← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (سورة البقرة: الآية (١٢٠). قراءات ١ - نص القرار الخاص بمصادرة أملاك المقراني. ٢ - نص قرار مصادرة أملاك المقراني والحداد وأفراد عائلتيهما. ٣ - مصادر أملاك المقراني والحداد وأفراد عائلتيهما. ٤ - الحرب الصليبية في الجزائر. .

стр. 947

- ١ - نص القرار الخاص بمصادرة أملاك المقراني (١) نحن والي الجزائر، بعد النظر في الفصل العاشر وما يليه من الأمر المؤرخ في ٣١ تشرين الأول - أكتوبر - سنة ١٨٤٥، واطلاعه على الشرط الثاني من الفصل الثاني والعشرين من المرسوم الاشتراعى المؤرخ في ١٦ نيسان حزيران - يونيو سنة ١٨٥١، والفصل السابع من قانون ديوان أعيان الدولة المؤرخ في ٢٢ نيسان - إبريل - ١٨٦٣، وبعد دراسة ما ارتكبه الحاج محمد المقراني باش آغا مجانة، كان في ولاية قسنطينة من العداوة البينة والفتنة الثابتة لدولة الجمهورية الإفرنسية، أمرنا بما سيأتي ذكره مفصلا: الفصل الأول: قد أجرينا الثقاف على جميع ممتلكات الحاج محمد باش آغا المذكور، ووضعنا يد الحيازة عليها سواء كانت منقولة أو غير منقولة، مما يثبت وجوده في أوطان ولاية الجزائر. الفصل الثاني: قد ألزمنا جميع حايزي أملاكه ومستودعيها ومستعيريها وعامليها ومكتريها والمتصرفين فيها بأي وجه كان، وكل من

стр. 948

عليه دين له، أو عناء أو نحو ذلك من التعلقات المالية أن يصرحوا بما عليهم وما بذمتهم في مدة ثلاثة أشهر تبدأ من تاريخ أمرنا هذا، وقد أطلقنا لإدارة (الدومين - أو الحراسة) أن تتصرف بجميع أملاكه على مقتضى الشروط المشمولة في الفصل الثاني من هذا الأمر المؤرخ في ٣١ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٤٥. الفصل الثالث: قد أجرينا الثقاف أيضا على أنواع أملاك الأعراش والعرب الذين خرجوا عن الطاعة مع المقراني، ومن سيخرج، ووضعنا عليها يد الحيازة سواء كانت شخصية أو مشاعة ثم إن أمرنا هذا العام الشأن سيفصل أحكاما خصوصية تصدر كلما طلبها من له النظر فيها والاحتياج إليها، ويكون كل فرد معنيا فيها باسمه. الفصل الرابع: سينجز من الآن أمرنا هذا الموجه إلى وزير الداخلية للموافقة عليه. الفصل الخامس: إن عمال العمالات (الولايات) ومتصرفي الأمور التابعين للحكم العسكري هم المكلفون بإنجاز - وتنفيذ - أمرنا هذا كل واحد منهم فيما يخصه. كتب في الجزائر يوم ٢٥ آذار. مارس - سنة ١٨٧١ .

стр. 949

- ٢ - نص قرار مصادرة أملاك عائلة الشيخ الحداد نحن والي ولاية الجزائر، بعد النظر في الأمر المؤرخ بتاريخ ٣١ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٤٥. واطلاعه على الشرط الثاني من الفصل الثاني والعشرين من المرسوم الاشتراعي المؤرخ في ١٦ حزيران - يونيو - سنة ١٨٥١، والفصل السابع من قانون ديوان أعيان الدولة المؤرخ في ٢٢ نيسان - إبريل - ١٨٦٣، والأمر المؤرخ في ٣١ أذار - مارس - ١٨٧١ الموافق عليه وزير الداخلية يوم ٧ أيار - مايو - ١٨٧١، والأمر الصادر من رئيس الحكم المؤرخ في ١٥ تموز - يوليو - ١٨٧١، وبعد مطالعة الحكم الذي أصدره الجنرال حاكم ولاية قسنطينة من وضع الثقاف - الحراسة - على أملاك من سيأتي ذكرهم منقولة كانت أو غير منقولة. وهذا نص حكمه: نحن الجنرال الحاكم على ولاية قسنطينة، بعد أن ثبت لدينا أن الشيخ الحداد، مقدم طريقة سيدي محمد بن عبد الرحمن القاطن بدشرة (صدوق) في عرش (بني عيدل) من دائرة بجاية، وولديه سي عزيز بن الشيخ الحداد قائد (عموشة) وسي محمد بن الشيخ الحداد قاضي (بني عيدل وريغة)، قد باشروا جميعا أعمال الفتنة الواقعة في ولاية قسنطينة. فالأول حرض أخوانه في الطريقة على الجهاد. وأما ولداه

