← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٥ - الجهاد في البحر والقرصنة . عرف (ذي اللحى الشقراء) بأنهم قراصنة - ويتطلب ذلك في الواقع التوقف قليلا عند كلمة (القرصنة والقراصنة). فمن المعروف أن الصراع في البحر والإغارة على المدن الساحلية هو أمر قديم جدا، قدم ظهور البحرية ذاتها. فكانت الدول البحرية تمارس عملها بهدف النهب والسلب بالدرجة الأولى، نظرا لعدم الحاجة الكبرى للقدرة البشرية. وبقي البحر الأبيض المتوسط هو المسرح الأول للصراع بين الحضارات المختلفة بداية من المكدونيين والفينيقيين ونهاية بالرومانيين. وعندما اقتحم العرب المسلمون هذا المجال، لم تكن بهم حاجة لممارسة القرصنة، إذ أنهم استطاعوا فرض سيطرتهم على البحر، لا ينازعهم فيه منازع. وكانت الهجمات البحرية على سواحل القسم الشمالي من البحر الأبيض المتوسط تهدف إلى تأمين الفتوحات الإسلامية، فكانت ملتحمة بمفهوم الجهاد في سبيل الله. غير أن شعوبا أخرى اضطلعت بأعمال القرصنة، وأبرزها شعب النورمان - الفايكنج - (١) الذي أغارت قوة منه في عهد الأمير

стр. 72

الأموي عبد الرحمن بن الحكم على الأندلس بما وصفته المصادر الأندلسية كالتالي: (وفي أيامه ظهر المجوس الأرومانيين - النورمان - ودخلوا إشبيليا. فأرسل إليهم عبد الرحمن العساكر مع القواد من قرطبة، فنزل المجوس من مراكبهم، وقاتلهم المسلمون فهزموهم بعد مقام صعب. ثم جاءت العساكر مددا من قرطبة، فقاتلهم المجوس. فهزمهم المسلمون وغنموا بعض مراكبهم وأحرقوها. ورحل المجوس إلى شذونة، فأقاموا عليها يومين، وغنموا بعض الشيء. ووصلت مراكب عبد الرحمن إلى إشبيلية، فأقلع المجوس إلى لبلة، وأغاروا وسبوا، ثم إلى باجة ثم إلى أشبونة، ثم انقطع خبرهم حين أقلعوا من أشبونة وسكنت البلاد وذلك سنة ٢٣٠ هـ = ٨٤٤ م (١). تكررت العملية ذاتها في عهد الحكم المستنصر: (حيث ظهرت في سنة ٢٥٤ هـ = ٨٦٨ م مراكب المجوس في البحر الكبير - المحيط الأطلسي - وأفسدوا بسائط أشبونة، وناشبهم الناس القتال، فرجعوا إلى مراكبهم. وأخرج الحكم القواد لاحتراس السواحل، وأمر قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس بتعجيل حركة الأسطول. ثم وردت الأخبار بأن العساكر نالت منهم في كل جهة من السواحل). وتطور مفهوم القرصنة عبر العصور إلى نوعين متمايزين، أولهما القرصنة القائمة على السلب والنهب (٢) والقرصنة التي تعتبر نوعا من

стр. 73

الحروب البحرية - الدفاعية - وهدفها ضرب اقتصاديات العدو (١) وقد شهدت الحروب الصليبية في المشرق النوعين معا. وكثيرا ما دعمت الدول (وبصورة خاصة إنكلترا) النوعين معا، حيث مضى البحارة الإنكليز - في عهد (الملكة إليزابيت) (٢) لممارسة كافة أنواع القرصنة. ويذكر أن السبب في ذلك يعود إلى ركود التجارة الإنكليزية، وإصابة الأسطول بحالة من العطالة، بالإضافة إلى وجود آلاف البحارة بدون عمل. في حين كانت السفن الإسبانية تسير مثقلة بالثروات والكنوز وهي تمخر عباب البحر. وسرعان ما راجت أعمال القراصنة الإنكليز لا في البحر وحده، وإنما بالهجوم على المدن الساحلية الإسبانية - وبصورة خاصة على سواحل أمريكا الإسبانية، واشتهر بصورة خاصة القرصان (فرنسيس دريك) الذي قام بجولة حول العالم. وعندما عاد إلى إنكلترا محملا بالغنائم، طالب السفير الإسباني بمعاقبته، وكان رد الملكة إليزابيت أن قامت بزيارة دريك على سطح سفينته (الكلب الذهبي) ومنحته لقب فارس. وارتبطت بعد ذلك أعمال القرصنة بتجارة الرقيق نتيجة تعاظم الحاجة للقدرة البشرية (بسبب اكتشا ف أمريكا). وهيمنت إسبانيا على القرصنة وتجارة الرقيق فلم تسمح لإنكلترا بإرسال أكثر من سفينة واحدة في العام إلى أمريكا، وعندما اندلعت حرب الوراثة الإسبانية

стр. 74

(١٧١٢ - ١٧١٤) انصرف هم إنكلترا إلى السيطرة على ما وراء البحار، وجردت فرنسا من ممتلكاتها، ودمرت ونهبت الأسطول الإسباني في مرات متتالية. وعندما انتهى الصراع بمعاهدة (أوتريخت - و - راستات) تضمنت المعاهدة فقرة خاصة (بمنح إنكلترا امتيازا لمدة ثلاثين سنة باحتكار تجارة الرقيق بين إسبانيا وأمريكا). قد يكون من التجني على الملكة الإنكليزية (إليزابيت) اتهامها بأنها أول من شجع تجارة الرقيق ذلك أن هذه التجارة قديمة قدم التاريخ. غير أن مجالها كان محصورا في أفق الحروب، فللمنتصر المجد وأكاليل الغار وللمهزوم الذل والعبودية والرق. ومن هنا نشأت أسواق النخاسة. وجاء الإسلام فلم يحرم الرق، وإنما أفسح المجال لإعتاق الأرقاء، ومنحهم حرياتهم ومساواتهم بالمعاملة. وكان الرسول ﷺ أول من سن القدوة فأعتق عبيده. وكان المسلمون في فتوحاتهم يتجنبون الحصول على الأرقاء، ويفادونهم، غير أن الحروب الصليبية، وما لقيه المسلمون فيها على كل الجبهات، دفعتهم إلى المعاملة بالمثل؛ (فكان عدد الأسرى الأرقاء من الفرنج في القاهرة - أيام الملك العادل - يزيد على عدد جيش الإفرنح في الشام). وعندما انتهت الحروب الصليبية في الشرق، شهدت تجارة الرقيق نوعا من الجمود حتى بعثها من جديد ملوك الغرب الذين شجعوا استرقاق المسلمين، كوسيلة من جملة وسائل الحرب الصليبية الشاملة. ويذكر هنا ما أقدم عليه الملك (شارل الخامس) أو (شارلكان) الذي أقام جماعة أوروبية في جزيرة مالطا جلهم من الإفرنسيين المتعصبين للديانة المسيحية (وهم فرسان سان جاك الذين

стр. 75

عرفوا فيما بعد باسم فرسان مالطا. وكانوا من قبل في جزيرة رودس قبل أن يحتلها الأتراك سنة ١٥٢٢)؛ وكلفهم بمطاردة المسلمين أينما وجدوا في البر والبحر وبيعهم إلى الأوروبيين. وفي الوقت ذاته، انطلقت البرتغال في تشجيع تجارة الرقيق. وبدأت منذ سنة ١٠١٣ م بشراء العبيد واقتناص الزنوج من افريقية المسلمة ونقلهم إلى المستعمرات الأوروبية في العالم الجديد، وإلى المستعمرات الإسبانية. وتقدم عدد من تجار الرقيق إلى الكاهن (خمينيس) للحصول على رخصة تحلل تجارة الرقيق، بحجة تعمير جزر الأنتيل التي أباد الاستعمار الإسباني سكانها الأصليين. غير أن الكنيسة عارضت اقتناص الأحرار ثم بيعهم عبيدا. ولكن تأثير الكنيسة بقي معدوما فيما يتعارض مع أمور الدنيا، فمضى المغامرون الأوروبيون في استثمار هذه التجارة الرابحة. وفي سنة ١٥١٧، منح ملك الغرب (شارلكان) رخصة احتكار تجارة الرقيق إلى (بريزا) الذي نقل خلال فترة وجيزة أكثر من (٤) آلاف عبد افريقي إلى العالم الجديد, ودرت هذه التجارة ربحا خياليا سمع به عدد من التجار الأوروبيين الذين طلبوا من حكوماتهم رخصا مماثلة لمباشرة هذه الحرفة. وأدنت فرنسا في عهد لويس الثالث عشر (١٦٠١ - ١٦٤٣ م) بممارسة هذه التجارة. وتبعتها بقية الدول الأوروبية، فنشطت بذلك تجارة الرقيق التي أصبحت شرعية وشائعة لدى الدول الأوروبية، وهي منظمة بمراسيم حكومية وقوانين معروفة. ونظرا لما كانت القرصنة تدره من أرباح، فقد حول التجار الأوروبيون كل من وقع في قبضتهم من سكان افريقية الزنجية أو

