ظلت قضية الوصول إلى تسوية عن طريق المفاوضات مع الحكومة الفرنسية، هي المشكلة المعقدة بالنسبة إلى جبهة التحرير
الوطني الجزائري، واتخذت حكومة (بورجيس مرنوري) في الحرب الكلامية والإذاعية، موقف سابقاتها من الزعم بعدم وجود جهة تمثل الشعب الجزائري، بحيث يمكن التحدث إليها والتفاوض معها، واتهمت (جبهة التحرير) بالعناد لتمسكها بشرطها الأولي (بوجوب الاعتراف بالاستقلال قبل التفاوض). وحاولت (جبهة التحرير) من جانبها شرح الأسباب التي تدعوها إلى التمسك بهذا الشرط المسبق، فذكر ممثلها في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدتها في شباط - فبراير - ١٩٥٧: (أن الجبهة على استعداد للتفاوض مع فرنسا إذا تولت الأمم المتحدة ضمان هذه المفاوضات). وعقد القادة السياسيون والعسكريون لجبهة التحرير مؤتمرا صحفيا لهم في (تونس) في آذار - مارس - ١٩٥٧ - أكد فيه الدكتور (محمد الأمين دباغين) بأن الشعب الجزائري: (بات اليوم وهو أكثر تصميما من أي يوم مضى على بلوغ استقلاله،، وأشار إلى اشتراط الجبهة اعتراف فرنسا مسبقاء بالاستقلال الجزائري، فقال أن القضية لا تتناول الإجراء، وإنما تتناول القصد والنوايا، وعندما سئل إذا كانت الجبهة تتعمد الآن الحديث عن (الاستقلال) بدلا من (الحق في الاستقلال)، رد الدكتور الأمين بقوله: (إنهما شيء واحد). وتقدمت الحكومة الفرنسية في شهر تموز - يوليو - إلى الجبهة بعرض جديد يتناول إمكان المفاوضات. وكما وقع تماما في العام (١٩٥٦) فإن وقوع بعض الأحداث شكل عرضي وغير عادي، أدى إلى فشل هذه المحاولة التي كانت تبشر بنجاح؛ فقد بعثت حكومة (بورجيس مونوري) إلى تونس (بغو -
стр. 3012
بربيسونيير) مستشار وزير الخارجية الفرنسية، لحضور اجتماع للاتحاد الدولي للنقابات العمالية الحرة. وكان في تونس (الدكتور محمد الأمين دباغين) و (محمد يزيد) من أعضاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية. ونقل (غو - بريسونيير) عن طريق أحد الزعماء النقابيين الجزائريين إلى (محمد يزيد) أنه مكلف رسميا بالاجتماع إليه. وقد فسرت الجبهة هذه الخطوة على أنها محاولة لتجزئة من يوصفون (بالمعتدلين) عن الذين يوصفون (بالمتصلبين) من أعضاء القيادة الجزائرية، وأبلغ (يزيد) المبعوث الفرنسي، عن طريق أحد الوسطاء، أنه سينقل الرغبة الفرنسية إلى المجلس الوطني، مؤكدا أنه ليست له صلاحيات بالقيام بمحادثات شخصية وكان من الممكن أن يعود المبعوث الفرنسي، الذي سافر إلى باريس، حاملا تعليمات أكثر مرونة، لكن المعلومات عن بعثته، انتشرت بطريقة ما، فتقرر رسميا العدول عنها. وقبيل نهاية الشهر، بعث (يزيد) بمذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، قال فيها:
(يؤسفنا أن نبلغ سعادتك أننا لا نرى في الوقت الحاضر أية إمكانية للتفاوض أو للاتصال بين فرنسا والجزائر، والوصول إلى تسوية سلمية للمشكلة الجزائرية. ولدينا كل الحجج اللازمة للاعتقاد بأن خطوة كالتي اتخذها المسيو (غو- بريسونيير) مؤخرا في تونس، تمثل مناورة فرنسية رسمية، ليست ناشئة في أي حال من الأحوال عن الرغبة الحقيقية في حل المشكلة الجزائرية عن طريق الوسائل السلمية، بل جاءت ثمرة خطة موضوعة، لتكون في وقت واحد مع الطلب الذي تقدمت به إحدى وعشرون دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، طالبة إدراج القضية الجزائرية
стр. 3013
على جدول أعمال الدورة الثانية عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة).
لما فشلت المفاوضات المباشرة بين جبهة التحرير الوطني وفرنسا، من جديد، واجهت الجبهة موضوع تطوير الصراع سواء بطرائقه أو بوسائله، وكانت (البعثة الخارجية) قد بدأت منذ سنة ١٩٥٥ بالاعتماد في دعمها على مصر ودول عدم الانحياز. وأدى استقلال تونس والمغرب في العام ١٩٥٦ إلى التقارب مع الجارتين الراغبتين بدورهما في تطوير التعاون مع جبهة التحرير، لإجراء مفاوضات أو محادثات من شأنها الوصول إلى تسوية سلمية مع فرسا، غير أن اعتقال الزعماء الأربعة من قادة جبهة التحرير، وطريقة اعتقالهم، أدت إلى إيقاف هذا الاتجاه، ولو بصورة موقتة. وأرادت الجبهة في نهاية العام ١٩٥٦ وبداية العام ١٩٥٧ الحصول على ضمانات من الأمم المتحدة لأية مفاوضات قد تقوم بها مع فرنسا، وكان القصد من هذه الضمانات اتخاذ الحيطة ضد أي تراجع أو نكوص عن المحادثات، كما وقع من قبل فعلا في عهد حكومة (غي موليه). وأدى حادث (غو - بريسونيير) إلى تعزيز موقف قادة جبهة التحرير الذين فقدوا كل ثقة لهم في (استقامة) الحكومات الفرنسية المتعاقبة، ولهذا، فقد اشترط هؤلاء القادة، أن تعترف فرنسا رسميا ومسبقا، في بيان تصدره، باستقلال الجزائر قبل البدء بأية مفاوضات، ولكنهم رأوا في الوقت ذاته بعض الفائدة من الاستمرار في سبر أغوار النوايا الفرنسية، ومن إيجاد صلة بين قضية الجزائر، وبين بعض المعروفين باعتدال آرائهم في الميدان الدولي. وبعد فترة من التعاون الوثيق إلى حد ما مع تونس والمغرب (في عام ١٩٥٦ ومطلع ١٩٥٧) وسعت جبهة التحرير اتصالاتها مع
стр. 3014
أقطار العالم العربي، فكان من نتائج هذه السياسة عقد الاجتماع العام للمجلس الوطني في القاهرة. وعاد زءماء الجبهة قبيل نهاية الصيف إلى تأييد قيام علاقات أوثق مع المغرب وتونس، فاحتل هذا الاتجاه مكان الصدارة في سياستهم، واجتمعت (لجنة التنسيق والتنفيذ) في تونس في تشرين الأول - أكتوبر - عام ١٩٥٧.
وأصدرت بيانا عن موضوع المفاوضات أكدت فيه بصورة قاطعة:
(إن هدف حرب التحرير الوطني كان وسيظل، استقلال الجزائر، وإن اللجنة لا ترى مناصا من أن تؤكد بحزم وإخلاص، أنه لن يكون ثمة تفاوض قبل الاعتراف مسبقا باستقلال الجزائر).
وعندما تحدث البيان عن طريقة الضغط التي ستتع لإرغام فرنسا على ذلك قال:
(إن الأمل قائم على عقد مؤتمر قريب يضم دول المغرب الحرة لإقامة خط مشترك تسير عليه للإسراع في تحقيق استقلال الجزائر)، وقد أنهى هذا التأكيد محاولة غير رسمية قام بها البعض في (جبهة التحرير) للعدول عن اشتراط (الاستقلال المسبق) والتفاوض دون أي التزام فرنسي سابق، لكن هذا الأسلوب - أو التكتيك - لم يلق أية استجابة فرنسية إيجابية، فقد مضت حكومة (بورجيس مونوري) في مشروعها لحمل (الجمعية الوطنية الفرنسية) على المصادقة على قانونها الأساسي الجديد الذي وضعته للجزائر، وكان هذا القانون - الذي عارضته جبهة التحرير الوطني - يتناقض مع قرارات الأمم المتحدة بصدد القضية الجزائرية، وكان ذلك أحد الأسباب في عدم موافقة الجمعية عليه، مما حمل (مونوري) على الاستقالة.
