← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

من إنذاره، لرفضه الانضمام إلى الثورة، وألحقا به أضرارا فادحة. وخربا له منزل سكناه. وعندئذ استنجد (ابن علي الشريف) بحاكم بجاية الإفرنسي، الذي كان يعسكر في قرية القصر منذ يوم ٩ نيسان -إبريل - فأمده ببعض البنادق القديمة، التي لم تفده. فاستنجد بالجنرال الإفرنسي (لاباسي) الذي وصل بقواته بحرا إلى بجاية يوم ١٤ نيسان - إبريل - غير أن هذا اعتذر عن تقديم الدعم بحجة أن الثوار قد باتوا مسيطرين على الطريق في سيدي عيش وتاقريت، مما يجعل إرسال النجدات أمرا صعبا. انتقل (سي عزيز) بقواته يوم ١٦ نيسان - إبريل من (ذراع بلوزير) إلى (جبل عديسة)، وعاقب بني جليل لتقاعسهم عن الاستجابة السريعة لنداء الثورة، وفرض عليهم غرامات مالية. وبدأ هو وأخوه بعد ذلك في ممارسة أعمال العنف ضد أعداء الثورة من الجزائريين والأوروبيين ثم توجها إلى (بجاية) لمهاجمتها عبر منطقة الجبابرة. بينما كان ثوار (إفناين وآيت إسماعيل) يعسكرون أمامها على يمين معسكر القصر. وجرت اشتباكات بسيطة، تراجع بعدها سي عزيز وأخوه إلى (إيغيل) أو عزوز - أمام مضيق تيزي الجمعة. وفي يوم ٢٠ نيسان - إبريل - وصلت رسالة ثانية من الحاج محمد المقراني إلى سكان (يلولة أو سامر) يحثهم على الجهاد، ويتبرأ من (ابن علي الشريف) الذي (يثبط الناس عن الجهاد). وأبلغهم بأنه ذاهب إلى سور الغزلان لاعتراض القوات الإفرنسية. ووعدهم أن يتجه فور عودته إلى (أقبو) ليتعاون مع الشيخ عزيز - في تخريب (عزيبه) ومنازل السكان الذين تبعوه. ولكن المقراني لم يعد من هذه العمليه، إذ قتل في معركة واد سقلات - كما سبق ذكره. فبدأ سي عزير تقدمه من جديد

стр. 912

- الشيخ عزيز بن الحداد Si AZIZ - CHEF DE L'INSURRECTION KABYLE

стр. 913

على رأس قواته يوم ٢١ نيسان - إبريل - وهدفه الرصول إلى بجاية عبر وادي الصومام. وعندما وصلت طلائع قواته على مسافة (١٣) كيلومترا من المدينة، اصطدمت بطلائع القوات الإفرنسية، فتراجع سي عزيز بقواته إلى قرية (تاوديرت الأربعاء)، وانسحب قسم كبير من القوات الإفرنسية إلى الجزائر العاصمة بعد أن تلقت هذه القوات مهمة جديدة هي الدفاع عن قرى سهل متيجة (متوجة) وحماية العاصمة التي باتت مهددة بقوات الثوار. تمركز الشيخ محمد بن الحداد (بعد اشتباكات يوم ٢١ نيسان - إبريل) في ثلاثة مواقع لمتابعة حصار مدينة (بجاية) على بعد سبعة كيلومترات منها. فوضع قوة في (بوشامة داخل جبل قوراية) ووضع قوة ثانية في (تيزي)، أما القوة الثالثة فتمركزت في (تيرياهنت) على الضفة اليمنى لوادي الصومام. وحدثت بعض الاشتباكات جرح خلالها القائد أحمد أورابح المتعاون مع الإفرنسيين. وفي هذا الوقت ذاته، كان الثوار في (إيلولن) يهاجمون ابن علي الشريف في شلاطة. خاض (سي عزيز) والمجاهدون معركة كبيرة ضد الإفرنسيين في جبل طافات يوم ٣٠ نيسان - إبريل - واتجه في اليوم الأول من أيار - مايو - لمهاجة برج بلقاسم بن حبيلس المتعاون مع الإفرنسيين بمنطقة البابور،، بصحبة صهره وعدد من وجهاء أولاد مقران وزعماء المنطقة، وذلك ليسهل عليهم الطريق للزحف على مدينة سطيف نفسها، غير أن ابن حبيلس حصن برجه، واستدعى أخاه عمر بن حبيلس وجماعة من بني فوغال للدفاع عنه. وأمكن له إيقاف هجوم الثوار. وكلف (سي عزيز) بعضا من قواته بمهاجمة قرية (العلمة) وحاول

стр. 914

هو أن يهاجم قرية (الوديسية) ولكنه فشل في محاولته - كما حاول استمالة الزروق بن يللس وداوود بن كسكاس وضمهما إلى صف الثورة، ففشل في محاولته هذه أيضا. وحدثت بعد ذلك مجموعة من المعارك يومي ٦ و٧ أيار - مايو، تمكن خلالها سي عزيز من التقدم إلى زمالة عين عبيسة وتدمير برجها، وذلك بالرغم من النجدات الإفرنسية وحملات أنصار الإفرنسيين من أمثال داوود بن كسكاس، وأحمد بن زيدان قائد قرقور، والحاج بوعكاز. واستطاع سي عزيز تدمير القوة الإفرنسية المدافعة عن (برج عين عبيسة) هي ومن كان معها من الصبايحية والقواد وأولاد تابت. ترددت أصداء انتصارات سي عزيز هذه بقوة، واستقبل الناس أخبارها بحماسة، فأقبلوا على الانضمام إليه. وعسكر بمن معه في جبل عنيني، وكان عددهم حوالي ستة آلاف محارب. وتصدت هذه القوات للإفرنسيين بعين رواح في ثنية الماجن. كما خاض ثوار أولاد ناصر معارك ضد داوود بن كسكاس على بعد عشرين كيلومترا من جبل باوش في عين الكحلة، واستشهد في هذه المعارك عدد من المجاهدين. وعلى أثر هذه المعارك، انسحب (سي عزيز) إلى عموشة لاستشارة أولاد صالح واستنهاض هممهم. في حين انسحبت القوات الإفرنسية إلى تاقيطونت، تحت وابل رصاص الثوار. غادر سي عزيز بعد ذلك عموشة، وانضم إلى معسكر أخيه الشيخ محمد في (تيزي الجمعة) حول بجاية. ولم يلبث أن انضم إليها بومزراق يوم ١٦ أيار - مايو - وتم تنظيم مجموعة من الهجمات ضد القوات الإفرنسية وأعوانها في المنطقة. وقامت البوارج الإفرنسية بقصف القرى المجاورة لمصب وادي الصومام. ثم اتجه سي عزيز

стр. 915

وبومزراق إلى عموشة حيث التقيا بمقدم فرجيوة - القريشي بن سيدي سعدون - في قرية تاسة، والذي كان الإفرنسيون قد هاجموا زاويته يوم ١٧ أيار - مايو - ودمروها تدميرا تاما بمساعدة بلقاسم بن حبيلس. وكان ثوار (عموشة) قد باغتوا القوات الإفرنسية التي أرادت أن ترغمهم على الاستسلام في (وادي البرد) وقتلوا منها ثمانية جنود، وجرحوا عشرين، كما حاصروا قوة منها غير أن النجدات الإفرنسية تمكنت من رفع الحصار وإنقاذ القوة التابعة لها. وأثناء ذلك، قام عبد الرحمن بلقندوز المقراني، ومحمد بن عبد الله من أولاد ريغة وأتباعهما، بمهاجمة معسكر القائد ابن الجودي من أولاد موصلي الموالي للإفرنسيين. واشترك عدد من ثوار أولاد صابة وبني ملول وأولاد عبد الله بن علي وبني سعيد بالبابور، في مهاجمة برج بلقاسم بن حبيلس انتقاما منه لمساعدة الإفرنسيين ضدهم. خاض المجاهدون الثوار بزعامة سي عزيز وبومزراق عددا من المعارك بداية من يوم (٢٠) أيار - مايو - وشمل مسرح العمليات: ربوات ثنية الغنم وقرية تاسة والحمام وحول عموشة. جرح خلالها المقدم القريشي بن سيدي سعدون. كما وقعت معركة كبيرة في (جبل منتانو) يوم ٢٥ أيار - مايو. وحاول ثوار أولاد صالح اعتراض أرتال القوات الإفرنسية التي كانت تحاول التوغل في وادي البرد وشعبة عيسى، وذلك قبل أن يتجه سي عزيز إلى أولاد عزيز وبني فوغال في تابابورت وجيجل عبر جبال البابور، حيث وصل إلى (بو مراو) يوم (٢٦) أيار - مايو - ثم إلى الحامة. حيث التقى بصهره عمر بو عرعور الذي أحاطه علنا بالصعوبات والمشاكل التي كان يثيرها ضده وضد الثوار - أخوه محمد بو عرعور والصبايحية التابعون له، ومحمد أمقران قائد بني سيار، الذي يرجع أصله إلى عائلة المقراني وعائلة ابن منية

