← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

إلى حلها) وكانت هذه (الصحيفة الفرنسية) (١) قد عالجت الموقف بقولها: (كذا نعتقد أن عبارة، الربع الساعة الأخيرة - في حياة الثورة الجزائرية - قد انتهت واختفت تماما من مصطلحات المسؤولين، ولكنها عادت إلى الظهور من جديد، بعد أن اجتازت السخرية على شفاه الناطق الرسمي لمصلحة الاستعلامات بالمندوبية العامة للحكومة بالجزائر الذي قال: إن جبهة التحرير الوطني قد أصبحت مرة أخرى في ربع ساعتها الأخيرة. وقد كان يقصد بذلك الانتخابات البلدية التي سيقضى بها نهائيا على المنظمة السياسية والعسكرية لجبهة التحرير الوطني. وقد أضيف إلى الذرائع التي كانت سببا في إطالة أمد الحرب الجزائرية، أمام الرأي العام المصاب بالذهول، سبب آخر هو: انتخابات جديدة لم يحدد موعدها. وهذا ما حملته الأخبار في هذه الأيام، بعد أن كانت تتعلل أحيانا بمناقشات هيئة الأمم المتحدة واقتراحاتها، وأحيانا أخرى باجتماعات وزراء الحكومة الجزائرية في القاهرة، أو مؤتمرات تونس او الرباط. لقد كان وقع تلك الكمائن التي نصبها المجاهدون الجزائريون ذا أثر بالغ في الرأي العام، مما يكذب التأكيدات المتفائلة المروجة، فالحال لم تتغير عن كانون الثاني - يناير - ١٩٥٧، وقد مضى عامان، فغير صحيح أننا في الربع الساعة الأخيرة. ولنتساءل عن أهمية وقيمة تلك العبارات التي تقال اليوم، فقد سبق أن أكدها منذ شهرين تقريبا أكبر سلطة عسكرية، فقال أن هناك أعمالا إرهابية وخلايا للثوار سيستطيع الجيش الفرنسي قهرها فلديه ما يلزمه للقيام

стр. 2872

بتلك المهمة، وأن الحرب كادت تنتهي. ولكن النشرة الأسبوعية للمندوبية العامة بالجزائر اعترفت هذا الأسبوع أن عدد الجنود غير كاف في بعض القطاعات، كما أن قادة القطاعات لم تكن لديهم الوسائل الضرورية، مما أدى إلى عجزهم عن القيام بمهامهم المتعددة، ولا يكفي إخفاء أرقام الخسائر حتى نحمي جيشنا منها، وإن الاحصاءات المتوافرة تؤكد للأسف أن الجيش الفرنسي يعاني من تدهور كبير لم يتعرض له من قبل). أما صحيفة - المجاهد - لسان حال الثورة الجزائرية، فقد كتبت ما يلي: (بوغت المراقبون للأعمال العسكرية، بالحملة الإعلامية الساذجة التي رافقت حركة (١٣ أيار - مايو) والتي زعمت أن هذه الحركة قد نجحت في وضع حد نهائي للثورة. ولم يتمكن أولئك المراقبون من أن يفهموا كيف أن مجرد قيام الأوروبيين بمظاهراتهم واحتفالاتهم كاف للقضاء على الثورة. والواقع أن جماعة حركة ١٣ أيار - مايو - كان أملهم في إنهاء الثورة هو في اتفاق الشعب الجزائري معهم وتنكره لثورته، ولذلك رفعوا أسطورة (الأخوة الاسلامية - الفرنسية) إذ ذاك، ثم تولى - جاك سوستيل -وزارة الإعلام في فرنسا فأصدر تعليماته إلى الصحف بأن تصمت نهائيا عن نشر أنباء المعارك التي لم تتوقف، وتوهم الفرنسيون فعلا أن الثورة إذا لم تنته فعلا فقد ضعفت، وأنها على أبواب التلاشي والاضمحلال. ثم دخل - ديغول - ذاته في هذه الحملة الدعائية المخجلة فزعم في (قسنطينة) أن صفحة الحرب قد انتهت، وأننا الآن سنشرع في كتابة صفحة الاقتصاد. ثم تذكر ماريشال فرنسا - جوان - من ناحيته أن الفرصة قد سنحت له مرة أخرى ليظهر عبقريته العسكرية، ويؤكد وطنيته في الوقت ذاته، فزعم بعد ديغول بأيام:

стр. 2873

أن الثورة تعتبر منتهية من الناحية العملية. ولكن دهشة المراقبين الجديين، كانت أعظم من دهشتهم الأولى عندما رأوا الفرنسيين في الأسابيع الأخيرة يتحدثون فجأة عن خطورة الموقف العسكري الفرنسي في الجزائر، وعن فساد العتاد الفرسي بجملته وعدم صلاحيته للاستعمال، وعن قلة الجنود الفرنسيين الأمر الذي تسبب لهم في حدوث خسائر فادحة لهم في المعارك الأخيرة. ... الخ ... وجاء وزير القوات المسلحة إلى الجزائر ليبحث (هذا الوضع الخطير) على الطبيعة فوجد كلمة واحدة تتردد على ألسنة جميع الضباط: إننا نريد المزيد من القوات، ووجد المقيم الفرنسي الجديد ذاته وهو يطالب بإرسال المزيد من القوات ويقول: إن المشروع الاقتصادي الذي كلفني ديغول بتنفيذه في الجزائر، لا يمكن أن أحققه، ولو جزئيا، إلا إذا وصلت قوات دعم جديدة) وعادت صحيفة (لوموند) المعروفة بتأييدها للجنرال - ديغول - فقالت: (تعتبر الفترة الواقعة بين ٢٠ و٢٤ كانون الثاني - يناير - ١٩٥٩، من أبرز الفترات التي أصيبت فيها قوات الأمن بخسائر فادحة منذ بداية الثورة وحتى اليوم، ولهذا فإن القوات الفرنسية ستجد نفسها مرغمة على مواجهة العودة المباغتة لأسلوب من أساليب الصراع هو أشد فتكا وقتلا، وتدل جميع الظواهر على أن قادة الوحدات الفرنسية قد اطلعوا (السيد جيوم) على النقص الموجود في عتادهم الحربي، وعلى قدم ذلك العتاد وعدم صلاحيته للحرب (؟). وفعلا فالأسلحة والسيارات وأجهزة الراديو وجميع الأعتدة الحربية قد استنفذت المدة التي كانت مقررة لاستعمالها العادي، خصوصا وأن قسما من هذا العتاد قد استعمل في الهند الصينية من قبل - فييتنام - ولا يمكن ترقيعه إلى ما لا نهاية ... هذا وإن الخسائر

стр. 2874

التي تتكبدها قوات الأمن تؤكد أن جبهة التحرير الوطني ما تزال قادرة على القيام بعمليات مباغتة تلحق بالقوات الفرنسية أفدح الخسائر وهذا يناقض ما كانت تأمله أو تقوله القيادة الفرنسية عن قرب انتهاء الحرب).

стр. 2875

٥ - ديكتاتورية ديغول في الجمهورية الخامسة تولى الجنرال (ديغول) السلطة على أمل (إنقاذ فرنسا)، وعلى هذا الأساس طلب إلى (الجمعية الوطنية الفرنسية) منحه سلطات استثنائية، ووافقت الجمعية الوطنية على طلبات (ديغول) بأغلبية ساحقة، ومضى ديغول لتحقيق المعجزة، على ما كان يعتقده، مستثمرا (هيبته الشخصية)، لكن هيبة الرجل الأبيض، وتفوق القائد العسكري، كانت قد انمحت من أذهان الثوار الجزائريين. ومضت الأيام متلاحقة والشعب الفرنسي يتململ ويتذمر تحت أعباء الحرب، وينتظر في (لهفة) حدوث المعجزة. لكن هذه لم تحدث، فديغول لم يوقف الحرب، وإنما على النقيض من ذلك فقد أسهم في زيادة تأججها، وشباب فرنسا الذي يقضي إجازته على رمال الجزائر الحارة الملتهبة لا زال هناك، وصار حجم القوات الفرنسية في الجزائر يناهز المليون. واستمرت السفن الفرنسية في حركتها ما بين فرنسا والجزائر وهي تنقل كل يوم المزيد من القوى ووسائط القتال، وتعود حاملة معها دفعات جديدة من القتلى والجرحى الذين أصبحوا - نهائيا - خارج القتال. وظل المشهد الحزين يتكرر في موانىء فرنسا في عهد الرئيس (ديغول) مع فارق بسيط، وهو أن