***
стр. 3015
ظل الباب مفتوحا أمام تونس والمغرب لممارسة دور من شأنه خلق الأوضاع المناسبة لقيام مفاوضات مباشرة بين جبهة التحرير وفرنسا، ولما كانت الدولتان قد اقلفتهما الأوضاع السائدة على حدودهما مع الجزائر، فقد اتفقتا على القيام بجهد مشترك للوصول إلى تسوية سلمية، واجتمع الرئيس (الحبيب بورقيبة) والملك (محمد الخامس) في الرباط، في أواخر شهر تشرين الثاني - نوفمبر - بحضور مراقبين عن جبهة التحرير الوطني، وقد اقترحت الحكومتان البدء بمفاوضات (تؤدي إلى حل عادل يضمن إقامة سيادة الشعب الجزائري على أسس راسخة تتفق مع مبادىء ميثاق الأمم المتحدة)، وعرضا وساطتهما لتحقيق هذه الغاية. وسارعت جبهة التحرير إلى إعلان قبولها لعرض الوساطة من جارتيها، معلنة بدورها، أنها ترى أن السيادة تعني الاستقلال، لكن الحكومة الفرنسية رفضت العرض قائلة أن تونس والمغرب ليستا محايدتين في الصراع، وأدى فشل الوساطة التونسية - المغربية إلى بقاء الأمم المتحدة المرجع الوحيد لجهود جبهة التحرير. وكانت المجموعة الأفريقية - الآسيوية قد طلبت في السابع عشر من تموز - يوليو - إدراج (القضية الجزائرية) على جدول أعمال الدورة الثانية عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وطلبت الجبهة في أواسط شهر أيلول - سبتمبر - من الأمم المتحدة أن تعلن (إفلاس فرنسا السياسي) في الجزائر، وأعربت الجهة في مذكرة ثانية قدمتها إلى الأمم المتحدة في مطلع شهر تشرين الأول - أكتوبر - عن رغبتها في (التعاون المطلق) مع الأمم المتحدة، وأشارت إلى أن أية تسوية سلمية، يجب أن يتم الوصول إليها عن طريق التفاوض بين جبهة التحرير وفرنسا، وأن اشتراك تونس والمغرب ضروري في مثل هذه
стр. 3016
المفاوضات إذ أن عقد مؤتمر يضم هذين البلدين بالإضافة إلى فرنسا وجبهة التحرير: (كفيل بأن يخلق الظروف المناسبة لإيجاد تسوية سلمية -سياسية - عاجلة للمشكلة الجزائرية) وأضافت المذكرة تقول:
(ومن الواجب أن ترضي التسوية السلمية التي يتم الوصول إليها عن طريق التفاوض للمشكلة الجزائرية آمال الشعب الجزائري في الاستقلال، وتعلن جبهة التحرير عن استعدادها لدراسة أي شكل من أشكال التعاون الحربين فرنسا والشمال الأفريقي، إذا كان هذا التعاون يأخذ بعين الاعتبار مصالح فرنسا المشروعة).
وسيطر الاعتدال، وقيام جبهة مغربية متحدة على المناقشات التي دارت في الأمم المتحدة في شهر تشرين الثاني - نوفمبر - وكانون الأول - ديسمبر - وكان المندوب التونسي هو المتحدث باسم (جبهة التحرير) على نحو ما كان المندوب السوري في دورة شباط - فبراير - السابقة، وهكذا تناسقت استراتيجية جبهة التحرير مع بقية دول المغرب العربي - الإسلامي (الشمال الأفريقي كما كانت تسميه فرنسا).
لم تطلب جبهة التحرير من الجمعية العامة إصدار قرار يقضي (باستقلال الجزائر) بل اقترحت: (الاعتراف بحق الشعب الجزائري في تطبيق مبدأ تقرير المصير)، وطالبت بإجراء مفاوضات للوصول إلى حل يتفق مع ميثاق الأمم المتحدة، وقد عدل هذا القرار بشكل يضمن قبول فرنسا به، فتمت الموافقة على التعديلات بأغلبية صوت واحد، مما حمل الكتلة الأفريقية - الآسيوية على رفض القرار بعد تعديله، وأيدتها في موقفها هذا دول الكتلة الشيوعية وبعض الدول الأخرى، ولهذا لم تتقدم اللجنة السياسية بأية توصيات إلى الجمعية العامة، واتخذت الجمعية في العاشر من كانون الاول -
стр. 3017
ديسمبر - قرارا وسطا، ينص على ملاحظة وساطة كل من تونس والمغرب، ويعرب: (عن الرغبة في الدخول في مفاوضات، بروح من التعاون المثمر، وفي استخدام الوسائل المناسبة الأخرى، للوصول إلى حل يتفق مع أهداف ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه)، وأشارت جبهة التحرير الوطني في بيان رسمي أصدرته بعد مناقشات الأمم المتحدة إلى ارتياحها من القرار المتخذ، ولكن، وعلى الرغم من ارتياح الجبهة رسميا للقرار، إلا أنها استاءت من هزيمة مشروعها المعتدل الذي قدمته إلى الجمعية العامة، وشعرت بأن تفهم الولايات المتحدة والغرب عامة لقضيتها يسير سيرا بطيئا للغاية، وأشارت صحيفة (المجاهد) إلى أن ما تحقق كان شيئا شئيلا للغاية، وأن من الواجب المضي في الصراع المسلح، لا سيما وقد تمكنت الجبهة عن طريق - تكتيكها - من معرفة أصدقائها الحقيقيين. ووجهت (الجبهة) في كانون الثاني - يناير - ١٩٥٨ مذكرة أخرى إلى الأمين العام للامم المتحدة، أشارت فيها إلى أن فرنسا ما زالت ماضية في تجاهلها لتوصيات الجمعية العامة، وإلى أن الولايات المتحدة رغم هذا التجاهل منحت فرنسا فروضا كبيرة، وإلى أن فرنسا قد حصلت على قروض مماثلة من (صندوق النقد الدولي) ومن (اتحاد المدفوعات الأوروبي) مما يعتبر: (إسهاما من جميع هذه المصادر في الحرب الاستعمارية التي تشنها فرنسا في الجزائر). وسارت الأمور سيرا سريعا في السنة الرابعة للثورة (١٩٥٨) فقد تابعت جبهة التحرير من الناحية العسكرية معركة الحدود، وحققت انتصارات جديدة في نقل الأسلحة، واستمر تطوير التنظيم العسكري في الداخل، ولا سيما في مجال تمويل القطاعات وتحسين سبل المواصلات، بتوجيه (عبانة) الذي تنقل في جميع
стр. 3018
أنحاء الجزائر في أواخر العام (١٩٥٧) ومطلع العام (١٩٥٨) ولكنه استشهد في شهر شباط - فبراير - برصاصة غادرة من كمين فرنسي، ففقدت الثورة الجزائرية أحد قادتها الأقوياء، كما فقدت جبهة التحرير قوة داعية إلى التماسك في جهاز قيادتها.
...
قد يكون لزاما بعد ذلك، التوقف عند وثيقتين أصدرتهما قيادة (جبهة التحرير الوطني) مختتمة بهما مرحلة من مراحل صراعها السياسي، بعد مضي سنوات الصراع الثلاثة الأولى من عمر الثورة.
أ - تصريح لجنة التنسيق والتنفيذ (*)
لقد اجتمعت لجنة التنسيق والتنفيذ (لحزب جبهة التحرير الوطني) بتونس من (٢٥) إلى (٢٩) تشرين الأول - أكتوبر - ١٩٥٧، وبعد التحليل الشامل للحالة العسكرية في الجزائر، والوضعية السياسة والديبلوماسة في (شمال أفريقيا) والعالم، ومع إحياء الذكرى الثالثة لحرب التحرير الوطني وبداية السنة الرابعة من الحرب، ومع وعيها التام بمسؤولياتها وواجباتها،
تصرح بما يلي:
١ - الشروط المسبقة للتفاوض مع فرنسا.
إن أهداف حرب التحرير الوطنية، كانت وستبقى الاستقلال التام للجزائر، وعليه، وحتى يوضع حد للتعليقات الحاقدة
стр. 3019
والمؤامرات المغرضة، فإن لجنة التنسيق والتنفيذ ترى أنه من الضروري التأكيد علنا، ومن جديد، بأنه من المحال إجراء المفاوضات ما لم يتم الاعتراف مسبقا باستقلال الجزائر، إذ أن هذا الاعتراف ما هو إلا حق طبيعي وأساسي لمطامح الشعب الجزائري.
٢ - حرب التحرير، شمال أفريقيا وتضامن الشعوب.
تتقدم (لجنة التنسيق والتنفيذ) بالتحية والشكر لكل الحكومات والشعوب التي أعلنت بوسائلها المختلفة عن مساندتها المشجعة للشعب الجزائري، وتذكر بالخصوص الشعوب العربية والشعوب الأفريقية - الآسيوية، والتنديد الكبير بالاستعمار الفرنسي الذي أبدته شعوب مؤتمر باندونغ، ووعيا بخطورة الحرب وتأثيراتها الحقيقية على الشعبين الشقيقين في تونس والمغرب، فإن لجنة التنسيق والتنفيذ تتقدم بكل شكر وإجلال لحكومتي تونس والمغرب على مساعيهما الرامية إلى إيجاد حل سلمي، غير أنها تأسف لأن كل هذه الجهود قد انتهت إلى الفشل بسبب تجاهل وتعنت وتكالب الحكومات الفرنسية المستمرة في الاعتداءات البربرية والقرصنة المتمادية في خرق الحرمة والقوانين الإنسانية الدولية المحضة.
فلجنة التنسيق والتنفيذ تتمنى، وتبدي رغبتها الملحة، في تنسيق الجهود على مستوى شمال أفريقيا كله في سبيل إنجاح مسعاها، وإعطائه فعالية أكبر، كما أن (لجنة التنسيق والتنفيذ) التي لا تقلل من خطورة الامبريالية الفرنسية تجاه كل شمال أفريقيا، ترغب في تعدد اللقاءات بينها وبين الحكومتين التونسية والمغربية وتعرب عن أمنيتها في تنظيم مؤتمر بين الأقطار المغربية الثلاثة لبحث خطة موحدة لحصول الجزائر على استقلالها.
