← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

جدت تطورات في هذه الاثناء، فحل (يوسف بن خده) محل (فرحات عباس) في رئاسة الحكومة المؤقتة، وكان أشد تصلبا من سلفه. ولما انعقد مؤتمر الدول غير المنحازة في (بلغراد) عاصمة (يوغوسلافيا) ألقى (بن خده) خطابا حدد فيه سياسة الجزائر المستقلة بأنها ستقوم على أساس (عدم الانحياز)، كما أعلن التضامن مع تونس في نزاعها مع فرنسا حول (مشكلة بنزرت)، وفي الوقت ذاته، شكل ظهور منظمة (الجيش الفرنسي السرية) خطرا على نظام الحكم في فرنسا ذاته، بسبب اتجاهاتها الفاشية. اقترح رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (في ٢٤ تشرين الأول - أكتوبر-١٩٦١) إجراء المفاوضات على مرحلتين؛ أولاهما الوصول من ناحية المبدأ إلى اتفاق حول موعد محدد للاستقلال، والأخرى تحديد مستقبل العلاقات مع فرنسا، وكذلك الضمانات الواجب توافرها للمستوطنين الفرنسيين، وكان يوسف ابن خده) يصر على أمرين أساسين: أولا: أن تعترف فرنسا بوحدة الجزائر، ومعنى هذا هو الاعتراف بالسيادة الجزائرية على منطقة الصحراء. ثانيا: تمثيل الجزائريين في المجلس التنفيذي الذي يتولى شؤون الجزائر، خلال الفترة الانتقالية السابقة لاجراء الاستفتاء. ... دارت مباحثات سرية في (لي - روس) على مقربة من الحدود الفرنسية - السويسرية، ثم بدأت المفاوضات علنا في (إيفيان) يوم (٧ - آذار- مارس- ١٩٦٢) وتركزت المباحثات على الفترة الانتقالية، وتشكيل المجلس التنفيذي وسلطاته، وتكوين قوة الشرطة - البوليس - التي ستتولى حفظ الأمن والنظام، وتحديد

стр. 2907

مراحل جلاء القوات الفرنسية، والعفو عن المعتقلين السياسيين، وتبادل الأسرى لدى الجانبين. وتم التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار يوم ١٨ آذار - مارس، وأصبح نافذ المفعول اعتبارا من اليوم التالي، كما نشرت نصوص الاتفاقيات الاخرى، وشكل بعد ذلك المجلس التنفيذي وكان عليه أن يتولى إدارة شؤون الجزائر عن طريق الأجهزة الإدارية العادية، باستثناء ما احتفظت به فرنسا وكان من اختصاص المندوب السامي الفرنسي، أما الوظيفة الثانية التي تضطلع بها هذه الهيئة فهي اتخاذ الاستعدادات اللازمة لإجراء الاستفتاء. جرى الاستفتاء في الجزائر في اليوم الأول من تموز (يوليو) ١٩٦٢، وكان السؤال الموجه إلى المقترعين: هل توافق على استقلال الجزائر، وتعاونها في إطار اتفاقيات ايفيان؟. وجاءت النتيجة إيجابية بنسبة ٩٧،٣ في المائة، وفي يوم ٣ تموز - يوليو - أعلن الجنرال (ديغول) ما يلي: (إن رئيس الجمهورية الفرنسية يعلن أن فرنسا تعترف رسميا باستقلال الجزائر). وهكذا استعاد الشعب الجزائري حريته، ودخل في عداد الدول المستقلة، وتحررت فرنسا من أعباء الاستعمار التي أرهقت كاهلها، وكلفتها خسائر فادحة في الأرواح والأموال وفي السمعة الدولية. ... لقد تعرضت الاتفاقية (اتفاقية ايفيان) لكثير من النقد والتجريح، بسبب التنازلات الكثيرة التي قدمتها الجزائر لفرنسا، مثل: تأجير قاعدة (المرسى الكبير) لفرنسا لمدة (١٥) سنة قابلة للتجديد، فضلا عن احتفاظ فرنسا ببعض المواقع في الصحراء لمدة خمس سنوات، وأهمها (كولومب بيشار) و (رقان)، وكذلك

стр. 2908

إعطاء فرنسا امتيازات فيما يتعلق (بشركات استغلال الثروة المعدنية والبترولية) وتعويض المستوطنين مقابل (تنازلهم) عن الأراضي التي كانوا يمتلكونها ومساحتها ثلاثة ملايين هكتار، ووضع الجزائر من جديد تحت هيمنة الفكر الفرنسي - من خلال الاتفاقات الثقافية - الخ ... هنا لا بد من القول أن فرنسا التي أقامت فوق أرض الجزائر طوال (١٣٠) عاما، قد تركت رواسب عميقة (اجتماعية وثقافية وفكرية) فكان من الصعب على قادة الثورة التفكير في اجتثات هذه الرواسب دفعة واحدة. وكانت جزائر الثورة مثخنة بالجراح، فكانت في حاجة لبلوغ أهدافها على مراحل، وعلى هذا فإن اتفاقيات إيفيان لم تكن أكثر من مرحلة لبلوغ الاستقلال؛ وذلك لإعادة بناء الجزائر وتضميد جراحها، وتصفية الرواسب حتى تستعيد الجزائر أصالتها ويعود إليها وجهها العربي - الإسلامي الأصيل. لقد صمتت الأسلحة، وتوقف الصراع المسلح، وبدأت مرحلة جديدة من الصراع الشاق المرير ضد رواسب الاستعمار، وضد مخططاته العدوانية التي تأخذ أشكالا متطورة تحقق أهداف الاستعمار ولكن من غير الاحتكام إلى السلاح، وعن طريق رعاية (الجذور) التي خلفها الاستعمار ورعاها حتى تنبت باستمرار الأشواك الدامية، تدمي بها أقدام الاحرار وتعيقهم عن تحقيق أهدافهم في بناء الجزائر العربية الاسلامية التي لا يمكن لها أن تستعيد أصالتها إلا بالجهد المشترك مع جاراتها العربيات (المغرب وتونس) وإلا بإعادة تقويم عملية البناء باستمرار حتى تستعيد الجزائر أصالتها العربية والإسلامية.