стр. 2876

عدد المنتظرين قد زاد كثيرا عما كان عليه في العهود السابقة. كان مشهد الأرامل، والأمهات الثكالى، والأطفال الأيتام، وحاملي النعوش وباقات الورود، كانوا كلهم ينتظرون جثث الضحايا الذين قتلتهم سياسة (ديغول) فوق أرض الجزائر، في سبيل قضية ليست هي قضية الشعب الفرنسي، وإنما هي قضية المائتي عائلة التي استوطنت في الجزائر واستثمرتها. وهكذا مضت سياسة ديغول: إبادة للمسلمين في الجزائر، ومأتم مقابل في فرنسا، وكل الصور التي شهدها الشعب الفرنسي في عهود (غي موليه) و (مونوري) و (غايار) عاد مرة أخرى ليشهدها في عهد (ديغول) ولكن على نطاق أوسع وعلى شكل أضخم. وبصرف النظر عن كل شيء، فقد كان الحال في عهد (غي موليه) وخلفه، أحسن مما أصبح عليه الحال في عهد (ديغول) من وجهة نظر الفرنسي على الأقل. فقد كان هذا الشعب المنكوب بعقلية الاستعمار، والمصاب بعقدة (العظمة) يستطيع في الأيام الخوالي أن يعبر عن أزمته، وأن يفرج عن كربته بالمظاهرات والاضطرابات والاحتجاجات، وكان يجد عزاءه في صخب النواب بالجمعية الوطنية، وفي ضجيح الأقلام على أوراق الصحافة، كما كان يجد سلواه في إسقاط حكومة ورفع غيرها مع ما يرافق ذلك من أمل في الوصول الى حل منشود، ولكن في عهد (ديغول) لا عزاء، ولا سلوى، ولا أمل ... لقد وضع الرئيس ديغول الشعب الفرنسي في سجن كبير حتى يصبح عاجزا عن مقاومة مخططاته ومشاريعه، وذلك عن طريق مجموعة من القوانين التي أصدرها لمجابهة الموقف المتدهور يوما بعد يوم. وكان من أول القوانين، وأكثرها خطورة (قانون الدفاع

стр. 2877

المدني) الذي ينص على اعتبار فرنسا في حالة حرب دائمة، ولا فرق في هذا بين حالة الحرب العدوانية والحرب الدفاعية، وبات من حق - ديغول - وفقا لهذا القانون؛ أن يمارس جميع السلطات وأن يستخدم جميع الصلاحيات التي تمنحه إياها حالة الحرب، وأول تلك الصلاحيات هي حق الاعتقال والمصادرة وقمع المعارضة. ثم أصدر - ديغول - (قانون الصحافة) فأخضعها لرقابة السلطة الجديدة - سلطة الحرب - وبذلك قضى على حريتها التي اشتهرت بها، وتبع ذلك إصدار (قانون الاصلاح القضائي أو العدلي) الذي منع بموجبه المحاكم من النظر في القضايا المتعلقة بممارسة الحكومة لصلاحياتها وسلطاتها الاستثنائية، فحد بذلك من رقابة (السلطة القضائية)، وحرم الشعب الفرنسي بذلك من الملجأ الأخير له ضد تعسف السلطة الجائرة التي فرضها - ديغول - عليه. ليس هذا فحسب، بل إنه عمل على تمديد أجل الخدمة الإلزامية للمجندين العاملين في حرب الجزائر، فجعل مدتها (٢٤) شهرا، بموجب (قانون الدفاع المدني). وظن ديغول أنه بهذه الإجراءات سيتمكن من مجابهة ظروف (حرب الجزائر) ومتطلباتها، على نحو أفضل، غير أنه ما لبث أن وجد نفسه أمام موقف معقد، إذ باتت نفقات الحرب شديدة الوطأة حتى أنها وصلت إلى مبلغ ثلاثة ملايين دولار يوميا. وعلاوة على ذلك، فإن زج نصف مليون مجند فرنسي جديد - في حرب الجزائر - قد حرم فرنسا من القدرة الانتاجية لهؤلاء المجندين، وأضعف من قوة (الدخل القومي)، وظهر لفرنسا أن الأزمة هي بالدرجة الأولى (أزمة اقصادية) وبات على ديغول إيجاد مخرج مناسب لها. لقد انصرف رجال المال والاقتصاد في فرنسا خاصة، وفي

стр. 2878

أوروبا عامة، وأجمع رأيهم على حقيقة واحدة وهي أن (حرب الجزائر) هي سبب الأزمة الاقتصادية التي أغرقت فرنسا، وأنه من المحال إجراء أي اصلاح حقيقي إلا بإيقاف الحرب، إذ أن مصير كل محاولة للإصلاح الاقتصادي أو السياسي هو الفشل طالما أن هناك جيش فرنسي يضم نصف مليون جندي، يتابع محاولاته للاحتفاظ بالجزائر جزءا من فرنسا. وتجدر الاشارة هنا إلى ما أوردته صحيفة ألمانية تعرضت لمعالجة الموقف بقولها: (تكلف الحرب الجزائرية مبلغا قدره سبعة مليارات مارك على الأقل في العام، ويشكل ذلك خطرا كبيرا على البرامج الاقتصادية التي تسعى فرنسا لتحقيقها بمساعدة حلفائها، الذين يضيقون الخناق عليها). وكان لا بد لديغول وهو يحاول إيجاد مخرج للأزمة الاقتصادية من اللجوء إلى الحلفاء الأوروبيين، وكان عليه مقابل ذلك أن يقدم تنازلات لهؤلاء الحلفاء، وأن يتخلى عن كثير من المواقف التقليدية لسياسة فرنسا تجاه أوروبا، وبصورة خاصة تجاه ألمانيا الغربية، حيث كانت فرنسا تقف باستمرار ضد كل محاولة لبعث ألمانيا أو زيادة قدرتها أو توحيدها متأثرة بذلك بالجراح العميقة التي خلفتها المانيا في الجسم الفرنسي في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وقد وصف اقتصادي فرنسي، هذا الموقف بقوله: (... لقد اضطررنا إلى طلب المساعدة الأولية، ومن أجل ذلك دخلنا في مفاوضات وتوسلات طويلة نالت من كرامتنا إلى حد أننا قبلنا الشروط المفروضة، ووعدنا بالامتثال للنصائح المقدمة من طرف الدول التي أقرضتنا، فكانت نتيجة الخضوع لتلك الشروط والنصائح أن انخفض مستوى معيشة الجمهور الفرنسي، وانخفضت قيمة الأجور، لا بالنسبة بمستوى الأجور التي يتقاضاها

стр. 2879

العامل، أو الموظف، وإنما بالنسبة للقيمة الشرائية بالمقارنة مع ارتفاع الأسعار. كما انخفضت في الوقت ذاته قدرتنا الانتاجية. وأصبح اقتصادنا متوقفا من جديد على المساعدات الخارجية التي أصبحت من ناحيتها عسيرة جدا. وأمام هذه الاعتبارات لا يسعنا إلا أن نعرب عن مخاوفنا في مواجهة المستقبل الذي ينتظر الجمهورية الخامسة في المجالين الاقتصادي والمالي). وهكذا، قبلت فرنسا أن تشارك في إحياء العسكرية الألمانية، كما قبلت أن تشترك مع ألمانيا في مجموعة من المحالفات والاتفاقات الأوروبية، مثل (اتفاقية حلف شمال الأطلسي) و (اتفاقية السوق الأوروبية المشتركة) و (اتفاقية اليورانيوم) و (اتفاقية الاتحاد الأوروبي للفحم والصلب) و (اتفاقات باريسر التي تسمح لألمانيا بالتسلح وإنشاء جيش قوي في داخل إطار حلف شمال الأطلسي). وحينما تولى (ديغول) الحكم، توقع جميع المراقبين السياسيين منه تغيير هذه السياسة، وكان يقال: بأن (غي موليه) و (جايار) قد تساهلا كثيرا تجاه ألمانيا، وخضعا لتغلغلها هذا على حساب فرنسا، وتحت ضغط الانهيار الاقتصادي، والحاجة الملحة لقروضها ومساعداتها. وقيل أيضا: إنه إذا ما قبل أسلاف - ديغول - الهيمنة الألمابية، فإن ديغول بالذات لا يمكنه قبول هذا الوضع أو الاستمرار فيه، وهو القائد الذي حارب ألمانيا، وذاق مرارة الاعتقال في السجون الألمانية أيام الحرب العالمية الأولى، على أن (ديغول) لم يكد يتولى الحكم حتى صرح بأنه لا ينوي المساس بالاتفاقات الأوروبية التي باتت فرنسا مرتبطة بها. وذهب ديغول إلى أبعد مما ذهب إليه أسلافه، فقد قام بزيارة رسمية لألمانيا الغربية في أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨، وعقد محادثات رسمية وسرية مع مستشار ألمانيا

стр. 2880

في تلك الفترة (أديناور)، وصدر البيان المشترك لهذه المحادثات يوم ١٤ - أيلول - سبتمبر - وهو يعلن: (أن التعاون الوثيق بين جمهورية ألمانيا الاتحادية وفرنسا يساعد على دعم حلف شمالي الأطلسي وتقويته). وبعد ذلك بأيام قليلة، كتب (الجنرال شاسان) وهو أحد زعماء انقلاب ١٣ أيار - مايو - ومن أشد أنصار (ديغول) والمقربين إليه - ما يلي: (... يجب أن تمنح ألمانيا حق إنتاج القنبلة الذرية، بل واستخدامها عند الضرورة). ومقابل هذا التنازل الفرنسي، وعدت ألمانيا أن تقف إلى جانب فرنسا بكل ثقلها في حرب الجزائر، وفي مشاريع (استغلال الصحراء الجزائرية)، كما وعدت أن تمد فرنسا بكل ما تطلب من قروض ومساعدات حتى تستطيع متابعة حربها في الجزائر. وأدى ذلك - بالضرورة - إلى مزيد من الهيمنة الألمانية على فرنسا اقتصاديا وصناعيا وماليا غير أن هذه الهيمنة لم تنقذ فرنسا من الانهيار، ولا أنقذت اقتصادها من الدمار، فلجأ (ديغول) إلى مجموعة من الإجراءات التي زادت من أعباء الحرب الجزائرية على كاهل المواطن الفرنسي، وكان في جملة تلك الاجراءات: ١ - فرض ضرائب جديدة حصيلتها (٢٥٠) مليار فرنك سنويا. ٢ - إلغاء الإعانات الاجتماعية التي كانت تمنح للمحاربين القدماء، ولكثير من الفئات والتنظيمات الشعبية. ٣ - رفع أسعار معظم السلع الاستهلاكية، بزيادة الضرائب المباشرة. ٤ - خفض قيمة الفرنك الفرنسي بهدف الاقلال من قوته الشرائية، وتغطية التضخم، ولكن دون القضاء عليه.

