الجزائر المجاهدة قدما، بعزم وثبات، على طريق التضحيات والآلام، على درب الدموع والدماء. وحدثت التحولات بصورة بطيئة، فكان كل نصر يحرزه المجاهدون في ميادين القتال يدعم الجهد السياسي، وكان كل نصر

стр. 2794

سياسي يدعم الجهد الحربي. وعبر هذه العلاقة الجدلية الثابتة مضت الجزائر المجاهدة بقيادة جبهة التحرير وجيش التحرير. لقد حاولت فرنسا، عبر هذا الصراع المرير، استخدام كل وسائل الصراع المشروعة منها وغير المشروعة للابقاء على عملية (النهب الاستعماري)، وكانت القرصنة و (البلطجة بحسب تعبير تشرشل) هي أبرز أساليب الاستعمار، وليس ذلك بالأمر الغريب، فهل الاستعمار في حد ذاته أكثر من عملية (قرصنة متقدمة تحت اسم حضاري)؟. ولقد كان من أبرز أساليب هذه القرصنة: ١ - اختطاف الطائرات والقرصنة البحرية. ٢ - التنكر للقيادة الثورية (جبهة التحرير والحكومة المؤقتة). ٣ - محاولة تقسيم الجزائر. ٤ - إثارة قضية الصحراء. ٥ - التذرع بذريعة (الأقليات الأوروبية). وسقطت الذرائعية الاستعمارية تحت ضربات المجاهدين الصادقين. وحق فى الاستعماريين قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.

стр. 2795

مسجد فارس (جامع اليهود) بالقصبة

стр. 2796

الفصل الثاني ١ - القرصنة الجوية الفرنسية. أ - اخطاف طائرة الزعماء الجزائريين. ب - أحمد بن بللا ورفاقه في سجون فرنسا. ج - والقرصنة البحرية. ٢ - على المسرح الدولي. آ - قضية الصحراء. ب - قضية الأقلية الأوروبية. ج - قضية (تقسيم الجزائر). ٣ - الاستفتاء العملي والبيعة الشعبية. ٤ - الحرب الجزائرية تدمر فرنسا. ٥ - ديكتاتورية ديغول في الجمهورية الخامسة. ٦ - التحولات الحاسمة - التمرد في الجزائر. ٧ - وأخيرا، انتصرت الثورة.

стр. 2797

١ - القرصنة الجوية الفرنسية أ - اختطاف طائرة الزعماء الجزائريين . تناقلت وكالات الأنباء العالمية، في يوم ٢٢ تشرين الأول - اكتوبر - ١٩٥٦، بما يشبه الذهول، خبر اختطاف طائرة مغربية كانت تقل خمسة من الزعماء الجزائريين هم: أحمد بن بللا، ومحمد خيضر، وأحمد آيت حسين، ومصطفى الأشرف، ومحمد بو ضياف. وجرت قصة القرصنة كالتالي: كانت فرنسا قبيل عملية القرصنة بأيام قليلة، قد أبدت رغبتها في عقد اجتماع بين الملك محمد الخامس والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة والزعماء الجزائريين، على أن تنظر بعين الاعبار في مطالب الجزائريين بعد الاجتماع. واعتقد الملك محمد بن يوسف والرئيس التونسي بأن فرنسا قد قبلت بوساطتهما لحل المشكلة الجزائرية، ولم يكونا يعلمان - يقينا - أن هناك مؤامرة تدبر في الخفاء، وأن السياسة الافرنسية قد انحدرت، بسبب الحرب الجزائرية، إلى مستوى القرصنة، ولم تكن موافقة فرنسا على الوساطة إلا فخا هدفه استدراج الزعماء الجزائريين، الذين سيحضرون إلى مراكش لمفاوضة