стр. 2909

الغزاة يغادرون الجزائر

стр. 2910

الفهرس

стр. 2911

_________ ٢ - على المسرح الدولي .............................. ١٣٣ أ - قضية الصحراء ................................... ١٤٤ ب - قضية الأقلية الأوروبية .......................... ١٦٠ ج - قضية (تقسيم الجزائر) ........................... ١٦٧ ٣ - الاستفتاء العملي والبيعة الشعبية .................. ١٧٢ ٤ - الحرب الجزائرية تدمر فرنسا ...................... ١٨١ ٥ - ديكتاتورية ديغول في الجمهورية الخامسة .......... ١٨٩ ٦ - التحولات الحاسمة (التمرد في الجزائر) ............ ١٩٨ ٧ - وأخيرا، انتصرت الثورة ........................... ٢٠٦

стр. 2912

جبهة التحرير الوطني الجزائري

стр. 2913

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2914

جبهة التحرير الوطني الجزائري بسام العسلي دار النفائس

стр. 2915

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى: ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م الطبعة الثانية: ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م

стр. 2916

الإهداء إلى الشعب العظيم، شعبنا العربي المسلم، الذي لا زال متمسكا بأصالته في الجزائر المجاهدة وفي دنيا العرب المسلمين، أهدي هذه التجربة التاريخية بسام

стр. 2917

المقدمة صراع الحياة هو حوار بين الإرادات المتصارعة، ما كان من هذا الصراع فرديا أو جماعيا، وما كان منه هادئا صامتا يحمل عادة اسم (الصراع السياسي) أو عنيفا صاخبا يحمل اسم (الصراع المسلح) ويمتزج عادة الصراع السياسي بالصراع المسلح عند اللجوء إلى العنف (الحرب) مما يزيد من صعوبة إدارة الحوار، بسبب ضرورة التنسيق بين الجهد المبذول على الصعيد السياسي، وبين الجهد الموجه على مستوى الصراع المسلح. وتتزايد صعوبة إدارة الحوار أيضا عند وجود تفاوت في مستويات الصراع، كما هو شأن الحروب الثورية في مواجهتها لقوى القمع - أو القهر - الاستعماري؛ إذ تكون وسائط الحروب الثورية محدودة، بينما تتوافر للقوى الاستعمارية قوى ضخمة ووسائل رهيبة، لا في ميادين الصراع المسلح فحسب، وإنما أيضا في آفاق الصراع السياسي، هذا بالإضافة إلى عامل (الهيبة) و (المكانة الدولية) التي ترافق القوة والقدرة، ولكن قوى الثورة تتمتع بالمقابل، بامتيازات خاصة، أولها: توافر رصيد شعبي هائل يمثله الخزان العظيم لقوى الشعب الثائر.

стр. 2918

وثانيها: توافر مراكز عالمية مضادة يمكن لها دعم قوى الثورة والتعاطف معها، والوصول أحيانا إلى مشاركتها فى صراعها ماديا ومعنويا، مما يقدم للثورة قوة دفع جبارة (زخم). وتتمثل إدارة الصراع - بالنسبة للقوى الثورية - بتفجير الصراع وتطويره، ودعمه، واكتساب الأصدقاء، وإضعاف جبهة الأعداء، والعمل باستمرار لتنمية العوامل المتشابكة في محصلة الصراع على حساب ما يتوافر للعدو من القوى والوسائط، وبكلمة أخرى: زيادة القدرة الذاتية على أنقاض ما يتم تفتيته من قدرات العدو وإمكاناته. تلك هي بدهيات معروفة لكل من يتصدى لإدارة الحوار، غير أن لكل ثورة خصوصيها، وبقدر ما تتشابه الثورات في طرائقها وظواهرها، وبقدر ما تتماثل قوى القمع في أساليبها ومخططاتها، إلا أن هناك خلافا وتباينا قد يزيد في نوعه على التشابه والتماثل، وهنا يأتي الدور الريادي للقيادة الثورية التاريخية التي تستطيع التمييز بين ما هو مطلوب، وما هو ممكن. لقد اضطلعت (جبهة التحرير الوطني) بإدارة الصراع السلمي والمسلح، وأعطت لهذا الصراع خصوصيته من خلال الأخذ بمجموعة من المعطيات، لعل أبرزها: ١ - تحديد الهدف، وتعيين السبل المؤدية له، واختيار الوسائل الضرورية، كل ذلك بدقة تامة ووضوح كامل، مع ترك هامش للمرونة يسمح بالتحرك السياسي ضمن حدود الهدف ومن غير تجاوز له. ٢ - عدم إهمال أهداف العدو ووسائله المتميزة عادة بالخداع والغدر وكل (الأخلاق) التي عرف بها الاستعمار.

стр. 2919

٣ - الإفادة من (الجهد العسكري) لدعم (الهدف السياسي) واستثمار كل (جهد سياسي) لدعم (العمل العسكري)، وضمان التوازن التام بين طرفي معادلة الصراع (السياسي - المسلح). لقد كانت جبهة التحرير الوطني تعرف يقينا، ومنذ البداية، أن باستطاعتها الاعتماد على ما يحتويه خزان (الشعب العربي الأبي في الجزائر) من الطاقات الثورية المتفجرة. وكانت تعرف يقينا أن باستطاعتها الاعتماد على الدعم العربي الإسلامي، سواء في المغرب أو في المشرق، غير أنها لم تكن تعرف يقينا أن التحالف غير المقدس للقوى الاستعمارية سيتألب عليها بمثل تلك الضراوة، وبمثل تلك الوحشية، ولم تكن تعرف يقينا أنها ستسير على درب الصراع الشاق طوال سبع سنوات ونيف. وهنا يبرز من جديد دور الشعب العظيم في إفراز قيادات متتالية تتمتع بدرجة عالية من الكفاءة القيادية، بقدر ما يبرز أيضا دور تلك القيادات الريادي في الاضطلاع بمسؤوليات القيادة وواجباتها. إنها علاقة جدلية ثابتة، ثورة عظمى تضطلع بقيادتها ريادة تاريخية عظيمة، وقيادة راشدة عظمى تقود ثورة تاريخية رائدة، وكان أروع ما في الثورة ذلك التكامل، وذلك الانسجام بين الثورة وقيادتها. وبالتعرض لدور القيادة التاريخية، في هذا الكتاب، تصل هذه المجموعة الوجيزة في (جهاد شعب الجزائر) إلى نهايتها. وتبقى قصة الثورة الجزائرية أضخم من هذا الوجيز الذي سبق عرضه، فمجموعة كتب (جهاد شعب الجزائر) ستبقى مجرد خطوط عامة في (ملحمة الشعب العظيم). ومع وصول هذا الوجيز إلى نهايته، تظهر هناك نقطتان: الأولى

стр. 2920

تتعلق بمضمون هذا العدد والثانية تتعلق بدور القيادة التاريخية في (بناء الثورة) لمرحلة ما بعد الاستقلال. أما بالنسبة للنقطة الأولى، فإن دور (جبهة التحرير الوطني) يبرز من خلال كافة الكتب التي سبق عرضها، وإن التركيز هنا يهدف إلى إبراز وتأكيد بعض الأسس التي انتهجتها الثورة، والمبادىء التي سارت عليها، ونظرا لوفرة المادة فقد كان لا بد من التوقف عند أبرز الأعمال وضوحا، ولو أن بقية الأعمال لا تقل عما تم عرضه قيمة وأهمية. أما النقطة الثانية فهي تلك التي سبق عرضها في مقدمة الأعداد الأولى (أعني سرقة الثورات). لقد أدركت القيادة التاريخية أنها بحكم ظروفها، ومع كل تقدم لها خلال سنوات الصراع، ستضطر إلى إفساح المجال أمام المتسللين و (الديماغوجيين) و (الطفيليين) سارقي الثورات ومنتحلي الانتصارات، ومن هنا كان إصرارها على الإمساك بالقيادة، وعدم تسليمها الا (للثوار المجاهدين) - اقرأ (جبهة التحرير الوطني - تنظيم وادارة)، ولكن هل استطاع هذا الإجراء تشكيل سد ضد الانحرافات؟. لقد قامت الثورة على أرضية عربية - إسلامية، وغذتها دماء المجاهدين، ودعمتها تضحياتهم، حتى إذا اشتد ساعد الثورة، وقسا عودها، وباتت بواكير ثمارها اليانعة بالظهور أسرع (الديماعرجيون) للقطاف، من ثمار سيول الدماء الزكية، وتضحيات الشعب الصامد وآلامه ومعاناته. ومثل هؤلاء موجودون في كل شعب، غير أن الثورة العظمى لا بد وأن تبقى منارا في العالم العربي - الإسلامي، حتى تكون وفية