стр. 950

الاثنان فاجتهدا في إثارة الناس للتخريب والعصيان؛ وتقدما أمام الثائرين للقتال، وأعطيا رأيهما للثائرين من أجل الهجوم على البلدان العامرة بالإفرنج. فلذلك تعين علينا وضع الحراسة - الأثاقف - فورا وحكمنا بما سيأتي مفصلا: الفصل الأول: وضعنا الحراسة - الثقاف - مؤقتا على جميع الأملاك المنقولة وغير المنقولة، المنسوبة للشيخ الحداد مقدم طريقة سيدي محمد بن عبد بن عبد الرحمن، القاطن بدشرة (صدوق) في عرش (بني عيدل) من دائرة بجاية. وكذلك المنسوبة لولديه الاثنين وهما (سي عزيز بن الشيخ الحداد) قائد عموشة، و (سي محمد بن الشيخ الحداد) قاضي بني عيدل وريغة. الفصل الثاني: إن حائزي الأملاك المثقفة المذكورة ومستودعيها ومكتريها والمتصرفين فيها، وكذلك من في ذمته دين أو عناء أو غير ذلك من أنواع الحقوق الراجعة إلى المضروب بالثقاف، لا بد أن يعترف بما عليه في مدة ثلاثة أشهر مبدؤها غداة اليوم الذي يعلن بالصحف - الجرائد - المرقوم فيها أسماء المثقفين. ثم إن نظارة (الدومين - الحراسة) تتصرف في الأملاك المثقفة على وفق الشروط المقررة في الأمر المؤرخ في ٣١ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٤٥. الفصل الثالث: يكلف عامل ولاية قسنطينة والعقيد (الكولونيل) الحاكم على قسمة (سطيف) بتنفيذ كل فيما يخصه من أمرنا هذا الذي سيعلن باللغتين الإفرنسية والعربية في الصحيفتين المونيتور الجزائري والمبشر. كتب بقسنطينة في ١ أب - أغسطس - ١٨٧١ - الجنرال دو لاكروا

стр. 951

د دراسة ما طلبه الجنرال حاكم ولاية قسنطينة، والاطلاع على اجتهاد اللجة التي أقمناها يوم ٧ حزيران - يونيو - ١٨٧١، أمرنا وأبرمنا ما سيأتي: وهو أننا وافقنا على الحكم المسطور أعلاه، وعلى نشره في المونيتور الجزائري والمبشر. كتب بالجزائر يوم ٦ أيلول - سبتمبر - ١٨٧١/ ١٨ أيلول - سبتمبر - ١٨٧١ الكونت دوقيدون / شارل تاسان

стр. 952

- ٣ - مصادرة أملاك المقراني والحداد وأفراد عائلتيهما آ - مصادرة أملاك المقراني وأفراد عائلته: مرت مصادرة أملاك المقراني وأفراد عائلته بمرحلتين اثنتين، بدأت المرحلة الأولى بعد عشرة أيام فقط من إعلان الثورة. ففي يوم ٢٥ آذار - مارس - ١٨٧١ أصدر (لامبير) المحافظ فوق العادة لولاية الجزائر، قرارا جاء فيه، بعد استعراض الحيثيات المختلفة، أنه نظرا: (إلى ما ارتكبه الحاج محمد المقراني، باش آغا مجانة سابقا في ولاية - إيالة - قسنطينة من العداوة البينة والفتنة الثابتة ضد الجمهورية الإفرنسية، أمرنا بما سيأتي ذكره مفصلا: الاستيلاء على جميع ممتلكات الحاج محمد باش آغا، ووضعنا الحراسة عليها سواء كانت منقولات أو غير منقولات مما ثبت وجوده في أوطان ولاية الجزائر. والاستيلاء - الثقاف - أيضا على أنواع أملاك الأعراش والعرب الذين خرجوا عن الطاعة مع المقراني، ومن سيخرح. ووضعنا عليها يد الحيازة سواء كانت شخصية أو مشاعة). واستنادا إلى هذا القرار صدر يوم ٥ نيسان - إبريل - ١٨٧١ القرار رقم (١١٠) الذي نص على مصادرة ملكية للمقراني تدعى (جنان بوطالب) توجد في قرية (ابن عكنون) ببلدية (الأبيار) في أحواز مدينة الجزائر العاصمة، تبلغ مساحتها العامة ١٦

