بجب إدراكه هو عزل العدو الاستعماري الذي يضطهده الشعب الجزائري - لذلك ينبغي لجبهة التحرير الوطني أن تعمل على تعزيز هذه الظاهرة النفسانية وتطويرها للقضاء على نشاط جزء كبير من السكان الأوروبيين، وليست غاية الثورة الجزائرية أن (تلقي في البحر) بالسكان الأوروبيين، ولكنها تريد تحطيم نير الاستعمار الوحشي، وليست الثورة الجزائرية حربا أهلية، ولا حربا دينية، وكل ما تريده الثورة الجزائرية هو أن تسترد الاستقلال الوطني، لإقامة جمهورية ديموقراطية اجتماعية تضمن مساواة حقه بين جميع سكان الوطن بدون تفريق ولا تمييز.
ب - الأقلية اليهودية
إن تقرير هذا المبدأ الأساسي الذي تقبله جميع المبادىء الأخلاقية العالمية يساعد على خلق في الرأي العام الاسرائيلي في استمرار تعايش سلمي يرجع تاريخه إلى آلاف السنين. فقد كانت الأقلية اليهودية، بادىء الأمر، متأثرة بالحملة التي شنها الاستعماريون لإضعاف معنوياتهم؛ فنادى ممثلوها في المؤتمر اليهودي العالمي الذي انعقد بلندن، بتمسكهم بالجنسية الفرنسية التي تجعلهم في مكانة أرقى من مكانة مواطنيهم المسلمين، ولكن تفجر الحقد للجنس السامي الذي أعقب المظاهرات الاستعمارية الفرنسية قد أحدث في نفوسهم اضطرابا عميقا لم يلبث أن تبعه رد فعل سليم للدفاع عن النفس، وكان أول رد فعل من جانبهم هو الاحتماء من خطر الوقوع بين نارين، وكانت أول ظاهرة له هي التبرؤ من اليهود أعضاء لجنة (٨ تشرين الثاني - نوفمبر) و (الحركة البوجادية)؛ فقد خشي اليهود أن تثير حركة هؤلاء سخطا يتسبب في الانتقام من الطائفة كلها، ولقد أبدت المقاومة الجزائرية استقامة لا
стр. 2977
خلل فيها، حيث قصرت ضرباتها كلها على الاستعمار وحده، فأدرك المترددون القلقون من اليهود أن هذه المقاومة التي تمتاز بالإباء والشهامة، ما هي إلا غضبة الضعفاء ضد الطغاة المتجبرين. ولقد قام في الحين رجال مثقفون وطلبة وتجار وبادروا إلى إثارة حركة في الرأي العام تدعو إلى شل أيدي كبار المعمرين وأعداء اليهود، وذلك لأنهم لم يكونوا بضعيفي الذاكرة، إذ انهم لم ينسوا نظام (فيشي) الوضيع الذي أخرج (١٨٥) مرسوما من القوانين والأوامر التي بمقتضاها حرموا من حقوتهم طوال أربع سنوات (من الحرب العالمية الثانية)، وطردوا من الإدارات والجامعات، وأخرجوا من ديارهم ومتاجرهم، وردوا من حليهم وجوارهم، وفرضت على إخوانهم اليهود في فرنسا ضريبة جماعية (بمبلغ مليار فرنك) وكانوا يطاردون ويعتقلون في محتشد (درانسي) ويرسلون في قطارت إلى (بولونيا) حيث قضى اأكثرهم نحبه في بيوت التعذيب، والنار ذات الوقود. وبعد تحرير فرنسا، سرعان ما استرد اليهود الجزائريون حقوقهم وأموالهم بفضل تأييد النواب المسلمين، وذلك بالرغم من اعتراض الإدارة الفرنسية التي بقيت متمسكة بمذهب (بيتان). فهل بلغ اليهود من السذاجة بحيث أصبحوا يعتقدون اليوم أن انتصار الاستعماريين الغلاة يجعلهم في مأمن من الأهوال والويلات التي عرفوها، وهم الذين صبوها عليهم فيما مضى؟
لا يزال اليهود الجزائريون حتى اليوم، لم يتغلبوا على اضطراب ضمائرهم، ولا عرفوا بعد أية وجهة يتخذونها، وأملنا أن يسير الكثير منهم على أثر أولئك الذين استجابوا لنداء الوطن الجزائري الكريم، وصادقوا الثورة بمطالبتهم منذ الآن في فخر واعتزاز بالجنسية الجزائرية، وإن اختيارهم هذا يعتمد على التجربة والخبرة والعقل
стр. 2978
السليم والتبصر بالأمور. وعلى الرغم من الصمت الذي يلزمه (حاخام الجزائر العاصمة) على نقيض كبير الأساقفة الذي وقف موقفا كريما، حيث قام بشجاعة، وعلى مسمع ومرأى من الدنيا، فندد بالظلم الاستعماري، فإن أغلبية الجزائريين لم يعدوا الطائفة اليهودية ملتحقة بصف العدو نهائيا، وقد قضت جبهة التحرير الوطني على الاستفزازات الكثيرة التي دبرها الاخصائيون في الولاية العامة. وإذا استثنينا العقوبات الفردية التي أنزلت بالشرطة والحركة الإرهابية المضادة للمسؤولين عن جرائم، اقترفت ضد السكان الأبرياء، فقد تمت صيانة البلاد الجزائرية من كل ثورة ضد اليهود، ومقاطعه التجار اليهود قد قمعت في مهدها وقبل انطلاقها، وكان المفروض أن تعقب مقاطعة التجار (الميزابيين)؛ هذا الذي يفسر كون النزاع العربي - الإسرائيلي، لم يكن له في الجزائر صدى خطير، الأمر الذي كان - لو وقع - يصفق له أعداء الشعب الجزائري. وقد برهنت الثورة الجزائرية بالفعل على أنها جديرة بثقة الأقلية اليهودية، وأنها جديرة بأن تكفل لليهود حظهم من السعادة في الجزائر المستقلة، ولا تحتاج الثورة لاكتساب هذه الصفحة إلى البحث عما سجله تاريخ بلادنا من دلائل على التسامح الديني، والتعاون في أرقى وظائف الدولة والتعايش الصادق النزيه.
إن اضمحلال النظام الاستعماري الذي استخدم الأقلية اليهودية، واتخذها درعا لتخفيف الضربات النازلة على الاستعمار، ليس معناه القضاء حتما على هذه الأقلية بالفقر، وليس أسخف من الافتراض القائل (بأن الجزائر لا تكون شيئا مذكورا إذا انفصلت عن فرنسا). إن الازدهار الاقتصادي الذي تناله الشعوب المحررة أمر
стр. 2979
بدهي ظاهر للعيان، وفعلا فإن (الدخل الوطني - الإيراد) يتزايد أهمية، ويضمن لجميع الجزائريين حياة أكثر رفاهية ورخاء، وبناء على ما سلف ذكره، توصي جبهة التحرير الوطني يما يلي:
١ - تشجيع ومساعدة تأليف لجان وحركات من بين الديموقراطيين الأحرار الجزائريين حتى الذين لهم أهداف معينة محدودة بادىء الأمر، ومثال ذلك:
أ - لجنة للسعي ضد الحرب في الجزائر.
ب - لجنة تدعو للمفاوضة والسلم.
ج - لجنة تدعو للجنسية الجزائرية.
د - لجنة لمساعدة ضحايا القمع.
هـ - لجنة لدراسة القضية الجزائرية.
و- لجنة للدفاع عن الحريات الديموقراطية.
ز - لجنة لتجريد منظمات البوليس المدني (الشرطة) من السلاح.
ح - لجنة لإعانة العمال الزراعيين، ومؤازرة النقابات، وتأييد الإضرابات، وحماية الأطفال والنساء الذين يستغلهم الاستعمار.
٢ - مضاعفة الدعاية بين الجنود والمجندين، وذلك:
أ - بتزويدهم بالكتب والصحف (الجرائد) والمجلات والمنشورات المناهضة للاستعمار.
ب - بإنشاء لجان لاستقبال الجنود أثناء الإجازة.
ج - بتمثيل روايات مسرحية تحرض على الكفاح الوطني في سبيل الاستقلال.
د - زيادة اللجان التي تضم نساء المجندين للمطالبة بتسريح
стр. 2980
أزواجهم من الجندية.
ج - نشاط جبهة التحرير في فرنسا.
١ - توسيع تأييد الرأي العام الديموقراطي.
إن تحليل الآراء السياسية للديموقراطيين الأحرار في فرنسا، من شأنه أنه يساعد على إدراك وجوه الخلاف الموجودة في وسط الرأي العام الفرنسي الذي يتأثر بسرعة طبقا للشعور الشعبي، وما من شك في أن جبهة التحرير الوطني تعلق نوعا من الأهمية على المساعدة التي يمكن أن تقدمها لقضية المقاومة الجزائرية تلك الطبقة المتفتحة من الشعب الفرنسي الذي لا يطلع إطلاعا كافيا على ما يرتكب باسمه من الفظائع التي يعجز البيان عن وصفها، وإنا لنقدر مساعدة ممثلي الحركة الديموقراطية الحرة الفرنسية التي تهدف إلى فرض الحل السياسي حقنا للدماء المهرقة هدرا، وقد أصبحت إدارتها في (باريس) مدعمة معززة، وهي مهمة سياسية كبيرة لإطال المفعول السلبي للنشاط الذي تقوم به الرجعية الاستعمارية وذلك مثل: (القيام باتصالات سياسية مع المنظمات والحركات واللجان القائمة ضد الحرب: بالصحافة والاجتماعات الشعبية والاضرابات التي تنظم ضد ترحيل الجنود وشحن الآلات الحربية إلى الجزائر.