стр. 76

افريقية البيضاء إلى عبيد. وأدت هذه الحرفة إلى نقل ما يقرب من ثلاثين مليون افريقي إلى العالم الجديد، وتسخيرهم في الأعمال الشاقة. إذ على أكتاف الأفارقة قام التطور الإقتصادي لأمريكا الشمالية، وعمرت أمريكا الوسطى والجنوبية. وبالأسارى المسلمين، كانت تشق بعض السفن المسيحية عباب البحر. ويعترف الأب دان في مفاوضاته مع الباشا بأن عددا كبيرا من الأسارى الجزائريين مسجونين في فرنسا منهم (٦٨) تركيا في مرسيليا وحدها. ولم يكن المسلمون في المغرب الإسلامي بمعزل عما كانت تدره النخاسة على تجارة الأوروبيين. لذلك وجهوا اقتصاد مدينة الجزائر نحو تجارة الرقيق - والعبيد المسيحيين بصورة خاصة - إلا أن الجزائر لم تكن لها مستعمرات تصرف فيها هؤلاء العبيد، فاحتفظت بهم رهائن في البلاد حتى تبادلهم بالنقود مع حكوماتهم، أو حتى تبادلهم مع الأسرى الجزائريين الذين هم في قبضة المسيحين، كما حدث بين الجزائر وفرنسا سنة (١٦٩٢ م) حيث حررت الجزائر ثلاثين عبدا فرنسيا مقابل تحرير فرنسا ثمانية أتراك، وكما حدث بين الجزائر وإسبانيا سنة (١٧٧٠ م) وبين دول أوروبية أخرى. ثم أخذت تنتشر في أوروبا مع نهاية القرن الثامن عشر، فكرة تحرير العبيد وتحريم النخاسة، وذلك لأن الزراعة والصناعة في أوروبا ومستعمراتها بلغت في حينها مرحلة من التقدم التي لم تعد هناك معها حاجة للقدرة البشرية. وبالإضافة إلى ذلك فقد نشبت مخاوف من أن يؤدي تكاثر العبيد الأفارقة في العالم الجديد إلى تغلب العرق الأفريقي على العرق الأوروبي، مما قد يؤدي بالتالي إلى استيلاء الأفارقة على العالم الجديد وطرد الأوروبيين منه وضياع المستعمرات؛ وهي المناطق

стр. 77

الغنية التي وجدت فيها الدول الأوروبية مناخا ملائما لتفريغ شحناتها من (التفجر السكاني). وجمع الأموال الطائلة لبناء اقتصادها. وهكذا، ومنذ سنة (١٧٨٠ م) بدأ الصراع بين أنصار مبدأ جواز استغلال الإنسان للإنسان، وعلى رأسهم تجار الرقيق والإقطاعيين، وبين أصحاب فكرة حرية الإنسان، ومن هذا الصراع تغذت الثورة الإفرنسية التي رفعت شعار (حقوق الإنسان)، ثم أصدرت بريطانيا في سنة ١٧٨٤ (قانون حماية العبيد) (١) الذي حددت فيه مستقبل العبيد في العالم. فاشتد بذلك تخوف الشركات البريطانية ومن أهمها شركة (ليفربول) وشركة (بريستول) اللتان كانتا تجنيان أرباحا خيالية من النخاسة، إذ كان دخلهما السنوي لا يقل عن مليون وأربعمائة ألف جنيه إسترليني. وكان دخل الخزينة البريطانية السنوي من الرسوم على النخاسة يقرب من (٢٥٦) ألف جنيه إسترليني. وهكذا أخذت مصلحة الشركات والخزينة تتصارع مع فكرة تحريم تجارة الرقيق. وفي النهاية وافق مجلسي العموم واللوردات (في سنة ١٧٩٤) على مشروع يتضمن تحريم بيع العبيد من طرف البريطانيين وأتباعهم للأجانب. ثم استمرت المحاولات للوصول إلى تحريم عام، إلى أن جاءت سنة ١٨٠٨ حيث قرر البرلمان البريطاني في أول كانون الثاني (يناير) من السنة المذكورة، بداية التحريم النهائي والشامل للنخاسة. وشرعت قوانين العقوبات لمن يتعاطى هذه الحرفة ابتداء من سنة ١٨١١.كما طلب البرلمان الإنكليزي من ملك بريطانيا أن يشرع في إجراء اتصالات ومفاوضات بين بريطانيا

стр. 78

والدول العظمى لتعميم تحريم بيع الرقيق. وفي شهر أيار - مايو - من سنة ١٨١٤ بدأت هذه الاتصالات والمشاورات لتحريم تجارة الرقيق واحترام حقوق الإنسان المقدسة وقمع القرصنة وفرض عقوبات على الدول التي تتعاطاها. وفي ١٦ كانون الثاني - يناير - من سنة ١٨١٥، عقدت ثمانية دول عظمى هي بريطانيا وفرنسا والبرتغال وإسبانيا والنمسا والسويد وبروسيا والدانمرك مؤتمرا بباريس للنظر في هذه المشكلة. وانبثقت عن المؤتمر لجنة خاصة للعمل على إيقاف - النخاسة - إما عاجلا أو آجلا. وفرض عقوبات اقتصادية على الدول التي لا تحترم حقوق الإنسان. وبذلك بادرت كل من هولندا وإسبانيا والبرتغال إلى تحريم تجارة العبيد سنة ١٨١٠ م. ثم حرمت فرنسا النخاسة سنة ١٨١٩ م. أما الدانمرك فكانت سباقة إلى ذلك حيث قررت منذ سنة ٤ ١٧٩ م تحريم تجارة العبيد. وأمهلته سكانها من المزارعين في المستعمرات عشر سنوات لتهيئة أنفسهم إلى تطبيق القانون الذي بدأ العمل به في أول كانون الثاني - يناير - سنة ١٨٠٤. ثم تلتها السويد سنة ١٨١٣ م. وبعد مؤتمر تحريم النخاسة بعثت أوروبا قائدا من فرنسا وآخر من بريطانيا لإطلاع داي الجزائر على رغبة أوروبا في أن تتوقف الجزائر عن حرفة القرصنة، وأن توافق على قوانين تحرير العبيد وتحريم النخاسة. واستقبل داي الجزائر - وديوانه - هذين المبعوثين بسخرية، لأن القرصنة كانت المورد الرئيسي للإقتصاد الجزائري، ولأن الجزائر لم تدع إلى المشاركة في تلك المؤثمرات. وكانت مصالحها تتناقض تماما والمصالح الأوروبية، لذلك رفضت المعاهدة الأوروبية، وظلت

стр. 79

تمارس أعمال القرصنة إلى أن احتلت فرنسا الجزائر (١). يظهر من خلال ذلك. وكما كتب مؤرخ أجنبي: (بأن القرصنة لم تكن في غرب البحر المتوسط بالشيء الجديد، فمنذ قرون عديدة، كان المسلمون، وكان المسيحيون يقومون بأعمال القرصنة في البحر، ولا يحق لنا أن نغالط التاريخ. فإن القراصنة المسيحيين كان عددهم كبيرا جدا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر بهذا البحر المتوسط، ثم خفت وطأة القرصنة المسيحية بعد ذلك - بسبب نقل أفق عملها إلى المحيط الأطلسي بعد اكتشاف أمريكا - لكن القرصنة الإسلامية ازدادت ضراوة في الشمال الافريقي بعد إبعاد مسلمي إسبانيا واضطرارهم الالتجاء إلى هذا الشمال (٢)). الأمر الجدير بالملاحظة هو ذلك الإجماع - لدى المسلمين وأعدائهم - على أن القرصنة كانت بالنسبة للمسلمين نوعا من الجهاد في سبيل الله، مسرحه البحر. وقد شهد هذا الجهاد تطورا مع نهاية القرن الخامس عشر. ذلك أنه لما سقطت القسطنطينية في قبضة الأتراك العثمانيين (سنة ١٤٠٣) واشتد ساعد البحرية التركية في البحر الأبيض المتوسط، زاد نشاط المغامرين المسلمين في البحر، وكان سقوط غرناطة آخر القواعد الأندلسية في يد الإسبان (في سنة ١٤٩٢ م). مع ما تبع ذلك من اضطهاد الإسبان لبقايا الأمة الأندلسية المغلوبة إيذانا بتطور المغامرات البحرية، ونزول الأندلسيين والمغاربة

стр. 80

(الموريسكيين) المنفيين إلى ميدانها، واتخاذها صورة الجهاد والانتقام القومي والديني لما نزل بالأمة الأندلسية الشهيدة من ضروب العسف والإرهاق. وبدأت هذه الغارات البحرية على الشواطىء الإسبانية منذ أوائل القرن السادس عشر - عقب استيلاء الإسبان على غرناطة، وإكراههم المسلمين على التنصر؛ ففي ذلك الحين غادر الأندلس آلاف من المسلمين المجاهدين الذين آنفوا الذلة والاضطهاد. وعبروا البحر إلى عدوة المغرب، واستقروا في بعض القواعد الساحلية، مثل (وهران والجزائر وبجاية) ووهب الكثيرون منهم حياتهم للجهاد في سبيل الله والانتقام من أولئك الذين قضوا على وطنهم وظلموا أمتهم. وكان البحر يهييء لهم هذه القرصنة التي لم تهيئها الحرب البرية. وكانت شواطىء المغرب بطبيعتها الوعرة، وثغورها ومراسيها، وخلجانها الكثيرة التي تحميها الصخور العالية أصلح ملاذ لمشاريع أولئك البحارة المجاهدين والقراصنة المغيرين، وكانت مياه الجزائر وبجاية وتونس أفضل قواعدهم للرسو والإقلاع. وكانت غاراتهم على الشواطىء الإسبانية ولا سيما في المياه الجنوبية تتجدد بلا انقطاع، وتنجح في معظم الأحيان في تحقيق غاياتها، وكان حكام الثغور الغربية من تونس إلى وهران يشجعون هذه الإغارات، ويسمحون للمجاهدين بالرسو والتموين في ثغورهم. ولقد ظهر في هذا الوقت بالذات عنصر جديد أذكى موجة الغارات البحرية في هذه المياه: ذلك أن البحارة الأتراك أخذوا يندفعون نحو غرب البحر الأبيض المتوسط، وبرز منهم على الأخص الأخوان الشهيدان (عروج وخير الدين) المعروفان في الرواية الأوروبية (بارباروسا - أصحاب اللحى الشقراء).