стр. 3020
٣ - العمليات العسكرية
تتقدم (لجنة التنسيق والتنفيذ) بكل خشوع وتحية للمجاهدين الجزائريين والمنفيين من وطنهم والمساجين وكذلك النساء والأطفال والشيوخ وكل المعذين، وجميع الذين ثاروا - معروفين أو مجهولين - في سبيل انتزاع استقلال وطنهم، وتنحني بكل أسى وخشوع ترحما على القتلى والجرحى الذين ذهبوا ضحية حرب شاملة. وتسجل (لجنة التنسيق والتنفيذ) بكل اعتزاز التقدم الذي تم في الميدان العسكري بفضل الهجوم الشامل يوم ٠ ٢ آب - أوت - ١٩٥٧؛ فبعد إحداث وإحياء الجبهة الصحراوية، أكدت (جبهة التحرير الوطني) عزمها وتصميمها لتوسيع هذه الجبهة، وبرهنت على تفوق مبادرتها العسكرية في الميدان.
و (لجنة التنسيق والتنفيذ) عازمة على إظهار عزيمة شعبنا الرافض للأطماع التي تريد هضمه وابتلاعه بواسطة عملية قرصنة تكاد تكون دولية لسرقة خيرات الجزائر، فالمنقبون عن الذهب الأسود يجب ألا ينسوا بأن حسابهم معنا، وكذلك بالنسبة لأعضاء (السوق الأوروبية المشتركة) فيجب ألا يجهلوا بأن الجزائر لا تلتزم بالمعاهدات التي وقعتها أو توقعها معها فرنسا باسم بلادنا.
وتسجل (لجنة التنسيق والتنفيذ) بكل اعتزاز التحسن الذي تم الحصول عليه - كما وكيفا - لتسليح مجاهدينا الذين ما انفكوا يهزمون جيشا عصريا يزيد عدد جنوده على (٦٠٠) ألف جندي يضاف إليهم أعداد الدرك والشرطة والميليشيا الوطنية؛ فجيش وطني الذي تكون في الفاتح من نوفمبر - ١٩٥٤ - من ثلاثة آلاف شخص بعتاد ضئيل، وليس له من الأسلحة سوى بنادق الصيد، بات يضم في صفوفه اليوم أكثر من (١٠٠) ألف شخص
стр. 3021
مزودين بأحدث الأسلحة، ويقاومون بكل بسالة جيوش العدو العاملة.
وعليه، فإنه يجب على الرأي العام الفرنسي والدولي، أن يعلما بأن (سياسة الإخماد) التي هي الحرب ستنتهي الى فشل
محقق.
٤ - السياسة الفرنسية وإخفاق محاولات الاتصال.
تلاحظ (لجنة التنسيق والتنفيذ) بأنه منذ الفاتح من نوفمبر (١٩٥٤) وخصوصا منذ ٦ شباط - فيفري - ١٩٥٦، والحكومة الفرنسية، تتابع بدون جدوى فرض حرب استعمارية عنصرية؛ حرب تهدف بكل وضوح إلى القضاء على الشعب الجزائري، وإن (لجنة التنسيق والتنفيذ) تؤكد للعالم بأنها مستعدة لتقديم الأدلة. إن الخراب الذي سببته الحرب في الجزائر، بالنسبة للأشخاص والممتلكات تفوق الخسائر التي عرفتها فرنسا إبان الحرب العالمية (١٩١٤ - ١٩١٨). هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن محاولات الاتصال التي قامت بها الحكومة الفرنسية لم تكن أكثر من عملية سبر - جس نبض - وقد تمت حتى الآن بواسطة مبعوثين مرتدين أو مبعدين، مما جعل هذه المحاولات تتضح لنا بأنها مجرد تلاعب ومؤامرة منحطة، هدفها الأساسي خداع الرأي العام العالمي. وهكذا، وببطء، ولكن بكل تأكيد، دمرت هذه الحكومات كل أمل في التفاوض. ففرنسا إذن أوضحت سياستها الجهنمية - عن قصد - بتطلعات قوة وحشية، تسببت في إبعاد كل إمكانيات التعايش بين الفرنسيين والجزائريين. إن الحكومة الفرنسية التي سمحت لنفسها بتطبيق سياسة العنف والتقتيل، تعمل على رفض الحل السياسي، وفرض الحل العسكري على الجزائر الثائرة.
стр. 3022
٥ - توصيات الأمم المتحدة
لقد طبت منظمة الأمم المتحدة في دورتها العادية الأخيرة - مستعملة أساليبها المحدودة - من الحكومة الفرنسية أن تبحث عن حل سلمي ديموقراطي عادل للمشكلة الجزائرية في إطار مبادىء ميثاق هيئة الأمم المتحدة.
إن (جبهة التحرير الوطني) الوفية للروح الأممية والتحريرية لميثاق الأمم المتحدة قد استجابت لهذا النداء، باعتبار أن الاستقلال الوطني هو من الأهداف الأساسية لحزب جبهة التحرير الوطني، وهو أيضا ما يؤكده ميثاق الأمم المتحدة كحق لكل الشعوب، الأمر الذي دفع الجبهة إلى الإسراع في إبلاغ هيئة الأمم المتحدة باستعدادها للتفاوض، لكن الحكومات الفرنسية رفضت إعطاء الأهمية والاستعداد لتنفيذ مثل هذه التوصية؛ لأنها تعلم أن النتائج السياسية لذلك هي القضاء على النظام الاستعماري، والتعجيل باستقلال الجزائر، وإن فرنسا وهي تسعى إلى إقناع الأمم المتحدة، تريد فرض الحل العسكري بانتصار قواتها، وهو ما جعلها تنتظر الربع ساعة الأخيرة (يوم ١٨ كانون الأول - ديسبر - ١٩٥٧) لتحديد السياسة التي تريد تطبيقها، والمتمثلة في قانون الملاك (لوا - كادر) غير أن عدم جدية هذه السياسة وتناقضاتها الداخلية قد خدعت الرأي العام الفرنسي وكذلك الرأي العام الدولي، والأكثر من هذا، هو أن قانون (لوا - كادر) هذا الذي يعود تاريخه إلى ما قبل تشريع (١٩٤٧) وقانون (١٩١٩) والنصوص التشريعية لسنة (١٩٠٠) التي تتعلق بالاستقلال المالي للجزائر التي رفضها البرلمان الفرنسي، مما سبب مشاكل داخل الوزارة الفرنسية لا تزال قائمة حتى الآن.
стр. 3023
والمعروف أن فرنسا التي هي الآن بدون حكومة، تتمسك بعدم الاعتراف (بجبهة التحرير الوطني) في حين - هي تقوم بحرب ضروس - تمارس سياسة تجاه الجزائر لا تؤدي إلا إلى طريق مسدود.
٦ - نشاط الأمم المتحدة
هل من واجب الأمم المتحدة ان تنتظر كل سنة حلول النية الحسنة الفرنسية؟.
لقد تدخلت منظمة الأمم المتحدة - في إطار سياسة تصفية الأستعمار في شمال أفريقيا - لصالح كل من تونس والمغرب، واليوم لا يمكنها أن تبقى صامتة أمام صرخات الألم التي يطلقها شعب وقع ضحية عدوان لا إنساني، من جراء حرب ضروس. وعليه، فإن (جبهة التحرير الوطني) توجه نداءها الحاسم العلني لمنظمة الأمم المتحدة لكي تحاكم نفسها وتتخذ موقفا محددا وحاسما بصفتها الحارس الأمين لميثاقها.
إن حرب أثيوبيا - التي كانت حربا استعمارية - قد حطمت كيان عصبة الأمم.
وجبهة التحرير الوطني تتمنى ألا تكون حرب الجزائر - التي هي حرب استعمارية أيضا - سببا في تحطيم كيان منظمة هيئة الأمم المتحدة.
٧ - دور الشعب الفرنسي.
إن (لجنة التنسيق والتنفيذ) تريد أن تؤكد مرة أخرى، وبكلمة واحدة، للشعب الفرنسي كل الروابط التي بإمكانها خلق ظروف التعايش السلمي بين فرنسا والجزائر المستقلة، ولا يفوت لجنة التنسيق والتنفيذ أن تخطر الرأي العام الفرنسي بأن المشكل الوزاري
стр. 3024
تفاقم بسبب مأساة الجزائر، هذه المأساة التي بسببها ما زال الدم ينزف. فالحالة خطيرة، وإذا كان الشعب الفرنسي يريد أن يقوم ثانية بمجهودات تهدف إلى الحفاط على النظام الاستعماري المحكوم عليه بالزوال، فعليه أن يعلم بأن الشعب الجزائري قد عزم على التحرر بصفة نهائية، وأنه لا يمكن أن يتراجع، كما لا يمكن لأحد أن يهزمه، أما الحرب التي فرضت عليه، فهي حرب استعمارية رأسمالية عنصرية، إن لم نقل حربا صليبية، فإنها حرب غير شرعية مفروضة عليه، ولا بد أن ينتصر فيها قريبا.