стр. 916

وعائلة ابن حبيلس. وعلى أساس هذه المعلومات، حاول سي عزيز أن يضع استراتيجية جديدة للحرب. فقسم قواته يوم ٢٨ أيار - مايو إلى خمس كتائب: الأولى، وجهها إلى بني عزيز لتدمير برج القائد بلقاسم بن حبيلس الذي رفض الإجابة على رسائله والتجأ إلى جيجل. ونفذت هذه الكتيبة مهمتها بنجاح. أما الكتيبتين الثانية والثالثة فقد وجههما إلى (بني فوغال) على طريق فج العوانة وقرية سلمة. وكلفت الكتيبتان الرابعة والخامسة بالتوجه عبر منخفض دار الوادي لمهاجمة بعض قرى بني فوغال التي عارض سكانها حركة الثورة. شهدت قرية سلمة وأحوازها معارك كثيرة، وقام سي عزيز خلال يومي ٢٩ و ٣٠ أيار - مايو - بإحراق كل مراكز الأوربيين والقادة الجزائريين الموالين لهم والذين التجؤوا إلى جيجل. وعسكر يوم ٣١ أيار - مايو - في أولاد خديم علام، بعد أن غادر فج سلمة، ودمر برج القائد أحمد بن منية في يوم ١ حزيران - يونيو - بسبب رفضه التعاون مع الثورة. غادر سي عزيز منطقة جيجل إلى عموشة - عبر فرجيوة - في اليوم الثاني من حزيران - يونيو - وخلف وراءه المقدمين الثلاثة: القريشي ابن سيدي سعدون وعمر بوعرعور والطيب بن مبارك بودفيش، لإدارة الأعمال القتالية ضد جيجل، مع عدد من النواب والقادة الآخرين. فاتجه القريشي وعمر بن أمقران - مقدم بني شقوال بقواتها إلى الشمال - نحو ساحل البحر - وترك - القريشي - عددا من الثوار لحراسة سكان وادي جنجن من بني يدر وبني حبيبي. واتجه هو إلى جيجل بمن معه من الثوار يوم ٧ حزيران - يونيو - وتعرض لقصف

стр. 917

البوارج الإفرنسية من البحر، وعاود الهجوم على المدينة صباح يوم ٩ حزيران - يونيو - من أعاليها الغربية، واستمر في هجومه حتى منتصف النهار. وكررت قواته الهجوم يوم (١١) من عدة جهات، ودمرت قنوات المياه التي تزود المدينة بمياه الشرب، واستشهد في هذه المعارك عدد كبير من الثوار. وتعاونت القوات البرية الإفرنسية مع القوات البحرية في صد هجوم الثوار عن جيجل، كما قصفت البوارج الإفرنسية مركزا للثوار طوال معارك الأيام الثلاثة، مما اضطر القريشي وابن أمقران إلى الانسحاب نحو شرق المدينة، لإعادة تنظيم القوات للمعركة ومواجهة الموقف الجديد، بينما تابع عمر بو عرعور حصار المدينة من أحوازها بعدد من الثوار. وقد اتجه عمر بو عرعور والقريشي إلى بني حبيب قرب مصب الوادي الكبير، ومن هناك إلى زاوية سيدي ورتيز لمقابلة شيخها ومقدمها الرحماني - محمد بن فيالة - ودعوته إلى حمل السلاح. وراسل القريشي القائد بلقاسم بن رابح بوزيان قائد أولاد عوات، لاستمالته وضمه إلى صف الثورة. غير أن هذا الأخير قام يتسليم الرسالة إلى الحاكم الإفرنسي لمنطقة المليلة. بينما كان القريشي ورفاقه تخوضون المعارك حول جيجل في محاولة لاقتحامها والسيطرة عليها، كان (سي عزيز) يخوض معارك أخرى ضد الإفرنسيين في كدية البيضاء قرب الوديسية، وضد الإفرنسيين وأنصارهم من أولاد نابت وأولاد صعدة في جنوب سطيف. وقامت القوات الإفرنسية بإحراق عدد من القرى في خراطة وذراع القايد وساحل قبلي وبني سليمان. ودافع الثوار ببسالة عن شرفهم، غير أنهم تعرضوا لخسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات. ثم توجه (سي عزيز) إلى (جرمونة) يوم ٢٢ حزيران - يونيو - ١٨٧١ - ووجه فور وصوله إليها نداءا طالب فيه سكان بني سليمان وصدوق

стр. 918

بالتوحه إلى قرى شمال سطيف عن طريق الساحل القبلي، نظرا لما كان يجابهه المجاهدون من صعوبات في عملياتهم ضد القوات الإفرنسية في قصر الطير. وعقد اجتماعا مع زعماء الثوار في جرمونة صباح يوم ٢٤ حزيران - يونيو - تم فيه الاتفاق على مهاجمة معسكر الإفرنسيين في كدية البيضاء، وتالة وزران - أو إيفاسن - وتوجهت القوات التي كان عدد مقاتليها يزيد على (٨٠) ألف رجل إلى (تالة وزران) وخاضت هناك معارك ضارية في ظروف غير متكافئة استشهد خلالها حوالي مائة وخمسون من المجاهدين مقابل ثمانية من قتلى الأوروبيين. وعلى أثرها اتجه سي عزيز إلى صدوق، وعلامات الفشل بادية عليه وعلى أتباعه. وهناك، في صدوق، أصيب سي عزيز بإحباط جديد، فقد وجد جبهة أخيه الشيخ محمد وهي في حالة سيئة من التمزق، بحيث لم يتمكن من إحراز أي نصر منذ معركة (تالة وريان) في أواخر شهر نيسان - إبريل - وعندئذ انتقل سي عزيز إلى جبال جرجرة. فوجد فيها الأوضاع متدهورة إلى درجة سيئة، فقد خاض المجاهدون معركة (إيشر يضن) يوم ٢٤ حزيران - يونيو - وهي المعركة التي تعاونت فيها القوات الإفرنسية حتى أنزلت بالثوار خسائر فادحة، وألحقت بهم الهزيمة، وقامت بعد ذلك بإحراق قراهم وتشتيت عائلاتهم على نحو ما كانت قد فعلته من قبل في معركة عام ١٨٥٧ في نفس اليوم وفي المكان ذاته، مما أدى إلى إضعاف الثوار في هذه المنطقة. واتجه سي عزيز إلى معسكر (علي أوقاسي) الذي كان يعاني هو الآخر من مصاعب لا نهاية لها. وعندئذ قرر سي عزيز الأخذ بنصيحة والده، والاستسلام لأعدائه. كانت الخطوة الأولى في هذا المضمار قيام (علي أوقاسي) بتوجيه

стр. 919

رسالة إلى حاكم (تيزي أوزو) الإفرنسي يوم ٢٧ حزيران يونيو - يعلمه فيها بأنه سيقود بنفسه في اليوم التالي (٤٤) مدنيا أوروبيا. سبق للثوار إلقاء القبض عليهم وأسرهم في برج منايل. وفي الموعد المحدد، وصل المعمرون الأوروبيون إلى مسجد سيدي بو بهير تحت حراسة محمد أمقران أوقاسي، ومحمد السعيد وموسى وأحمد بن يسر، وأحمد بن محيي الدين من تاورقة ثم انتقل هؤلاء الأسرى، وهم تحت الحراسة - إلى سبت آيت يحيى حيث تسلم قائد الحامية الإفرنسية المدنيين الإفرنسيين. وتتابعت بعد ذلك الأحداث بسرعة. فقد استسلم سي عزيز للإفرنسيين في معسكر آيت هيشم يوم ٣٠ حزيران - يونيو - ومعه علي أوقاسي ومحمد أمقران أوقاسي ومحمد لونيس أوقاسي. وتم اعتقال إخوة الشيخ محمد قرب بجاية يوم ٢ تموز - يويو - واستسلم الشيخ محمد أمزيان بن الحداد يوم ١٢ تموز - يوليو - وتم وضع الجميع في السجن تمهيدا لمحاكمتهم كمجرمين عاديين، وكان استسلام (آل حداد). نقطة تحول حاسمة في مسيرة الثورة - إذ لم يلبث الإخوان الرحمانيون أن أصيبوا بالانهيار. فبدءوا بالتساقط تباعا تحت ضربات الإفرنسيين.