стр. 81

إن الإسبان الذين قضوا على آخر معقل من معاقل المسلمين في الأندلس، سولت لهم أنفسهم أنهم باستيلائهم على المغرب الإسلامي سيتمكنون من إعادته إلى النصرانية كسابق عهده على ما يزعمون. في تلك الفترة، أنجز الأتراك العثمانيون أعظم انتصاراتهم على مسرح أوروبا ووصلت قواتهم إلى مصر. وكان من الصعب عليهم وهم يرفعون راية الإسلام، ويجاهدون لإعلائها، تجاهل تلك الأنات والزفرات التي أطلقها شهداء العدوان بالأندلس وفي المغرب الإسلامي. ومن هنا فقد جاء الدعم الإسلامي من قبل الأتراك العثمانيين بهدف دعم أبناء الغرب الإسلامي للتصدي لهذه الموجة الصليبية الجديدة. وكان الفضل في ذلك يعود للأخوين عروج وخير الدين. وقد لا يكون هناك ثمة مبالغة إذا قيل بأن المسلمين خاضوا ضد الصليبيين حربا لا هوادة فيها اشتملت هذه الحرب على معركتين حاسمتين: المعركة الأولى: كانت في المشرق العربي - الإسلامي - من مصر إلى العراق بقيادة صلاح الدين الأيوبي. المعركة الثانية: وكانت في المغرب العربي - الإسلامي - من تونس إلى أقصى المغرب بقيادة الأخوين عروج وخير الدين (أصحاب اللحى الشقراء) (١).

стр. 82

﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [سوره النساء - الآية ٧٥]. الفصل الثاني خير الدين (بربروسا) ١ - سنوات الصراع المرير (٩١٨ - ٩٢٤ هـ = ١٥١٢ - ١٠١٨ م). أ - من جيجل إلى الجزائر. ب - الصراع في تلمسان واستشهاد عروج. ٢ - خير الدين - على طريق الجهاد. أ - بناء الجزائر والجهاد في البحر. ب - خير الدين أميرا عاما للأسطول العثماني. ج - أعداء الداخل في غياب (خير الدين). د - شارلكان وغزو الجزائر. هـ - الصفحة الأخيرة في حياة (خير الدين). و- (خير الدين) وموقعه في فن الحرب.

стр. 83

ـ[صورة]ـ

стр. 84

١ - سنوات الصراع المرير (٩١٨ - ٩٢٤ هـ = ١٥١٢ - ١٥١٨م) لم يكن عروج وأخوه خير الدين، وهما في قاعدتهما في (حلق الوادي) بعيدين عن مسيرة الأحداث وتطوراتها وفي الوقت ذاته كانت أخبار غزوات الأخوين تتردد بقوة في وسط المجاهدين الذين قهرتهم القوة الاستعمارية الغاشمة، وتألب عليهم حكامهم من المتعاونين مع أعداء الدين. وقام المجاهدون في صياصي جبالهم بالاتصال مع الأخوين (ذوي اللحى الشقراء) طالبين إليهما التدخل والتعاون لنصرة الدين. وجاءت نكبة (بجاية) لتزيد من خطورة الموقف. فشكل العلماء والأعيان من أهل بجاية وفدا قابل عروج وناشده إنقاذ بجاية من قبضة العدو. وكذلك فعل ملك (قسنطينة) أبو بكر الحفصي، وجمع عروج وخير الدين رجالهما، وتشاوروا في الأمر، وقرروا المبادرة بتلبية النداء، واتفقا مع جماعات المجاهدين القريبين من بجاية وفي بلاد القبائل أنهما قادمان توا، وتم الاتفاق على موعد للإلتقاء عند أسوار (بجاية). وأخذت وفود المجاهدين في الوصول إلى قرب المدينة، ونزلت جماعات من القبائل المستوطنة في جبال زواوة، فتجمع حوالي ثلاثة

стр. 85

ـ[خريطة]ـ أهم المدن ببلاد الجزائر في مطلع القرن ١٦ (حسب ما جاء من ليون الافريقي)

стр. 86

آلاف مجاهد تولى قيادتهم (المجاهد الموفق). وفي الوقت ذاته غادر عروج وأخوه قاعدتهما في (حلق الوادي) ومعهما خمس سفن حربية تحمل السلاح والرجال والمدافع، فتم الوصول في الوقت المحدد, غير أن أسطولا إسبانيا (عمارة بحرية) مكونا من (١٥) سفينة كان قد وصل إلى بجاية حاملا معه الدعم لحاميتها. وظهر أنه من المحال على القوة الإسلامية الصغيرة مجابهة الأسطول المتفوق. فقام الأخوان (عروج وخير الدين) بتنفيذ مناورة خداعية، متظاهرين بالابتعاد بقوتهما عن بجاية، وانطلق الأسطول الإسباني للمطاردة، وعندما وجد (الأخوان) أن بعض قطع الأسطول قد أصبحت ضمن مجال مدفعيتهما، قاما بانقضاض مباغت، وجرت معركة قاسية نجح فيها عروج بالاستيلاء على سفينة إسبانية وأغرق أخرى فيما لاذت بقية قطع الأسطول بالفرار. وكان من رأي خير الدين محاصرة (بجاية) بحرا وترك المجاهدين لمحاصرتها برا حتى يضعف أمرها وتحين فرصة مناسبة للانقضاض. غير أن (عروج) صمم على النزول بقسم من قواته للقيام بهجوم فوري. وتم تنفيذ ذلك. فقاد (عروج) قوة من خمسين مجاهدا. ونزل بهم إلى البر، وتقدم مستطلعا أسوار المدينة وحصونها. فيما كان أفراد الحامية يتابعون من وراء الأسوار تحركهم من فوق الشرفات، وعند اقتراب (عروج) ووصوله إلى مدى الأسلحة الفردية (البنادق) انهالت عليه وعلى قوته النيران، وأصابت رصاصة ذراعه فكسرتها. وظهر أنه من المحال متابعة الهجوم، فاضطر (عروج) للرجوع إلى تونس فورا لمعالجة ذراعه، ولم يجد الأطباء يومئذ لها من علاج إلا بترها. لكن عروج لم يواصل طريقه إلى تونس مسالما، أو مستسلما للألم من كسر ذراعه، وإنما استمر في أداء واجبه، إذ أنه اصطدم وهو في طريقه الساحلي

стр. 87

بسفينة معادية تابعة لمدينة جنوه الإيطالية، فهاجمها وأسرها وغنم ما فيها، ثم رجع بها إلى تونس وضمها إلى قوة اسيطيله. ولم تكن هذه المعركة - أو هذا الاشتباك الأولي - معدوم القيمة أو الفائدة، فقد ظهر لرجال القبائل الجبليين شدة مراس هؤلاء المقاتلين البحارة من المسلمين، وما يتميزون به من الشجاعة والإقدام , فكان الاشتباك هو اختبار للثقة، وبداية للتعارف وتنسيق التعاون بين القوى المختلفة، وجاء فقد ذراع عروج) عربونا لهذه الثقة. وفي الوقت ذاته، كانت هذه العملية إنذارا للإسبانيين، الذين عرفوا أن تلاحم القوى في البر والبحر سيؤدي إلى تعاظم قوة المسلمين، فعملوا فورا على طلب المزيد من الدعم من إسبانيا، وغيروا بالمقابل سياستهم للفصل بين القوى البحرية (عروج وأخيه خير الدين) والقوى البرية (الوطنية والقومية في المغرب الإسلامي) وذلك باستمالة هذه الأخيرة وإغداق الأموال عليها وذلك أمكن لهم العثور على من يتعاقد معهم لتأمين الإمداد والتموين للحامية الإسبانية. وقد أفاد (عروج) من تجربته الاستطلاعية لمدينة (بجاية)، فعرف أنه من المحال محاصرتها وخوض حرب طويلة ضدها وهو في قاعدته البعيدة في (تونس). فقرر فتح (جيجل) التي تبعد مسافة (١٢٠) كيلومترا غربي بجاية، وتحريرها من قبضة الأعداء، واتخاذها قاعدة للعمليات المقبلة يتم فيها تجميع الوسائط وحشد القوى. وكانت مدينة جيجل خاضعة لحامية إيطالية (من جنوه) منذ سنة (١٢٦٠ م) وعندما قام (عروج) بهجومه الفاشل على (بجاية) أسرعت حامية (جيجل) فطلبت الدعم الذي تولى أمره المغامر

