وحدثت معركة أخرى في ١٧ تشرين الأول - أكتوبر - ١٤٤٨ بين حاكم المجر (هونيادي) وبين مراد الثاني، في سهل قوصوه. وبعد معركة استمرمت يومين انتصر مراد الثاني انتصارا حاسما.
وتوفي (مراد الثاني) في ٥ شباط (فبراير) سنة (١٤٥١ م) وتولى ابنه (محمد) الملك فمضى لتوطيد دعائم حكمه، ثم انطلق لمتابعة سياسة أسلافه، فقام بتشييد قلعة (روم إيلي حصار) المنيعة على بعد لا يتجاوز سبعة كيلومترات من أبواب القسطنطينية، عند أضيق نقطة من البوسفور، وذلك في آواخر سنة (١٤٠١ م). وعندما أرسل الإمبراطور البيزنطي احتجاجا للسلطان محمد أمر هذا بقطع رؤوس أفراد الوفد الذي حمل الاحتجاج عليه، وكان ذلك بداية المرحلة الأخيرة للصراع الذي قضى على ما تبقى من إمبراطورية الروم (البيزنطيين).
فقد حاصرت جيوش الأتراك العثمانيين القسطنطينية، وعزلتها عن العالم، وحاولت أوروبا دعمها غير أنها فشلت في مساعيها. وفي ٢٩ أيار (مايو) اقتحمت قوات المسلمين عاصمة الروم التي أعجزت المسلمين من قبل. ودخل السلطان محمد المدينة، فتوجه إلى كنيسة آيا صوفيا. واستولى عليها رسميا باسم الإسلام، وحولها إلى مسجد. وانتهى عصر، وبدأ عصر جديد.
انصرف السلطان محمد الفاتح لإعادة تنظيم الدولة وتحويل (استانبول) إلى عاصمة جديرة بالدولة الإسلامية الواسعة الأرجاء، وذلك قبل انتقاله لتحقيق أول هدف له، وهو دعم الوجود الإسلامي في شمال شبه جزيرة البلقان، حيث كان المجر الأشداء في الحرب لا يزالون يتهددونها باستمرار. وكان لا بد للسلطان محمد من دعم
стр. 37
الوجود الإسلامي في الصرب بقوة حتى يمكن له الانطلاق لحرب المجر. وحدثت معارك كثيرة، انتهت بجعل نهر الدانوب (نهر الطونة) هو الحاجز بين قوات العثمانين المسلمين وأعدائهم.
وفي سنة (١٤٥٦ م) قاد السلطان محمد الجيش بنفسه إلى بلغراد وحاصرها، غير أنه لم يتمكن من فتحها، فعاد في سنة (١٤٥٨ م) لمهاجتها من جديد واستطاع فتحها. وفي الوقت ذاته القضاء على التمرد في شبه جزيرة المورة. وانتقل بعد ذلك لإخضاع اليونان، وتم له ذلك في الفترة من سنة ١٤٦٢ م حتى سنة ١٤٦٦م. وبذلك لم يعد (للبنادقة) دور يذكر في التحريض ضد المسلمين. وأمكن بعد ذلك تدمير مقاومة الألبانيين - الأرناؤوط من البوسة إلى حدود البندقية. وتدفقت جموع الأتراك العثمانيين على أوروبا. واضطرت البندقية إلى عقد صلح شريف مع العثمانيين في ٢٦ كانون الثاني - يناير - سنة (١٤٧٩م) حيث تنازلت فيه عن جميع ممتلكاتها في ألبانيا لمصلحة العثمانيين. وفي جملتها دراج (دوراجو) وانتيغاري وأوبة ولمنوس
وتايجت في المورة.
توفي السلطان (محمد الفاتح) في ٣ أيار (مايو) سنة ١٤٨١. فعرفت الدولة فترة من الجمود الخارجي في عهد ولديه (جم وبايزيد) واستمر ذلك في عهد (سليم وأحمد) ابني بايزيد. وعندما استتب الأمر للسلطان (سليم) انصرف لحرب الشيعة في فارس. ثم انتقل لتصفية حكم المماليك البرجية في الشام ومصر، وتم له ذلك بعد معركة (مرج دابق شمالي حلب بتاريخ ٢٤ آب اغسطس سنة ١٥١٦)، حيث سار السلطان سليم بعدها إلى مصر، فانتصر على (طومان باي) وقتله في ٢١ كانون الثاني - يناير (سنة ١٥١٧ م).
стр. 38
وأحدثت فتح سليم ذعرا صارخا في أوروبا، حتى لقد خشي البابا (ليو العاشر) من اتحاد كلمة المسلمين مرة أخرى فشرع يعد العدة للحرب، ولتوجيه حملة صليبية جديدة بحجة حماية المسيحين من أذى المسلمين. ولعل سليما كان يفكر في استئناف خطته لتفح الغرب يوم رجع إلى (أدرنة) سنة ١٥١٨م غير أنه لم يلبث أن توفي وهو في طريق عودته إلى (استانبول) في ٢ - أيلول - سبتمبر - سنة ١٥٢٠ م.
ورقي ابنه (سليمان - الذي اشتهر بالقانوني) عرش المملكة بدون معارضة. وانصرف أول ما انصرف إلى تحقيق أخطر ما تركه له أسلافه من مهام، وذلك بالاستيلاء على الحدود الشمالية. وتمكن العثمانيون بقيادة السلطان، من احتلال بلغراد (سنة ١٠٢١ م) , ثم إن سليمان اختصر بعد هذا النصر الحملة الشمالية ابتغاء إنفاذ خطة أبيه الأخيرة الهادفة إلى فتح (رودس)، حيث كان فرسان القديس يوحنا لا يزالون يمدون حملات القراصنة النصارى العائثين فسادا، بالمساعدة. وفي نهاية تموز (يوليو) سنة ١٥٢٢، ضرب العثمانيون الحصار على القلعة. ولكن قائد المنظمة الأكبر لم يستسلم إلا في ٢١ كانون الأول - ديسمبر - بعد أن تكبد الجانبان المتصارعان خسائر مريعة. وبعد أن منح حرية الإنسحاب لجميع الفرسان، وتعهدت الدولة العثمانية بالمحافظة على سلامة أشخاصهم وممتلكاتهم، وبإسقاط الجزية عن أهل الجزيرة الأصليين - وهم نصارى - خمس سنوات كاملة.
كانت السياسة الإفرنسية تقوم على مناهضة أسرة (هابسبورغ) (١) الملكية، وبذلك خطا (السلطان سليمان) خطوات
стр. 39
بعيدة في تحالفه مع (آل بوربون) (١) من أجل تنفيذ مخططاته ضد جارته الشمالية (المجر). وما لبثت العلاقات الودية أن تطورت منذ ذلك الحين بين باريس واستانبول، فضمنت فرنسا لنفسها طوال القرون التالية مركزا ممتازا بين الدول الكبرى في كل ما يتصل بالسياسة الشرقية، غير أن ذلك لم يمنع فرنسا في بعض الفترات من الإسهام بدعم الحملات الصليبية ضد الأقطار الإسلامية، وأحيانا ضد الدولة العثمانية ذاتها ٠
استأنف سليمان الحرب ضد المجر في سنة ١٥٢٦. ووقعت معركة (موهاج أو موهاكس) (٢) في ٢٨ آب - أغسطس -
стр. 40
وانتهت هذه المعركة بمقتل ملك المجر (لويس) ومعه عدد كبير من رجال دولته. ولم تلبث (بودا) (١) أن سقطت في قبضة القوات العثمانية (في ١١ أيلول - سبتمبر) ثم إن الحرب نشبت بين ملك النمسا (فرديناند) وأمير ترانسلفانيا (جان زابوليا) بسبب النزاع على تاج المجر، فلم يكن من سليمان إلا أن ناصر (زابوليا) على خصمه، واحتل (بودا) مرة أخرى في سنة (١٥٢٩ م) ليحتفل فيها بتتويج حليفه ملكا على المجر. ومن ثم تقدم سليمان إلى (فيينا) فحاصرها، ولكن قلة المؤن اضطرته إلى رفع الحصار عنها في (١٥ - تشرين الأول - أكتوبر) ولم تكن حملة سنة (١٥٣٢ م) أوفر حظا من سابقتها. فقد صمدت قلعة (كوسك) - المجرية الصغيرة في وجه القوات العثمانية طوال شهر آب - أغسطس - فعمل على عزل القلعة، وقطع الإمدادات عنها حتى سقوطها في قبضة العثمانيين يوم (٢٨) من الشهر نفسه.
ولكن أسطول الإمبراطور شارل الذي كان يقوده أمير البحر الجنوي (اندربا دوريا) والذي كان يعمل في نجاح على شواطىء المورة، لم يلبث أن أضاع على السلطان سليمان ثمرة انتصاره. فتم عقد معاهدة للصلح بين المجر والسلطان سليمان. غير أن الصراع لم يتوقف، وأحرز سليمان نصرا حاسما على (آل هابسبورغ) وضم إليه مساحة واسعة من بلاد المجر وفي (٢ - أيلول - سبتمبر - ١٥٤٣) احتلت القوات العثمانية مدينة بودا، وحولت كنيستها إلى مسجد، وأقامت إدارة عثمانية تتولى إدارة بلاد المجر.
