واجبها دعم الأمير في سوريا. هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد أمنت السلطات المحلية (العثمانية) للمهاجرين الجزائريين كل التسهيلات الممكنة للوصول إلى سوريا. وبالإضافة إلى ذلك، فقد قدم القنصل الإفرنسي في دمشق إلى الأمير عبد القادر ما يكفيه من الأموال والبواريد لتسليح ألف جزائري. وعلى كل حال، فإن الأمير عبد القادر لم يكن يرمي إلى خدمة فرنسا أو خيانة المسلمين، وهو ما تؤكده رسالته التي كتبها في ١٥ آب - أغطس - ١٨٦٠ وفيها: (إن ما قمنا به تجاه المسسحيين هو أمر يفرضه الدين وتفرضه الإنسانية) وكذلك قوله للمسلين الثائرين في دمشق: (حذركم مما تفعلون. إنكم تلطخون شرف الإسلام وستضيعون أنفسكم ومدينتكم معكم، إذ أن أوروبا لن تقف غير مبالية تجاه ما يرتكب هنا من الجرائم ضد المسيحيين. فكروا قليلا، ولا تسمحوا للفرصة حتى يأتي قسيس ليقيم في مسجدنا الكبير الذي كان كنيسة من قبل) (١).
غير أن فرنسا لم تكن تنظر لأعمال الأمير عبد القادر وأقواله، إلا من خلال أهدافها وسياساتها الخاصة. وهكذا أخذت الصحافة الإفرنسية في قرع الأجراس منذ يوم ٩ تموز - يوليو - ١٨٦٠ مطالبة بالتدخل العسكري في سوريا. وفي يوم ١٧ تموز - كتبت الصحافة الإفرنسية: (بأن التدخل الإفرنسي في سوريا إنما يعتمد على الأمير عبد القادر) وفي صحيفة: (لوكورييه دو هافر) (٢) عدد يوم ١٣ تموز - يوليو - ١٨٦٠ جاء ما يلي: (تقضي الظروف الراهنة، ويتطلب تحقيق العدالة (؟) العمل بسرعة لتسمية الأمير عبد القادر نائبا لملك فرنسا -
стр. 807
في سوريا) وتحت عنوان (صرخة الدم) في العدد ذاته جاء ما يلي: (سلموا الأمير عبد القادر قضية تهدئة سوريا بصورة فورية، وسينفذ ذلك بصورة ناجحة، وبأقل حد ممكن من العنف. إنه رجل مؤمن وعالم ومحارب، وإذن، فهو الرجل الذي يمكن للمسلمين الخضوع له. والذي يستطيع أن يفرض عليهم متطلبات العصر والحضارة).
تلقت الصحافة الباريسية هذا الموضوع، وأخذت في الترويج له، فطالب بعضها (بإقامة حكومة قوية ومتحضرة للعمل مع الأمير عبد القادر) في حين طالب بعضها الآخر: (بتنصيب الأمير عبد القادر نائبا لملك فرنسا على أن يبقى تابعا للسلطان). وكتبت صحيفة (بيرغس باريس) في عددها الصادر في نهاية شهر تموز - يوليو - ما يلي:
(ليس هناك من هو أجدر من الأمير عبد القادر برئاسة حكومة دمشق، إذ أنه يمتلك جميع الفضائل المناسبة للسلطة. إنه شجاع وحازم وعالم وسياسي وذكي وليس هناك من هو أفضل منه لتحقيق السلام في سوريا). ولقد عكست الصحافة الجزائرية أصداء هذه الدعاية الإفرنسية، فكان مما كتبته: (إن إقامة إمبراطورية جديدة في المشرق يكون الأمير رئيسا لها هو الحل للمسألة الشرقية التي تسببت في حدوث صراعات كثيرة، أهرقت فيها دماء غزيرة). وأخذت فكرة الدعاية: (لإقامة إمبراطورية عربية بقيادة الأمير عبد القادر) تنتشر في كل مكان. وظهر مشروع فرنسي أعلنته صحيفة فرنسية يقضي: (بقيام فرنسا ببذل الجهد لإقامة إمبراطورية عربية تضم من ١٠ - ١٢ مليون عربي، على أن تكون هذه الإمبراطورية معزولة عن مصر، وتحت قيادة الأميرعبد القادر، ويكون من واجبها ضمان الحقوق المدنية والسياسية لكل أفراد الشعب، للمسلمين كما لغيرهم، وفقا للنموذج الإفرنسي الذي وضعه نابليون بونابرت، ويكون لهذه الإمبراطورية عاصمتان،
стр. 808
إحداهما سياسية في بغداد والأخرى دينية في مكة ..
على هذا الأساس، وانطلاقا من هذه الفكرة، توجهت الحملة الإفرنسية إلى لبنان بقيادة الجنرال (بوفورت دوتبول) (١) بعد أن قابل قائد الحملة الإمبراطور نابليون الثالث وتلقى تعليماته يوم ٢ أب - أغسطس - ١٨٦٠. ولم تعرف هذه التعليمات، غير أن الأمر المعروف هو أن الحملة وصلت إلى بيروت يوم ٢٠ آب - أغسطس -. ولما كان من الصعب على قائدها التوجه إلى دمشق لمقابلة الأمير عبد القادر. فقد أوفد إليه المقدم (شانزي) (٢) يحمل رسالة إلى الأمير (يؤكد فيها رغبته بتوثيق عرى الصداقة معه).
ترى هل كان لدى فرنسا فكرة واضحة عن (الإمبراطورية العربية التي تزعم أنها تريد إقامتها؟) هذا ما تبرزه رسالة وزير الحربية الإفرنسية إلى (الجنرال بوفورت) بوم ٢٢ أيلول - سبتمبر - والتي جاء فيها: (هل تعتقد إنه باستطاعة الأمير عبد القادر تشكيل حكومة في سوريا؟ وهل تعتقد أن مراكز القوى الممثلة في بيروت تريد - أو توافق على مثل هذا التعيين؟. إنني لا أبحث عن وسيلة لتحقيق تطلعاتنا في المستقبل، وهي التطلعات المرتبطة بامتلاكنا لأفريقيا. إنني لا أريد إلا وسيلة تضمن في الوقت الراهن الوصول إلى تسوية سلمية ودائمة في سوريا. ويخيل إلي انطلاقا من هذه الفكرة أن عبد القادر هو أفضل من يمكن اعتماده بسبب الشهرة التي اكتسبها في الجزائر، وبسبب دوره الشجاع في الظروف الأخيرة) (٣) ويتابع الجنرال (بوفورت)
стр. 809
تقويمه للموقف فيقول: (إني لا أعتقد بأن الدول الكبرى توافق عل إقامة حكومة برئاسة الأمير عبد القادر تشمل سلطتها سوريا كلها. كما أن الحكومة التركية لا توافق على ذلك أبدا. وقد يكون بالمستطاع تعيينه حاكما على (دمشق) وأن تمتد سلطته لتشمل عكا والجليل. غير أنه ما من وسيلة لإقناع أوروبا المسيحية بتسليم القدس لحكومة مستقلة. ويمكن للدولة العربية برئاسة عبد القادر أن تبسط نفوذها بعد ذلك على مدينة حلب وجزء من شمال سوريا، لتشكل نواة الإمبراطورية العربية التي تمتد بصورة تدريجية حتى بغداد والبصرة) أما بالنسبة للبنان: (فإنه يجب إقامة لبنان الكبير والمستقل، والذي تحكمه حكومة مسيحية برئاسة الأمير مجيد شهاب) ويذكر هنا أن أرملة بشير عمر شهاب كانت قد قدمت إلى الحكومة الإفرنسية قصرها وكذلك قصر (بيت الدين). وكتب بوفورت رساله في ٦ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٦٠ جاء فيها: (يجب ألا ننسى أن الأمير عبد القادر هو إنسان مسلم قبل كل شيء). ولقد أرادت فرنسا على ما هو واضح إسخدام الأمير عبد القادر كعميل لها، غير أن الأمير قاوم المحاولات الإفرنسية باستمرار. وهكذا فعندما استشير في أمر حضور قوة فرنسية إلى دمشق لإجراء عرض فيها، كان رد الأمير: (إن حضور قوات فرنسية إلى دمشق هو أمر خطير جدا، لأنه يستثير مشاعر المسلمين). غير أن فرنسا قد نجحت في الواقع - جزبيا - بتحطيم هالة البطولة والشرف التي أحاطت به، ففي الجزائر، أخذ الجزائريون من رجال القبائل يرددون: (إذا كان باستطاعة الأمير حماية المسيحيين في الشام، فلماذا لا يعمل على حماية الملمين في الجزائر). أما في دمشق، فقد قال المسلمون للأمير عبد القادر: (هل تريد تسليم بلدنا إلى الإفرنسيين
стр. 810
كما سلمت لهم بلادك الجزائر؟) (١) ولكن مقابل ذلك، فإن تعاظم قدرة الأمير حملت إلى القبائل الجزائرية، أو بعضها، الأمل في عودة عبد القادر للعمل مع إخوانه في قيادة الصراع ضد الإفرنسيين. وهنا يظهر سؤال وهو: إذا كانت فرنسا تريد إقامة إمبراطورية عربية، فلماذا لا تنفذ ذلك في الجزائر التي أصبحت تحت حكمها؟
لقد طرحت هذه الفكرة في الواقع، عندما قام الأمير عبد القادر بزيارة لفرنسا سنة ١٨٦٥. وظهر بوضوح عندها أن كل ما طرحته حكومة نابليون الثالث في هذا المجال، إنما كان: (للإفادة من الأمير عبد القادر لدعم قضية فرنسا) وإن هدف الإمبراطور هو: (إقامة حكم عربي على أنقاض الحكم التركي - المسلم) أو (قيادة ثورة ضد تركيا). وقد اصطدمت كل هذه المخططات برفض الأمير عبد القادر الذي حدد بنفسه ما يريده وذلك بقوله: (لقد حاربت فرنسا طوال خمسة عشر عاما، لأنني كنت أؤمن بأنها إرادة الله لضمان إستقلال وطني وحماية ديني. وعندما وجدت أن قواتي قد استنزفت، وإن القبائل الجزائرية قد امتنعت عن دعمي وتأييدي، وأن المغرب تريد تسليمي لفرنسا، عرفت أن دوري قد انتهى. وأنها إرادة الله هي التي تفرض علي إلقاء السلاح. وقد فعلت ذلك راضيا ومصمما على التفرغ للعبادة وإقامة الصلاة والاستمرار في دراساتي الدينية طوال ما تبقى لي من أيام على هذه الأرض).