стр. 2921

لتضحية شهدائها، وحتى تعود شمس العرب المسلمين ساطعة في الغرب لتضيء الشرق. لقد مضى ربع قرن على الاستقلال، وما من أحد يستطيع تقويم ما أنجزته ثورة الجزائر لشعبها بمثل ما تستطيعه القيادة التاريخية التي لا زالت تتربع على عرش السلطة. ولئن حدثت بعض الانحرافات خلال هذه الفترة، فكيف سينتهي إليه أمر الجزائر المجاهدة عندما ينتهي دور (القيادة التاريخية) بتأثير الضربات المستمرة من أعداء الخارج، وأعوان الداخل؟. لقد أكدت مسيرة الثورة، أن الاستعمار الفرنسي لم يخسر كل أسلحته. وأكدت نهاية الثورة، أن الدول العظمى ستبقى مستمرة في تطوير عمليات نهب الشعوب واستنزافها وإضعافها. وبرهنت مرحلة ما بعد الثورة أن الصراع المسلح قد أفسح المجال أمام الصراع السياسي بكل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فالصراع مستمر إذن. وإرادة الحوار في الصراع باقية. وهنا تبرز أهمية العودة لاعتماد الأسس التي أكدت التجربة التاريخية عامة، وتجربة الجزائر المجاهدة بصورة خاصة، قوتها وأهميتها في كل صراع. إنها أسس (الأصالة الذاتية).

стр. 2922

الأصالة التي تعتمد على خزان الشعب العربي - المسلم العظيم. والأصالة التي تعتمد على وحدة الصف ووحدة الهدف في المغرب العربي - الإسلامي. والأصالة التي تعتمد على (الشخصة المميزة للإنسان العربي المسلم). وفي البحث عن هذه الأصالة، تعزيز للانتصارات، ووفاء لأرواح الشهداء، والتزام بالأمانة التاريخية التي اضطلع بها المجاهدون الصابرون، والذين لا زالوا يرسمون للجزائر مستقبل أجيالها. إن أبناء المشرق الإسلامي يتطلعون، وهم لا زالوا تحت حكم (الصليبية الجديدة والمتطورة) إلى إخوانهم من أبناء المغرب العربي - الإسلامي، ليجدوا فيهم العون من أجل المحافظة على ما بقي لهم من أصالتهم. ومن أوفى بحمل هذا الأمل من أبناء (الجزائر المجاهدة) خاصة والمغرب العربي - الإسلامي عامة. فهل ستعود شمس العرب المسلمين لتشرق من الغرب؟. بسام العسلي

стр. 2923

الفصل الأول ١ - جبهة التحرير الوطني؟ ٢ - مؤتمر وادي الصومام وبعض مقرراته. ٣ - تطور جبهة التحرير الوطني (سنة ١٩٥٧). آ - تصريح (لجنة التنسيق والتنفيذ). ب - نداء من (جبهة التحرير الوطني). ٤ - يوم الجزائر - والتضامن مع الثورة. أ - كلمة الرئيس شكري القوتلي. ب - كلمة الأمين العام لجامعة الدول العربية. ج - كلمة كمال الدين حسين. د - كلمة المحجوب بن الصديق. د - كلمة عبد الحميد السراج. و- رابطة المغرب العربي في دمشق. ٥ - الصراع على حدود الجزائر.

стр. 2924

١ - جبهة التحرير الوطني عاشت جزائر المجاهدين حياة الثورة الدائمة، وقد أخذت هذه الثورة أشكالها المختلفة وفقا للظروف المرحلية التي كانت تتفاعل فيها، حتى إذا ما جاءت سنة ١٩٥٤، كانت حالة الهياج قد وصلت ذروتها، وكانت حالة الهياج هذه تجد تعبيرا لها في الصراع على (البرامج الانتخابية) و (قوائم الانتخابات)، وكان تزييف الانتخابات يحبط الآمال في إحراز انتصارات حقيقية لمصلحة الشعب المجاهد، وفي الوقت ذاته، فإن نجاح أنصار الفرنسيين في انتخابات (الجمعية الجزائرية) - جماعة أو (بني وي وي) و (نعم نعم) - ثم سيطرة المستوطنين على هذه الجمعية كانتا تضاعفان من مشاعر الإحباط، الأمر الذي كان يعزز من مكانة الوطنيين الحقيقيين، والذين كانوا يعملون في السر من أجل معالجة نقاط ضعفهم، ومناقشة تطورات الموقف، وأخذت ثقة الوطنيين في أي تطور سلمي تختفي وتضمحل لتفسح المجال أمام أفكار القوة والعنف، وكان خزان الشعب الجزائري العظيم يقف وراء عملية الجدل الفكري، ويظهر استعداده للانتقال من مجال الجدل والنقاش الى ميدان الصراع المسلح.

стр. 2925

كانت الجزائر خلال تلك السنة (١٩٥٤) تعيش أزمة اقتصادية خانقة، حتى بات الشعب على حافة المجاعة، وكان الاتصال اليومي والمستمر بين مسلمي الجزائر، وبين الطبقات الثرية من المستوطنين - أصحاب الامتيازات - تزيد من شعور الغضب لدى جماهير المسلمين، وتذكرها بأسباب بؤسها وشقائها، وتثير فيها كل مساوىء التمييز العرقي - العنصري -، وجاءت الهزة الأرضية في (الأصنام - أو أورليانز فيل كما كان يسميها الفرنسيون) في صيف سنة ١٩٥٤، لتبرز بشكل مثير أسوأ مظاهر التمييز العنصري، وبات الشعب الجزائري كله، من فلاحية إلى عماله وتجاره، ومن فقرائه إلى أثريائه، وهو على استعداد للقيام بأي عمل للتعبير عن غضبه الذي تجاوز حدود القدرة على الاحتمال. كان الزعماء في الميدان الدولي يتابعون مراقبة الأوضاع بدقة، وأخذ الشعب يسمع بأخبار الشعوب الجديدة التي استقلت حديثا، وظهرت الى عالم الوجود بعد الحرب العالمية الثانية، على الرغم من التفاوت بينها وبين القوى التي واجهتها، وأثبتت أحداث تونس (في العام ١٩٥٢) أن القوة، حتى ولو مارستها بضع مئات من مجاهدي الجبال، قد تؤدي الى نتائج عظيمة. والى الغرب، في مراكش أو المغرب، تابع المجاهدون استخدام العنف للتعبير عن غضبهم ضد الاستعمار الفرنسي الذي أبعد مليكهم (مولاي السلطان محمد الخامس) ونفيه من البلاد، وظهر ان الوطن العربي كله يتأجج في حالة ثورة واشتعال، وهكذا لم يعد توجيه هذه التيارات الجزائرية العميقة باتجاه الثورة في حاجة الى أي شيء آخر غير القادة والأسلحة. وكان رد فعل

