← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الزوايا، فعمل على تدعيم الوجود الكنسي في هذا البلد العربي المسلم. ورفع درجة أسقف مدينة الجزائر إلى مستوى الأبرشية، وأمر بتأسيس أبرشيتين في كل من قسنطينة ووهران. وكشفت اقتراحات نابوليون الثالث - حول التركيز الاستعماري، حقيقة نواياه ومشاريعه التوسعية - الاستعمارية. حيث خصص معظم مناطق التل للجاليات الأوروبية، والتوطن الاستعماري في المقاطعات الثلاثة. وذلك يعني تحطيم المجتمع الجزائري وطرده من أراضيه الخصبة إلى قسم الجبال الجرداء والصحراء القاحلة. وحتى عندما اقترح تخصيص مائة مليون فرنك للتطوير الاقتصادي بالجزائر، وزعها توزيعا لا يخدم سوى مصالح الجالية الأوروبية فقط ومشاريعها الاقتصادية، ولم يخصص أي مبلغ لصالح الجزائريين. وبالإضافة إلى هذا طالب بالاقتصاد في النفقات، وعدم الاهتمام بالأمور الفنية لأن البلد في نظره، حديث، والغرض، إنجاز الأعمال بكيفية أكثر بساطة تؤدي إلى (تركيز الاستعمار). وبعد أن أكد على ضرورة تدعيم فرق رجال المخزن على أطراف إقليم التل، لتخفيف الأعباء على الجيش الإفرنسي فيما يخص الحراسة والمراقبة، وتقوية فرق (الزمالات والصبايحية) والاختيار المناسب لرؤساء المكاتب العربية من رجال المخابرات واقترح - نابليون الثالث - اعتبار الجزائريين فرنسيين، تطبيقا للقوانين والتشريعات الإفرنسية السابقة التي تعتبر الجزائر أرضا إفرنسية مكملة للتراب الإفرنسي منذ سنة ١٨٤٨. ولكي يرغب الجزائريين في حمل الجنسية الإفرنسية، نص اقتراحه على السماح لهم بالاحتفاظ بدينهم الإسلامي، إلا من يرغب في غير ذلك بعد أن يطلب إليه الاختيار، هذا إلى جانب فتح أبواب الوظائف العمومية لهم، على أساس خدمة

стр. 842

المدني في الجزائر والعسكري في سائر أنحاء الإمبراطورية (١). أقامت الإدارة الإفرنسية في الجزائر، منذ الأيام الأولى للاستعمار، مكتبا خاصا أطلق عليه اسم (المكتب العربي) بمهمة تأمين الاتصال بالجزائريين. وقد أطلق على هذا الاسم اعتبارا من سنة ١٨٣٧ (مصلحة الشؤون العربية) وكانت هذه المصلحة تعمل تحت إشراف الضباط الإفرنسيين. وفي نهاية شباط - فبراير - ١٨٤٤ صدر قرار بإنشاء وظيفة (مدير الشؤون العربية) لإدارة المصلحة السابقة تحت إشراف الحاكم الأعلى في كل دائرة وناحية وبذلك برزت (المكاتب العربية) التي حدد واجبها بتنظيم شرطة العرب، وجباية الغرامات والضرائب، ومساعدة الرؤساء الجزائريين الخاضعين لفرنسا، ومراقبة السكان من الناحية السياسية. وعلى هذا الأساس اعتبر الإفرنسيون نظام المكاتب العربية ورؤساء الأهالي مهما لهم (يؤدي خدمة جليلة ومفيدة). وقد توسمت سلطات هذه المكاتب العربية بالتدريج وقوي نفوذها حتى أصبح ديوان المكتب العربي هو المركز الحقيقي للسلطة بالجزائر، وصارت تمارس مسؤوليات الحراسة والمراقبة، والتوجيه السياسي والديني والمالي والعسكري والإداري. كما صارت إدارة مستقلة حتى عن الجيش، ويخضع لها تسعة أعشار البلاد. واعتمد ضباطها في إدارتهم على الزعماء الوطنيين. ولكن ذلك لم يمنع الأوروبيين من التمتع بحقوق وامتيازات سياسية متعاظمة اعبارا من سنة ١٨٤٨. كما لم يمنعهم ذلك من تنظيم معارضة شديدة ضدها ومناصبتها العداء طوال عهد الإمبراطورية، مع محاولة القضاء

стр. 843

عليها باعتبارها تمثل في نظرهم حاجزا ضد تسلطهم على البلاد سياسيا وإداريا، واعتبروها دعامة للسلطة العسكرية التي يعارضون وجودها باستمرار - منذ سنة ١٨٤٨ - . ودفع ذلك السلطة الإفرنسية إلى إصدار تعليماتها في ٢١ أذار - مارس - ١٨٦٧ والتي نصت على إشراف الحكام العسكريين للمقاطعات والنواحي، على توقيع الأوامر والتعليمات، وعلى حصر عمل المكاتب العربية في إدارة بشؤون الأهالي وجعل ضباطها (مجرد ضباط إتصال بين السلطتين المدنية والعسكرية). لقد كان الجدل بين المدنيين والعسكريين من دهاقنة الاستعمار مركزا في الواقع على أفضل السبل لتأمين (النهب الاستعماري) بأفضل الوسائل وأكثرها سهولة. والشواهد على ذلك غير محدودة، ومن ذلك على سبيل المثال: (تحتاج الجزائر إلى سيف الأباء حتى تتوافر فيها السعادة. والحكومة العسكرية هي التي تستطيع ممارسة الحكم بدون أن تصاب (بالارتعاش). وهي التي يمكن لها تذليل العقبات أمام المعمرين غير المدربين والمعزولين في كل مكان) وكذلك ما قيل: (من أنه بعد ثمانية وثلاثين عاما من الاحتلال العسكري لا زالت فرنسا أجنبية عن هذا الشعب، مثل اليوم الذي وصلت فيه إلى الجزائر. وهذا ما يفرض دعم الحكم العسكري حتى لا تضيع الجزائر، وحتى لا تفقد فرنسا الطاقات العسكرية التي تستفيدها منها) ولم تتورع المجلة العسكرية الإفرنسية من دعم هذا الاتجاه فجاء في أحد أبحاثها ما يلي: (إن القوة وسيطرة الجيش هما الوسيلة الوحيدة للمحافظة على الأمن، وكسب ود الأهالي، وجلبهم إلى الحضارة الأوروبية) (١) هذا في حين حاولت بعض المصادر الإفرنسية معالجة

стр. 844

الموقف من أرضية واقعية - ولمصلحة فرنسا أيضا - فكتبت ما يلي: (وجد الأهالي - الجزائريون - أنفسهم، وهم مرغمين على البقاء تحت أشواك المسيحيين واليهود لأنهم لم يبق فيهم أي غني بورجوازي، وحولت مساجدهم إلى كنائس، واضطر الكثيرون منهم إلى الهجرة نحو المغرب وتونس. أما ما بقي لأهالي الجزائر من الأعمال، فهي: السخرة والإغارات والضرائب والجفاف والسلب والنهب والربا وكروب الجوع والثورات، ونطلب منهم بعد ذلك كله أن يبقوا أصدقاء لنا في حالة الحروب) (١). لقد وضح للجزائريين من خلال الصراع الدائر بين مراكز القوى الاستعمارية، أن شعب الجزائر ومشكلاته لم تكن تعني بالنسبة للإستعماريين شيئا. وأن كل اهتمام هؤلاء موجه لتجنيس الجزائريين وصهرهم في بوتقة المجتمع الإفرنسي، بعد إعادة تشكيلهم، سواء كان ذلك بصورة بطيئة أو مستعجلة وكان لا بد لذلك من أن يثير كوامن الغضب في أعماق نفوس المسلمين المؤمنين. ج - المسألة اليهودية وقانون كريميو: استقبل اليهود في الجزائر جحافل الغزو الاستعماري الإفرنسي بالفرحة والابتهاج (سنة ١٨٣٠) حتى أنهم (ركعوا على ركبهم لتقبيل أقدام ضباط وجنود الحملة وأيدتهم) وأصبحوا بعد ذلك وسيلة الإفرنسيين للسيطرة على البلاد. ووثقوا روابطهم بهم، وبدأ البعض منهم في الحصول على الجنسية الإفرنسية بصورة شخصية. حتى إذا ما أقبل العام ١٨٤٣، تم وضع أول مشروع لتحقيق تجنيس جماعي

стр. 845

لهم. واتضح بعد ذلك أن من مصلحة فرنسا ربط يهود الجزائر بها وتحويلهم إلى فرنسيين. واقترح المجلس العام لمدينة قسنطينة عام ١٨٥٨ تجنيسهم بصورة جماعية، ووجه يهود الجزائر عام ١٨٦٤ مذكرة إلى مجلس السيناتوس كونسولت بفرنسا في الموضوع ذاته حتى يحصلوا على حق الإنتخاب والعضوية في المجالس العامة. ولم يطل الأمر كثيرا، ففي ١٤ تموز - يوليو - ١٨٦٥ صدر قرار من المجلس نص على منح الجنسية الإفرنسية لليهود والمسلمين معا بصورة شخصية مع إحتفاظهم بأحوالهم الشخصية (حيث نصت المادة الثانية من قرار التجنيس على أن الأهالي اليهود يصبحون فرنسيين مع احتفاظهم بالشخصية الموسوية. ولهم الحق في العمل بالجيش والوظائف العامة بالجزائر). واكتسب اليهود بعض الحقوق المدنية. وأخذت المجالس العامة بالجزائر، تطالب كل سنة إبتداء من هذا التاريخ بتحقيق الجنسية الجماعية لهم. وقد حمل المحامي (كريميو) (١) على عاتقه