ذلك هو الموقف على الجبهة الشرقية يوم ظهر الأخوان (ذوي اللحى الشقراء).
стр. 41
٣ - الموقف على جبهة الأندلس
انطلقمت شرارة الحروب الصليبية من الأندلس، وصحيح أن الصراع لم يتوقف بين المسلمين وأعدائهم، إلا أن قوة الحكم الأموي في الأندلس، وتماسك المسلمين في المغرب الإسلامي، حرم الإفرنج من حرية العمل العسكري في الغرب بقدر ما حرمت قوة العباسيين الدولة البيزنطية من هذه الحرية في المشرق. وما نشب من القتال ضد المسلمين في الأندلس، اتخذ صفة الحرب المقدسة، ولم يلبث البابوات أن صار لهم يد في توجيهها.
ففي سنة (١٠٦٣ م) لقي (راميرو الأول - روذقير) ملك أراغون مصرعه في (غرادوس) على يد أحد المسلمين عندما قام بهجوم على المسلمين، فأثار موته خيال أوروبا. فبادر البابا الإسكندر الثاني إلى أن يعد ببذل الغفران لكل من قاتل من أجل الصليب في إسبانيا. وشرع البابا في تأليف جيش لمواصلة عمل (راميرو). وبدأت حشود المقاتلين تتدفق من كل أنحاء أوروبا لقتال المسلمين في الأندلس. واستنزف هذا الصراع المستمر من قوة العرب المسلمين حتى جاء القشتاليون فاستولوا على طليطلة سنة (١٠٥٨ م). واعتبر الإفرخ بأن
стр. 42
استعادة (القوط) عاصمتهم القديمة هي نقطة التحول في الصراع، وذلك للانتقال من الدفاع الشامل إلى الهجوم الشامل.
أعقب ذلك حركة إفاقة إسلامية عمل لها المعتمد بن عباد - حاكم إشبيليا وأقوى أمراء الطوائف - وأبرزها أمير المرابطين (يوسف ابن تاشفين). وتجلى ذلك في معركة الزلاقة سنة (١٠٨٦ م). واشتدت دعوة الفرسان المسيحيين للقدوم إلى إسبانيا لمحاربة المرايطين. وبذل البابا (إيربان الثاني) المساعدة وأخطر الحجاج بأنه من الخير لهم إنفاق أموالهم لمحاربة المسلمين بدلا من إنفاق هذه الأموال في الحج إلى
فلسطين. واستمرت الحملات الموجهة إلى الأندلس وتحولت إلى حملات منتظمة بعد انتزاع (وشقة) من المسلمين سنة (١٠٩٦م) وباربسترو - أو بربشتر - سنة ١١٠١.
ولم ينته القرن الحادي عشر، حتى تحولت فكرة الحرب المقدسة إلى اتجاه عملي، إذ أن الفرسان والمحاربين المسيحيين لقوا التشجيع من السلطات الكنسية بأن يتخلوا عن منازعاتهم الصغيرة، وأن يتوجهوا إلى أطراف العالم المسيحي لقتال الكفرة (المسلمين). ولم يحد البابا صعوبة في توطيد سلطته على ما قام من الكنائس بالأندلس مع كل انحسار للمسلمين وتراجع فوق الأرض الأندلسية.
مضت عشر سنوات على سقوط طليطلة، وعقد مجمع بياكنزا بزعامة البابا (إيربان الثاني) في سنة ١٠٩٥، وأعقب ذلك انعقاد مجمع (كليرمونت) وهو المجمع الذي ضم ثلاثمائة من رجال الدين.
وأعلنت الحرب الصليبية بنداء البابا (فلينطلق المسيحيون بالغرب لنجدة الشرق). وانتظمت الحملات المتتالية التي استمرت مائتي سنة. (١٠٩٩ - ١٢٩١م) والتي عانى المشرق الإسلامي منها ما هو معروف من النكبات والكوارث.
стр. 43
خلال هذه الفترة لم يتوقف الصراع على جبهة الأندلس، وقد كان من المحال على المسلمين الأندلسيين الاضطلاع بأعباء الجهاد في سبيل الله وحدهم، فكان لهم في إخوانهم في المغرب الإسلامي ما يجتاجونه من الدعم. وتعاقب على الأندلس المرابطون فالموحدون، ثم استمر الجسر القائم بين الأندلس والمغرب في تأمين متطلبات الجهاد المستمر. حتى إذا ما انتهت الحرب الصليبية في المشرق، أصبحت الأندلس الإسلامية محاصرة في حدود مملكة (غرناطة) التي لقيت كل دعم من (بني مرين). وبذلك أمكن (لبني نصر) الاحتفاظ براية الجهاد مرفوعة فوق جنوب الأندلس لمدة مائتي سنة أخرى. وليس من متطلبات البحث هنا التعرض بالتفصيل إلى ذلك الصراع المرير، وتلك المعارك الدامية التي خاضها المسلمون في الأندلس، غير أنه من الضروري التوقف قليلا عند المرحلة الأخيرة من مراحل هذا الصراع نظرا لعلاقته بما تعرض له المغرب الإسلامي خلال تلك الحقبة التاريخية.
لقد قاد الصراع ضد المسلمين خلال تلك الفترة - على ما هو معروف - (ملك أراغون فرديناند) (١) الذي تزوج بملكة قشتالة (إيزابيللا) (٢) فوجد قيادة الإقليمين ضد مملكة غرناطة، ودعمهما في
стр. 44
مخططاتها وزيرهما (خمينيس) (١).
لقد خاض المسلمون في الأندلس صراعا مريرا ضد قوات متفوقة، واستصرخ المسلمون إخوانهم في المشرق (المماليك البرجية). كما استنجدوا بالدولة العثمانية، غير أن كل قوة من القوى الإسلامية كانت مشغولة بأكثر من أعبائها، فهناك كان المغول والدول الأوروبية على حدود (بيزنطة). وفي مصر والشام كان المماليك قد ضعفوا إلى درجة بات من الصعب عليهم تقديم جهد إضافي، ولا يعفيهم ذلك بدهيا من مسؤوليتهم التاريخية، ليس في ضياع الأندلس الإسلامية فحسب وإنما أيضا فيما نزل بالمغرب الإسلامي. المهم في الأمر، هو أن هذا الصراع على جبهة الأندلس دمج فيما بين الأندلس الإسلامي والمغرب الإسلامي. الأمر الذي دفع بأعداء المسلمين إلى التطلع إلى المغرب الإسلامي، واعتباره القاعدة الأساسية لقوة المسلمين التي انطلقت منها الفتوح لبلاد الأندلس، والتي استمرت طوال عهود حكم المسلمين فيها، على الرغم من كل التناقضات التي هيمنت في بعض الفترات على العلاقات الأندلسية - المغربية.
لم يفقد المسلمون ثقتهم بأنفسهم على الرغم من ثقل الهجمة
стр. 45
الشاملة التي أحاطت بالمسلمين الأندلسيين في جنوب شبه الجزيرة، وهي الهجمة التي دعمها البابا عندما فرض على المسيحيين ضريبة أطلق عليها اسم (ضريبة الصليبية). ولم تعد القضية هي قضية بطولة أو تضحية في مواجهة الهجوم الشامل، ولو أن هذه البطولة وتلك التضحية التي التحمت بعقيدة الإنسان المسلم لم تعدم وجودها في يوم من الأيام ونسجتها خلال تلك الحقبة نماذج غير محدودة، لعل من أشهرها قصة (موسى بن أبي الغسان) الذي وقف في أحلك أيام (غرناطة) وأكثرها قسوة، فجابه دعاة الاستسلام للصليبيين بمقولته الرائعة: (وأي باعث لنا على اليأس. إن دم الأبطال من عرب الأندلس فاتحي هذه الديار يجري في عروقنا. وعندنا قوة وافرة، وجيوش معودة مجربة في الوقائع، لا نرتاب في إقدامها. ولدينا عشرون ألف شاب يمكنهم أن يدفعوا عن دورهم وأسوارهم أعظم قوة وأكثف جيش).
وفي ذلك أيضا يقول مؤرخ إنكليزي: (إن هذه الحرب - حرب تحطيم مملكة غرناطة - هي حقبة عظيمة الشأن في تاريخ الدهر، بما تخللها من باهر الثبات والإصرار، فإن النكبات توالت فيها على المغاربة - أهل الأندلس - مدة عشر سنوات بلا انقطاع، فأخذت مدائنهم الواحدة بعد الأخرى وفنيت رجالاتهم قتلا وأسرا، وقاتلوا عن كل مدينة وبلدة وحصن وبرج، بل عن كل صخرة ٠ كأنما هم ينتظرون الفتح. ولم يجدوا مكانا تثبت فيه أقدامهم، ولا جدارا يمكنهم رمي السهام من ورائه إلا واعتصموا به ينازعون عنها كل معتد، غير طامعين في أدنى غوث، تنزل على أسوارها أمة بقضها وقضيضها، لم يزالوا يدافعون عنها، كأنما هم يترقبون معجزة يرسلها
стр. 46
الله في حقهم) (١).