стр. 953

هكتارا و ٤٥ آرا و ٦٥ سنتيارا. وتحتوي على برجين وحديقة وقطعتي أرض لزراعة الخضار والأشجار المثمرة ومقهى عربي وإصطبل وبئر ونافورة مياه. وهي أول عملية مصادرة لأملاك المقراني بعد صدور القرار الخاص بذلك. وفي يوم ٨ أيار - مايو ١٨٧٢ صدر القرار رقم (٢٢٦) والذي نص على مصادرة ملكية ثانية للمقراني في بلدية (سماغير) بدوار (عين حازم) على الطريق العام بين (سور الغزلان وسطيف) في منطقة سكان (بني عامر) وتبلغ مساحتها العامة ٣٣ هكتارا و٣٧ آرا. وتوالت بعد ذلك عمليات المصادرة لأملاكه وأملاك عائلته حتى النصف الثاني من العام ١٨٧٣. لقد كانت المصادرة في المرحلة الأولى جزئية على أملاك المقراني وبعض أفراد أسرته. وكان أهم شيء تم خلالها هو صدور قرارات المصادرة، ثم عكفت السلطات على إحصاء أملاك كل فروع عائلة أولاد مقران في فترة امتدت حوالي عامين. ابتدأتها بإصدار القرار (٢٢٠) بتاريخ ٢٦ أيار (مايو ١٨٧٢ الذي نص على المصادرة الجماعية لكل أملاك الفروع الأربعة من العائلة. ومن أهم ما جاء فيه - بعد الحيثيات - ما يلي: المادة الأولى: تطبيقا لقرار ٥ كانون الثاني - يناير - ١٨٧٢ من الجنرال الحاكم على مقاطعة قسنطينة، تطبق المصادرة على الأملاك العقارية وغير العقارية المملوكة لأربعة فروع من أولاد مقران هم: أولاد عبد الله وأولاد بورنان وأولاد عبد الرحمن وأولاد الحاج. المادة الثانية: تطبق المصادرة كذلك على الأملاك العقارية وغير العقارية المملوكة للسيد بن بوداوود، قائد الحضنة السابق، وسي بن الشلال ابن عمه، ومسعود بن عبد الرحمن المقراني. ولخضر بن عبد

стр. 954

الرحمن المقراني القائد السابق لبني عيدل. وهؤلاء الأربعة أولاد مقران رؤساء الثورة بالحضنة. وبعد أن انتهت السلطات من إحصاء كل أملاكهم، وفرغت من محاكمة من وقع منهم في قبضتها أصدرت يوم ٢٩ تموز - يوليو - ١٨٧٣ ستة قرارات أخرى تحوي بالتفصيل كل الأملاك العقارية وغيرها لستة فروع من عائلة المقراني كالتالي: فرع أولاد الحاج صف الباش آغا: ٨٢ , ٧٠ , ٤٨٨١ هكتارا. فرع أولاد عبد الله: ٥٢ , ٥٨ , ٤٧٢١ هكتارا. فرع أولاد عبد السلام: ٤٩ , ٦٠ , ٤٠٦٠ هكتارا. فرع أولاد بلقندوز: ٨٠ , ٥٣ , ٣٧٨٧ هكتارا. فرع أولاد عبد الرحمن: ٢٥ , ٧٥ , ٣٤٧١ هكتارا. فرع أولاد بورنان: ٦٧ , ٧٠, ١٩٠٦ هكتارا. وبلغت مساحة هذه الأراضي التي وضعت سلطات البلديات قبضتها عليها (٢٢٨٢٩,٨٩,٥٥) هكتارا. ضمت (٥٦٩) قرية زراعية (ضيعة) لزراعة الحبوب وأشجار التين والزيتون و (٣٩) بستانا مسقيا (مرويا) للخضار والفواكه المتنوعة و (٧٩) منزلا، وثلاث مطاحن لطحن الحبوب وثلاثة اصطبلات ومقهى وحماما ومسجدا. الغريب في الأمر، هو أن السلطة الاستعمارية الإفرنسية، عملت بعد أن صادرت أموال (عائلة المقراني) على دفع مبلغ