стр. 846

تحقيق هذا الهدف منذ عهد ملكية لويس فيليب، ووثق صلاته بيهود الجزائر خلال عهد الإمبراطورية. وقام بحوالي سبع عشرة رحلة إلى الجزائر للاتصال بزعمائهم والاتفاق معهم على الإطار الذي يتم فيه مشروع التجنيس. واستمر في بذل الجهد وتذليل الصعوبات، حتى إذا ما أتيحت له الفرصة في حكومة تور وبعد سقوط نابليون الثالث، استغل الظروف الصعبة التي تمر بها فرنسا آنذاك لتحقيق ما دعاه (أكبر حلم في حياته) فأصدر قانون ٢٤ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٧٠ الذي يقضي: ((بتجنيس اليهود في الجزائر بصورة جماعية وإجبارية) ونزع اليهود عنهم ثيابهم القديمة - العربية - ولبسوا لباس الأوروبيين، بعد أن تطبعوا بأخلاقهم وعاداتهم. اختلفت ردود الفعل تجاه (قانون كريميو) حتى بين يهود الجزائر. ومن المقولات التي طرحت في هذا المجال: (لقد رأينا كثيرا من اليهود متألمين من ذلك الأمر، لأنه أوقعهم فيما ليسوا أهلا له من حمل السلاح والتوجه إلى الحرب وغير ذلك، مع أنهم لا يقدرون على شيء منه. وقد شوهد من حالهم الأمر الغريب عندما زجوا في معركة (المليلة) وصاروا عبرة لكل من رآهم) ورفع كبار الدين في ولاية - إيالة - وهران - عريضة للسلطات الإفرنسية جاء فيها: (تتصل قضية التغيير في الشريعة الإسلامية وعوائد المسلمين بمرسوم التجنيس. الذي ينص - من بين ما ينص عليه - على استحداث محاكم الجنايات بالجزائر، وإسناد وظيفة القضاء للمحلفين

стр. 847

الأوروبيين واليهود، والاستغناء بالتدريج عن المحاكم الإسلامية ... لقد علمنا بطلب تغيير أحكام شرعنا، فلم نقبل هذا الطلب، وعارضناه بالكلام والكتابة. ورفعنا شكايتنا إليكم نطالب بالإبقاء على شريعتنا وعلى أصلها، وأن لا يقع فيها تبديل ولا تغيير، وفاء بالعهد الصادر من الدولة يوم استيلائها على الإقليم الجزائري في ٥ تموز - يوليو - ١٨٣٠. وكذلك العهد الواقع بين كبراء مخزن وهران وبين الدولة يوم ٦ حزيران - يونيو - ١٨٣٥ .. ونحن معشر المسلمين لا عمدة عندنا سوى ديننا وهو رأس مالنا، ولا يخفى أن الشرع عندنا هو الدين، والدين هو الشرع، فلا فرق بينهما كما يتوهمه بعض الناس، وإذا وقع أقل القليل من التغيير في شرعنا فقد تغير ديننا لأنهما شيء واحد ...) (١). أما (ابن علي الشريف باشآغا شلاطة) المشهور بعمالته لفرنسا، فقد صرح أمام قائد فرنسي بما يلي: (كم نحن مجروحون من تجنيس اليهود بالجملة، دون تفريق أو تمييز بين الرجال الفاهمين وبين اليهود الذين تعرفهم مثلي، وتعرف أننا رافقناكم في كل المعارك، وبدلا من أن تشجعونا، أبقيتمونا مرؤوسين محتقرين. إن الصحافة تتهمنا باطلا وتشتمنا وتهددنا في أملاكنا وشرفنا. ولقد حملنا السلاح لندافع عن أنفسنا). ونقلت (صحيفة الشمال) عن أحد الزعماء الجزائريين قوله: (إن الجزائريين كلهم على كلمة واحدة، في إنه ليس اليهود هم

стр. 848

الذين أصبحوا فرنسيين، ولكن فرنسا هي التي أصبحت يهودية). (١) وحاول (كريميو) الدفاع عن مشروعه بقوله: (كيف تمنح جمهورية ١٨٤٨ الحرية والقوانين للسود، ولا تعطي جهورية ١٨٧٠ التجنيس لليهود الذين يرتدون الثياب الإفرسية منذ سنوات، قبل أن يرتدوا البذلة الشرقية) غير أن (كريميو) اعترف أن قرار ٢٤ تشرين الأول - أكتوبر - هو الذي جعل اليهود قضاة، وهو الذي دفع المسلمين إلى الثورة. وقال: (نعم هذا هو الواقع). وعلى غرار (كريميو) دافع المجلس الملي المركزي الإسرائيلي في فرنسا، على القرار باعتباره (ضرورة اجتماعية) ونفى أن يكون سببا في ثورة الجزائريين. وادعى أن الأسباب المادية لثورتهم تكمن في أنهم كانوا على استعداد في كل وقت للثورة ضد المسيحيين. واعتبر أحد القادة العسكريين المعاصرين للحادث: (بأن قرار التجنيس الكئيب النتائج هو الذي أشعل النار في كل مكان ويجب إعدامه. وروي عن بعض الأهالي قولهم: (بأن اليهود الذين لا يدفعون الضرائب. ولا يشمون رائحة البارود، أصبحوا مساوين للإفرنسيين. ونحن الذين قدمنا عشرين ألفا من أبنائنا للحرب، وأعطينا شرفنا، نعامل هكذا كالمغلوبين). أما الحاكم العام للجزائر سنة ١٨٧١ (الأميرال الكونت دو غيدان) فقد رفع تقريرا إلى وزير الداخلية الإفرنسية في ٢٩ نيسان - إبريل - ١٨٧١ جاء فيه: (لقد جرح العرب في أعماق قلوبهم وفي وطنيتهم النظيفة بسبب تجنيس اليهود الجماعي الذي سمح لليهود باحتلال مناصب عالية إدارية وقضائية).

стр. 849

وصرح حاكم (تيزي أوزو): (بأنه استمر طوال ثلاثة سنوات وهو يسأل الناس ويستفسرهم عن سبب ثورتهم، وأنه خرج بالنتيجة التالية: لقد ثار المسلمون ضد السوقة اليهود وضد التصرفات الحمقاء لحكومة الرابع من أيلول - سبتمبر -). واستنكر (قارو) (١) قرار التجنيس بقوله: (حصل أربعون ألف يهودي في يوم واحد، وهو يوم النكبة والكارثة، وبواسطة الغش والخداع، على المزايا التي لم يحصل عليها اللاتين في روما إلا بعد نضال قرنين من الزمن) وأكد أن: (قرار ٢٤ تشرين الأول - أكتوبر - هو غلطة ضد الوطن، وحرض الجزائريين على الثورة). تلك هي بعض المقولات التي طرحت في مجال (قانون كريميو) لتجنيس اليهود جماعيا، وتقابلها مقولات كثيرة للدفاع عن هذا القانون. المهم في الأمر هو أن هذا القانون قد أخذ طريقه للتنفيذ، رغم معارضة المسلمين في الجزائر ومقاومتهم له، وعلى الرغم أيضا من تصدي بعض الإفرنسيين من مدنيين وعسكريين - وحتى اليهود لمعارضته ومقاومته. وهناك من ينكر أن يكون لهذا القانون علاقة بثورة ١٨٧١ - في حين يرجع آخرون لهذا القانون سبب الثورة وذريعتها. والأمر الذي لا يقبل الجدل هو أن هذا القانون قد ترك أثرا عميقا في نفوس الجزائريين المسلمين المجاهدين في سبيل الله، ودفعهم لحمل السلاح دفاعا عن مقدساتهم. المهم في الأمر بعد ذلك، ربط هذا القانون بما كان يحدث على جبهة المشرق (في بلاد الشام) وفقا لما سبق ذكره، وكذلك ربط هذا

стр. 850

القانون بما تم تطبيقه عند احتلال تونس، وفقا لما أورده الشيخ المجاهد أحمد توفيق المدني، ومنه ما يلي: (كانت بتونس خاصة، وبمختلف بلاد المملكة التونسية يومئذ عامة، طائفة يهودية كبيرة العدد، مسالمة، تشتغل في أمان وفي حرية مطلقة بالتجارة. وأخرجت المدرسة الحديثة طائفة من الشبان اليهود تعلموا وأصبحوا محامين وأطباء وصيادلة. وأخذ الشيطان ينفخ في أوداجهم، فأنفوا البقاء رعايا تونسيين، وراموا الإحراز على الجنسية الإفرنسية أسوة ببني ملتهم في الجزائر منذ صدور قانون كريميو سنة ١٨٧٢، فأصبحوا حاكمين بعد أن كانوا محكومين. ورفعوا عقيرتهم يومئذ. وتوالت إجتماعاتهم وأخذوا في أقوالهم وفي بعض كتاباتهم يمتهنون جنسية تونس، ويفحشون القول للتونسيين .. (وتحدثت إلى أحد اليهود في الأمر، فقال لي: نحن اليوم نجتمع حول ثلاث من النقط لا خلاف بيننا فيها إطلاقا؛ اليهودية والتوراة وأورشليم - القدس. ونحن رعاية لمصالحنا، وصونا لتجارتنا، وحفظا لأموالنا، نريد أن نكون دوما مع الغالب لا مع المغلوب ... ونحن نرى أن نكون من الآن فرنسيين حتى لا يسير الركب الفرنسي الجامح بدوننا ... ومآلنا المحتم هو أن نرجع لفلسطين وأن نبني دولتنا من جديد على أنقاض دولة داوود. وعندئذ يعود لأورشليم عزها وازدهارها ويكون لليهود صوت في العالم ... وعندئذ يحكم سلطان التوراة) (١). ويكمل (لوسيان كورفو) صورة الموقف ونتائج (قانون كريميو) على أفق المستقبل بقوله: (ولنتذكر أيضا أن هناك ثمانون بالمائة من