لم تكن القضية على كل حال قضية انتظار حدوث معجزة، كما يصورها من لا يستطيعون فهم عامل الدفاع عن الدين والقدرة على الصمود في العقيدة القتالية الإسلامية. وليست أيضا الدفاع بانتظار وصول الدعم، القضية ببساطة هي قضية طلب إحدى الحسنيين (النصر أو الشهادة). فكان طلب الشهادة هو الدافع لإبراز مثل هذه الظاهرة الطبيعية في مضمون (الجهاد في سبيل الله). وذلك بصرف النظر عما تحرزه هذه الشهادة من نصر أو هزيمة. ولو أن النصر هو النتيجة الحتمية والمتوقعة لمثل هذا الصمود. غير أن صراع (القوى) على الساحة المحدودة، كان فوق كل تقويم فكانت الهزيمة وسقطت غرناطة. وعادت المغرب، بسهلها وجبلها، بمدنها وقراها تستقبل آلاف وملايين المسلمين الذين ضاقت عليهم الدنيا فرجعوا إلى قاعدتهم القوية والصلبة في (المغرب الإسلامي).
أصبحت قصة محاكم التفتيش معروفة، ولا حاجة هنا للتعرض إلى ما رافقها من إحراق للمسلمين وتدمير للمساجد وتحويلها إلى كنائس وانتهاك للحرمات واستعباد للنساء والأطفال. غير أن من المفيد الإشارة إلى أن غرناطة وحدها كانت تضم نصف مليون مسلم. وقد أدت عمليات الإرهاب الوحشية إلى نزوح أهلها عنها والفرار إما إلى جبل البشرات، وإما الفرار إلى المغرب الإسلامي. واستمرت المحنة طوال أكثر من مائة سنة (١٤٩٣ - ١٦١٠م) حيث استمرت هجرة الأندلس إلى المغرب والمشرق الإسلاميين. وقدر عدد الذين
стр. 47
غادروا الأندلس خلال هذه الفترة بنحو ثلاثة ملايين - وكان عدد أفراد الهجرة الأخيرة وحدها نصف مليون مسلم. هاجر معظمهم إلى المغرب الإسلامي، وانتشروا في مدنه وقراه، ومنهم من تابع هجرته إلى المشرق.
وكان تحت حكم المسلمين في الأندلس نحو المليونين من اليهود، هاجر منهم نحو من مليون ثمانمائة ألف تفرقوا بين بلدان أفريقيا الشمالية وأقاليم الإمبراطورية العثمانية. واستقر قسم كبير منهم في عاصمة الإمبراطورية العثمانية وفي المدن القريبة منها.
وما أن شعرت حكومة إسبانيا بقوتها حتى حدث لها ما يحدث لكل الدول التي تنتقل من عهد إلى عهد على أساس القوة العسكرية. فتوجهت إلى إيطاليا. وكانت قد فرضت من قبل سيطرتها على صقليا وجنوب إيطاليا ومدينة نابولي. وأرادت توسيع ممتلكاتها هناك مما أدى إلى اصطدامها بفرنسا، ووقع الحرب المعروفة باسم (حرب الستين عاما).
كانت فرنسا خلال تلك الفترة تحت حكم (الملك شارل الثامن) (١) الذي ادعى بأن من حقه وراثة عرش (نابولي). ليس ذلك فحسب، بل إنه طالب بضم (ميلانو) إلى ممتلكاته. وحدثت معارك انتصرت فيها الجيش الإسبانية على الجيش الإفرنسية.
стр. 48
وكان يحكم ألمانيا الإمبراطور (مكسيميليان دوهابسبورع) (١) الذي كان من سياسته مناهضة التوسع الإسباني - الإفرنسي في إيطاليا، لا سيما وأنه كان يعتبر بأن دوقية (ميلانو) تابعة له. وتفجر هذا الموقف عن حرب أوروبية شاملة وقفت فيها فرنسا وحدها في مجابهة إسبانيا وألمانيا، وانضمت لهما إنكلترا وسويسرا وجمهورية البندقية. وعقد البابا الذي كان يشرف على محاربة الإفرنسيين (يوليوس الثاني) بين كل هؤلاء ما أسموه (العصبة المقدسة) التي أمكن لها إلحاق الهزيمة بفرنسا، مما زاد من قدرة إسبانيا وقوتها.
عندما توفي الإمبراطور (مكسيميليان) عين الملوك والأمراء (شارل الخامس) أو (شارلكان) (٢) خلفا له. وبذلك أمكن لهذا الإمبراطور جمع بلاد واسعة تحت حكمه ضمت (إسيانيا والنمسا وبلجيكا وهولندا وصقليا وسردينيا ونابولي وقسما من بلاد الجرمان) - ألمانيا - وأغلب البلاد الأمريكية التي تم اكتشافها حديثا). وأصبح باسم إمبراطوريته العظمى يقف وجها لوجه أمام فرنسا
стр. 49
والإمبراطورية العثمانية. واستطاع ملك فرنسا (فرانسوا الأول) (١) أن يجد في تحالفه مع العثمانيين قوة كافية تضمن له النصر على أعدائه.
كانت النتيجة الثانية لتعاظم القدرة الإسبانية الانتقال للعدوان على المغرب الإسلامي، وفي الواقع فقد بدأ هذا العدوان من قبل أن تسقط مملكة غرناطة، وكان ذلك بهدف عزل الأندلس الإسلامي عن قاعدة دعمها في المغرب الإسلامي. ثم تطور ذلك بعد إخراج المسلمين من الأندلس وفقا لما يبرزه جدول توقيت أبرز الأحداث التالي:
السنة الهجرية ... السنة الميلادية ... وجيز الأحداث
٨٠٣ ... ١٤٠٠ ... الإسبانيون يهاجمون تطوان.
٨١٨ ... ١٤١٥ ... البرتغاليون يحتلون مدينة سبتة.
٨١٨ - ٨٤١ ... ١٤١٥ - ١٤٣٧ ... البرتغاليون يحتلون المرسى الكبير
ويقيمون فيه ثم يطردون منه.
٨٧٦ - ٨٨٢ ... ١٤٧١ - ١٤٧٧ ... البرتغاليون يعودون لاحتلال المرسى الكبير ثم يطردون منه.
٨٩٨ ... ١٤٩٢ ... سقوط غرناطة في قبضة الإسبان.
٩٠٧ ... ١٥٠١ ... البرتغاليون يهاجمون المرسى الكبير ويفشل هجومهم.
стр. 50
السنة الهجرية ... السنة الميلادية ... وجيز الأحداث
٩١١ ... ١٥٠٥ ... الإسبانيون يحتلون المرسى الكبير - الجزائر -.
٩١٣ ... ١٥٠٧ ... محاولة الإسبانيين احتلال وهران التي تبعد (٨) كلم عن الجزائر وتدمير جيشهم في موقعة (مسرغين).
٩١٥ ... ١٩٠٩ ... الإسبانيون يعيدون محاولتهم ويفتحون وهران.
٩١٦ ... ١٩١٠ ... الإسبانيون يحتلون بجاية (على مجرى وادي الصومام) ويحتلون عنابة وطرابلس ويفشلون في الاستيلاء على جربة والسلطان الحفصي يستنجد بالأخوين برباروس.
١٩١٧ ... ١٩١١ ... الإسبانيون يستولون على (مستغانم). ويستلمون من الجزائريين جزيرة (اسطفله) المقابلة للجزائر.
وكانت النتيجة الثالثة لتعاظم القدرة الإسبانية، ظهور عملية التوسع البحري التي أسهم فيها البحارة المسلمون بقسط وافر ولكن تحت راية البرتغاليين والإسبانيين. ومن المكتشفات البحرية التي رافقت هذه الفترة:
стр. 51
١ - إكتشاف أمريكا الجنوبية والهجرة الإسبانية إليها: (٨٩٩ - ٩١٠ هـ = ١٤٩٣ - ١٥٠٤م).
٢ - إكتشاف البرتغال لطريق الهند (فاسكو دي غاما): (٩٠٤ هـ = ١٤٩٨م).
٣ - رحلات ماجلان البرتغالي: (٩٢٥ - ٩٢٩ هـ = ١٥١٩ - ١٥٢٢ م).
стр. 52
٤ - الموقف على جبهة المغرب الإسلامي
تعرض المغرب الإسلامي لمجموعة من المتحولات، منذ الأيام الأولى للفتح. وإذا كانت الموجة الأولى للفتح قد وحدت بين مراكز القرى المختلفة، إلا أن انهيار الحكم الأموي، وقيام الحكم العباسي، ثم قيام الحكم الأموي في الأندلس، قد أدى إلى نوع من التمزق المؤقت الذي لم يلبث أن تمخض عن حركات إصلاحية دينية كرد على الدعوات التي أفرزتها حركة الفاطميين التي ترعرعت في المغرب الإسلامي قبل أن تنتقل إلى مصر. ولعل أفضل تعبير لتلك الحركات الإصلاحية هي ظهور المرابطين ثم الموحدين (أبناء عبد المؤمن).