стр. 955

(ثمانمائة ألف فرنك لعائلة (لافي) اليهودية سدادا لديونها المزعومة على المقراني، كما دفعت للبنوك والمصارف ما ادعته من ديون لها على المقراني. في حين رفضت دفع الديون المماثلة للجزائريين، ومنهم الحاج (حمود بو تليس) الذي اضطر أن يكتب إلى الحاكم العام (الكونت دوقيدون) مطالبا بمبلغ (ألفي وثمانمائة وأربعة وخمسين فرنكا وخمسة وتسعين سنتيما) كانت له على محمد المقراني. وحاول الحاج حمود ألا يصدق ما كان الناس يشيعونه قائلا إلى الحاكم العام: (بأنه لم يخطر ببالي ما يذكره الناس من أن ما بذمة الباشآغا للمسلمين لا يؤدونه لهم، ويرضون النصارى واليهود ما يخصهم من الديون). ب - مصادرة أملاك الشيخ الحداد وأفراد عائلته تعرضت عائلة الشيخ الحداد لما تعرضت له عائلة المقراني. وطبق الإفرنسيون ضدها نفس الأسلوب في المصادرة الجماعية لكل أملاكها العقارية وغير العقارية، على الرغم من أنها لم تكن في مستوى عائلة المقراني من حيث الغنى ووفرة الممتلكات، ويكاد يكون مصدر ثرائها وغناها الوحيد هو هدايا الإخوان الرحمانيين، والأوقاف التي كان الأغنياء يحسبونها لزواياها ومشايخها. ومن هنا فقداعتبرت عائلة الحداد فقيرة لا تختلف كثيرا عن وضع بقية الأهالي. ومع ذلك استعملت السلطات الإفرنسية ضدها القسوة المتناهية. وصادرت كل أملاكها وأملاك أتباعها في محاولة لتدمير (سلطتها الروحية الخطيرة على الإفرنسيين). وإذا كان المقراني قد تعرض للمصادرة بعد عشرة أيام فقط من إعلانه الثورة. فإن عائلة الحداد لم تتعرض لذلك إلا بعد عدة شهور. وبالضبط في اليوم الأول من شهر آب - أغسطس - ١٨٧١. حيث أصدر حاكم قسنطينة العسكري (دولاكروا) قراره رقم

стр. 956

(٢٠٨) والذي صادق عليه (الكونت دوقيدون) يوم ٦ أيلوله سبتمبر - ووقعه شارل تاسان المدير العام للشؤون المدنية والمالية يوم ١٨ أيلول - سبتمبر - ١٨٧١ ومما جاء فيه بعد الحيثيات: (لقد وضعنا الحراسة - الثقاف - بصورة مؤقتة على جميع الأملاك المنقولة وغير المنقولة، المنسوبة للشيخ الحداد مقدم طريقة سيدي محمد بن عبد الرحمن القاطن بدشرة (صدوق) في عرش (بني عيدل) من دائرة بجاية، وكذلك المنسوبة لولديه سي عزيز بن الشيخ الحداد، قائد عموشة سابقا، وسي محمد بن الشيخ الحداد قاضي بني عيدل وريغة سابقا). كان هذا القرار هو بداية العمل لإحصاء كل أملاك هذه العائلة، والذي استمر بعد ذلك حتى أواخر العام التالي (١٨٧٢) حيث صدر قرار رقم (٣٩٧) بتارخ ١٦ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٧٢، وهو يضم تفاصيل الأملاك التي تم إحصاؤها ومصادرتها. ووقعه مدير مصطحة البلدية. وصادق عليه (دوقيدون) يوم ٢ كانون الأول - ديسمبر - من العام ذاته. بلغ مجموع مساحة الأراضي التي صودرت من عائلة الشيخ الحداد (٠٥ , ٥٢ , ٥٠٢) هكتارا تضم (٦٢) قرية - ضيعة - لزراعة الحبوب والتين والزيتون والغلال البعلية، وستة بساتين مروية - مسقية - للخضار والأشجار المثمرة وسبعة منازل و (١٥) داكانا ومخزنا للتجارة، وثلاثة اصطبلات وثلاث طواحين لطحن الحبوب، ومعصرة زيتون ومسجد، وبلغ مجموع الأشجار المثمرة التي تم حصرها (١٤٥٢٨) شجرة أغلبها من الزيتون، والباقي من التين والبرتقال والتفاح والإجاص والرمان وغيرها ... ومرة أخرى، يظهر من الغريب حقا سلوك السلطة الاستعمارية