٢ - تنظيم الهجرة الجزائرية في فرنسا
يعتبر الجزائريون المهاجرون إلى فرنسا رأس مال ثمين بالنسبة إلى عددهم وطابعهم الذي يمتازون به من الفتوة وحب الكفاح وقوتهم السياسية، وإن مهمة جبهة التحرير في تعبئة هذه القوى كلها، هي مهمة كبيرة الخطورة، لا سيما وأنها تستلزم في الوقت
стр. 2981
ذاته كفاحا شديدا لا هوادة فيه لاستئصال شأفة النزعة (المصالية).
١ - إثارة الرأي العام الفرنسي والأجنبي، وتنويره، بنشر الأخبار والمقالات في الصحف والمجلات، وينبغي في هذا الشأن جمع كل المكافحين ذوي الخبرة والدراية والمثقفين والطلبة.
٢ - الدأب بصورة مستمرة، من غير كلل ولا ملل، على بيان فشل النزعة المصالية كتيار سياسي، وتورطها مع الدوائر القريبة من الحكومة الفرنسية، الأمر الذي يفسر أن هذه النزعة ليست موجهة ضد الاستعمار، ولكنها موجهة ضد جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني.
د - تضامن الشمال الأفريقي
لقد فشل الاستعمار، وفشلت مشروعاته وتصميماته فشلا ذريعا أمام تشدد (جبهة التحرير الوطني) ومواصلة (جيش التحرير الوطني) لكفاحه القوي الشديد، كما فشل أمام الاتحاد الكامل والعام الذي جمعه ورص بنيانه مثله الأعلى في الاستقلال الوطني. ومن جهة أخرى، فإن حكومتي تونس والمغرب قد وقفتا، بفضل ضغط الشعبين الشقيقين، موقفا صريحا من هذه المشكلة التي يرتهن بها التوازن في شمال أفريقيا، وهذا ما يدعو جبهة التحرير الوطني إلى الحفز والتشجيع على:
١ - تنسيق السعي الحكومي في البلدين الشقيقين للضغط على الحكومة الفرنسية في الميدان الديبلوماسي.
٢ - توحيد النشاط السياسي بإنشاء لجنة تنسيق بين الأحزاب الوطنية الشقيقة وجبهة التحرير الوطني، وذلك:
أ - بإنشاء لجان شعبية لتأييد الثورة الجزائرية.
стр. 2982
ب - التدخل بمختلف الوجوه في جميع المناطق.
٣ - الاتصال الدائم بالجزائريين المقيمين في المغرب وتونس (القيام بعمل إيجابي ملموس لدى الرأي العام والصحافة.
٤ - التضامن بين الهيئات النقابية المركزية: (الاتحاد العام التونسي للشغل) و (الاتحاد المغربي للشغل) و (الاتحاد العام للعمال الجزائريين).
٥ - التعاون بين اتحاد الطلبة الثلاثة.
٦ - تنسيق نشاط الهيئات الاقتصادية المركزية الثلاث.
٥ - الجزائر أمام العالم
قامت الديبلوماسية الفرنسية بنشاط كبير في الميدان الدولي للحصول حيثما أمكن، ولو لمدة قصيرة، على مساعدة أدبية ومادية، أو حياد في شيء من العطف، أو الالتزام بموقف سلبي، وكان أقصى ما أحرزته المساعي الديبلوماسية الفرنسية هو بعض التصريحات القلقة التي أفضى بها الممثلون للولايات المتحدة وبريطانيا العظمى والحلف الأطلسي على سبيل المداراة والمجاملة، بيد أن الصحافة العالمية والصحافة الأمريكية - بصفة خاصة - لم تفتأ تندد بالأعمال الإجرامية والفظائع الحربية، التي يقوم بها جنود (اللفيف الأجنبي) و (جنود المظلات) مثل: التنكيل بالشيوخ والنساء والأطفال وتقتيل المثقفين والمدنيين الأبرياء وتعذيب المساجين السياسيين الوطنيين وإكثار المعتقلات، وإعدام الرهائن، وتطالب الصحافة العالمية الاستعمار الفرنسي بالاعتراف العلني الرسمي بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بكامل
стр. 2983
الحرية، وإن (الكفاح الجبار الذي يقوم به جيش التحرير الوطني) وانتصاراته الباهرة التي أثبتت للجميع أنه جيش لا يقهر بفضل إجماع الشعب الجزائري على التعلق بالحرية، مثله الأعلى، الذي يسعى من أجله قد أخرج القضية الجزائرية من النطاق الفرنسي الذي قيدها فيه الاستعمار الفرنسي، ويرجع الفضل في هدم هذه الأسطورة القائلة (بالجزائر الفرنسية) إلى (مؤتمر باندونغ) والى الدورة العاشرة (للجمعية العامة للأمم المتحدة).
وهل يعقل أو يمكن تغيير جنسية شعب لمجرد غزو بلاده واحتلالها من طرف جيش أجنبي؟ ..
أن الجزائريين لم يقبلوا في وقت من الأوقات (فرنسة الجزائر) لا سيما وأن هذه الصفة التي أريد فرضها عليهم، لم تمنع الاستعماريين من اعتبارهم غرباء في وطنهم، يحرمون حتى مما يتمتع به الأجانب تحت سمائه من الحرية والتقدير، وقد خنق الاستعمار أنفاس اللغة العربية التي هى اللغة القومية، لغة الأغلبية الساحقة من السكان، ومحى تعليمها العار محوا كليا منذ بدء الاحتلال، بتشتيت شمل الأساتذة والطلاب وباغتصاب الأوقاف، كما انتهكت حرمة الديانة الإسلامية، وشوه وجهها السمح بتسخير القائمين عليها واستئجارهم من طرف الإدارة الاستعمارية، وقد حارب الاستعمار الفرنسي الحركة الإصلاحية (لجمعية العلماء) وأيد الطرائف الطرقية المسخرة برشوة بعض شيوخ الزوايا.
وكم يظهر خبث (بيدو) و (لاكوست) و (سوستيل) و (الكردينال فلتان) خبثا مشينا، إذ أنه أوقع أصحابه في هوة من النذالة والخيانة عندما حاولوا خداع الرأي العام الفرنسي وتضليله، زاعمين أن الثورة حركة قائمة على التعصب الديني في خدمة نشر
стр. 2984
الإسلام في العالم. إن الثورة الجزائرية لا تميز نفسها على بقية الطوائف الدينية المختلفة التي تسكن البلاد الجزائرية، ولكنها تميز فقط أنصار الحرية والعدل والكرامة الإنسانية من جهة أخرى، وليس أدل على هذا من إنزال العقاب الشديد بالخونة من رجال الدين في حرم المسجد. وعلى عكس ذلك، فبفضل النضج السياسي الذي بلغه الشعب الجزائري، وبفضل الحكمة والبصيرة اللتين تمتاز بهما إدارة (جبهة التحرير الوطني) أمكن فضح مساعي الاستعمار المتجددة وإحباطها، حيث كانت هذه المساعي الاستعمارية تثير التحديات والاستفزازات لإشعال نار الفتن والاضطرابات ضد المسيحيين، وإعلان العداء للأجانب، وما الثورة الجزائرية رغم كل الدسائس والتحريضات التي تقوم بها الدعاية الاستعمارية، إلا كفاحا وطنيا يعتمد على أساس قومي وسياسي واجتماعي، وليست الثورة الجزائرية تابعة للقاهرة أو لندن أو موسكو أو واشنطن، وإنما هي ثورة تسير في مجراها الطبيعي طبقا للتطور التاريخي للإنسانية والذي لم يعد يرضى بوجود أمم مستعبدة على وجه الأرض؛ وهذا ما جعل قضية (استقلال الجزائر) قضية عالمية، ومشكلة تتحكم في جميع مشاكل الشمال الأفريقي، وسترفع الدول الافريقية - الآسيوية قضية الجزائر إلى هيئة الأمم المتحدة من جديد.
وإذا ظهر عند هذه الدول الصديقة إبان الدورة الأخيرة لجمعية الأمم المتحدة اهتماما بالغا للتوفيق بين الجانبين، بحيث أفضى بها إلى سحب مناقشة القضية الجزائرية من جدول أعمال الهيئة الدولية، فليس لها اليوم مثل هذا الموقف بعد أن نكثت فرنسا بجميع الوعود التي قطعتها على نفسها. وقد كان موقف البلاد العربية عامة ومصر خاصة سببا في ذلك الفتور، فقد كان تأييدها للشعب
стр. 2985
الجزائري محدودا ومرهونا بتطورات ديبلوماسيتها، ذلك أن فرنسا كانت تضغط على بلاد الشرق الأوسط عن طريق المساعدة الاقتصادية والعسكرية، والمعارضة لحلف بغداد، وقد حاولت بصفة خاصة أن تضغط بكل قواها لشل الأسلحة النفسية والأدبية التي بيد جيش التحرير الوطني، ومنها على الخصوص إذاعة (صوت العرب). أما البلاد غير العربية من الكتلة الأفريقية - الآسيوية، فقد كانت حريصة أن لا تبدو أكثر حماسة من البلاد العربية، من جهة، وكانت راغبة من جهة أخرى القيام بدور محدد في قضايا مثل نزع السلاح والتعايش السلمي. وعلى كل حال، فإن تدويل القضية الجزائرية في طورها الحاضر، قد زاد من قوة الشعور العالمي بضرورة استعجال تسوية هذا الصراع المسلح الذي قد يمتد إلى عامة البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا والشرق الأوسط بل قد يعم العالم أجمع.
كيف نوجه نشاطنا الدولي؟.