стр. 920

٣ - ثورة أحمد بو مزراق (سور الغزلان وونوغة) كان أحمد بومزراق، شقيق الباشآغا محمد المقراني، قائدا على عرش (ونوغة) بمنطقة سور الغزلان، وحمزة بجبال البيبان، وبقي في منصبه هذا حتى العام ١٨٧١. وعندما انفجرت الثورة، كلفه أخوه بقيادة الثورة في منطقة ونوغة وسور الغزلان نظرا لما توافر له من المعرفة بالإقليم وسكانه. فتوجه بو مزراق إليها، واصطحب معه ابن عمه (علي بورنان) قائد مزيتة، وعددا من فرسان الحشم .. كان أول مكان استهدفه بو مزراق هو مركز (وادي أخريص) الواقع على بعد (٢٨) كيلومترا من سور الغزلان، حيث كان يتمركز به قائد أولاد سالم، وعدد من العسكريين الأوروبيين، وجنود الزواف. فاتجه إليه وهاجمه صباح ١٦ - آذار - مارس. (في نفس الوقت الذي كان أخوه الباشآغا يهاجم مدينة برج بو عريريج) وأكم عليه الحصار؛ ولكنه لم ينجح في اقتحامه، لأن الإفرنسيين أرسلوا دعما عاجلا للحامية المدافعة عن المركز، مما اضطر بو مزراق لسحب قواته إلى (جبل العطوش) وأخذ يواصل من هناك هجماته وإغاراته ضد الإفرنسيين والمتعاونين معهم - خاصة الحداد بن قليل - قائد أولاد مسلم - الذي تمركز مع (قومه) على بعد (٨) كيلومترات من المركز

стр. 921

المذكور. وقد نجح بومزراق في التغلب على ابن قليل، وانتزع منه مواقعه. مما جعل عرش أولاد سالم المجاورين يخافون من سيطرة بو مزراق عليهم. فحاولوا دعم مركزهم عن طريق زيادة التعاون مع الإفرنسيين، بينما انضم بعض سكان عرش أولاد سالم لقوات الثورة. تمركز بومزراق يوم ٢١ آذار - مارس - في جبل السروج بثنية بوبصلة، وجمع سكان المنطقة بعض الأسلحة - البنادق - وقدموها له، كما انضم إليه عدد جديد من الأنصار. وخاض المجاهدون معه معركة ضد القوات الإفرنسية قتل خلالها ثمانية أوروبيين. ثم انتقل إلى ثنية أولاد داوود على بعد (٢٠) كيلومترا من سور الغزلان وحاول مهاجمة مركز (وادي أخريص) مرة أخرى. ونشط في كتابة الرسائل إلى السكان المجاورين يحثهم على القدوم إليه ليشتركوا معه في اقتحامه. وبذل كل جهد مستطاع حتى أمكن له احتلال المركز يوم ٢٦ آذار - مارس - بعد أن هرب كل من كان بداخله. فعمل (بومزراق) على تدميره، وأحرقه، وقطع خط الهاتف الذي يربط المركز بمدينة سور الغزلان. ثم عاد إلى ثنية أولاد داوود، وتوجه منها إلى جبل موقرنين الذي حوله منذ ذلك اليوم إلى معسكر كبير للثورة في منطقة ونوغة. اشتدت حماسة الجزائريين في البداية لدعم الثورة والانضمام إلى صفوف المجاهدين. فانضم إلى (بومزراق) أولاد سيدي هجرس وأولاد عبد الله وأهل القصر وبني يعلي. وفي الوقت ذاته لم يقصر (بومزراق) في بذل كل جهد مستطاع لحشد القوى والإمكانات، والتحريض على الجهاد في سبيل الله - وكان فيمن استحثهم كبراء عرش مركالة والمدادرة. وحدد هدفه التالي بالاستيلاء على برجي (الأصنام) و (بني منصور) العسكريين. وهنا أيضا تصدى لمقاومة الثورة آغا البودرة (بو

стр. 922

المقراني بو مزراق ESQUER, G, ICONOGRAPHIE HISTORIQUE DE L'ALGERIE T. III, PLANCHE. N. ٩٩٦

стр. 923

زيد بن أحمد) وقائد أولاد بليل (محمد بن منصر) وأخذ بوزيد على عاتقه إعلام الإفرنسيين عن كل تحركات (بومزراق) وما تقوم به قوات الثورة من جهد في (برج الأصنام) وفي (جبل موقرنين) غير أن بومزراق لم ييأس من إمكانات التأثير على عملاء فرنسا وأنصارها والمتعاونين معها، واتبع في ذلك أسلوب (الترغيب والإرهاب) غير أن ما حققه من نجاح كان محدودا. تمركز (بومزراق) في حمام أولاد زيان بأوساط بني يعلى وبني منصور على بعد ثلاثين كليومترا من سور الغزلان وذلك اعتبارا من يوم ٥ نيسان - إبريل -. وأظهر المواطنون حماسة كبرى لمساعدته ودعمه من أجل مهاجمة برج البويرة ومعسكر بني منصور. وحاول الاستيلاء على مركز تخزين الحبوب خلال اليومين التاليين، ثم اتجه إلى بوجليل في السفوح الغربية لبني عباس، واستقر لدى ابن عمه (علي بن بورنات - قائد مزينة)، واتصل من هناك بكبار بني منصور والشرفة والسكان المجاورين. ودعاهم إلى إحكام الحصار على برج بني منصور حتى: (لا يفر من بداخله من الأوروبيين والحراس، ومتوعدا إياهم فيما إذا غفلوا وأفلت الأوروبيون منه). وقد تعاون ثوار الشرفة وبني منصور على محاصرة هذا البرج، تنفيذا لتعليمات بومزراق، وأحكموا الحصار عليه، وعزلوه عن سور الغزلان، ابتداء من يوم ٨ نيسان - إبريل - (وهو اليوم الذي أعلن فيه الشيخ الحداد الجهاد - بصدوق). وفي يوم ١٠ نيسان - أبريل - عاد بومزراق إلى معسكر حمام أولاد زيان قرب (برج الأصنام) وخاض المعركة التي تحمل منذ ذلك الوقت اسم ذلك المكان (أولاد زيان) ولكنه لم يحصل على طائل، فغادر المكان، وعاد إلى معسكر ابن عمه (علي بن بورنان) في بو جليل الذي كلف

стр. 924

بحصار برج بني منصور. وبقي هناك عدة أيام، يستنهض همم الناس للثورة، إلى أن استدعاه أخوه الباشآغا المقراني إلى جبل مريسان ووادي الشعير. عندما كان الثوار يخوضون صراعا مريرا في برج بني منصور، قام الجيش الإفرنسي بإحراق عدد من المنازل، وإتلاف مطامير الحبوب، كان من بينها برج بو مزراق الكائن قرب قبة سيدي داوود بالمنطقة. عندما استشهد الحاج المقراني أسرع أخوه مزراق، فحاول إخفاء الخبر في البداية، غير أنه أدرك أنه من المحال الاستمرار في ذلك، فأشاع الخبر، غير أنه وجه في الوقت ذاته رسائل إلى كل الأنحاء - منها رسالته إلى أهل الشرفة: (أخبرهم بما حدث وأكد لهم اتحاد أولاد مقران وتصميمهم على متابعة الجهاد حتى الموت). وقد حاول الإفرنسيون معرفة مكان بو مزراق لمباغتته بهجوم حاسم، ومتابعة تحركاته ونشاطه، غير أن بو مزراق كان في حركة دائمة، مما ساعده على متابعة الصراع بعزم ثابت وإرادة صلبة. انتقل بو مزراق بعد وفاة أخيه مباشرة إلى معسكر الشيخ محمد ابن الشيخ الحداد في قرية تيزي الجمعة قرب بجاية. ومن هناك اخترق بومزراق وأبناء عمومته وادي الساحل يوم ١١ - أيار - مايو - والتحقوا ببرج بني منصور حيث كانت قوات الثورة تعمل على محاصرته (بأكثر من ثلاثة آلاف محارب) ٠ وقد وفد على (بو مزراق) إلى معسكر بني منصور، سكان بني يعلي وأهل القصر ومشداله، ليعزوه في وفاة أخيه، ويتشاوروا معه في القدوم إلى ناحيتهم. واغتنم بومزراق هذه الفرصة، فاتصل بقائد الحامية المدافعة عن (برج بني منصور. وطلب

стр. 925

إليه إخلاء البرج وإجلاء الإفرنسيين المحاصرين داخله، ونقلهم إلى البويرة. غير أن (بومزراق) لم ينتظر نهاية المفاوضات، وغادر معسكر الثوار يوم ١٣ أيار - مايو -. واتجه إلى مسكر الشيخ محمد بن الحداد في تيزي الجمعة مرة أخرى - عن طريق مجانة - ليشترك في الهجوم الواسع على مدينة بجاية، والذي تم تنفيذه يوم ١٧ أيار - مايو -. انتقل بومزراق وسي عزيز إلى جبال البابور بعد فشل الهجوم على مدينة بجاية، حيث اشتركا مع ثوار المنطقة في المعارك التي دارت هناك ضد القوات الإفرنسية، إبتداء من يوم ٢٠ أيار - مايو - والتي كان من أبرزها معركة جبل منتانو يوم ٢٥ أيار - مايو-، وقد استغل بومزراق الأوضاع الصعبة التي كان يعانيها قائد أولاد عامر الظهرة (أحمد باي ابن الشيخ مسعود)، فاستماله إليه وضمه إلى جبهة الثورة (١) مع بعض أفراد عائلة أولاد ويللسن، واشتركوا جميعا يوم ٢٦ أيار - مايو - في كتابة رسالة إلى داوودي بن كسكاس المعارض للثورة طلبوا منه الانضمام إليهم، وهددوه بنسف منزله وإحراق قرية رأس الماء التي يقطن بها إن هو رفض ذلك، غير أن ابن كسكاس لم يستجب لندائهم. انتقل بومزراق من جبال البابور إلى جبال قلعة بني عباس يوم ٢٧ أيار - مايو - وهناك وافاه في اليوم التالي باشآغا شلاطة - ابن علي الشريف - بصحبة ابنه ليعزيه في وفاة أخيه المقراني، ولينصحه بالكف