стр. 2881

٥ - فتح الأسواق الفرنسية أمام التجارة الخارجية - للمرة الأولى-. ويكفي هنا لإبراز نتائج هذه الإجراءات التوقف عند تعليق (صحيفة لوموند) (١) في حديث لها موجه إلى وزير مالية (ديغول) وهو (المسيو بينيه) حيث ورد في التعليق ما يلي: (... مهما تكن نية المسيو بينيه، فالإجراءات الاقتصادية التي اتخذها تحمل في مضمونها ما هو مخالف تماما لوجهة نظره المعروفة، وإن التجربة التي خاضها لا يمكن أن تنجح إلا بشرطين ضرورين: أحدهما لأمد قريب جدا، وهو أن تراب الحكومة مراقبة شديدة الأسعار حتى تمنع الباعة من مضاعفة نتائج التخفيض، ونتائج قطع المنح التي يجب أن لا تتسع رقعتها كثيرا. والشرط الثاني: لأمد معقول، وهو أن يخفف العبء الجزائري، حتى يمكن أن يتماشى مع توسع الاقتصاد الفرنسي، فانخفض الفرنك في عهد (ديغول) كانخفاضه في عهد (جايار) إذ أنه ليس نتيجة لخطأ - النظام - وإنما هو ثمن الحرب الدائرة رحاها في الجزائر، وكلما استمرت هذه الحرب، استمر انخفاض الفرنك، وهكذا سيكون انخفاضا ثالثا فرابعا ودواليك، واذا ما أجبر - المسيو بينيه -فرنسا على أن تفتح أبوابها لمنافسة التجارة الدولية، وحظر عليها التقلص والانكماش، للاحتفاط بعظمتها منفردة في برجها العاجي، فإنه بهذه الاصلاحات يتبع سياسة من شأنها أن تقوض أسس تلك الوطنية الاقتصادية التي هي في الحقيقة خطر داهم يتهدد الجمهورية الخامسة). وعلق اقتصادي فرنسي أيضا على تلك الإجراءات بقوله:

стр. 2882

(لم تغير كل هذه الجهود شيئا من جوهر اقتصادنا، ولم يؤثر - حتى ديغول، ذاته - على ازدهار أسهمنا وعملتنا في الأسواق العالمية، وكانت المرة الوحيدة التي ارتفعت فيها مكانتنا المالية - النقدية - منذ عودة ديغول إلى الحكم - هي تلك الفترة القصيرة التي ظن فيها رجال الأعمال أن فرنسا ستدخل في التفاوض مع جبهة التحرير الوطني). لقد اضطر (ديغول) تحت تهديد الدول الموقعة على اتفاقية (السوق الأوروبية المشتركة) وألمانيا بالذات إلى وضع هذه الاتفاقية موضع التنفيذ الفعلي، بعد أن كانت الحكومات السابقة تؤجل تنفيذها عاما بعد عام، وكان هذا يعني: أولا: أن تخفض فرنسا الرسوم الجمركية المفروضة على السلع المستوردة من دول الاتفاقية بواقع (١٠) بالمائة ابتداء من أول كانون الثاني - يناير - ١٩٥٩؛ وكان هذا التخفيض يسبب لها خسارة باهظة تتمثل في مقدار الرسوم التي ستحرم منها نتيجة التخفيض. ثانيا: أن تضاعف فرنسا من إنتاجها الصناعي بنسبة (٢٠) بالمائة على الأقل، وأن تدخل تحسينات كثيرة على هذا الإنتاج، لكي تستطيع غزو أسواق الدول الست التي تغزو سوقها، لأنه لو عجزت فرنسا عن تصدير صناعاتها إلى هذه الدول ومنافسها في أسواقها الداخلية والخارجية بمقدار ما ستغزو هذه الدول السوق الفرنسية، لو عجزت فرنسا عن ذلك، فإن هذا سيترتب عليه نتائج في منتهى الخطورة بالنسبة للاقتصاد الفرنسي. لم يلبث (ديغول) أن وقع في مشكلة أخرى مع (انكلترا) التي طالبت بإنشاء (منطقة التبادل التجاري الحر) وكان ذلك يعني مد نطاق السوق الأوروبية ليشمل مجموعة السبعة عشر دولة الداخلة في

стр. 2883

إطار (المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي) حتى تتمتع هذه الدول، ومن بينها (انكلترا) بالإعفاءات الجمركية، وحتى لا تختنق الصناعة البريطانية في داخل نطاق السوق الأوروبية المشتركة، إذا ما هي حرمت من هذه الإعفاءات. وحاولت فرنسا معارضة اقتراح انكلترا، ذلك لأن دخول انكلترا - إلى جانب ألمانيا - وتمتعها بالإعفاء الجمركي، سيترتب عليه القضاء على البقية الباقية من الصناعة الفرنسية والاقتصاد الفرنسي القائم على هذه الصناعة، لا سيما وأن فرنسا لم تكن قادرة على مجابهة إغراق الصناعة الانكليزية مع الألمانية لبلادها، كما أنها لم تكن قادرة على تطوير إنتاجها ومضاعفته وهما شرطا الدخول في ميدان المنافسة، وذلك بسبب اتجاه كل الجهود نحو (ميدان القتال في الجزائر). ومضت سنتان من حكم - ديغول - (١٩٥٩ - ١٩٦٠) ولا زالت فرنسا مستمرة في السير على طريق التدهور، فلا الجهود الحربية نجحت في القضاء على الثورة، ولا الجهود السياسية الملتوية نجحت في خداع الشعب الجزائري، وحكومته المؤقتة، وبدأت الأمور تنذر بالشر المستطير، وظهر بوضوح أنه لا بد في النهاية من وضع حد حاسم للحرب الفرنسية ضد الجزائر.

стр. 2884

٦ - التحولات الحاسمة (التمرد في الجزائر) لم يكن السلام الفوري على مرمى النظر عندما أطل العام (١٩٦٠) على أفق الجزائر، ومع ذلك حدث تقدم هائل عن العام الذي سبقه، فبينما كان يبدو أنه من غير المستطاع التقاء التفكير بين فرنسا والجزائر على الإطلاق، فإن الطريق كانت مفتوحة على الأقل من أجل بدء المباحثات وكانت الموضوعات التي يجب بحثها، والأشخاص الذين سوف يحضرون المفاوصات لا تزال مسائل مفتوحة، وكان رفض الجزائريين أن يفاوضوا قبل أن يتلقوا ردودا مرضية يبدو مانعا من وقف قريب لإطلاق النار، وقد ترك التعديل الوزاري الجزائري الذي أعلن من تونس في ١٩ كانون الثاني - يناير - والذي قضى بإبعاد المتصلبين (من أمثال الأمين دباغين وأحمد توفيق المدني وبن يوسف بن خده وعمر صديق) من الحكومة المؤقتة، ووضع السلطة الكاملة في قبضة المعتدلين. ومع افتراض أن (ديغول) يستطيع أن يبقى في الحكم، كان يبدو أن المسألة هي مسألة وقت قبل إزالة العوائق عن طريق (حق تقرير المصير). باتت الأغلبية العظمى من الشعب الفرنسي على استعداد لقبول (خسارة الجزائر في النهاية) وهو شيء كان يبدو من المحال التفكير