стр. 811
٤ - البدايات الأولى للصهيونية
وقف نابليون بونابرت أمام أسوار عكا، وقد عجز عن اقتحامها، فحاول الاستعانة بيهود يافا وحيفا والقدس لمساعدته من أجل فتح المدينة الصامدة، ووجه يوم ٤ نيسان ; إبريل - ١٧٩٩ بيانا جاء فيه: (.. يا ورثة فلسطين الشرعيين، يا أبناء الأمة العظيمة، هذا بيان أوجهه إليكم لاستعادة ما استلب منكم، أسرعوا، فقد أزفت اللحظة المناسبة حتى تستعيدوا حقوقكم المدنية، وحتى تنتقموا لأنفسكم، وتحققوا وجودكم السيايي كأمة، وإلى الأبد دونما ريب) (١) لقد كانت صرخة نابليون للاستغاثة باليهود واستخدامهم في الحملة الصليبية الجديدة، هي باكورة التطورات اللاحقة والتي تطورت بسرعة في إنكلترا، حيث ظهر كتاب يحمل عنوان (بعث اليهود - أزمة كل الأمم - لمؤلفه جيمس بيشنو) (٢) وذلك في سنة ١٨٠٠ وتضمن الكتاب نداءا لبعث اليهود اعتمادا على نبوءات التوراة، ويقدم الحل للأزمات التي كانت تأخذ بخناق البلاد المسيحية
стр. 812
والإمبراطورية العثمانية. وحتى يتم لفت أنظار الرأي العام البريطاني لمضمون هذا الكتاب، قام رجل اسمه (ويزربي) بوضع كتاب حمل عنوان (برسم اليهود - ملاحظات حول كتاب بيشنو) (١) وقد تضمن الكتاب رفضا لكل تغيير، أو تمردا على الكنيسة الرومانية. واعترض (ويزربي على رؤى بيشنو) غير أن هذا لم يستسلم، واستمر النقاش بينهما، فأمكن بذلك توسيع نطاق الجدل الذي اشتركت فيه دول وحكومات بات تزاحمها على الشرق واضحا جدا. وكان (بيشنو) قد عبر في كتابه الأول عن أمله في أن تكون فرنسا هي الأداة التي سخرتها (العناية الإلهية) لتحقيق هذه العودة إلى فلسطين، وفي رده على (ويزربي) الذي صدر سنة ١٨٠٤ - في كتاب - حمل عنوان (محاولة لإزالة الإجحاف اللاحق بالأمة اليهودية) (٢) سعى (بيشنو) إلى إحلال الحوار مكان الخصام. وكان قد تغير محط آماله السياسية. فلم يعد يبدو أن فرنسا نابليون ستوفر شروط تحقيق هذا العمل. كما ظهر أن رجوع كل اليهود إلى فلسطين غير ممكن. مما جعل القضية الآن قضية عودة جزئية فقط، وذلك بفضل (تقوى) الدول البروتستانتية هذه المرة، خاصة وإن مبادرة نابليون لجمع المجلس الأعلى لليهود القدماء، بغية تحويلهم إلى أداة لسياسته كانت قد انتهت إلى الفشل.
كانت هذه الأفكار التي تدور حول رجوع (الأمة اليهودية) إلى فلسطين، والتي بثت بين الجمهور الإنكليزي قد أخذت تشق طريقها وتستأثر بالاهتمام. ولم تكن الأوساط البريطانية الحاكمة وأجهزة
стр. 813
استخباراتها بعيدة عن تحريض هذا الموضوع وإثارته. وعلى كل حال، فقد يكون من غير المهم متابعة الحوار التمهيدي الذي كان يدور في أوساط الغرب، المهم في الأمر هو الانتقال لمسرح العمليات في فلسطين، حيث ظهرت البواكير الأولى لتنفيذ المشروع الصهيوني وذلك عندما قام المبشر الإنكليكاني (نيكولايسون) بشراء قطعة أرض في جبل صهيون لبناء هيكل عبادة إنكليكاني. (في ٢٣ كانون الثاني - يناير - ١٨٣٨) وتبع ذلك تعيين قنصل إنكليزي في القدس (١٩ أيلول - سبتمبر - ١٨٣٨) وقد اصطدمت إقامة هاتين القاعدتين من قواعد النفوذ السياسي - الديني لبريطانيا في القدس، بعقبات كثيرة لكنها تمكنت من التغلب عليها وتجاوزها. ومن المعروف أن (نيكولاسون) ظل طوال أكثر من عشر سنوات وهو يمارس نشاطه في المدينة المقدمة بين اليهود، تحت إشراف (الجمعية اللندنية لنشر المسيحية بين اليهود) (١).
لقد حددت أهداف إقامة الدولة اليهودية في فلسطين منذ البداية وفقا لما تؤكده الكتابات التي طرحت في تلك الفترة من بداية القرن التاسع عشر، ومنها على سبيل المثال المقولة التالية: (عندما تصبح فلسطين المكان المميز والطبيعي لتجمع اليهود الجدد، وكمستعمرة للإقتصاد الإنكليزي الذي كان يسير في طريق التوسع) وعلى هذا الأساس أقيمت الكنيسة الإنكليكانية بهدف تحسين أوضاع اليهود اجتماعيا ودينيا، حتى تقام كل يوم الطقوس الدينية باللغة العبرية تشجيعا لهذا العمل ... وأخذ العمل يسير على قدم وساق، حيث شكلت طائفة صغيرة ولكنها متدينة جدا، من اليهود -
стр. 814
المسيحيين المهتدين، وأخذت تستمع يوميا في هذه المدينة المقدمة إلى الحقائق الإنجيلية بلغة الأنبياء وبروح الرسل. وهكذا كان إنشاء الكنيسة اليهودية - المسيحية الجديدة، هو: (أحد الأحداث الأكثر إثارة للاهتمام في التاريخ المعاصر، فإلى جانب الأرثوذكس والكاثوليك والأرمن والأتراك، جاء إبراهيم باشا وأعطى اليهود نفس الامتيازات. وبذلك كانت مذاهب الإصلاح الإنكليكانية الوحيدة التي لم تكن ممثلة حتى ذلك الحين بين كل هذه المذاهب الفاسدة) وأخذت وزارة الخارجية البريطابية في إظهار اهتمامها المتعاظم والشديد بمصر يهود فلسطين: (إذ أنه من حق الشعب اليهودي في أن يكون له مكان في الإمبراطورية العثمانية الشاسعة. وأنه ليس هناك شعب في العالم حتى الآن قد أسيء فهمه، وتجوهلت حقيقته كهذا الشعب. وبدأت مرحلة جديدة في العمل، ففي يوم ٣١ كانون الثاني - يناير - ١٨٤٠، أعطى المسؤول عن الخدمات القنصلية، تعليمات محددة إلى نائب القنصل الإنكليزي الجديد في (القدس) بناء على تعليمات بالمرستون: بأن يعتبر حماية اليهود واجبا من واجبات الدولة البريطانية. وكان عليه، بالإضافة إلى ذلك، أن يزود وزارة الخارجية البريطانية بأسرع وقت ممكن بمعلومات دقيقة عن حالة السكان اليهود في فلسطين (١) وبدأت تقارير نائب القنصل البريطاني، تصل بشكل منتظم إلى وزارة الخارجية البريطانية، وهي تضم كافة المعلومات المتعلقة بأوضاع اليهود والبروتستانت التجارية منها
стр. 815
والسياسية، وعلى كل حال، فلم يكن القنصل هو الوسيلة الوحيدة التي اعتمدتها الخارجية البريطانية للحصول على ما تريده من معلومات، ففي تلك الفترة، كان هنالك إنكليز آخرون يجوبون فلسطين أيضا، وهم يقومون بتنفيذ مهمة مماثلة كلفوا بها من قبل الجمعية العمومية لكنيسة اسكوتلندا ; وكان هؤلاء يجتمعون بعضهم ببعض لتبادل المعلومات وتنسيق الأعمال وكتابة التقارير بصورة مشتركة. وكانت هيئة (الجمعية العمومية للكنيسة الإسكوتلندية) تعمل في فلسطين بالتعاون الوثيق مع (الجمعية اليهودية اللندنية) التي كان أفرادها يعملون كأدلاء، وكان من الواضح على هؤلاء سعادتهم بما كانوا يضطلعون به في عملهم التبشيري في كتاب بعنوان: (تقرير بعثة الكنيسة الإسكتلندية الاستقصائية حول أوضاع اليهود في العام ١٨٣٩) ولاقى الكتاب نجاحا كبيرا، وأعيد طبعه ثلاث مرات في نفس السنة. وبالإضافة إلى ذلك، كانت الدعوات توجه من كل الجهات إلى المؤلفين للتحدث عن رحلتهم المثيرة وعن الاهتمام الذي كانوا يظهرونه تحبيذ للبعثة اليهودية في فلسطين، ولاستعمار هذه البلاد من قبل (الشعب المختار). ويظهر أن كل ذلك لم يكن كافيا لإثارة الانفعال على المستوى العالمي لجذب الانتباه نحو مشروع (الشعب اليهودي). فتم اللجوء إلى الوسيلة التقليدية التي أتقنت السياسة الاستعمارية البريطانية - خاصة - استخدامها، وهي (الاضطهاد والاغتيال السياسي). وحدث في مطلع شباط (فبراير) ١٨٤٠، أن اغتيل رئيس دير الفرنسيسكان الإسبانيين في دمشق على يد يهود، قيل أنهم استعملوا دمه في إقامة طقوس سرية لها علاقة بعيد الفصح. وكان هذا الكاهن من التابعية النمساوية واستخدمت هذه الحادثة بمهارة عالية، لتحريك الرأي العام الليبيرالي في أوروبا، في