стр. 926

عن مواصلة الثورة التي لا طائل منها - في نظره - بعد أن أعادت فرنسا تنظيم قواتها العسكرية. واستعادت المزيد من كتائبها وقواتها من أوروبا. ولكن بومزراق رفض حتى مجرد السماع لمثل هذه الآراء والنصائح. فافترقا في الحين. ولم تدم المقابلة سوى وقت قصير في جو من البرودة والفتور والامتعاض. كان بو مزراق على علم بتحرك قوات فرنسية إلى منطقة بني منصور للقضاء على الثوار فيها. فأخذ يستعد لمجابهتها، ويحث المجاهدين على الصمود وعدم الاستسلام. واعترض بومزراق هذه القوات قرب البويرة في يوم ٢٩ أيار - مايو - ودارت رحى معركة قاسية استخدم المجاهدون فيها السلاح الأبيض. واستشهد عدد كبير منهم. عاد بر مزراق من جديد إلى جبال البابور، في أول شهر حزيران - يونيو - للمشاركة في المعارك التي كانت محتدمة هناك تحت قيادة سي عزيز، بينما كان الثوار يتابعون صراعهم حول برج بني منصور خلال يومي ١٢ و١٣ حزيران - يونيو - ولم تطل إقامة بومزراق في البابور، فقد عاد بسرعة إلى البيبان. وهاجم يوم ١٥ حزيران - يونيو - دوار بني عامر وقرية الأصنام وقرية عين حازم، بسبب تعاون بعض سكانها مع الإفرنسيين. وتمركز بعض الوقت في عين تازة، في حين اتجه السعيد بن بوداوود قائد الحضنة إلى أولاد مسلم لجمع الأنصار الجدد، وتأمين متطلبات المجاهدين من الأعتدة والتموين. والتقى بومزراق مع محمد ابن عبد السلام والسعيد بن داوود في يوم ١٩ حزيران - يونيو - وخاضوا معركة (بو عساكر) في اليوم التالي، وقتلوا تسعة من الأوروبيين، وجرحوا تسعة.

стр. 927

استسلم أفراد عائلة الحداد واحدا بعد الآخر في أقل من نصف شهر (أواخر شهر حزيران - يونيو - وبداية شهر تموز - يوليو ١٨٧١ - على نحو ما سبق ذكره) وأدى استسلامهم على هذه الصروة، إلى استسلام عدد من القادة الآخرين الذين كان لهم دورهم الكبير في الثورة، وكان ذلك انتكاسة ثانية لمسيرة الثورة تزيد في خطورتها على استشهاد مفجر الثورة الحاج المقراني ذاته. ذلك لأن هذه الانتكاسة حولت مواقع الثوار من القوة والهجوم إلى الضعف والدفاع، وانتقل مسرح أعمالها القتالية بالتدريج من التل إلى أعماق الصحراء، وقد شعر بومزراق بخطورة هذا التحول، غير أن عزيمته لم تضعف، ولم يتسرب إليه الخور أو الوهن، وحاول أن يرمم ما تصدع من الجبهة. ومضى يحض الناس على متابعة الجهاد ويحفزهم للمزيد من الصمود والثبات. مضى بومزراق إلى جنان البايليك بصدوق حيث أقام معسكره لإعادة تنظيم أمور الثورة، ثم انتقل إلى ذراع الأربعاء على ربوات الماتن، وعاقب بعض سكان بو جليل ممن استسلموا للسلطات الإفرنسية. وواجه القوات الإفرنسية في معركة قاسية يوم ١٢ تموز - يوليو - انسحب على أثرها إلى وادي الساحل - عبر بني عيدل وبني ورتلان، وتوقف يومين في قرى بني عباس المجاورة لحوض الوادي، بهدف حشد المزيد من المقاتلين. واتجه يوم ١٥ تموز - يوليو - إلى تيروردة ليعترض مسيرة رتل فرنسي كان في طريقه لغزو قلعة بني عباس - قاعدة المقرانيين - ثم اتجه من هناك إلى قرية (تيمثليت) أمام قرية (تازملت) ثم إلى جبل أزرو الحصين ببني ورتلان. أعاد (بو مزراق) تنظيم بعض الكتائب العسكرية في جبل

стр. 928

أزرو، ثم غادره بسرعة بعد أن توافرت له المعلومات عن قيام الإفرنسيين بمحاولة لتطويقه، منطلقين في محاولتهم هذه من قرية (تاونساوت) غربا - عند ملتقى وادي بوسلام ومهاجر - وأخذ طريقه إلى الجعافرة، وعندما وصل إلى قرية (تاخراط) على الضفة اليسرى لوادي مهاجر، اعترضه عدد من جنود (القوم) والقوات الإفرنسية، فخاض ضد هذه القوات معركته يوم ٢٠ تموز - يوليو - وهي المعركة التي اشتهرت باسم (يوم تاخراط). غادر بومزراق (تاخراط) ومضى متنقلا بجبال بوندة وأوشانن، بين جبال قلعة بني عباس غربا وجبال تفرق والقلة شرقا، وهو يستحث المواطنين ويحرض المجاهدين، طالبا إليهم مجابهة رتل القوات الإفرنسية التي كانت تتقدم عبر مجرى وادي مهاجر - إلى الجنوب - حتى وصلت إلى قرية لشبور على أقدام مصب وادي زمورة يوم ٢٨ تموز - يوليو - وقد تعرضت القوات الإفرنسية - في وادي الساطور بهذه المنطقة - طريق قافلة كبيرة للمقرانيين كانت متجهة من القلعة إلى جبال بوندة، محملة بما استطاعت أن تنقذه من الأمتعة والحبوب والحيوانات، بعد أن غزهها القوات الإفرنسية الأخرى يوم ٢٢ من الشهر ذاته. بمساعدة ابن علي الشريف باشآغا شلاطة - ويظهر أن انسحاب المقرانيين من القلعة كان بأمر من بومزراق نفسه، الذي كان قد توجه إلى هناك بعد معركة تاخراط، غير أنه لم يكمل طريقه بعد أن علم بغزو الإفرنسيين للقلعة واحتلالها. وكان من ضمن من اعتقلهم القوات الإفرنسية في القلة، زوجة الباشآغا القراني وابنته وابنه بومزراق والشيخ جرابة ابن بودة الذي كان حارسا لأملاك عائلة المقراني. وعملت القوات الإفرنسية بعد ذلك على تدمير كل منازل المقرانيين والاستيلاء على كل

стр. 929

ما تحتويه من المتاع والأثاث ثم أحرقت القرية كلها، واستسلم أولاد حمادوش جميعا للإفرنسيين. انسحب بو مزراق بعض الوقت إلى المسيلة بالحضنة، بعد معارك تاخراط وجبال بوندة والقلعة، ثم عاد مرة أخرى إلى منطقة مجانة وبني عباس، وجدد نشاطه الحربي ضد القوات الإفرنسية والقوات المتعاونة معها من الجزائريين. واستطاع يوم ٢٦ آب - أغسطس - أن ينتزع من القوات الإفرنسية حوالي ثمانين بغلا في معركة بسهل مجانة، اتجه ببا إلى ونوغة، ليستغلها في وسائل النقل، وأشاع بين المواطنين هناك بأن الثورة مستمرة في جبال بو طالب والوادي الكبير وتبسة والصحراء وشرشال، وأن فرنسا عاجزة عن قمع الثورة، وقد كان لهذا الأسلوب دوره في رفع الروح المعنوية للمواطنين، واكتساب أنصار جدد. وتعرض الثوار يوم ٩ أيلول -سبتمبر - لقافلة فرنسية بقرية عجيبة وقبوش، كانت متجهة إلى سور الغزلان بمغانم الحرب وضرائبها التي أخذت من سكان بني منصور وبني عباس. وهاجم بومزراق القوات الإفرنسية في سهل مجانة مرة أخرى، ونشط في تجنيد المواطنين ودعم الثورة بالمجاهدين من كل المنطقة الممتدة بين برج بني منصور وسور الغزلان. وكانت معركة أولاد سيدي إبراهيم بو بكر يوم ٢٥ أيلول - سبتمبر - من أهم المعارك التي خاضها الثوار في هذه الفترة. ثم انتقل بومزراق إلى قلعة بني عباس يوم ٣٠ آب - أغسطس - وكان الإفرنسيون قد انسحبوا منها، فعاد أولاد حمادوش إلى صفه، وقبلوا بالعمل معه. ولكن سكان (أغيل أعلى) و (بلعيال) و (بوجليل) رفضوا ذلك. واعترضوا طريقه بزعامة الصبايحي حميمي (الذي كان بومزراق قد أمره سابقا مدة من