تقع القاعدة الأساسية نشاطنا في هذا الميدان، في البلاد العربية، وفي مصر بوجه خاص، ولم تكن اتصالاتنا بساسة البلاد الشقيقة، ولا تزال، سوى اتصالات حليف مع حلفائه، ولم تكن اتصال آلة بيد مستعملها، ومن واجبنا أن نحرص بانتظام على المحافظة على استقلال الثورة الجزائرية استقلالا تاما، كما ينبغي القضاء على المزاعم التي أشاعتها الحكومة الفرنسية وديبلوماسيتها وصحافتها الكبرى لإظهار ثورتنا في مظهر ثورة مصطنعة زائفة مدبرة من الخارج، وليس لها جذور في الشعب الجزائري المكبل بالقيود، ولذلك يجب:
١ - حمل دول مؤتمر باندونغ على ممارسة ضغط سياسي وديبلوماسي واقتصادي مباشر على فرنسا علاوة على مساعيها لدى
стр. 2986
هيئة الأمم المتحدة.
٢ - السعي للحصول على تأييد الدول والشعوب الأوروبية بما فيها البلاد الشمالية، والديموقراطيات الشعبية، وكذلك بلاد أمريكا اللاتينية.
٣ - الاعتماد على المهاجرين العرب في بلدان أمريكا اللاتينية.
ولهذا الغرض عززت (جبهة التحرير الوطني) الوفد الجزائري القائم بمهمة (البعثة الخارجية) وقد أصبح لديها:
١ - مكتب دائم لدى هيئة الأمم المتحدة، وفي الولايات المتحدة.
٢ - وفد في البلاد الآسيوية.
٣ - وفود متنقلة لزيارة العواصم، والمشاركة في التجمعات الثقافية العالمية، وتجمعات الطلاب والنقابات وغيرها.
٤ - دعاية مكتوبة قائمة على وسائلنا الخاصة، من تنظيم مكاتب صحيفة ونشر التقارير وعرض الوثائق بالصور والأفلام.
الخلاصة:
منذ عشر سنوات، وبعد الحرب العالمية الثانية، حدث انفجار هائل زعزع أركان الامبريالية، وقد انطلق تيار التحرير الوطني المكبوت منذ زمن بعيد، فهز الشعوب الأسيرة ووقعت انتفاضة شاملة، فدفعت البلاد المستعمرة الواحدة تلو الأخرى إلى السعي وراء مستقبل زاهر من الحرية والسعادة.
وخلال هذه الحقبة القصيرة من الزمن استطاع ثمانية عشر شعبا أن يخرج من ظلمات العبودية الاستعمارية، وتتبوأ مقعدها تحت شمس الحرية والاستقلال الوطني.
стр. 2987
ستعيش حرا يا ولدي
стр. 2988
فحطمت شعوب سورية ولبنان وفييتنام والهند والفزان أغلالها وغادرت سجن الاستعمار الفرنسي المظلم، ثم أعربت شعوب المغرب الثلاثة بدورها عن عزمها وقدرتها على أن تأخذ مكانها في مجمع الأمم الحرة، وأن الثورة الجزائرية التي نشبت في الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤ لسائرة في طريقها السوي، ولا شك في أن الكفاح لا يزال شاقا ومريرا، وإن هذا الجهاد المسلح الطويل الذي يقوم به الشعب الجزائري الصامد، تحت إشراف جبهة التحرير الوطني وإدارتها الحازمة سيكلل بالنصر لا محالة.
وسيمحى يوم ٥ تموز - يوليو - ١٨٣٠ الأسود المشؤوم بالقضاء على نظام الاستعمار الممقوت لقد اقترب اليوم الذي يجني فيه الشعب الجزائري الثمار الطيبة اللذيذة لتضحياته المريرة الأليمة وشجاعته السامية الكريمة وهي:
استقلال الوطن الذي سيخفق فوقه العلم الجزائري رمزا للحرية والسيادة.
стр. 2989
٣ - تطور جبهة التحرير الوطني (سنة ١٩٥٧)
قد لا تكون هناك حاجة للتعليق على (منهج الصومام) الذي سبق عرض مقتطفات منه، ذلك أن هذا المنهج واضح في مضمونه، صريح في عرضه للقضايا التي جابهتها الثورة، دقيق في وضعه للحلول والمخططات التي يجب العمل بها. و (المنهح) في واقعه تعبير عن الحالة العقلية أو (الذهنية) التي كانت تعيشها قيادة (جبهة التحرير الوطني)، غير أن فهم الأبعاد التي تضمنها المنهج، يتطلب بالضرورة القيام بجولة سريعة، أو بعرض وجيز، للمراحل التي سبقت المؤتمر والتي تلته وجاءت في أعقابه.
لقد أصدر القادة التاريخيون بيانهم الأول - في الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤ وهم يدركون تماما ما يعنيه هذا البيان، ولقد قيل (بأنه ليس في وسع أي ثوريين أن يحكموا سلفا على ما تلقاه النداءات التي يوجهونها للثورة من استجابة) (*) غير أن مثل هذا القول يفتقر للدقة، في حالة الثورة الجزائرية على الأقل، إذ لو لم
стр. 2990
يكن القادة التاريخيون يعرفون يقينا مدى استعداد الجزائر للاحتراق بنار الثورة، لما أطلقوا شرارتها، ولما وجهوا بيانهم التاريخي إلى (الشعب الجزائري)، ولما كان باستطاعتهم تطوير تلك الهجمات الأولية المذهلة التي شنت في ليل (عيد جميع القديسين)، ولكان في وسع الفرنسيين القضاء بسهولة على الثورة وهي في مهدها، بما لديهم من جيوش مجهزة أحسن تجهيز، ووافرة العدد والوسائط القتالية، وكان الواجب الأول الملقى على عاتق جبهة التحرير الوطني أن تحصل على الدعم الشعبي اللازم لتطوير الثورة واستمرار تصاعد قوتها. وقد تضمنت وثيقة إعلان الثورة الأسس والمبادىء التي وردت بوضوح أكبر في (منهح الصومام) مما يؤكد وضوح الخط الثوري، وضوحا لا يقبل الجدل أو النقاش.
لقد توجهت قيادة جبهة التحرير الوطني ببياناتها إلى (الشعب الجزائري) مباشرة، وبات لزاما عليها أن تتخذ موقفا واضحا من مراكز القوى المختلفة والتي طالما أدت صراعاتها إلى خدمة الأهداف الاستعمارية وإلى تشتيت القوى وتمزيقها، ولقد تضمن البيان الأول للثورة نداءا إلى جميع الجزائريين على اختلاف أحزابهم وطبقاتهم إلى أن يتبنوا حركة النضال في سبيل الاستقلال، وبات واضحا تماما أن جبهة التحرير ليست (تجمعا للأحزاب) وإنما هي جبهة مفتوحة على كل المواطنين للعمل تحت راية الجبهة ببرامج جديدة وأهداف واضحة، بصرف النظر عن كل الآراء السياسة التي كان يحملها هؤلاء المواطنون قبل الثورة. وبكلمة أخرى فإن الجبهة أظهرت استعدادها لاحتضان كل الأحزاب لا بصفتها الحزبية وإنما بصفتها مجموعة من المواطنين المستعدين لحمل راية الثورة. وعندما قامت الإدارة الفرنسية بحل (حركة انتصار الحريات الديموقراطية) قام
стр. 2991
أتباع (مصالي الحاج) من المطالبين بالإصلاح بتأليف حركة أسموها (الحركة الوطنية الجزائرية) بينما انضم اتباع (اللجنة المركزية) بصورة تدريجية إلى الجبهة، والتحموا معها، ولم تنجح المحاولات المستمرة التي بذلت لاقناع (مصالي الحاج) بالتعاون مع جبهة التحرير، وأدى إطلاق صراح أتباع (مصالي) إلى إقامة حركة منافسة من (رجال المقاومة) تابعة (للحركة الوطنية الجزائرية) التي افتضحت بسرعة بسبب تواطئها مع الشرطة الفرنسية. وقامت الجبهة بعد أن أدانت حركة مصالي بمناوأتها للثورة، بمهاجمة مقاومي الحركة وتصفيتهم (في العام ١٩٥٥)، وفي العام (١٩٥٧) انتقل الصراع إلى فرنسا حيث دارت معارك ضارية بين أنصار (جبهة التحرير الوطني) وبين (أنصار الحركة الوطنية الجزائرية) من العمال
المهاجرين إلى فرنسا.
كان موقف (الاتحاد الديموقراطي) الذي يتزعمه (فرحات عباس) مغايرا لموقف (الحركة الوطنية الجزائرية)، وكانت الجبهة ترغب كل الرغبة في انضمامه للجبهة، بهدف دعم الوحدة الوطنية من جهة، وللإفادة من طبقة المثقفين (الطبقة المتوسطة) التي يحتويها هذا التكتل، وقد جرت عدة محادثات سرية مع ممثلي الجبهة في مطلع العام (١٩٥٥)، ولم يحل شهر أيار (مايو) حتى كان قد انضم اليها وأتباعه، الأمر الذي دعم من قوة الجبهة وزاد من هيبتها.
أما موقف جمعية العلماء، وهي الحركة الوطنية الدينية القديمة - المتجددة، فقد ظل متحفظا تجاه الجبهة، فقد أعلن الشيخ (بشير الإبراهيمي) رئيس الجمعية وغيره من زعمائها في خارج الجزائر قبول برنامج الجبهة، وكان انضمام الشيخ (أحمد
стр. 2992
توفيق المدني) للجبهة برهانا على هذا التأييد. أما في الجزائر، فقد ظل العلماء متحفظين في تأييدهم لجبهة التحرير بسبب انحرافها في استخدام سلاح الإرهاب (ذبح الخونة وأنصار الفرنسيين على مشهد من الناس مما يخالف تعاليم الشرع)، ولكن المفاوضات بقيت مستمرة لتكوين قناعة مشتركة في هذا الموضوع.