ولم يكن ظهور هذه الحركات وتطورها سلميا، وإنما رافقها عنف دموي لم يلبث أن ترك رواسب عميقة كان لا بد لها من أن تتفاعل لتأخذ أبعادها في التأثير على مستقبل المغرب الإسلامي.
إذ ما كادت دولة الموحدين تضعف حتى ظهر نوع من استقلال مراكز القوى الناجم عن ضعف المركزية. فكان من أبرز مراكز القوى:
стр. 53
١ - دولة بني حفص (الحفصيون) والذين جعلوا من تونس قاعدة لهم، فكانت حدود دولتهم تمتد من طرابلس حتى شرقي الجزائر - في المفهوم الحالي للحدود.
٢ - دولة بني زيان (الزيانيون) وقد جعلوا من وسط الجزائر وغربها مقرا لهم وقاعدة لكيانهم.
٣ - دولة بني مرين (المرينيون) وقد جعلوا من المغرب الأقصى قاعدة لهم ومستقرا.
وقد بقيت هذه الكيانات قوية، صلبة، حتى إذا ما استنزفت قدراتها في الحروب الداخلية والحروب الخارجية، وصلت إلى مرحلة من الانهيار المريع الذي فتح المجال أمام مزيد من التمزق، حتى أصبحت كل مدينة وكل منطقة مستقلة بأمورها. وانعكس ذلك على زعماء هذه الكيانات والدول فلم يبق لهم من السلطة إلا اسمها. وأمام هذا الموقف - وكما يحدث عادة في كل التجارب التاريخية - أصبحت الأقلية الحاكمة - الأوليغاركية - على استعداد للتعاون مع أي سلطة أو قوة داخلية أو خارجية للمحافظة على وجودها، فكان في ذلك القضاء النهائي على هذا الوجود.
لقد تمت هذه التحولات بصورة بطيئة وتدريجية، على الرغم من ظهورها المباغت كتحولات عنيفة في بعض الأحيان. ويتطلب ذلك التوقف قليلا عند بعض ظواهر هذه التحولات.
عندما انهار حكم الموحدين حاول بنو مرين (في المغراب) السيطرة على المغرب الإسلامي بكامله، فاصطدموا بقوة الحفصين (في تونس) والذين كانوا يعتبرون أنفسهم الورثة الشرعيين للموحدين وأدى ذلك إلى صدامات دامية لم تحقق الهدف المنشود في توحيد المغرب
стр. 54
الإسلامي , وإنما أدت إلى نتيجة مضادة تماما هي استنزاف قدرة الدولتين وإضعافهما معا. وخلال هذا الصراع المرير كان على الزيانيين (في الجزائر) دفع ثمن هذا التمزق عن طريق التناوب في الخضوع لهؤلاء وأولئك تبعا لارتفاع موازين القوى وانخفاضها. وانعكس ذلك بصورة خاصة على بني مرين (١١٩٦ - ١٤٢٨م) الذين كانوا أفضل سند للأندلس الإسلامية. فانهار بذلك أقوى دعم للأندلسيين، وانتهى الأمر ببني مرين إلى زوال سلطتهم وظهور فرع منهم اقتصرت سلطتهم على (مدينة سلا) ومنطقتها (هم بني وطاس).
وكان ذلك هو الموقف يوم هاجت القوات الإسبانية مدينة تطوان (سنة ١٤٠٠ م) فأخذتها ودمرتها، وأبادت نصف سكانها وساقت الباقين من رجالها ونسائها سبايا وأسرى إلى إسبانيا. في حين كان ملك المغرب (أبو سعيد عثمان المريني) يحارب مملكة بني زيان بتلمسان من أجل إخضاعها. فاحتل تلمسان وطرد ملكها (أبا زيان) ونصب مكانه (أبا محمد عبد الله). وتكرر هذا الموقف ذاته (سنة ١٤١٠) عندما قاد ملك البرتغال جيشه بنفسه فاحتل مدينة (سبتة) عندما كان (أبو سعيد عثمان أيضا) يحارب (أبا حسون) من أجل تلمسان ذاتها من جديد.
وأدى ذلك إلى الوضع الذي وصفه مؤرخ فرنسي بقوله: (وإن العائلات المالكة الحفصية والزيانية والمرينية، والتي كانت قبل ذلك تلمع لمعانا منيرا، قد انغمست في حروب طويلة مزمنة، وروت أرض هذه البلاد - المغرب العربي الإسلامي. بالدماء، ثم سقطت في مهاوي الانحطاط. فطوال قرن كامل لم يبق لأمراء هذه العائلات
стр. 55
المالكة من السلطة إلا اسمها. وكان الملوك لا يفكرون إلا في إحباط المؤامرات والفتن التي يثيرها ضدهم أفراد من عائلاتهم من أجل الاستيلاء على العرش، أو في إخماد الثورات التي تقوم بها قبائل سئمت حكم العجز والطغيان. ولقد ضربت الفوضى أطنابها في كل مكان. فكان الولايات القسنطينية، وسكان مدينة الجزائر، وأهل الشرق الوهراني، لم يبقوا معترفين بسلطة أحد عليهم. أما بالمغرب الأقصى، فإن أمراء عائلة بني مرين، قد اقتطع كل واحد منهم لنفسه إمارة صغيرة لم يكن في وسعه الدفاع عنا ضد مطامع جيرانه. فهذه الفوضى قد سهلت بصفة غريبة مهمة البرتغاليين والإسبانيين سواء في احتلال البلاد، أو في توسع منطقة نفوذهم فيها) (١).
ويذكر مؤرخ آخر: (أن جاسوسا من الجواسيس الذين أرسل بهم - فرديناند - إلى بلاد المغرب العربي، قد أرسل إلى ملكه تقريرا مفصلا جاء فيه: إن كامل بلاد شمال افريقيا تجتاز فترة من الانهيار النفسي، ويظهر معها أن الله قد أراد أن يجعل هذه البلاد ملكا لصاحبي الجلالة المسيحية).
ثم يقول: (في نهاية القرن الخامس عشر كانت الفوضى السياسية والاضطرابات، وتداخل الممالك بعضها ببعض، قد بلغت في الشمال الافريقي مبلغا لا يمكن تلخيصه في صفحات. ويصاب الإنسان بنوع من الذهول وهو يتلو قائمة الممالك والإمارات التي اقتسمت رقعة هذا الشمال الأفريقي. وكانت - وهران - تبدو وهي تحت السلطة الإسمية لبني زيان في صورة جمهورية تجارية حقيقية
стр. 56
مستقلة، أما مدينة بجاية فقد كانت في الفترة ذاتها تكتسب ثروة طائلة وبصفة مستقلة، من التجارة الواسعة التي كانت تتعاطاها مع البلاد الإيطالية ومن القرصنة. وكانت مملكة تلمسان تشمل بصفة غير محددة الغرب الجزائري، الحالي. وكان رجال الدولة قد تحرروا من السلطة المركزية، فكان أدعياء الملك لا يجدون صعوبة في جمع الأنصار لمحاربة السلطان القائم. وكان الأبناء يثورون ويخلعون آباءهم. كما كان الأبناء يحاربون بعضهم بعضا لاقتسام ملك أبيهم. وكانت هذه الفوضى ذاتها موجودة بالبلاد التونسية حيث آل أمر بني حفص إلى العجز التام، فكان الملك لا يملك حق التصرف، ولا في نفس العاصمة تونس، حيث كان يحتمي بحرس من المرتزقة المسيحيين. وكان جبل الرصاص على مقربة من مدينة تونس خارجا عن طاعة السلطة المركزية، بينما كانت أكثر القبائل التونسية مستقلة فعلا.
على الرغم من ذلك، فقد خشي - فرديناند - أن يؤدي طرد ملك غرناطة - أبي عبد الله - إلى المغرب إلى رد فعل عنيف من جانب دول المغرب الإسلامي، غير أن الراهب (خمينيس) تمكن من إقناعه بأن لا خطر البتة من وراء إرسال ملك غرناطة إلى المغرب لأن حالة الخلاف والشقاق المستحكمة هناك لن تسمح لأهلها بالإقدام على مثل هذا العمل. واتقاء لخطر اتحاد إسلامي موسع في أفريقيا ضد الصليبية الإسبانية فقد أرسل الملك - فرديناندو - في العام ١٥٠١، وبعد سقوط غرناطة بسنوات، وفدا إلى مدينة القاهرة عاصمة دولة المماليك - يرأسه بطرس ماريتر دانغريرا - من أجل عقد معاهدة صداقة وحسن تعامل بين الإسبان ودولة المماليك التي كان يترأسها يومئذ قانصوه الغوري. وتم له ذلك.