стр. 930

الزمن مع الشيخ بشير بن كابة شيخ بوجليل) ولذلك هاجم بومزراق قرية أغيل أعلى يوم أول تشرين الأول أكتوبر - عقابا لأهلها. ووجه تهديده إلى بني عباس وسكان قرية بلعيال، غير أنه أدرك بأن هذه المنطقة قد باتت خارج قبضته، فغادر منطقة البيبان واتجه إلى جبل المعاضيد، حيث وصلها يوم ٣ تشرين الأول - أكتوبر - وتسلم فيها رسالة من ابن عمه (السعيد بن بوداوود) ومن (أحمد باي بن الشيخ مسعود) فعلم بأن هناك ثلاثة أرتال إفرنسية تتجه إلى جبال بو طاب وبريكة لملاحقة الثوار ومحاصرتهم، بعد أن أخذ هؤلاء في مغادرة الشمال متجهين إلى الصحراء. هنا قد يكون من المناسب التوقف قليلا، والعودة إلى جهد (السعيد بن بوداوود) الذي شارك بومزراق مصيره، وكان له دوره معه اعتبارا من هذه المرحلة. كان السعيد بن بوداوود، بحسب مخطط المقراني، مكلفا بقيادة الثورة في جبال الحضنة وبوسعادة، فركز جهوده على إحكام الحصار على مدينة بوسعادة والمنطقة المحيطة بها. وأخذ في التردد باستمرار على منطقة ونوغة وجبال البيبان للاتصال بجماهير المواطنين وحثهم على حمل السلاح، والخضوع لتوجيهات بومزراق وسواه من قادة الثورة - المقرانيين - واهتم الإفرنسيون كثيرا بمتابعة نشاطاته وملاحقة أخباره عن طريق عملائهم الذين كان من أبرزهم: (الآغا بوزيد، والصخري بن بوضياف - قائد السوامة بمنطقة بوسعادة - والشلالي بن الدوسن - قائد السلامات). انتقل (ابن بوداوود) إلى ونوغة للاتصال (ببومزراق) وغيره من قادة الثورة. ووصل إلى مجانة عبر جبال البيبان - ثم عاد إلى مدينة

стр. 931

المسيلة بعد معركة بو عساكر يوم ١٩ حزيران - يونيو - وبصحبته عدد من أفراد عائلة أولاد مقران الذين تجمعوا هناك رجالا ونساء وأطفالا، وأخذ من هناك يزود بومزراق بالفرنسان والجنود والمؤن. وشد قبضة الحصار على مدينة (بوسعادة) وهاجم أعوان الإفرنسيين في سيدي عيسى يوم ٧ تموز - يوليو - والذين كانوا يستعدون لمهاجمته. وكاتب وجهاء المدية وبوغار بالتيطري محاولا استمالتهم، كما نشط دعاته في جمع الأنصار الجدد بقريتي قطيفة وسيدي بلخير. ولكي ينجح بو داوود في احتلال بوسعادة، قطع خط الهاتف الذي يربطها بالجلفة، وهاجم الإفرنسيين الموجودين في قرية العليق، وكرر هجماته على بوسعادة نفسها يومي ٢٠ و٢١ تموز - يوليو - ثم عسكر في قصر الديس، وتجمع حوله ثوار المنطقة، واشتركوا معه في شن الهجوم الثالث الواسع على بو سعادة يوم ٢٣ من الشهر ذاته - بأمر من بومزراق - واضطر الإفرنسيون أن ينجدوا أعوانهم وقواتهم المحاصرة بالمدينة، في حين انسحب ابن بوداوود وأتباعه إلى قرى أولاد جلال جنوب - شرق المدينة. خاض الثوار المقرانيون عددا من المعارك بمنطقة بوسعادة في بداية شهر آب - أغسطس -، وامتد ميدان العمليات إلى (ملوزة). وتجمع الثوار بعد ذلك في (كاف العقاب) حيث اصطدموا بقوات الإفرنسيين، وخاضوا معها معركة كبيرة يوم ٥ - آب - أغسطس - ١٨٧١ عرفت (بمعركة كاف العقاب). واتجه (ابن بوداوود) وأولاد مقران بعدها إلى أولاد حناش بالمعاضيد - إلى جوار آثار قلعة بني عباس - واتفقوا على مهاجمة مدينة المسيلة، لاعتراض القوات الإفرنسية. وكتب بو مزراق رسالة إلى جماعة مزيتة بالبيبان يعلمهم فيها بما اتفق عليه هو وكبار أهل الحضنة والسعيد بن داوود من مواصلة المعركة. وفي يوم ٢٤ آب - أغسطس - اتجه بو مزراق وابن داوود وحمود

стр. 932

ابن بورنان إلى المسيلة، واشتبكوا مع القوات الإفرنسية في مجموعة من المعارك التي لم تكن نتائجها في مصلحة الثوار. فأقام ابن بوداوود معسكره في جنوب المسيلة بصحبة زعيم أولاد نجاح - الشيخ جنان بن دري - وانطلق للتنقل في المنطقة من أجل حشد المجاهدين وجمع المؤن والذخائر الحربية، واستمر في ذلك نحوا من نصف شهر عاد بعدها إلى المسيلة. أما بومزراق فقد اتجه إلى ونوغة لجمع الأنصار أيضا، ونشط حمود بن بورنان في منطقة مزيتة وبني منصور والصورة في أوائل أيلول - سبتمبر - ولم تطل إقامة ابن داوود في المسيلة، فقد عاد مسرعا إلى بلاد السوامع بالمعاضيد قرب قلعة بني حماد، بينما تمركز بومزراق في وراسن قرب أولاد خلوف بالبيبان. اعترض ابن داوود طريق قافلة تموين فرنسية كانت في طريقها إلى المسيلة. وذلك في منطقة (بضاية العتروس) يوم (٧) أيلول - سبتمبر - ثم انتقل بعدها إلى جهات ونوغة في منتصف الشهر بهدف حشد الأنصار والذخائر الحربية، وكلف عددا من المبعوثين بالتوجه إلى عدد من من المناطق للاضطلاع بتنفيذ المهمة ذاتها. وعاد هو بعد ذلك إلى المسيلة - عبر منطقة أولاد سيدي هجرس - فوصلها يوم ٢٠ أيلول - سبتمبر -. وانصرف على الفور لوضع خطة العمل في جبال الحضنة، مع عدد من أبناء عمومته، واتفقوا على جمع المزيد من وسائط النقل، كالبغال والحمير والجمال، من أجل نقل أفراد عائلة أولاد مقران، وما بقي لهم من متاع، بعد أن ظهر تصميم الإفرنسيين على ملاحقتهم ومطاردة بومزراق - رأس الثورة بعد أخيه - ولم يتأخر بو مزراق عن الالتحاق بهم للاشتراك معهم في تدبير الأمور. وكان الاتفاق تاما بينهم على مغادرة الشمال والاتجاه إلى الجنوب بعد أن أخذ

стр. 933

الإفرنسيون في إحكام الحصار عليهم. فتجمعوا كلهم بجبال عياض وكيانة بالمعاضيد بما تبقى لهم من متاع وحبوب وحيوانات. أخذ المقرانيون طريقهم صوب الجنوب، إلى أعماق الصحراء، يوم ٨ تشرين الأول - أكتوبر -،وعندما وصلوا إلى (قبر السلوقي) بجوار قلعة بني حماد في سفح جبل الجفان بجبال عياض، باغتتهم القوات الإفرنسية، فخاضوا ضدها معركة ضارية (دعيت بمعركة قبر السلوقي). واستبسلوا في الدفاع عن حريمهم وشرفهم، وفقدوا أثناء المعركة معظم ما كان معهم من المتاع والحبوب والدواب والأغنام. وكانت هذه المعركة نهإية لقوة المقرانيين ونفوذهم في الشمال، وقررت مصيرهم النهائي. وأقنعتهم بالحاجة إلى الفرار بأنفسهم إلى خارج الوطن. فأسرعوا في الحال إلى مغادرة المكان، مخلفين وراءهم عددا من فرسان الحشم لحماية مؤخرتهم، وإشغال الإفرنسيين عن مطاردتهم. ومروا بالمسيلة، ووصلوا إلى سد الجير مساء يوم ٩ تشرين الأول - أكتوبر - ووصلوا في اليوم التالي إلى (أوقلت البيضاء على شاطىء حوض الزاغر الشرقي). وكان في رأي بعضهم العودة لمجابهة القوات الإفرنسية في معارك أخرى، غير أن الأغلبية ومنهم بو مزراق، كانوا يريدون التوجه إلى تونس عبر تقرت وسوف ونفطة وتوزر. انتقلت قافلة المقرانيين من شاطىء الزاغر إلى (وادي مجدل) وفشل الإفرنسيون في مطاردتهم على الرغم من كل الجهود التي بذلوها، هم وعملأوهم من أمثال (بلقاسم بللحرش - باشآغا أولاد نايل) و (الصخري بن بوضياف - قائد السوامة). واخترق المقرانيون بسلام بلاد أولاد نايل وأولاد زكري خلال يومي ١٤ و١٥ تشرين