стр. 2798

السلطان، لإلقاء القبض عليهم، وذلك على أمل أن تساعدهم هذه العملية على إضعاف الثورة والقضاء عليها. كانت دوائر الجاسوسية الفرنسية في العاصمة المراكشية - المغربية - تتابع تحركات الزعماء الجزائريين وقد أمكن لها إعلام السلطات الفرنسية - في الجزائر - العسكرية منها والمدنية، بما كان يتوافر لها من المعلومات. وفي الوقت ذاته، كان الجنرال لوريلو - القائد الأعلى للقوات الجوية في الجزائر قد حصل على موافقة الأمين العام لوزارة الحربية (ماكس لوجين) على تنفيذ العملية. أقلع الزعماء الجزائريون من مطار (رباط صالح) على متن طائرة مغربية وضعتها الحكومة الشريفية التي كانوا في ضيافتها تحت تصرفهم للانتقال بهم إلى تونس، وذلك في الساعة (١٢،٠٠) من يوم ٢٢/ ١٠/ ١٩٥٦. وكان الخط المحدد لطيران الطائرة هو (الرباط - بالما، في جزر الباليئار، حيث ينبغي لها أن تهبط للتزود بالوقود - تونس). وكان هذا الخط بعيدا عن المجال الجوي الخاضع لرقابة السلطات الفرنسية، كما أنه لا يمر في منطقة الاستعلامات التي تراقبها أجهزة راديو الجزائر. وكان على الطائرة أن تتحول عن قطاعات الإصغاء (التنصت) في المملكة المغربية، للدخول في قطاع أشبيليا قبل أن تهبط في (بالما)، غير أن مراكز مدينتي الجزائر ووهران أصغت إلى تردد قطاع أشبيليا، وفي الساعة (١٥٠٠) - الثالثة بعد الظهر - بتوقيت غرينيتش، دخلت (وهران) في اتصال لاسلكي مع ملاحي الطائرة، وأمرتهم بالهبوط في وهران، فرد قائد الطائرة معلنا أن مخطط طيرانه يحتم عليه أن يهبط في (بالما). وما إن أزفت الساعة (١٢،٢٥) - الرابعة وخمسة وعشرين دقيقة من بعد الظهر، حتى هبطت في (بالما) بعد أن أبلغ

стр. 2799

قائد الطائرة شركته في الدار البيضاء بأن السلطات الفرنسية قد طلبت إليه الانحراف عن خط سيره. بادرت شركة الطيران الشريفية بإحالة هذا النبأ إلى وزير الأشغال العامة المغربي، وحينئذ أرسلت عدة رسائل من (الرباط) إلى ملاحي الطائرة في الساعة (١٦،٥٨) وفي الساعة (١٧،٥٠) تأمرها بعدم مغادرة (بالما) حتى إشعار آخر. ولكن الطائرة كانت على أرض المطار، فلا يمكن نقل الرسائل إليها إلا عن طريق المطار الذي يستخدم في اتصالاته خط (الرباط - مدينة الجزائر - باريس - مدريد - بالما). وفي الساعة (١٧،١٥) غادرت الطائرة المغربية مطار (بالما) قاصدة تونس. وهنا ينتهي دور (وهران) فيتسلم الرقابة برج (ميزون بلانش). تلقت الطائرة في الساعة (١٧,٣٥) أمرا من السلطات العسكرية الفرنسية بالاتجاه نحو مدينة الجزائر، وقد أعلمت السلطات المغربية بهذه الرسالة الأخيرة في الساعة (١٧،٥٠) لإجراء ما يلزم، وعلى الفور اتصل وزير الأشغال العامة المغربي بالشركة، فأمرت الطائرة بالعودة الى (بالما). وفي تلك البرهة، وصلت رسالة من الطائرة تنبىء أنها تلقت أمرا جديدا بالتوجه إلى مدينة الجزائر، وطلبت في الرسالة موافاتها بالتعليمات في أقصى السرعة وتدخلت الشركة بحزم لدى مطار (رباط - صالح) مستوضحة عن سبب عدم وصول رسائلها إلى الطائرة، فردت عليها مصلحة مخابرات المطار في الساعة (١٨،٣٦) تعلمها بأن السلطات العسكرية الفرنسية قد احتجزت تلك الرسائل. ولم يمض وقت طويل، حتى تراءى لمحطات الرادار في الجزائر أن الطائرة تحاول العودة إلى المملكة المغربية، فانطلقت من (وهران)