стр. 816
وقت كانت الأزمة الشرقية قد بلغت ذروتها. وقد تدخل مترنيخ شخصيا في هذه القضية. واغتنمت الديبلوماسية الإفرنسية هذه الفرصة لتؤكد حقها في حماية المسيحيين في الإمبراطورية العثمانية. وتشكلت محكمة ترأس القسم الأكبر من جلساتها قنصل فرنسا (راتي منتون) (١) وألقي بالعشرات من يهود دمشق في السجن وتعرضوا للتعذيب. وأفادت الأوساط اليهودية في أوروبا لتصعيد حملتها المزيدة لعودة اليهود إلى فلسطين، ووضعهم تحت حماية بريطانيا. وتزعمت (الجمعية اليهودية اللندنية) التظاهرة السياسية. وتحدت كل الذين كانوا يؤكدون بأن اليهود كانوا يقتلون المسيحيين ليستعملوا دمهم من أجل غايات دينية. وتضمن الاحتجاج الذي أصدرته هذه الجمعية: (إن هذه التهمة، التي كثيرا ما تأكدت في الماضي، ليست أكثر من كذبة غير معقولة. وقد أيد اليهود - المسيحيون (أو المهتدون الجدد) الإنكليز هذا الاحتجاج العلني الذي كان يحمل (٥٧) توقيعا. وقد صاحبت هذه المبادرة حملة دعائية واسعة. فنظمت في لندن مظاهرات جماهيرية توجت بمذكرة وجهت إلى ملوك ورؤساء دول
إنكلترا وإيرلندا وبروسيا وهولندا والسويد والنروج والدانمرك وهانوفر وفورتمبرغ والمقاطعات السويسرية والولايات المتحدة الأمريكية. كما وجهت أيضا إلى كبار ممثلي البروتستانتية العالمية الزمنيين. وقد حدث ذلك قبل ثلاثة أشهر من التوقيع على الحلف الرباعي. وانطلقت الصحافة البريطانية، والتي كان يوجهها (بالمرستون) لتطرح المقولات المختلفة المتعلقة بإقامة (الدولة اليهودية) و (إعادة اليهود إلى فلسطين). ومما قيل بهذا الشأن: (أن الحكومات البروتستانتية
стр. 817
بتشجيعها لعودة اليهود وإقامتهم في فلسطين، تكون قد قامت بأحد التزاماتها الدولية وأسهمت بعودة السلام إلى الشرق) و (إنشاء أو بالأحرى إحياء، مثل هذه المملكة هو ضرورة من ضرورات السياسة الشرقية، وتخدم مصلحة المملكة المتحدة - بريطانيا) و (لقد مهد اتفاق لندن في ١٤ تموز - يوليو - ١٨٦٠ الطريق أمام هذا الأمل - أمل إعادة إقامة الدولة اليهودية - ويتطابق ذلك مع كلام الكتاب المقدس: لقد مهدت الطريق أمام ملوك الشرق ... اليهود) و (لقد تحمل اليهود في دمشق العقوبات التي نزلت بهم إثر اغتيال الأب الفرنسيسكاني توماس، غير أن العزاء في ذلك هو أن هذه القضية المحلية قد ساعدت على دفع الحركة الكبرى ليهود أوروبا من أجل الهجرة إلى فلسطين قدما إلى الأمام. وفي هذا المنظور كان دور محمد علي كحاكم عادل يفيد كثيرا هذا الشعب. أما العزاء الثاني فهو قيام بالمرستون بإرسال تعليماته للعمل لدى الباب العالي من أجل حماية اليهود وتشجيعهم). وقد استمرت البحوث والدراسات التي تسير في هذا الاتجاه، ومنها المذكرة التي تبناها (بالمرستون) وجاء فيها: (إن إقامة دولة يهودية في المنطقة الواقعة بين البحر المتوسط والفرات يضمن فرصا لتحقيق نمو اقتصادي كبير. ويمكن تجاوز الاعتبارات التاريخية والأخذ بالمعطيات الاجتماعية والبشرية التي ترتبط بوجود هذه المنطقة وازدهارها. لقد أفقرت الظروف هذا البلد وجعلت من المحال استقلاله فمصادر رزقه شبه ناضبة بالمقارنة مع الثروات التي قد تمتلكها هذه المنطقة فيما لو أدخلت إليها الصناعة. إلا أن هذا يطلب يدا عاملة ورؤوس أموال ورساميل في الوقت ذاته. ويتطلب توظيف الرساميل بدوره، ضمانات أمنية بالنسبة للممتلكات أو الأرواح. ومتى تأمنت هذه الضمانات فإن حب الربح سيكون دافعا قويا لهجرة
стр. 818
اليهود ... وأن مثل هذه الفوائد المالية قد تكفي لتجذب إلى المنطقة أناسا يهمهم الثراء. وستفعل الدولة الكبرى التي ستحكم هذه البلاد حسنا إذا ما التزمت علانية بإدخال الإصلاحات الأساسية التي تساعد على إشاعة الثقة ونشر مبادىء الحضارة الأوروبية. وأخيرا، يجب أن ينظر إلى هذه البلاد من خلال (شعب محترم رغم أنه مشتت). إن الشعب اليهودي يميل إلى استرجاع أرض فلسطين , ولقد كانت كل ذكرى من الماضي وكل تطلع نحو المستقبل يحركان هذا الأمل. ولم يكن يمنع تحقيق هذه الأمنية سوى الخوف على الحياة وعلى الممتلكات. فإذا ما أصدرت الدولة الكبرى التي ستحكم المقاطعة السورية تشريعا عادلا، وإذا ما تعهدت بمنح حماية متكافئة لليهود ولغير المؤمنين بكفالة دول الحلف الرباعي. فقد يمهد الطريق عند ذلك لعودة اليهود. وتعود الثقة من جديد وتمسح البلاد محط أنظار حملة لواء المبادرة في العالم بأسره وبشكل خاص محط أنظار ثروة الشعب اليهودي).
معروف بعد ذلك، إن الإمبراطورية العثمانية، على صعفها، وعلى تمزقها، قاومت بتصميم وعناد إقامة (الدولة اليهودية) أو السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين تنفيدا للمخطط البريطاني. ولكن تبقى هذه المحاولات واستمرارها مرتبطة بظاهرتين تاريخيتين، ظهور محمد علي واستعمار فرنسا للجزائر.
стр. 819
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
•---------------------------------•
الفصل الثاني
الوضع الخاص في الجزائر .
السياسات الاستعمارية.
آ - الهجرة والاستيطان.
ب - القضاء على مقومات الأمة العربية - الإسلامية.
ج - المسألة اليهودية - وقانون كريميو.
د - التحريض الخارجي (البروسي - العثماني).
هـ - الكوارث الطبيعية.
و- الثورات التمهيدية
.
стр. 820
السياسات الاستعمارية
استسلم الأمير عبد القادر لفرنسا في سنة ١٨٤٧، وتبعه باي قسنطينة بعد ثمانية أشهر، وظن الجنرال بيجو أن الأمور قد استقرت لفرنسا بصورة نهائية. فمضى يفرض الحكم العسكري في الأقاليم التي احتلتها القوات الإفرنسية. وبقيت مناطق القبائل الجبلية الممتدة بين سهل متوجة (متيجة) غربا، والقل شرقا وهي تنعم باستقلالها، وبعيدة عن الخضوع لسيطرة جيش الإحتلال. وأخذ المجاهدون في التوجه لهذه المناطق المستقلة ليجدوا فيها ملجأ وملاذا يحميهم من الخضوع (لأعداء الدين والوطن) أثناء ذلك، كانت الإدارة الإفرنسية العسكرية في الجزائر تتخبط باستمرار وهي في حالة من العحز عن تقديم الحلول المناسبة لما تجابهه من مشكلات ومصاعب، الأمر الذي عبر عنه أحد القادة الإفرنسيين في سنة ١٨٥١ بقوله: من سوء حظ مستعمرتنا - الجزائر - أنها تعرضت للتنظيم وإعادا التنظيم عشر مرات خلال فترة خمسة عشر عاما. وعلى الرغم من كل هذه التحولات المتتالية، فلا زال النظام يشكل المطلب الأول في طليعة الاحتياجات الرئيسية الكبرى للجزائر. وبات من المحال اليوم،
стр. 821
ضمان الاستقرار بدون إجراء تغييرات جديدة) (١).