стр. 57
وأثارت مشكلة السباق بين البرتغال وإسبانيا لاحتلال المغرب الإسلامي صراعا بين الدولتين كاد يؤدي إلى الحرب فيما بينهما. غير أن البابا تدخل في الأمر من أجل اقتسام النفوذ في العالم (وفقا لمعاهدة تورد - سيلاس - سنة ١٤٩٥). وأعقب ذلك الاتفاق على اقتسام المغرب العربي - الإسلامي (وفقا لمعاهدة فيلافرنكا - ١٥٠٩) والتي نصت على منح المغرب الأقصى للبرتغال مقابل حصول إسبانيا على المغرب الأوسط (الجزائر).
وهكذا ومع بداية القرن السادس عشر، كانت دولة البرتغال تملك في المغرب الأقصى مدن (سبتة وطنجة وأصيلا وأزمور والصويرة وأسفي مع كامل مقاطعة دكالة الممتدة بين مصب نهري أم الربيعة وتنسيفت على المحيط الأطلسي).
أما الإسبان فقد ملكوا بالبلاد المغربية (صخرة باديس - فاليس - ومدينة مليلة)، وانطلق الإسبانيون لتطوير الحرب الصليبية ضد الجزائر.
ولقد تطلب الإعداد لهذه الحملة الصليبية الجديدة إعدادا طويلا، وإمكانات كبيرة، بدأها البابا في روما الذي عمل على وضع كل الإمكانات البشرية والمادية تحت تصرف الملوك الإسبان من أجل إبعاد المسلمين عن بلاد الأندلس أولا، ومن أجل إخضاع بلاد الشمال الأفريقي للحكم المسيحي وللدين المسيحي ثانيا. ومن أجل ذلك، أصدر البابا أمره السامي لكل المسيحيين بأن يستمروا في دفع الضريبة الصليبية (كروزادا) لملوك إسبانيا من أجل الحرب الافريقية. وجمع القساوسة والرهبان أموالا ضخمة من أجل ذلك. بل إنهم باعوا ذخائر الكنائس وكنوزها الثمينة لكي يزودوا الجيوش المسيحية بالمال والعتاد.
стр. 58
وعندما توفيت الملكة (إيزابيللا) تركت وصية (طلبت فيها لمن يتولون الملك بعدها بأن يحققوا الأمنية الغالية على قلبها، والتي كانت تود ولو أنها قد حققتها بنفسها لو طال بها الأجل، ألا وهي فتح افريقيا وعدم الكف عن القتال في سبيل الدين ضد الكفار - الذين هم المسلمون؟).
وعندما جهزت إسبانيا تحت ضغط الكنيسة واستفزازات الراهب (خمينيس) جيشها وأسطولها لغزو المغرب العربي - الإسلامي، بادر البابا بنشر قرار يعطي به الولاية لملكي إسبانيا على كامل الأرض التي يفتحانها بهذا المغرب. وكان نفس البابا (اسكندر السادس - بورجيا الشهير) (١) قد أصدر سنة ١٤٩٤، عهدا يبارك به الصليبية الإسبانية بأفريقية.
لم تحدث عمليات الاحتلال، رغم كل التمزق والتشتت، ورغم الإطار العام الذي أحاط عملية الغزو، لم تحدث بدون مقاومة باسلة من قبل الشعب المسلم في المغرب وقد يكون من الأفضل استقراء بعض ملامح الصراع خلال هذه المرحلة لأنها توضح أسباب التطورات في المرحلة التالية.
عندما أتم فرديناند ملك إسبانيا تجهيز الحملة، وهي الحملة التي مول أسطولها الكاردينال الوزير - خمينيس - بأمواله الخاصة وبما قدمته له الكنيسة من الأموال، توجه الأسطول للغزو، فغادر مالقة يوم
стр. 59
٢٩ آب - أغسطس - ١٥٠٥، تحت قيادة (دون رايموند دي قرطبة) وكان الأسطول ينقل معه قوة من (٥) آلاف رجل (بقيادة دون ديتوفر فرنانديز دي قرطبة). ووصل هذا الأسطول إلى المرسى الكبير يوم ١١ - أيلول - سبتمبر - وأحكم الحصار على المدينة لمدة خمسين يوما، وكانت الاشتباكات خلال هذه الفترة مستمرة. وكانت السفن الإسبانية تضع على مقدماتها أكياس الصوف حتى لا تصيبها قذائف المسلمين. وقد تبادلت منذ اقترابها من الساحل طلقات المدفعية النارية. غير أن دوي تلك الطلقات كان أكبر من مفعولها. وعندما بدأ الإسبانيون عملية الإنزال، قاومهم المسلمون مقاومة يائسة عنيفة، وأظهروا شجاعة كبيرة وحماسة ضارية، غير أن المدفعية الإسبانية أرغمتهم على ترك مواقعهم والانسحاب إلى الداخل. ورافقت عملية الإنزال عاصفة قوية وأمطار غزيرة، لكن ذلك لم يضعف المقاومة التي استمرت تجاهد صابرة حتى منتصف الليل، ثم استؤنفت المعركة من الغد، وكان يوم جمعة، واستمرت عنيفة قاسية طوال النهار. ثم ازدادت شدة وعنفا عندما جاء المجاهدون من الداخل، بعدما بلغهم نبأ نزول الإسبان في حمية جنونية، بينما كانت مدفعية الحصون الإسلامية ترمي الأسطول الإسبانى بقذائف من الحجارة تزن أربعين رطلا. واستمرت المعركة إلى الليل رغم استشهاد قائد الموقع الذي أصابته قذيفة مدفع إسباني. وأثناء الليل تشاور المسلمون فيما بينهم - في اجتماع عقدوه في دار المزوار - وكانت الأغلبية تميل إلى متابعة الجهاد في حين كانت الأقلية ترغب في الاستسلام وحجتها، أنه من المحال على الحامية التي لا تزيد في الأصل عن خمسمائة مجاهد التغلب على قوة خمسة آلاف مقاتل إسباني. وبالإضافة إلى ذلك فإن انتصار الإسبان يعني استباحة المدينة وأهلها. وفي النهاية انتصر المعتدلون
стр. 60
وتقرر مفاوضة القائد الإسباني على شروط التسليم. ولم تفلح حماسة الشاب المجاهد (موسى بن علي) بإثارة مشاعر الناس وحضهم على متابعة القتال.
وافق القائد الإسباني على انسحاب المسلمين من المدينة، وحدد لهم فترة ثلاث ساعات من أجل الجلاء عن المدينة وبقية الحصون، واشترط عليهم أن لا يأخذوا معهم أي شيء من الزاد والمؤن، ولا من حيوانات الجر، ولا من الأسلحة. وأخلى المسلمون أول الأمر النساء، ثم تبعهم الرجال، وعندما تم انسحاب المسلمين في الفترة المحددة من التاسعة صباحا إلى الظهر، اقتحم الإبان المدينة، ورفعوا فوقها أعلامهم. وتوجه المركيز القائد الأعلى إلى مسجد المدينة الأعظم، فأمر بتحويله إلى كنيسة للنصارى فورا. وكرسه وباركه وأطلق عليه اسم (كنيسة القديس ميكائيل). وأقيم به القداس صبيحة الأربعاء ١٥ تموز - يوليو.
وانصرف الإسبان على الفور لتحصين المدينة. وعندما وصل المجاهدرن وجيش تلمسان في صباح يوم السبت، وكان عددهم (٢٢) ألفا من المشاة وألفين من الفرسان، كانت الحامية الإسبانية قد تمركزت بقوة في المدينة، وحاولت قوة من الفرسان اقتحام المدينة غير أن الحامية الإسبانية أحبطت هذه المحاولة التي وصفها أحد شهود المعركة بقوله: (لم أر في حياتي إطلاقا أبدع من هذه الفرقة المؤلفة من ثلاثمائة من الفرسان العرب التي كان يقودها - القائد ابن دالي - ولا أرهف سلاحا، سواء من حيث خيولها المطهمة البالغة منتهى الجمال، أو من حيث ذلك الجهاز الفاخر المطرز الذي كان يكسوها).
وما كاد خبر الاستيلاء على المرسى الكبير يصل إسبانيا، حتى
стр. 61
اجتاحتها موجة من الفرح والابتهاج، وأعلن فيها العيد لمدة أسبوع، وعملت الحامية الإسبانية (بالمرسى الكبير) على فتح سوق تجاري إلى جانب المدينة بهدف تأمين متطلبات الحامية من جهة، ولإقامة علاقات مع السكان من جهة أخرى. وأغدقت الحامية الذهب والفضة على المتعاونين معها من التجار. غير أن جماعة المسلمين اعتبرت أولئك المتعاونين خونة مارقين، وعاملتهم معاملة الأعداء. وأخذت توالي إغاراتها عليهم.
ثم أخذت القيادة الإسبانية في الإعداد للمرحلة الثانية من التوسع. ونظم قائد حامية المرسى الكبير (فرنانديز دي قرطبة) حملة بهدف الهجوم على (مسرغين) بإغارة مباغتة. وكانت هذه المدينة تبعد عن المرسى الكبير مسافة ثلاث مراحل. ويصل بينها طريق سهلي يمر من تحت حصون مدينة (وهران الإسلامية). وكان اتباع هذا الطريق خطرا لأن حامية وهران سترد الجيش الإسباني وستتصدى لمقاومته، ولهذا قرر اتباع الطرق الجبلية والأودية، وجند لقيادة الحملة أدلاء استأجرهم بالمال - من رجال قبيلة جيزة - التي كانت تنتشر حول المرسى الكبير ووهران، فاتخذ من بينهم أدلاء وحرسا من المرتزقين.