стр. 2885

فيه قبل مجيء ديغول إلى الحكم، وكانت فئات كثيرة في الجيش والمستوطنون المتطرفون، وأصدقاؤهم، وعملاؤهم في فرنسا، قد تملكهم الهياج، بل وراحوا يتحدثون عن القيام بالثورة مرة أخرى، ولكن كان يبدو (ديغول) ما زال يستطيع السيطرة عليهم. وبالرغم من أن الكثيرين من المراقبين فسروا العرض الذي تقدم به في ١٦ أيلول - سبتمبر - بأنه مقامرة، فإنه كان واثقا من الكسب فيها، إنه بدلا من أن يحاول إغراء المسلمين على البقاء مع فرنسا، كان أكثر اهتماما بالقضاء على المحنة الجزائرية، بأسرع ما يمكن حتى يتمكن من السير قدما في تنفيذ مشاريعه بدرجة أسرع. ومقابل ذلك، ظهر أن جبهة التحرير الوطني باتت أكثر استعدادأ لقبول تسوية سلمية بشروط تقل كثيرا عن مطالبها الأصلية بالاستقلال فورا؛ وكان معنى هذا أن الاستقلال لن يكون فوريا وإنما بعد فترة من الاستعداد. وساد الاعتقاد أن هذا سوف يجعل الانتقال إلى الحكم الذاتي وإقامة النظم الجديدة أكثر يسرا مما كان متوقعا، وكان يبدو أيضا أن الخطط الرامية إلى انشاء إتحاد كونفيديرالي يضم شمال أفريقيا ويرتبط بفرنسا بعلاقات وثيقة، سوف تنفذ كما سبق رسمها. وبالاختصار، كان في وسع أغلبية الفرنسيين والجزائريين، وأصدقاء الطرفين، أن تتنبأ باقتراب نهاية مرضية نسبيا للثورة الجزائرية، وهو أمر كان يبدو إلى عهد قريب أملا خياليا. غير أن الحدث الذي مارس دور المسرع في التحولات الحاسمة هو حركة تمرد المستوطنين في الجزائر؛ ففي يوم الأحد الموافق ٢٤ كانون الثاني - يناير - ١٩٦٠، تفجر الموقف عن حركة تمرد قتل فيها ٢٥ وجرح ١٣٦ من الفرنسيين، وظل حوالي الثلاثة آلاف من المتمردين متحصنين وراء المتاريس التي أقاموها بالقسم الأدنى من المدينة في

стр. 2886

الجزائر، في تحد علني للسلطات المدنية والعسكرية في كل من فرنسا والجزائر. لقد كان هذا التمرد أخطر تهديد حتى ذلك الوقت لسلطة الرئيس (ديغول) وهدد، لبعض الوقت، بأن يؤدي إلى حرب أهلية فرنسية، وبالجزائر إلى الانفصال. ولقد تميز الفاتح من كانون الثاني - يناير- بعدد من التفاعلات التي أدت إلى ظهور حركة التمرد؛ فكان الجيش الفرنسي يشدد حملته الفعالة لإخماد الثورة عسكريا. وإذا نقصت الفاعلية العسكرية للجبهة الوطنية الجزائرية، فإنها زادت من نشاطها الإرهابي، وبخاصة في منطقة مدينة الجزائر. وفصلت حكومة الجزائر المؤقتة، التي أعيد تنظيمها قبل ذلك بوقت قريب، العناصر التي كان يظن أنها تعارض أية مفاوضات لوقف إطلاق النار، وكان المستوطنون يشعرون بخوف متزايد من حدوث تقارب بين باريس وجبهة التحرير الوطني. كان قائد المظليين، وحاكم إقليم الجزائر (الجنرال ماسو) هو بطل المستوطنين المحبوب، بسبب تطرفه الاستعماري، وقد أدلى بحديث لمراسل صحيفة (سوديت زيتونج) التي تصدر في (ميونخ) يوم ١٩ كانون الثاني - يناير - جاء فيه: (لعل الجيش قد ارتكب خطأ حين جاء بالجنرال ديغول إلى الحكم، وأنه قد يستعمل القوة ضده، وأن الرئيس قد أصبح من رجال اليسار). وغضب (ديغول) واستدعى (ماسو) وفصله بعد ذلك بثلاثة أيام (يوم ٢٢ كانون الثاني - يناير). وأطلق هذا التصرف اضطرابا بالغا في الجزائر، بلغ ذروته بعد يومين في صدام بين المتظاهرين من معارضي ديغول وبين قوات الأمن. وادعت الشرطة (البوليس) أن المتظاهرين هم الذين بدأوا باطلاق النار، ولكن الفرنسيين، على كل حال، قتل بعضهم بعضا لأول

стр. 2887

مرة في الجزائر. تفرق معظم المشاغبين، عند حلول المساء، ولكن أقل من ألف من المتطرفين أقاموا الحواجز في الشوارع (المتاريس) وبقوا طوال الليل، ولكن رجال المظلات الذين استدعوا لإخماد هذا التمرد، تجنبوا إطلاق النار على هذه الجماعة، بالرغم من التعليمات العامة الصادرة لهم بإعادة النظام. وفي الأسبوع التالي انضم حوالي الألفين إلى هؤلاء المنشقين، وكانوا يتسلحون ويتمونون تحت سمع رجال المظلات وبصرهم، إذ كان هؤلاء المظليون يتعاطفون مع المتمردين بوضوح. ودعي إلى إضراب عام، وبعد قليل توقف معظم النشاط العادي في المدينة (الجزائر) وقامت مظاهرات التأييد في مدن أخرى. تمسك (ديغول) في باريس بموقفه في صلابة وثبات، وأكد سياسته عن (حق تقرير المصير للجزائر) وأعلن: (أن التمرد ضربة سيئة ضد فرنسا، ضربة سيئة ضد فرنسا في الجزائر، وضربة سيئة ضدها أمام العالم، وضربة سيئة ضد فرنسا في داخل فرنسا). وحيث بدا واضحا أن جمهرة الرأي العام الفرنسي كانت تقف وراءه، تحرك ديغول إلى إلهاب حماسة بعض وزرائه الأقل حماسة ليقفوا إلى جانبه، وإلى تحقيق حياد بعض الشخصيات السياسية التي كرست نفسها لتخريب سياسته في الجزائر. وحوالي منتصف الأسبوع، بدا أن العطف على المتمردين قد زاد إلى حد ان القيادات المدنية والعسكرية انتقلت من المدينة (باريس) إلى مركز قيادة سري. وامتنع (ديغول) فترة طويلة مؤلمة، عن التدخل المباشر بشخصه، حتى يوم الجمعة ٢٩ كانون الثاني (يناير) حيث خاطب فرنسا والجزائر عن طريق الإذاعة والتلفزيون، فأمر الجيش في عبارات حازمة بإعادة النظام. وبالرغم من أنه بنوع خاص، امتنع عن الأمر

стр. 2888

باستخدام القوة، بدا واضحا أنه كان مستعدا للذهاب إلى هذا الحد إذا دعت الضرورة، وكرر أن خطته (لتقرير المصير) هي (السياسة الوحيدة الجديرة بفرنسا)، وعزل معظم السكان الأوروبيين في الجزائر عن (الكذابين المتآمرين) و (المغتصبين) الذين كانوا يقودون التمرد، وأكد أن الجيش لا يستطيع أن يفرض شروطا لولائه، وأن عليه أن يطيعه. واستجابة لنداء (ديغول) الحماسي، أزال رجال المظلات الحواجز (المتاريس) وفي الصباح التالي كان التمرد قد انتهى. اتخذ (ديغول) في أعقاب انهيار التمرد، مجموعة من الاجراءات التأديبية التي لم يسبق لها مثيل، ضد المتمردين في الجزائر والعناصر الهدامة في فرنسا ذاتها، وأعفيت الشخصيات العسكرية والمدنية التي اشتركت في الانقلاب من وظائفها، وحددت إقامتهم في منازلهم أو زجوا في السجون، وأتبع (ديغول) ذلك بعملية هز شديد لكل من قيادة الجيش ومجلس الوزراء، ولعل أبرز ضحية كان (جاك سوستيل) أقوى مؤيدي بقاء الجزائر فرنسية. وفي أوائل كانون الثاني - يناير - كان الرئيس قد طلب من الجمعية الوطنية سلطات استثنائية ليحكم فرنسا بالمراسيم لمدة عام، وحصل عليها. لقد أوضح التمرد عدة عوامل حيوية كان لها أثرها الحاسم في إنهاء الحرب الفرنسية - الجزائرية، وفي دور فرنسا المستقبل في الحلف الغربي. وأهم ما في ذلك أنه وضح اعتماد فرنسا الكامل على شخص واحد، هو ديغول، وإذا كان ثمة شيء واحد مؤكد، فهو أن الحكومة الفرنسية كانت عرضة للسقوط، لولا السلطة الهائلة المعنوية والقانونية للرئيس ديغول. لقد عمل منذ مجيئه إلى الحكم