استجابت حكومة الإمبراطور (نابليون الثالث) لمتطلبات التغيير، فعينت (الجنرال راندون) (٢) حاكما عاما على الجزائر في كانون الأول - ديسمبر - ١٨٥١. وتقدم (راندون) بمشروع يربط فيه التشريع في الجزائر بهيئة مركزية، وعرض هذا المشروع على وزير الحربية (سانت أرنود) (٣) في ١٤ كانون الثاني - يناير - ١٨٥٢. وأدخل وزير الحربية تعديلات أعلنها في ٢٦ نيسان - إبريل - فأصبح المشروع يتكون من ٢٨ فقرة، وأهمها المادة الثامنة التي تعطي رئيس الجمهورية حق إصدار التشريعات التي لا تعرض على مجلس الشيوخ، وإخضاع المستعمرة الجزائرية لإدارة الإمبراطور مباشرة.
وعلى كل حال فقد رفض هذا المشروع يوم ٧ تموز - يوليو - فتم وضع مشروع من ٣٢ فقرة، يوم ١٣ تموز - يوليو - ١٨٥٢ وعرض على مجلس الشيوخ للاطلاع عليه فقط، وقد تميز هذا المشروع بليبيراليته (تحرريته) وبمنح الأقاليم الجزائرية إدارة ذاتية (غير مركزية). ولكن (راندون) قيد هذا المشروع بأن فرض على حكام الأقاليم العودة إليه
стр. 822
في كل الأمور والالتزام بتعليماته التنفيذية. ثم استقال (سانت أرنود) في آذار - مارس - ١٨٥٤ وخلفه على وزارة الحرب الماريشال (فايانت) الذي كان يتوقع أن يصبح حاكما عاما على الجزائر. فأخذ في الاستماع إلى وجهات نظر مرؤوسه من القادة (الجنرالات) في كافة المواضيع المتعلقة بإدارة الجزائر ومن هنا بدأ بالاصطدام مع (راندون) والتصدي لمشاريعه. وأخيرا، وعندما حاول (راندون) وضع موازنة مستقلة للجزائر، تدخل (فايانت). (١) وأحبط له مخططه، فما كان من راندون إلا أن أخذ بالاتصال بالإمبراطور نابليون مباشرة من أجل تنفيذ رغباته بإعادة تنظيم الجزائر. ومن أجل توسيع صلاحيات الحاكم العام للجزائر. وهذا، وبينما كان راندون يقدم مشروعه تحت عنوان مبسط:
(تحويل السلطات الإدارية المسندة حتى اليوم إلى وزير الحربية، ووضعها في قبضة الحاكم العام، كان فايانت يطرح مشروعه المضاد بالعبارات التالية: (لا يمكن للجزائر أن تكون إمبراطورية صغرى إلى جانب الإمبراطورية الإفرنسية ... ولقد شعرت الحكومات في كافة العصور وفي كل البلاد بالحاجة لإجراء توازن مع السلطات التنفيذية لممثليها فيما وراء البحار وقد تم لها ذلك عن طريق إجراء رقابة فعالة ومركزية على تلك السلطات التنفيذية) (٢) وأمام هذا التناقض والتضاد، قرر نابليون الثالث تعيين وزير في حكومته باسم (وزير الجزائر) وظيفته التنسيق الإداري بين الإدارة الجزائرية والحكومة الإفرنسية وتم تعيين الأمير نابليون لمنصب إدارة الجزائر في٢٣ حزيران
стр. 823
- يونيو - ١٨٥٨، غير أن هذا الأمير لم يتمكن من حل التناقضات القائمة بين هؤلاء المطالبين (بحكم مدني) وأولئك المطالبين (بحكم عسكري) فتم في٢١ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٥٨، تشكيل (هيئة استشارية عليا لشؤون الجزائر والمستعمرات). واستمر الأمير نابليون في عمله (وزيرا للجزائر والمستعمرات) مدة تسعة أشهر فقط، وجد نفسه في نهايتها عاجزا عن تحقيق أهدافه السياسية، فاستقال من منصبه وخلفه (شاملز لوبا) (١) الذي قام بتوسيع الحدود المحتلة، فزاد عدد المواطنين الخاضعين للاستعمار من (٨٥٤،٩٩٠) نسمة إلى مليون و (٨٥٤،٩٩٠) نسمة. واستعاض عن (المكاتب العسكرية العربية) (بالمكاتب المدنية العربية). كما عمل على إعادة تنظيم القيادات، واستبدال قادة بقادة. وكان ذلك كل ما فعله لتطوير نظام الإدارة في الجزائر الذي اعتبر إنتصارا للإدارة المدنية على الإدارة العسكرية. وتولى الماريشال راندون وزارة الحرب الإفرنسية في ٥ أيار - مايو - ١٨٥٩، فأخذ في العمل من أجل إعادة دور الإدارة العسكرية بحجة (الأوضاع الخاصة بالجزائر)؛ حتى إذا ما جاء يوم ٢٤ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٦٠، ألغي منصب (وزير الجزائر)
стр. 824
وأعيد التنظيم العام للحكومة لمصلحة (الماريشال بيليسيه) (١) الذي أصبح حاكما للجزائر يعاونه جهاز إدارة مدني، مع نواب للحاكم العام في الإقاليم. وحصل (بيليسييه) على سلطات واسعة، بما في ذلك تنظيم موازنة مستقلة بالجزائر. على أن يكون اتصال الحاكم العام للجزائر بالإمبراطور نابليون الثالث اتصالا مباشرا. فنظم جهازا تشريعيا ومجلسا. استشاريا أعلى لمعاونة الحاكم العام للجرائر في إدارة الإقليم.
زاد من اضطراب الجرائر الأمر الذي دفع نابليون الثالث للقيام بزيارته الأولى للجزائر في الفترة من ٣ أيار - مايو - وحتى ٧ حزيران - يونيو ١٨٦٥. وحاول خلال هذه الجولة معرفة المشكلات الاستعمارية على الطبيعة، وعندما عاد إلى فرنسا في ٢٠ حزيران - يونيو - حاول بالتعاون مع (ماكماهون) وضع القوانين لجعل الجزائر جزءا من فرنسا بالإضافة إلى أمور تنظيمية أخرى (٢) ومع (ماكماهون، أسسها وقواعدها غير أن الأمور على الساحة الجزائرية لم
стр. 825
تختلف باختلاف التشريعات أو تبديل الحكام والقادة. الأمر الذي أوصل الجزائر في النهاية إلى إعلان الثورة.
تثير مطالعة السطور السابقة دونما ريب مجموعة من التساؤلات عن وضع هذه الدولة التي امتلكت القوة الطاغية الوحشية، والتي أمكن لها بواسطتها الاستيلاء على الجزائر، ثم وقوف هذه الدولة عاجزة عن إدارة ما سيطرت عليه بالقوة. وتعبر ظاهرة الاضطراب المستمر، والتبديل المتتابع للأنظمة والقادة على مدى القصور الناجم بين القوة وبين القدرة على استخدام القوة بصورة صحيحة. وهو الأمر الذي أكدته مسيرة الأحداث بعد ذلك عندما اصطدمت القوة الإفرنسية، بقوة أكثر كفاءة منها، هي القوة البروسية، في ميدان (سيدان) سنة ١٨٧٠، فسقطت القوة الإفرنسية ضحية تناقضاقها الذاتية. وفي الوقت ذاته، فإن بروز هذه التناقضات وظهورها، لم يكن في واقعه إلا نتيجة من نتائج ردود فعل مسلمي الجزائر، في مجابهتهم لقوة الاستعمار الوحشية ; وهنا أيضا وعلى الرغم من قصور الوسائط المادية، وعلى الرغم أيضا من عزلة مسرح العمليات، فقد استطاع المجاهدون في سبيل الله ممارسة دورهم في الدفاع عن ديار الإسلام. مما أوقع السلطة الاستعمارية في شباك تناقضاتها، وتأكدت مرة أخرى في التاريخ تلك الحقيقة الخالدة، وهي أنه من المحال قهر شعب مؤمن ومصمم على تحقيق أهدافه مهما بلغت به درجة الضعف، ومهما تعاظمت في مجابهته قوى الشر والعدوان.
المثير في الأمر هو أن تلك التناقضات كانت تعتمد باستمرار على اللعب (بورقة المواطنين الجزائريين)،و (المزاودة أو المناقصة على حقوقهم الإنسانية والدينية)، وعلى حقوقهم الطبيعية في (الأرض
стр. 826
والوطن). وهنا قد يكون من الضروري التعرض لبعض ما تم طرحه من مقولات أو بعض ما تم تنفيذه من ممارسات تؤكد على حل كل التناقضات في النهاية على حساب الجزائريين المسلمين.
لقد تصدى (راندون) طوال الفترة ما بين سنة ١٨٥٤ وسنة ١٨٥٨ لمقاومة عمليات استثارة المواطنين عن طريق الاستيلاء على أراضيهم وإقامة المستعمرات الإفرنسية فرقها: وجاء في رسالة (راندون) إلى قائد إقليم قسنطينة ما يلي: (إن عملية التهجير الجماعي للمواطنين هي عملية جائرة، علاوة على أنها عملية تتناقض مع السياسية التي يجب علينا تنفيذها. وأرى لزاما على أن أجعل هذه الفكرة مهيمنة على تفكير الوزير، والإلحاح في ذلك حتى يتم قبولها، ذلك لأنها تشتق وجودها من قوة الأشياء وطبيعتها) (١) غير أن (راندون) تعرض للضغوط التي ألزمته بتنفيذ السياسة الاستعمارية، مما دفعه إلى القول: (أرجو ألا نشعر بالندم في وقت لاحق لأننا لم نضمن للعرب حقوقهم في أرضهم التي يزرعونها ويعيشون عليها) (٢).