إن رئيس مجلس الوزراء المعين مؤخرا، منحنا في خطاب تنصيبه وقف القتال بدون شرط سياسي مسبق، وهو يريد بذلك أن يفرض علينا سياسة (لالوا - كادر) الممنوحة من طرف السيد (بورجس - مرنوري) والمنقحة حسب رغبة المعمرين في الجزائر، كما يريد منا أيضا أن نمتثل فرادى أمام أسيادنا.
وأمام اقتراحات من هذا النوع، فإن (لجنة التنسيق والتنفيذ) تحتفظ بعروض واضحة ومحددة لشعب تم تحريره، بعد عروض سلم عن طريق التفاوض والاستقلال المعترف به مسبقا للجزائر.
***
стр. 3025
فاتح نوفمبر ١٩٥٤ - فاتح نوفمبر ١٩٥٧
ب- نداء - من جبهة التحرير الوطني (*)
أيها الشعب الجزائري!
أيها الضباط وضباط الصف وجنود جيش التحرير الوطني!
مناضلو جبهة التحرير الوطني!
منذ ثلاث سنوات والشعب الجزائري كله يخوض معركة تاريخية من أجل الاستقلال.
وفي هذا اليوم التذكاري، ندعوكم لكي تقدروا معنا الشوط الذي قطعناه حتى نخوض الشوط الذي بقي لنا القيام به بكيفية أحسن، فغداة الثورة لم تكن الأحزاب السياسية التي كانت مهمتها جمع وتوجيه الطاقات منقسمة على نفسها فحسب، بل كانت واقفة الواحد ضد الآخر؛ فحركة (انتصار الحريات الديموقراطية) كانت تمزقها أزمة داخلية انزلقت بها نحو الجمود، ولم تكن حالة الأحزاب الأخرى أفضل أو أحسن، وكان الاستعماريون الفرنسيون يطربون من شدة الفرح، وكان الشعب الجزائري يعض مكبحه من شدة الغضب والحسرة، وكان ينظر بغيرة للشعبين الشقيقين في المغرب وتونس وهما يقاتلان بالسلاح الامبريالية الفرنسية. ففي تلك الأثناء قررت جماعة من المناضلين الشباب، والوطنيين المخلصين والثوريين الأصليين الخروج بالجزائر من المأزق؛ فعينت هيئة تضم تسعة أعضاء، واجبها إعطاء الإشارة لاندلاع الثورة المسلحة،
стр. 3026
فالبعض من أعضائها سقطوا في ميدان الشرف لكي تحيا الجزائر، وهم: ابن بو العيد وديدوش وابن مهيدي.
وتحققت المعجزة، ففي مدة ستة أشهر تمكنت جماعة من الرجال، منعدمي الإمكانيات العتادية والمالية، في جو يسوده التشاؤم، وبمجهودات جبارة، من ضم ثلاثة آلاف مناضل وتنظيمهم وتسليحهم وكل ذلك في سرية تامة. وفي فاتح نوفمبر، على الساعة (صفر) تم ميلاد (جبهة التحرير الوطني) والتي وجهت النداء للشعب الجزائري ولمناضلي القضية الوطنية، ولم يهمل شيء: البرنامج وإمكانيات الكفاح، والأهداف الداخلية والخارجية، وحدد لأول مرة إطار للمفاوضات المقبلة والمحتملة ولأنهم كانوا واعين بقوة الشعب الثورية، وبحقائق البلاد، ومقدرين لأهمية قوات العدو، فقد تبنى طلائعيو - رواد - الثورة الخطة العسكرية المشهورة التي عرفت باسم (القنفذ)؛ فبعد طلقة الإنذار العام، انسحبوا نحو جبال الأوراس، والشمال القسنطيني، والقبائل، وجبال الغرب الجزائري، وشرعوا في تنفيذ مهمة تنظيم الشعب والجيش، دون أن يكفوا عن مناوشة العدو. إن مجهود وضع الهيكل الثوري كان يتطلب من المسؤولين والمناضلين روحا للتضحية لا مثيل لها وتحملا لمشاق كبيرة، وإيمانا مطلقا. وتطلب الوصول إلى أهداف المرحلة الأولى حوالي سنة فقط، وواجه الشعب الجزائري المهيأ محنة يوم ٢٠ آب - أوت - سنة ١٩٥٥ الدامية، وكان جيشه الوطني للتحرير المظفر يدله على طريق النجاح. وبدأ تحقيق هدف المرحلة الثانية، وهي إقرار انعدام الأمن العام عبر جميع أنحاء التراب الوطني، وتبلورت الشبكة التنظيمية للجنة التحرير الوطني، وتنوعت أجهزتها المنسقة
стр. 3027
بانسجام، وامتد نفوذ جيش التحرير الوطني إلى كل انحاء الجزائر، وتحول من (حرب العصابات) البسيطة إلى طور (الحرب الجزئية) وتعددت مصالحه التقنية المختصة: المعتمدية العسكرية، الدرك، المواصلات، المصالح الصحية، المخابرات الخ .. ولكونه جيشا عصريا حقيقة، فقد نما (جيش التحرير الوطني) مميزا بشخصيته وهو يواجه جيشا من أكبر جيوش العالم، وتوجت هذه المجهودات بالإجماع التاريخي لمؤتمر الصومام في ٢٠ - أوت - آب - ١٩٥٦ حيث تحقق جمع القوات، وضمان وحدة القيادة وإقرار منهج في الكفاح.
كانت بعثاتنا في الخارج، تعمل في الوقت ذاته باتصال مباشر مع الداخل، وتخوض المعركة الديبلوماسية محطمة بناية الكذب التابعة لدعاية العدو، مبرزة الوجه الحقيقي للثورة الجزائرية.
اضطر العدو للتقهقر عندما وجد نفسه مهاجما في ميدان كان يسيطر عليه وحده، ومنذ سنة والقضية الجزائرية مدرجة في جدول أعمال الجمعية العامة التابعة لهيئة الأمم المتحدة، في حين كان الشعب الجزائري يعبر عن مساندته (لجبهة التحرير الوطني) من خلال إضراب دام ثمانية أيام، وهتف في وجه العالم بتصميمه على العيش حرا أو الموت.
إن انتصاراتنا في الداخل لها صدى في الخارج، وأصبحت هذه الانتصارات ممكنة بفضل الكفاح البطولي لشعبنا، وبفضل تضحيات أبنائه الأبرار الذين سقطوا في ميدان الشرف. إن عشرات الآلاف من الجزائريين، رجالا ونساء وأطفالا قد سجلوا أسماءهم إلى جوار أسماء (عبد القادر) و (المقراني) مشرفين بذلك تاريخ
الجزائر.
стр. 3028
وبعد ثلاث سنوات من الكفاح والألم والتضحية، فإن شرف وطننا وكرامته قد انقذا، إذ غسلا بدم وعرق ودموع شعب متعطش للحرية، وعاقد العزم على الانتصار.
نعم، سوف ننتصر لأن قضيتنا عادلة، وإيماننا راسخ، ولأن قدرتنا القتالية لا تعرف حدا.
وفي الوقت الذي نرى فيه شروق شمس الحرية على الأفق، فلنضم صفوفنا أكثر، لنزيد من طاقتنا ولتكن ضربتنا أقوى حتى نزيح عن أرض وطننا الحبيب حشود المستعمرين.
أيها الشعب الجزائري! ويا جيش التحرير الوطني ومناضلو جبهة التحرير الوطني.
إن معركة التحرير مستمرة، فإلى الأمام.
***
стр. 3029
٤ - يوم الجزائر - والتضامن مع الثورة
لقد اضطرت فرنسا إلى طلب الدعم من حلفائها الغربيين ومن الولايات المتحدة، كما لجأت إلى السوق المشتركة والبنك الدولي للحصول على المساعدات المالية، من أجل تأمين الوقود لجهازها الحربي. وكان من المحال على الثورة الجزائرية أن تستمر وأن تتطور لمجابهة التصعيد المستمر من جانب الفرنسيين، اعتمادا منها على موارد الجزائر الثائرة. وقد درست (جبهة التحرير الوطني) الموقف على الصعيد السياسي، كما بحثت في الوسائل التي يمكن اتباعها لدعم الثورة معنويا وماديا، وكذلك الطرائق المناسبة التي يمكن استخدامها لتشديد الضعط على حكومة (غايار) بعد أن أقدمت هذه على تقديم مشروع قانون أساسي جديد للجزائر، إلى الجمعية الوطنية الفرنسية التي أقرت هذا القانون.