وغادرت هذه الحملة (المرسى الكبير) في يوم ٦ حزيران (يونيو) وبدأت تحركها في الساعة (٢١) ليلا. وقد ضمت هذه الحملة القوة الإسبانية بكاملها تقريبا بحيث لم يترك في المرسى الكبير إلا العدد الضروري لحماية المدينة وأسوارها. ودخلت الحملة في الشعاب الجبلية خلف الأدلة وهي تسير بالرتل الأحادي - على الطريقة المعروفة بالسلك الهندي - وكانت المسيرة شاقة، زاد من متاعبها حرص أفراد الحملة على تجنب إثارة أي صخب أو ضجيج. ووصلت الحملة إلى هدفها مع
стр. 62
الفجر، وأحاطت بدوار العرب المسلمين. وباغتته بالهجوم من كل جهاته. وذهل العرب لأول وهلة، غير أنهم استعادوا بسرعة ثباتهم، وقابلوا الهجوم بمقاومة عنيفة، وقاتلوا بعناد وشراسة، غير أن القوات الإسبانية أفادت من عاملي المباغتة والمبادأة فدمرت المقاومة بسرعة، فاستشهد المجاهدون المسلمون وهم يحملون سلاحهم، وسيق بقية الرجال والنساء والأطفال إلى الأسر، واستخدم الإسبان كل ما وجدوه من الخيول وعربات الجر لحمل الغنائم، ونظموا سيرهم، وأخذوا يعبرون المسالك الجبلية على طريق العودة.
وأثناء ذلك كان بعض الرجال قد أفلتوا من المعركة وذهبوا لاستنفار القرى المجاورة. وأسرع المجاهدون (من الدواوير القريبة) لنجدة إخوانهم - الغرابة - وهم لا يبغون من الدنيا إلا إنقاذهم من الأسر والهوان، وليصونوا شرف النساء الحرائر من العربيات خوفا من أن يلحق بهن العار. ولم تمض إلا ساعة من نهار، حتى أحدق المجاهدون. بالقافلة الإسبانية التي كانت تدفع أمامها غنائمها وأسلابها وأسراها.
والتحمت بين الجانبين معركة قاسية عنيفة، وكان الضباب يغطي ميدان المعركة، فلم يتمكن الإسبان من استعمال أسلحتهم، ولم يتمكنوا من رؤية أعدائهم. وقد أدخلت صيحات العرب الوحشية الفزع والهلع إلى قلوبهم، فاختل نظامهم وفقدوا الأمل في
النجاه. وأثناء ذلك، كانت أنباء الإغارة الوحشية قد وصلت إلى مدينة (وهران). فبادر حاكم المدينة إلى دفع قواته لنجدة المجاهدين. ووصل الجيش إلى ميدان المعركة المتسع عبر الفجاج العميقة والشعاب الجبلية. فارتفعت أصوات التهليل والتكبير من كل جانب. واستبشر
стр. 63
المجاهدون بهذه النجدة القوية، فتزايدت حماستهم، وانقضوا على المقدمة التي تضم الغنائم والأسرى - والتي يقودها خونة جيزة - فقضت عليهم قضاء مبرما، وفكت قيود الأسرى من رجال ونساء؛ واسترجعت كل الغنائم والأسلاب. فازداد بذلك رعب الإسبان وانهيارهم. وانهال عليهم المجاهدون في سبيل الله من كل جانب، يعملون في رقابهم السيف، فكادوا يقتلون عن آخرهم، لولا أن مناديا من أهل الأندلس - المدجنين - الذين خضعوا لإسبانيا وتنصروا، نادى المسلمين باللغة العربية: (أن إأسروهم ولا تقتلوهم، فإنكم ستكسبون مالا كثيرا عندما يبعث لكم أهلهم بفديتهم). وهكذا مال بعض المسلمين عن قتل الإسبان إلى أسرهم، فأسروا بعض المئات. وسقط من القوة الإسبانية ثلاثة آلاف قتيل.
وقد استطاع قائد الحملة الإسبانية النجاة بنفسه مع قوة صغيرة، بعد أن بذل جهدا كبيرا حتى وصل إلى المرسى الكبير، وأمضى بضعة أيام، توجه بعدها إلى إسبانيا لتقديم تقريره. وأرسلت الحكومة الإسبانية على أثر ذلك دعما عاجلا لحامية المرسى الكبير يضم خمسمائة محارب , وبذلك انتهت معركة (مسرغين) التي بدأت يوم ٦ حزيران (يونيو) ١٥٠٧ م.
أ - أعداء الداخل (في تنس) .
عرفت الإدارة الإسبانية أنه لا قبل لها بفرض سيطرتها عن طريق القوة الغاشمة وحدها، فأخذت في العمل لاستخدام الوسيلة (التكميلية) عن طريق استثمار التناقضات الداخلية، والاستعانة بأعداء الداخل من الخونة. وتم للإدارة الإسبانية ذلك عندما أمكن لها توطيد علاقاتها مع الأعراب المحيطين (بالمرسى الكبير) والذي أطلق
стр. 64
عليهم المسلمون اسم (المغطسين) (١).
وزاد الأمر سوءا عندما وصلت الخيانة إلى مستوى الحكم. فقد تولى عرش بني زيان (في سنة ٩٠٩ هـ = ١٥٠٣ م) السلطان (أبو زيان الثالث) الملقب (بالمسعود). لكن عمه (أبا حمو) ثار عليه، وأخذ منه العرش وسجنه، وهنا تدخلت الإدارة الإسبانية لاستثمار هذا الموقف. فدعمت (يحيى الثابتي) شقيق الملك المخلوع السجين (أبي زيان السعيد) ودفعته للثورة على عمه. وأمكن له احتلال (تنيس) بحراب الإسبانيين ودعمهم. وجهز (أبو حمو الثالث) جيشه لقتال ابن أخيه (بتنيس)؛ ودارت بين الطرفين معارك طاحنة، لم تحقق لأحدهما الظفر على الآخر، وبقي (أبو حمو) بتلمسان، و (يحيى الثابتي في تنيس).
ب - وهران بعد المرسى الكبير:
كان الكاردينال الإسباني (خمينيس) يتابع هذه الفترة تجهيز حملته الكبرى للقضاء على المسلمين في المغرب، وما أن أكمل استعداداته حتى أبحر من مرسى قرطاجنة الإسباني في يوم (١٦ أيار - مايو - ١٥٠٩) وهو يدفع قوة من (١٥) ألف مقاتل بقيادة (بطرس النافاري) ووصلت هذه الحملة إلى المرسى الكبير في اليوم التالي. ونزلت إلى البر دون أدنى عائق. وكان (حاكم المرسى الكبير) قد اتخذ كل الاستعدادات لمساعدة هذه الحملة، لا من أجل النزول في المرسى فحسب، وإنما أيضا من أجل بلوغ هدفها في (وهران) وذلك عندما تمكن من شراء ذمة قابض المكوس العام لمدينة وهران (اليهودي
стр. 65
اشطورا) (١) من أجل مساعدة قوات الحملة الإسبانية على احتلال مدينة (وهران).
واستعد المجاهدون في وهران للقاء قوات العدو، واصطدموا بهذه القوات في ظاهر المدينة غير أن تفوق الإسبانيين بالقوى أرغمهم على العودة إلى المدينة للإفادة من تحصيناتها. وبينما كان المسلمون على الأسوار، كانت القوات الإسبانية تتجمع أمام أحد الأبواب الذي لم يلبث الخونة أن فتحوه فتدفقت جموع المقاتلين كالسيل الجارف تجتاح كل من يعترضها. وانسحب المجاهدون من الأسوار والأبراج للدفاع عن منازلهم، فيما كانت بقية القوة الإسبانية تتدفق من كل أبواب المدينة. ودارت مذبحة رهيبة سقط فيها أكثر من أربعة آلاف مسلم ومسلمة.
وعلى الرغم من ذلك استمرت فلول المجاهدين في مقاومتها لمدة خمسة أيام (حول المسجد الأعظم في حي الفقيه). ولم تتوقف المقاومة حتى قضي على المجاهدين، وانطلقت القوات الإسبانية تقتل وتأسر وتستبيح وتنتهب وتنتهك المحرمات - على مشهد من الكاردينال خمينيس - وبمباركته. وزاد عدد الأسرى الذين استعبدهم الإسبان عن
стр. 66
ثمانية آلاف، ونهب رجال الحملة ما قدرت قيمته بـ (٤٨) مليون دينار جزائري اقتسمها الجنود. وكان نصيب الكاردينال الموقر من الغنيمة وفيرا، وقد اتجه على الفور لأداء واجبه المقدس، وذلك بتحويل مساجد وهران إلى كنائس، وجعل المسجد الأعظم كاتدرائية (وكتب لمدينة وهران بعد ذلك، أن تبقى تحت ربقة الاستعمار الإسباني حتى سنة ١٧٩٢).