стр. 957

الإفرنسية تجاه الشيخ محمد عبد الرحمن وابنيه سي عزيز وسي محمد. فقد كان الهدف الواضح من (المصادرات) هو القضاء على النفوذ الديني، في حين كان هدف مصادرة أموال (محمد المقراني وعائلته) هو القضاء على ما أطلق عليه اسم (الأرستقراطية العربية). وبكلمة أكثر وضوحا، تدمير القيادات السياسية والدينية للوطنيين الجزائريين. بينما كانت السلطة الإفرنسية الاستعمارية ذاتها تعتمد في سياستها على إقامة الإقطاعات الزراعية والصناعية والتجارية، وتفسح المجال الواسع أمام (رأس المال) لاستغلال موارد الوطن الجزائري واستثماره. ومن المعروف تاريخيا أن هذه الطبقة الغريبة - الطفيلية. قد أسهمت منذ فجر استعمار الجزائر وحتى نهايته بخلق المتاعب أمام الإدارات الإفرنسية المتتالية - من مدنية وعسكرية -. وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت هذه الإدارات الإفرنسية تكافئها بالمزيد من الامتيازات. أما نصيب الوطنيين الجزائريين من ذلك، وكما هو واضح، فهو دفع القيادات الدينية والسياسية للثورة، وخلق المثيرات المختلفة من أجل إشعال نار الثورة، ثم العمل على قمعها بقسوة ووحشية، وتوظيف نتائجها لمصلحة الاستعمار الاستيطاني.

стр. 958

- ٤ - الحرب الصليبية في الجزائر بقيت الحراب الصليبية أحد وجوه الحرب الشاملة للدول الاستعمارية. وكانت في كثير الأحيان تشكل الغطاء المناسب لستر سوءات الاستعمار وقباحته. ومن المعروف أن الجزائر قد تعرضت سنة ١٨٦٧، وفي السنوات التالية لمجموعة من الكوارث والنكبات الطبيعية التي قضت على عشرات آلاف الأسر والعائلات الجزائرية. وخلفت وراءها عشرات الآلاف من الأطفال الأيتام - علاوة على أبناء الشهداء - الذين قضوا فوق ميادين الجهاد في سبيل الله. فوجد رجال الدين المسيحي في ذلك الفرصة المؤاتية لتنصير أولئك الأطفال، وتمسيحهم، بتقديم فتات الخبز لهم. واندفع أسقف مدينة الجزائر (لافيجري) (١) لتطوير هذه العملية واستغلال الجوع لصالح الكنيسة. ووجد من نابليون الثالث تشجيعا زاد من حماسته حيث

стр. 959

وجدت رسالة تحمل تاريخ ٢٩ كانون الثاني - يناير - ١٨٦٧ وفيها ما يلي: (علمنا وأخبرنا بنبأ جديد له أهميته، وهو أن الأسقف الجديد -لافيجري - قد حصل على إذن من الإمبراطور يتنصير الأهالي مع تزويده بصلاحيات واسعة، ويعتزم الأسقف إنشاء أديراة هناو هناك بالتعاون مع رجال الدين المطرودين من إيطاليا لتنصير المسلمين) (١). وكانت حجة الكاردينال في ذلك هي، (أن هؤلاء الأيتام بقوا بدون آباء وأمهات معرضين للموت في كل وقت. وجزاء الكنيسة عندما تؤويهم هو أن تنصرهم وتحولهم عن عقيدة آبائهم وأجدادهم الإسلامية. وكان يرى أن هذا التنصير ينبغي أن يتم ولو بالقوة. وحتى بالتفرقة بين الجزائريين من أجل القضاء على تأثير القرآن الكريم). وعلى هذا الأساس جمعت الكنيسة حوالي عشرة آلاف يتيم من تتراوح أعمارهم بين الثامنة والعاشرة، وأخذت تجمع الأموال باسمهم لتستغل ذلك دينيا وسياسيا، وإعطاء عملها (تظاهرة الإنسانية - الحضارية). غير أن هذه التظاهرة لم تخدع الجزائريين - إذ لم تلبث ممارسات الكاردينال ذاته وأتباع مدرسته أن فضحتها. وهو الأمر الذي تبرزه تلك المحادثة التي أجراها الكاردينال مع يتيم جزائري عمره عشر سنوات، زعم أنه التقى به في حي باب الواد بالجزائر العاصمة في شهر تشرين الأول - أكتوبر - عام ١٨٦٨ واسمه عمر: س: من أين جئت يا بني؟ ج: من الجبل، من بعيد، بعيد! س: وأبواك أين هما؟