اشتركت (جبهة التحرير الوطني) في مؤتمر التضامن الأفريقي - الآسيوي الذي عقد في القارة، في نهاية شهر كانون
الأول - ديسمبر - ١٩٥٧، وقد رحب المؤتمر ترحيبا حارا وصادقا بالوفد الجزائري، واتخذ قرارا دعا فيه إلى الاعتراف فورا باستقلال الجزائر، وإلى إجراء مفاوضات بين فرنسا وجبهة التحرير على هذا
стр. 3030
الأساس، وإلى اطلاق سراح الزعماء الخمسة، ودعا المؤتمر إلى قيام مظاهرات شعبية في جميع البلاد المشتركة فيه لنصرة الجزائر، وإعداد حملات صحفية لهذه الغاية، وبذل كافة الجهود لتعبئة الرأي العام العالمي لاستنكار السياسة الفرنسية، وأوصى المؤتمر باعتبار الثلاثين من آذار - مارس - ١٩٥٨، يوما للتضامن مع الجزائر، ودعا إلى تشكيل لجان في كل مكان لنصرة الجزائر وتحريرها ومد يد العون إلى لاجئيها. وناشد المؤتمر جميع الحكومات الأفريقية - الآسيوية الدفاع عن استقلال الجزائر في المنظمات الدولية، ومحاولة التأثير على فرنسا لإنهاء حرب الجزائر، وعلى الحكومات الغربية الأخرى لوقف مساعداتها عن فرنسا. ووافقت جبهة التحرير على الاشتراك في الأمانة العامة الدائمة للمؤتمر، التي تقرر إقامتها في القاهرة، وانتدبت (الدكتور الأمين) ممثلا لها فيها، وأدى جمع التبرعات في الثلاثين من آذار - مارس - من مختلف البلدان الأفريقية - الآسيوية إلى توافر الأموال عند جبهة التحرير، التي ارتحل ممثلوها إلى عدد من البلاد المذكورة للاشتراك في احتفالات يوم الجزائر. وقد يكون من المناسب هنا التوقف عند بعض ملامح (يوم الجزائر) من خلال ما تم طرحه من مقولات عبرت عن روح التضامن العميق مع ثورة الشعب الجزائري، ومجاهديه الأبرار.
...
لقد وجهت طليعة العراق العربية في (دمشق) نداء إلى الشعب العربي في العراق (*) جاء فيه ما يلي:
стр. 3031
(تعيش الجزائر في ثورة دامية، نضالا من أجل الحرية والحياة الكريمة، ودفاعا عن القومية العربية، وتواجه في ثورتها المباركة قوى الظلم والاستبداد والاستعمار الوحشي، وتتعرض لأنواع الهمجيات، من إتلاف للقرى وإحراق للمزارع وتقتيل للنساء والأطفال، وتشريد جماعي للعزل العاجزين، كل هذا يواجهه الشعب العربي في الجزائر، بإيمان وصبر، لأنه يؤمن بأن دفاعه إنما هو دفاع عن الأقطار العربية جمعاء، ولذلك فهو يبذل الدماء بسخاء في سبيل الأمة العربية. وفي هذه الأيام ينتصر للجزائر ثلاثة أرباع المعمورة، فقرر المؤتمر الآسيوي - الأفريقي المنعقد في القاهرة، أن يكون للجزائر يوم تجمع فيه المساعدات دعما لثورة الجزائر، ومن غير الشعب العربي أحرى بنصرة نفسه والذود عن كيانه؟ وقد قررت الجمهورية العربية المتحدة في إقليميها أن يكون أسبوع للجرائر لا يوم واحد، تجمع فيه الأموال والتبرعات، فكان مظهرا قوميا رائعا، ونحن إذ نهيب بالشعب العربي في العراق، الذي كان وما يزال المؤمن إيمانا عميقا بقوميته وعروبته مثالا للبذل والعطاء، أن يهب لتلبية هذا الواجب المقدس، وببذل الغالي والنفيس، لدعم الدفاع الأول عن كياننا العربي؛ إذ أن حرية الجزائر وخلاصها من الاستعمار إنما هو دعم لحرية العرب وخلاصهم من الاستغلال والاستعمار.
عاش نضال الشعب العربي في الجزائر من أجل الحرية والتقدم.
والخلود لشهدائنا الأبطال في الجزائر المناضلة.
...
وفي الرباط - المغرب -، أعلن جلالة ملك المغرب، الملك
стр. 3032
محمد الخامس، بأن المغرب - مراكش - سوف تنظم يوما للجزائر في السادس عشر من الشهر الحالي (آذار - مارس - ١٩٥٨)، ودعا جلالته الشعب المغربي للإعراب في هذه المناسبة عن تضامنه مع الشعب الجزائري. (*).
خلال ذلك، كانت الصحافة العربية تفرد (زوايا يومية) تطرح فيها قضية الجزائر بهدف إثارة الرأي العام العربي، وتعريفه بالجوانب المختلفة لهذه القضية، وتذكيره بتاريخها، ومن ذلك ما ذكرته (صحيفة سورية) (**) قالت ما يلي:
(إن أهم الدوافع التي دفعت فرنسا إلى احتلال الجزائر تتمثل في كلمة الجنرال - دي بورمون - قائد الحملة البرية على الجزائر، ألقاها على الوعاظ المرافقين للجيش في إحدى المناسبات: (لقد جئتم لتعيدوا معنا فتح الباب على مصراعيه حتى تدخل المسيحية إلى أفريقيا، وانا لنأمل أن تمم هذه الربوع قريبا لتعمل من جديد على ازدهار المدنية التي انطفأ مصباحها منذ عدة قرون). وكذلك كلمة الكردينال لافيجري سنة ١٨٦٧: (يجب أن نجعل من الأمة الجزائرية مهدا لأمة مسيحية كريمة، وأن نضيء أرجاءها بنور مدنية وحيها الإنجيل، وأن نربط مصير أفريقيا بحياة الشعوب المسيحية؛ تلك هي رسالتنا الإلهية). ثم كانت بعد ذلك الدوافع الاقتصادية واستعباد الشعوب وهي دوافع لم تسلم منها حروب الإسكندر ولا قيصر ولا نابليون، بل هي إنما كانت من أجل هذا، فما عرفت بلاد
стр. 3033
في الدنيا حروب الأوروبيين إلا لهذه الأغراض).
وتصادف (يوم الجزائر) في باريس يوم الثلاثاء ١/ ٤/ ١٩٥٨ حيث تناقلت (وكالات الأنباء) (*) عن (باريس) ما يلي:
(افتتح في باريس - في قاعة بانييل - مؤتمر وطني من أجل (السلام في الجزائر) بمبادرة مائة وعشرة من رجال السياسة والشخصيات الاجتماعية الفرنسية، من بينهم فرانسوا مورياك، وجان بول سارتر، والصحفيون كلود بوردييه، وجان دوميناك، وموريس دو فروجييه، وليون فيكس، وأوجيني كوتون وقد سبقت هذا المؤتمر حشود واجتماعات عديدة في المحافظات والمدن الفرنسية اشترك فيها ممثلو مختلف الأحزاب السياسية والتنظيمات الاجتماعية، وبعث المشتركون في هذه الحشود والاجتماعات بالقرارات التي اتخذها إلى النواب والمستشارين العموميين وأعضاء المجالس البلدية يطالبون فيها بوضع حد للحرب في الجزائر، وقد حضر المؤتمر الذي افتتح في باريس ممثلون لشتى الميول ممن يناضلون في سبيل السلام في الجزائر).
أ - وكان (يوم الجزائر) في دمشق يوما خالدا، أكدت فيه شعورها الدفين تجاه مجاهدي الجزائر وأبطالها الميامين، وقد أقام المكتب التنفيذي لأسبوع الجزائر حفلة تحت رعاية فخامة الريئس (شكري القوتلي) في الساعة الثامنة من مساء الاثنين ٣١ آذار - مارس - ١٩٥٨، على مدرج جامعة دمشق، وقد افتتح الحفل بتلاوة عشر من القرآن الكريم، وتبعه فخامة الرئيس شكري القوتلي فألقى
стр. 3034
تحيا تونس - تحيا الوحدة العربية - وستبقى حرا يا وطني
стр. 3035
الكلمة التالية (*).
(أيها المواطنون! أيها الأخوة الأعزاء!
لستم بحاجة أن أذكركم بالمعنى القومي الجليل الذي يكمن وراء هذا اليوم في تاريخ أمجادكم ومآثركم، فإن اجتماعكم في هذا المكان، الذي طالما شهد اجتماعكم وحشودكم تتنادون إلى المكرمات، وتتسابقون إلى المفاخر والتضحيات، هو برهانكم بين أيديكم، ولقد طالما قدمتم البرهان في كل ساحة وميدان، دما ومالا وعملا صادقا، حتى غدوتم بالبطولة والأريحية مثالا تضرب به الأمثال، وتعتز به على مر الزمان أجيال وأجيال. حسبي أن أقول لكم اليوم، وخير القول ما كان صراحة ومضاء، بأنكم لا تزالون في المعركة التي خلفت فلولها وراء صفوفكم، وإن العدو الذي جاهدتموه، إذا لم يجل عن جميع الأرض العربية، فهو لا يزال في أرضكم، وإذا ظل مقيما في أي دار عربية فكأنه مقيم في دياركم، حتى يأذن الله لكم بأن تطهروا الأرض من فلوله، وتنفذوا العروبة والإنسانية من جرائمه وشروره.
إننا لا نعجب أيها الأخوة والأصدقاء أن يحمل الاستعمار الفرنسي في بلاد العرب هذا الطابع الهمجي البربري، الذي يتيه به حمقا وغرورا، ويمشي به في أرض الجزائر العربية قتلا وفتكا وتدميرا، بل نعجب أكبر العجب أن تعيش وحشية هولاكو، وغزوات التتر منذ القرون الوسطى تحت شعار المدنية الفرنسية المزعومة، في القرن العشرين، وأن يدعي نشر حقوق الإنسان، شعب غرق في
стр. 3036
الظلامة غرق الهالكين، وقاد في الأرض حملة من الظلم والطغيان، ما عرف مثلها تاريخ الإنسان.