стр. 934

بوشوشة ESQUER, G, ICONOGRAPHIE HISTORIQUE DE L'ALGERIE T. III PLANCHE N. ٩٩٥

стр. 935

الأول - أكتوبر -. واعترض سبيلهم يوم ١٧ مخازنية أم العدم، غير أنهم تمكنوا من متابعة سيرهم إلى الجنوب حتى وصلوا (ورقلة) وحلوا بها يوم ٢٠ تشرين الأول - أكتوبر - حيث استقبلهم بحفاوة بالغة كلا من (بوشوشة) (١) و (بن شهرة) و (الزبير ولد سيدي الشيخ) واتفق رأيهم على الهجرة إلى تونس، والأخذ باقتراح بومزراق. تحركت معظم أرتال الإفرنسيين نحو الصحراء، واستعانت بأنصارها وأعوانها لمطاردة المقرانيين وعسكر هؤلاء في حاسي بوروبة مع ابن ناصر بن شهرة يوم ١٧ كانون الأول - ديسمبر - ومن هناك انتقلوا إلى (حاسي قدور) جنوبا، ثم إلى (حاسي تامزقيدة) حيث اشتركوا يوم ٩ كانون الثاني - يناير - ١٨٧٢ في مواجهة القوات الإفرنسية التي داهمت قافلة (بوشوشة)، واضطروا للتخلي عن معظم متاعهم وجمالهم المتعبة وقطعان مواشيهم حتى يستطيعوا النجاة بأنفسهم، ومع ذلك، أسر الإفرنسيون لهم شخصين هما: عبد العزيز

стр. 936

ابن محمد - قاضي ساحل قبلي - ومحمد العربي بن حمودة - قاضي مجانة - أما بوشوشة فقد خسر كل زمالته خلال المطاردة، وكان تحت حوزته قبل ذلك آلاف القطعان والجمال والهوادج والزرابي والخدم. انتقل المقرانيون من (قورد عيش) إلى (حاسي جريبية) ومن ورائهم القوات الإفرنسية تطاردهم، وعندما وصلوا إلى عين الطيبة، اصطدموا بمجموعة من القوم الذين كانوا يقومون بدورية استكشاف يوم ١٧ كانون الثاني - يناير - ومن هناك قادهم ابن ناصر بن شهرة إلى داخل الحدود التونسية. ولم يكن بومزراق حاضرا مههم معركة (عين الطيبة) لأنه تاه عن القافلة منذ يوم ١٤ كانون الثاني - يناير - هو وابن عمه مسعود بن عبد الرحمن عندما حاولا أن يقوما بعملية استطلاع لتأمين الطريق لها. وبقيا في الصحراء. وتعرضا للجوع والعطش طوال ستة أيام. وفي يوم ٢٠ كانون الثاني - يناير - ١٨٧٢، عثرت عليهما دورية استطلاع فرنسية، أمام بركة ماء قرب (واحة الرويسات) الواقعة على بعد كيلومترين اثنين من مدينة ورقلة، وهما في حالة إغماء، فحملتهما إلى المعسكر الإفرنسي بالرويسات حيث أسعفا حتى استفاقا وتم التعرف على (بو مزراق). انطفأ لهيب الثورة - إلى حين - ومضت السلطة الاستعمارية الإفرنسية لتنفيذ مخططاتها، فأحالت زعماء الثورة إلى المحاكم أفرادا وجماعات. ووزعتهم إلى عدة مجموعات رئيسية في عدة محاضر وجلسات، أكبرها المحضر الذي أعد في محكمة الجزائر العاصمة ضد مائتين وثلاثة عشر متهما، بينهم أربعة وستون شخصا تمت محاكمتهم بصورة غيابية - وحول هذا المحضر إلى محكمة الجنايات بمدينة قسطينة يوم ٢١ أيلول - سبتمبر - ١٨٧٢. وكان من بين المتهمين فيه الشيخ الحداد وابناه سي عزيز ومحمد، وتسعة عشر شخصا من المقرانيين

стр. 937

كلهم في حالة غياب ما عدا (بومزراق). وابن عمه (علي بن بوزيان) وابن عمه (مسعود بن عبد الرحمن) واستمرت المداولات حوالي ستة شهور. وصدر الحكم على (بومزراق) بالإعدام يوم ٢٧ آذار - مارس - ١٨٧٣. وصدر الحكم على الشيخ الحداد وابنيه يوم ١٩ نيسان - إبريل - ١٨٧٣، فحكم على الشيخ الحداد - الذي كان يتجاوز الثمانين من عمره - بالسجن الانفرادي لمدة خمس سنوات، وعلى عزيز بالنفي العادي خارج البلاد، وعلى أخيه بالسجن الانفرادي عشر سنوات. ولم يعش الشيخ الحداد بعد صدور الحكم عليه. وروي عنه أنه قال عند سماعه للحكم (لقد حكمتم علي بخمس سنوات وأرادها الله خمسة أيام). وتوفي مساء الاثنين ٢٩ نيسان - إبريل - ١٨٧٣. وعندما وصلت هذه الأحكام إلى رئيس الجمهورية الإفرنسية للتصديق عليها، يوم ١٩ آب - أغسطس - ١٨٧٣، تم تعديلها بالنفي للجميع في مدينة نومية عاصمة جزيرة (كاليدونيا الجديدة).وبلغ عدد المجاهدين الذين أبعدوا إلى المنفى في كاليدونيا (١٠٤) جزائريا. أذنت السلطات الإفرنسية للجزائريين المنفيين (بكاليدونيا) بالعودة إلى الوطن في سنة ١٨٨٢، غير أن بومزراق بقي في منفاه، وحاول إقناع بعض إخوانه بالبقاء معه، فرفضوا كما رفضت زوجاته الثلاث ذلك، وطلبن الطلاق منه. وبقي بالجزيرة ما يقرب من ربع قرن، إلى أن حصل له ابنه (الوانوغي بومزراق) مفتي الأصنام - إذن بالعودة إلى الجزائر، فوصلها في بداية شهر تموز - يوليو - ١٩٠٤م. بعد غيبة واحد وثلاثين عاما. ووجد أن كل شيء قد تبدل وتغير. واستقر بالجزائر العاصمة ما يقرب من عام بعيدا عن ابنه بالأصنام

стр. 938

التي لم يستطع ان يتكيف مع مناخها وجوها، فقد رأى فيها جيلا من الأحفاد والأقارب لا يعرفهم إطلاقا، بعضهم تركهم صغارا، وبعضهم ولدوا بعد رحيله، وأصبحوا كلهم آباء لعائلات جديدة، ولم يعثر على أية زوجة من زوجاته. ولم يلبث أن توفي يوم ١٣ تموز - يوليو - ١٩٠٥ عن ستة وستين عاما. ودفن بمقبرة الحامة التي تعرف اليوم باسم (مقبرة سيدي محمد). أما (سي عزيز المقراني) فقد أقام بكاليدونيا وهو يتحرق شوقا للعودة إلى الوطن، حتى إذا ما أذنت السلطات الإفرنسية للجزائريين المنفيين بالعودة إلى الوطن ومنعته من ذلك سنة ١٨٨١، ركب سفينة إنكليزية بطريقة خفية حملته إلى سيدني باستراليا، وواصل رحلته منها إلى الديار المقدسة في الجزيرة العربية. وأمضى فترة متنقلا بين جدة ومكة المكرمة مع إرسال الرسائل إلى أهله وأقاربه في الجزائر. وفي الفترة الأخيرة من القرن التاسع عشر، حصل له أحد أبنائه على إذن بالعودة إلى الجزائر، فرجع عن طريق فرنسا، التي دست له السم فمات في مرسيليا، وتولى ابنه وأهله أمر نقل جثته إلى الوطن، وما أن علم شعب الجزائر حتى زحف إلى الميناء للمشاركة في دفن رفاته، وخافت السلطة الإفرنسية من وقوع صدام مع الجماهير الثائرة، فوجهت الباخرة إلى ميناء سكيكدة، حيث تم دفنه إلى جانب أبيه في مقبرة قسنطينة , وأما أخوه محمد فقد بقي بجزيرة كاليدونيا يعيش حياة الهدوء والاستقرار ويظهر أنه توفي غريبا هناك بعد عام ١٨٨٨. ومضت السيوف المجاهدة في سبيل الله، إلى أغمادها، واحدا بعد الآخر ولكنها استطاعت شق الطريق أمام أجيال المجاهدين في سبيل الله، الذين توارثوا الشعلة - جيلا بعد جيل - حتى وصل جيل الأحفاد إلى هدف الأجداد.