стр. 2926

الزعيم (مصالي الحاج) تجاه هذه الأوضاع أنه حاول تركيز جميع الصلاحيات في شخصه (*) على اعتبار أنه الشخص الوحيد الذي يثق هو فيه، وقد حاول أعضاء اللجنة المركزية الوصول الى الوحدة، عن طريق خلق انشقاق حزبي جديد، وكان ثمة آخرون يملكون (روح العزيمة) وهم خلافا للمعتدلين، غير محدودين في وسائلهم التي يلجؤون اليها لقلب الموقف؛ وقد شعروا بأن زعاماتهم التقليدية قد تخلت عنهم وخيبت آمالهم، واعتقدوا انهم قد وصلوا الى (اللحظة المؤاتية) للانتقال الى العمل المباشر. قام تسعة من الشبان في مطلع سنة (١٩٥٤) بتأليف (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) وهم: حسين آية أحمد، وأحمد بن بللا، ومحمد العربي بن مهيدي، ومحمد بوضياف، ومصطفى ابن بو العيد، ورابح بيطاط، ومراد ديدوش، ومحمد خيضر وكريم بلقاسم، وتولى كريم تمثيل (القبائل) وبن بو العيد (الأوراس) وبن مهيدي (وهران) وبيطاط (الجزائر - العاصمة) وديدوش (شمال قسنطينة) بينما تولى بوضياف، وهو منظم ماهر، أعمال الارتباط بالنسبة الى خارج الجزائر. كان معظم هؤلاء الشباب من مناضلي (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) وينتمون الى الطبقات الوسطى أو الفقيرة في المجتمع الجزائري، وسبقت لهم خدمة فعلية في الجيش الجزائري والمنظمة الخاصة، كما سبق لهم أن قضوا فترات في السجون الفرنسية، وكان منظمو اللجنة الثورية ينحون باللائمة

стр. 2927

على كل من أنصار (مصالي) وأنصار (اللجنة المركزية) على الخلافات الداخلية التي مزقت (حركة انتصار الحريات)، وقد اعتقدوا ان البحث عن الوحدة يجب ان يتم في القاعدة الحزبية لا بين قادة الحزب وزعمائه، وأن على كل مجموعة من المناضلين ان تنشق على كل من الفئتين وان تبحث بنفسها ازمة الحزب. ورفضت (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) من ناحيتها حجج كل من الفريقين، ولكنها كانت أقرب فى الاتجاه السياسي إلى جماعة (اللجنة المركزية) إذ رأت أن الوحدة ضرورة للنجاح، وإن اختلفت معها في موضوع التوقيت الضروري اللازم، واعتقدت أن الوحدة ليست شرطا مسبقا للأخذ بزمام المبادرة، بل رأت على النقيض أن العمل هو خير سبيل للتقريب بين الجزائريين الذين يحبون وطنهم. وتابع أعضاء (اللجنة الثورية) عند الاجتماعات السرية بين آذار (مارس) وتشرين الأول (أكتوبر) ١٩٥٤، واجتمع كريم بلقاسم ومصطفى بن بو العيد في (الجزائر) وهما يمثلان قاعدتي الثورة الأساسيتين (القبائل والأوراس) واتفقا على حمل السلاح ضد الحكم الاستعماري وسرعان ما انضم إليهما الزعماء الأربعة الآخرون وحددوا المسؤوليات والأهداف، واتخذوا في اجتماعهم التاريخي الذي عقدوه في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) قرارهم الخطير بالبدء بالثورة في ليل (عيد جميع القديسين) أي في الساعة الواحدة من صباح الأول من تشرين الثاني (نوفمبر)، واجتمع في غضون ذلك زعماء لجنة الثورة الموجودون في الخارج، في مراكز الاصطياف في سويسرا، لتنظيم عمليات شراء الأسلحة، وحشد تأييد الوطنيين الآخرين، وانضم عدد من أنصار (اللجنة المركزية) الى الحركة، لكن جميع المحاولات التي بذلت لإقناع (مصالي

стр. 2928

الحاج) والمقربين من أنصاره بالعودة إلى (الجماعة) باءت بالفشل. وقعت نحوا من ثلاثين هجمة متزامنة في جميع أنحاء الجزائر، على مختلف الأهداف العسكرية والبوليسية في صباح الأول من تشرين الثانى (نوفمبر) ١٩٥٤، وقد اشترك فى هذا الهجوم نحوا من ألفين الى ثلاثة آلاف مجاهد، سلاحهم على الأغلب بنادق الصيد والأسلحة المحلية الأخرى، وقد تمكنت مفارز الهجوم الصغيرة من الانسحاب بعد اداء المهام التي عهد اليها بأدائها، وأقام اعصاء اللجنة الثورية في منطقة جبال الأوراس قواعد لعمليات مستمرة، يشنونها من المعاقل الجبلية التي لا يستطيع الفرنسيون الوصول اليها. وهكذا بدأت الثورة، أو الأزمة الطويلة التي (حولت التنافر الى وحدة). تحولت (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) عشية يوم الثورة الى (جبهة التحرير الوطني) من الناحية السياسة، والى (جيش التحرير الوطني) من الناحية العسكرية. نظم في الوقت ذاته نسق قيادي ثان، ضم فيمن ضمهم (عمارنه وعبانه وناصر) عن القبائل، و (زيروت وبن طوبال) في شمال قسنطينة، و (شيهاني ونواوره) في الأوراس و (بوصوف) في وهران، و (سويداني ودحلب وبن خده) في الجزائر العاصمة؛ وكانت القيادة تتألف على الغالب من عسكريين يتمتعون بصلاحيات واسعة لاتخاذ القرارات المحلية، ومن بعض الجزائريين الذين يعيشون في خارج البلاد والذين تنحصر مهمتهم بالدرجة الأولى في الحصول على الاسلحة والمعدات للمجاهدين. وكانت مهمة (البعثة الخارجية)، كما اسميت فيما بعد،

стр. 2929

الشعب الجزائري كله في السجن الاستعماري الكبير

стр. 2930

مهمة للغاية؛ وهي تنظيم طرق الإمدادات عبر أراضي تونس والمغرب (مراكش) لفتح جبهات حربية جديدة في البلاد. وظل هؤلاء الشبان يقودون (ثورة الجزائر) حتى شهر آب (اغسطس) عام (١٩٥٦)، وانضم اليهم في غضون هذه المدة عدد من الأفراد المهمين من اعضاء اللجنة المركزية لحركة (انتصار الحريات الديموقراطية) ومن (الاتحاد الديموقراطي) لأنصار البيان - فرحات عباس) و (جماعة العلماء - أحمد توفيق المدني) واخد اكثرهم يعمل في (البعثة الخارجية) التي أخدت توسع نشاطها الدبلوماسي. يظهر من ذلك ان هناك ثمة تداخل كبير بين القيادات السياسية والعسكرية القائمة في القمة من (جبهة التحرير الوطني) و (جيش التحرير الوطني)؛ ولقد ضمت جبهة التحرير الأعضاء الرئيسيين في هذه القيادات ضمن هيئتيها الحاكمتين، أما على المستويات المنخفضة، فعلى الرغم من الترابط القائم بين جهاز الجبهة وجهاز الجيش، فإن الجهازين منفصلين إلى حد ما؛ فعلى جميع مستويات الجيش، يرتبط المفوضون السياسيون أو المثقفون بالقيادة العسكرية، وهم يحملون نفس الرتب التي يحملها إخوانهم العسكريون، ويتولى المفضون السياسيون مهمة إعداد القواعد للعمليات العسكرية، عن طريق الدعاية والنشاط الإعلامي، وكذلك إقامة الإدارات المحلية للعناية بالشؤون غير العسكرية أثناء إقامة الجيش في منطقة من المناطق وبعدها، وتقوم الجبهة بمجهود أساسي في هذا الميدان لإقامة دولة داخل دولة، تتولى بالنسبة إلى الجزائريين سرا وعلانية، في المناطق المحررة، جميع الأعمال التي كانت تقوم بها الإدارة الفرنسية حتى الثورة، فيعمل المفوضون