إننا لا نعجب أن يكون الاستعمار في معناه ومرماه، عملا وحشيا تبرأ منه الإنسانية، بل نعجب كل العجب أن تمارس الدول الكبرى في هذا العصر، لا في العصور الوسطى، سياسة الإبادة والإفناء، في أرض شعب ينشد حريته، ويدافع عن حقوقه وبقائه، فأين هذه الدول الكبرى الغارقة في غرورها، الوالغة في دماء ضحاياها، من عصر النور والذرة والكهرباء، عصر المدنية والحرية وتقرير المصير، عصر الأمم المتحدة وميثاق الإنسان الجديد؟ أين هذه الدول الكبرى من مبادئها، وأين أعمالها من أقوالها، وأين بواطنها من ظواهرها؟ إنها في معركة الحرية سيف مسلط على الحرية، وفي معركة تقرير المصير ضد مبادى تقرير المصير؛ إنها في صراع الحق والباطل، عدوان على الحق مع كل باطل، وفي مجال حقوق الإنسان حرب على أكرم ما يتميز به الإنسان. فليمض المستعمرون في أهوائهم ما شاءت لهم الأهواء، فنحن الذين أناط الله بهم شرف الرسالة الحقة والمبادىء المثلى، وليس إلا بحريتنا تتحرر الإنسانية من شرور البغاة والطامعين.
أيها المواطنون! إن المستعمر الفرنسي الغاشم لا ينازع العرب الأحرار في الجزائر حقوقهم في بلادهم وحريتهم وسيادتهم فحسب، بل بلغ به الغرور حدا قصيا، حتى راح ينازعهم شرف الانتساب إلى وطنهم وعروبتهم، فزعم أن أرضهم جزء من أرضه، وسكانها رعايا في امبراطوريته، فحاربهم في دينهم وحاربهم في لغتهم وحاربهم في عروبتهم. وجاءت الثورة بعد نحو من قرن وربع القرن لتصفع العدو وتكذب مزاعمه، وتحبط خططه
стр. 3037
ومكائده، وتبرهن للملأ أجمع أن العروبة لا تباد، وإن عناصر الوجود العربي لا تقوى عليها قوى الشر، مهما أملت لها الظروف والأحوال، وها هي شهادة الأصالة العربية، تملأ عين التاريخ، ثورة لن يقر لها قرار حتى تطيح بآخر آثار الاستعمار في بلاد العرب.
ففي الوقت الذي تجرؤ فرنسا فيه على إعلان حقوقها الزائفة في أرض الجزائر، زاعمة للأمم المتحدة بلا خجل ولا حياء، إن قضية الجزائر قضية فرنسية داخلية، في هذا الوقت وبينما نقيم للجزائر في هذه المدينة يوما مشهودا، يجب أن نذكر إخواننا العرب الأحرار في هذا القطر المجاهد، لنذكر بهم تاريخنا العظيم، تاريخ الوليد وعبد الملك، عندما بعثت دمشق طارق بن زياد إلى الأندلس لنشر الرسالة العربية في ظلام القرون الوسطى، وكان طارق من أبناء ذلك الشمال الأفريقي، كما كان ذلك الإقليم الحافل بمآثر المجد العربي، جزءا من جسم الدولة العربية وروحها. لنذكر بذلك فتوح العرب ومجد أبطالهم وعز دولتهم فيعلم الأقربون والأبعدون، أن قضية الجزائر هي قضية قومية عربية، حدودها حدودنا، ونضالها نضالنا، ومصيرها مصيرنا، إنها قضيتنا الداخلة نحن العرب، والفرنسيون مجرد معتدين غاصبين.
لطالما قلت لكم، أيها الأصدقاء، في مناسبات شتى، أن الاستعمار في أفوله وزواله طفق يؤلف جبهة واحدة متراصة لمقاومة الأماني العربية، وتعطيل عجلة التقدم والتحرر العربي، وقد ظهر للعرب بجلاء في جميع ديارهم أن كارثتهم في الجزائر، وكارثتهم في فلسطين من صنع الجبهة الاستعمارية الموحدة التي أيقنت بأن العربي في طريقه المحتوم إلى الحرية والسيادة والعزة، فراحت تفتح في صدره الجراح، وتعدد له جبهات القتال لتشل حركته وتؤخر
стр. 3038
نهضته. ومثلما تآبت الدول الاستعمارية على العرب، وزرعت في تربة مقدسهم شوكة إسرائيل، ومدتها بالمساعدات والهبات والقروض أموالا وذخائر وسلاحا، كذلك وقفت دول حلف شمال الأطلسي وراء المستعمر الفرنسي، تؤيده وتدعم عدوانه بالهبات والمساعدات والقروض، أموالا وذخائر وسلاحا، لتملي له في سياسة العدوان والاغتصاب، حتى يتمكن من إجلاء جزء آخر من الشعب العربي عن بلاده ودياره، فيحل محله المغيرون الغاصبون.
هذه هي سياسة دول الغرب المستعمرة في بلاد العرب، تجزئة وتخريب وعدوان، وحكم بالحديد والنار، وهذه هي أيديهم الملطخة يمدونها نحونا بالدعوة إلى السلام والصداقة، والخلافات أنماطا وأشكالا، فكيف لا نقبض أكفنا عن أيديهم، وكيف لا نشيح بوجوهنا عنهم، وكيف لا نرفض دعواتهم الباطلة، وخلافاتهم الخادعة، وطالما غرروا بنا، وخانوا عهودهم معنا وتواطؤوا بالسر والعلن على مصالحنا، وأغلقوا أبوابهم دوننا، بينما فتحوا الأبواب على مصاريعها لكل من يكيد للعرب، وينذر نفسه لعداء العرب.
ألا فليعلم المستعمرون ومن والاهم أن الأمة العربية في نضالها المشروع من أجل الحرية والوحدة جبهة واحدة كما أن الاستعمار في عداء العرب جبهة واحدة، وما كانت عهودهم وخلافاتهم بالأمس وليست اليوم سوى أسلوب من أساليبهم البائدة في خداع الشعوب وتخليد نفوذ الاستعمار.
أيها الأخوان! في هذا اليوم الذي تحتشدون فيه لنصرة إخوانكم وأبناكم في الجزائر، يخوض الجزائريون الأحرار النضال في عام الثورة الرايع، ويقاسون من العدو المحتل شر أنواع العذاب، يجب
стр. 3039
أن تذكروا تاريخكم في نضالكم الكبير، وما ارتكبه المستعمر الباغي في بلادكم من جرائم التقتيل والتخريب والانتقام؛ فلقد مشى على جثث شهدائكم من ميسلون إلى البرلمان، خلال ربع قرن طويل ... ولقد رأيتموه في أرضكم كما تسمعون عنه اليوم في أرض الجزائر، يهدم المدن ويحرق القرى ويقتل الآمنين الأبرياء ويمثل بالشهداء، ويحمل الجثث إلى الساحات العامة ليعرضها على الجمهور المفجوع ... لم تتبدل عقليته، ولم تتغير أساليبه، ولقد هزمته اخلاقه في معارك الحرب الكبرى من قبل أن تهزمه ذخائره وأسلحته، وتجرع بالمر والهوان، ذاك الاحتلال والاغتصاب، وسيمضي في غروره مغامرا باطشا حتى يخرج من الجزائر بإذن الله، كما خرج من هذه البلاد ذليلا مدحورا.
ب - كلمة الأمين العام لجامعة الدول العربية.
وبماسية (يوم الجزائر) أدلى السيد (عبد الخالق حسونة) الأمين العام لجامعة الدول العربية بما يلي: (في مثل هذا اليوم عام ١٨٣٠، اقتحمت فرنسا بقواتها وجيوشها الغازية أرض الجزائر العربية، واصطدمت بأحرار الجزائر الذين يدافعون عن كرامتهم وحريتهم واستقلالهم وسيادتهم، وخيل لفرنسا آنذاك، وبعد سبعة عشر عاما من القتال، أنها سيطرت على الموقف بالجزائر، ولكن الدماء العربية المتدفقة في عروق الجزائريين أثبتت لفرنسا قبل أن تثبت للعالم كله أنها واهمة، فهب الشعب الجزائري في ثورات متصلة على الاستعمار الأجنبي، ثم ثار هذه الثورة الخالدة منذ أربعين شهرا، خاض فيها شعب الجزائر العربى، ولا زال يخوض في إيمان وإصرار كفاحا رهيبا يتضامن فيه أبناء الشعب جميعا، ويتولى أعمال المقاومة والدفاع عدد قليل من المقاتلين بأسلحة
стр. 3040
متواضعة ضد قوات عاتية جرارة، تشن حربا استعمارية عدوانية على شعب يطالب بحقوقه الطبيعية المشروعة في الحرية وتقرير المصير، ولقد أصبحت حركة التحرر الجزائرية حديث العالم كله، ونالت مكانة مرموقة في الوطن العربي وفي الأمم المتحدة، وفي الرأي العام العالمي وفي فرنسا ذاتها، وكانت ثورة الرأي العام العالمي على حكم الإعدام على المجاهدة الجزائرية (جميلة بوحيرد) وزميلاتها الثلاث، وعلى فرض منطقة حرام بين الجزائر وتونس لعزل الوطنيين الجزائريين عن جيرانهم العرب في الشرق والغرب كانت هذه الثورة من الأعلام النيرة في سماء الكفاح العربي الباسل).