стр. 2889

خط من الاسلاك والحواجز والاسلحة عجز عن عزل الجزائر عن جاراتها العربيات

стр. 2890

في سنة ١٩٥٨، على تغيير أنظمة الحكم وعملياته في فرنسا تغييرا جذريا - على نحو ما سبقت الإشارة إليه -، وفصل دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة أساسا حتى يناسب شخصة (ديغول) الفريدة، وقد أهمل أو عطل كثيرا من الطابع الديموقراطي الذي كانت تتسم به إدارة الحكم الفرنسي. وبينما ساعدت هذه التغييرات (ديغول) على معالجة كثير من المشاكل الخطيرة التي واجهت فرنسا، فقد جعلت فرنسا أيضا تعتمد عليه باطراد. والحقيقة البسيطة هي أنه لم يعد في فرنسا شخص يمتلك القوة ليأخذ السلطة من (ديغول)، وظهر أنه من غير المحتمل أن تعود الديمقراطية التقليدية بطريقة نظامية إلى فرنسا دون تسوية للحرب الجزائرية، وفي ظل هذه الظروف، يتعلق الأساس الذي تقوم آمال الغرب في وجود فرنسا قوية، بأكتاف الجنرال (ديغول) تماما، كما يتعلق به أي أمل في تسوية للحرب الجزائرية. تعلم المستوطنون، من ناحيتهم، درسين هامين، أولهما: أنهم فقدوا التأييد الشعبي الذي كان لهم يوما في فرنسا، وبدون هذا التأييد، لم يكن باستطاعتهم فرض إرادتهم على الحكومة الفرنسية. والدرس الثاني: أنه على الرغم من أن لهم بعض التأييد الواضح في صفوف جماعة ضباط الجيش المحترفين، إلا أن هذا التأييد لا يصل إلى درجة كافية من القوة لتقييد أيدي (ديغول) أو إضعاف تحركه. وقد انهارت آمال المستوطنين في الإنقلاب، في اليوم الأول، حين رفض الجيش الاشتراك فيه بصورة إيجابية. وبارغم من أن المستوطنين لم يكونوا قد فقدوا الأمل، بأي شكل، فقد باتوا، لأول مرة، عاجزين عن ممارسة (الفيتو) ضد سياسة الحكومة.

стр. 2891

أدركت جبهة التحرير الوطني بدورها أيضا أهمية الدور الذي اضطلع به الرئيس (ديغول) في ضمان بقاء فرنسا، وانتزاع الطاعة من الجيش، فلم يكن ثمة معنى لوعد ديغول بانتخابات حرة بعد عودة السلام، إلا إذا كان يستطيع أن يضمن عدم تدخل الجيش أو المستوطنين في عملية الانتخاب، فقبلت الجبهة - من حيث المبدأ - العرض الخاص، (بتقرير المصير) غير أنها أمرت على توافر الضمانات حتى تكون الانتخابات حرة في الواقع، قبل أن توقف اطلاق النار. ولم يكن باستطاعة (ديغول) - من ناحية أخرى - إعطاء الضمانات إلا إذا اعترف بأن جبهة التحرير الوطني الجزائرية هي الممثل الشعبي الوحيد للشعب الجزائري، وهو اعتراف كان يرفضه حتى ذلك الوقت. وعلى الرغم من أن (ديغول) قد أظهر أنه يستطيع حكم كل من الجيش والمستوطنين، فهناك شك كبير في أن يتمكن فرنسي آخر من أن يفعل ذلك، ولذلك فقد وجدت (الجبهة) حتى لو أعطيت الضمانات، واتفق على وقف إطلاق النار، أنها تقامر على بقاء (شارل ديغول) رئيسا لفرنسا.

стр. 2892

٧ - وأخيرا، انتصرت الثورة كان التمرد الذي وقع في كانون الثاني - يناير - ١٩٦٠، اختبارا لقوة الجنرال (ديغول) اجتازه بنجاح واضح. ولعل مما يدل عليه أن الجمعية الوطنية الفرنسية - البرلمان - وافقت بأغلبية ساحقة على منح الحكومة السلطات الاستثنائية اللازمة - لمدة أربعة عشر شهرا - والتي تجعل في مستطاعها إعادة الأمن والنظام في الجزائر. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الجمعية (إعرابا عن ثقتها في ديغول) قررت أن المراسيم التي تصدر لهذا الغرض، وبمقتضى السلطات الاستثنائية المخولة للحكومة، يجب أيضا أن يوقع عليها هو شخصيا. ولكن، وبرغم هذا النجاح الذي كان يكفل له حرية التصرف في معالجة المشكلة الجزائرية على النحو الذي يخلص فرنسا من متاعبها التي دامت طويلا، فقد بقي موقفه من مستقبل الجزائر وحقوق أهلها، بل ومن الحل الواجب اتخاذه، موقفا متسما بالغموض، سواء عن عمد لأن رأيه لم يكن قد استقر بعد على منح الجزائريين (حق تقرير المصير) أو لأنه لم يرغب في إثارة العناصر المتطرفة ويؤلف بينها ضده، وإن كان التفسير الأخير أقل احتمالا بعد أن

стр. 2893

وضح ضعف هذه العناصر. ومن أمثلة هذا الغموض أنه حين توجه إلى الجزائر في شباط - فبراير من العام نفسه لتفقد حالة الجيش، صرح بأن تسوية المشكلة الجزائرية لا يزال أمامها وقت طويل، كما أن الملاحظات التي أبداها أمام الضباط أكدت الحاجة إلى إحراز نصر عسكري. ورافق ذلك، على ما هو معروف، إقدام فرنسا على تفجير قنبلتها الذرية الأولى في الصحراء الجزائرية (في منتصف شهر شباط - فبراير - ١٩٦٠) الأمر الذي ترك أثرا سيئا كل السوء لا في الجزائر وحدها فحسب، بل في القارة الأفريقية كلها، وفي جميع بلدان العالم، ثم فجرت قنبلتها الثانية على الرغم من استنكار كافة الدول والشعوب المحبة للسلام، وعلى الرغم من تهديد هذه الشعوب لفرنسا بالمقاطعة وواصل ديغول في غضون ذلك خطبه وبياناته التي أكثر فيها من الحديث عن الجزائر، وعن الحل الذي يراه لمشكلتها؛ فقد ألقى في الثالث من آذار - مارس - أثناء زيارة قام بها للجزائر، خطابا أكد فيه إصراره على الاستفتاء، وتحدث عن القوة، مهددا باستخدامها حتى أقصى الحدود إذا ما فشل في تنفيذ مشروعه وسرعان ما لحق به وزير الأنباء - الإعلام - الفرنسي، يضم صوته إلى صوته، فيعلن في السابع من آذار- مارس - أن الجزائريين إذا اختاروا في الاحفتاء الانفصال عن فرنسا، فلا بد من تقسيم الجزائر إلى قسمين: أحدهما عربي والآخر فرنسي. وهكذا ثارت الشكوك من جديد في صدق نوايا (ديغول) وفي رغبته بالوصول إلى حل للمشكلة من أساسها وفقا لمبادىء الحق والعدل والمنطق. سارعت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بالرد على (ديغول) فأعلنت عن استعدادها للمضي في القتال ضد الاستعمار

стр. 2894

الفرنسي حتى إزالته والقضاء عليه، وأكد رئيسها (فرحات عباس) أن- ديغول- قد أوصد في خطابه هذا، باب الطريق نحو المفاوصات، وأحبط فرص إقرار السلام في الجزائر، ولهذا، فإن الشعب الجزائري، على الرغم من استعداده لاغتنام أية فرصة للوصول إلى حل سلمي عن طريق المفاوضات، إلا أنه سيواصل القتال حتى تظفر البلاد باستقلالها. وبالفعل، فقد شرع جيش التحرير الوطني في السادس عشر من آذار- مارس - بشن هجمات قوية وجريئة على القوات الفرنسية في كل مكان، ثم أعلنت الحكومة المؤقتة عن تصميمها لتنظيم فرق أجنبية في جيش التحرير، تضم إليها المتطوعين من سائر أنحاء العالم. قام رئيس وزراء فرنسا (ميشيل دوبريه) بزيارة للجزائر في الحادي عشر من نيسان - أبريل- ١٩٦٠، واكتشفت السلطات الفرنسية محاولة لاغتياله، وتوترت العلاقات أشد التوتر بين تونس وفرنسا، فقد طلبت فرنسا من تونس، إجلاء المجاهدين الجزائريين عن منطقة الحدود، ولكن الرئيس (الحبيب بورقيبة) رفض ذلك، وأنذر فرنسا بالقتال، إذا ما حاولت قواتها اجتياز الحدود التونسية في عملياتها ضد المجاهدين، وبالفعل، قامت مدافع الفرنسيين وصواريحهم بقصف بعض القرى الواقعة على حدود تونس، مما حمل هذه على التقدم بالشكوى إلى مجلس الأمن. وسعت الحكومة الجزارية في غضون ذلك نشاطها في مجال العمل الديبلوماسي على المستوى العربي والدولي، وقام وفد منها يضم (كريم بلقاسم، وأحمد فرنسيس، وعبد الحفيظ وصوف) بجولة في عدد من البلاد العربية شملت مصر والعراق والمملكة العربية السعودية ولبنان بهدف الحصول على دعم عاجل لجيش