стр. 851

اليهود الإفرنسيين الذين هاجروا إلى إسرائيل عند إقامتها من الجزائريين اليهود الذين تم تنظيمهم وتدريبهم على توجيه الأمور الإدارية والسياسة وتكوين الأجهزة القيادية (الكادرات) لتنفيذ السياسة الإفرنسية بالتعاون مع أبناء دينهم في باريس) (١). د - التحريض الخارجي (البروسي - العثماني) . ١ - التحريض البروسي: انفجرت الحرب البروسية - الإفرنسية في شهر تموز - يوليو - ١٨٧٠. وعلى أثر ذلك نشطت أجهزة الدعاية البروسية وشبكات جاسوسيتها في العمل ضد فرنسا، في أوروبا وخارجها على حد سواء. وانعكس ذلك بصورة طبيعية على صفحة الجزائر، حيث حاولت بروسيا استثمار النقمة المتعاظمة ضد فرنسا وممارساتها وتوظيف الغضب الشعبي ضد الوجود الإفرنسي في الجزائر. وقد تم اختيار تونس لتكون قاعدة للنشاط المضاد لفرنسا بسبب قرب الحدود من جهة، ونظرا لتوافر أعداد صخمة من اللاجئين والمنفيين من الجزائريين الذين كانوا يستقرون في المناطق المتاخمة للحدود التونسية - الجزائرية، من جهة ثانية. وعلى هذا، نظم البروسيون شبكة إعلامية سرية في صيف ١٨٧٠ بهدف التحريض ضد السيطرة الإفرنسية بالجزائر، خاصة بعد انفجار أحداث الرابع من أيلول - سبتمبر -. وكان على رأس هؤلاء العملاء والجواسيس البروسيين (جيرارد روهلف) و (الدكتور وتزستاين) اللذان وصلا إلى تونس بحرا - عن طريق حلق الوادي في شهر آب - أغسطس - ١٨٧٠. وقد وقع الاختيار

стр. 852

على (جيراردروهلف) لتنفيذ هذه المهمة بسبب معرفته القديمة للمنطقة ومعرفته أيضا للغة العربية معرفة جيدة. حيث كان يعمل جنديا مرتزقا في حرس الشرف بالجزائر ثم غادرها في العام ١٨٦٩ إلى طرابلس للقيام بنشاط مضاد للسياسة الإفرنسية بالجزائر. غير أن إقامته في طرابلس لم تستمر طويلا، إذ اكتشفت السلطات التونسية نشاطاته فأبعدته ورفيقه إلى صقليا - بعد اعتقالها لفترة قصيرة. وقد استمر بعد ذلك تسرب الجواسيس البروسيين من تونس إلى مدن الجزائر الوسطى الساحلية، وإلى المغرب الأقصى حتى طنجة لنشر دعايتهم ضد الإفرنسيين، واستمالة الأعوان إليهم. ولكنهم على ما يظهر لم ينجحوا في مهمتهم النجاح المطلوب، ولم يستميلوا إلا نفرا قليلا لم يؤد دورا مفيدا لهم ... ولعل هذا الفشل هو الذي دفع البروسيين إلى تزوير رسائل تأييد باسم الجزائريين إلى الإمبراطور البروس. فقد نشرت الجريدة الرسمية الألمانية في أواخر تشرين الثاني. نوفمبر - ١٨٧٠ رسالة مزعومة من الجزائريين إلى الإمبراطور (غليوم) يعلنون فيها تأييدهم له وفرحهم بانتصاره. واضطر الجزائريون بالعاصمة إلى تكذيب ذلك في رسالة طويلة وجهوها إلى محرر جريدة (المبشر) لنشرها. وكان في مقدمة الموقعين عليها: حسن بن بريهمات، وعدد آخر من القضاة ورجال الإفتاء والأئمة والعدول (١). لم يحاول الإفرنسيون فهم حجج الثورة الدائمة في الجزائر وأسبابها، فاتهموا البروسيين بالتحريض عليها، كما اتهموا في الوقت ذاته حلفاءهم الإنكليز بالتحريض على الثورة، في محاولة لاستثمار

стр. 853

الخلافات القائمة بين فرنسا وبريطانيا بشأن التنافس الاستعماري. وقد لا تكون هناك أهمية لاستعراض ما كانت تتبادله الصحافة البروسية - الإفرنسية - البريطانية من اتهامات بشأن التدخل في الجزائر والتحريض على الثورة. غير أن الأمر الثابت هو أن الجهود الأجنبية وعمل أجهزة الاستخبارات والدعاية كان - من حيث النتائج - محدودا. غير أن سقوط فرنسا وانهيار إمبراطورية نابليون الثالث أمام البروسيين كان ذا أثر حاسم، إذ أظهر ضعف فرنسا من جهة، وفتح باب الأمل الواسع أمام الجزائريين في التحرر من ربقة الاستعمار الاستيطاني الذي كان يجثم بكل ثقله، وبكل وحشيته، على صدورهم. ٢ - التحريض الوطني الجزائري (محيي الدين بن عبد القادر): كان محيي الدين يعيش مع أبيه الأمير عبد القادر في منفاه بدمشق واشتهر بثقافته الواسعة، وحماسته للقضية الإسلامية. وحظي باحترام الدولة العثمانية التي أنعمت عليه (بالنيشان العثماني من الدرجة الثالثة) أيام السلطان عبد العزيز. وأسند إليه في سنة ١٨٦٥ منصب (قاضي أزمير). وبقي يمارس نشاطه بصورة عادية حتى سنة ١٨٧٠، غير أنه كان يكثر من التبرم والشكوى، ويتحرق شوقا لاستئناف الجهاد من أجل تحرير الجزائر. وعندما تأزمت العلاقات البروسية - الإفرنسية، تظاهر محيي الدين بالمرض، وحصل من الأطباء على تصريح له بضرورة السفر للاستجمام. فأذن له أبوه الأمير عبد القادر بالتوجه إلى الإسكندرية. وعندما اندلعت الحرب البروسية - الإفرنسية، ظن محيي الدين أن أمدها سيطول، وأراد انتهاز الفرصة لتحرير وطنه الجزائر من ربقة الاستعمار الإفرنسي، فغادر الإسكندرية متوجها إلى تونس بصورة

стр. 854

خفية - وبدون ان يعلم أحدا بوجهته - وذلك في آخر شهر تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٧٠. واستقبلته السلطة الرسمية التونسية بحفاوة، ومنحه الباي محمد الصادق (نيشان الافتخار التونسي) في ١٨ تشرين الثاني - نوفمبر -. وتظاهر (محيي الدين) بالانصراف لدراسة المخطوطات العربية - الإسلامية في تونس، وتجنب الاتصال بالناس - قدر المستطاع، واكتفى بتحرير نحو المائتي رسالة لزعماء الجزائر حتى (يستعدوا لمحاربة فرنسا عند قدومه إليهم، وأرسلها بصورة سرية مع المرسلين). غير أن أجهزة الاستخبارات الإفرنسية المتعاونة مع الاستخبارات التونسية شعرت بنشاطه الخفي على ما يظهر. فغادر (محيي الدين) تونس إلى مالطا، وعاد فاتجه نحو طرابلس الغرب، ومنها إلى توزر، ونفطة ونغزاوة، متنكرا في ثياب مغربية، ومعه عدد من إخوانه المجاهدين. وعند ذلك أصدرت السلطة التونسية بتحريض من الاستخبارات الإفرسة أوامرها إلى ولاة الأقاليم وأجهزة الشرطة بمطاردته واعتقاله. واستطاعت السلطات التونسية اكتشاف قافلة من أهل سوف كانت متجهة إلى الجزائر، ومعها كمية من البارود وزنها (٦٣) رطلا، فصادرتها منهم. غير أن (محيي الدين) استطاع الوصول إلى منطقة الحدود، حيث التف حوله عدد كبير من الجزائريين اللاجئين أو المنفيين إلى تونس، ومنهم ابن ناصر بن شهرة الذي كان متمردا ثائرا ضد السلطات الإفرنسية منذ العام ١٨٥١، واستقر في (نفطة) وجعل منها قاعدة لجهاده ضد الإفرنسيين، متنقلا ما بينها وبين نغزاوة والجريد. كما انضم إليه الشيخ سليمان بن جلاب السلطان السابق في (تقرت) والذي أبعد إلى هناك منذ العام ١٨٥٤. وكذلك الشيخ إبراهيم بن عبد الله، مقدم إخوان عبد القادر الجيلالي (بورقلة) والشيح مصطفى بن عزوز، مقدم زاوية