ج - كلمة كمال الدين حسين.
أذاع السيد (كمال الدين حسين) وزير التربية والتعليم في الساعة العاشرة من يوم ٣١/ ٣/ ١٩٥٨، كلمة إلى الطلاب والطالبات - في الجمهورية العربية المتحدة - بمناسبة (يوم الجزائر) جاء فيها:
أبنائي الطلاب والطالبات!.
نذكر اليوم الجزائر، ويذكرها كل عربي بين الشاطئين، وواجب علينا وعلى كل عربي أن يذكرها كل يوم، الجزائر ذلك القطر العربي الشقيق الذي يكافح منذ قرن؛ الجزائر جزء من وطننا العربي في الشمال الأفريقي يعيش فيه شعب من إخواننا العرب كان لهم في وطنهم دولة ذات سيادة وذات مجد وحضارة، وكان لها جيش في البر وأسطول في البحر وعلاقات دولية في الشرق والغرب، فانتهزت فرنسا ذات يوم، فاحتلت أرضها وسلبتها حريتها وحطمت رايتها وجيشها وأسطولها لتكون مستعمرة لها، تستغل مواردها، وتغتصب
стр. 3041
أرزاقها، وتبيد أهلها ليستوطنها الفرنسيون دون أهلها، وجعلوها جزءا من الوطن العربي، ولكن أحرار الجزائر لم يخضعوا
للاستعمار الفرنسي، وما زالوا يجاهدون ليردوا المعتدين عن أرضهم ويحققوا لوطنهم السيادة والكرامة والحرية.
إن حرب التحرير الناشبة فيه لم تزل متقدة الأوار منذ سنة (١٨٣٠) يوم وطئت أقدام جنود الاحتلال الفرنسي أرضه المقدمة، فهب أبناء شعب الجزائر للدفاع عن وطنهم وعن حريتهم وعن كرامتهم وعرضهم، ولم يزالوا من يومئذ في جهاد متصل، لا تكاد فرنسا تفرغ من إخماد ثورة حتى تشتعل ثورة، ثم كانت الحرب التحريرية الكبرى، أربعين شهرا من الحرب، احتشد لها شعب عربي مجاهد، قد أقسم أن يموت أو يحقق لوطنه النصر الكامل، ولا بد أن يتحقق له النصر الكامل، وإن قوات فرنسا كلها تحارب اليوم في الجزائر بكل ما تملك من عتاد ومن قوة جيشا من المجاهدين الجزائريين، يمده من ورائه شعب كامل، سلاحه الإيمان بالله واليقين بالنصر، ولا بد أن ينتصر الإيمان بالله على كل ما تملك فرنسا وحلفاء فرنسا من قوى العدوان والبغي. إن فرنسا التي تزعم أنها داعية الحرية والمساواة لا تكاد تجد برهانا على إيمانها بالحرية ودعوتها لها غير جرائم التعذيب والقتل والإبادة التي ترتكبها ضد أحرار الجزائر، ولكنها لا بد أن تذوق وبال أمرها، وكما اندحرت واندحر حلفاؤها معها أمام جحافل الغزاة في سنة ١٩٤٢، فلم تستطع دفاعا ولا مقاومة، وكما أندحرت في الهند الصينية، وعزت عليها الهزيمة فلم تقو على مقاومة جيش من ثوار الهند الصينية، وكما اندحرت واندحر حلفاؤها معها أمام (بور سعيد) أمام الدفاع الباسل الذي بذله الجيش والشعب، فارتدت جيوش العدوان خاسرة ذليلة،
стр. 3042
لا بد وأن تندحر، وتتجرع أمر كؤوس الهزيمة والخذلان في الجزائر.
إن يوم انتصار الجزائر قريب، ولكنه خليق بأن يزداد قربا إذا عرف كل عربي واجبه تجاه شعب الجزائر، وتجاه المجاهدين من
أبطال الجزائر، وإن من واجبكم وواجب كل عربي أن تبذلوا كل ما تطيقون من أنواع البذل من أجل الجزائر. إن عشرات الألوف من شباب العرب في ميدان المعركة بالجزائر، يبذلون دماءهم ويجودون بأرواحهم في سبيل الحرية. فابذلوا لهم أنتم من مالكم، وادعوا كل من حولكم من أهليكم ومواطنيكم ليبذلوا لهم. اتجهوا بقلوبكم إلى هنالك، إلى المعركة التحريرية الكبرى في أرض الجزائر، واذكروا أن هناك شعبا من أخوتكم ينتظر منكم التأييد والمعونة لينتصر، ولا بد أن ينتصر، وإن الجزائر العربية جزء من وطننا العربي الكبير الممتد من المحيط إلى الخليج؛ إنها قلعة عربية لم تزل في يد العدو تعترض طريق الحرية، كما تعترضه قلعة أخرى يحتلها الصهيونيون في فلسطين، قلعتان لو تحررتا من الاستعمار لامتد طريق العرب من أقصى المغرب بإزاء جبل طارق، إلى أقصى الشمال على حدود الأناضول، ولعادت الشعوب العربية شعبا واحدا في وطن واحد من المحيط إلى الخليج، وفقكم الله يا شباب، وتفخر بكم أمتكم، والسلام عليكم ورحمة الله).
د - كلمة المحجوب بن الصديق:
وبمناسبة (يوم الجزائر) صرح (المحجوب بن الصديق) الأمين العام لاتحاد عمال المغرب، وعضو وفد المغرب لدى الأمم المتحدة:
(إن الجزائر هي الجبهة الأمامية لمعركة التحرير في
стр. 3043
المغرب العربي، ولن يتم للمغرب استقلاله إلا بتحرير الجزائر. إن مشروع حلف البحر الأبيض المتوسط الذي تطرحه فرنسا، ليس إلا مجرد محاولة لنكس حركة التحرير في المغرب العربي، واستمرارا للسيطرة الاستعمارية في شكل جديد، وإن القواعد الجوية الأمريكية في االمغرب هي جزء من الاحتلال الفرنسي، وما كان المغرب ليعترف بها ولا يتفاوض في شأنها، فقد وضعت باسم فرنسا عندما كان المغرب تحت الحماية، لم ينل استقلاله بعد، ونحن حين نطالب بالجلاء، نطالب بجلاء جميع الجيوش الأجنبية بلا استثناء.
لقد انطلق الشعب العربي في المغرب وتونس لخوض الحرب إلى جانب الجزائر، فأيقنت فرنسا أنها لم تعد قادرة على التغلب على الثورة الجزائرية بالقوة، وعلى هذا لم يعد من الغريب أن يكون شروع (حلف البحر الأبيض المتوسط) الذي اقترحه رئيس حكومة فرنسا مجرد محاولة لإجهاض حركة التحرر في المغرب العربي، وضمان استمرار السيطرة الاستعمارية في شكل جديد، وعلى أي حال، فإن حلفا من هذا القبيل سيكون مخالفا للمبادىء الأساسية التي ترتكز عليها سياسة المغرب، وإن موقف المغرب يتميز بعدم التبعية لأي دولة أو مجموعة من الدول، وتسعى سياستنا أول ما تسعى إلى إتمام تحرير المغرب من جميع مخلفات الاستعمار. أما موقف المغرب وشعبه من إسرائيل، فإنه لا يختلف عن موقف باقي الشعوب العربية، فقد كان لمأساة سنة (١٩٤٨) في نفوس المغاربة نفس الأثر الذي خلفته في نفوس باقي الأمة العربية، ويحرص الشعب المغربي كل الحرص على إيجاد أسرع الحلول وأنجعها لحل جميع المشاكل السياسية والاقتصادية والإنسانية لشعب فلسطين العربي والتي جاءت نتيجة عملية الاغتصاب الصهيوني الاستعماري الشنيع. وتبقى
стр. 3044
(حرب الجزائر) من أهم المشاكل التي تعترض المغرب في سبيل تدعيم استقلاله، وتحرير أراضيه التي يحتلها الاستعماريون).
هـ - كلمة عبد الحميد السراج:
وألقى وزير الداخلية السوري، السيد عبد الحميد السراج، كلمة على مدرج جامعة دمشق في مهرجان (يوم الجزائر) جاء فيها:
(تحتفل شعوب العالم اليوم، كما نحتفل نحن الآن، متنادين إلى نصرة الجزائر ضد بغي فرنسا وعدوانها. وهكذا أخد صوت الجزائر يدوي عاليا حتى أصغت إليه أسماع العالم وتحركت له افئدته، ولقد حق لعرب الجزائر أن تكلل هاماتهم بأكاليل الغار، كما حق على فرنسا أن توسم بالذل والعار. وأما فرنسا فلا أزيدكم بها تعريفا، فلها في كل بيت من بيوتنا ذكرى جرح لا يزال ينز بالدماء، ولا يزال بين ظهرانينا الثاكلة التي فتك الفرنسيون بولدها، والابن الذي حرموه من والده رضيعا، والقرية التي دمروها على رؤوس اهيلها، ولا تزالون تذكرون الحمم والقنابل التي أمطروها على المدينة (دمشق) عام ١٩٤٥، ولا نزال نذكر باللوعة والأسى ما اقترفته أيدي الفرنسيين من الإثم في المجلس النيابي، يوم سلطوا عليه نيران مدافعه، ويوم فتكوا بجميع أفراد حاميته، ثم مثلوا بهم فقطعوا أعضاءهم، إن هذه الوقائع السود لا تزال حية في أذهاننا وهي أقوى من أن يعفي عليها النسيان.