стр. 939

٤ - في أفق الثورة وبعد، فقد اغتالت فرنسا الثورة الشهيدة، ودمرت أبطالها، فهل كانت تضحيات الشهداء وجهود الأبطال رخيصة؟ ولماذا كانت الثورة إن لم تترك على صفحات تاريخ الأمة بصماتها الواضحة؟ لقد مضت عشرات العقود من السنين، ولا زال سكان (ونوغة) يطلقون على عام ١٨٧١ (عام بومزراق). ومضت عشرات العقود من السنين، وما تزال الأجيال في منطقة القبائل تتناقل كابرا عن كابر تلك الأغاني الشعبية التي تتحدث عن المقراني وأخيه بومزراق وثورة الشيخ الحداد وابنه سي عزيز. بل إن بعض أصداء الأشعار الشعبية التي قيلت في تلك الفترة ترددت بأصدائها القوية في قلب دمشق الشام، عن طريق مجاهدي الجزائر المنفيين إلى دمشق. وليس ذلك إلا برهانا على عمق أثر الثورة في النفوس وهو الأثر الذي رسم كل أبعاده على مسيرة الجهاد في المراحل التالية والتي انتهت ببلوغ الجزائر المجاهدة هدفها في الحرية والاسقلال سنة ١٩٦٢. لقد تعرضت ثورة سنة ١٨٧١ للكثير من الأبحاث والدراسات،

стр. 940

وانقسمت وجهات النظر في تقويمها انقساما كبيرا نتيجة الاختلاف في المنطلقات الأساسية لعملية تحليل هذا الحدث التاريخي: ولعلى من أبرز الإدانات التي وجهت إليها: ١ - الاختيار السيء لتوقيت تفجير الثورة، بحيث كان لزاما تفجير هذه الثورة بتواقت واحد مع الحرب البروسية الإفرنسية حيث كانت القوات الإفرنسية منصرفة للحربة مع بروسيا. ٢ - غياب الحزم والتصميم عن أذهان قادة الثورة وذلك منذ اللحظات الأولى لتفجيرها (ويشمل ذلك كل القادة من المقرانيين وآل الحداد). ٣ - عدم تلاحم الجبهة الداخلية للجزائريين، وعجز القادة عن تحقيق مثل هذا التلاحم، بسبب تكوينهم القبلي (الارستقراطي) أو الانفعالي (الديني). ٤ - عدم توافر الكفاءة في إدارة الحرب، وعدم تطبيق مبادىء الحرب بدقة، مثل المباغتة، والمبادأة، وتحقيق أمن القوات. ٥ - عدم حرص قيادة الثورة على تأمين متطلبات الثورة - وبصورة خاصة ضعف الوسائط القتالية وعدم توافرها في قبضة المجاهدين. ٦ - اعتماد الثورة على عوامل التحريض الخارجي (البروسي - العثماني). تلك هي أبرز الانتقادات الموجهة لثورة ١٨٧١ وقيادتها، وهي انتقادات تبرز بشكل واضح محاكمة الثورة تاريخيا في غير إطاريها التاريخيين الزماني والمكاني. ومن هنا تظهر الضرورة لمعاودة التقويم

стр. 941

على أساس موضوعي من جهة، وعلى أساس نتائج الثورة وما تركته من ظلال على أفق المستقبل من جهة ثانية. لقد اعتمدت السياسة الاستراتيجية للاستعمار - عامة - والاستعمار الإفرنسي - خاصة على مجموعة من العوامل، أبرزها بشكل واضح العرض السابق لمسيرة الأحداث ومنها: ١ - الإفادة من التفوق العلمي والتقني لإبراز - تفوق الرجل الأبيض، الأوروبي - ونشر القناعة بأفضليته للحكم، وقدرته على حكم البلاد. ٢ - تسخير - أو خلق - الظروف السياسية لعزل المسعمرات عن محيطها الجغرافي، وهكذا كانت الجزائر معزولة عن عالمها العربي - الإسلامي وحتى عن جوارها - المغرب وتونس. ٣ - الانتشار كبقعة الزيت، بالاعتماد على فئات مختارة يتم استخدامها مرحليا لضرب الفئات المناوئة. ٤ - افتعال الأزمات والأحداث لدفع أبناء المستعمرات للثورة والتمرد، من أجل استثمار نتائجها لإجراء التصفيات الاجماعية تمهيدا لتطوير الاستعمار الاستيطاني. ٥ - العمل على تدمير القيادات التقليدية والقواعد الصلبة (الدينية والاجتماعية) لتكوين قيادات عملية يقتصر دورها على تنفيذ المخططات الاستعمارية، الأمر الذي يضع هذه القيادات في حالة من العزلة عن جماهير الشعب، مما يدفعها إلى الاعتماد كليا والتبعية نهائيا للاستعمار وقادته.

стр. 942

٦ - تغطية وحشية الاستعمار بغطاء ميثولوجي، وستار من الفضائل الحضارية المزعومة ضمن إطار حرب صليبية - علمية. (وهذا أحد تناقضات الاستعمار). وتؤكد أحداث ثورة ١٨٧١، كل تلك الأسس الاستراتيجية، وهي الأحداث التي يمكن تلخيصها بالتالي: (كانت الثورة الدفينة منتشرة في كل مكان من الجزائر، فشكلت تيارا عاما، وكانت في حاجة للمفجر، فجاء المقراني وفجرها، وعمل الحداد على دعمها، ثم ظهر لقيادة الثورة صعوبة الاستمرار أمام أعداء الداخل والخارج وأمام ظروف العزلة الدولية، وأمام الضعف في وسائط القتال. وظن قادة الثورة أنهم يستطيعون إنقاذ ما يمكن لهم إنقاذه إن هم استسلموا لفرنسا على نحو ما فعله الأمير عبد القادر، في محاولة لتخفيف أعباء الحرب عن مواطنيهم، غير أن فرنسا مضت لاستثمار ظروف الثورة وتوظيف نتائجها لتطوير استعمارها الاستيطاني). لم يكن أمام قيادة ثورة ١٨٧١ غير طريق الثورة، كما لم يكن أمامهم فيما بعد من طريق غير طريق الشهادة لمن استشهد والاستسلام لمن وقع في الأسر. تلك هي الخيارات الضيقة التي بقيت مفتوحة أمام أبناء البلاد التي خضعت للاستعمار - وفي طليعتها الجزائر المجاهدة. وأكد الاستعمار الإفرنسي على طبيعته وعلى دوره في أحداث ثورة سنة ١٨٧١ من خلال ما ارتكبه من جرائم وحشية ضد المجاهدين الجزائريين. ومن خلال الأحكام القاسية على قادة الثورة وزعمائها، ثم من خلال أعمال المصادرة لممتلكات الجزائريين وأراضيهم وهو ما تبرزه المقولة التالية: (كانت أعمال المصادرة في ثورة ١٨٧١، مصدرا لكسب المزيد

стр. 943

من الأراضي الجيدة وتوفيرها لصالح الاستعمار الأوروبي، خاصة بعد أن قويت حركة التهجير الأوروبي من الألزاس على أثر هزيمة فرنسا خلال حرب ١٨٧٠ أمام بروسيا، وصدور قرار (١٥) أيلول - سبتمبر - ١٨٧١ القاضي بتخصيص مائة ألف هكتار لتوطينهم بالجزائر. وقراري ١٦ و٢٨ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٧١ القاضيان بتنظيم عملية توزيع هذه الأراضي بعد أن وصل إلى الجزائر (٢٢٠٠) عائلة أوروبية تضم (١٠،٥٠٠) أوروبي. وفي الحقيقة فإن الاستعمار الإفرنسي لم يتمكن حتى سنة ١٨٧٠ من تأمين الأراضي لتطوير الاستعمار الاستيطاني الأوروبي. فتألفت لجان للتعجيل بالمصادرة، وتحولت في نهاية ١٨٧٢ أكثر من (٣٣) قبيلة وفرع قبيلة (أفخاذ وبطون) من مالكة لأراضيها إلى أجيرة بعد أن صودرت منها أراضيها في حوض (وادي الساح). ولعل أصدق تعبير عن حالة البؤس التي عمت الأهالي نتيجة لقسوة المصادرة شهادة ذلك الفلاح من بني عباس، والذي قال: (بأن كثيرا من الناس اشتروا حياتهم وأرواحهم بكل ثرواتهم، وبقوا بعد ذلك كالجيف في حلوق حيوانات بني آوى. لا يسمع لهم ولا يلتفت أحد إلى احتجاجاتهم). لقد تنوعت أعمال المصادرة فشملت الأملاك الشخصية لكل من مارس دورا في ثورة المقراني والحداد، كما شملت مصادرة جماعية لسكان الأعراش والدواير (القرى) الذين أرغموا على دفع جزء من أراضيهم الجيدة لصالح الاستعمار الأوروبي وحتى الذين لم يكونوا يملكون الأراضي صودرت أملاكهم الأخرى كالدور والأثاث والحيوانات وبيعت عن طريق البلديات ونتج عن ذلك: آ - تغريم الثوار بمبلغ (٣٨،٣٢٥،٩١٤) فرنكا، خفض فيما