стр. 88

(أندريا - دوريا) والذي كان يعمل في حينها في خدمة فرنسا، فأسرع بقيادة أسطوله، ودخل (جيجل) واشتبك مع أهلها المسلمين في معركة وحشية، وأخرجهم منها , ودعم حاميتها الجنوية لتمارس دورها التجاري الذي كان لها من قبل. وعاد أهل (جيجل) المشردون فاستنجدوا (بعروج) وأعلنوا له استعدادهم لدعمه بكل ما يستطيعونه، وتم الاتفاق على موعد الهجوم، ومضى المجاهدون في استعداداتهم. وقاد (عروج) قوته البحرية ومعه إخوته، حتى إذا ما وصل (جيجل) بدأ هجومه على الفور، وتم إنزال القوات البحرية، وتأمين الاتصال مع مجموعات المجاهدين، من أهالي جيجل بصورة خاصة - وبعد معركة عنيفة وقاسية استطاع المسلمون اقتحام المدينة وإبادة حاميتها إبادة تامة. ورجع أهل البلدة إلى ديارهم، وشاركوا بقية المجاهدين في قسمة الغنائم الوفيرة التي كانت في المركز التجاري وذلك في سنة (١٥١٤ م). وتمكن عروج من تحقيق هدف مزدوج، فقد استطاع طرد أعداء الدين من بلدة إسلامية، وهي أول بلدة ينقذها على ساحل البلاد - التي أصبحت فيما بعد تدعى البلاد الجزائرية وحصل أيضا على قاعدة صلبة ومأمونة - برية بحرية - يمكن له الانطلاق منها لتطوير أعماله القتالية. وهكذا استقر عروج في جيجل تحيط به حماية أهلها الذين بادلوه إخلاصا بإخلاص ووفاء بوفاء. وكان لا يزال في حاجة لفترة من الراحة حتى تشفى جراح ذراعه المبتورة، وقد أفاد من فترة الهدوء هذه، فعمل على تطوير اتصالاته بمختلف الوفود الإسلامية التي أخذت في التوجه من كل المغرب الأوسط لتلقي عليه مسؤولية طرد أعداء الدين من بلاد المسلمين، ولتعاهده على تقديم ما تستطيعه من الدعم والمساعدة , وفي تلك الفترة، ارتفعت الاستغاثات من

стр. 89

الأندلس وهي تطلب الإنقاذ، نظرا لما كان يتعرض له أهلها المسلمون من العسف والجور - فتوجه (خير الدين) على رأس قوة البحرية، وما أمكن له جمعه من السفن ملبيا بالاتفاق مع أخيه أصوات الاستغاثة اليائسة حيث المستضعفون من الرجال والنساء والأطفال الذين نكث الإسبان بوعودهم تجاههم، وتنكروا للمواثيق المعقودة معهم، فأصبحوا يرغمونهم على اعتناق المسيحية تحت تهديد الإبادة. وكانت الاستغاثة تتردد بالآية الكريمة: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (١). وأنقذ خير الدين ما أمكن إنقاذه، نظرا لما كان يتعرض له من مضايقات الأسطول الإسباني، وانقض على جزائر الباليئار التي أصبحت تحت سيطرة الإسبانيين، واحتل (مينورقة) وأخذ أسرى من أهلها، ثم رجع إلى قاعدته في مدينة (جيجل). وفي أثناء فترة غيابه، كان أخوه (عروج) قد وطد مكانته في جهة جيجل والجبال المحيطة بها، حيث التفت حوله قبائل (كتامة) التي رأت فيه مثال الإنسان المسلم المؤمن، وأحبت صدقه وأخلاقه، فبايعته أميرا عليها، وعاهدته على دعمه والسير من ورائه إلى ميادين القتال والجهاد لإنقاذ المدن الإسلامية. وتمكن (عروج) بذلك من تكوين جيش منظم، أحسن تشكيله في مجموعة من الكتائب، ودربه على استخدام الأسلحة الحديثة والرمي بها. كما وعده الشيخ (أحمد بن القاضي -شيخ بلاد زواوة الغربية، أوكوكو) بالدعم والتأييد، وانطلق رجال الدين والعلماء وهم يحضون على الجهاد في سبيل الله، ولم تلبث الدعوة للجهاد حتى أصبحت عامة وشاملة.

стр. 90

وأكمل (عروج) استعداداته، وغادر قاعدته متوجها إلى (بجاية) في شهر آب (أغسطس) من سنة ١٥١٤ وهو يقود جيشا من المجاهدين يضم عشرين ألف مجاهد. ووصل (بجاية) فأحكم الحصار حولها. واشتبك مع حاميتها في معارك قاسية. وكان يتابع في الوقت ذاته دراسة التنظيم الدفاعي للمدينة في محاولة لتحديد نقاط الضعف التي تساعد على اختراق التحصينات والأسوار. واستمرت عملية الحصار طوال ثلاثة أشهر وأدرك (عروج) بعدها صعوبة اقتحام المدينة في هذه الجولة، فقرر الانسحاب ورفع الحصار. وعاد إلى (جيجل) لقضاء فصل الشتاء فيها وكمال الاستعدادات. تحرك (عروج) في ربيع سنة ١٥١٥ لتنفيذ محاولته الثالثة من أجل تحرير بجاية، وقد اعتمد في محاولته هذه على إجراء حصار بري -بحري، فقاد قواته في البر، ووجه اسيطيله بحرا للمشاركة في العملية، حيث اقتحمت السفن مصب نهر الصومام الذي كانت مياهه غزيرة خلال ذلك الفصل من السنة مما ساعد بإحكام الحصار على المدينة. وركز (عروج) نيران مدفعيته على معقل (الحصن الصغير). واستمر في قصفه بقوة وعنف حتى تم له تدميره، والقضاء على معظم حاميته. وحاولت قوات المجاهدين اقتحام المدينة عبر انقاض القصر الصغير، غير أنها اصطدمت بالمواقع المحصنة ومراكز الدفاع القوية التي وقفت خلفها الحامية الإسبانية وهي تدافع بعناد وضراوة، وفشلت المحاولة للهجوم من ناحية البحر. وعندها وجه (عروج نيران مدفعيته إلى القصر الكبير، وأخذ يقصفه بتركيز كبير. وتقدمت قوات المجاهدين نحو القصر الكبير، واستخدمت المتفجرات والألغام

стр. 91

من أجل تدمير الخندق المحيط به وتدمير أسواره. وأمر (عروج) ببناء برج مرتفع فوق التل الذي يهيمن على (بجاية) حتى يراقب سير المعركة. وعمل على رفع المدافع إلى التل من أجل ضرب الأسوار بالرمي المباشر. وقرر مهاجمة المدينة هجوما عاما من كل الجهات. ووقعت معارك دموية استشهد فيها عدد كبير من المجاهدين، وقتل عدد من الإسبانيين أيضا. وقد تركز الهجوم الإسلامي على خمس نقاط حتى لا يترك للإسبانين فرصة التجمع في مكان واحد. وكانت أعمال القصف والتدمير قد استنزفت كمية البارود التي أعدها (عروج) للمعركة. فأرسل في طلب البارود من (السلطان الحفصي بتونس محمد بن الحسن) غير أن هذا السلطان امتنع عن تقديم ما طلبه (عروج) وتجاهله، فوجد هذا نفسه مضطرا لإيقاف الاشتباكات بعد أن نفذت الذخائر. وكانت مياه وادي الصومام قد تناقصت حتى لم يعد باستطاعة السفن الملاحة فيه، كما لم يعد باستطاعة هذه السفن العودة للبحر نظرا لأن الإسبانين كانوا قد حشدوا أسطولا قويا وقف يتربص خروج السفن من النهر إلى البحر. فأمر (عروج) بإحراق السفن، بعد أن استخدم قسما منها لعبور القوات. وخسرت قوات عروج ثلاثة أرباع قوتها، كما قتل في المعركة (محمد الياس) الأخ الأكبر لعروج وخير الدين، والذي كان قد نذر نفسه للعلم وحفظ القرآن والتفقه في أمور الدين إلى جانب مشاركته في الجهاد. واصطحب عروج أثناء انسحابه ستمائة أمير من المقاتلين الإسبان. وكان (عروج) قد أرسل للسلطان (سليم) عند استيلائه على (جيجل) هدية رمزية مما حصل عليه من الغنائم، وأرفق الهدية برسالة شرحت للسلطان العثماني ما يتعرض له - وأخوه خير الدين - من