صدر مرسوم ٣١ آب - أغسطس - ١٨٥٨ بهدف إعادة ننظيم الإدارة في الجزائر، وتضمن التقرير الإيضاحي - التفسيري. لهذا المرسوم والذي تم إعلانه بوضوح تام (بأنه يجب على الحكومة من الآن فصاعدا، أن تجعل من الإستعمار والهجرة والاستيطان هدفا أساسيا لها، ومن أجل ذلك، يجب علينا إخماد المقاومة الصادرة عن شعب
стр. 827
مسلح ويتمتع بالنشاط والحيوية. وهناك أمل في الواقع بأن يتم استخدام التمثيل الإداري، من أجل تهجير الشعب العربي، وتمزيق التلاحم القائم بين القبائل، ويجب العمل بدهيا من أجل إضعاف نفوذ الزعماء الكبار - البارزين - للوصول إلى درجة القضاء على هذا النفوذ تماما) (١). و (أن علينا تحرير الإفراد من سيطرة زعمائهم، وخلق ملكيات فردية متنافسة لدى الجزائريين. ويجب أن تتم عملية إقامة الملكيات الفردية عند العرب، عن طريق استيلاء الحكومة على مساحات واسعة من الأرض تعمل الدولة بعدها على طرح هذه الأرض للبيع بصورة مباشرة) (٢) وعلى كل حال، وإذا لم يتوافر لوزير الجزائر في الحكومة الإمبراطورية ما يكفيه من الوقت لتنفيذ هذا الهدف، فقد أفاد المستعمرون من الفرصة التي أتيحت لهم بموجب مرسوم ١٦ شباط - فبراير - ١٨٥٩، لينطلقوا في تحركهم عبر المناطق العسكرية، لتوسيع حدود ممتلكاتهم.
وعملت السلطات على إظهار حركة نشطة جديدة لدفع القبائل العربية وإبعادها عن أراصيها. مع تمليك بعض الأفراد ملكيات صغرى. وأدرك المسلمون بسرعة مضمون هذه السياسة الجديدة التي تعرض لها تقرير فرنسي بما يلي: (تهيمن على المسلمين في هذه الأيام فكرة ثابتة وقوية. وتتلخص بأن الإفرنسيين يريدون طردهم من بلادهم، وإبعادهم عن أرض أجدادهم. وتحويلهم إلى
أقنان - عبيد - يعملون في خدمة المستعمرين. وقد عمل المستعمرون بممارساتهم على تعميق هذه الفكرة وتثبيتها، ولم يحاول هؤلاء المستعمرون إخفاء أهدافهم أو التمويه على آمالهم. ويقف
стр. 828
الأوروبيون اليوم على حافة مرحلة ستقودهم إلى معاملة الوطنيين الجزائريين مثل معاملة المهاجرين للهنود الحمر في أمريكا
الشمالية) (١) وتجدر الإشارة هنا إلى تعميم صادر عن الإدارة الإفرنسية في الجزائر بتاريخ ٧ أيلول - سبتمبر - ١٨٥٩، جاء فيه ما يلي: (من الضروري الحرص على أن تكون الأراضي المخصصة لإقامة القبائل العربية، لا تزيد بحال من الأحوال عن احتياجاتهم، وأن تكون متناسبة مع عدد أفراد هذه القبائل. ويجب بذل العناية الممكنة لتمييز العائلات الأجنبية التي يمكن أن توجد مؤقتا في مناطق هذه القبائل. هذا وقد تم تكوين مراكز للمستعمرات في الفترة من سنة ١٨٥٨ الى سنة ١٨٦٠ بلغ عددها ٢٧ قرية. تم منحها مجانا للمهاجرين الأوروبيين وبدون منح أي تعويض للمواطنين. أما نفقات هذه المستوطنات وتكاليف إقامتها فقد تحملها المواطنون أيضا عن طريق الموازنة الخاصة التي تم بموجبها فرض سنتيم إضافي على الضرائب التي يدفعها العرب. وهي الضرائب التي فرضها راندون لمصلحة المهاجرين المستوطنين حصرا).
لقد كان الصراع حادا بين المدنيين والعسكريين على إدارة الحكم في الجزائر، المستعمرة، وفقا لما سبقت الإشارة إليه، وكان كل طرف من الطرفين المتصارعين يتهم الآخر بالقصور الأمر الذي تبرزه المقولة التالية عن مصدر فرنسي: (ليس من واجبنا هنا الدخول في تفاصيل ما قام به المدنيون تجاه المواطنين الجزائريين؛ وتكفي الإشارة إلى عزل زعماء المسلمين وقضاتهم المرة بعد المرة، وحشد القبائل في معسكرات
стр. 829
الجنود، وطرد المواطنين من بعض المناطق، مثيرين بذلك بحسب الشواهد الموثوقة حالة من الذعر بين المواطنين الذين ارتفع لديهم الحقد حتى بلغ ذروته. وقد عمل بعض العسكريين على قرع الأجراس، محذرين من الخطر الناجم عن قصور المدنيين إداريا وعدم, كفاءتهم. غير أن قادة الجيش - الضباط - يبتعدون بأنفسهم أيضا عن المسلمين، ويبعدون المسلمين عن مناطقهم. ويحرمونهم من رفع شكاواهم أو التذمر أمام محاكمنا، ولا يتورعون عن إزدراء زعماء المسلمين وتحقيرهم بصورة خطيرة).
وكانت الحكومة الإفرنسية تطالب رجال إدارتها في الجزائر بالاعتدال، وهو ما أكده (راندون) الذي أوضح هدف الاعتدال بقوله: (إن تكتيك الاعتدال هو أمر ضروري لسحق الأفعى أو خنقها) وكان المدنيون يهاجمون العسكريين: (بأنهم يعملون على إشعال نار الثورة، وإثارة الاضطراب، حتى يطيلوا أمد العداء ويزيدوا من عمقه). أما الإمبراطور نابليون، فكان يوصي حاكم الجزائر بقوله: (عليكم إجراء التغييرات بهدوء، ودونما أي ضجيج قدر المستطاع) (١) وعندما انفجرت الحرب الأهلية في لبنان والشام، إنعكست على صفحة الجزائر، حيث صرح حاكم الجزائر يوم ١٩ أيلول - سبتمبر - ١٨٦٠ بما يلي:
(يتلخص واجبنا الأول بتأمين السعادة لثلاثة ملايين عربي، وضعتهم قوة السلاح تحت هيمنتنا ... إن واجبنا هو الارتفاع بمستوى العرب إلى مرتبة الرجال الأحرار. ونشر التعليم فيما بينهم
стр. 830
مع احترام دينهم، وتحسين مستواهم المعيشي - الحياتي - عن طريق استخراج الكنوز والثروات الباطنية التي أودتها العناية الإلهية في جوف الأرض. تلك هي مهمتنا التي سنضطلع بها) (١).
ويمكن أن يضاف إلى ذلك ما قاله نابليون الثالث عند زيارته للجزائر، وحديثه إلى جماهير المسلمين بقوله: (إنكم تعرفون أهدافي وما أنوي فعله؛ إنني أؤكد تأكيدا جازما حقكم في ملكيتكم للأرض التي تشغلونها. وقد عملت على معاملة رؤسائكم بشرف، واحترمت دينكم. وأريد زيادة رفاهكم وثروتكم، كما أريد زيادة اشتراككم في إدارة البلاد أكثر فأكثر لما فيه الخير للحضارة) (٢).
ولكن، وبينما كان نابليون الثالث يطرح أفكاره ووجهات نظره بإدارة الجزائر، كان حاكم الجزائر يتابع أساليبه (لتدمير الأرستقراطية العربية - الإسلامية مصمما على عدم قبول أي إصلاح لأحوال العرب، وإخضاعهم لنظام إقطاعي لا يتعارض مع مصالح فرنسا) وأنه من واجب فرنسا العمل على (صهر القبائل، وتدمير الأرستقراطية العربية بحيث يمكن الوصول بالجزائر إلى إلغاء القضاء الإسلامي والتشريع الإسلامي وتحييد العرب) (٣).
وهنا قد يكون من المناسب تجاوز كلمة (الأرستقراطية العربية) وفقا لمضمونها العلمي، والأخذ بما هو مقصود منها عمليا، من قضاء على القيادات العربية والإسلامية وترك الشعب محروما من القيادات
стр. 831
التي يمكن لها التجاوب مع مطالب الجماهير، وخلق حالة من الفراغ القيادي الذي لا يملؤه إلا الوجود الاستعماري، وهو ما يؤكده تعميم الحاكم العام للجزائر (راندون) يوم ١٤ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٦٨ والذي جاء فيه: (علينا الإفادة من عامل الوقت باستمرار، وتسخير كافة الظروف للقضاء على وظائف الخليفة والباشآغا والآغا حتى لا يبقى من يمارس القيادة في أقاليم الجزائر الثلاثة إلا القائد والشيوخ) وكان راندون هذا قد كتب رسالة في يوم ٢١ آذار - مارس - ١٨٦٦ جاء فيها: (يجب تكثيف الجهود لاتباع سياسة متحفظة وحكيمة هدفها إبطال النفوذ الذي تتمتع به العائلات الجزائرية منذ أجيال عديدة) (١).