стр. 855

نقطة الرحمانية التي فتح أبواب زاويته لاستقبال كل الجزائريين المنفيين والفارين إلى هناك، ومحمد بن العشابي البسكري الذي التجأ إلى نغزاوة منذ مدة طويلة، والشيخ الميزوني، مقدم زاوية الكاف، الذي وضع تحت تصرف محيي الدين كاتبا لمساعدته في تحرير الرسائل والبيانات، ومحمد بن أحمد الصغير، ابن الخليفة السابق للأمير عبد القادر في (الزيبان وسيدي عقبة)، ومحمد بن علاق رئيس فرنسا أولاد يعقوب، وزيادة على هؤلاء حضر مع (محيي الدين) من طرابلس، ضابط الاستخبارات البروسي (جيرارد روهلف). وابن هلال كاتب أبيه، والشيخ محمد رزوق بن سيدي صالح البسكري الذي كان قد اضطلع بدور كبير في أحداث (ثورة الزعاطشة عام ١٨٤٩) والتجأ إلى طرابلس. وكل هؤلاء على ما هو واضح من كبار المجاهدين في سبيل الله - باستثناء البروسي جيرارد طبعا - وممن كانت لهم أيامهم المجيدة ضد الاستعمار الإفرنسي. ويدل تجمعهم حول (محيي الدين) في أواخر العام ١٨٧٠، على أنه قد تم الاتصال معهم بصورة مسبقة، وقبل أن يحضر إلى هناك. كما يؤكد ذلك أن (محيي الدين) كان مصمما على الإفادة من ظروف انهيار فرنسا أمام الضربات البروسية لتحرير وطنه وقومه. وقد كتب (محيي الدين) عددا كبيرا من الرسائل خلال شهر كانون الأول - ديسمبر - ١٨٧٠ إلى عدد من الزعماء الجزائريين: (يدعوهم إلى الجهاد، وتدبير المؤن والذخائر، وتجنيد الناس). واستعمل محيي الدين في بعض رسائله، خاتم أبيه، للتأثير على الناس. ولكن، وبينما كان (محيي الدين) يقوم بهذا النشاط في منطقة الحدود، اتصلت الحكومة الإفرنسية بالقائم بأعمال قنصليتها في دمشق، ليطلب من الأمير عبد القادر أن يعلن استنكاره لنشاط ابنه، فعمل الأمير عبد القادر على تأكيد التزامه وعهوده تجاه فرنسا. وقام

стр. 856

بتحرير الرسائل التالية: ١ - رسالة إلى أعضاء حكومة (تور) ببوردو، واستنكر فيها استغلال اسمه لإثارة سكان الصحراء (١). ٢ - رسالة إلى قنصل فرنسا بطرابلس الغرب، طلب منه العمل على إعادة ابنه. وأحاطه علما بأنه كاتب الوزير التونسي (مصطفى خزندار) والقنصل الإفرنسي، فلم يردا عليه (٢). ٣ - رسالة إلى القائم بأعمال القنصلية الإفرنسية بدمشق جاء فيها: (بأن عدو الله وعدوي وعدو نفسه، المجنون محيي الدين، وصل إلى الحدود بين حكومة تونس وحكومة الجزائر) وطلب منه الحصول على إذن لتوجيه نداء إلى سكان الجزائر: (ليتحقق الناس أنني بريء منه ومن فعله) (٣). ٤ - رسالة إلى ابن عمه (قاضي معسكر الطيب بن المختار) طلب منه أن يحذر الناس من اتباعه (فإنه محض عبث) (٤). ٥ - رسالة بشكل نداء موجه لسكان الجزائر يحذرهم من مغبة اتباع ابنه الذي عبر عنه (بالشقي) هو ومن انضم إليه، وأعلن أنه

стр. 857

سيتبرأ منه إذا رفض الانصياع إلى أوامره وطلب منهم أن (يطردوه من بينهم) (١). استطاعت فرنسا بذلك، وعن طريق الأمير عبد القادر، إحباط معظم الجهود التي بذلها (محيي الدين) طوال أشهر عديدة. وزاد موقفه حرجا عند قيام حكومة تونس بحذو حذو الأمير عبد القادر في مطاردة (محيي الدين) وإلقاء القبض على كل (الغرباء) الذين يفدون بحرا إلى الجزائر. ولكن وعلى الرغم من الضجيج الذي أثارته رسائل الأمير عبد القادر، وما نزل بابنه من تدهور في الروح المعنوية بنتيجة ذلك، وعلى الرغم أيضا من مضايقات الحكومة التونسية، فقد صمم (محيي الدين) متابعة أعماله في بداية سنة ١٨٧١، فتقدم بمن انضم إليه من المجاهدين والأنصار إلى قرية (نقرين) في أواخر شهر شباط - فبراير- وسيطر على قرية (فركان) وراسله سكان الصحراء ليتجه إليهم جنوبا. ولكنه فضل أن يتجه نحو (الشريعة) و (تبسة). وفي يوم ٩ آذار - مارس دخل إلى (نقرين) ووفد عليه هناك وفد من أولاد خليفة، الثائرين بالشريعة. فاتجه معهم إلى (سكرانه) ثم إلى (الشريعة) و (جبل الدكان). وشعر المعمرون الأوروبيون بالخطر، فتحصنوا بمدينة (تبسة) وأغلقوا أبوابها، والتجأ معمرو حلوفة الأوروبيون إلى (مسكيانة). وفي يوم ٢٦ آذار- مارس- اصطدم محيي الدين بقوات فرنسية متفوقة في (وادي الحميمة) ودارت رحى معركة طاحنة أظهر فيها المجاهدون قدرا كبيرا من الثبات، غير أن القوات الإفرنسية المتفوهة بالقوى والوسائط النارية، استطاعت إحراز النصر، واضطر

стр. 858

محيي الدين أن يسحب بفلول قواته إلى (بلاد النمامشة - داخل الحدود التونسية) ورجع محيي الدين بعدها إلى مدينة صيدا في بلاد الشام، وأقام فيها سنة تقريبا بعد أن رفض أبوه استقباله، وبعد أن طرد عائلته من منزله غير أن بعض أصدقاء الأمير عبد القادر في دمشق (أمثال عادل الصلح ومحيي الدين الجوهري) دخلوا في الصلح بين الأب وابنه. كما دخل القائم بالأعمال الإفرنسي بدمشق بعد أن تسلم أمرا من حكومته بطلب العفو عليه من أبيه، فعفا عنه في رسالة وجهها إلى القائم بالأعمال الإفرنسي يوم ١٥ شعبان ١٢٨٨هـ (تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٧١). كما كتب إلى والي الجزائر العام الإفرنسي، يخبره بوصول ابنه إلى دمشق. ٣ - التحريض العثماني لم تتوقف الدولة العثمانية عن بذل ما تستطيعه من الجهود في محاولة لاستعادة نفوذها في المغرب العربي - الإسلامي. وعندما وقعت الحرب البروسية - الإفرنسية، حاولت الدولة العثمانية من جديد استثمار الموقف. سواء عن طريق (محيي الدين) الذي يقال أنه توجه إلى الجزائر بتحريض من السنوسيين بسوريا، والذين كان لهم ألف من الأتباع والدعاة في الجزائر، يجوبون البلاد (ويدعون إلى الجهاد ضد المسيحيين) أو عن طريق (الجمعية الخيرية الإسلامية للجزائر المحروسة) التي كانت على اتصال بالباب العالي. وجدير بالذكر أنه عندما ظهر (محيي الدين) في خريف سنة ١٨٧٠ بمنطقة الحدود التونسية - الجزائرية، أشاع أتباعه أن جيشا عثمانيا من ستة آلاف جندي هو في طريقه إلى تونس للسيطرة عليها وتحرير الجزائر. ورافق ذلك انتشار دعاة من قبل العثمانيين في (قابس) و (صفاقس)

стр. 859

و (جربة) أظهروا نشاطا في الدعاية لصالح السلطان العثماني، هذا بالإضافة إلى قيام ثمانية ضباط من الأتراك الذين يجيدون التحدث باللغة العربية في الجنوب التونسي، ببذل نشاط واضح لاستمالة الأنصار وتنظيمهم وإمدادهم بالأموال. لم تقف فرنسا موقف اللامبالاة من التحريض العثماني، فعملت على تحذير (الباب العالي) ومارست ضغوطا قوية أرغمت الدولة العثمانية على سحب ضباطها من تونس إلى طرابلس في شهر كانون الأول - ديسمبر - كما عملت على سحب المؤن والذخائر الحربية التي وصلت إلى تونس بعد ذلك في شهر نيسان - إبريل - ١٨٧١. وعلى أثر ذلك، وجه زعماء (الجمعية الخيرية الإسلامية للجزائر المحروسة). رسالة إلى الصدر الأعظم (محمد نديم باشا) في أواخر عام ١٨٧١، جاء فيها (إن أصل محاربتنا وعصياننا ضد أعداء ديننا كان باختيار الدولة العلية ورغبتها. ولم نقصر في شيء مما رغبت به الدولة العلية وأشارت به علينا بواسطة المرحوم عالي باشا السابق، وحضرة تورس باشا، وما وعدنا به من الإعانة السرية والعلية بالأسلحة والنقود، وغريب بعد ذلك سكوت الدولة العلية عن إنجاز ما وعدتنا به بعد تحريضنا على القتال والعصيان، مع أننا نحن نبلغ الخمسة ملايين، وكلمتنا كلمة واحدة، وإيماننا ولله الحمد ثابت، وإقدامنا في الحروب بات حديث الركبان) (١) وفي رسالة أخرى وجهها زعماء الجمعية الخيرية جاء ما يلي: (إننا نقترح على السلطان اختيار واحد من الأمور الثلاثة التالية لحل مشكلة الجزائر: فإما توسيط بعض الدول حتى تسلم فرنسا بسيادة السلطان على الجزائر، وإما مطالبة فرنسا بالتنازل