стр. 944

بعد إلى ٣٦ مليون ونصف من الفرنكات. خصص قسم منها لتوطين مهاجري الألزاس واللورين. ب - صودرت بصورة جماعية أملاك وأراضي (٣١٣) قبيلة ودوارا، تشتمل على (٥٩٤٨) رئيس عائلة عزلوا من وظائفهم بتهمة المشاركة في الثورة. وبلغ مجموع مساحات الأراضي المصادرة منها (٦١١،١٣٠) هكتارا قدرت قيمتها الحقيقية نقدا بمبلغ (٩١،٩٤٨،٤٥٠) فرنكا. ج - صودرت أملاك شخصية لعدد (٣٦٠) رئيس عائلة، بلغ مجموع المساحات المصادرة منهم (٥٤،٤٦١) هكتارا. تلك كانت طبيعة المصادرات ضد الثوار بصورة عامة في ثورة ١٨٧١. والتي كانت ثورة طبيعية في مناخها الطبيعي، كما أنها التعبير الطبيعي والعفوي عن غضب الجماهير العربية - الإسلامية في مواجهة الغزو الغربي - الصليبي الأمر الذي عبر عنه ((بومزراق) في رسالة له إلى (كبراء عرش مركالة) جاء فيها: (وكما في علمكم، فوضنا أمرنا إلى الله لأجل الجهاد في سبيل الله) (١). وفي رسالة ثانية: (نخبرك بأننا قمنا للجهاد ... ونحمد الله ونشكره على هذه الساعة بفتح أبواب الجهاد، حتى يغسل المسلمون ذنوبهم). وفي رسالة ثالثة: (وبعد، أيها الأحباب، إننا نريد منكم الدخول في دين الله ورسوله، ولا تتركوا حقكم في الدين والجهاد في سبيل الله). وبذلك، تكون ثورة سنة ١٨٧١ الرائدة نموذجا لتلك

стр. 945

الثورات التي تمخض عنها العالم العربي - والإسلامي طوال فترة عهد الاستعمار، بداية من أفغانستان ومرورا ببلاد الشام ومصر والسودان ونهاية بالمغرب العربي - الإسلامي. كما أنها مشابهة أيضا في ظروفها ونتائجها لتلك الثورات كلها. ولقد ألقت ثورة سنة ١٨٧١ بظلالها على أفق المستقبل، وكان من أبرز نتائجها إسقاط مقولة (دمج الجزائر بفرنسا) وتعميق الهوة بين المجاهدين في سبيل الله والغزاة الغربيين - الإفرنسيين - تحت راية (لحملة الصليبية الجديدة). لقد دفع ثوار سنة ١٨٧١، الثمن غاليا، من دمائهم وجهودهم وتضحياتهم. ولم تكن تنقصهم الكفاءة الإدارية أو الخبرة لإدارة الحرب، غير أن ما كان ينقصهم هو (الظروف المناسبة لانتصار الثورة)، فكانت تجربة ثورة سنة ١٨٧١ - بظروفها ونتائجها هي إحدى المنارات المضيئة، إن لم تكن من أكبر تلك المنارات على درب الثورة والجهاد.

стр. 946

﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (سورة البقرة: الآية (١٢٠). قراءات ١ - نص القرار الخاص بمصادرة أملاك المقراني. ٢ - نص قرار مصادرة أملاك المقراني والحداد وأفراد عائلتيهما. ٣ - مصادر أملاك المقراني والحداد وأفراد عائلتيهما. ٤ - الحرب الصليبية في الجزائر. .

стр. 947

- ١ - نص القرار الخاص بمصادرة أملاك المقراني (١) نحن والي الجزائر، بعد النظر في الفصل العاشر وما يليه من الأمر المؤرخ في ٣١ تشرين الأول - أكتوبر - سنة ١٨٤٥، واطلاعه على الشرط الثاني من الفصل الثاني والعشرين من المرسوم الاشتراعى المؤرخ في ١٦ نيسان حزيران - يونيو سنة ١٨٥١، والفصل السابع من قانون ديوان أعيان الدولة المؤرخ في ٢٢ نيسان - إبريل - ١٨٦٣، وبعد دراسة ما ارتكبه الحاج محمد المقراني باش آغا مجانة، كان في ولاية قسنطينة من العداوة البينة والفتنة الثابتة لدولة الجمهورية الإفرنسية، أمرنا بما سيأتي ذكره مفصلا: الفصل الأول: قد أجرينا الثقاف على جميع ممتلكات الحاج محمد باش آغا المذكور، ووضعنا يد الحيازة عليها سواء كانت منقولة أو غير منقولة، مما يثبت وجوده في أوطان ولاية الجزائر. الفصل الثاني: قد ألزمنا جميع حايزي أملاكه ومستودعيها ومستعيريها وعامليها ومكتريها والمتصرفين فيها بأي وجه كان، وكل من

стр. 948

عليه دين له، أو عناء أو نحو ذلك من التعلقات المالية أن يصرحوا بما عليهم وما بذمتهم في مدة ثلاثة أشهر تبدأ من تاريخ أمرنا هذا، وقد أطلقنا لإدارة (الدومين - أو الحراسة) أن تتصرف بجميع أملاكه على مقتضى الشروط المشمولة في الفصل الثاني من هذا الأمر المؤرخ في ٣١ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٤٥. الفصل الثالث: قد أجرينا الثقاف أيضا على أنواع أملاك الأعراش والعرب الذين خرجوا عن الطاعة مع المقراني، ومن سيخرج، ووضعنا عليها يد الحيازة سواء كانت شخصية أو مشاعة ثم إن أمرنا هذا العام الشأن سيفصل أحكاما خصوصية تصدر كلما طلبها من له النظر فيها والاحتياج إليها، ويكون كل فرد معنيا فيها باسمه. الفصل الرابع: سينجز من الآن أمرنا هذا الموجه إلى وزير الداخلية للموافقة عليه. الفصل الخامس: إن عمال العمالات (الولايات) ومتصرفي الأمور التابعين للحكم العسكري هم المكلفون بإنجاز - وتنفيذ - أمرنا هذا كل واحد منهم فيما يخصه. كتب في الجزائر يوم ٢٥ آذار. مارس - سنة ١٨٧١ .

стр. 949

- ٢ - نص قرار مصادرة أملاك عائلة الشيخ الحداد نحن والي ولاية الجزائر، بعد النظر في الأمر المؤرخ بتاريخ ٣١ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٤٥. واطلاعه على الشرط الثاني من الفصل الثاني والعشرين من المرسوم الاشتراعي المؤرخ في ١٦ حزيران - يونيو - سنة ١٨٥١، والفصل السابع من قانون ديوان أعيان الدولة المؤرخ في ٢٢ نيسان - إبريل - ١٨٦٣، والأمر المؤرخ في ٣١ أذار - مارس - ١٨٧١ الموافق عليه وزير الداخلية يوم ٧ أيار - مايو - ١٨٧١، والأمر الصادر من رئيس الحكم المؤرخ في ١٥ تموز - يوليو - ١٨٧١، وبعد مطالعة الحكم الذي أصدره الجنرال حاكم ولاية قسنطينة من وضع الثقاف - الحراسة - على أملاك من سيأتي ذكرهم منقولة كانت أو غير منقولة. وهذا نص حكمه: نحن الجنرال الحاكم على ولاية قسنطينة، بعد أن ثبت لدينا أن الشيخ الحداد، مقدم طريقة سيدي محمد بن عبد الرحمن القاطن بدشرة (صدوق) في عرش (بني عيدل) من دائرة بجاية، وولديه سي عزيز بن الشيخ الحداد قائد (عموشة) وسي محمد بن الشيخ الحداد قاضي (بني عيدل وريغة)، قد باشروا جميعا أعمال الفتنة الواقعة في ولاية قسنطينة. فالأول حرض أخوانه في الطريقة على الجهاد. وأما ولداه

стр. 950

الاثنان فاجتهدا في إثارة الناس للتخريب والعصيان؛ وتقدما أمام الثائرين للقتال، وأعطيا رأيهما للثائرين من أجل الهجوم على البلدان العامرة بالإفرنج. فلذلك تعين علينا وضع الحراسة - الأثاقف - فورا وحكمنا بما سيأتي مفصلا: الفصل الأول: وضعنا الحراسة - الثقاف - مؤقتا على جميع الأملاك المنقولة وغير المنقولة، المنسوبة للشيخ الحداد مقدم طريقة سيدي محمد بن عبد بن عبد الرحمن، القاطن بدشرة (صدوق) في عرش (بني عيدل) من دائرة بجاية. وكذلك المنسوبة لولديه الاثنين وهما (سي عزيز بن الشيخ الحداد) قائد عموشة، و (سي محمد بن الشيخ الحداد) قاضي بني عيدل وريغة. الفصل الثاني: إن حائزي الأملاك المثقفة المذكورة ومستودعيها ومكتريها والمتصرفين فيها، وكذلك من في ذمته دين أو عناء أو غير ذلك من أنواع الحقوق الراجعة إلى المضروب بالثقاف، لا بد أن يعترف بما عليه في مدة ثلاثة أشهر مبدؤها غداة اليوم الذي يعلن بالصحف - الجرائد - المرقوم فيها أسماء المثقفين. ثم إن نظارة (الدومين - الحراسة) تتصرف في الأملاك المثقفة على وفق الشروط المقررة في الأمر المؤرخ في ٣١ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٤٥. الفصل الثالث: يكلف عامل ولاية قسنطينة والعقيد (الكولونيل) الحاكم على قسمة (سطيف) بتنفيذ كل فيما يخصه من أمرنا هذا الذي سيعلن باللغتين الإفرنسية والعربية في الصحيفتين المونيتور الجزائري والمبشر. كتب بقسنطينة في ١ أب - أغسطس - ١٨٧١ - الجنرال دو لاكروا
следующие страницы →