لقد استثارت الإجراءات التعسفية التي استخدمها الجيش الفرنسي ضد مسلمي الجزائر، تلك العناصر المعتدلة ودفعتهم إلى الاحتجاج، وكانت جماعة الواحد والستين، وهي فئة تضم النواب الجزائرين المنتخبين من طريق - انتخاب الدرجتين - والتي يتزعمها - بن جلول - كثيرا ما دعت الإدارة الفرنسية إلى وضع حد لهذه الإجراءات التي لم تنجح إلا في توسيع نطاق الثورة، وقد مضى بعضهم إلى القاهرة في العام ١٩٥٥ أو طالبوا بالاستقلال، وكان رفضهم الصمت، واحتجاجهم على أعمال القمع الفرنسي، من العوامل التي حالت دون جمع المعتدلين الجزائريين حول سياسة فرنسا لإجراء إصلاحات من شأنها عزل الجبهة.
عقدت جبهة التحرير الوطني اجتماعا لها في أيار - مايو - ١٩٥٠، باشتراك مندوبين من الجزائر وفرنسا والقاهرة، لوضع تقرير عن المنجزات التي حققتها، وتخطيط السياسة للمستقبل، وقد استنكرت الجبهة السياسة الاستعمارية الجديدة، ومحاولاتها (تخدير) الشعب الجزائري ببعض الاصلاحات الطفيفة، ولتوحيد جهد الوطنيين ضد هذه السياسة، واقترحت جبهة التحرير أن يشن الشعب حملة من المقاطعة السياسية لفرنسا، ومن تخريب الكيان الاقتصادي عن طريق المقاطعة والإضراب وغيرهما من أساليب المقاومة السلبية، أما عمل جيش التحرير الجزائري فمشروع
стр. 2993
وحيوي (لوضع حد للعنف العسكري الفرنسي).
خلال هذه الفترة كانت قيادة جبهة التحرير الوطني تعمل جاهدة لتدويل قضية الجزائر، غير أن عملية التدويل سارت بصورة بطيئة بسبب مقاومة فرنسا لها، وكانت (المملكة العربية السعودية) قد أخذت المبادأة عندما وجهت نداء إلى مجلس الأمن الدولي، طالبت فيه ببحث الوضع في الجزائر باعتبار أنه (تهديد للسلام والأمن الدوليين)، ولكن المجلس رفض قبول هذا الطلب.
عقد مؤتمر (باندونغ) في نيسان - ابريل - ١٩٥٥ وحضره (محمد يزيد) - وهو من الأعضاء السابقين لحركة انتصار الحريات الديمرقراطية - ممثلا لجبهة التحرير الوطني، كما حضره (صالح بن يوسف) ممثلا عن حزب الدستور الجديد التونسي، و (علال الفاسي) ممثلا عن حزب الاستقلال المغربي، وقد طلب ممثلو المغرب العربي - الإسلامي من الدول الممثلة في باندونغ، أن تقدم طلبا رسميا إلى الأمم المتحدة لبحث (قضية الجزائر) على أساس مبدأ (حق تقرير المصير) الذي تقره الهيئة الدولية، وقد استجاب المؤتمر إلى هذه النداءات بتسجيل ملاحظته عن المغرب العربى الإسلامي جاء فيها: (إن هناك تنكرا في شمال أفريقيا لحقوق الشعوب في التدريس بلغاتها الخاصة، وطبقا لثقافاتها) وأكد المؤتمر (تأييده لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وأعلن تأييده لاستقلال الشمال الأفريقي، وحث الحكومة الفرنسية على الوصول إلى تسوية سلمية لجميع هذه القضايا دون تأجيل)، وقد ساعد اشتراك الوفد الجزائري في مؤتمر باندونغ على إقامة اتصالات واسعة النطاق، ولو أن هذه الاتصالات لم تؤثر في هذه المرحلة تأثيرا كبيرا على السياسة الفرنسية. وواجهت جبهة التحرير صدمة ثانية في
стр. 2994
صراعها لتدويل (القضية الجزائرية) في شهر تموز - يوليو - ١٩٥٥؛ ففي هذا الموعد طلبت أربع عشرة دولة تمثل الكتلة الأفريقية - الآسيوية في الأمم المتحدة، طرح المشكلة الجزائرية على جدول أعمال (الجمعية العامة) على أساس (حق تقرير المصير)، ولكن اللجنة التوجيهية للجمعية رفضت الطلب بعد نقاش حاد، على أساس أن القضية تتعلق بالشؤون الداخلية الفرنسية.
وزعت جبهة التحرير الوطنى في أواخر صيف سنة (١٩٥٥) منشورا جديدا في جميع أنحاء الجزائر، يعرض قائمة حساب بأعمالها عن الأشهر التسعة الأولى من القتال، وقد هاجم هذا المنشور أنصار (مصالي الحاج) و (اللجنة المركزية لحركة انتصار الحريات الديموقراطية) واتهمها بالنشاط المناوىء للثورة، وعدد المنشور أرقام القتلى والجرحى عند الفرنسيين وفي جيش الثورة، وحسر النقاب عن أن جبهة التحرير قد حصلت مؤخرا على المدافع المضادة للطائرات، وكان اهتمام المنشور محصورا في نقطتين أخريين، فقد تضمن ما يلي: (إن النضال ضد الفرنسيين لم يجعلنا ننسى الخونة من شعبنا، فقد صفينا أكثر من خمسمائة خائن، وسيحمل نحوا من مائة حتى الأيام الأخيرة من حياتهم العلامة الفارقة المشيرة إلى خيانتهم). وقد رمزت السنة الأولى من الثورة إلى وضع الإدارات على الخونة لقضية الجزائر، مثل جدع الأنوف، وصلم الآذان - قطعها - وقد نجمت هذه الأعمال عن المرارة التي كانت الجبهة تشعر بها من أعمال هؤلاء الذين يتعاونون مع الفرنسيين، وعلى رغبتها في ردع من تسول له نفسه التعاون مع العدو، وقد توقفت هذه الإجراءات منذ العام (١٩٥٦)، واقتصر العمل منذ هذا التاريخ ضد المتعاونين على اختيار عدد من (الخونة) ومحاكمتهم
стр. 2995
أمام لجان جبهة التحرير، وصدور القرار بإعدامهم سواء وجاهيا أو غيابيا.
وأجاب المنشور على بعض نظريات الدعاية الفرنسية الموجهة ضد جبهة التحرير، وضد تأكيدها بأنها (الممثلة الحقيقية للشعب الجزائري) وأنها (الوحيدة التي تستطيع التفاوض باسمه) كما ردت جبهة التحرير على الزعم الفرنسي القائل بأنها مؤلفة من (رجال العصابات والهاربين من وجه العدالة) بأن تسعة وتسعين في المائة من المجاهدين هم من الفلاحين الشبان الذين لم يدخلوا السجن قط ومن واحد في المائة فقط من الذين سبق لهم أن سجنوا لأسباب سياسية، وردت على الزعم الفرنسي بأنها في خدمة بعض الحكومات الأجنبية، وبأن ليس في صفوفها أي أجنبي، وأنها في خدمة الجزائر وحدهما. وقالت الجبهة في معرض الرد على الادعاء بأن انتصاراتها العسكرية ناجمة عن شحنات الأسلحة الضخمة التي تتلقاها من الخارج، بأنها حصلت على الجزء الأكبر من أسلحتها من الفرنسيين أنفسهم، ودحضت مزاعم (الاستعماريين الفرنسيين) بأن: (الجبهة مؤلفة من أناس بدائيين سفاكين للدماء وبرابرة، يتجاهلون قوانين الحرب) فأعلنت أنها لم تقم بإعدام أي من الأسرى الذين يقعون في أيديها، بينما يقوم الاستعماريون بإعدام أي أسير يقع في أيديهم، وذكرت في معرض الرد على المزاعم القائلة بالتعاون بين الثورة والشيوعيين: (إن كل إنسان يعرف أن الحزب الشيوعي الجزائري غير موجود في الريف الجزائري، وأنه محدود القوة والتأثير في المدن الكبيرة، فليس بيننا شيوعيون، وليست لنا أية علاقة بالحزب الشيوعي). وأخيرا تحدثت الجبهة عن النظرية الاستعمارية الجديدة القائلة: (بأننا حملنا السلاح لأننا
стр. 2996
جياع ولأننا عاطلون عن العمل، ولأن المستوطنين الجشعين يستغلوننا أبشع استغلال) فقالت: (إن هذا القول خطيئة كبرى؛ لقد حملنا السلاح حتى تستعيد الجزائر حريتها واستقلالها، فنحن جزائريون، ونريد أن نظل جزائريين لأننا نفخر بجزائريتا، ولن يكون في وسع أي اضطهاد مهما بلغ من الوحشية أن يحولنا إلى فرنسيين، ولن يكون في وسع أية رفاهية أو كيان اجتماعي أن يحملانا على نسيان حريتنا الضائعة). وكان هذا التأكيد عن الروح السياسية للثورة موجها إلى سياسات فرنسا الاصلاحية، التي كانت تقوم، ولا تزال على أساس الافتراض بأن الجزائريين جياع أكثر منهم وطنيين.