وأما عرب الجزائر، فقد تجاوزوا حد البطولة حتى بلغوا حد المعجزات، ولم يعودوا بالنسبة لنا مجرد شعب عربي ثائر، وإنما هم سجل مجدنا الحديث قد نشر على العالمين، فلما قرأته الشعوب، إذا به سجل الكرامة الإنسانية تدافع عن نفسها أمام بغي
стр. 3045
الاستعمار وبربريته، وإلا فأي شعب في العالم كشعب الجزائر استطاع أن ينازل فرنسا وحلف الأطلسي خلال أربع سنوات، لم تلن له قناة وما زادته الآلام إلا عزما ومضاء. إن فرنسا جثت على ركبتيها خلال خمسة عشر يوما، ووطأت أرضها للغزاة الألمان خانعة ذليلة، فما بال الجزائر وهي ذلك العدد الضئيل والعدة القليلة ما تزال تكافح بجبروت وعناد وكبرياء.
إن الجزائر لا تدافع عن نفسها فقط، وإنما هي تدافع عن البلاد العربية جمعاء، بل هي تدافع عن الإنسانية بكاملها ضد عدوان الاستعمار ووحشيته، فلا عجب أن يكون دفاعها ضاريا عنيدا ما دامت تدافع عن هذه المثل العليا للعرب والإنسانية. وهذا ما دعى شعوب العالم الحرة أن تتنادى لنصرة الجزائر؛ لأن الجزائر تدافع عن هذه الشعوب أيضا. فإذا كنا قد تداعينا اليوم لنصرة الجزائر فإننا ننصر أنفسا وننتصر لها.
إن معركة الجزائر ضد فرنسا هي معركتنا نحن، ولو خضعت الجزائر لنقل المستعمر المعركة إلى أرضنا هنا، فنحن إنما نخوض في أسبوع الجزائر هذا معركة الدفاع عن النفس، لا معركة الدفاع عن الجزائر وحدها، فإذا كانت هذه هي بسالة الجزائر، وهذه هي شجاعة الجزائريين، وإذا كان هذا الأسبوع هو معركة نصرة الجزائر، فإن بين الشجاعة والسخاء نسب واضح بين.
إنكم أيها السادة هنا ستبدؤون التبرع والاكتتاب، وأنتم الطلقة الأولى في هذا الأسبوع، وسيكون صداها قويا لأنها طلقة مدوية صادرة عن نفوس أبية قوية، ولقد قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ
стр. 3046
أَخْبَارَكُمْ﴾ فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون والله معكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
...
جدير بالذكر أن المجاهد (محمد الغسيري) الذي طالما عرفته دمشق بنشاطه الذي لا يهدأ، وإخلاصه الذي لا حدود له، كان يمثل (جبهة التحرير الوطني) وقد شارك وأشرف على كافة النشاطات التي حفل بها أسبوع الجزائر.
و- رابطة المغرب العربي في دمشق:
وفي دمشق، أقامت رابطة طلاب المغرب العربي مهرجانا خطابيا في الساعة السابعة والنصف مساء (يوم ٣١/ ٣/ ١٩٥٨) على مدرج الجامعة السورية تحدث فيه كل من الدكتور جميل صليبا والأستاذ محمد المبارك والدكتور اسماعيل عزة والأستاذ حافظ الجمالي، والشاعر عبد السلام حبيب الجزائري، والطالب الجزائري محمد مهدي.
وكان مما قاله (مأمون الشناوي) في يوم الجزائر: (تمنيت لو قامت فرنسا بجميع تبرعات لها لمساعدتها في حرب الجزائر. تمنيت لو قامت بجمع التبرعات من الشعب الفرنسي، ومن شعوب العالم لتعرف رأي شعبها ورأي شعوب العالم في موقفها الآثم الظالم في الجزائر، ولتحصي فرنسا بعد ذلك عدد المتبرعين لها لتعرف عدد من يؤيدون وحشيتها وتمسكها بسلب الشعب الجزائري حقه في الحياة.
ربما استطاعت فرنسا أن تجمع آلاف الجنيهات، ولكنها لن تستطيع أن تشرك في هذه التبرعات غير عشرات الأشخاص؛
стр. 3047
عشرات الأشخاص من تجار الحروب وتجار الشعوب، والمستثمرين للدماء المهرقة على أرض الجزائر.
أما شعب الجزائر المجاهد، والمدافع عن حريته، فإن الملايين التي تشترك وتساهم في التبرع له، إنما تعبر عن احتجاجاتها عمليا على وحشية فرنسا ومجافاتها للروح الإنسانية والاعتبارات البشرية.
...
ويضق المجال عن وصف التظاهرة الحماسية الرائعة التي اجتاحت العالم العربي - الإسلامي بمناسبة (يوم الجزائر)؛ لم تكن القضية أبدا قضية تقديم دعم مادي (مالي) بقدر ما كانت مناسبة لتفجير الغضب ضد الاستعمار، والإعلان عن ذلك التعاطف العميق الذي يشد العالم العربي - الإسلامي بعضه إلى بعض.
وكان يوم الجزائر، مناسبة للشعوب الأفريقية - الآسيوية، وكلها حديثة العهد بالاستقلال، لتعبر عن غضتها ضد الاستعمار وأساليبه، فكانت الجزائر، بجهادها وصبرها، طليعة العالم وحديث الدنيا، وكانت المعول الذي أزال بقايا الأوراق التي كانت تستر سوءات الاستعمار.
***
стр. 3048
٥ - الصراع على حدود الجزائر
ضاقت القوات الاستعمارية ذرعا بضربات جيش التحرير الوطني التي أفقدتها صوابها، ولم تنفع كل المحاولات لعزل الجزائر عن جارتيها (المغرب وتونس)، وفشلت الخطوط المكهربة وحواجز الأسلاك الشائكة وحقول الألغام في احتجاز المجاهدين وعزلهم عن قواعدهم في تونس، وعلى هذا قام سلاح الجو الإفرنسي بالإغارة على قرية (ساقية سيدي يوسف) التونسية في يوم ٨ شباط - فبراير - ١٩٥٨، وأدت هذه الضربة العسكرية التي اعترفت فرنسا بمسؤوليتها عنها، إلى قيام موجة من السخط ضد فرنسا عند دول كثيرة في العالم، ولقد قيل في الدفاع عن هذه الغارة، بأنها استهدفت جماعات المجاهدين الجزائريين الذين جعلوا من الساقية قاعدة لهم. وعلى الرغم من أن جثث الضحايا السبعين لم تضم مجاهدا جزائريا واحدا، إلا أن الحادث لفت أنظار العالم إلى قضية، كانت قد غدت معقدة كل التعقيد منذ العام ١٩٥٦، وهي تتناول دور تونس في الحرب الجزائرية؛ فمنذ حصلت تونس على استقلالها في آذار - مارس - ١٩٥٦، وقفت الحكومة التونسية موقفا دقيقا بين فرنسا والجزائر، أو بين الحياد
стр. 3049
والتأييد، ولا ريب أن عواطف التونسيين كانت مع الشعب الجزائري في معركته، كما كان كثير من الجزائريين يريدون من تونس أن تحارب إلى جانبهم لتحقيق استقلال البلدين، ولكن الرئيس التونسي (الحبيب بورقيبة) كان يعتقد بأن في مقدوره تحقيق الاستقلال لبلاده الصغيرة بالصبر والأناة وعلى مراحل، ودن حاجة إلى العنف وسفك كثير من الدماء في حرب عامة شاملة؛ وقد قدم (بورقيبة) إلى إخوانه الجزائريين كل عون ممكن باستثناء الاشتراك في الحرب. وعندما وقع العدوان الفرنسي على (ساقية سيدي يوسف) كان عدد المجاهدين الجزائريين في تونس يزيد كثيرا على عدد أفراد الجيش التونسي الصغير، وكان المجاهدون الجزائريون يستخدمون هذا الملجأ الأمين للتدريب والاستجمام - للجرحى والمرضى - وتجميع السلاح والنقل. وعلى هذا فقد بات من المحتمل جدا امتداد جبهة الصراع لتشمل المغرب كله، لا سيما وأن القيادة العسكرية في الجزائر كانت تمارس عملها بحرية، ومن غير الرجوع إلى الحكومة الفرنسية التي كان عليها احتمال
مسؤولية كل فشل عسكري من غير أن يكون لها رأي فيه. وقد قبلت الحكومتان الفرنسية والتونسية وساطة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، لإيجاد تسوية لحادث (ساقية سيدي يوسف) وقضية (طلب تونس جلاء جميع القوات الفرنسية عن أراضيها)، واستمر ممثل الولايات المتحدة (المستر مورفي) وممثل بريطانيا (المستر هارولد بيلي - الذي عين بعد ذلك سفيرا لبريطانيا في القاهرة) يتنقلان الأسابيع الطوال بين تونس وباريس في محاولة للوصول إلى حل وسط. وقدمت الحكومة التونسية في أثناء هذه المباحثات، إلى المبعوثين الأمريكي والبريطاني وجهات نظرها