стр. 2931

السياسيون في كل قرية على تنظيم (مجالس الشعب). وكما رفضت الجبهة فكرة (القيادة الفردية) على مستوى القيادة العليا، فكذلك فعلت على مستوى القاعدة حيث نظمت القيادة على أساس جماعي، والمهمة الرئيسية لهذه القيادة هي تنظيم العلاقات القوية بين قوات الثورة وجمهور الشعب، وتعبئة المنطقة للحرب، وتأمين جميع المتطلبات الأساسية للمواطنين. وتقوم (المجالس الشعبية) على أساس الانتخاب، ويرأس كل مجلس منها رئيس مسؤول عن القضايا المدنية، وعن نقل الشكاوى المحلية إلى السلطات العليا في كل الأحوال، وتتخذ القرارات بصورة مشتركة داخل (مجالس الشعب)، وهناك عضو ثان مسؤول عن القضايا المالية، مثل جمع الضرائب على أساس (القدرة على الدفع) واستخدام هذه الأموال بالطريقة الصحيحة، وثمة موظف ثالث مسؤول عن شؤون الدعاية والإعلام، وهو يقوم بتوزيع أنباء جبهة التحرير وجيشها، ويعمل على دعم الروح المعنوية، ويكتشف الخونة ويبلغ عنهم، ويؤمن توزيع البريد والاتصالات السريعة، ويتولى أيضا شؤون التعليم الابتدائي (الأولي)؛ وهذا الموظف هو المساعد المحلي للمفوض السياسي في المنطقة كلها، وهناك موظف رابع مسؤول عن شؤون التموين والمواد الغذائية، وخامس عن قضايا الشرطة والأمن العام، ولديه الصلاحيات لاستدعاء شرطة الجيش عند الضرورة، ويتولى بعض الأعمال الأخرى، مثل: توزيع المياه في القرية، وتنظيم الملاجىء وأمور الدفاع السلبي ضد السلطات الفرنسية؛ ويقوم هذا الموظف بإبلاغ قيادة الجبهة فورا عن كل ما يحدث، كما يعمل على تأمين إخفاء مجاهدي جيش التحرير في القرى إذا ما لزم الأمر، وينظم الاجتماعات التي تعقد في المنطقة

стр. 2932

لقد عملت قيادة (جبهة التحرير الوطني) على تطوير تنظيمها بما يتناسب مع تطور عملها، غير أن التطور الحاسم لم يأخذ أبعاده الحقيقية إلا من خلال (مؤتمر الصومام) الذي عقد في ٢٠ - آب - أغسطس - ١٩٥٦، وما تم اتخاذه من مقررات في هذا المؤتمر.

стр. 2933

٢ - مؤتمر (وادي الصومام) وبعض مقرراته انقضت عدة أشهر في الإعداد للاجتماع الأول للمجلس الوطني للثورة الجزائرية الذي عقد في (وادي الصومام)، وكانت فكرة الدعوة إلى مؤتمر وطني يضم زعماء جميع الجماعات قد انبثقت من الاقتراح السابق لأعضاء اللجنة المركزية لحركة (انتصار الحريات الديموقراطية) وهو الاقتراح الذي تبناه عدد من قادة الجيش، وفي طليعتهم (زيروت) في الشمال القسنطيني، وقد اختار القادة العسكريون (وادي الصومام) مكانا لاجتماعهم بهدف تأكيد سيطرتهم العسكرية على المنطقة التي كان الفرنسيون يزعمون أنهم يسيطرون عليها. ولا ريب في أن اختيار هذه المنطقة مكانا للاجتماع، قد جعل اتخاذ الترتيبات الضرورية لعقده وكذلك تأمين الوصول إليه، وضمان الاتصالات مع الزعماء في الخارج، من الأمور الصعبة والشاقة، ولهذا فقد تأخر الإجتماع عن موعده المقرر بعض الوقت. وعندما اجتمع القادة العسكريون في الوادي، وجدوا أنفسهم منقطعين عن أعضاء (البعثة العسكرية) الذين كانوا ينتظرون الأخبار في إيطاليا، ولكن القرار قد اتخذ من قبل (عبانة) وحده على الغالب بعقد المؤتمر بأي ثمن.

стр. 2934

قرر مؤتمر (وادي الصومام) أن يتألف (المجلس الوطني للثورة الجزائرية) من سبعة عشر عضوا كاملي العضوية، وسبعة عشر عضوا مساعدا، وكان من بين الأعضاء - كاملي العضوية - عدد من منظمي (اللجنة الثورية للوحدة والعمل) وبعض القادة العسكريون الجدد، (وفرحات عباس) الذي سافر إلى القاهرة في العام ١٩٥٦ للانضمام إلى جبهة التحرير، وأحمد (توفيق المدني) من جماعة العلماء، وعدد من زعماء حركة انتصار الحريات الديموقراطية البارزين من أمثال (الأمين دباغين) و (محمد يزيد). وضمت قائمة الأعضاء المساعدين (بن يحي) الذي نظم حركة الطلاب المنضمة لجبهة التحرير و (عبد الحميد المهري) من أعضاء اللجنة المركزية (لحركة انتصار الحريات) السابقين، وها هي قائمة كاملة بأسماء الأعضاء الكاملين والمساعدين في المجلس الوطني للثورة الجزائرية، كما تألف في العشرين من آب - أوت - ١٩٥٦: أ - الأعضاء الكاملون: (حسين آية أحمد، فرحات عباس، رمضان عبانة، أحمد بن بيللا، مصطفى بن بو العيد، بن يوسف ابن خدة، محمد العربي بن مهيدي، رابح بيطاط - وكان سجينا في قبضة الفرنسيين منذ شباط، فبراير، ١٩٥٥ - ، محمد بوضياف، سعد دحلب، محمد خيضر، كريم بلقاسم، محمد الأمين دباغين، أحمد توفيق المدني، محمد يزيد، يوسف زيروت. ب - الأعضاء المساعدون: عماره العسكري، بن عورة، الأخضر بن طوبال، محمد بن يحيى، بومدين، عبد الحفيظ بوصوف، محمود شريف، سليمان دهيليس، أحمد فرنسيس،