بدأت التحولات الحاسمة لمصلحة (جبهة التحرير الوطني) مع بداية سنة (١٩٥٦)؛ ففي كانون الثاني - يناير - اتخذ العلماء موقفا رسميا بتأييد الجبهة والعمل معها، وفي شهر نيسان - ابريل - ذهب إلى القاهرة (فرحات عباس) الذي كان قد أوضح منذ عدة أشهر افتقاره إلى السلطة في الجزائر، وكان في رفقته (أحمد توفيق المدني) أبرز زعماء جمعية العلماء، بعد خطف الفرنسيين للشيخ (العربي التبسي)، وانضما إلى (البعثة الخارجية) لجبهة التحرير الوطني الجزائري، وأعلن (فرحات عباس) في مؤتمر صحفي في القاهرة، تأييده الكامل للجبهة، وحل (الاتحاد الديموقراطي لأنصار البيان الجزائري)، وأدى هذا العمل إلى توحيد جميع الاتجاهات المهمة في التفكير السياسي الجزائري ضمن إطار الجبهة، وأضفى عليها مكانة عالمية خاصة، وخطت جبهة التحرير بعد ذلك خطوات واسعة نحو إقامة (دولة جزائرية، ضمن نطاق الدولة التي تتولى فرنسا إدارتها). وعندما رأت الجبهة في نهاية
стр. 2997
شهر شباط - فبراير - أن (الحركة الوطنية الجزائرية - أو حركة مصالي الحاج) قد عملت على تنظيم (اتحاد عمالي)، سارعت هي بدورها إلى إقامة (الاتحاد العام للعمال الجزائريين) وكان العمال الجزائريون المنظمون حتى تلك الفترة، هم أعضاء في نقابات مندمجة في النقابات الفرنسية، ولا سيما التابعة منها للشيوعيين، والمسماة (بالاتحاد العام للعمل). وقد لقي الاتحاد العام للعمال التابع لجبهة التحرير نجاحا أوليا واضحا، إذ لم تحل نهاية شهر أيار - مايو - حتى بلغ عدد أعضائه مائة وعشرة آلاف عامل، وقد طالب فور تشكيله بتحسين أحوال العمل بالنسبة إلى الجزائريين، أما برنامجه السياسي فكان مطابقا لبرنامج (جبهة التحرير الوطني). وقد قبل الاتحاد العام في عضوية (الاتحاد العالمي للنقابات العمالية الحرة) في شهر تموز - يوليو -، وأقام علاقات وثيقة مع الاتحادات العمالية المنظمة في تونس والمغرب. ولكن الاتحاد ما لبث أن عانى من وطأة الإجراءات التعسفية الفرنسية، فقد اعتقل زعماؤه عدة مرات، وأوقف نشاطه الرسمي تقريبا، فانصرف الاتحاد لإقامة مراكز تدريبية في تونس والمغرب، واضطلع بأداء بعض الخدمات الاجتماعية بالنسبة لعمال الجزائر اللاجئين. وبعد بضعة أسابيع، أقامت الجبهة (الاتحاد العام للتجار الجزائريين) ليضم التجار وصغار رجال الأعمال، وقد مارست هاتان المنظمتان دورا بارزا في أعمال العنف التي وقعت في الجزائر ابتداء من ربيع العام (١٩٥٦) وفي جمع الأموال لمساعدة الثورة بصورة عامة. وكانت الجبهة قد بذلت نشاطا سياسيا في حقل آخر، فأقامت قبل عام (الاتحاد العام للطلاب الجزائريين) الذي دعى إلى اضراب عام في امتحانات العام (١٩٥٦) وقد نجح هذا الاضراب، وترك
стр. 2998
أثرا فعالا عدة أشهر، وأسفر عن حشد صفوف الطلاب حول الجبهة، وانضمام عدد من الطلاب والمثقفين إليها. وكان أهم ما حققته الجبهة في الحقل السياسي في تلك السنة، تنظيم الإضراب العام الناجح الذي قامت به في الخامس من تموز - يوليو - (١٩٥٦) وهو إحياء للذكرى السنوية التي احتلت فيها القوات الفرنسية الاستعمارية مدينة (الجزائر)، وعلقت الجبهة على أهمية الإضراب، فقالت إن الشعب الجزائري أكد عن طريقه الحقائق التالية:
(١ - الالتفاف الجماعي حول جيش التحرير الوطني، وصورته السياسية الممثلة في - جبهة التحرير الوطني، مبرهنا على فساد النظرية الفرنسية القائلة بأن الثائرين لا يمثلون إلا فئة قليلة من الشعب.
٢ - النضج السياسي للشعب الجزائري الذي لن يهدأ حتى يستعيد جميع حقوقه في الحرية والديموقراطية.
٣ - إضفاء الصفة الشعبية على الثورة الوطنية عن طريق الإسهام الكامل لجميع الطبقات في الاحتفال بهذه الذكرى السنوية من مثقفين وعمال وطلاب وفلاحين.
وقد أثبت هذا اليوم أيضا أن للتضامن الأفريقي الشمالي كل المعاني، ففي البلدين العربيين الشقيقين تونس والمغرب، اشترك الشعب اشتراكا فعليا إلى جانب إخوانه الجزائريين في جميع المظاهرات التي كان العلم الجزائري يتقدمها).
وقع حادثان في الأشهر التي سبقت إضراب الخامس من تموز - يوليو - قدر لهما أن يتركا أثرا واضحا على مستقبل (جبهة التحرير) في الميدانين الدولي والعسكري؛ فقد عقدت المجموعة الأفريقية -
стр. 2999
الآسيوية في شهري أيار وحزيران (مايو ويويو) سلسلة من المحادثات في الأمم المتحدة لدراسة القضية الجزائرية أسفرت عن تقديم طلب إلى مجلس الأمن الدولي لمناقشة القضية. وعلى الرغم من أن المجلس قد رفض الطلب، إلا أنه اعترف بالصفة الدولية للمشكلة الجزائرية، وبدأ جيش التحرير وجبهته في الحقل العسكري، في العشرين من حزيران - يونيو - مرحلة من مراحل قذف القنابل في مدينة الجزائر، وغيرها من المدن، مما أسفر عن قيام فرنسا بنقل الجزء الأكبر من جيشها إلى الجزائر، وعن قيام حالة من الذعر وعدم الطمأنينة في الشمال الأفريقي (المغرب العربي -الإسلامي). ولكن، على الرغم من هذه النتائج العظيمة التي تحققت، فقد كانت هناك أزمة في القيادة والتنظيم داخل جبهة التحرير، وقد كتبت صحيفة (المجاهد) ما يلي (لقيت الثورة سلسلة من المتاعب، ولم يتمكن المجاهدون العاملون في مناطق مختلفة من إيجاد الارتباط بينهم، فالارباط شاق، والسلاح غير متوافر، وظل التثقيف السياسي للفئات المسلحة غير كاف، ولم تكن هناك سلطة عامة قومية رسمية، فالثورة ظلت تفتقر إلى القاعدة العقائدية، وكثيرا ما تردد القادة المسؤولون وهم على ما هم عليه من عزلة وانفصال، في اتخاذ موقف محدد من المشاكل المهمة، وبقيت الحركة المصالية قوية ومنتشرة تحظى بتأييد العدو وأعوانه).
يظهر ذلك كله الأهمية البالغة، والضرورة المسلحة، لعقد مؤتمر (الصومام)، وفي الواقع، وكما سبقت الإشارة اليه، فإن فكرة عقد المؤتمر لم تكن بالفكرة الجديدة، غير أنها لم تكن لتظهر إلى عالم الوجود لو لم تجد داعية لها، ومدافعا عنها، في شخص
стр. 3000
القائد (يوسف زيروت) ومن ثم في (رمضان عبانه) و (كريم بلقاسم) وسواهم من زعماء المجاهدين في (القبائل)، واتخذت استعدادات كبيرة لعقد المؤتمر في مدينة (قسنطينة) التي كان يسيطر عليها (يوسف زيروت). وبعد فترة من التأخير، عقد المؤتمر في العشرين من شهر آب (اغسطس) في وادي الصومام، وكانت السلطات الفرنسية قد أعلنت أن الوادي قد أصبح منطقة هادئة، وبالفعل، فقد لقي قادة الداخل مصاعب جمة للاتصال بالخارج، ولم يتمكن عدد من القادة، وبينهم جميع أعضاء البعثة الخارجية الذين كانوا ينتظرون من غير جدوى في إيطاليا وليبيا، لحضور المؤتمر، واقتصر المؤتمر على كبار القادة: (كريم بلقاسم، رمضان عبانة، العربي بن مهيدي، يوسف زيروت، علي الملاح، الأخضر بن طوبال، عمر بن بو العيد - شقيق الشهيد مصطفى بن بو العيد بطل الأوراس - ونواوره) وتمثلت في المؤتمر جميع الولايات، حتى ولاية الصحراء التي تولى الملاح قيادتها.
لقد اتخذ المؤتمر، على الرغم من عدم شموله، عددا كبيرا من القرارات الدائمة والمهمة؛ فقد تقررت إعادة تنظيم جيش التحرير، وتجسيمه، بعد أن تبنى الطراز المتبع في جيش المجاهدين في القبائل، وظهر أن (كريم بلقاسم) الذي غدا القائد الذي لا منافس له في الداخل، وقد تم اختياره في المؤتمر ليكون قائدا عاما للجيش. أما من الناحية السياسية، فقد تقررت إقامة (المجلس الوطني للثورة الجزائرية) ولجنته التنفيذية المسماة (بلجنة التنسيق والتنفيذ)، وقد أعطيت للهيئة الأولى صلاحية التوجيه العام للثورة، على أن تضم ممثلين عن جميع الفئات في المسرح السياسي الجزائري، بينما أعطيت للهيئة الثانية المؤلفة
стр. 3001
على الغالب من قادة الداخل العسكريين صلاحية الإشراف على الثورة وإدارتها، وهكذا أصبحت القيادة الفعلية في أيدي قادة الجهاد، لا في أيدي الزعماء المنظمين الأولين، أو أعضاء البعثة الخارجية، ووضع المؤتمر في الميدان العقائدي ثلاثة مبادىء أساسية وهي القيادة الجماعية وأولوية السياسة على الحرب وأولوية الداخل على الخارج.
...