وقد نتج عن انتصار الإسبانيين في وهران مجموعة من التحولات أبرزها:
١ - خضوع بني زيان للإسبانيين، واعتراف (أبو حمو الثالث) بتبعيته وخضوعه للحكم الإسباني وتقديم جزية سنوية مقدارها إثنا عشر ألف دوقة ذهبية (ما يعادل ٢٨٨ ألف دينار جزائري).
٢ - خضوع رجال قبائل (بني عامر) وغيرهم من الأعراب الواقعين ضمن دائرة وهران الإسبانية للحكم الإسباني، وأصبحوا له أعوانا وجنودا وعيونا.
ج - احتلال بجاية:
تقع بجاية على مجرى وادي الصومام الذي يجترق الجبائل القبائلية عند مدينة (أقبو) ونظرا لأهمية موقعها، وللمكانة الدينية التي كانت تحتلها فقد كانت الهدف التالي للكاردينال (خمينيس) الذي أمضى وقتا بالاستعداد لنقل ثقل الهجوم من اتجاه المغرب إلى اتجاه المشرق.
وبدأت عملية احتلال بجاية بمناورة خداعية، إذ ركب الجيش الإسباني السفن وغادر المرسى الكبير يوم ٣٠ تشرين الثاني (نوفمبر)
стр. 67
١٥٠٩. حتى إذا ما وصل إلى جزر (الباليئار) وصلته قوة دعم إضافية. ثم أقلع الأسطول الإسباني من جزر الباليئار بقوة (٢٠) سفينة كبيرة تحمل (١٠) آلاف مقاتل، مدعمة بالمدفعية الضخمة وآلات الحصار. ووصلت قوات هذه الحملة إلى مدينة بجاية يوم ٥ كانون الثاني (يناير) ١٥١٠. وبدأت المعركة على الفور بتبادل نيران المدفعية بين حامية بجاية والأسطول الإسباني. وتسلق المجاهدون مرتفعات جبال (التورايا). بهدف منع الإسبانيين من النزول إلى البر. غير أن مدفعية السفن البحرية المتفوهة ساعدت على إنزال القوات. وأسرع أهل بجاية بإخلاء المدينة من النساء والأطفال، وتم إرسالهم إلى (جيجل) فيما احتلت بقية القوات مواقعها في المدينة للدفاع عنها.
قسم قائد الحملة (بدرو نافرو) قواته إلى فرقتين: واجب الفرقة الأولى مجابهة قوة المجاهدين في جبال (التورايا)، وواجب الفرقة الثانية الانقضاض على (بجاية) واقتحامها. ودارت معارك دامية أسفرت عن انتصار الإسبانيين وإبادتهم لأكثر من أربعة آلاف مسلم. وتدميرهم للمدينة دمارا تاما تقريبا، والقضاء على كل المعالم العمرانية والدينية والأثرية في المدينة.
وأدى الانتصار المباشر للإسبانيين على حامية بجاية إلى تحقيق مجموعة من الانتصارات غير المباشرة والتي حصلت فيها إسبانيا على (غنائم) تزيد في حجمها وأهميتها على نتائج الانتصار المباشر، لا سيما وأن هذه الانتصارات غير المباشرة قد حدثت بدون صدام، وبدون إهراق قطرة دم واحدة، وكان من بين هذه الانتصارات - غير المباشرة -:
١ - خضوع السلطان الحفصي بتونس (أبو عبد الله عم المتوكل) للسلطات الإسبانية، وقبوله بدفع الجزية.
стр. 68
٢ - خضوع الجزائر التي أصبحت مطوقة من الشرق ومن الغرب (بجاية ووهران)، وتعهد حاكمها (الشيخ سالم بن التومي) بدفع الجزية، وموافقة أهلها على تسليم جزيرة (اسطفلة) المقابلة للجزائر من أجل إقامة قاعدة بحرية إسبانية.
د - أعداء الداخل للمرة الثانية:
أفاد (الملك عبد الله) ملك بجاية الشرعي المخلوع، والذي أصاب السجن بصره، من الفوضى والاضطراب اللذان رافقا اجتياح القوات الإسبانية لمدينة (بجاية) فهرب من سجنه بمساعدة بعض أنصاره الذين رافقوه إلى حيث تجمعت فئة من مؤيديه. ولم يلبث أن توجه بوفد من الأعراب لمقابلة القائد الإسباني (بيدرو النافاري). وقد عمل هذا على تقديم المساعدة الطبية (شق الأهداب) فعاد الملك عبد الله وقد أصبح قادرا على الرؤية. وأعلن الولاء لإسبانيا والخضوع لها والعمل تحت رايتها. وقرر (بيدرو) الإفادة من هذا الملك، فجهز له حملة انضم إليها بعض أنصار (الملك عبد الله). وسار بهم (بيدرو) يوم ١٣ نيسان (أبريل) مغادرا بجاية إلى حيث مقر (عبد الرحمن) ودارت معركة رهيبة قتل فيها عدد كبير من أنصار عبد الرحمن بمن فيهم زوجته وابنته، وغنم (بيدرو) غنائم كبيرة. وتمكن (عبد الرحمن) النجاة من المعركة ومعه عدد قليل من أنصاره. وكان (بيدرو) قد كتب إلى الملك (فرديناند) يستشيره في تعيين (الملك عبد الله) ملكا على بجاية. غير أن نجاة (عبد الرحمن) واستمراره في المقاومة حمل (بيدرو) على تعديل مخططه للإفادة من (الملكين معا) فتم الاتفاق بين (فرناندو) و (عبد الرحمن) ملك جبال البربر و (عبد الله) ملك بجاية على تقسيم مناطق النفوذ، وممارسة الحكم تحت الإشراف الإسباني. مع تقديم كل ما
стр. 69
تطلبه الإدارة الإسبانية من المساعدات (١).
وأصبح الملك الإسباني (فرديناندو) بعد هذا النصر، أكثر ثقة بالقدرة على تنفيذ مخططاته، فانطلق يعلن بوضوح عن أهدافه بضرورة تطوير الحرب الصليبية. ويؤكد عزمه على مطاردة الكفار (المسلمين) إلى أن ينتزع من بين أيديهم بيت المقدس. ثم أعلن بحماسة أنه سيتولى بنفسه قيادة جيش لفتح أفريقيا. وأن يضع يده في يد فرسان جزيرة رودس من أجل الإسيلاء على مصر.
غير أن الأمور لم تتوافق في مسيرتها مع ما طمع به (فرناندو). فقد انطلق الشعب في المغرب الإسلامي إلى تنظيم المقاومة. واستخدم الإسبان أبشع أنواع الإبادة. غير أن هذه الوحشية لم تقابل من المجاهدين في سبيل الله إلا بالمزيد من التصميم والعناد. وعلى سبيل المثال، فقد رفض (سكان زواوة) من رجال القبائل الأشداء الخضوع لسلطة الملك عبد الرحمن. وتنادوا بوجوب الجهاد ضد المحتل الغاصب، واعترفوا بإمارة الأمير أبي بكر الذي كان يجكم قسنطينة باسم الحفصيين. وأخذوا يوحدون صفوفهم. والتف حولهم المجاهدون من أهل التل ومن سكان الهضاب العليا , واتخذ الأمير أبو بكر مقرا لقيادته بلدة زيانية. وأخذ ينظم الإغارات باستمرار لإزعاج الإسبانيين الذين عملوا بالمقابل على توسيع (بقعة الزيت) باستيلائهم على (عنابة) سنة ١٥١٠. غير أن عملية التوسع اصطدمت بمقاومة طرابلس الضارية (والتي كانت تحت حكم الحفصيين). ولم تتم عملية احتلال (طرابلس) إلا بعد جهد كبير، والقضاء على المجاهدين.
стр. 70
وعندما حاول (بدرو نفارو) الاستيلاء على (جزيرة جربة) حدثت معارك ضارية أعجزت القوات الإسبانية، وتكررت هذه الظاهرة عند (قرفنة)، وبذلك وصل المد الإسباني نهايته.
ووجد أهل (مستغانم وتمزغران) أنه لم يعد باستطاعتهم البقاء في حالة عزلة بعد أن سيطرت القوات الإسبانية على الساحل بكامله، فقام قائد ومرابطي وشويخ مستغانم وتمزغران - مازغران - بعقد معاهدة صلح مع (فرنانديز دي قرطبة).
وفي خلال هذه الفترة حدث تطور في أقصى المغرب، فقد استطاع الأشراف السعديون إعادة تنظيم أمورهم (في سنة ٩١٦ هـ = ١٥٠٩ م) وتولى قيادتهم الشريف أبي عبد الله القائم وولديه أبي العباس أحمد الأعرج ومحمد المهدي. وأمكن لهم بذلك تحويل الموقف في أقصى المغرب الإسلامي، مما ترك أثره على مسيرة الأحداث التالية لذلك.
стр. 71
٥ - الجهاد في البحر والقرصنة .