стр. 860

عن الجزائر مقابل مبلغ مالي نلتزم بدفعه. وإما إعلان الحرب عليها إذا رفضت الأخذ بالحلين الأولين) (١) ويظهر بوضوح أن التحريض العثماني، وجهود (محيي الدين بن عبد القادر)، وكذلك التحريض البروسي، لم يكن بعيد الأثر في تفاعلات ثورة سنة ١٨٧١، لا سيما وأن الشواهد المتوافرة لا تؤكد يقينا ارتباط قادة هذه الثورة بالمحرضات الخارجية. هـ - الكوارث الطبيعية: عرفت الجزائر كل أنواع الكوارث الطبيعية والنكبات الاقتصادية والأزمات السياسية والمآزق الاجتماعية منذ أن وطئت جحافل الغزو الاستعماري الاستيطاني أقدامها ثرى الجزائر. وكانت السياسية الوحشية التي طبقتها السلطات الإفرنسية ضد الجزائريين أساس كل هذه المحن، التي عملت على تحويل الجزائريين إلى طبقة بائسة محرومة من كل ضرورات الحياة ومتطلباتها، فالعمليات العسكرية التي شنها الجيش الإفرنسي، ومنها العمليات في منطقة القبائل عام ١٨٥٧، أدت إلى فقدان السكان لاستقلالهم السياسي، وتدمير إنتاجهم الزراعي وثروتهم الحيوانية، بالإضافة إلى تخريب صناعتهم التقليدية والقضاء على أسواقهم التجارية، وجاءت الغرامات الحربية الفادحة والضرائب الباهظة المفروضة لتزيد من بؤس المواطنين الجزائريين. ولتلقي على كاهلهم ما لا قبل لأحد باحتماله. تعرضت الجزائر لغزو أسراب الجراد في العام ١٨٦٤، وأخذ

стр. 861

هذا الغزو شكلا خطيرا مع بداية العام ١٧٦٦ الذي أطلق عليه اسم (عام الجراد). حيث عبرت أفواج الجراد جبال الأطلس من الجنوب إلى حقول الشمال ومزارعه (في شهر نيسان - إبريل) ملتهمة في طريقها كل ما تجده من الخضار والثمار. ففقد الناس إنتاجهم، وتعرضوا لضائقة مادية شديدة، واستمرت بعد ذلك هجمات الجراد في كل عام. وبينما كان الأهالي يعانون هذه المحنة، حدثت زلازل في البليدة وقرى متيجة (متوجة) في مطلع العام ١٨٦٧. وانتشر مرض الكوليرا والتيفوس. وكان وباء الكوليرا قد ظهر في العام ١٨٦٦ بشكل محدود، ثم تعاظم خطره في العام ١٨٦٧، وانتشر في البلاد عن طريق المسافرين الأجانب الذين كانوا يفدون إلى البلاد عن طريق الموانىء. ومع انتشار الكوليرا، انتشر أيضا مرض (التيفوس) فأخذ الجزائريون يموتون بالجملة في القرى والطرقات العامة، مما أرغم السلطات الإفرنسية على تسخير السكان لحفر الخنادق العميقة لدفن الموتى. (وذكر أن عدد الضحايا من المواطنيين الجزائريين هو مما يصعب تقديره، وأن الذين ماتوا خلال شهرين فقط قد وصل إلى مائتي وخمسين ألفا) (١) (وأن ضحايا الكوليرا في منطقة دللس وحدها بلغوا عشرة آلاف مواطن). أما في بسكرة (فقد مات أكثر من ألف مواطن خلال فترة (١٥) يوما فقط - ما بين ١٥ و ٣٠ تموز - يوليو - ١٨٦٧). لم تقف الكوارث الطبيعية عند حدود انتشار الأوبئة، وإنما تجاوزتها بسبب ما حدث من القحط والجفاف، مما أدى إلى نفاد المحصولات الزراعية والغذائية. فمنذ العام ١٨٦٥ والمطر يشح ولا ينزل إلا بمقدار، وفي أيام قليلة من فصل الشتاء. ودام هذا القحط

стр. 862

ثلاث سنوات، وخاصة عام ١٨٦٧ الذي قلت فيه حتى مياه الشرب، وجفت الينابيع في الصيف، واشتد البرد في الشتاء، فيبست الحشائش، وماتت المواشي، خاصة في الهضاب العليا. وتفشت من جراء ذلك المجاعة في البلاد، حتى أصبح الناس يؤرخون بها ويقولون حدث ذلك (عام الشر). أخذ سكان الهضاب العليا يهاجرون أفواجا وجماعات إلى أقليم التل بحثا عن الطعام. وكان سكان التل الذين توجه إليهم هؤلاء المنكوبون يعيشون في ضيق شديد. وأقدم بعض الأهالي على ارتكاب جرائم القتل والسرقات، حتى يلقى عليهم القبض فيضمنوا لقمة العيش داخل السجون. وعندما كثر ازدحامهم في الطرقات والساحات العامة بمدن الشمال وقراه بحثا عما يسد الرمق، تصايح الأوروبيون، وطلبوا إلى السلطات الحاكمة أن تطردهم. بدعوى أنهم كانوا يهددون - الأمن والصحة العامة. واستجابت هذه السلطات للأوروبيين، فأعطت أوامرها لضباط الجيش من أجل إقامة المعسكرات - لحشد المواطنين الجزائريين المنكوبين في مليانة والأصنام وغيليزان، وبالفعل، تم فيها حشد حوالي خمسمائة وأربعين ألف مواطن. وقضت هذه المجاعة على أكثر من ثلاثمائة ألف جزائري - في حين قدر بعضهم عدد الضحايا بضعف هذا الرقم. ففي ولاية (عمالة) قسنطينة مات مائة وستون ألف شخص، وفي مدينة الجزائر بلغ عدد الموتى مائة ألف شخص. وتجاوز عدد الموتى في عمالة وهران مائة ألف شحص. وتناقص عدد مواطني القطر الجزائري خلال عشر سنوات، نتيجة التناقص المستمر في معدل الولادات منذ الاحتلال من جهة، وبسبب الكوارث الطبيعية من جهة ثانية، بأكثر من أربعمائة ألف شخص حتى سنة ١٨٧١. وبينما كان الأهالي يتناقصون على هذا

стр. 863

النحو، كان عدد الأوروبيين يتعاظم باستمرار. فقد كان عددهم (٢٢٠) ألفا سنة ١٨٦١، وارتفع هذا العدد إلى (٢٧٢) ألفا عام ١٨٧٢. وذلك راجع لعدم تأثرهم بالأزمة لأنهم كانوا يملكون الأراضي الجيدة والمسقية في المناطق الساحلية كثيرة الأوطار، ولأنهم كانوا يحتفظون بمدخرات كافية من المواد الغذائية. استغل اليهود المجاعة عامي ١٨٦٧ و١٨٦٨، لتنمية ثرواتهم وأرباحهم عن طريق القروض التي كانوا يقدمونها للمنكوبين بفوائد فاحشة تتراوح بين أربعين ومائة بالمائة لمدة شهرين أو ثلاثة فقط من العام. مما جعل الكثيرين من الجزائريين يفقدون في نهاية الأمر أملاكهم ويتحولون إلى عمال بالخماسة. وبات من المحال على الجزائريين الوفاء بديونهم حتى عندما تخصب أراضيهم ويرتفع مردودها؛ إذ كان السماسرة اليهود والمعمرون من الأوروبيين، يتدخلون لخفض أسعار الحبوب بنسبة عشرين وحتى ثلاثين بالمائة. مما حمل الحاكم ماكماهون على القول: بأن رؤساء الأهالي الجزائريين دفعوا كل ثرواتهم التي استردوها من صغار الفلاحين إلى السماسرة اليهود أرباحا فاحشة عن القروض التي أخذوها منهم. والحقيقة، أن سعي اليهود وراء الأرباح الباهظة، لم يكن بالأمر الغريب عليهم، وهو ما أشار إليه أحد الأوروبيين في رسالة له بعثها إلى الإمبراطور (نابليون الثالث) في ١٠ أيار - مايو - ١٨٦٥ وفيها: (أحيط جلالتكم علنا بأن الشعب الأهلي لعمالة وهران يدفع لصالح (ربا) اليهود، مبالغ تعادل أربعة أضعاف ما يدفعونه لفرنسا من ضرائب). وقد زادت الأزمة الاستعمارية حدة، عندما رفض بنك الجزائر تقديم (سلف - أو تسبيقات) لجمع المحصولات كما كان معتادا.

стр. 864

واستعجل الدائنون بقسنطينة في استعادة قروضهم، وخاصة من الحاج محمد المقراني، الذي كان قد اضطر إلى أخذ القروض من البنوك والسماسرة اليهود بأرباح عالية، حتى يساعد الفلاحين على توفير البذار. ولما كان الوطنيون الجزائريون عاجزين عن دفع ديونهم، فقد أحدث ذلك موجة من السخط والغضب في كثير من الجهات، وخاصة في منطقة حكم المقراني التي باتت تعيش حالة من اليأس القاتل. ولم تحاول السلطات الاستعمارية في الجزائر مد يد العون للوطنيين الجزائريين. وانطلق دهاقنة الاستعمار ومبشريه في إلقاء اللوم والمسئولية على الجزائريين أنفسهم، ومما قاله القسيس بورزي على سبيل المثال: (لم يقاوم العرب الجراد، وقالوا بأن الله الذي بعثه هو الذي سيطرده) في حين قال بعضهم: (لقد حدثت المجاعة بسبب كسل الجزائريين الفطري عن العمل، وكذلك لا يمكن، ولا ينبغي مساعدتهم). (وفي حين كان الجزائريون يعانون من انعدام وسائل الوقاية الصحية لهم، ومن سوء حالتهم الاقتصادية والمعاشية، وعدم اهتمام السلطات الإفرنسية بتحمل مسؤولياتها في مجابهة هذه الأوضاع، بينما كان الأمر مختلفا في أوساط الأوروبيين الذين كانت حالتهم الاقتصادية حسنة، والوقاية الصحية متوافرة لديهم). وكان كل ما فعلته فرنسا - كعادتها - إرسال لجنة للتحقيق في أسباب مجاعة ١٨٦٧، وقد تقدم إلى هذه اللجنة بعض النواب الجزائريين هم (حسن بريهمات والمكي بن باديس وأحمد ولد القاضي). وجاء في شهاداتهم ما يلي: (... كان معظم الفلاحين يحتفظون بفائض منتجاتهم الزراعية - من الحبوب - في المطامير لاستخدامه في أيام الجوع أو القحط (وقت