قد يكون من المحال بعد ذلك جمع كل المقولات والشواعد المتعلقة بالسياسات الإستعمارية الإفرنسية، وما تم تطبيقه من ممارسات إجرامية على أرض الجزائر، بسبب وفرة تلك المقولات والشواهد التي يضيق البحث عن حصرها واستيعابها. غير أنه بالمستطاع حصر الخطوط العامة لتلك السياسات بما يل:
آ - الهجرة والاستيطان:
ظنت الحكومة الإفرنسية أنها بقضائها على الثورتين الرئيسيتين اللتين تزعمهما بالمشرق أحمد باي قسنطينة، وفي بقية الجزائر الأمير عبد القادر. قد باتت قادرة على الانطلاق من المناطق الساحلية المحتلة للتوغل - دونما مقاومة - في عمق الوطن الجزائري. فكان أن شجعت الحكومة الإفرنسية جيشها على غزو المناطق الداخلية في البلاد: (فاتبع
стр. 832
الجيش أسلوب الأرض المحروقة، وأحرق عشرات القرى، وقطع آلاف الأشجار من التين والزيتون، أملا في الوصول إلى نتيجة إيجابية، هي إرغام السكان على الخضوع للسيطرة الإفرنسية) (١). وعندما عين (راندون) حاكما عاما على الجزائر في كانون الأول - ديسمبر - ١٨٥١، عزم على تطوير سياسة التوسع والغزو لبلاد (جرجرة) و (البابور)، وكان من أتباع مدرسة سلفه (بيجو) في الاحتلال بواسطة التجويع والحرق والتخريب وقطع الأشجار المثمرة - واهتم بإنشاء شبكة من طرق المواصلات لتسهيل عملية الغزو وشجعته حكومة الإمبراطور على عمليات التوسع هذه، فجهز جيشا كبيرا سنة ١٨٥٣ اقتحم به الشمال القسنطيني مرة أخرى، وغزا وسيطر على المنطقة الممتدة بين جيجل والقل وقسنطينة بجبال البابور. وبعد ذلك أخذ (راندون) بغزو المنطقة الغربية من جبال جرجرة. وفي العام ١٨٥٦ غزا بقواته منطقة ذراع الميزان. واكتفى ببعض العمليات العسكرية التي اعتبرت بمثابة تظاهرة عسكرية ذات هدف استطلاعي تمهيدا لعمليات أكثر اتساعا وشمولا. وفي العام ١٨٥٧، أذنت حكومة الإمبراطور نابليون الثالث لحاكم الجزائر (راندون) بغزو جبال جرجرة، واحتلالها بصورة رسمية. فجهز حملة كبيرة صمت أكثر من عشرة آلاف رجل، وانطلق بها من (تيزي أوزو) في ثلاثة اتجاهات ابتداء من يوم ٢٤ أيار - مايو - وانتهت عمليات هذه الحملة بفرض غرامات حربية ضخمة على السكان زادت على مليون فرنك، علاوة على ما لحق بالعرب المسلمين من تدمير لقراهم وتخريب لمساكنهم
стр. 833
ومزارعهم وإبادة لحيواناتهم. وانطلقت القوات الاستعمارية بعد ذلك من جرجرة والبابور إلى جهات كثيرة من البلاد.
استمرت سياسة الغزو والتوسع الاستعماري طوال عشرين سنة رافقت عهد الإمبراطورية الثانية، وعانى الجزائريون ويلات الحروب والتشرد والدمار. غير أن هذه السياسية لم تكن إلا وسيلة لتطبيق أساليب الهجرة التي فتحت أمام الأوروبيين عامة وأمام الإفرنسيين خاصة لتوطينهم في الجزائر المحتلة. ولقد ارتبطت عملية الهجرة والاسيطان بعملية الاستعمار، منذ البداية. غير أنه ما أن تم الإعلان عن قيام إمبراطورية نابليون الثالث (في تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٥٢) حتى فتحت حكومة الإمبراطور أبواب الجزائر على مصاريعها أمام أفواج المجرمين العاديين والخصوم السياسيين وزعماء المعارضين وكل المغامرين والطامعين، وخلاصة القول، فقد حاولت الحكومة الإمبراطورية حل كل مشكلاتها دفعة واحدة على حساب الجزائر. ونشطت حركة الهجرة بعدئذ، حيث تقرر تهجير مائة ألف أوروبي، واعتمد المجلس الوطني الإفرنسي مبلغ خمسين مليون فرنك لإنشاء مراكز استيطانية ومستعمرات أوروبية. وتم تخصيص الأراضي للمهاجرين من ٢ - ٢٠ هكتارا، بالإصافة إلى المنازل والحيوانات والآلات. وبلغ عدد القرى الاستعمارية التي أنشئت فيما بين أعوام ١٨٥١ و ١٨٥٧ ما مجموعه ثمان وستين قرية (١).
стр. 834
عملت حكومة الإمبراطور نابليون الثالث على تدمير القيادات، العربية - الإسلامية، وهي القيادات التقليدية، بحجة القضاء على ما أطلقت عليه اسم (الأرستقراطية العربية) وذلك بهدف خلق نوع من الفراغ السياسي - على نحو ما سبقت الإشارة إليه - ومقابل ذلك: (تبنى الإمبراطور عددا من المشاريع لإقامة مستعمرات عسكرية يتولى إدارتها القادة الكبار من الفرنسيين. وكان هدفه من ذلك خلق أرستقراطية عسكرية فرنسية قائمة على امتلاك الإقطاعات الكبيرة من قبل القادة ذوي الرتب العليا العاملين في خدمة الجيش الإفرنسي) (١) واعتمدت حكومة الإمبراطور أيضا على كبار الرأسماليين لدعم الهجرة والاستيطان، وكذلك الشركات الرأسمالية الكبرى، باعتبار أن كثيرا من رجال الأعمال والمصارف (البنوك) وكبار الرأسماليين - وخاصة السويسريين - كانت تربطهم صداقات شخصية الإمبراطور، الذي كان بدوره يميل إلى دعم هذه السياسة حتى لا تتكلف حكومته بتحمل أعباء اقتصادية، أو تضطر إلى تقديم المعونات المالية. وهو الأمر الذي دفعه لإصدار ما عرف باسم (مشروع بياريتز) والذي يسمح لهؤلاء بتأسيس المشاريع الكبرى بالجزائر لصالح الاستعمار الاستيطاني. وكان من استفاد من هذه السياسة على سبيل المثال - المقاول الباريسي (دومونشي) الذي منح سنة ١٨٥٤ أرضا بلغت مساحتها ٢٦٧٢ هكتارا في تيبازة طرد منها ست وتسعين عائلة جزائرية، ليقيم فوقها وحدات سكنية للمهاجرين
стр. 835
الأوروبيين. وكذلك شركة (جنيفواز - السويسرية) التي تألفت عام ١٨٥٣ من طرف رأسماليين من جنيف، وحصلت خلال عشر سنوات على مساحة (٢٨١) ألف هكتار؛ من أجل بناء القرى، لاستقبال المهاجرين الأوروبيين، وخاصة السويسريين. كما منحت (الشركة العامة الجزائرية) مساحة مائة ألف هكتار سنة ١٨٦٥، لتوطين عشرين ألف عائلة أوروبية، مقابل قرض قدمته للدولة بمبلغ مائة مليون فرنك. ومنحت (الشركة العامة للهبرة ومقطع الحديد) مساحة (٢٥،٥٠٠) هكتارا عام ١٨٦٥، مقابل إنشاء سد فرقوق قرب المحمدية. وحصلت (شركة جمعية الغابات) على مساحة (١٦٠) ألف هكتارا من الغابات لتستغلها لمدة ستين عاما، فقامت ببيعها إلى ثلاثين معمرا أوروبيا.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن السلطات الإفرنسية كانت تنتزع الأراضي من الجزائريين، وتهبها للجمعيات الدينية المسيحية والهيئات الكنيسة، والتي كانت تبيعها بدورها إلى المعمرين الأوروبيين. ونتج عن هذه السياسة الاستعمارية - الاستيطانية حرمان الجزائريين من أراضيهم وممتلكاتهم وموارد رزقهم وحياتهم، وعزلهم عن مناطق إنتاجهم، فتحولوا إلى طبقة بائسة محرومة من كل الحقوق. وزاد الأمر سوءا بحرمانهم من كل حقوقهم السياسية. فبات المخرج الوحيد هو اللجوء إلى السلاح، كتعبير طبيعي عن حق الوجود، وكانت الإدارة الإفرنسية الاستعمارية تتوقع مثل هذه الردود، وتعد المخططات لاسثمارها من أجل المزيد من التوسع.
ب - القضاء على مقومات الأمة العربية الإسلامية:
لم يرض الأوروبيون، ولم يقنعوا، بما تم تطبيقه من سياسة
стр. 836
استعمارية في إطار الهجرة والاستيطان فانطلقوا لشن الحملات الصحافية ضد السلطة العسكرية والمكاتب العربية، مع المطالبة بدمج الجزائر سياسيا في إطار نظام مدني، وبطرد الجزائرين من أراضيهم، وتشجيع بيعها للمستوطنين بصورة أوسع (١). واستجابت حكومة الإمبراطور نابليون الثالث لمطالبهم، فأنشأت يوم ٢٤ حزيران - يونيو - ١٨٥٨ ما أطلق عليه إسم (وزارة الجزائر والمستعمرات) وأسندت رئاستها إلى (الأمير جيروم نابليون) الذي كان له دور في هذا التغيير لما له من تأثير على عمه الإمبراطور فاستحدث مجلسا أعلى إلى جانبه، ومجالس إقليمية في كل مقاطعة، بهدف الإدماج الكامل للجزائر في فرنسا (٢) ومن أجل ذلك تم إنشاء ست دوائر عمالية مدنية، وجرت محاولة لإدماج العدالة الإسلامية في القضاء الإفرنسي - المدني .. ولم يبق للسلطة العسكرية بعد هذه الإجراءات سوى منصب القيادة العليا للقوات البرية والبحرية التي أسندت رئاستها إلى ماكماهون.