стр. 2935

العموري، أحمد محساس، عبد الحميد المهري، علي الملاح، ابراهيم مزهودي، الطيب الثعالبي. ج - وانتخب (مؤتمر الصومام) أيضا أعضاء (لجنة التنسيق والتنفيذ) التي تكونت من خمسة أعضاء حفظت أسماؤهم سرا، وهم: (رمضان عبانة، وبن يوسف بن خدة، ومحمد العربي بن مهيدي، وسعد دحلب، وكريم بلقاسم)، وكلهم من القادة العاملين على أرض الجزائر ذاتها. وقد عكست هذه اللجنة الأهمية الأولى للعمل العسكري، وصعوبة الاعتماد على الاتصالات بصورة دائمة واعتيادية بين القادة في الداخل والخارج، ونصت قرارات مؤتمر (وادي الصومام) على أن المجلس الوطني للثورة الجزائرية هو: (أعلى جهاز للثورة يوجه سياسة جبهة التحرير، وهو الهيئة الوحيدة المخولة في النهاية باتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل البلاد)، والمجلس الوطني هو: (صاحب الحق وحده في إصدار الأمر بوقف إطلاق النار)،أما لجنة التنسيق والتنفيذ (فهي مجلس الحرب الحقيقي، وهي مسؤولة عن توجيه وإدارة جميع فروع الثورة من عسكرية وسياسية ودبلوماسية، وهي تسيطر على جميع هيئات الثورة المنظمة من سياسية وعسكرية ودبلوماسية واجتماعية وإدارية، وجميع القادة العسكريين مسؤولون بصورة مباشرة أمام لجنة التسيق والتنفيذ). وقد أقامت اللجنة مركزها في الجزائر، على الرغم من أن أعضاءها كانوا دائمي التنقل، وكان على اللجنة أن تعين لجانا فرعية تدرس مختلف القضايا المتعلقة بنشاط الثورة في الحاضر والمستقبل، وتكون هذه اللجنة مسؤولة أمامها.

стр. 2936

لقد وضع القادة في مؤتمر (وادي الصومام) أسسا واضحة لخط مسار الثورة، وعالجوا همومها وما تجابهه من مصاعب وعقبات وحددوا طرائق معالجتها، ومن هنا تبرز الأهمية التاريخية لما تمخض عنه هذا المؤتمر، الأمر الذي يفرض ضرورة التوقف عند بعض من مقتطفات (منهج الصومام) الذي صدر في ٢٠ - آب - أغسطس - ١٩٥٦، وفقا لما وردت في (وثائق الثورة) (*): لضمان انتصار الثورة الجزائرية، في الكفاح من أجل الاستقلال الوطني. مقدمة غرض هذا الجزء من البيان الأساسي لنشاط جبهة التحرير الوطني هو تحديد موقف الجبهة بصفة عامة في مرحلة حاسمة من مراحل الثورة الجزائرية، مقسما الى أقسام ثلاثة: ١ - الحالة السياسية الحاضرة. ٢ - البوادر العامة. ٣ - وسائل العمل والدعاية. ١ - الحالة السياسية الحاضرة أ - تقدم الثورة الجزائرية العاصف الجارف. تحارب الجزائر منذ عامين ببطولة وبأس شديد في سبيل الاستقلال الوطني، وإن الثورة الوطنية المناهضة للاستعمار لجادة في السير، وإنها لتفرض إعجاب الرأي العام العالمي.

стр. 2937

١ - المقاومة المسلحة لقد خرج جيش التحرير الوطني من أول اختبار في القتال موفقا فائزا، في وقت قصير نسبيا، بعد أن كان منحصرا في جبال (أوراس) وفي (بلاد القبائل)، فقد أحبط حملة التطويق والإبادة التي شنها عليه جيش قوي عصري، هو في خدمة النظام الاستعماري لدولة من أكبر دول العالم. وعلى الرغم من قلة السلاح، وقتها، فقد استطاع جيش التحرير الوطني توسيع نطاق عمليات العصابات والمناورات والاتلاف التي أصبحت اليوم تعم التراب الوطني كله، وما انفك يدعم مراكزه بتحسين خطته وفنه ونفوذ عمله، واستطاع أن ينتقل بمزيد السرعة من حرب العصابات إلى مستوى الحرب الجزئية. وأجاد تنسيق الأساليب المجربة في الحروب ضد الاستعمار مع الأساليب العادية، وتطبيقها تطبيقا منظما يتماشى وخصائص البلاد، وأقام البرهان الكافي الآن، وقد تم توحيد نظامه العسكري، على أنه متمكن من الفن المطلوب لحرب تشمل كافة القطر الجزائري. إن جيش التحرير الوطني يحارب من أجل قضية عادلة. إنه يضم وطنيين ومتطوعين ومجاهدين، عازمين مصممين على الكفاح والنضال باذلين النفس والنفيس الى أن يتم تحرير الوطن الشهيد، ولقد تعزز جانبه بمن انضم إليه من الضباط والجنود المحترفين أو المجندين الذين استيقظت فيهم مشاعر الوطنية فهجروا صفوف الجيش الفرنسي بما معهم من سلاح وتجهيزات. ولأول مرة في التاريخ العسكري، لم تعد فرنسا تستطيع

стр. 2938

الاعتماد على (إخلاص الجنود الجزائريين) بل اضطرت إلى نقلهم إلى فرنسا وألمانيا، وعصابات (الحركة - القومية) التي كونتها السلطة الفرنسية بمن اختارتهم من العاطلين، وأغرتهم في أغلب الأحيان، وخدعتهم في حقيقة العمل الذي دعتهم اليه، فقد أخذت تهرب وتتوارى في الجبال والغابات، أما بعض هذه - الحركات - فقد عمدت السلطة إلى تجريدها من السلاح وحلها لشدة استيائها من النتيجة. إن جيش التحرير الوطني يمتلك ذخيرة وفيرة لا تنفذ من الرجال، وكثيرا ما يضطر الجيش إلى رفض تجنيد الجزائريين شبانا وشيوخا، من الحواضر ومن البوادي، وهم ينتظرون بفارغ الصبر أن يتاح لهم إحراز الشرف بالجندية في جيشهم. ويتمتع جيش التحرير الوطني بحب الشعب الجزائري حبا عميقا، وتأييده الحماسي الشديد وتضامنه الفعال المعنوي والمادي، التام الكامل المتين. فكبار الضباط وقادة المناطق والمحافظون السياسيون، وإطارات جيش التحرير وجنوده، يعظمون ويكرمون من قبل جماهير الشعب تعظيم وتكريم الأبطال الوطنيين، وهم يمجدونهم في أغانيهم الشعبية التي نفذت إلى الكوخ الفقير والخيمة البائسة، كما اقتحمت الغرفة المنزوية بين الأزقة الضيقة، وإلى الردهات والبيوتات الرفيعة. تلك هي الأسباب الجوهرية (للمعجزة الجزائرية)؛ فقد خيب جيش التحرير الوطني سعي القوة الهائلة التي يمتلكها جيش الاستعمار الفرنسي المدعم (بالفيالق الذرية) والتي تم سحبها من القوات المخصصة للدفاع عن أوروبا الغربية، الأمر الذي أرغم القادة الفرنسيين - الجنرالات - على الاعتراف: بأنه من المحال