стр. 865

المسغبة) ليدفعوا الضر عن أنفسهم. ولما حل بهم غلو السعر في استئجار الأراضي التي احتلها المستوطنون، مع الزيادة في المغارم، صارت الحاجة تدعوهم إلى الاستدانة، والحصول على القروض بفوائد فادحة تزيد على الستين بالمائة، ممن انتصب لذلك ولم يرحم خلق الله. واضطر الفلاحون الجزائريون إلى بيع الزرع والصرف قبل أوانه بأقل من نصف القيمة. فصار الزرع الذي يحصدونه في الصيف، يخرج كله من أيديهم في الشأن المذكور - ولم يبق بأيديهم فاضل يدخرونه). ولقد حاول شيوخ الجزائر وزعماؤها في الواقع بذل كل جهد مستطاع لتقديم المساعدات الطبية والمواد الغذائية. وأخرجت الأسر الموسرة ما عندها من مخزون الحبوب ووافر المال وقامت بتوزيعها على المتضررين والمنكوبين. واضطر بعض هؤلاء الزعماء - ومنهم محمد المقراني - إلى الاقتراض من السماسرة اليهود بأرباح فاحشة من أجل إسعاف المحتاجين. وقد وجهت حكومة (ماكماهون) نداءأ لكبار التجار، طلبت منهم أن يقدموا قروضا مالية - بضمان الدولة - لرؤساء الأهالي، ليقدموها بدورهم إلى مواطنيهم الجزائريين. واستجاب المقراني وتسلف من اليهودي (مسرين) الذي كان يملك أسهما في بنك الجزائر، قرضا بمبلغ ثلاثمائة وخمسين ألف فرنك، في شكل صكوك (سندات) غير أن هذا المبلغ لم يلبث أن ارتفع بالفوائد إلى نصف مليون فرنك. كما اقترض - المقرني أيضا - مبلغ مائتي ألف فرنك من اليهودي (عبادي - من عائلة لافي) وثلاثمائة ألف من اليهودي (أبو قاية) فارتفعت ديونه بذلك إلى مليون فرنك. وكان ذلك سببا في إيقاعه بمشكلات ومصاعب لا نهاية لها مع دائنيه.

стр. 866

و - الثورات التمهيدية: لم تعرف الجزائر المجاهدة الهدوء أو الاستقرار منذ وطئت أقدام الغزاة المستعمرين ثرى الجزائر الطهور، ولم تكن ثورة باي قسنطينة في المشرق، وثورة الأمير عبد القادر في بقية أنحاء القطر الجزائري إلا البدايات الأولى للمقاومة التي لم تتوقف في يوم من الأيام. ١ - كان في منطقة (سور الغزلان) معلم يعلم القرآن الكريم للأطفال، اسمه محمد الأمجد بن عبد المالك، ولقبه (الشريف بوبغلة)، أغضبه ما كان يقوم به الإفرنسيون من انتهاكات ضد الإسلام والمسلمين، فأعلن ثورته في العام ١٨٥١ بعد أن انتقل إلى (بني مليكش) في حوض وادي الساحل الغربي، حيث انضم إليه الحاج عمر شيخ زاوية محمد بن عبد الرحمن الرحمانية وأتباعه الذين امتدت حركتهم إلى معظم مناطق جبال جرجرة والبيبان والبابور وحوض الصومام. وفي سنة ١٨٥٤، قاد الحاكم العام للجزائر (راندون) (١) قوات ضخمة لاقتحام جبال جرجرة، واغتنم فرصة تمرد السكان ضد (آغاسباو بلقاسم أوقاسي) بتحريض من الشريف (بوبغلة) وتوغل بها إلى حوض سباو لمطاردة الثوار، واستطلاع المنطقة تمهيدا للعمليات العسكرية المقبلة. وأمكن له خلال هذه المطاردة القضاء على (بوبغلة) في كانون الأول - ديسمبر - ١٨٥٤. غير أن الثورة استمرت في (ذراع الميزان) بقيادة الحاج عمر و (الإخوان الرحمانيين) حتى سنة ١٨٥٦.

стр. 867

حيث استطاع (راندون) إخمادها والقضاء على الثورة بعد جهود كبيرة، واضطر الحاج عمر إلى الانتقال بقواته في اتجاه شرق البلاد. ٢ - تحرك الحاكم العام (رادون) من جديد في سنة ١٨٥٧، لإخضاع المناطق الثائرة بقوة تزيد على عشرة آلاف مقاتل (١) وخاض السكان العزل والثوار ضده عددا من المعارك غير المتكافئة، منها معركة (ايشريضن - أو - ايشريدون كما يكتبها الإفرنسيون) وهي المعركة الكبيرة التي وقعت يوم ٢٤ حزيران - يونيو - جنوب شرق قرية الأربعاء - نايث إيراثن - وأبد فيها الثوار بطولة رائعة وشجاعة لا توصف. ولم تتوقف المعارك إلا بعد اعتقال الحاج عمر يوم ٧ تموز - يوليو - مما أضعف موقف زعيمة قبيلة بني (لالافاطمة) التي قادت الثورة بكفاءة نادرة حتى وقعت في قبضة القوات الإفرنسية يوم ١١ تموز - يوليو وانهارت معها مقاومة قبيلة (إيسومار). ٣ - كان (سي الصادق، بن الحاج) من أولاد سيدي منصور في جبل (أحمر خدون) بالأوراس، قد شارك في مقاومة الغزو الإفرنسي في (واحة الزعاطشة) منذ العام ١٨٤٩، وعندما تمكنت القوات الإفرنسية من القضاء على الثورة في هذه المنطقة، اعتصم بالمناطق الجبلية. حتى إذا ما قام الإفرنسيون بغزو جبال جرجرة سنة ١٨٥٧، دعا الناس لحمل السلاح واستئناف الثورة عام ١٨٥٨ وبقي مستمرا في رفع راية الجهاد ضد الأعداء الإفرنسيين حتى وقع أسيرا في معركة

стр. 868

٢٠ كانون الثاني - يناير - ١٨٥٩، ووقع معه في الأسر عدد كبير من أخواته المجاهدين. ٤ - كان (محمد بن بوخنتاش) من أولاد سيدي رحاب البراكتية في (الحضنة) وقد أظهر غضبه منذ البداية على الغزاة الإفرنسيين الذين انتهكوا حرمة بلاده وقدسيتها. ونجح في دفع سكان الحضنة إلى الثورة سنة ١٨٦٠، فانضم إليه (سي العربي باش عدل أولاد سحنون ببريكة، وسي أحمد باي من أولاد منصور)، وامتدت ثورته من المسيلة والحضنة حتى الجهات الشمالية، وسطيف. ولم تتمكن القوات الإفرنسية من إخماد نار هذه الثورة في سنة ١٨٦٠ إلا بعد جهود كبيرة ومكثفة. هـ - بقيت عائلة أولاد بن عاشور محتفظة بمكانتها القيادية في فرجيوة، ومثلها كانت عائلة أولاد عز الدين في الزواغة بالبابور. وعلى الرغم من خضوع العائلتين ظاهريا للحكم الاستعماري الإفرنسي، إلا أن نار الثورة بقيت متأججة في نفوس الأبناء. حتى إذا ما أقبلت سنة ١٨٦٤، أثمرت جهود (الإخوان الرحمانيين) في إيقاد نار الثورة بالجنوب الوهراني. وقام أولاد سيدي الشيخ بقيادة الجهاد ضد الإفرنسيين في فرجيوة والزواغة. وقامت السلطات الإفرنسية بقمع هذه الثورة بوحشية، وحولت هذه المناطق إلى مستعمرات عسكرية خاضعة مباشرة لحكم فيالق الغزو والحكام العسكريين (حكم السيف). ظنت الإدارة الإفرنسية أنها باتت متمكنة من حكم البلاد بعد قضائها على هذه الثورات، وبعد أن أوغلت قواتها في عمق الصحراء. غير أنه تبين أن لهيب الثورة لا زال متقدا في أعماق ضمائر

стр. 869

أبناء الجزائر. وقد عبر هذا اللهيب عن وجوده بمجموعة من الظواهر في بداية سنة ١٨٧٠، فعندما حل موعد الدراسة في تشرين الأول - أكتوبر - لوحظ مقاطعة الأطفال الجزائريين للمدارس الإفرنسية. خاصة في (برج بوعريريج) حيث رفض خمسة عشر طفلا العودة إلى مدارسهم، رغم أنهم كانوا يتقاضون منحة دراسية. وانتشرت كذلك ظاهرة الاتجار في البارود الذي كان يتسرب إلى البلاد عن طريق مالطا وتونس شرقا، وجبل طارق وطنجة غربا. وكثر تنقل رجال الدين بين المناطق المختلفة للوعظ والإرشاد في الظاهر، ولحض الناس على الجماد في الواقع. وأخذ الناس يهربون حبوبهم وحيوانانتهم وحاجياتهم الثمينة. الهامة - إلى مناطق الجبال النائية والبعيدة عن الأخطار. ويشترون الأسلحة والخيول. وتم قطع عدد من الأسلاك الهاتفية التي تربط بين المناطق المختلفة، مما جعل الأوروبيين يتخوفون من الوضع، فأخلوا حواضر العمل في عدة أماكن. بقي الوضع مضطربا طوال هذه الفترة في شرق البلاد، حيث كان أولاد سيدي الشيخ الشراقة في منطقة وهران، ما يزالون يحملون السلاح ويخوضون المعارك الكبيرة ضد قوات الجيش الإفرنسي ومنها معركة (ماقورة) في ١٧ نيسان - إبريل - ١٨٧٠ بمنطقة الحدود المغربية. ورافق ذلك مجموعة من الأعمال الثورية في جهات مختلفة. ٦ - حركة (ابن خدومة). كان (بو بكر بن قدور بن خدومة) من بلدة زمورة الواقعة قرب (غيليزان) قد اشترك في تمرد محلي بالمدية، مع رجل آخر ادعى أنه (صاحب الساعة) وذلك في سنة ١٨٥٩، ثم اختفى عن الأنظار، ليظهر من جديد في شهر نيسان - إبريل - ١٨٧٠