على كل حال، لم تستمر قيادة (جبهة التحرير) و (جيش التحرير) مدة طويلة على ما كانت عليه عند عقد (مؤتمر وادي الصومام). فقد اختطفت القيادة الاستعمارية أربعة من أعضاء البعثة الخارجية في يوم ٢٢/ ١٠/ ١٩٥٦ عندما كانوا يستقلون طائرة مغربية في طريقهم إلى تونس وهم: (أحمد بن بيللا، وحسين آية أحمد، ومحمد بو ضياف، ومحمد خيضر)، كما أن ثلاثة من أعضاء (لجنة التنسيق والتنفيذ) غابوا بفعل الاعتقال أو الوفاة وهم (محمد العربي بن مهيدي وبن يوسف بن خدة وسعد دحلب). وفي نهاية العام (١٩٥٦) اجتمع عدد من أعضاء القيادة العسكرية ومن البعثة الخارجية في (تونس) و (القاهرة) للبحث في نتائح مؤتمر (وادي الصومام) ولإقامة ارتباط أوثق بين الجماعتين، وسرعان ما نقلت لجنة التنسيق والتنفيذ مقر قيادتها إلى تونس للتخفيف من حدة الانقام بين القيادتين الداخلية والخارجية.
عقد المجلس الوطني للثورة الجزائرية مؤتمره الثاني في القاهرة (في شهر آب - أغسطس - ١٩٥٧) وتقرر توسيع عضوية المجلس من أربعة وثلاثين إلى أربعة وخمسين لكي يصبح بمثابة تمهيد لقيام البرلمان الجزائري، ولم يعلن عن أسماء أعضاء المجلس الثاني،
стр. 3002
ولكن من المفروض أنه قد ضم جميع أعضاء المجلس الأول، بالإضافة إلى أولئك الذين مارسوا دورا فعالا في الثورة، وتقرر أن يعهد إلى (لجنة التنسيق والتنفيذ) باختيار العشرين عضوا الجدد، ولكن اللجنة لم تخترهم فورا. ووسعت عضوية اللجنة أيضا من خمسة إلى أربعة عشرة بينهم خمسة من المسجونين في (باريس) أو (الجزائر)، وكانت هناك سابقة في الاحتفاظ ببعض القادة المسجونين في عضوية المجلس الوطني، وكان هؤلاء يستشارون عادة إما عن طريق الاتصالات السرية، أو الوسطاء العرضيين. وترك مؤتمر القاهرة مهام المجلس الوطني ولجنة التنسيق والتنفيذ على نحو ما كانت عليه في السابق، وتقرر أن يعقد المجلس الوطني بوصفه (الهيئة العليا للثورة) اجتماعا سنويا، كما تقرر أيضا أن تعطى للجنة التنسيق والتنفيذ (صلاحيات واسعة تتناول جميع المشاكل لتنفيذ السياسة التي حددها المجلس الوطني، باستثناء القضايا التي تتعلق بمستقبل البلاد، كالمفاوضات مثلا أو إنهاء العمليات الحربية، أو التحالف مع هذه الكتلة، أو تلك، أو حل المشكلة الجزائرية دوليا، أو تدخل طرف ثالث في الصراع الجزائري - الفرنسي)، وتكون لجنة التنسيق والتنفيذ مسؤولة أمام المجلس الوطني الذي يستطيع تنحيتها باقتراع الثلثين. وكان أعضاء اللجنة في شهر آب - أغطس - سنة ١٩٥٧ هم: (رمضان عبانة، وفرحات عباس، والأخضر بن طوبال، وعبد الحفيظ بوصوف، ومحمود شريف، وكريم بلقاسم، ومحمد الأمين دباغين، وعبد الحميد عمراني) يضاف اليهم كأعضاء فخريين (حسين آية أحمد، وأحمد بن يللا، ورابح بيطاط، ومحمد بو ضياف، ومحمد خيضر)، وقد ضمت اللجة الجديدة بعكس اللجنة الأولى قادة من
стр. 3003
من الخائف - الشعب أم أعدائ الشعب؟
стр. 3004
الداخل والخارج، إذ اشترك فيها (فرحات عباس والأمين دباغين، وعبد الحميد المهري) وغدا هؤلاء الثلاثة هم بناة السياسة الديبلوماسية في (لجنة التنسيق والتنفيذ).
أخذت قيادة (جبهة التحرير الوطني) في الأشهر التي تلت آب - أغسطس - ١٩٥٧، تهتم اهتماما متزايدا بإقامة سياسات مشتركة مع جارتيهما المستقلتين، تونس والمغرب، وأدى اجتماع (طنجة) في نيسان - أبريل - عام ١٩٥٨ - الذي حضره ممثلو حزب (الاستقلال المغربي) و (حزب الدستور الجديد التونسي) و (جبهة التحرير الوطني الجرائري) إلى تقرير مبدأ إقامة (حكومة جزائرية) بعد التشاور مع الحكومتين التونسية والمغربية. ودعا الاجتماع أيضا إلى إقامة (برلمان مغربي) و (لجنة تنسيق لشؤون المغرب)، ولم تؤد المشاورات إلى إنشاء الحكومة الجزائرية فورا. ولكن لجنة التنسيق والتنفيذ شرعت في شهر حزيران - يونيو - في توزيع المهام الحكومية المعينة على أعضائها، ووزعت المهام على الشكل التالى:
فرحات عباس: لشؤون الاستعلامات.
كريم بلقاسم وعمار عمارنة وعبد الحفيظ بو صوف: للشؤون العسكرية.
محمد الأمين دباغين: للشؤون الديبلوماسية.
الأخضر بن طوبال: للشؤون الداخلية.
محمود شريف: للشؤون المالية.
عبد الحميد المهري: للشؤون الاجتماعية.
***
стр. 3005
أدى اعتقال زعماء (البعثة الخارجية) - أحمد بن بيللا ورفاقه - إلى انتهاء المحاولة الأولى للوصول إلى - تسوية للقضية الجزائرية عن طريق المفاوضات؛ وكانت هذه المفاوضات قد جرت في شهري آذار ونيسان (مارس وابريل) من ذلك العام (١٩٥٦) في إطار (محادثات استطلاعية) بين زعماء البعثة الخارجية لجبهة التحرير في القاهرة، وبين (المسيو بيغارا والمسيو غورسيه) الممثلين الشخصيين لرئيس الوزراء الفرنسي (غي موليه). وعلى الرغم من أن زعماء جبهة التحرير كانوا يمثلون الجيش أيضا، إلا أنه لم يعرف تماما المدى الذي كان قادة الداخل على اطلاع فيه، بالنسبة إلى المفاوضات الدائرة، وقدم الجزائريون اقتراحات محددة لعقد مؤتمر صلح جزائري - فرنسي. وعلى أي حال، فإنه لم يصل رد من فرنسا على هذه الاقتراحات، وقد ظهر بأن الحكومة الفرنسية قد اعتبرت المباحثات ذات طابع استطلاعي، وأنها لم تعتزم التفاوض جديا في ذلك الوقت. وتمكن الزعيم اليوغوسلافي (الماريشال تيتو) من بذل محاولات جديدة، حيث أمكن له في شهر تموز -
يوليو - تنظيم اجتماع بين الجزائريين والفرنسيين، (أبان مؤتمر بريوني) وقدمت جبهة التحرير إلى رؤساء الحكومات (تيتو ونهرو وناصر) مذكرة أكدت فيها: (أهدافها السلمية وشروطها لوقف إطلاق النار ومفاهيمها للاستقلال الجزائري) وقد طلبت عودة السيادة الجزائرية، وممارسة هذه السيادة بصورة حرة وكاملة، وتحقيق الاستقلال الكامل، ووحدة الأرض الجزائرية، واعتبرت من الشروط التي لا مندوحة عنها تحقيق بعض المتطلبات السياسية، ومنها: (اعتراف فرنسا بسيادة الشعب الجزائري ووحدته التي لا يمكن لها أن تتجزأ، مع الاعتراف باستقلال الجزائر دون شروط أو
стр. 3006
تحفظات، وبحكومة جزائرية يتم اختيارها للتفاوض على شروط الصلح بين البلدين، وإذا ما قبلت فرنسا بشروط الجبهة لوقف إطلاق النار، فلن تظل هناك أية قضية تتعلق بالمصالح الخاصة للفريقين متعذرة على الحل). وعقدت خمسة اجتماعات متعاقبة ابتداء من شهر تموز - يوليو - بين زعماء الجبهة، وبين ممثلي رئيس الوزراء الفرنسي (غي موليه) في (بريوني) أولا ثم في (روما) وكان (يزيد وخيضر) هما الممثلين الرئيسيين للجبهة في هذه المحادثات، بينما مثل (المسيو بيير كومان) الزعيم الاشتراكي البارز (المسيو غي موليه) رئيس الوزراء، وقد اشتملت المحادثات، التي توقفت أخيرا عند اعتقال الزعماء - ابن بيللا ورفاقه - على نقاط مهمة، إذ أنها أوضحت الحد الأدنى لمطالب جبهة التحرير، وبعثت الجبهة فيما بعد بمذكرة إلى الأمم المتحدة جاء فيها:
(لقد اشترط ممثلو جبهة التحرير الوطني ضرورة وضع تسوية سياسية عامة، قبل صدور الأمر بوقف إطلاق النار، وقد أكد ممثلو الشعب الجزائري موقفهم بأن على فرنسا أن تعترف بحق الجزائر في الاستقلال، وبإقامة حكومة جزائرية مؤقتة توافق عليها جبهة التحرير الوطني، للإسراع في تحقيق وقف إطلاق النار والبدء بالمفاوضات لتحديد العلاقات بين فرنسا والجزائر. أما الاقتراحات الفرنسية فلم تتعد مجرد منح بعض الاصلاحات السياسية التي ستحول الجزائر من - مجموعة من المقاطعات الغرب - إلى - مقاطعة فرنسية واحدة كبيرة - تتمتع ببعض الاستقلال الذاتي المحدود من الناحية الإدارية).