стр. 2939

إيجاد تسوية للقضية الجزائرية عن طريق الحل العسكري، هذا على الرغم من النجدات التي يستمر تدفقها عليهم، والتي سرعان ما تغدو غير كافية، وعلى الرغم أيضا من خطة تقسيم البلاد المعروفة (بكادرياج) أو غيرها من الخطط التي لم يكن لها تأثير، كما لم يكن هناك أي تأثير لما أطلقوه من النار وآلات الدمار. ولزاما علينا أن نشير بصورة خاصة إلى منظمات المقاومة الكثيرة الذي تشكلت في المدن، والتي أصبحت تؤلف جيشا ثانيا لا يرتدي أفراده الثياب العسكرية؛ وقد أبدت الأفواج المسلحة في المدن والقرى، بما قامت به من الإغارات على مراكز الشرطة والدرك وتدمير المباني العامة وإشعال الحرائق، والقضاء على أصحاب الرتب من رجال الشرطة والوشاة والخونة، وهذا مما يضعف الهيكل العسكري وجهاز شرطة العدو الاستعماري إلى درجة لا يستنهان بها، ويزيد من تشتيت قواه في كافة أنحاء البلاد، ويضاعف من تدهور الروح المعنوية لجنوده الذين سبقون دائما في حالة إرهاق وإزعاج بسبب اضطرارهم للبقاء باستمرار في حالة استنفار. ومن الأمور التي لا ينكرها احد أن نشاط جيش التحرير الوطني قد قلب الجو السياسي في الجزائر، ولقد أحدث صدمة نفسية أيقظت الشعب من سباته، وحررته من روعه، وأزالت عنه ريبته، وبعثت في الشعب الجزائري الشعور بكرامته القومية، وكونت اتحادا روحيا وسياسيا بين جميع الجزائريين، فظهر ذلك الإجماع الوطني في دعم الكفاح المسلح، وجعل انتصار الحرية أمرا حتميا لا بد منه. ٢ - تنظيم سياسي فعال أصبحت جبهة التحرير الوطني، رغم طبيعة نشاطها السري،

стр. 2940

هي المنظمة الوطنية الحقيقية الوحيدة، ونفوذها في عامة القطر الجزائري لا يقبل الجدل أو النقاش، وقد نجحت الجهة في فترة زمنية قصيرة جدا، بالتفوق على سائر الأحزاب السياسية القائمة منذ عشرات السنين، ولم يحدث ذلك عرضا ومصادفة، وإنما كان نتيجة توافر الشروط الضرورية الآتية: أ - منع النفوذ الفردي، وإقرار مبدأ الإدارة الجماعية المؤلفة من رجال أطهار أمناء يتنزهون عن الرشوة، شجعان لا يردهم الخطر ولا السجن ولا رهبة الموت. ب - وضوح المذهب، فالغاية المنشودة هي الاستقلال الوطني، والوسيلة هي الثورة بتدمير الحكم الاستعماري. ج - تحقق اتحاد الشعب في الكفاح ضد العدو المشترك، بدون تحيز أو تعصب. لقد أكدت جبهة التحرير الوطني في أول عهد الثورة: (أن تحرير الجزائر سيكون عمل جميع الجزائريين، لا عمل جزء فقط من الشعب الجزائري، مهما كان هذا الجزء كبيرا، ولذا فإن جبهة التحرير ستعتبر في كفاحها جميع القوى المضادة للاستعمار، وإن هي لم تزل خارجة عن نطاق إشرافها). د - الاستنكار النهائي لتقديس الشخصية، والكفاح العلني ضد الصعاليك والوشاة وخدام الإدارة الفرنسية والشرطة وجواسيسها - عيونها - ومن ثم كانت قدرة جبهة التحرير الوطني على إحباط المناورات السياسية وأبطال مكائد منظمات الشرطة الفرنسية، وليس معنى هذا أن المصاعب أزيلت كلها، فإن نشاطنا قد أعاقته في المرحلة الأولى العوائق الآتية: أ - قلة الإطارات، وقلة الوسائل المادية والمالية. ب - ضرورة القيام بعمل طويل شاق في توضيح الجو السياسي

стр. 2941

وبيان الموقف بأناة وصبر وثبات للتغلب على الاضطراب الذي لا بد منه، مثل الاضطراب في الجسم خلال مرحلة البلوغ. ج - الواجب الاستراتيجي الذي يقتضي ربط الأمور كلها بجبهة الصراع المسلح. وإن هذا الضعف الذي هو عادي ولا بد منه في البداية قد أصلح، وأمكن استدراكه، فبعد المدة التي كانت جبهة التحرير فيها تكتفي بإلقاء الأوامر بمقاومة الاستعمار، برزت الجبهة بروزا حقيقيا في ميدان الكفاح السياسي، على نحو ما شهدناه، وقد امتازت هذه النهضة بالإضراب التذكاري الذي أعلن في الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٥؛ ذلك الإضراب الذي كان يعد الحدث الحاسم، سواء لما له من مظهر، أو لما له من نتيجة إيجابية وصفة بعيدة المدى، حيث كان يدل على نفوذ الجبهة لدى جميع طبقات الأمة، ويعرف كل جزائري أنه ما من منظمة سياسية استطاعت تنظيم إضراب عظيم كهذا شمل كل مدن الوطن وقراه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن النجاح الذي وفقت إليه جبهة التحرير الوطني في دعوتها إلى عدم التعاون السياسي مع الفرنسيين، لم يكن برهانه أضعف من برهان الاضراب، لقد كان من شأنه استقالة النواب الوطنيين، التي تلتها استقالة النواب الموالين للإدارة أن أرغمت الحكومة الفرنسية على العدول عن تمديد نيابة النواب في المجلس الوطني الفرنسي، وعلى حل المجلس الجزائري، أما المجالس العمالية والبلدية والجماعات فقد حلت بدورها ولم يعد لها وجود. ومما زاد في هذا الفراغ، ووسع من رقعته، استقالة عدد كبير من الموظفين وأعوان السلطة الاستعمارية، من

стр. 2942

القادة ورؤساء الأقسام والحرس، ولما لم تجد الإدارة الفرنسية مرشحا أو عضوا، تمزقت أوصالها، وانحلت أجزاؤها، وأصبح هيكلها غير قادر على ممارسة دوره الوظيفي، ولم تجد من يتعاون معها من الشعب، وإنما وجدت سلطة جبهة التحرير قائمة معها في جميع الجهات وهذا التفتت البطيء، ولكنه في الوقت ذاته بعيد المدى في التأثير على الإدارة الفرنسية، قد مكن من نشوء ازدواج النفوذ ونموه، وتقوم إدارة الثورة الآن بما لها من جماعات سرية، ومرافق تشتغل بالتموين وجباية الضرائب والقضاء، وتجنيد المجاهدين، والأمن والاستعلامات، وستتقدم إدارة جبهة التحرير بمرحلة جديدة بما تؤسسه من مجالس شعبية ينتخبها سكان القرى، قبل الذكرى السنوية الثانية لثورتنا، وقد ثبت الوعي السياسي لجبهة التحرير ثبوتا جليا باهرا بانضمام الفلاحين إلى صفوفنا لأن الحصول على الاستقلال الوطني معناه أيضا في نظرهم الحصول على الإصلاح الزراعي الذي سيملكهم الأراضي التي يستثمرونها بأيديهم، ونجم عن هذا كله نشوء جو ثوري انتشر بسرعة في كافة البلاد، وكان من شأن وجود أفراد من الحضر ذوي إدراك سياسي واسع وحنكة بالغة تحت إشراف جبهة التحرير وتسييرها البصير أن مكن من التنبيه السياسي للنواحي المتأخرة، وكانت مساعدة الطلبة والطالبات كبيرة النفع، لا سيما في الميدان السياسي والميدان الإداري والميدان الصحي. لقد اجتازت الثورة الجزائرية مرحلتها التاريخية الأولى بعزة وشرف، وإن هذه الحقيقة، الحية، قد أبطلت الرهان العابث الذي تقدم به الاستعمار الفرنسي حيث ادعى أنه يقضي عليها في أشهر قلائل. إنها ثورة منظمة وليست بحركة ثورية فوضوية، إنها كفاح