стр. 870

بمنطقة (ذراع الميزان) باسم الحاج محمد بن عبد السلام. وادعى أمام الناس أنه قدم من (فاس) وسبق له أن تعلم في تونس - على الطريقة الشاذلية - ولهذا استضافه الشيخ أحمد - أويحيى الشاذلي في (تازروت) قرب بجاية. وانتشر نفوذ (ابن خدومة) في جرجرة بفضل دعم الشيخ أحمد أويحيى، فأسس زاوية في (ايت عوانه) وتكاثر فيها أتباعه. وشكت السلطات الإفرنسية في سلوكه، فنفته إلى المغرب الأقصى، وهدمت زاويته، رغم تأكيد رئيس المكتب العربي بتيزي أوزرو بأنه لم يكن يقوم بأي نشاط سياسي. ولكنه عاد متخفيا في نهاية شهر أيلول - سبتمبر - إلى الشيخ أحمد أويحيى، ودعا أتباعه إلى الثورة، واعتصم في غابة (بني غبري) بعض الوقت. ثم انتقل إلى منطقة المدية. وأخذ يستميل بعض جنود الصبايحية في البرواقية ومجبر، وبعض أهالي أولاد ديد وسور الغزلان. ولما عجزت السلطة الإفرنسية عن إخضاعه، لجأت إلى الحيلة، واستعانت ببعض أنصارها للتغرير به (قائد قواد أولاد عبيد والحاج الجيلالي بن الحاج). ووقع ابن خدومة في الكمين المنصوب له في أوائل شباط - فبراير - ١٨٧١. ونفاه الإفرنسيون مع عدد من أتباعه إلى جزيرة (سان مارقوريت). كان من أبرز نتائج حركة ابن خدومة أنها أيقظت، أو بعثت، جذوة الجهاد في النفوس المؤمنة، فتكاثر الحجاج إلى (زاوية صدوق) و (استيقظت الحمية الدينية) بشكل واسع حتى في أوساط النساء وأصبح سكان إقليم القبائل يعلنون عن (وصول صاحب الساعة) وحلول وقت الخلاص من السيطرة الإفرنسية. وأصبح من المتوقع اندلاع نار الثورة بين لحظة وأخرى. واستخلص مؤرخ فرنسي العبرة من (حركة ابن خدومة) ولخصها بما يلي: (لم يكن هناك أي

стр. 871

حجة لابن خدومة وغيره في حمل السلاح، والحجة الوحيدة هي أن الجزائري لا يقبل أبدا السيطرة الإفرنسية، فمنذ اليوم الأول للاحتلال وهو على استعداد دائم للثورة. وهو لا يفرط في استثمار الفرص لتحقيق ذلك، سواء في شهر أو في عام أو حتى عشرة أعوام حتى يرمي الإفرنسيين في البحر. ونقل عن الجنرال - دوماس - قوله: خذ عربيا وإفرنسيا وضعهما في قدر واحدة لمدة أربع وعشرين ساعة، لتصنع منهما مرقا. فإنك ستجد في النهاية مرق المسيحي والمسلم منفصلين عن بعضهما، ولن يختلطا أبدأ) (١). ٧ - حركة الصبايحية في الزمالات: كان الحاكم العام للجزائر (راندون) قد نظم فرق (الصبايحية) وطورها في عهد نابليون الثالث وهي عبارة عن قوات من المتطوعين الجزائريين الذين أطلق عليهم اسم: (الحركة، والأورطة، والصبايحية). وواجبهم هو حراسة المناطق التي يقيمون فيها، ومراقبة السكان سياسيا تحت إشراف الضباط الإفرنسيين، وقد أطلق على الثكنات التي يتمركزون بها اسم (الزمالات) وكان معظم المتطوعين من المتزوجين الذين يتقاضون رواتب شهرية، ويعملون في أراضيهم الخاصة، أو التي تضعها السلطات الإفرنسية تحت تصرفهم. ولم يكن من العادة تجنيدهم للحرب خارج الجزائر، غير أن السلطات الإفرنسية أرادت تجنيد البعض منهم للحرب في فرنسا - في أوائل العام ١٨٧١ - فأصدر وزير الحربية الإفرنسية قرارا بتاريخ ١٨ كانون الثاني - يناير - لنقل عدد منهم إلى أوروبا. وكان ذلك سببا مباشرا لثورة الزمالات في مجبر

стр. 872

والطارف وبو مجار وعين قطار بشرق البلاد ووسطها. غير أن ثورة الصبايحية كانت قد بدأت في الحقيقة قبل هذا التاريخ. ففي زمالة (مجبر) على بعد ثلاثة عشر كليومترا شمال - شرق (بوغار) بدأت الحوادث فيها أواخر أيلول - سبتمبر - ١٨٧٠ عندما فر بعض الصبايحية من ثكنتهم إلى مستغانم. غير أن السلطات الإفرنسية اعتقلتهم وأعادتهم إلى بوغار، وحاكمتهم بتهمة السرقة، وفر البعض منهم من السجن واختفوا. وهرب بعد ذلك خمسة وسبعون جنديا من جنود الزواف في الأيام الأولى لشهر تشرين الثاني - نوفمبر - ومعهم أسلحتهم وأمتعتهم. وغادروا معسكر (بوغار) إلى المدية وقصر البخاري فلاحقهم رجال الدرك والصبايحية وأوقفوهم وأحالوهم على محكمة عسكرية حكمت عليهم بأحكام مختلفة تتراوح بين ستين حتى عشر سنوات سجنا مع الأشغال الشاقة. وصل قرار وزير الحربية الإفرنسي القاضي بتجنيد الجزائريين، إلى الجزائر، يوم ٢٠ كانون الثاني - يناير - ١٨٧١. وكان الصبايحية الذين شملهم القرار في (مجبر - ببوغار) فتم اقتيادهم إلى الجزائر العاصمة يوم ٢٣ من الشهر ذاته، من أجل نقلهم إلى فرنسا. ولكن أبناءهم ونساءهم وأهاليهم اعترضوهم في الطريق خارج البليدة ليحولوا دون ترحيلهم. فحصل اضطراب وهيجان، رافقه إطلاق نار قتل فيه أحد المواطنين، فعاد الصبايحية على الفور إلى زمالتهم. وحضرت مجموعة من فرسان (بوغار) اقتادتهم بالقوة إلى الجزائر العاصمة. غير أن الإدارة الإفرنسية بالجزائر أعلنت أن السفر إلى فرنسا حر للمتطوعين فقط، ولا يجبر أحد على ذلك (١). في هذا الوقت

стр. 873

ذاته، كان الصبايحية في شرقي البلاد يعلنون ثورتهم بالطريقة ذاتها أيضا ولكن على نطاق أوسع وبشكل أخطر، سواء كان ذلك (بالطارف) على بعد (٢٢) كيلومترا جنوب - غرب القالة، أو في (بوحجار) على بعد (٤٣) كيلومترا شمال - شرق سوق أهراس، أو في (عين قطار) على بعد (٢٢) كيلومترا جنوب - شرق سوق أهراس أيضا. وبدأت الثورة في (عين قطار) عندما رفض الصبايحية تنفيذ أوامر السفر إلى فرنسا. وهرب مائة وخمسة وثلاثون منهم بأسلحتهم وأمتعتهم إلى مزرعة (عمي موسى) على بعد أربعة كيلومترات من زمالتهم وذلك يومي ٢٢ و٢٣، كانون الثاني - يناير - وتبعهم في اليوم التالي مائة واثنان آخرون. وتوالى بعد ذلك تجمعهم حتى أصبحوا حوالي ألفي رجل، وتجمع حولهم أهاليهم والغاضبون على السلطة الإفرنسية وانضم إليهم عدد من أهالي (الحنانشة) بزعامة الصالح بن رزقي والفضيل بن رزقي. كما انضم إليهم محمد بن الكبلوتي بن الطاهر بن رزقي الحناشي من تونس. وقام هؤلاء بقتل صف ضابط فرنسي، وأشعلوا الحرائق في بعض مزارع الأوروبيين حول (سوق أهراس) وقتلوا تسعة منهم. ثم زحفوا على (سوق أهراس) نفسها يوم ٢٦ كانون الثاني - يناير - وحاصروها لمدة ثلاثة أيام. وقطعوا أسلاك الهاتف التي تربطها بمدينة (قالة). وخاضوا معركة كبيرة في (عين سنور) يوم ٣٠ من الشهر ذاته. واستمرت الاشتباكات حتى يوم ٨ شباط - فبراير - ١٨٧١. وارتفع عدد قتلى الإفرنسيين إلى (١٥) قيلا. ثم انسحب الصبايحية، والكبلوتي، وأتباعه، إلى داخل الحدود التونسية حيث استقبلهم الشيخ الميزوني بحفاوة في مدينة (الكاف). وعلى أثر ذلك، قامت السلطات الإفرنسية بتطبيق عقوبات صارمة