لقد اختلفت هذه الشروط عن الشروط الرسمية السابقة، فقد
стр. 3007
طلبت جبهة التحرير مجرد اعتراف فرنسا بحق الجزائر في الاستقلال، وتأليف حكومة جزائرية تقوم بإجراء المفاوضات على أن توافق عليها الجبهة، دون أن تكون مؤلفة فقط من أعضائها. أما من الناحية الفرنسية، فقد ظهرت الرغبة هناك لتوحيد أراضي الجزائر، ومنحها درجة من الحكم الذاتي، وهي خطوة أولية لا بأس بها، إذا كانت فرنسا تعتزم حقا منح الجزائر استقلالها. ولم يقبل الجزائريون قط بسياسة (غي موليه) الرسمية والرامية إلى وقف اطلاق النار أولا، ثم إجراء انتخابات عامة، ثم البدء بالمفاوضات.
أبلغت جبهة التحرير (المسيو كومان) رغبتها في إجراء محادثات (رسمية) بدلا من هذه المحادثات الشبيهة بالرسمية، فوافق الفرنسيون على العرض فورا، وتظاهر ممثلو الرئيس الفرنسي بالموافقة على تسهيل حرية الانتقال بالنسبة إلى زعماء الجبهة للتشاور مع جماعات الجبهة الأخرى، وطلبت حكومة (غي موليه) في الوقت ذاته من حكومتي تونس والمغرب أن تذللا العقبات في طريق المحادثات الفرنسية - الجزائرية، وأن يشترك البلدان فيها إن أمكن، وأبلغت (البعثة الجزائرية) (كومان) أن الجبهة تعتزم إرسال وفد عنها في أواخر شهر تشرين الأول - أكتوبر - للتشاور مع الزعماء التونسين والمغاربة في مؤتمر يعقد في تونس، ولكن الفرنسيين أرغموا الطائرة التي كانت تقل الوفد الجزائري، وهي في طريقها بين الرباط وتونس على النزول فوق أرض الجزائر، حيث اعتقل أعضاء الوفد، وقد نقلوا فورا إلى سجن (باريس) حيث ظلوا هناك دون أية محاكمة، وعندما أصدر الرئيس (ديغول) في العام ١٩٥٩ تدابيره التي أطلق عليها صفة (الرأفة بالثائرين) نقل الزعماء إلى قلعة لم يذكر اسمها في تلك الفترة. وأدى هذا الحادث إلى
стр. 3008
اضطرابات عنيفة في أقطار المغرب العربي - الإسلامي خاصة وفي العالم العربي عامة، ووضع ذلك نهاية فاشلة للمحادثات الفرنسية - الجزائرية التي كان رئيس الوزراء (غي موليه) قد أحبطها سلفا، وأدى حادث الطائرة أيضا إلى تبديد أوهام بعض الزعماء المعتدلين من رجال الجبهة وآمالهم في الوصول إلى تسوية، وإلى تقوية مراكز المتشددين من الزعماء الآخرين، ولم تتح فرصة مواتية أخرى منذ العام ١٩٥٦ للوصول إلى اتفاق عن طريق التفاوض. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فقد أدى فشل هذه المفاوضات، وتعاظم خطورة الموقف العسكري، وأزمة السويس إلى جعل العام (١٩٥٧) هو (سنة الجزائر في الأمم المتحدة)؛ إذ بحثت فيها قضيتها مرتين في الندوة الدولية، وكانت عدة دول أفريقية - آسيوية قد طلبت في
شهر تشرين الأول - أكتوبر - إدراج (القضية الجزائرية) على جدول أعمال الدورة الحادية عشرة للجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة وقدمت (جبهة التحرير الوطني في الثاني عشر من تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٧ مذكرة إلى رئيس الجمعية العامة أوضحت فيها ضرورة دراسة الأمم المتحدة للقضية، وتضمنت المذكرة ما يلي:
(إن الجزائريين، رغبة منهم في الوصول إلى حل سلمي عن طريق المفاوضات المباشرة مع فرنسا، يعتقدون، أن ضغط الرأي العام الدولي وحده، الممثل في الجمعية العامة للأمم المتحدة، هو الذي سيحمل فرنسا على قبول التفاوض مع الممثلين الحقيقيين للشعب الجزائري، والوصول إلى حل سلمي للمشكلة الجزائرية.
وأشارت المذكرة أيضا إلى تأييد تونس والمغرب، فوضعت بذلك القضية الجزائرية في إطارها الجغرافي الطبيعي لوحدة المغرب العربي - الإسلامي. وبدأت اللجنة السياسية للأمم
стр. 3009
المتحدة مناقشة الموضوع في مطلع شهر شباط - فبراير - ١٩٥٨، وتولى مندوب سوريا التحدث باسم (جبهة التحرير الوطني)، وبذلت الجبهة جهودا جبارة لإقناع الوفود المعنية بوجهة نظرها، واتخذت الجمعية العامة في الخامس عشر من شباط - فبراير - قرارا وسطا - بالإجماع - أعربت فيه: (عن الأمل بالوصول عن طريق روح التعاون إلى حل سلمي وديموقراطي وعادل، يتفق مع شرعة الأمم المتحدة). وعلى الرغم من أن القرار لم يتضمن الدعوة إلى استقلال الجزائر، إلا أن القضية قد بحثت اخيرا في الأمم المتحدة. وعلقت صحيفة (المقاومة الجزائرية) الناطقة بلسان (جبهة التحرير الوطني)، والتي كان قد مضى على صدورها نحوا من سبعة أشهر، تعليقا ينطوي على الارتياح من تحقيق هدفها في تدويل القضية، ومن اعتراف الأمم المتحدة بحقها في بحث القضية، وأضافت الصحيفة أن (سبعا وسبعين دولة) قد أعطت فرنسا مهلة لتسوية القضية، لا لحلها عسكريا، وغدا من حق الأمم المتحدة بعد هذا التاريخ أن (تراقب وتشرف على الصراع الفرنسي - الجزائري). وكانت اللجنة السياسية قد رفضت بأغلبية صوت واحد فقط، شروع القرار الأفريقي - الآسيوي، الذي كان أكثر مطابقة لوجهة نظر الجزائر، بينما قبلت اللجنة الفقرة الخاصة (بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره)، وأشارت مناقشات الأمم المتحدة إلى أن السنة الثالثة للثورة الجزائرية ستكون سنة تطورات على الصعيدين السياسي والدولي.
...
تمكنت جبهة التحرير من عرض قوتها الداخلية عرضا سياسيا بارزا في مطلع العام (١٩٥٧)؛ فقد دعت إلى إضراب عام في جميع
стр. 3010
أنحاء البلاد لمدة ثمانية أيام، في نفس الوقت الذي تشرع فيه الأمم المتحدة فى مناقشة القضية الجزائرية، وخصصت صحيفة (المقاومة الجزائرية) عددا كاملا للإضراب الذي استمر من الثامن والعشرين من كانون الثاني حتى الخامس من شهر شباط - فبراير - ١٩٥٧، وقالت إن الإضراب سيبرهن للأمم المتحدة أن (جبهة التحرير الوطني) تحظى بتأييد الشعب الجزائري تأييدا كاملا. أما مدة الإضراب وهي ثمانية أيام، فقد كانت ظاهرة جديدة لم يحدث مثلها من قبل. فكانت (محكا) أو تجربة لقدرة الشعب على التضحية ناشئة عن اتساع وعيه السياسي. وتجدر الإشارة إلى أن بعض القادة الجزائريين في هذه المدة الطويلة من الإضراب كانت خطيئتهم السياسية الكبيرة والوحيدة هي التي ارتكبها (عبانة). وقد سمع (الجنرال ماسو) بنهب الحوانيت والمخازن في هذه الفترة. كما اتخذ إجراءات مشددة أخرى، ألحقت خسائر حقيقية بالأهلين، وأنزلت بهم متاعب جمة. ووسعت جبهة التحرير من نشاطها الصحفي والدعائي في غضون عام (١٩٥٧). وبدأت إذاعة الجزائر الحرة في الربيع تنطلق من أرض الجزائر ذاتها، مضيفة إلى الإذاعات الجزائرية التي تنطلق من إذاعتي القاهرة وتونس الشيء الكثير. وفي منتصف العام توحدت صحيفتا (المقاومة الجزائرية) و (المجاهد الحر) في صحيفة واحدة؛ (المجاهد) أصبحت اللسان الناطق باسم جبهة التحرير، وغدت لغة الصحافة أكثر تصنعا، ولا سيما بعد أن تولى (أحمد أبو منجل) وهو من زعماء (الاتحاد الديموقراطي لأنصار الحرية) السابقين، مسؤولا عن جميع, المطبوعات التي تصدر في الجزائر.