стр. 2895

ورجع احفاد الغزاة الى بلادهم، وتحرر التراب الطهور للجزائر

стр. 2896

التحرير الوطني، كما سافر الوفد ذاته (في أوائل أيار- مايو) إلى الصين الشعبية، حيث أجرى محادثات مع (ماوتسي تونغ) و (شو اين لاي) أعلن الرئيس (فرحات عباس) على أثرها: (بأن جبهة التحرير الوطني سوف تتلقى مساعدات من الصين الشعبية والاتحاد السوفييتي، وقال، بأنهم سيدافعون عن أنفسهم بأسلحة صينية بدلا من أن يسمحوا لأسلحة الغرب بابادتهم). عقدت الحكومة المؤقتة مؤتمرا لها في العاشر من حزيران - يونيو- بحضور القادة العسكريين طوال أربعة أيام، أعلنت في نهايتها أنها تطلب تشكيل لجنة مشتركة (جزائرية - فرنسية) للإشراف على الاستفتاء الذي كان (ديغول) قد اقترحه، وأكدت (الحكومة الجزائرية) أن الاعتراف بحق تقرير المصير هو السبيل الوحيد لحل قضية الجزائر، وأن فرنسا برفضها دراسة وسائل وأساليب ممارسة هذا الحق، تتحمل وحدها عقابيل استمرار الحرب الجزائرية. وراح (ديغول) بعد يومين، يكرر في خطاب ألقاه: (الدعوة إلى زعماء الثورة للمجيء إلى باريس، والتفاوض على إنهاء القتال بصورة شريفة، مؤكدا أنه متى توقف القتال، فستتاح للجزائريين فرصة تقرير مصيرهم بأنفسهم، عن طريق الاستفتاء، الذي يضمن هو شخصيا حريته. وأضاف أنه (واثق) من أن الشعب الجزائري سيختار طريق العقل والمنطق، وهو الطريق الذي يقضي بتحويل الجزائر إلى بلد حديث تسوده الأخوة بفضل التعاون بين فرنسا وبين مختلف الفئات). لقيت دعوة (ديغول) الجديدة استجابة مناسبة عند جارتي الجزائر، فأخذت تونس والمغرب في ممارسة ضغط على الحكومة الجزائرية لقبول فكرة الذهاب إلى (باريس) ومفاوضة الجنرال

стр. 2897

(ديغول)، وقضت الحكومة الجزائرية زهاء أسبوع وهي تدرس الموقف، وأعلنت في النهاية موافقتها على دعوة (ديغول) وعزمها على إرسال وفد إلى باريس، برئاسة رئيس الحكومة (فرحات عباس) على أن يسبق ذلك، إيفاد مبعوث جزائري الى العاصمة الفرنسية حتى يقوم بمحادثات تمهيدية. وكانت الحكومة الفرنسية قد أعلنت في غضون ذلك أن المحادثات لن تتعدى معالجة قضية وقف القتال، ومصير المقاتلين والأسلحة، أما المحادثات السياسية (فلا يمكن) أن تجري إلا مع ممثلي جميع الفئات الجزائرية، كما أنه من المحال البحث في ترتيبات الاستفتاء إلا بعد وقف القتال. كان هذا الإعلان الفرنسي الجديد بمثابة أول عقبة وضعتها فرنسا على طريق المفاوضات، ولكن الحكومة الجزائرية آثرت، تحت ضغط الرئيس التونسي (الحبيب بورقيبة) وأربع عشرة دولة أفريقية أخرى، تقدمت في هذه الآونة بطلب إلى فرنسا لحل قضية الجزائر، أن تسير في الشوط حتى نهايته فبعثت في (٢٥ حزيران - يونيو -١٩٦٠) بمبعوثها (أحمد بو منجل) الى فرنسا، حيث بدأت المباحثات في (ميلان) مع المبعوثين الفرنسيين، واستمرت حتى يوم (٤ تموز - يوليو) حيث توقفت لأن فرنسا أرادت، كما ذكرت الحكومة الجزائرية، أن تفرض شروطها من جانب واحد لمحادثات وقف إطلاق النار، ورفضت جميع شروط الحكومة الجزائرية. انتقل الصراع عندئذ إلى المجالين الداخلي والدولي، فطلبت كتلة الدول الأفريقية - الآسيوية يوم (٣٠ تموز - يوليو) من الأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة، إدراج قضية الجزائر في جدول أعمالها للدورة القادمة - للجمعية العامة - بينما أعلن الرئيس (فرحات عباس) أن جيش التحرير الوطني سيتابع الحرب حتى إحراز النصر

стр. 2898

النهائي، وبالفعل، شدد جيش التحرير هجماته على الفرنسيين في النصف الأول من شهر آب - أغسطس -. تقدمت الحكومة الجزائرية بطلب إلى هيئة الأمم المتحدة (يوم ٢٢ آب - أغسطس) تحثها فيه على إجراء استفتاء عام في الجزائر تحت إشرافها، ليقرر الشعب الجزائري مصيره، وكان هذا الطلب بمثابة قطع لكل أمل في التفاهم مع (ديغول). بحثت الجامعة العربية في دورتها التي عقدتها في الثلث الأخير من شهر آب (أغسطس) في بلدة (شتورة - لبنان) قضية الجزائر، واتخذت عدة قرارات منها: حث العرب في جميع أرجاء وطنهم الكبير على التطوع في جيش التحرير، والعمل بمختلف الوسائل الديبلوماسية، لإقناع الدول الأجنبية من أجل الاعتراف بحكومة الجزائر، والاتصال بدول حلف الأطلسي لتحذيرها من النتائج المترتبة على استخدام فرنسا لأسلحة الحلف في حربها ضد الجزائر، وإبادتها للشعب الجزائري بواسطتها. شهد شهر أيلول (سبتمبر) نشاطأ في الأفق الدولي، فقد بعث ملك المغرب الراحل محمد الخامس مذكرة إلى الأمم المتحدة، يطلب تدخلها لحل قضية الجزائر، بينما سافر وفد جزائري (برئاسة الرئيس فرحات عباس) إلى الصين الشعبية، حيث قام بمباحثات هامة مع حكومتها، وتضمن البلاغ المشترك الذي صدر في نهايتها، وعد حكومة الصين ببذل كل مساعدة وتأييد للجزائر في نضالها الشريف العادل، وانتقل الوفد بعد ذلك من (بكين) إلى (موسكو) حيث قام بمحادثات مهمة أخرى مع المسؤولين فيها، أسفرت عن تقرير العون المادي والمعنوي لثورة الجزائر. امتاز مطلع الخريف، بتوسع الحركات الحربية التي كان يقوم

стр. 2899

بتنفيذها جيش التحرير الوطني على أرض الجزائر ذاتها، وشمولها لعمليات واسعة قام بها الفدائيون في باريس وفي غيرها من المدن الفرنسية. حاولت الدول الأفريقية، التي استقلت حديثا، والتي عقدت مؤتمرا لها في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) التوسط بين فرنسا والجزائر، واختارت بعثة رسمية للقيام بهذه الوساطة التي لم يقدر لها النجاح. أعلن الرئيس ديغول (في يوم ٥ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٦٠) عن عزمه بإجراء استفتاء عام في فرنسا ذاتها وفي الجزائر لحل القضية الجزائرية، على أساس قيام الجمهورية الجزائرية. وقام في مطلع كانون الأول- ديسمبر- بزيارة للجزائر، قابلها المستوطنون بمظاهرات العنف، التي أسفرت عن اشتباكات عنيفة وقعت في مدينة الجزائر، وغيرها من المدن، بين المستوطنين والجزائريين، سقط فيها الكثيرون من القتلى والجرحى. بدأت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة بمناقشة القضية الجزائرية في شهر كانون الأول - ديسمبر -. وفي العشرين منه، اتخذت قرارا قضى برفض قيام الأمم المتحدة باجراء استفتاء في الجزائر، وبإقرار البنود الاخرى من المشروع الأفريقي - الآسيوي التي تنص على اعتبار: (استمرار الحرب في الجزائر خطرا على الأمن والسلام الدوليين، وعلى تأكيد حق الشعب الجزائري في حريته وممارسة سيادته ووحدته)، وقد رحب (كريم بلقاسم) بهذا القرار، واعتبره نصرا دوليا عظيما لقضية الجزائر. ... استهل العام ١٩٦١ بإجراء الاستفتاء في فرنسا والجزائر، وفاز