стр. 2943

وطني يهدف إلى تدمير حكم الاستعمار الفوضوي، وليست بحرب دينية، إنها سير الى الأمام في الاتجاه التاريخي للإنسانية، وليست برجوع إلى النظام الاقطاعي. والحاصل، إنها كفاح وطني يهدف إلى تدمير حكم الاستعمار من أجل إقامة نهضة دولة جزائرية في شكل جمهورية ديمرقراطية واجتماعية، وليست في سبيل إعادة حكم ملكي، أو حكم قائم على ما يعبر عنه (باللاهوتية) فتلك أنظمة قد اضمحلت ودالت دولتها. ٣ - إخفاق المنظمات السياسية السابقة من آثار الثورة الجزائرية على الشعب الجزائري أنها عجلت بنضجه السياسي؛ فقد شحذت ذهنه، وأذكت فيه روح النقد والتمحيص، وأبدت له على ضوء التجربة الحاسمة، تجربة النضال في سبيل الحرية، وعجز المذهب الاصلاحي وعقم الشعوذة الخادعة المناهضة للثورة، ولقد ظهر إخفاق الأحزاب القديمة للعيان جهارا، وتفككت المنظمات المختلفة؛ فأما الأعضاء الأساسيون فانضموا إلى جبهة التحرير الوطني، وأما (حزب البيان) المنحل و (جمعية العلماء) فأيدا بشجاعة مواقف جبهة التحرير، وأما (جمعية الطلبة المسلمين الجزائريين) التي تضم سائر الجامعيين وتلاميذ المدارس الثانوية فنادت بنفس العاطفة على لسان مؤتمرها الذي وافق على الأمر بإجماع، وأما (الهيئة المركزية -لحركة انتصار الحريات الديموقراطية) فقد ذهبت ولم يبق لها أثر سواء بصفتها مجمعا للزعماء السابقين، أو بصفتها نزعة سياسية. أ - انهيار مذهب (مصالي) لم تكن الحركة القومية الجزائرية لتقوى على التغلب على الأزمة

стр. 2944

التي أودت بحركة انتصار الحريات الديموقراطية، وذلك رغم ما تظاهرت به من خدمة للشعب في محاولة لاستمالته إليها، ولم يبق لها من هيكل أساسي إلا في فرنسا، لوجود مصالي بها وهو في المنفى، ولجهل المهاجرين الجزائريين بفرنسا لحقيقة الموقف في الجزائر جهلا تاما؛ فمن هناك كانت تصدر الأوامر والأموال والرجال لتنظيم أفواج مسلحة ومناطق منشقة للمقاومة، ولم يكن الغرض منها المساهمة في محاربة العدو الممقوت، بل القيام بعمليات التحدي والاستفزاز، وإفساد الثورة الجزائرية التي تجابه النظام الاستعماري وجيشه وشرطته وذلك عن طريق القيام بجهد لإحباط عمل قادتها العسكريين والسياسيين، بما تبشه من روح الهزيمة، وما تدخله من الاضطراب وما تقترفه من أعمال القتل. لقد ظهر كل نشاط الحركة القومية الجزائرية، المشتت والقصير المدى، في بعض المدن القليلة ومنها مدينة الجزائر، وظهر هذا النشاط في إطار تكتل مناهض للثورة، قام بعمليات التفرقة والإلهاء (كالحملة على بني ميزاب) واللصوصية (كابتزاز أموال التجار) والتشويش والافتراء (كتقديم مصالي بصفته مؤسس جيش التحرير الوطني وقائده)، وقد فقد مذهب مصالي قيمته كتيار سياسي، وأصبح شيئا فشيئا مجرد حالة نفسية تذوب وتضعف بتوالي الأيام. وحسبنا دليلا على قيمة هذا المذهب، أن آخر المعجبين بمصالي والمدافعين عنه، هم الصحفيون والأدباء القريبون من رئاسة الحكومة الفرنسية؛ فهم يذهبون إلى استنكار جحود الشعب الجزائري الذي لم يعد يعترف (بفضل مصالي ومزاياه الاستثنائية وهو الذي أنشأ القومية الجزائرية قبل ثلاثين عاما)، وإن نفسية مصالي أشبه شيء باعتقاد الديك الأحمق الذي جاء عنه في القصص

стр. 2945

أنه لا يكتفي بمشاهدة شروق الشمس ولكنه ينادي بأنه (هو الذي يجعل الشمس تشرق). إن القومية الجزائرية التي يزعم (مصالي) بوقاحة أنه هو محدثها، إنما هي حدث عالمي نتيجة تطور طبيعي تسير عليه جميع الشعوب التي تفيق من سباتها، فكما أن الشمس تشرق من غير أن يكون للديك في شروقها يد، فكذلك الثورة الجزائرية تنتصر من غير أن يكون (لمصالي) فيها فضل أو مزية. لقد كان هذا المديح لمذهب مصالي في الصحافة الفرنسية دليلا جديا على ما كان يجري من إعداد لجو مصطنع يوافق المناورة الواسعة النطاق ضد الثورة الجزائرية، تلك هي التفرقة التي هي السلاح المعروف للاستعمار. لقد حاولت الحكومة الفرنسية عبثا أن تقاوم جبهة التحرير الوطني بتنظيم الهيئات المعتدلة، ولما أيقن الاستعمار الفرنسي أنه لا يستطيع أن يعول على (السايح) أو (فارس) لأن فكرة (بني وي وي) قد كسدت سوقها وزالت بصفة نهائية لا رجوع بعدها، طمع في استخدام رئيس (الحركة القومية الجزائرية) في مكيدته الشيطانية الأخيرة، حتى يسلب الشعب الجزائري انتصاره؛ و (مصالي) في ذلك خير آلة للسياسة الاستعمارية لأنه رجل ذو غرور وعجرفة، ليس له ضمير ولا أنفة، وعلى هذا لم يكن من المصادفة قول (جاك سوستيل) للأستاذ (مانسيون) في شهر تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٥: (إن مصالي هو وسيلتي الأخيرة)، ولا يتورع الوزير المقيم (لاكوست) من التعبير للصحافة الاستعمارية الجزائرية عن سروره بملاحظة أن (الحركة القومية الجزائرية) إنما تعمل على
следующие страницы →