وكان من المفروض أن تسير الأمور سيرا طبيعيا. ولكن الوزير الجديد
стр. 837
وجد نفسه في أوضاع غير مرضية، لكونه اختلف مع عمه الإمبراطور حول سياسته بإيطاليا. كما اصطدم بمعارضة العسكريين بالجزائر لسياسته التي تؤيد بصورة مطلقة إتجاه المعمرين الأوروبيين الذين يرون أن الجزائر فتحت بالقوة، ومن حقهم أن يطردوا لذلك الجزائريين من أراضيهم وممتلكاتهم، ليستولوا عليها ويتقاسموها. وقد أكد (ماكماهون) بأن الأمير وإن كان قد درس جميع الوسائل الاستعمارية في الأمريكيتين، إلا أنه رغم ذلك لم يكن يحسن (فهم المعضلة الجزائرية). ولم يكن يضع في اعتباره حساب مليونين ونصف مليون من الجزائريين الشجعان (الذين صمموا على القتال دفاعا عن استقلالهم ودينهم). وأوضح أن السلطات الإفرنسية بما تنشره - صحافتها - من سباب وإهانات للجزائريين قد أسهمت بدفعهم للثورة الدائمة. وأن الأمير لم يعمل على إيقاف ذلك بالرغم من إلحاح القيادة العسكرية وضباط الشؤون العربية عليه في ذلك. كما أوضح (ماكماهون) بأن الذين كانوا ينشرون مقالات الطعن والسباب ضد الجزائريين معظمهم من المنفيين المعارضين لسياسة الإمبراطور وحكومته. وبنتيجة هذه المشاكل كلها، اغتنم الأمير جيروم فرصة ذهابه إلى إيطاليا لعقد قرانه على ابنة ملك سردينيا، فأعلن من هناك تنازله عن منصب وزارة الجزائر والمستعمرات يوم ٧ آذار - مارس - ١٨٥٩ فتم تعيين (الكونت شاسلو لوبا) بصورة رسمية في مكانه، وتعرض هذا بدوره لعداء العسكريين، وانتهى الأمر بإلغاء هذا النظام تماما. وتم بدلا عنه تشكيل الحكومة العامة للجزائر في كانون الأول - ديسمبر - ١٨٦٠ تحت رئاسة القائد العام للقوات البرية والبحرية، والذي كان عليه الاتصال مباشرة بالإمبراطور في الأمور السياسية تحت مراقبة وزير الحربية، على أن يكون إلى جانبه مجلس
стр. 838
استشاري ومجلس أعلى وعين (الماريشال بيليسييه) حاكما عسكريا جديدا، وبذلك عاد الحكم العسكري بسرعة إلى الجزائر. واتبع (بيليسي) سياسة (راندون) ذاتها فيما يخص مصادرة الأراضي لصالح الهجرة والاستيطان الاستعماري، ومد الطرق المعبدة، والسكك الحديدة، لخدمة مشاريع الأوروبيين الاقتصادية، ومستقبلهم السياسي. وكان في نيته تطوير هذه السياسة والوصول بها إلى أبعد الحدود. ولكن الإمبراطور نابليون الثالث، كان يفكر في سياسة جديدة تجاه الجزائريين خاصة بعد زيارته القصيرة للجزائر في العام ١٨٦٠، حيث شعر بالقلق نتيجة تجريد المواطنين المسلمين من ملكيتهم الشخصية. فقرر إصدار قانون يمنحهم حق البقاء في الأراضي التي يستثمرونها ويعيسون عليها. ونصح الأوروبيين بالتوجه للمجالات الأخرى مثل استثمار الغابات والمعادن واستصلاح الأراضي وإنشاء السدود والطرقات والصناعات المتنوعة. كما نصح بالحد من هجرة الأوروبيين إلى الجزائر، وختم رسالته التي وجهها إلى (بيليسييه) بهذا الشأن في ٦ شباط - فبراير - ١٨٦٣ بما يلي: (إن الجزائر مملكة عربية، وأنا إمبراطور العرب مثلما أنا إمبراطور الإفرنسيين). غير أن هذه السياسة - الليبيرالية - لم تعجب العسكريين الذين كانوا يطالبون بالعودة إلى (نظام السيف) باعتباره الوسيلة الوحيدة لإخضاع الجزائر الثائرة. وأمام هذه الضغوط أصدرت السلطة الإفرنسية قانون ٧ تموز - يوليو - ١٨٦٤ الذي أعاد السلطة للحكام العامين للفيالق العسكرية على الحكام المدنيين للمقاطعات الجزائرية الثلاثة. وبذلك اشتدت قبضة العسكريين على الجزائر التي تحولت إلى مستعمرة عسكرية، كما كانت خلال الفترة الأولى للاحتلال (فترة حكم بيجو). وتم تعيين المارشال (ماكماهون) حاكما
стр. 839
جديدا للجزائر في أيلول - سبتمبر - ١٨٦٤ من أجل تنفيذ هذه السياسة. غير أن المدنيين والعسكريين على السواء استقبلوا (ماكماهون) بالغضب رغم كونه سيمارس سياسة سلفه (بيليسييه) الأمر الذي اضطر نابليون الثالث للقيام بجولته الثانية في الجزائر (٣ أيار - مايو - حتى ٧ حزيران - يونيو ١٨٦٥) حتى تنقل في جهات كثيرة، قابل خلالها شخصيات أوروبية وعربية، وعندما عاد إلى فرنسا، وضع سياسته الجديدة في رسالة بعث بها إلى (ماكماهون) في ٢٠ حزيران - يونيو ١٨٦٥ وانتقد فيها الأوضاع السائدة. ومما تضمنته رسالته - كما سبقت الإشارة إلى ذلك -: (بأن الجزائر مملكة عربية، ومستعمرة فرنسية ومعسكر أوروبي. وأنه من الضروري الاعتماد على أريحية الجزائريين في التطوير، ذلك لأنه من المحال القضاء على ثلاثة ملايين جزائري أو رميهم في الصحراء كما فعل الأمريكيون بالهنود الحمر. واعترف أن هناك بالجزائر عسكريون يمكرون بالجزائريين. كما أن مصالح الغابات تضايقهم كثيرا، وتمنعهم من قطع ولو محراث خشبي. وذكر أن من أخطاء فرنسا أنها تطبق بالجزائر قوانين وضعت خصيصا لفرنسا - مثل قانون الصيد - وذلك مما جعل الجزائريين يفقدون أملاكهم ويتعرضون للإفلاس).
لقد كانت سياسة نابليون الثالث قائمة على المرونة وكسب الوقت لتعميق جذور الاستعمار، مع التظاهر بعملية (النقد الذاتي) لتغطية سوءات الاستعمار، ورفع الشعارات الفاضلة، بهدف التضليل والخداع. وقد طلب نابليون إلى العرب إظهار أريحتهم لتطوير الجزائر، كما طلب إلى الجيش الإفرنسي في حديثه يوم ٩ حزيران - يونيو - ١٨٦٤ ما يلي: (إنكم أول من يجب عليه مد يد العون.
стр. 840
إلى العرب الممزقين بروح من الصداقة، والتعامل معهم بكرم وعدل، باعتبارهم جزءا من العائلة الإفرنسية الكبيرة). وكان مشروع نابليون للإصلاح يتضمن: (إعادة تنظيم قبائل المخزن وإقامة مجالس في مناطق القبائل. وإقامة جامعة عليا للقانون الإسلامي في الجزائر.
وإعادة تنظيم المدارس الابتدابة، حيث كان هناك ٢٣١٣ مدرسا يدرسون القرآن الكريم وعلوم الدين لطلاب المرحلة الابتدائية الذين كان عددهم يزيد على (٢٦،٥٠٠) طالب وبذلك يتم إخراج التعليم من أيدي المشايخ) (١). وعلى كل حال، فقد جاءت الممارسات والأعمال التطبيقية لتفضح كل المزاعم الإيديولوجية والمقولات النظرية. وظهر بوضوح أن (السياسة العربية للإمبراطور) لم تكن إلا الوسيلة لخدمة المصالح الإفرنسية فمحاولة اسمتمالة الجزائريين: (لم تكن إلا لدعم مركز فرنسا، وتأمين سلامة الجيش الإفرنسي وضمان أمن المهاجرين، وإمداد الجيش الإفرنسي بالمقاتلين الجزائريين الذين عرفت القوات الإفرنسية شجاعتهم في حروبها بالقرم وإيطاليا والصين والمكسيك وكذلك خدمة الاقتصاد الإفرنسي باسثمار ثروات الجزائر الوطنية التي ستسفر عنها حركة تجارية عظيمة لمصلحة فرنسا).