стр. 960

ج: أبي مات، وأمي في القرية. (الغوري). س: لماذا تركتها؟ ج: هي التي قالت لي لا شيء هنا، إذهب إلى قرى المسيحيين، وسألحق بك أنا كذلك. س: ماذا فعلت في الطريق؟ ج: كنت آكل الأعشاب في النهار، وأختفي في الليل داخل الكهوف، حتى لا يقتلني العرب إذا رأوني. لأنهم يقتلون الأولاد ويأكلونهم. س: والآن إلى أين أنت ذاهب؟ ج: لا أدري. س: أتذهب إلى أحد الأولياء العرب - المشايخ -؟ ج: آه! لا، لأني عندما أذهب إليهم يطردونني، وإذا رفضت يسلطون علي الكلاب لتقتلني. س: أتريد أن تبقى معي؟ ج: آه! نعم. س: إيه، حسنا، سر معي إلى دار الأولاد، وسأعتبرك مثلهم، وأسميك شارل. وبعدة مدة سألته عن بقائه: س: أتريد أن تذهب إلى أمك؟ ج: لا أذهب، ولا أحب ذلك؟

стр. 961

س: لماذا؟ ج: (لأنني وجدت أحسن من أمي). ... إن هذه المحادثة القصيرة تدين نفسها، بقدر ما تدين (الكاردينال المحترم) بما تبرزه من تناقض في النقاط التالية: ١ - إن نص الأسئلة وأسلوب الحوار دول على الخبث واللؤم في تلقين الطفل بما يجب عليه قوله. ٢ - من غير المعهود يدل العرب المسلمين أن تتخلى أم عن ابنها بمثل هذه السهولة. وتتركه يقطع الجبال والوهاد وحده. ولو كان الأمر صحيحا، لكان من المحتمل أن ترافق الأم ابنها لتعرف مصيره. ٣ - ليس من عادة العرب المسلمين، ولم يعرف عنهم حتى في أقسى الظروف، ذبح الأطفال وأكلهم. ٤ - ليس من عادة الأولياء - المشايخ - طرد طفل جائع أو محروم، وأموال الأوقات والزوايا - في تلك الفترة - كانت وفيرة ومحبوسة لمثل هذه الأعمال الخيرية. ٥ - ليس من عادة العرب المسلمين إدخال الكلاب إلى الزوايا والمساجد واستخدامها لطرد الغرباء، ويقتصر استخدامها عندهم لحراسة قطعان الماشية والصيد. في حين تستخدم النساء الإفرنسيات والرجال الكلاب لأكثر من غرض، ومنها حراسة المنازل ورطرد الغرباء. ٦ - إذا كان عمل الكاردينال المحترم (حضاريا - إنسانيا) فلماذا يغير اسم الطفل من عمر إلى شارل. ٧ - ثم هل هناك، وفي مثل هذا العمر، من يرضى عن أمه

стр. 962

بديلا. إلا إذا تم توجيهه بروح من الحقد والكراهية؟ مهما يكن من أمر، فقد اصطدمت مشاريع (الكاردينال المحترم) بمقاومة المسلمين الضارية، وانعكس ذلك بالضرورة على المهاجرين - المستوطنين في الجزائر من الأوروبيين. وثارت ضجة مفتعلة، ذلك لأن الرأي العام الغربي كان مؤيدا للكاردينال فيما يخص بدمج الجزائر بسرعة في فرنسا والمجتمع الأوروبي - عن طريق التنصير - ولم يكن الإمبراطور ذاته ورجال دولته ضد هذه الممارسات. ولكن الخلاف كان معه في الوسائل فقط. فهو كرجل دين متعصب، نظر إلى المشكلة من زاوية الحرب الصليبية ضد الإسلام والمسلمين، ورأى أن ينفذ أهدافه بحزم وقوة وسرعة، بدون أن يقيم وزنا للعواقب السياسية. أما رجال الدولة والمسؤولين، فقد عالجوا المشكلة من الناحية السياسية والعسكرية - وشعروا بالصعوبات التي قد تسببها لهم سياسة التنصير، بحكم اطلاعهم على تمسك الجزائريين بدينهم وعقيدتهم الإسلامية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإنهم لم يكونوا في عجلة من أمرهم، حيث كان عامل الوقت - بنظرهم - كفيل بتحقيق هدف النصير على مهل وبدون أي استثارة. وقد اعترفت المصادر الغربية بما لقيه الكاردينال المحترم من مقاومة - وفقا لما تبرزه المقولة التالية: (لقد اعترضت الكاردينال وكنيسته عقبة حقيقية، وهي رفض الجزائريين رفضا حازما لتنصير أبنائهم. فقد أحسوا بأنهم طعنوا في عقيدتهم الدينية. وكان هذا الشعور عاما حتى لدى الموالين للسلطات الإفرنسية والموظفين لديها) ولقد كان ابن علي الشريف باشآغا شلاطة - من رجال فرنسا المعتمدين وأشد أنصارهم حماسة لسياستهم. وعلى الرغم من ذلك، فقد صرح للماريشال