стр. 2900

ديغول بتخويل من الشعب الفرنسي له من أجل حل قضية الجزائر؛ وقد اقترع (١٥,١٩٨,٧١٤) بكلمة (نعم) مقابل (٤,٩٩٦,٥٠٧) بكلمة (لا) من مجموع (٢٠,٨٠٩,٠٢٩) من المقترعين، أما استفتاء الجزائر فقد وصفته الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بأنه (استفتاء مزور - زائف) نظرا لاستخدام كافة وسائل التزوير لتزييف إرادة الشعب الجزائري، ولكن الشعب الجزائري المجاهد قاطع المهزلة استجابة لنداء حكومته بمقاطعتها. وتتابعت الأحداث متلاحقة، ففي يوم ٢١ كانون الثاني - يناير - ١٩٦١، أصدرت حكومة (ديغول) خمسة مراسيم تعتبر في جوهرها خروجا على مبدأ تقرير المصير، وتهدف إلى تجزئة الجزائر. وتقضي المراسيم المشار اليها بالأمور التالية: ١ - إنشاء مجالس إقليمية في مدن (الجزائر ووهران وقسنطينة) وتتكون من مندوبين عن رؤوساء الإدارات المحلية. ٢ - توسيع مسؤوليات الإدارة المحلية. ٣ - إنشاء مجالس مركزية لإسداء المشورة إلى المجالس الإقليمية. ٤ - تعيين ثلاثة مديرين بالمناطق، بوصفهم ممثلين لمندوب الحكومة الفرنسية. ٥ - تخويل مجلس الوزراء الفرنسي، وممثل الحكومة الفرنسية في الجزائر، سلطة نقل بعض الاختصاصات إلى رؤوساء الادارات والمديرين. بينما كان (ديغول) يمضي في سياسته، كانت حكومة الجزائر تمضي بدورها لتنفيذ سياستها الخاصة، مستفيدة من تعاظم هيبتها الدولية. ففي كانون الثانى - يناير - ١٩٦١، قرر مجلس تضامن

стр. 2901

الشعوب الأفريقية والآسوية بالإجماع مطالبة جميع الشعوب والحكومات المستقلة في أفريقيا وآسيا، بفرض المقاطعة الاقتصادية ضد فرنسا، وبالاعتراف بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية عرضت (القضية الجزائرية) على مجلس وزراء الخارجية العرب الذي عقد في بغداد يوم (٣١ كانون الثاني - يناير - ١٩٦١) وبعد دراسة الموقف من مختلف نواحيه، اتخذ المؤتمر العربي قرارات على جانب كبير من الأهمية، أكدت وقوف الشعب العربي كله من جديد إلى جانب الجزائر، في صراعها ضد الاستعمار الفرنسي. وفيما يلي بعض ما تضمنه القرار العربي: أولا: قيام الوفود العربية لدى الأمم المتحدة، وبالتعاون مع الدول الأفريقية - الآسيوية والدول الصديقة، بمتابعة تنفيذ القرار الصادر من قبل المنظمة الدولية بشأن الجزائر. ثانيا: تقديم المزيد من العون المالي والمادي ومن السلاح إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية حتى تتمكن من متابعة النضال. ثالثا: إعادة تأكيد الدول العربية لوحدة الجزائر وسلامة أراضيها، وهو قرار يقطع السبيل على أية محاولات تهدف إلى اقتطاع الصحراء من البلاد. رابعا: إعادة النظر في العلاقات السياسية والاقتصادية مع فرنسا، إذا ما استمرت هذه الدولة في حربها ضد شعب الجزائر. خامسا: على الدول العربية التي تقوم في أراضيها قواعد أجنبية، أن تواصل العمل بكافة الوسائل للحيلولة دون استخدام هذه القواعد لتزويد العمليات العسكرية التي تقوم بها فرنسا في الجزائر.

стр. 2902

سادسا: تشديد الحملة إزاء الدول والمنظمات العسكرية والسياسية التي تؤيد فرنسا تأيدا سياسيا أو عسكريا أو ماليا. لقد كانت هذه القرارات في حقيقتها وسيلة للضغط لا على فرنسا وحدها، بل وعلى الدول الغربية التي ظلت تساندها، وتجدر الإشارة إلى ما تبع ذلك من تحول على المستوى الدولي. ففي هيئة الأمم المتحدة - الجمعية العامة - قدم اقتراح: (بإدانة أعمال فرنسا في الحرب الجزائرية)، وصحيح أنه لم يقدر لهذا الاقتراح أن يأخذ طريقه على شكل إدانة رسمية حيث لم تتوافر لتأييده أغلبية الثلثين اللازمة لإنجاحه، غير أن نقص عدد الموافقين بصوت واحد أظهر بشكل واضح الاتجاه العام لعدد كبير من أعضاء هيئة الأمم المتحدة نحو دعم قضية الجزائر، وقد كان ذلك تأكيدا لذلك الضغط المعنوي الهائل الذي لم يعد بالإمكان تجاهله. وعقد في (الدار البيضاء) مؤتمر لرؤوساء الدول الأفريقية، وحققت القضية الجزائرية نصرا آخر، حيث أعلن المجتمعون تأييدهم الكامل لجهاد الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي. بدأت في نهاية شهر كانون الثاني - يناير - عام ١٩٦١، اتصالات غير مباشرة بين الجزائريين والفرنسيين، مثل فيها (بو منجل) الجانب الجزائري، كما مثل فيها (بو مبيدو) الجانب الفرنسي. وكان ذلك بوساطة تونس، حيث سافر الرئيس التونسي (الحبيب بورقيبة) إلى سويسرا، بينما كان وزيره (المصمودي) يتنقل بين جنيف وباريس وتونس، مما مهد للاجتماع الذي عقد بين الرئيسين التونسي والفرنسي (يوم ٢٧ شباط - فبراير - ١٩٦١) وأعقبه اجتماعات (الدار البيضاء) و (الرباط) بين الملك (الحسن الثاني - الذي خلف والده بعد وفاته) وبين (الحبيب بورقيبة) و (فرحات عباس)

стр. 2903

حيث تم الاتفاق على النقاط التمهيدية لمفاوضات الصلح. أعلنت الحكومة الفرنسية في الأول من آذار - مارس - استعدادها لمفاوضة الجزائريين دون قيود أو شروط. وأثناء ذلك كانت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تعقد اجتماعاتها المستمرة في تونس، وطار (كريم بلقاسم) نائب رئيسها إلى القاهرة ودمشق، حيث اجتمع إلى الرئيس (جمال عبد الناصر)، ثم عاد إلى تونس، حيث واصلت الحكومة اجتماعاتها لتعلن في يوم (١٧ - أذار - مارس) استعدادها للمفاوضة مع فرنسا دون شروط. وأخذت الاستعدادت طريقها لإجراء المفاوضات في (أيفيان) على الحدود الفرنسية - السويسرية، وكان من المقرر البدء بهذه المفاوضات - وفقا لما أعلنه الجانب الفرنسي - في يوم (٧ نيسان - إبريل - ١٩٦١). وهنا حاول المستوطنون في الجزائر ومن يؤيدهم من الرجعيين الفرنسيين إحباط هذه المفاوضات قبل وقوعها؛ فقاموا بسلسلة من الأعمال الارهابية - في فرنسا والجزائر - توجوها بقتل عمدة (إيفيان). لم تبدأ المفاوضات في موعدها كما كان مقررا، وتقع المسؤولية الكاملة هنا على الجانب الفرنسي، ويعود السبب في ذلك إلى ما أعلنه وزير شؤون الجزائر (المسيو جوكس): (من أن الحكومة الفرنسية تعتزم إجراء المباحثات مع الاتجاهات الأخرى). وكان هذا الإعلان بمثابة القنبلة الموقوته لتفجير الموقف، إذ كان من المعروف أن فرنسا تقصد بذلك التفاومض مع (الحركة الوطنية الجزائرية التي يمثلها مصالي الحاج) والتي فقدت رصيدها الجماهيري بسبب تخلفها عن ركب الثورة، الأمر الذي أدى إلى اتهامها بالتعاون مع الفرنسيين والتواطؤ معهم على حرية الجزائر

стр. 2904

واستقلالها. وعلى إثر ذلك، أعلن وزير الاستعلامات الجزائري (محمد يزيد) يوم (٥ نيسان - إبريل) أنه من المتعذر على حكومة الجزائر إرسال وفدها إلى المفاوضات، ما لم تبدل الحكومة الفرنسية موقفها بعد تصريح وزيرها (المسيو جوكس) وجرت محاولات عديدة، توسطت فيها أكثر من دولة، وأكثر من جهة، لتذليل هذه العقبة، وكان في مقدمتها المحاولة التي قام بها الرئيس (بورقيبة) لإقناع (مصالي الحاج) بالانسحاب من الحياة السياسية ولكن جميع هذه الجهود لم تؤد إلى نتيجة إزاء إصرار الحكومة الجزائرية على التمسك بموقفها العادل والمشروع. عاد الرئيس (ديغول) فألقى خطابا يوم (١١ نيسان - ابريل -١٩٦١) أعلن فيه: (بأن فرنسا لن تتمسك بجزائر لا تريد الارتباط بها، وأكد أن فرنسا ستجري تبادلا في السكان إذا اختار الجزائريون عدم الارتباط، فبعد الأربعمائة ألف جزائري من بلادها مقابل سحب مليون ومائة ألف فرنسي من الجزائر). وكان هذا الخطاب، بمثابة عود الثقاب الذي أشعل فتيل حركات التمرد، التي طالما مارسها المستوطنون في كل مرة شعروا فيها بالخطر يتهدد وجودهم على أرض الجزائر، وزاد من مرارتهم شعورهم بأن الرأي العام في فرنسا أصبح يؤيد تأييدا تاما حل (قضية الجزائر)، وأن هذا الرأي المعام هو الذي يمارس الضغط على ديغول لإنهائها بأي ثمن، وعن أي طريق، وأدركوا أن (ديغول) سينصاع في النهاية لهذا الضغظ الداخلي من شعبه، وأن محاولاته لا تعدو أن تكون محاولات لكسب أكثر ما يمكن كسبه من الجزائر، وتحقيق أكبر قدر من المغانم والامتيازات. وأدرك المستوطنون ومن يؤيدهم من الرجعيين أن عليهم القيام بالمحاولة الأخيرة لوقف هذا التيار،