стр. 2800

القادة الذين اعتقلتهم السلطات الفرنسية وتظهر القيود الحديدية في أيديهم

стр. 2801

و (بليدا) بعض الطائرات الفرنسية المطاردة من طراز (ميسترال) وطائرة (ب - ٢٦) واتجهت جميعا شطر الطائرة المغربية مزودة بأوامر إطلاق النار على محركها الأيمن إذا هي همت بالفرار. تحولت الطائرة نحو مدينة (الجزائر) واقتربت في بطء من المجال الجوي الجزائري. وبينما كانت تحلق فوق (تنس) غربي مدينة الجزائر، ظهرت في الأفق طائرتان، إحداهما ليلية من طراز (ميتيور) والثانية طائرة اتصال ذات محركين (مارسيل داسولت - ٣١٥) وكانت مهمة هاتين الطائرتين تنظيم هبوط الطائرة في (ميزون بلانش). ولم تعلم شركة طيران أطلس - المغربية - بهبوط طائرتها في مدينة الجزائر إلا في الساعة (٢١،٢٠). ... ألفت الحكومتان المغربية والفرنسية لجنة عرفت بلجنة التحقيق والتوفيق، فعقدت دورتها الأولى في (جنيف) في تموز - يوليو - ١٩٥٧ وخصصتها لتنظيم أعمالها. وفي كانون الثاني - يناير - ١٩٥٨، انتهت مرحلة تبادل المذكرات ثم بدأت المرافعات الشفوية في شباط - فبراير - وظلت جنيف مسرح هذا النشاط. غير أن الممثل المغربي، والعضو اللبناني المحايد، كلاهما اضطرا إلى الانسحاب من اللجنة لامتناعها عن سماع أقوال جميع الشهود. وكان جديرا بالشهادات التي استبعدت أن تجلو حقيقة الظروف التي رافقت عملية احتجاز رسائل الشركة المغربية للنقل الجوي؛ تلك الرسائل التي كانت تأمر قائد الطائرة بعدم مبارحة (بالما). كما أن الشهادات المذكورة من شأنها أن تحدد الظروف التي تلقت فيها الطائرة أوامر السلطات العسكرية الفرنسية بوجوب الاتجاه نحو مدينة الجزائر، وما

стр. 2802

كان من أمر اقتناص الطيران العسكري الفرنسي لها. وأمام اللجنة المشار إليها، لم يختلف فريقا النزاع في أن اعتراض الطائرة وإجبارها على تحويل خط سيرها قد وقعا في الفضاء الجوي فوق المياه الدولية. ولقد أعلنت الحكومة المغربية أنها هي التي استأجرت الطائرة، وأن المطارد الفرنسي قد اعترض سبيلها وأرغمها على الهبوط، وأن ممارسة سلطة الأمن فى الفضاء الجوي فوق البحر لا يعدو أن يكون عملا غير مشروع. أما الحكومة الفرنسية فحجتها أن ملاحي الطائرة ينتمون إلى الجنسية الفرنسية، وأن القادة الجزائريين كانوا - كما ادعت - حاملين هويات مزورة وأسلحة ومحكوما عليهم (بجرائم عادية؟). وعلى كل حال، فليس المجال هنا هو مجال الجدل القانوني (١) الذي رافق العملية وتبعها، فالأمر الواضح والذي لا يقبل الجدل أو النقاش هو أن هذه العملية هي عملية قرصنة كاملة المواصفات، تم تنفيذها عن سابق تصميم وتخطيط على أرفع المستويات الاستعمارية (وخاصة العسكرية منها والتي باتت تشكل سلطة لها فوق السلطة الرسمية الحكومية). ولقد أحدثت عملية القرصنة انشقاقا في الحكومة الفرنسية، حيث استقال الوزير (آلان سافاري) (٢) - وزير الدولة لشؤون مراكش وتونس، احتجاجا

стр. 2803

على عملية القرصنة، واحتجاز (بن بللا وإخوانه). على كل حال، لم تكن عملية القرصنة الجوية هذه هي أول عملية قرصنة أو آخر عملية نفذتها فرنسا في إطار (حرب الجزائر). ففي ٤/ ١١/ ١٩٦٠ قامت الطائرات المطاردة الفرنسية بإرغام إحدى الطائرات البريطانية على الهبوط في الجزائر، في ظروف بقيت غامضة ومحجوبة عن الرأي العام، لأن الحكومتين الفرنسية والانكليزية اتفقتا على تسوية القضية في جو من الكتمان. وفي كانون الأول - ديسمبر - ١٩٦٠، اعترضت الطائرات المقاتلة الفرنسية، إحدى الطائرات اللبنانية التابعة لشركة طيران الشرق الأوسط، وأرغمتها على الهبوط في الجزائر. وأخيرا هاجمت الطائرات المقاتلة الفرنسية يوم ٩/ ٢/ ١٩٦١ - في الفضاء الجوي الحر، طائرة روسية كانت تقل رئيس مجلس السوفييت الأعلى - السيد بريجينيف - أثناء توجهه لزيارة الرباط. وقد صرح وزير الخارجية السوفييتية السيد (غروميكو) يوم ١٠/ ٢/ ١٩٦١ بما يلي: (... لقد وقع الهجوم بين الساعة (١٤،٢٣) والساعة (١٤،٣٠) بتوقيت غرينيتش، في الفضاء الجوي