стр. 963

(ماكماهون): (بأنه لن يكون مسيحيا أبدا، ولا يعرف إذا كان أبناؤه أو أبناء أبنائه سيكونون في يوم من الأيام مسيحيين). لقد شكلت فرنسا لجنة للتحقيق أثر الاضطرابات التي اجتاحت الجزائر - وأشار حسن بن بريهمات، والمكي بن باديس وأحمد ولد القاضي إلى التذمر وأسبابه بما يلي: (لقد تجاوز الأوروبيون في بعض العمالات، الولايات، حدودهم، وخرجوا عن المقصود. حتى أنهم تكلموا فيما يخص الشريعة الإسلامية). فلا غرابة أن تكون سياسة التنصير عاملا في دفع الجزائريين إلى الثورة. وعلى الرغم من أن رسائل المقراني وبومزراق وقادة الإخوان الرحمانيين، لا تشير صراحة إلى قضية التنصير، إلا أن العامل الديني كان الحافز الأساسي لاستنفار الناس وحضهم على الجهاد وحمل السلاح. ففي رسالة الباشآغا إلى الشيخ بن كابه، وكبراء قرية (بو جليل ببني عباس) قال بعد التحية: (وبعد فتوكلوا على الله ورسوله، وتقدموا إلى الجهاد لنصرة دينكم عزما). فهو يدعو الناس إلى الجهاد لنصرة دينهم. وتلك هي عقلية جماهير الجزائريين تجاه النصارى - المسيحيين المسيطرين على بلادهم. ولا بد أنها عقلية جاءت نتيجة سياسة التنصير التي عملت الكنيسة على تحقيقها منذ الاحتلال. وكما قال مؤرخ صليبي: (لقد عرف الإسلام بالتسامح، ولم يظهر التعصب على المسلمين إلا نتيجة لما أظهره الفرنج الصليبيون من التعصب).

стр. 964

المراجع

стр. 965

الفهرس

стр. 966

_________ الفصل الثالث: (ثورة ١٨٧١) ............................... ١١٧ ١ - ثورة محمد المقراني (مجانة) ............................ ١١٩ ٢ - ثورة الشيخ الحداد (صدوق) ............................ ١٤٤ ٣ - ثورة أحمد بومزراق (سور الغزلان وونوغة) ............... ١٦٠ ٤ - في أفق الثورة .......................................... ١٧٩ قراءات وثائقية: ............................................. ١٨٧ ١ - نص القرار الخاص بمصادرة أملاك المقراني ............ ١٨٩ ٢ - نص قرار مصادرة أملاك الشيخ الحداد .................. ١٩١ ٣ - مصادرة أملاك المقراني والحداد وأفراد عائلتيهما .......... ١٩٤ ٤ - الحرب الصليبية في الجزائر ........................... ٢٠٠ المراجع الرئيسية للبحث .................................... ٢٠٦

стр. 967

الأمير خالد الهاشمي الجزائري والدفاع عن جزائر الإسلام بسام العسلي دار النفائس

стр. 968

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 969

الأمير خالد الهاشمي الجزائري والدفاع عن جزائر الإسلام بسام العسلي دار النفائس

стр. 970

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م دار النفائس

стр. 971

مقدمة الكتاب هذه الجزائر المجاهدة ما هوى منها شهاب إلا أتبعه شهاب آخر، وهذا هو شعب الجزائر المجاهد، ما مضت منه قافلة إلا وأتبعتها قافلة. وتستمر الشهب في إضاعة سماء العروبة والإسلام، وتستمر القوافل تترى على سبيل الجهاد في سبيل الله. ما عاشت الجزائر، جزائر العرب المسلمين، يوما من الأيام لنفسها، لقد كانت أبدا، وعلى امتداد قرون طويلة وهي تحمل الراية، راية الريادة، لم تتعب وقد أتعبت كل من عاداها. حتى أصبحت أمثولة الدنيا في التضحية والفداء والصبر والثبات. وعرف العالم، وعرف المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، ما احتملته الجزائر وما عاناه شعبها المجاهد، فحملوا لأرضها وشعبها كل الحب والتقدير والإكبار. وتاريخ جهاد شعب الجزائر بعد ذلك نسيج متلاحم صنعته تضحيات لا نهاية لها، وبرزت من خلاله شهب وكواكب ونجوم لا حصر لها. ويقف المرء حائرا أمام هذه الوفرة من الرواد المتشابهة