стр. 874

ضد عائلات الثائرين. فحاكمت مائة وأربعة وثلاثين شخصا أمام محكمة عسكرية استثنائية (بعنابة) أصدرت الحكم بالإعدام على خمسة، وبالأشغال الشاقة المؤبدة على عشرين، وبالنفي والإقامة الجبرية على أربعين. وغرمت الثوار بمبلغ (٣٧٦) ألف فرنك. وأعدم الإفرنسيون عددا من المواطنيين الجزائريين في الساحة العامة لمدينة (سوق أهراس) بعد فك الحصار عنها مباشرة. وصادروا أملاك وأراضي سبعة دواوير (قرى) بالجملة. وأخذوا رهائن من المواطنين حتى يتم دفع الغرامات المطلوبة أما الأوروبيون الذين اتهموا بافتعال الحوادث أو ارتكاب الجرائم، فقد برأتهم المحكمة ولقد وضعت سلطات منطقة (القالة) الإفرنسية تقريرا عن الأحداث جاء فيه: (إن المشاكل السياسية في منطقة الحدود لها دخل في حوادث الصبايحية الذين كانوا يتفجرون غضبا. ولم يكن قرار النقل إلى فرنسا بأكثر من وسيلة لإظهار غضب الصبايحية وانفجارهم. ولقد امتدت أصداء هذه الحوادث إلى المناطق الداخلية البعيدة ...) ويعني بذلك أحداث أولاد عيدون بالميلية، والأحداث الأخرى. بما فيها ثورة محمد المقراني. ٨ - ثورة أولاد عيدون بالميلية وأولاد خليفة بتبسة. انفجرت الثورة في الوادي الكبير (بالميلية) ولم يكن قد مضى على انتهاء أحداث الصبايحية بسوق أهراس أكثر من أسبوع واحد. فقد أعلن أولاد عيدون ثورتهم يوم ١٤ شباط فبراير - ١٨٧١ في أكثر من عشرين نقطة. وزحفوا على مدينة الميلية في اليوم الثاني، وحاصروها بحوالي ألفي رجل، وقطعوا عنها قنوات مياه الشرب وأملاك الهاتف، وأرغموا عددا من الحراس والأوروبيين والصبايحية ورجال المخزن وقائد

стр. 875

الحامية الإفرنسية على الاعتصام بقلعة المدينة. وأحرقوا عددا من مزارع الأوروبيين بالمنطقة. واقتفى (بنو تليلان) أثر أولاد عيدون. فحملوا السلاح، وهاجموا قافلة نجدة واستطلاع فرنسية بين مدينة قسنطينة والماء الأبيض يومي ٢٢ و٢٣ من الشهر ذاته. وبعد أن نجح الإفرنسيون في رفع الحصار عن (الميلية) يوم ٢٧ شباط - فبراير - تمركز الثوار في (كاف الغراب) والقرى المجاورة له. وحاول الإفرنسيون القضاء على هذة الثورة الخطيرة بإمكاناتهم الخاصة فعجزوا عن ذلك، فما كان منهم إلا أن لجؤوا إلى خصوم الثوار - من المواطنين الجزائرينن - واستعانوا بهم على أهلهم، وجندوا حوالي ستمائة من جنود البحرية الإفرنسية، وسبعة فيالق أخرى، فرضوا بها الحصار على المنطقة، وأحرقوا معظم القرى المعزولة. واعتصم الثوار (بجبل سروج) وخاضوا معركة (كاف زرزور) يوم ٢٦ شباط - فبراير. أي قبل أن يفكوا الحصار على المليلة بيوم واحد. وقد أخذ الإفرنسيون كعادتهم أربعمائة رجل من أولاد عيدون كرهائن. وسجنوا عددا آخر منهم. وصادروا الأسلحة التي عثروا عليها وهي تزيد على تسعمائة بندقية. أما في المنطقة الشرقية، فقد أفاد أولاد خليفة من قيام حاكم منطقة تبسة باعتقال عدد من المواطنيين بحجة الاشتباه بهم، والقيام بمحاولة استطلاع (مضيق رفانة) فأعلنوا ثورتهم، وحملوا السلاح، واعترضوا سبيله، وانضم إليهم أولاد سيدي عبيد والعلاونة والرشايش والبرارشة، وهاجموا قطعان مواشي أحد الأوروبيين، وقتلوا شريكه الجزائري. وأخذوا يحرضون الناس على الجهاد لمحاربة الإفرنسيين، واضطر هؤلاء إلى اللجوء إلى (مسكيانة) وتابع الثوار جهادهم، فأحرقوا بعض مزارع الأوروبيين ومطاحن الحبوب وأكوام

стр. 876

التبن (القش) في أحواز تبسة التي اعتصم بها الأوروبيون، وأغلقرا أبوابها عليهم. كما اعترضوا سبيل قافلة إفرنسية بوادي الحميمة، حيث دارت مجموعة من المعارك القاسية في الوادي، وعند بحيرة الأرنب ورأس الذيب. غير أن عدم التكافؤ بالقوى ووسائط القتال والكفاءة القيادية أرغم الثوار على الانسحاب واللجوء إلى داخل الحدود التونسية. في الوقت الذي كانت ثورة محمد المقراني قد انطلقت من (مجانة) وأخذت تنتشر في جبال البابور والبيبان وونوغة والهضاب العليا لقسنطينة (١).

стр. 877

- صدوق- مهد الثورة الكبرى لعام ١٨٧١ م إقليم بجاية ووادي الصومام

стр. 878

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. •---------------------------------• الفصل الثالث ثورة ١٨٧١ ١ - ثورة محمد المقراني (مجانة). ٢ - ثورة الشيخ الحداد (صدوق). ٣ - ثورة أحمد بو مزراق - (سور الغزلان وونرغه). ٤ - في أفق الثورة

стр. 879

١ - ثورة محمد المقرني (مجانة) . يتفق معظم المؤرخين على أن نسب أسرة المقراني يعود إلى فاطمة بنت الرسول ﵇. ويذكرون أن أجدادها من قبائل عياض هاجروا إلى إقليم المغرب العربي في القرن الحادي عشر الميلادي خلال الزحف الهلالي على الإقليم (تغريبة بني هلال) واستقروا بجبال قلعة بني حماد في المعاضيد شمال مدينة المسيلة، وجنوب شرق مدينة برج بوعريرج. وارتبط تاريخهم هناك بالأمراء الحماديين. وقبائل عياض، فرع من عرب اثبج من هلال بن عامر - من الطبقة الرابعة. وتفرعت بعد ذلك منهم بطون، مثل (بطن المرتفع) و (بطن الخراج - بكسر الخاء). وفي خلال النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي، ترك الأمير عبد الرحمن - جد المقرانيين - منطقة جبل عياض بالمعاضيد، وانتقل إلى جهات البيبان، فاستقر أولا بقرية موقة، ثم بالشواريخ، وأخيرا بقلعة بني عباس شمال غرب (سهل مجانة) داخل المنطقة الجبلية الغربية على الضفة اليمنى لوادي الساحل. وعاش هناك حتى توفي سنة (١٥٠٠م) فخلفه ابنه أحمد الذي تلقب بالسلطان على المنطقة الواسعة بين واد الساحل والحضنة، وبعد وفاة أحمد خلقه ابنه عبد العزيز الذي اتخذ قرية (القلعة) عاصمة

стр. 880

له، وكون لنفسه نفوذا واسعا، واستعان بقوات الأخوين (عروج وخير الدين) اللذين كانا يتمركزان في (جيجل) ويعملان على طرد الإسبان من (بجاية). واشترك مع الوالي حسن بن خير الدين من أجل إنقاذ تلمسان من أطماع سلطان المغرب والإسبان معا. وتمتعت إمارة المقرانيين بالقوة وسعة النفوذ خلال عهد حكم عبد العزيز وأخيه أحمد أمقران، فمدت نفوذها إلى الهضاب العليا، وتحكمت في الطريق الواصل من الجزائر العاصمة وقسنطينة. انقسم المقرانيون على أنفهم بعد وفاة أحمد أمقران، وظهرت منهم عدة فروع متناحرة فيما بينها على السلطة والنفوذ، فكان من أهمها: ١ - فرع أولاد الحاح. ٢ - فرع أولاد عبد السلام. ٣ - فرع أولاد بورنان. ٤ - فرع أولاد بلقندوز. واستمر ذلك حتى قام الإفرنسيون بغزو البلاد. كان باي قسنطينة متزوجا من (عيشوش) ابنة الحاج محمد عبد السلام العايب المقراني غير أن ذلك لم يمنع من قيام المشاكل بين الحاج أحمد باي قسنطينة وبين الحاج محمد عبد السلام. مما أدى إلى اعتقاله عام ١٨٢٥، ولم ينقذ حياته إلا ابنته عيشوش في حين أعدم الآخرون من أقاربه. وخلال حملة الاحتلال الإفرنسية، شارك المقرانيون مع الباي الحاج أحمد في مقاومتها، وانسحبوا معه بعد ذلك إلى الشرق. وكان الزعيم البارز أنذاك هو أحمد المقراني من فرع أولاد الحاج، فقربه إليه وعينه شيخا على مجانة. حتى إذا ما قام الإفرنسيون بالغزو الثاني لمدينة قسنطينة عام ١٨٣٧، اغتنم محمد عبد السلام العايب فرصة الفوضى التي حلت بالمدينة، فهرب من سجنه (سجن الكدية) يوم ١٣ تشرين الأول - أكتوبر - والتحق بمجانة مباشرة. واستحوذ على
следующие страницы →