стр. 2804

فوق مياه البحر المتوسط الدولية، وعلى بعد (١٣٠) كيلو مترا تقريبا شمالي مدينة الجزائر، بينما كانت الطائرة تتجه إلى الرباط، وتتبع خط سير أعلمت به السلطات الفرنسية مقدما، وبرزت لها فجأة طائرة مطاردة فرنسية دنت منها دنوا خطيرا ثلاث مرات! وفتحت نيرانها مرتين متتاليتين على الطائرة السوفييتية، ثم اعترضت طريقها، إن هذه التصرفات لا يمكن اعتبارها سوى عمل من أعمال القرصنة الدولية ارتكبته قوات فرنسا المسلحة ...). لم تكن عملية القرصنة القذرة ضد الزعماء الجزائريين لتمر كحدث عارض، فقد هب الرأي العام العالمي مستنكرا العملية ودامغا فرنسا بالخزي والعار، وسارت في عواصم ومدن العالم العربي تظاهرات ضخمة تعلن صاخبة احتجاجها الشديد ضد أعمال الخطف والقرصنة التي أصبحت تمتهنها فرنسا بعد إخفاقها في الصمود أمام مجاهدي الجزائر وجها لوجه؛ وسحبت تونس سفيرها من باريس واحتجت الحكومتان التونسية والمغربية - المراكشية - رسميا على عملية الغدر الشنيع، واعتبرت مراكش أن عمل فرنسا موجا ضد سيادتها وكرامتها، وشكلت لجنة دولية من إيطاليا وبلجيكا ولبنان ومراكش وفرنسا للنظر في (شرعية الخطف) غير أن تضامن الدول الاستعمارية أحبط التحقيق. ب - أحمد بن بللا ورفاقه في سجون فرنسا: ظنت فرنسا أن نجاحها في أعمال القرصنة سيمهد لها السبيل لإخماد جذوة الثورة المتقدة، غير أن أملها قد خاب، إذ لم تعدم الثورة العظمى توافر عدد كبير من القادة القادرين على متابعة العمل الثوري وتطويره. وبينما كان القادة (أحمد بن بللا، ومحمد خيضر،

стр. 2805

وأحمد آيت حسين، ومصطفى الأشرف، ومحمد بوضياف) ينقلون الى سجون فرنسا، كانت الثورة تعيد تنظيم صففها لسد الفراغ، وعندما أعلن تشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (يوم ١٩ ايلول - سبتمبر - ١٩٥٨) برئاسة (فرحات عباس)، تم تعيين أحمد بن بللا نائبا أول لرئيس الوزراء؛ وكان ذلك تحديا موجها لفرنسا التي اعتقلته واحتفظت به في سجونها، كما عين أحمد آيت حسين ومحمد خيضر ومحمد بوضياف وزراء دولة. وعندما طلب (ديغول) فتح باب المفاوضات مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، أصدرت هذه بيانا (في ٢٢ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٩) تضمن تحديد الشروط المناسبة للتفوض، وحدد أن المفاوضات يجب أن تتم مع وفد أحمد بن بللا ورفاقه المسجونين، وبذلك فشلت المحاولة الأولى للتفاوض. وعلى إثر ذلك (صرح متحدث باسم الحكومة الجزائرية المؤقتة بأن فرنسا تعرقل إجراء أية مفاوضات جديدة بين الجانبين الفرنسي والجزائري بسبب تشديدها للقيود التي تفرضها على الزعيم الوطني الجزائري أحمد بن بللا، نائب رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة، والذي لا زال معتقلا في فرنسا. وصرحت مصادر مطلعة ١: بأن الوزارة الفرنسية للشؤون الجزائرية، فرضت قيودا على المواعيد التي يسمح فيها للزعيم بن بللا باستخدام الهاتف واستقبال الزوار، وإن حكومة باريس تبحث في نقله إلى مكان آخر) (١). هذا وقد قام الوطنيون الجزائريون والوطنيات الجزائريات بمظاهرات ضخمة في أنحاء
следующие страницы →