عرف (ذي اللحى الشقراء) بأنهم قراصنة - ويتطلب ذلك في الواقع التوقف قليلا عند كلمة (القرصنة والقراصنة). فمن المعروف أن الصراع في البحر والإغارة على المدن الساحلية هو أمر قديم جدا، قدم ظهور البحرية ذاتها. فكانت الدول البحرية تمارس عملها بهدف النهب والسلب بالدرجة الأولى، نظرا لعدم الحاجة الكبرى للقدرة البشرية. وبقي البحر الأبيض المتوسط هو المسرح الأول للصراع بين الحضارات المختلفة بداية من المكدونيين والفينيقيين ونهاية بالرومانيين.
وعندما اقتحم العرب المسلمون هذا المجال، لم تكن بهم حاجة لممارسة القرصنة، إذ أنهم استطاعوا فرض سيطرتهم على البحر، لا ينازعهم فيه منازع. وكانت الهجمات البحرية على سواحل القسم الشمالي من البحر الأبيض المتوسط تهدف إلى تأمين الفتوحات الإسلامية، فكانت ملتحمة بمفهوم الجهاد في سبيل الله.
غير أن شعوبا أخرى اضطلعت بأعمال القرصنة، وأبرزها شعب النورمان - الفايكنج - (١) الذي أغارت قوة منه في عهد الأمير
стр. 72
الأموي عبد الرحمن بن الحكم على الأندلس بما وصفته المصادر الأندلسية كالتالي: (وفي أيامه ظهر المجوس الأرومانيين - النورمان - ودخلوا إشبيليا. فأرسل إليهم عبد الرحمن العساكر مع القواد من قرطبة، فنزل المجوس من مراكبهم، وقاتلهم المسلمون فهزموهم بعد مقام صعب. ثم جاءت العساكر مددا من قرطبة، فقاتلهم المجوس.
فهزمهم المسلمون وغنموا بعض مراكبهم وأحرقوها. ورحل المجوس إلى شذونة، فأقاموا عليها يومين، وغنموا بعض الشيء. ووصلت مراكب عبد الرحمن إلى إشبيلية، فأقلع المجوس إلى لبلة، وأغاروا وسبوا، ثم إلى باجة ثم إلى أشبونة، ثم انقطع خبرهم حين أقلعوا من أشبونة وسكنت البلاد وذلك سنة ٢٣٠ هـ = ٨٤٤ م (١).
تكررت العملية ذاتها في عهد الحكم المستنصر: (حيث ظهرت في سنة ٢٥٤ هـ = ٨٦٨ م مراكب المجوس في البحر الكبير - المحيط الأطلسي - وأفسدوا بسائط أشبونة، وناشبهم الناس القتال، فرجعوا إلى مراكبهم. وأخرج الحكم القواد لاحتراس السواحل، وأمر قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس بتعجيل حركة الأسطول. ثم وردت الأخبار بأن العساكر نالت منهم في كل جهة من السواحل).
وتطور مفهوم القرصنة عبر العصور إلى نوعين متمايزين، أولهما القرصنة القائمة على السلب والنهب (٢) والقرصنة التي تعتبر نوعا من
стр. 73
الحروب البحرية - الدفاعية - وهدفها ضرب اقتصاديات العدو (١) وقد شهدت الحروب الصليبية في المشرق النوعين معا. وكثيرا ما دعمت الدول (وبصورة خاصة إنكلترا) النوعين معا، حيث مضى البحارة الإنكليز - في عهد (الملكة إليزابيت) (٢) لممارسة كافة أنواع القرصنة. ويذكر أن السبب في ذلك يعود إلى ركود التجارة الإنكليزية، وإصابة الأسطول بحالة من العطالة، بالإضافة إلى وجود آلاف البحارة بدون عمل. في حين كانت السفن الإسبانية تسير مثقلة بالثروات والكنوز وهي تمخر عباب البحر.
وسرعان ما راجت أعمال القراصنة الإنكليز لا في البحر وحده، وإنما بالهجوم على المدن الساحلية الإسبانية - وبصورة خاصة على سواحل أمريكا الإسبانية، واشتهر بصورة خاصة القرصان (فرنسيس دريك) الذي قام بجولة حول العالم. وعندما عاد إلى إنكلترا محملا بالغنائم، طالب السفير الإسباني بمعاقبته، وكان رد الملكة إليزابيت أن قامت بزيارة دريك على سطح سفينته (الكلب الذهبي) ومنحته لقب فارس.
وارتبطت بعد ذلك أعمال القرصنة بتجارة الرقيق نتيجة تعاظم الحاجة للقدرة البشرية (بسبب اكتشا ف أمريكا). وهيمنت إسبانيا على القرصنة وتجارة الرقيق فلم تسمح لإنكلترا بإرسال أكثر من سفينة واحدة في العام إلى أمريكا، وعندما اندلعت حرب الوراثة الإسبانية
стр. 74
(١٧١٢ - ١٧١٤) انصرف هم إنكلترا إلى السيطرة على ما وراء البحار، وجردت فرنسا من ممتلكاتها، ودمرت ونهبت الأسطول الإسباني في مرات متتالية. وعندما انتهى الصراع بمعاهدة (أوتريخت - و - راستات) تضمنت المعاهدة فقرة خاصة (بمنح إنكلترا امتيازا لمدة ثلاثين سنة باحتكار تجارة الرقيق بين إسبانيا وأمريكا).
قد يكون من التجني على الملكة الإنكليزية (إليزابيت) اتهامها بأنها أول من شجع تجارة الرقيق ذلك أن هذه التجارة قديمة قدم التاريخ. غير أن مجالها كان محصورا في أفق الحروب، فللمنتصر المجد وأكاليل الغار وللمهزوم الذل والعبودية والرق. ومن هنا نشأت أسواق النخاسة.
وجاء الإسلام فلم يحرم الرق، وإنما أفسح المجال لإعتاق الأرقاء، ومنحهم حرياتهم ومساواتهم بالمعاملة. وكان الرسول ﷺ أول من سن القدوة فأعتق عبيده. وكان المسلمون في فتوحاتهم يتجنبون الحصول على الأرقاء، ويفادونهم، غير أن الحروب الصليبية، وما لقيه المسلمون فيها على كل الجبهات، دفعتهم إلى المعاملة بالمثل؛ (فكان عدد الأسرى الأرقاء من الفرنج في القاهرة - أيام الملك العادل - يزيد على عدد جيش الإفرنح في الشام).
وعندما انتهت الحروب الصليبية في الشرق، شهدت تجارة الرقيق نوعا من الجمود حتى بعثها من جديد ملوك الغرب الذين شجعوا استرقاق المسلمين، كوسيلة من جملة وسائل الحرب الصليبية الشاملة. ويذكر هنا ما أقدم عليه الملك (شارل الخامس) أو (شارلكان) الذي أقام جماعة أوروبية في جزيرة مالطا جلهم من الإفرنسيين المتعصبين للديانة المسيحية (وهم فرسان سان جاك الذين
стр. 75
عرفوا فيما بعد باسم فرسان مالطا. وكانوا من قبل في جزيرة رودس قبل أن يحتلها الأتراك سنة ١٥٢٢)؛ وكلفهم بمطاردة المسلمين أينما وجدوا في البر والبحر وبيعهم إلى الأوروبيين.
وفي الوقت ذاته، انطلقت البرتغال في تشجيع تجارة الرقيق. وبدأت منذ سنة ١٠١٣ م بشراء العبيد واقتناص الزنوج من افريقية المسلمة ونقلهم إلى المستعمرات الأوروبية في العالم الجديد، وإلى المستعمرات الإسبانية. وتقدم عدد من تجار الرقيق إلى الكاهن (خمينيس) للحصول على رخصة تحلل تجارة الرقيق، بحجة تعمير جزر الأنتيل التي أباد الاستعمار الإسباني سكانها الأصليين. غير أن الكنيسة عارضت اقتناص الأحرار ثم بيعهم عبيدا. ولكن تأثير الكنيسة بقي معدوما فيما يتعارض مع أمور الدنيا، فمضى المغامرون الأوروبيون في استثمار هذه التجارة الرابحة.
وفي سنة ١٥١٧، منح ملك الغرب (شارلكان) رخصة احتكار تجارة الرقيق إلى (بريزا) الذي نقل خلال فترة وجيزة أكثر من (٤) آلاف عبد افريقي إلى العالم الجديد, ودرت هذه التجارة ربحا خياليا سمع به عدد من التجار الأوروبيين الذين طلبوا من حكوماتهم رخصا مماثلة لمباشرة هذه الحرفة. وأدنت فرنسا في عهد لويس الثالث عشر (١٦٠١ - ١٦٤٣ م) بممارسة هذه التجارة. وتبعتها بقية الدول الأوروبية، فنشطت بذلك تجارة الرقيق التي أصبحت شرعية وشائعة لدى الدول الأوروبية، وهي منظمة بمراسيم حكومية وقوانين معروفة.
ونظرا لما كانت القرصنة تدره من أرباح، فقد حول التجار الأوروبيون كل من وقع في قبضتهم من سكان افريقية الزنجية أو