стр. 92

الصعوبات في جهادهما المرير لإنقاذ المسلمين من براثن الصليبية الإسبانية. وما يقدمه أبناء المغرب الإسلامي من الجهد والتضحيات ضد أعداء الدين، وما يحتاجونه من الدعم والمساعدة. فتقبل السلطان (سليم) الهدية، ورد عليها بإرسال (١٤) سفينة محملة بالرجال الأشداء المقاتلين مع كميات جيدة من الأسلحة والذخائر والتجهيزات، ووصل هذا الدعم عند عودة (عروج) إلى قاعدته في (جيجل) فسا عدت على رفع الروح المعنوية للمجاهدين. وزادتهم تصميما على إجراء محاولة جديدة ضد (بجاية). فتم حشد السفن والمدافع الضخمة والمواد التموينية والأسلحة والذخائر التي تكفي لحملة طويلة الأمد. وعندما كان (عروج) في سبيله للتحرك نحو (بجاية) للمرة الرابعة وصل إلى (جيجل) وفد من مدينة (جزائر بني مزغنة) وقابل (عروج) وشرح له ما يلقاه المجاهدون بمدينة (بولكين بن زيري) من عنت وإرهاق. وأكدوا إخلاص شيخها (سالم التومي) واستعداده للتعاون مع (الأتراك العثمانيين). أ - من جيجل إلى الجزائر . طلب (أهل الجزائر) إلى (عروج) إنقاذ مدينتهم من الخطر الإسباني الذي كان يتهددهم باستمرار من الحامية الإسبانية التي نزلت بحصن الصخرة - البنيون - وهو الحصن الذي حصل عليه الإسبان في سنة (١٥١٠ م) بالاتفاق مع ممثلي الجزائر. وعكف الأخوان (عروج وخير الدين) على دراسة الموقف فتبين لهم أن باستطاعة الحامية الإسبانية توجيه مدفعيتها من جزيرتها - البنيون - لتدمير الجزائر في كل وقت، ونتيجة لذلك فإن باستطاعتهم احتلال الجزائر متى شاؤوا , وأن احتلال الإسبان لهذه المدينة التاريخية الهامة،

стр. 93

إلى جالب احتلالهم لمدينة (بجاية) وتحويلها إلى قاعدة صلبة، سيضمن للإسبان تفوقا كبيرا، لا سيما وأن قواعدهم في وهران والمرسى الكبير ستتعزز إذا ما أمكن لهم احتلال مدينة الجزائر ذاتها وتحويلها إلى قاعدة حصينة, هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن سيطرة القوات التركية العثمانية على الجزائر سيساعد القوات الإسلامية على دعم مقاومة البلاد المجاورة في بجاية ووهران، ويضمن للأسطول الإسلامي حرية العمل من قاعدة إضافية. وهكذا قرر (عروج) الاستجابة لطلب أهل الجزائر (بني مزغنة) وصمم على السير إليها برا بما يتوافر له من القوات وتوجيه الأسطول في الوقت ذاته بقيادة أخيه (خير الدين). وغادر (عروج) قاعدته (جيجل) على رأس قوة تضم ثمانمائة من الأتراك، وثلاثة آلاف من مجاهدي الجبال القبائلية، بيىنما أبحر (خير الدين) ومعه (١٨) سفينة كبيرة، و (٣) سفن مسلحة، (تحمل (٢٥٠٠) من مجاهدي المشرق الإسلامي). ووصلت القوات إلى (الجزائر) فاستقبلها أهل الجزائر استقبال الفاتحين. وسار (عروج) فورا إلى مدينة (شرشال) وطرد الإسانيين منها، ورجع إلى مدينة الجزائر. حيث اجتمع زعماؤها وأصحاب الرأي فيها وقرروا أن يسندوا إليه واجب (أمير الجهاد). وكان ذلك من أبرز أحداث الجزائر في سنة (٩٢٢ هـ = ١٥١٦ م). شعر (الأمير سالم التومي - حاكم البلدة السابق) أن الأمر قد أفلت من يده، وأن عشيرته من (بني سالم) لم تعد هي القوة الأساسية، وأخذ في البحث عن الوسيلة التي تضمن له ولعشيرته استعادة ما كان لهما من نفوذ، وشعر (عروج) بأن اتصالات (سالم التومي) تثير الشكوك، وقد تؤثر على عملياته في الوقت الذي وضع فيه مدافعه في مواجهة (صخرة البنيون) وأخذ في قصف الحامية الإسبانية فيها.

стр. 94

فأصدر أمره بقتل (سالم التومي) (١). وعزز مكانته باتخاذ مجموعة من الإجراءات مثل نشر سلطانه بعد أمد وجيز على كامل السهول المحيطة بمدينة الجزائر، ورفع راياته فوق أسوار المدينة والقلاع المحيطة بها، (وكانت ألوان العلم الأخضر والأصفر والأحمر). كما بادر بسك النقود التي تحمل شعاره والتي كتب عليها (ضرب في الجزائر). أما (يحيى بن سالم التومي) فقد مضى إلى وهران بعد مقتل أبيه، يستنجد بالإسبان، ويبين لهم خطر استقرار الأتراك بمدينة الجزائر، ويستعديهم عليهم بكل سرعة حتى يعيدون إليه مشيخة أبيه على مدينة الجزائر. ولم يكن الإسبان في حاجة لمثل هذه الاستثارة، فقد أدركوا للوهلة الأولى أن استقرار عروج بمدينة الجزائر وبيعة أهلها له (أميرا على الجهاد) سيهدد كل مشاريعهم بالانهيار، وسيقضي على المخططات الصليبية في التوسع عبر أقاليم المغرب الإسلامي.

стр. 95

وبالإضافة إلى ذلك، فإن تعاظم قوة (عروج وأخيه خير الدين) ستدمر تلك العلاقات التي جهدت إسبانيا في إقامتها مع الفئات المتعاونة معها، وهو أخطر ما كان يتهددها فقررت تنسيق الجهد مع عملائها للقيام بهجوم مباغت على الجزائر، تشترك فيه فيالق عسكرية جديدة بالإضافة إلى حامية (حصن الصخرة - البنيون) وقوات سلطان تنس، وقوات الحاقدين على (عروج وأخيه) من أمثال (يحيى بن سالم التومي) وأنصاره، وبالإضافة أيضا إلى جموع الأعراب من (بني سالم) والذين كانوا ينتشرون حول الجزائر والذين كانوا ينتظرون الفرصة المناسبة - وفقا لتقدير السلطات الإسبانية - من أجل الانقضاض على المدينة لتدمير النظام الجديد الذي أقامه (الأخوان ذوي اللحى الشقراء) والفوز بشيء من غنائمه وأسلابه. أعد الكاردينال (خمينيس) حملة جديدة ضد الجزائر، وأشرف على تجهيزها. وعين لقيادتها قائدا من أبرز القادة الأكفاء هو (دياقودي فيرا) , وأبحرت هذه الحملة في أواخر شهر أيلول - سبتمبر - (١٥١٦ م) من الموانىء الأندلسية وهي تضم (٣٥) سفينة تحمل قوة من ثمانية آلاف مقاتل مع متطلباتها من المدفعية والذخائر، واختارت لنزولها السهل الذي يقع عليه اليوم (ربض - باب الواد) حيث كان يصب وادي المغاسل في البحر. وكان (عروج) وقادة المجاهدين معه من أبناء الجزائر يتابعون الموقف، فوضعوا مخطط عملياتهم كالتالي: أولا: السماح للقوات الإسبانية بالإنزال مع عدم تقديم مقاومة كبيرة. ثانيا: ترك معظم القوى الإسلامية في حصون المدينة ووراء أسوارها، وعدم زجها إلا في الوقت المناسب.

стр. 96

ثالثا: استنزاف القوة الإسبانية بعمليات خاصة - إغارات وكمائن - وذلك عند انتشار هذه القوة حول المدينة، ثم زج كتلة القوات الرئيسية بعد إضعاف القوة الإسبانية وتدمير روحها المعنوية. ومقابل ذلك وضع قائد القوة الإسبانية مخططه كالتالي: أولا: إنزال القوات والأسلحة إلى المنطقة الساحلية، وإقامة معسكر لها في المرحلة الأولى. ثانيا: تسلق المرتفعات المحيطة بالجزائر، فيما يلي الأسوار، واحتلال موقع القصبة، والإشراف منه على المدينة، وقصفها بالمدافع. ثالثا: إنتظار الجيش الذي سيقود. (سلطان تنس) ومهاجمة المدينة بقوة. في الوقت الذي يكون فيه عملاء الإسبان قد اضطلعوا بتنفيذ المؤامرة لضرب الجيش الإسلامي من الداخل. أخذ كل من الجانبين في تنفيذ مخططه بدقة وعناية. فدارت المعركة بسرعة مذهلة، ولم تستمر أكثر من أيام قليلة، وتم التنفيذ على النحو التالي: نزل الجيش الإسباني إلى السهل بدقة ونظام محكمين في يوم ٣٠ أيلول - سبتمبر - ١٥١٦. وأخذ في تسلق المرتفعات المؤدية إلى حي القصبة خلف المدينة طوال يومي ١ و٢ من تشرين (الأول - أكتوبر. وانطلقت زمر المجاهدين التي تركها (عروج) حول تلك المرتفعات خارج الأسرار، فأخذت في الاشتباك مع الإسبانيين، وتوجيه الضربات إليهم بصورة مباغتة وسريعة من كل الاتجاهات، والانسحاب قبل أن يتخذ هؤلاء إجراءات مضادة، ووقفت القوات الإسبانية أمام مأزق حرج وهي تتحرك بين الأسوار الحصينة من جهة