أما هدفه من الاهتمام بالزوايا الإسلامية (فليس المقصود منه تطوير التعليم العربي - الإسلامي، وإنما هدفه تشكيل طبقة من (العملاء والجواسيس) تعتمد عليهم فرنسا في تحقيق سياستها وفرض رقابتها الفكرية والسياسية، والحيلولة دون قيام حركات ثورية ضدها تنطلق من داخل تلك الزوايا، (٢) ولم يكتف بفرض هذه الرقابة على
стр. 841
الزوايا، فعمل على تدعيم الوجود الكنسي في هذا البلد العربي المسلم. ورفع درجة أسقف مدينة الجزائر إلى مستوى الأبرشية، وأمر بتأسيس أبرشيتين في كل من قسنطينة ووهران. وكشفت اقتراحات نابوليون الثالث - حول التركيز الاستعماري، حقيقة نواياه ومشاريعه التوسعية - الاستعمارية. حيث خصص معظم مناطق التل للجاليات الأوروبية، والتوطن الاستعماري في المقاطعات الثلاثة. وذلك يعني تحطيم المجتمع الجزائري وطرده من أراضيه الخصبة إلى قسم الجبال الجرداء والصحراء القاحلة. وحتى عندما اقترح تخصيص مائة مليون فرنك للتطوير الاقتصادي بالجزائر، وزعها توزيعا لا يخدم سوى مصالح الجالية الأوروبية فقط ومشاريعها الاقتصادية، ولم يخصص أي مبلغ لصالح الجزائريين. وبالإضافة إلى هذا طالب بالاقتصاد في النفقات، وعدم الاهتمام بالأمور الفنية لأن البلد في نظره، حديث، والغرض، إنجاز الأعمال بكيفية أكثر بساطة تؤدي إلى (تركيز الاستعمار). وبعد أن أكد على ضرورة تدعيم فرق رجال المخزن على أطراف إقليم التل، لتخفيف الأعباء على الجيش الإفرنسي فيما يخص الحراسة والمراقبة، وتقوية فرق (الزمالات والصبايحية) والاختيار المناسب لرؤساء المكاتب العربية من رجال المخابرات واقترح - نابليون الثالث - اعتبار الجزائريين فرنسيين، تطبيقا للقوانين والتشريعات الإفرنسية السابقة التي تعتبر الجزائر أرضا إفرنسية مكملة للتراب الإفرنسي منذ سنة ١٨٤٨. ولكي يرغب الجزائريين في حمل الجنسية الإفرنسية، نص اقتراحه على السماح لهم بالاحتفاظ بدينهم الإسلامي، إلا من يرغب في غير ذلك بعد أن يطلب إليه الاختيار، هذا إلى جانب فتح أبواب الوظائف العمومية لهم، على أساس خدمة
стр. 842
المدني في الجزائر والعسكري في سائر أنحاء الإمبراطورية (١).
أقامت الإدارة الإفرنسية في الجزائر، منذ الأيام الأولى للاستعمار، مكتبا خاصا أطلق عليه اسم (المكتب العربي) بمهمة تأمين الاتصال بالجزائريين. وقد أطلق على هذا الاسم اعتبارا من سنة ١٨٣٧ (مصلحة الشؤون العربية) وكانت هذه المصلحة تعمل تحت إشراف الضباط الإفرنسيين. وفي نهاية شباط - فبراير - ١٨٤٤ صدر قرار بإنشاء وظيفة (مدير الشؤون العربية) لإدارة المصلحة السابقة تحت إشراف الحاكم الأعلى في كل دائرة وناحية وبذلك برزت (المكاتب العربية) التي حدد واجبها بتنظيم شرطة العرب، وجباية الغرامات والضرائب، ومساعدة الرؤساء الجزائريين الخاضعين لفرنسا، ومراقبة السكان من الناحية السياسية. وعلى هذا الأساس اعتبر الإفرنسيون نظام المكاتب العربية ورؤساء الأهالي مهما لهم (يؤدي خدمة جليلة ومفيدة). وقد توسمت سلطات هذه المكاتب العربية بالتدريج وقوي نفوذها حتى أصبح ديوان المكتب العربي هو المركز الحقيقي للسلطة بالجزائر، وصارت تمارس مسؤوليات الحراسة والمراقبة، والتوجيه السياسي والديني والمالي والعسكري والإداري. كما صارت إدارة مستقلة حتى عن الجيش، ويخضع لها تسعة أعشار البلاد. واعتمد ضباطها في إدارتهم على الزعماء الوطنيين. ولكن ذلك لم يمنع الأوروبيين من التمتع بحقوق وامتيازات سياسية متعاظمة اعبارا من سنة ١٨٤٨. كما لم يمنعهم ذلك من تنظيم معارضة شديدة ضدها ومناصبتها العداء طوال عهد الإمبراطورية، مع محاولة القضاء
стр. 843
عليها باعتبارها تمثل في نظرهم حاجزا ضد تسلطهم على البلاد سياسيا وإداريا، واعتبروها دعامة للسلطة العسكرية التي يعارضون وجودها باستمرار - منذ سنة ١٨٤٨ - . ودفع ذلك السلطة الإفرنسية إلى إصدار تعليماتها في ٢١ أذار - مارس - ١٨٦٧ والتي نصت على إشراف الحكام العسكريين للمقاطعات والنواحي، على توقيع الأوامر والتعليمات، وعلى حصر عمل المكاتب العربية في إدارة بشؤون الأهالي وجعل ضباطها (مجرد ضباط إتصال بين السلطتين المدنية والعسكرية).
لقد كان الجدل بين المدنيين والعسكريين من دهاقنة الاستعمار مركزا في الواقع على أفضل السبل لتأمين (النهب الاستعماري) بأفضل الوسائل وأكثرها سهولة. والشواهد على ذلك غير محدودة، ومن ذلك على سبيل المثال: (تحتاج الجزائر إلى سيف الأباء حتى تتوافر فيها السعادة. والحكومة العسكرية هي التي تستطيع ممارسة الحكم بدون أن تصاب (بالارتعاش). وهي التي يمكن لها تذليل العقبات أمام المعمرين غير المدربين والمعزولين في كل مكان) وكذلك ما قيل: (من أنه بعد ثمانية وثلاثين عاما من الاحتلال العسكري لا زالت فرنسا أجنبية عن هذا الشعب، مثل اليوم الذي وصلت فيه إلى الجزائر. وهذا ما يفرض دعم الحكم العسكري حتى لا تضيع الجزائر، وحتى لا تفقد فرنسا الطاقات العسكرية التي تستفيدها منها) ولم تتورع المجلة العسكرية الإفرنسية من دعم هذا الاتجاه فجاء في أحد أبحاثها ما يلي: (إن القوة وسيطرة الجيش هما الوسيلة الوحيدة للمحافظة على الأمن، وكسب ود الأهالي، وجلبهم إلى الحضارة الأوروبية) (١) هذا في حين حاولت بعض المصادر الإفرنسية معالجة
стр. 844
الموقف من أرضية واقعية - ولمصلحة فرنسا أيضا - فكتبت ما يلي: (وجد الأهالي - الجزائريون - أنفسهم، وهم مرغمين على البقاء تحت أشواك المسيحيين واليهود لأنهم لم يبق فيهم أي غني بورجوازي، وحولت مساجدهم إلى كنائس، واضطر الكثيرون منهم إلى الهجرة نحو المغرب وتونس. أما ما بقي لأهالي الجزائر من الأعمال، فهي: السخرة والإغارات والضرائب والجفاف والسلب والنهب والربا وكروب الجوع والثورات، ونطلب منهم بعد ذلك كله أن يبقوا أصدقاء لنا في حالة الحروب) (١).
لقد وضح للجزائريين من خلال الصراع الدائر بين مراكز القوى الاستعمارية، أن شعب الجزائر ومشكلاته لم تكن تعني بالنسبة للإستعماريين شيئا. وأن كل اهتمام هؤلاء موجه لتجنيس الجزائريين وصهرهم في بوتقة المجتمع الإفرنسي، بعد إعادة تشكيلهم، سواء كان ذلك بصورة بطيئة أو مستعجلة وكان لا بد لذلك من أن يثير كوامن الغضب في أعماق نفوس المسلمين المؤمنين.
ج - المسألة اليهودية وقانون كريميو:
استقبل اليهود في الجزائر جحافل الغزو الاستعماري الإفرنسي بالفرحة والابتهاج (سنة ١٨٣٠) حتى أنهم (ركعوا على ركبهم لتقبيل أقدام ضباط وجنود الحملة وأيدتهم) وأصبحوا بعد ذلك وسيلة الإفرنسيين للسيطرة على البلاد. ووثقوا روابطهم بهم، وبدأ البعض منهم في الحصول على الجنسية الإفرنسية بصورة شخصية. حتى إذا ما أقبل العام ١٨٤٣، تم وضع أول مشروع لتحقيق تجنيس جماعي
стр. 845
لهم. واتضح بعد ذلك أن من مصلحة فرنسا ربط يهود الجزائر بها وتحويلهم إلى فرنسيين. واقترح المجلس العام لمدينة قسنطينة عام ١٨٥٨ تجنيسهم بصورة جماعية، ووجه يهود الجزائر عام ١٨٦٤ مذكرة إلى مجلس السيناتوس كونسولت بفرنسا في الموضوع ذاته حتى يحصلوا على حق الإنتخاب والعضوية في المجالس العامة. ولم يطل الأمر كثيرا، ففي ١٤ تموز - يوليو - ١٨٦٥ صدر قرار من المجلس نص على منح الجنسية الإفرنسية لليهود والمسلمين معا بصورة شخصية مع إحتفاظهم بأحوالهم الشخصية (حيث نصت المادة الثانية من قرار التجنيس على أن الأهالي اليهود يصبحون فرنسيين مع احتفاظهم بالشخصية الموسوية. ولهم الحق في العمل بالجيش والوظائف العامة بالجزائر). واكتسب اليهود بعض الحقوق المدنية. وأخذت المجالس العامة بالجزائر، تطالب كل سنة إبتداء من هذا التاريخ بتحقيق الجنسية الجماعية لهم. وقد حمل المحامي (كريميو) (١) على عاتقه