стр. 2905

وفرض إرادتهم عن طريق التمرد والثورة ضد حكومة (ديغول) للاحتفاظ (بفرنسية الجزائر التي لا يرضون عنها بديلا). وتمكن المستوطنون عن طريق جنرالاتهم الأربعة: (شال) و (سالان) و (جوهر) و (زيلر) من إعلان ثورتهم يوم (٢٢ نيسان - ابريل - ١٩٦١)، وسرعان ما نشروا سيطرتهم على عدد من المدن الجزائرية وأخذوا في تهديد فرسا ذاتها بالغزو، وأعلنوا أن الهدف الأول لحركتهم هو: (المحافظة على الجزائر فرنسية، وإنهاء الحرب فيها بالقوة). ووقفت فرنسا على أبواب الحرب الأهلية، ولكن (ديغول) صمد للفتنة، وجابه زعماء التمرد بحزم، واتخذ الإجراءات الضرورية للقضاء على العصيان، مستفيدا في ذلك من تأييد معظم الشعب الفرنسي لاجراءاته، ودعم قسم كبير من الجيش الفرنسي الموجود في الجزائر ذاتها وفي فرنسا وخارجها. وهكذا لم تمض إلا أيام ثلاثة، حتى انهارت حركة التمرد في الجزائر، واستسلم قائدها الأول (شال)، وفر القادة الآخرون، وخرج (ديغول) من الأزمة وهو أقوى مما كان، وأشد اقتناعا من ذي قبل بضرورة الوصول إلى تسوية للمشكلة الجزائرية؛ إذ لم تعد المسألة في نظره تتعلق بالجزائر وحدها، وانما أصبحت أبعد مدى من هذا بكثير، إنها تتضمن تهديدا له شخصيا، وللسلطة في فرنسا بوجه عام. بدأت المفاوضات في (إيفيان) في شهر أيار - مايو - ١٩٦١، وبعد جلسات عديدة متتالية، لم يتمكن الطرفان من الاتفاق على أي من النقاط الأساسية، فتوقفت، ثم اسؤتفت من جديد يوم (٢٠ تموز - يوليو) لتتوقف بعد أسبوع بناء على طلب الوفد الجزائري، ومنذ ذلك الحين لم تجر أية مفاوضات رسمية بين الطرفين خلال بقية العام (١٩٦١).

стр. 2906

جدت تطورات في هذه الاثناء، فحل (يوسف بن خده) محل (فرحات عباس) في رئاسة الحكومة المؤقتة، وكان أشد تصلبا من سلفه. ولما انعقد مؤتمر الدول غير المنحازة في (بلغراد) عاصمة (يوغوسلافيا) ألقى (بن خده) خطابا حدد فيه سياسة الجزائر المستقلة بأنها ستقوم على أساس (عدم الانحياز)، كما أعلن التضامن مع تونس في نزاعها مع فرنسا حول (مشكلة بنزرت)، وفي الوقت ذاته، شكل ظهور منظمة (الجيش الفرنسي السرية) خطرا على نظام الحكم في فرنسا ذاته، بسبب اتجاهاتها الفاشية. اقترح رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (في ٢٤ تشرين الأول - أكتوبر-١٩٦١) إجراء المفاوضات على مرحلتين؛ أولاهما الوصول من ناحية المبدأ إلى اتفاق حول موعد محدد للاستقلال، والأخرى تحديد مستقبل العلاقات مع فرنسا، وكذلك الضمانات الواجب توافرها للمستوطنين الفرنسيين، وكان يوسف ابن خده) يصر على أمرين أساسين: أولا: أن تعترف فرنسا بوحدة الجزائر، ومعنى هذا هو الاعتراف بالسيادة الجزائرية على منطقة الصحراء. ثانيا: تمثيل الجزائريين في المجلس التنفيذي الذي يتولى شؤون الجزائر، خلال الفترة الانتقالية السابقة لاجراء الاستفتاء. ... دارت مباحثات سرية في (لي - روس) على مقربة من الحدود الفرنسية - السويسرية، ثم بدأت المفاوضات علنا في (إيفيان) يوم (٧ - آذار- مارس- ١٩٦٢) وتركزت المباحثات على الفترة الانتقالية، وتشكيل المجلس التنفيذي وسلطاته، وتكوين قوة الشرطة - البوليس - التي ستتولى حفظ الأمن والنظام، وتحديد

стр. 2907

مراحل جلاء القوات الفرنسية، والعفو عن المعتقلين السياسيين، وتبادل الأسرى لدى الجانبين. وتم التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار يوم ١٨ آذار - مارس، وأصبح نافذ المفعول اعتبارا من اليوم التالي، كما نشرت نصوص الاتفاقيات الاخرى، وشكل بعد ذلك المجلس التنفيذي وكان عليه أن يتولى إدارة شؤون الجزائر عن طريق الأجهزة الإدارية العادية، باستثناء ما احتفظت به فرنسا وكان من اختصاص المندوب السامي الفرنسي، أما الوظيفة الثانية التي تضطلع بها هذه الهيئة فهي اتخاذ الاستعدادات اللازمة لإجراء الاستفتاء. جرى الاستفتاء في الجزائر في اليوم الأول من تموز (يوليو) ١٩٦٢، وكان السؤال الموجه إلى المقترعين: هل توافق على استقلال الجزائر، وتعاونها في إطار اتفاقيات ايفيان؟. وجاءت النتيجة إيجابية بنسبة ٩٧،٣ في المائة، وفي يوم ٣ تموز - يوليو - أعلن الجنرال (ديغول) ما يلي: (إن رئيس الجمهورية الفرنسية يعلن أن فرنسا تعترف رسميا باستقلال الجزائر). وهكذا استعاد الشعب الجزائري حريته، ودخل في عداد الدول المستقلة، وتحررت فرنسا من أعباء الاستعمار التي أرهقت كاهلها، وكلفتها خسائر فادحة في الأرواح والأموال وفي السمعة الدولية. ... لقد تعرضت الاتفاقية (اتفاقية ايفيان) لكثير من النقد والتجريح، بسبب التنازلات الكثيرة التي قدمتها الجزائر لفرنسا، مثل: تأجير قاعدة (المرسى الكبير) لفرنسا لمدة (١٥) سنة قابلة للتجديد، فضلا عن احتفاظ فرنسا ببعض المواقع في الصحراء لمدة خمس سنوات، وأهمها (كولومب بيشار) و (رقان)، وكذلك

стр. 2908

إعطاء فرنسا امتيازات فيما يتعلق (بشركات استغلال الثروة المعدنية والبترولية) وتعويض المستوطنين مقابل (تنازلهم) عن الأراضي التي كانوا يمتلكونها ومساحتها ثلاثة ملايين هكتار، ووضع الجزائر من جديد تحت هيمنة الفكر الفرنسي - من خلال الاتفاقات الثقافية - الخ ... هنا لا بد من القول أن فرنسا التي أقامت فوق أرض الجزائر طوال (١٣٠) عاما، قد تركت رواسب عميقة (اجتماعية وثقافية وفكرية) فكان من الصعب على قادة الثورة التفكير في اجتثات هذه الرواسب دفعة واحدة. وكانت جزائر الثورة مثخنة بالجراح، فكانت في حاجة لبلوغ أهدافها على مراحل، وعلى هذا فإن اتفاقيات إيفيان لم تكن أكثر من مرحلة لبلوغ الاستقلال؛ وذلك لإعادة بناء الجزائر وتضميد جراحها، وتصفية الرواسب حتى تستعيد الجزائر أصالتها ويعود إليها وجهها العربي - الإسلامي الأصيل. لقد صمتت الأسلحة، وتوقف الصراع المسلح، وبدأت مرحلة جديدة من الصراع الشاق المرير ضد رواسب الاستعمار، وضد مخططاته العدوانية التي تأخذ أشكالا متطورة تحقق أهداف الاستعمار ولكن من غير الاحتكام إلى السلاح، وعن طريق رعاية (الجذور) التي خلفها الاستعمار ورعاها حتى تنبت باستمرار الأشواك الدامية، تدمي بها أقدام الاحرار وتعيقهم عن تحقيق أهدافهم في بناء الجزائر العربية الاسلامية التي لا يمكن لها أن تستعيد أصالتها إلا بالجهد المشترك مع جاراتها العربيات (المغرب وتونس) وإلا بإعادة تقويم عملية البناء باستمرار حتى تستعيد الجزائر أصالتها العربية والإسلامية.

стр. 2909

الغزاة يغادرون الجزائر

стр. 2910

الفهرس
следующие страницы →