стр. 97

وبين زمر المجاهدين المنتشرين في كل مكان من جهة أخرى. وأصيبت القوات الإسبانية بأول خيبة أمل عندما طال انتظارها لوصول (جيش تنس) بدون أن تظهر ولو بادرة واحدة تشير إلى احتمال ظهور هذا الجيش وأصيبت القوات الإسبانية بخيبة أمل ثانية عندما لم يقم عملاؤها بحركة تمرد داخل الجزائر تفتح لهم أبواب المدينة فيقتحمونها بحد أدنى من الجهد. وزاد حجم الضربات الموجعة التي كان يوجهها المجاهدون، ولم يبق أمام قائد القوات الإسبانية إلا الانسحاب في اتجاه الساحل للتوقف في السهل تحت حماية مدفعية الأسطول القوية. وكان هذا التحرك هو ما ينتظره (عروج) إذ ما كادت القوات الإسبانية تقوم بتراجعها حتى فتحت الجزائر أبوابها، وأطلقت مجاهديها دفعة واحدة حتى لم يبق فيها رجل يستطيع حمل السلاح إلا وانطلق إلى ميدان المعركة وكانت قوات المجاهدين المسلمين تتكون من: ١ - الأتراك أصحاب عروج، وهم فئة قليلة، انحصر واجب أفرادها بقيادة القوات والتقدم أمامها. ٢ - رجال الأندلس المهاجرين، والذين قال عنهم الملك الإسباني (فيليب الثاني) (١) لسفر فرنسا في بلاطه (فوكفولس)، , (يوجد في مدينة الجزائر خمسة عشر ألفا ممن يحسنون استخدام الأسلحة النارية من بينهم عشرة آلاف من العرب المسلمين الذين أخرجوا من

стр. 98

إسبانيا في السنوات الأخيرة، وهم من خيرة الجنود). ٣ - المقاتلون من سكان المدينة ذاتها، والذين كان الإسبان يعتقدون بأنهم سيكونون عونا لهم في هذه المعركة. تدفقت قوات المسلمين وهي تندفع كالسيل لتجتاح في طريقها قوات العدوان الصليبي وهي تردد صيحة الحرب (الله أكبر) ورددت جبال الجزائر أصداء المعركة. فأقبلت جموع المجاهدين لترفد المعركة بالمزيد من القدرة والشدة. وعم الرعب والفزع في صفوف القوات الإسبانية التي فقدت قيادتها السيطرة عليها. فهيمن الاضطراب على كل تحركاتها. ولم يبق هناك من مجال أمامها إلا العودة للسفن، في حين كانت قوات المجاهدين تسد على هذه القوات كل المنافذ وتعمل فيها قتلا وأسرا. وزاد من محنة القوات الإسبانية هبوب عاصفة هوجاء حطمت على صخور (باب الواد) نصف قوة الأسطول الإسباني، وبات من الصعب على فلول القوات الوصول في وسط هذا الهياج إلى السفن التي كان يضرب بعضها بعضا، وقد ازدحمت لإنقاذ ما يمكن لها إنقاذه. وتركت فلول القوات الإسبانية، كامل متاعها وجميع تجهيزاتها ووسائطها بالإضافة إلى ثلاثة آلاف قتيل وثمانماثة أسير. دعم هذا النصر العظيم من ثقة المجاهدين بقدراتهم وإمكاناتهم، ورفعت من روحهم المعنوية التي أحبطتها الانتصارات الإسبانية السابقة، فأقبل سكان سهل متيجة (متوجة) وهم يعلنون ولاءهم المطلق وتأييدهم للنظام الذي شرع (عروج) بإقامته على أرض الجزائر وانضمت لإمارة الجزائر مدن: (البليدة ومليانة

стр. 99

والمدية) وما يحيط بها من القرى (الدوارات) كما اعترفت به وأقرت بسيادته بلاد الجبال (القبائلية). وأصبحت إمارة الجزائر تمتلك الهيبة والقدرة. كان (خير الدين) وأسطوله في قاعدة (جيجل) عندما حدثت المعركة الظافرة، وعندما بلغه انتصار المجاهدين قاد أسطوله المكون من عشر سفن، وأرسى به في مدينة الجزائر على الرغم من وجود الحامية الإسبانية في قلعة الصخرة. وكان عروج وخير الدين يعرفان أن الإسبان لن يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه ما نزل بهم من هزيمة، وأنهم لن يتخلوا عن احتلالهم للجزائر بسهولة، فبادر عروج وخير الدين لتحصين مدينة الجزائر وتنظيم الدفاع عنها. وأسرع أبناء الجزائر لبناء الأسوار الضخمة والقلاع الحصينة بسواعدهم القوية تدفعهم حماسة لا حدود لها وإيمان لا يوصف. قرر عروج استثمار النصر للقضاء على النظام العميل الذي أقامه الإسبان في (تنس) وعينوا لإدارته (يحيى بن سالم التومي -الزياني) ووعدوه بتوسيع إمارته لتشمل (تلمسان) بعد انتصارهم على سلطنتها التي آلت إلى (حميد العبيد - من بني مهل). وقد اتخذ (عروج) قراره هذا بعد أن ولغ (يحيى بن سالم التومي) في دماء المسلمين. وبعد أن شجع الإسبان على غزو الجزائر وواعدهم على تقديم الدعم - ولو أنه لم يفعل - وعلى هذا، قاد (عروج) قواته برا حيث غادر الجزائر في شهر حزيران (يونيو) سنة ١٥١٧ ومعه ألف تركي وكتائب من المجاهدين الأندلسيين. وفي الوقت ذاته تولى (خير الدين) قيادة القوة البحرية. كان سلطان (تنس) يحيى بن سالم التومي. قد تلقى دعما إسبانيا يتكون من خمسمائة مقاتل بالإضافة إلى اسيطيل يضم أربعة سفن،

стр. 100

وعندما علم بتحرك عروج وأخيه خير الدين قاد ما لديه من القوة إلى (واد الجر) على بعد خمسة مراحل من (البليدة). وكان من المقدر له أن يخسر المعركة مسبقا إذ تخلى عنه معظم المسلمين في (تنس). وهكذا فما أن وصل (عروج) وقواته حتى دارت على الفور معركة قصيرة وحاسمة انتهت بهزيمة قوات (السلطان التومي) وتمزقها شر ممزق، ودخل جيش الجزائر الظافر مدينة (تنس) وركب الإسبان سفنهم وغادروا المدينة على عجل، وقتل السلطان التومي. وانصرف بعد ذلك (عروج) لإعادة تنظيم الإقليم، فقسمه إلى قسمين إداريين: مقاطعة شرقية يتولى إدارتها خير الدين ومركزها الإداري مدينة (دلس). ومقاطعة غربية يتولى إدارتها عروج بنفسه ومركزها الإداري مدينة (الجزائر العاصمة) وغادر خير الدين مدينة تنس بعد الفتح، وذهب إلى دلس فافتتحها بدون مقاومة تذكر، وانصرف لإدارة أمورها. ولم يكد (عروج) ينهي تنظيم أمور البلاد تنظيما أوليا حتى وفد عليه أهل (تلمسان) يستنجدون به لإنقاذهم مما نزل بهم على أيدي سلطانهم الزياني (أبو حمو الثالث) الذي زاد عسفه باعتماده على الإسبانيين الذين أعادوا تنصيبه على (عرش تلمسان) وأعانوه ضد الملك الشرعي (أبي زيان) الذي تم إيداعه السجن بعد انتصار (أبو حمو الثالث). وتبع ذلك صراعات مريرة واغتيالات كثيرة مزقت شعب المدينة الواحد، وأسلمته إلى حالة رهيبة من الفوضى والاضطراب. وضع الأخوان ذوي اللحى الشقراء (عروج وخير الدين) هدفا لهما وهو تحرير المغرب الأوسط (الجزائر) من الإسبانيين الصليبيين. وكان هذا الهدف يتطلب بالضرورة طرد القوات الإسبانية من

стр. 101

القاعدتين الأساسيتين وهما بجاية (شرقي مدينة الجزائر) ووهران والمرسى الكبير، غربيها. ولقد أبرزت مسيرة الأحداث أن المنطقة الغربية هي الأكثر خطورة، إذ أن مصدر التهديد هنا لم يعد ممثلا بالقوات الإسبانية وحدها. وإنما أضيف إليه خطر (الزيانيين) الذين ربطوا سلطتهم وقوتهم بالاحتلال الإسباني، هذا بالإضافة أيضا إلى الخطر المتعاظم للبرتغاليين والذي لم تنجح مملكة (بني وطاس المرينية) من وضع حد له أو إيقافه. وهكذا جاءت استغاثة أهل (تلمسان) متوافقة مع ما كان يطمح الأخوان (ذوي اللحى الشقراء) لتحقيقه , فمضى (عروج) في إعداد العدة لنجدة (أبي زيان) المقيم سجينا في تلمسان، ولدعم شيعته وأنصاره في صراعهم ضد القوات الإسبانية. ب - الصراع في تلمسان واستشهاد عروج . ما إن أتم (عروج) استعداداته حتى اندفع بجرأة في اتجاه (تلمسان) وهو يقود قواته عبر الهضاب الداخلية بهدف تجنب الاصطدام بالحاميات الإسبانية المنتشرة على محيط (وهران). وعندما وصل إلى (هوارة) قلعة (بني راشد) اتخذ منها قاعدة لحماية خطوط مواصلاته، نظرا لما كان يتوافر لها من الميزات الدفاعية، ونظرا لموقعها المناسب حيث كانت تبعد مسافة (٢٥) كيلو مترا عن (معسكر) وتبعد عن (مستغانم) نحوا من (٥٥) كيلو مترا. ووضع في القلعة حامية تضم ستمائة مقاتل. وكلفهم بتنفيذ عمليات صغرى لإزعاج الإسبانيين في (وهران) وحرمانهم من حرية العمل أو التحرك. ثم مضى بالجيش الجزائري حتى وصل (سهل أربال) حيث كان (أبوحمو الثالث) قد أقام معسكره هناك ونظم قواته التي ضمت ثلاثة آلاف راجل - من المشاة -