стр. 3011
ظلت قضية الوصول إلى تسوية عن طريق المفاوضات مع الحكومة الفرنسية، هي المشكلة المعقدة بالنسبة إلى جبهة التحرير
الوطني الجزائري، واتخذت حكومة (بورجيس مرنوري) في الحرب الكلامية والإذاعية، موقف سابقاتها من الزعم بعدم وجود جهة تمثل الشعب الجزائري، بحيث يمكن التحدث إليها والتفاوض معها، واتهمت (جبهة التحرير) بالعناد لتمسكها بشرطها الأولي (بوجوب الاعتراف بالاستقلال قبل التفاوض). وحاولت (جبهة التحرير) من جانبها شرح الأسباب التي تدعوها إلى التمسك بهذا الشرط المسبق، فذكر ممثلها في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدتها في شباط - فبراير - ١٩٥٧: (أن الجبهة على استعداد للتفاوض مع فرنسا إذا تولت الأمم المتحدة ضمان هذه المفاوضات). وعقد القادة السياسيون والعسكريون لجبهة التحرير مؤتمرا صحفيا لهم في (تونس) في آذار - مارس - ١٩٥٧ - أكد فيه الدكتور (محمد الأمين دباغين) بأن الشعب الجزائري: (بات اليوم وهو أكثر تصميما من أي يوم مضى على بلوغ استقلاله،، وأشار إلى اشتراط الجبهة اعتراف فرنسا مسبقاء بالاستقلال الجزائري، فقال أن القضية لا تتناول الإجراء، وإنما تتناول القصد والنوايا، وعندما سئل إذا كانت الجبهة تتعمد الآن الحديث عن (الاستقلال) بدلا من (الحق في الاستقلال)، رد الدكتور الأمين بقوله: (إنهما شيء واحد). وتقدمت الحكومة الفرنسية في شهر تموز - يوليو - إلى الجبهة بعرض جديد يتناول إمكان المفاوضات. وكما وقع تماما في العام (١٩٥٦) فإن وقوع بعض الأحداث شكل عرضي وغير عادي، أدى إلى فشل هذه المحاولة التي كانت تبشر بنجاح؛ فقد بعثت حكومة (بورجيس مونوري) إلى تونس (بغو -
стр. 3012
بربيسونيير) مستشار وزير الخارجية الفرنسية، لحضور اجتماع للاتحاد الدولي للنقابات العمالية الحرة. وكان في تونس (الدكتور محمد الأمين دباغين) و (محمد يزيد) من أعضاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية. ونقل (غو - بريسونيير) عن طريق أحد الزعماء النقابيين الجزائريين إلى (محمد يزيد) أنه مكلف رسميا بالاجتماع إليه. وقد فسرت الجبهة هذه الخطوة على أنها محاولة لتجزئة من يوصفون (بالمعتدلين) عن الذين يوصفون (بالمتصلبين) من أعضاء القيادة الجزائرية، وأبلغ (يزيد) المبعوث الفرنسي، عن طريق أحد الوسطاء، أنه سينقل الرغبة الفرنسية إلى المجلس الوطني، مؤكدا أنه ليست له صلاحيات بالقيام بمحادثات شخصية وكان من الممكن أن يعود المبعوث الفرنسي، الذي سافر إلى باريس، حاملا تعليمات أكثر مرونة، لكن المعلومات عن بعثته، انتشرت بطريقة ما، فتقرر رسميا العدول عنها. وقبيل نهاية الشهر، بعث (يزيد) بمذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، قال فيها:
(يؤسفنا أن نبلغ سعادتك أننا لا نرى في الوقت الحاضر أية إمكانية للتفاوض أو للاتصال بين فرنسا والجزائر، والوصول إلى تسوية سلمية للمشكلة الجزائرية. ولدينا كل الحجج اللازمة للاعتقاد بأن خطوة كالتي اتخذها المسيو (غو- بريسونيير) مؤخرا في تونس، تمثل مناورة فرنسية رسمية، ليست ناشئة في أي حال من الأحوال عن الرغبة الحقيقية في حل المشكلة الجزائرية عن طريق الوسائل السلمية، بل جاءت ثمرة خطة موضوعة، لتكون في وقت واحد مع الطلب الذي تقدمت به إحدى وعشرون دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، طالبة إدراج القضية الجزائرية
стр. 3013
على جدول أعمال الدورة الثانية عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة).
لما فشلت المفاوضات المباشرة بين جبهة التحرير الوطني وفرنسا، من جديد، واجهت الجبهة موضوع تطوير الصراع سواء بطرائقه أو بوسائله، وكانت (البعثة الخارجية) قد بدأت منذ سنة ١٩٥٥ بالاعتماد في دعمها على مصر ودول عدم الانحياز. وأدى استقلال تونس والمغرب في العام ١٩٥٦ إلى التقارب مع الجارتين الراغبتين بدورهما في تطوير التعاون مع جبهة التحرير، لإجراء مفاوضات أو محادثات من شأنها الوصول إلى تسوية سلمية مع فرسا، غير أن اعتقال الزعماء الأربعة من قادة جبهة التحرير، وطريقة اعتقالهم، أدت إلى إيقاف هذا الاتجاه، ولو بصورة موقتة. وأرادت الجبهة في نهاية العام ١٩٥٦ وبداية العام ١٩٥٧ الحصول على ضمانات من الأمم المتحدة لأية مفاوضات قد تقوم بها مع فرنسا، وكان القصد من هذه الضمانات اتخاذ الحيطة ضد أي تراجع أو نكوص عن المحادثات، كما وقع من قبل فعلا في عهد حكومة (غي موليه). وأدى حادث (غو - بريسونيير) إلى تعزيز موقف قادة جبهة التحرير الذين فقدوا كل ثقة لهم في (استقامة) الحكومات الفرنسية المتعاقبة، ولهذا، فقد اشترط هؤلاء القادة، أن تعترف فرنسا رسميا ومسبقا، في بيان تصدره، باستقلال الجزائر قبل البدء بأية مفاوضات، ولكنهم رأوا في الوقت ذاته بعض الفائدة من الاستمرار في سبر أغوار النوايا الفرنسية، ومن إيجاد صلة بين قضية الجزائر، وبين بعض المعروفين باعتدال آرائهم في الميدان الدولي. وبعد فترة من التعاون الوثيق إلى حد ما مع تونس والمغرب (في عام ١٩٥٦ ومطلع ١٩٥٧) وسعت جبهة التحرير اتصالاتها مع
стр. 3014
أقطار العالم العربي، فكان من نتائج هذه السياسة عقد الاجتماع العام للمجلس الوطني في القاهرة. وعاد زءماء الجبهة قبيل نهاية الصيف إلى تأييد قيام علاقات أوثق مع المغرب وتونس، فاحتل هذا الاتجاه مكان الصدارة في سياستهم، واجتمعت (لجنة التنسيق والتنفيذ) في تونس في تشرين الأول - أكتوبر - عام ١٩٥٧.
وأصدرت بيانا عن موضوع المفاوضات أكدت فيه بصورة قاطعة:
(إن هدف حرب التحرير الوطني كان وسيظل، استقلال الجزائر، وإن اللجنة لا ترى مناصا من أن تؤكد بحزم وإخلاص، أنه لن يكون ثمة تفاوض قبل الاعتراف مسبقا باستقلال الجزائر).
وعندما تحدث البيان عن طريقة الضغط التي ستتع لإرغام فرنسا على ذلك قال:
(إن الأمل قائم على عقد مؤتمر قريب يضم دول المغرب الحرة لإقامة خط مشترك تسير عليه للإسراع في تحقيق استقلال الجزائر)، وقد أنهى هذا التأكيد محاولة غير رسمية قام بها البعض في (جبهة التحرير) للعدول عن اشتراط (الاستقلال المسبق) والتفاوض دون أي التزام فرنسي سابق، لكن هذا الأسلوب - أو التكتيك - لم يلق أية استجابة فرنسية إيجابية، فقد مضت حكومة (بورجيس مونوري) في مشروعها لحمل (الجمعية الوطنية الفرنسية) على المصادقة على قانونها الأساسي الجديد الذي وضعته للجزائر، وكان هذا القانون - الذي عارضته جبهة التحرير الوطني - يتناقض مع قرارات الأمم المتحدة بصدد القضية الجزائرية، وكان ذلك أحد الأسباب في عدم موافقة الجمعية عليه، مما حمل (مونوري) على الاستقالة.
***
стр. 3015
ظل الباب مفتوحا أمام تونس والمغرب لممارسة دور من شأنه خلق الأوضاع المناسبة لقيام مفاوضات مباشرة بين جبهة التحرير وفرنسا، ولما كانت الدولتان قد اقلفتهما الأوضاع السائدة على حدودهما مع الجزائر، فقد اتفقتا على القيام بجهد مشترك للوصول إلى تسوية سلمية، واجتمع الرئيس (الحبيب بورقيبة) والملك (محمد الخامس) في الرباط، في أواخر شهر تشرين الثاني - نوفمبر - بحضور مراقبين عن جبهة التحرير الوطني، وقد اقترحت الحكومتان البدء بمفاوضات (تؤدي إلى حل عادل يضمن إقامة سيادة الشعب الجزائري على أسس راسخة تتفق مع مبادىء ميثاق الأمم المتحدة)، وعرضا وساطتهما لتحقيق هذه الغاية. وسارعت جبهة التحرير إلى إعلان قبولها لعرض الوساطة من جارتيها، معلنة بدورها، أنها ترى أن السيادة تعني الاستقلال، لكن الحكومة الفرنسية رفضت العرض قائلة أن تونس والمغرب ليستا محايدتين في الصراع، وأدى فشل الوساطة التونسية - المغربية إلى بقاء الأمم المتحدة المرجع الوحيد لجهود جبهة التحرير. وكانت المجموعة الأفريقية - الآسيوية قد طلبت في السابع عشر من تموز - يوليو - إدراج (القضية الجزائرية) على جدول أعمال الدورة الثانية عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وطلبت الجبهة في أواسط شهر أيلول - سبتمبر - من الأمم المتحدة أن تعلن (إفلاس فرنسا السياسي) في الجزائر، وأعربت الجهة في مذكرة ثانية قدمتها إلى الأمم المتحدة في مطلع شهر تشرين الأول - أكتوبر - عن رغبتها في (التعاون المطلق) مع الأمم المتحدة، وأشارت إلى أن أية تسوية سلمية، يجب أن يتم الوصول إليها عن طريق التفاوض بين جبهة التحرير وفرنسا، وأن اشتراك تونس والمغرب ضروري في مثل هذه