стр. 102

وستة آلاف فارس. غير أن هذه القوة على ضخامة حجمها لم تصمد لصدمة جيش الجزائر الذي يقوده (عروج) فتمزق بسرعة، ومضى (عروج) لمتابعة تقدمه بسرعة مذهلة حتى وصل (تلمسان)، التي استقبلت قوات الجزائر بالفرحة العارمة. وخرج (أبو زيان الثالث المسعود) وتولى سلطانه، غير أن الفتن ما لبثت أن عادت للظهور بين أطراف الزيانين ذاتهم، هؤلاء المؤيدين لأبي زيان وأولئك أنصار (أبو حمو) وبينهما أنصار الإسبانيين وعملاءهم. وتعاظمت الفتنة إلى درجة حملت (أبو زيان) على إعلان تمرده على (عروج) الأمر الذي أرغم هذا على العودة إلى تلمسان وقتل سلطانها وجماعة من قرابته وأنصاره بالإضافة إلى قادة الفتنة وزعماء المشاغبين. وفي تلك الفترة، كان (أبو حمو) قد جمع بعضا من فلول قواته الممزقة، ومضى بها إلى مدينة (فاس) غير أنه لم يستقر بها طويلا، فمضى إلى مدينة (وهران) حيث وضع نفسه تحت حماية حاكمها العام الإسباني، مستمدا منه العون والدعم حتى يستعيد ملكه وسلطانه. كان ملك إسبانيا الجديد (شارل الخامس - أو شارلكان) يتابع تطورات الموقف في المغرب الإسلامي. فأرسل إلى الحاكم العام في (وهران) يأمره باستخدام كل إمكاناته لانتزاع تلمسان من قبضة المسلمين الجزائريين وإعادة (أبو حمو - أو أبو قلمون كما كانوا يسمونه) إلى حكم إمارته (تلمسان) ودعمه بالاعتدة وبقوة مقاتلة بلغ عدد أفرادها عشرة آلاف مقاتل. خرج (أبو حمو) من (وهران) في أواخر شهر كانون الثاني - يناير - ١٥١٨، ومعه جموع من الأعراب بالإضافة إلى فرقة من الجيش الإسباني، وتمكنت هذه القوة من مباغتة قلعة (بني راشد) بهجوم

стр. 103

قوي لم تصمد له حامية القلعة، على الرغم مما أظهرته من المقاومة الضارية، فاضطرت إلى الانسحاب بعد أن تم الاتفاق مع (أبي حمو) على السماح لبقية القوات بالخروج سالمة للتوجه نحو تلمسان. غير أن قوات (أبي حمو) غدرت بالوعد ونصبت كمينا دمرت بواسطته بقية أفراد الحامية التي كانت تدافع عن القلعة. تابع (أبو حمو) تقدمه نحو تلمسان، وفي هذا الوقت تم إنزال قوة إسبانية أخرى زج بها حاكم وهران، وأنزلها في بلدة (رشقرن) الساحلية لدعم الهجوم البري. وسارت هذه القوق بسرعة نحو تلمسان على الطريق الساحلي حيث التقت مع قوات (أبي حمو) على أبواب تلمسان، وضرب حصار قوي ومحكم على المدينة. تولى الدفاع عن (تلمسان) (القائد عروج) ومعه حاميته الجزائرية - التركية. ووقعت معارك قاسية في ظروف غير متكافئة، وعلى الرغم من التفوق الساحق للإسبانيين وعميلهم (أبو حمو) فقد نجح عروج وحاميته في قيادة وخوض حرب دفاعية يائسة استمرت لمدة ستة أشهر كاملة نجح الإسبانيون بعدها في تدمير أسوار المدينة بالقصف المدفعي المستمر، وأمكن لهم بالتالي اقتحام المدينة، ولم تستسلم الحامية، فانتقلت لخوض الصراع في الأسواق والمنازل، وانسحب بعدها عروج وبقية قواته إلى (قلعة المشور) وأعادوا تحصينها وتنظيم الدفاع عنها والتمركز فيها بانتظار وصول دعم من قبل ملك فاس الوطاسي المريني الذي كان قد اتفق مع عروج على دعمه , وقد أرسل الملك المريني جيشا لدعم عروج ومساعدته على تطوير الدفاع عن تلمسان ضد الإسبانيين وأنصارهم. لكن ذلك الجيش اتبع طريق (مليلة) في تحركه، وهو طريق طويل، فلم يتمكن من الوصول إلى

стр. 104

ميدان المعركة في الوقت المناسب، واضطر إلى العودة بدون أن يشترك فعليا بالقتال. وشددت القوات الإسبانية قبضة الحصار على (قلعة المشور) وتكبدت الحامية خسائر فادحة حتى لم يبق مع (عروج) أكثر من خمسمائة تركي. غير أن إرادة القتال لم تضعف لدى هؤلاء المجاهدين الذين صمموا على متابعة المعركة حتى نهايتها. وجاءت هذه النهاية سريعا، فقد تقدمت جماعة من المسلمين إلى (عروج) في صبيحة يوم عيد الفطر تستأذنه في السماح لها بممارسة عادتها في إقامة صلاة العيد بمسجد (المشور)، ووافق (عروج) على ذلك، وما إن دخلت هذه الجماعة إلى الحصن، حتى انتضت سيوفها وأخرجت أسلحتها التي كانت تخفيها في طيات الثياب. وانقضت على الحامية التركية التي بوغتت بهذه الهجمة. فسقط عدد من أفراد الحامية، وتمكن البقية من استعادة سيطرتهم على أنفسهم بسرعة، فأعادوا تنظيم دفاعهم، وانقضوا على هؤلاء الغادرين، ونجحوا في القذف بهم إلى خارج الأسوار، وأعادوا تنظيم أمورهم، غير أن الخسائر الفادحة التي تكبدتها الحامية أقنعت عروج بضرورة الخروج من هذا المأزق. فقرر شق طريقه عبر القوات القائمة على الحصار، والوصول إلى الساحل حيث تتوافر له فرصة أفضل لجمع الأنصار وتنظيمهم، ريثما يتمكن أخوه (خير الدين) من إرسال قوة دعم بحرية تحمل دعما جديدا لقواته. ونظم (عروج) قوته وانطلق بها من (قلعة المشور) حيث اتجه نحو الغرب عبر الممرات الضيقة المؤدية إلى الساحل، وعندما وصل إلى (جبال بني سناسن) أحاطت به قوة إسبانية تضم خمسين فارسا

стр. 105

بقيادة (غارسيادي لابلازا) ودارت مذبحة ضارية في ظروف غير متكافئة. ودافع (عروج) عن نفسه بثبات وعناد لا يمكن وصفهما -مستخدما في ذلك يده الوحيدة - حتى لم يبق معه أكثر من عشرة رجال سلكوا مسلكه، وأظهروا مثل ثباته وعناده بعد أن تحصنوا بجدران (زاوية سيدي موسى). وعندما أبيد هؤلاء الرجال العشرة، وقف (عروج) وجها لوجه أمام خصمه (غارسيا) واستمرت المبارزة بينهما حتى سقط الاثنان بضربتين قاتلتين متبادلتين. استشهد (عروج) كأفضل ما يكون عليه الاستشهاد، ومضى إلى حيث سبقه أخواه من قبله، وأدى واجبه في الدفاع عن الإسلام والمسلمين حتى آخر نقطة من دمه (١) غير أن حجم الكارثة كان أكبر من كل تصور، فمضى الإسبان في فرحتهم، وخيم الحزن والأسى على مدينة الجزائر. وكانت الصدمة قوية بصورة خاصة بالنسبة (لخير الدين الذي عرف حياة الجهاد من خلال أخيه، غير أن شعور أهل الجزائر بالصدمة لم يكن أقل من شعور خير الدين، ذلك أنهم وضعوا آمال مستقبلهم على عاتق (عروج) كما شعروا معه بحلاوة النصر على أعداء الدين. وعرفوا قبل ذلك وبعده أهمية الدور الذي يمكن للمغرب الأوسط (الجزائر) الاضطلاع به في قيادة الجهاد في سبيل الله ..

стр. 106

٢ - خير الدين على طريق الجهاد ترددت أصداء كارثة (تلمسان) بقوة في ضمائر أبناء الجزائر الأحرار، واجتمع المسؤولون فيها من الشيوخ والزعماء - أهل الحل والعقد - لمناقشة الموقف بعد استشهاد (عروج) وقرروا أن يسندوا إلى (خير الدين) واجب (إمارة الجهاد) بعد أخيه، وألحوا عليه في ذلك، لكنه اعتذر عن قبول الإمارة، وأعرض عنها، وأبلغ المسؤولين في الجزائر أنه يعتزم السفر إلى عاصمة الخلافة (استانبول) على أمل الحصول على أسطول جديد يساعده على متابعة الجهاد في سبيل الله في البحر, وأجابه علماء الجزائر: بأن الله يوجب عليه الجهاد في هذه المدينة - الجزائر - لحماية المسلمين، وأن الدين لا يسمح له بتركها نهبا للمفترسين، فأجابهم عندئذ بقوله: (لقد بقيت منفردا دون أخوتي - الذين استشهدوا جميعا فوق أرض الجزائر - وقد رأيتم ما فعله بنا صاحب تلمسان من بني زيان، واستعانته علينا بغير ملتنا حتى كفانا الله أمره. وصاحب تونس الحفصي الذي لا يرى ضرورة نصرتنا وإعانتنا والذي أسلمنا للعدو بمنع البارود عنا - أثناء حملة بجاية - لولا لطف الله. فالرأي هو أن نصل

стр. 107

أيدينا بالقوة الإسلامية - وهو السلطان سليم خان - ونعتمد عليه في حماية هذه المدينة، ولا يكون ذلك إلا ببيعته والدخول في طاعته، والدعاء له في الخطب على المنابر، وضرب السكة - النقود - باسمه، لنتفيأ ظل حمايته. فاستكانوا لذلك ورضوا به، وأعلنوا بالدعاء له على المنابر. وكتبوا بذلك للحضرة السلطانية، وبعثوا له من السكة باسمه في الجزائر). قرر الجزائريون بذلك أن تكون دولتهم الفتية جزءا من الإمبراطورية العثمانية الضخمة، ووافق خير الدين على البقاء مؤقتا رئيسا لهذه الدولة، حتى يتخذ السلطان العثماني قراره فيما عرضه عليه أهل الجزائر. ويمدهم بما طلبوه من دعم عن طريق الوفد الجزائري الذي ارتحل إلى القاهرة، حيث كان السلطان سليم مقيما لتنظيم البلاد. وقابل الوفد الذي كان يرأسه الحاج حسين السلطان سليم. وأجابهم على سؤلهم، وأعلمهم بموافقته على أن يشمل دولة الجزائر برعايته. وأن تكون مشتركة مع الدولة العثمانية في الجهاد ضد المسيحية. وأضفى على خير الدين لقب (باي لرباي) أي (باي البايات) باعتباره الرئيس الأعلى لكل البايات الذين يتولون، أو سوف يتولون الحكم في بلاد الشمال الأفريقي. وخول السلطان دولة (باي لرباي) حق سك النقود باسمها، وذلك دلالة الاستقلال ضمن الإمبراطورية العثمانية. عمل السلطان سليم بعد ذلك مباشرة على إرسال دعم ال الجزائر يتكون من قوة بحرية محملة بأربعة آلاف مقاتل من المتطوعين الأتراك وكميات ضخمة من الأسلحة والذخائر والتجهيزات الحربية. ووصلت هذه الإمدادات إلى مدينة الجزائر حيث تم إنزالها على ساحل

стр. 108

(باب الواد). وبدأت القوات الجزائرية استعدادها لمجابهة الأعمال العدوانية المتوقعة. كان حكم إسبانيا قد انتهى (منذ سنة ١٥١٦) إلى الملك شارل الخامس (شارلكان) الذي وضع هدفه الأول بالقضاء على الدولة الجزائرية الفتية، وإزالة ما تمثله من تهديد، وتوطيد الحكم الإسباني في المغرب العربي - الإسلامي. وقد توافرت المعلومات عن قرب احتمال إرسال قوة إسبانية جديدة للجزائر، فزادت أهلها حماسة للقتال واستعدادا للحرب. وانصرف (خير الدين) لتنظيم أمور الدولة الجديدة في المغرب الأوسط (الجزائر) وحشد القدرات والإمكانات كلها من أجل تأمين متطلبات الحرب التي باتت وشيكة بعد أن استثارت عملية انضمام الجزائر للإمبراطورية العثمانية حماسة أوروبا كلها وحماسة إسبانيا المتعصبة منها بصورة خاصة لتطوير الحرب الصليبية. اغتنم شارلكان فرصة استشهاد (عروج) وما أحدثه ذلك من هزة عميقة في النفوس - بعد انتصار الإسبانيين في (تلمسان) فاتفق مع (أبي حمو - ملك تلمسان) على أن يشترك الطرفان في توجيه الضربة الحاسمة للجزائر، وذلك بأن تقوم القوات الإسبانية بإنزال بحري في الوقت الذي تتقدم فيه قوات ملك تلمسان برا. وضمت الحملة الإسبانية في هذه المرة قوة ضخمة تتكون من أربعين سفينة تحمل على متنها. خمسة آلاف من المقاتلين الإسبانيين والأوروبيين، ووضعت الحملة تحت قيادة نائب ملك الصقليين (هوغو دي منكاد) يعاونه في قيادة الحملة (غونزالفو - مارينو - دي ريبيرا). وأبحر الأسطول من جزيرة صقليا في أواخر تموز - يوليو - سنة ١٥١٩، وتوجه إلى (المرسى

стр. 109

الكبير) وأخذ منها جندا وعتادا. ثم سار في اتجاه بجاية، حيث انضمت إليه قوة ضخمة حملت معها المزيد من الأسلحة والأعتدة، وفي النهاية وصلت الحملة إلى مياه الجزائر يوم ١٧ آب - أغطس -. وبدأت عملية الإنزال على امتداد الساحل الواقع إلى اليسار من وادي الحراش. وقد وضع (خير الدين) مخططه للمعركة على أساس التجربة السابقة التي حالفها النجاح، فقرر إفساح الفرصة أمام القوات الإسبانية لإنزال قواتها وتجهيزاتها إلى أرض الشاطىء ثم العمل على استنزاف قدرتها القتالية وروحها المعنوية بمجموعة من العمليات الخاصة (الإغارات والكمائن) والانقضاض بعد ذلك على القوات الإسبانية في معركة حاسمة في الوقت المناسب والمكان المناسب. وهكذا تمكن الإسبانيون من إنزال أسلحتهم ووسائطهم وقواتهم دونما عناء كبير، وأقاموا قاعدتهم خلف (وادي الحراش) وبدأت الاشتباكات بين الطرفين المتصارعين، ثم ما لبث الجيش الإسباني أن أبدأ التحرك بكتلته الرئيسية في اتجاه المرتفعات المحيطة بمدينة الجزائر حتى وصل إلى (كدية الصابون) المشرفة على المدينة - من ورائها - وأخذت القوات الإسبانية على الفور ببناء قلعة حصينة فوق تلك الكدية أطلقوا عليها اسم (قلعة الإمبراطور) - وهي التي هدمت ورممت مرارا. وكان لها شأن عظيم في تاريخ الجزائر، ولا تزال موجودة حتى اليوم - وجهزوها بالمدافع الثقيلة، ووضعوا الجزائر فعلا تحت تهديد مدافعهم. وكانت القوات الإسبانية وهي تشيد معقلها، تنتظر قدوم جيش تلمسان الذي كان من المفروض أن يتولى قيادته (الملك عبد الله

стр. 110

الثاني). وانتظرت القوات الإسبانية طوال ستنة أيام بدون أن يظهر ما يشير إلى احتمال تقدم هذا الجيش، وتمت عملية بناء المعقل، فيما كانت الاشتباكات المستمرة تستنزف قدرة القوات الإسبانية وتضعف من روحهم المعنوية، وإذ ذاك قرر القائد الإسباني القيام بهجوم عام على مدينة الجزائر. وقرر (خير الدين) تكوين قوة من خمسائة مجاهد واجبها الإغارة على المعسكر الإسباني (المجاور لوادي الحراش) والذي لم يترك الإسبانيون لحراسته إلا قوات قليلة. ومن ثم الإغارة على السفن وتدمير ما يمكن تدميره منها. وتوجهت هذه القوة - المنتقاة من خيرة المجاهدين - فأبادت حرس المعسكر وأشعلت النار في القوارب التي تصل الأسطول بالبر، وأخذت هذه القوة بتهديد السفن الواقفة في عرض البحر. كان القائد الإسباني يتابع من موقعه في (كدية الصابون) تطور هذه العملية التي تبددت خط المواصلات البحري للقوات الإسبانية. ونجحت العملية الخداعية التي خطط لها خير الدين، إذ توجهت قوة كبيرة من الإسبانيين نحو البحر في محاولة لإنقاذ القوارب والسفن. وانقسمت القوة الإسبانية بذلك إلى قسمين. ففتح المجاهدون أبواب الجزائر بصورة مباغتة، وانطلقت حشودهم كالسيل الجارف وهم يدمرون القوات الإسبانية ويحتاجونها من كل اتجاه. وهيمن الاضطراب على القوات العادية، وفقدت قيادتها السيطرة وباتت معزولة وعاجزة عن إدارة المعركة. فيما كان المجاهدون يدمرون بسيوفهم ونيران بنادقهم كل من يصادفهم، وأصبحت القوات الإسبانية ممزقة على شكل جزر مقارمة في وسط محيط المجاهدين
следующие страницы →