стр. 972

في تألقها، المتماثلة في حجومها وأشكالها وأضوائها. وعلى هذا، فالانتقاء لا يعني الأفضلية قدر ما يعني تصوير مرحلة تاريخية من خلال قيادة تاريخية معينة. هكذا كان الأمير عبد القادر الجزائري، وهو يقول: "أما بعد، فإن الفرنسيس المعتدين على البلاد الإسلامية، بعدما عاهدناهم وسالمناهم، نكثوا وجالوا في بلادنا وعاثوا، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن المعلوم أن التهاون في مثل هذا، والإغضاء عنه يزيدهم طغيانا لواعتداء علينا ... ومما علم من كتب التواريخ، أن العرب يبتهجون في معامع القتال كما يبتهج العريس ليلة عرسه، فلا يخطر في بالكم أنهم يضجرون منها أو يتركونها من ذات أنفسهم ما دامت الأقدار الإلهية مساعدة لهم. فإن حكمت عليهم بغير ذلك، فمن المعلوم أن الأرض لله من بعدهم يورثها من يشاء من عباده، فلا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ". وها هو محب الدين الخطيب يقول عن الأمير الشيخ طاهر الجزائري ما يلي: "هو الذي ربى عقلي، وهو الذي حبب إلي هذا الاتجاه الفكري منذ كنت طفلا إلى أن صرت رجلا. ولا أعرف مؤلفا ولا حامل قلم في ديار الشام، إلا وقد كانت له صلة بهذا العربي العظيم والأفادة من عقله وسعة فضله. وكل الذين جاهدوا هناك لأجل الحرية، وفي سبيل المعارف، ولإحياء علوم السلف، ولإعادة مجد العروبة والإسلام، إنما كانوا من إخوانه. وهو واسطة عقدهم ورأس مجالسهم، أو من طبقة تلاميذه، وهو مضرب المثل عندهم في كمال العقل وسعة الاطلاع التي لا حد لها.

стр. 973

وبالإجمال، هو جرثومة الخير الأولى من أيام ولاية مدحت باشا على سوريا، إلى أن هاجر الرجل العظيم إلى مصر سنة ١٣٢٥ هـ ". وها هو محمد الشريف بك الجزائري يصدر صحيفة "البوستة" في مصر (١٨٩٦ - ١٩٠٤) للدفاع عن قضايا العرب والمسلمين. وها هو الأمير علي باشا الجزائرى نجل الأمير عبد القادر يتولى الدفاع عن دنيا العرب والمسلمين. وها هو الأمير سليم الجزائري، "الضابط الأستاذ بالمدرسة الحربية والخائض غمار الحروب دفاعا عن الإسلام وحامل الأوسمة البطولية، يمضي في قوافل الشهداء دفاعا عن العرب والإسلام ". وها هو الأمير عز الدين الجزائري، يحمل السلاح في الثورة السورية الكبرى، دفاعا عن دنيا العرب المسلمين، ويمضي شهيدا للقاء وجه ربه وقد أدى الأمانة. وها هو الأمير خالد الهاشمي الجزائري. يلتمع كالشهاب في سماء العرب المسلمين، ثم يمضي، بصمت، بعد أن بذل الجهد المستطاع، وأكثر مما هو مستطاع، لحمل راية الريادة دفاعا عن الإسلام والمسلمين. هؤلاء سطورفي الملحمة الخالدة التي عاشها شعب المسلمين في أصعب مرحلة من تاريخهم. وهم سطور فخر تنحني الدنيا إجلالا لها وتقديرا.

стр. 974

إنهم فخر الجزائر، في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. وهم دخر العرب، في كل دنيا العرب. وهم فخر المسلمين في كل دنيا المسلمين. حملوا السيف والقلم، خاضوا الصراعين السلمي والمسلح، وجاهدوا في الله حق جهاده، وتركوا للدنيا سطورا مضيئة، تهدي الباحثين عن الهدى في كل زمان ومكان. وتجربتهم التاريخية، ليست ملكا للجزائر ولشعبها المجاهد فحسب، وإنما هي ملك العالم العربي- الإسلامي كله. وتتعاظم أهمية هذه التجربة التاريخية، على مر العصور والأيام، ذلك لأن نسيج التاريخ لا زال متصلا، ولا زالت الحرب قائمة، ولكن بأساليب أكثر تطورا وأكثر خبثا ولؤما. وهذه تجربة الأمير خالد الهاشمي الجزائري- وهي تجربة تاريخية خالدة - ترسم ظلالها على الأفق الممتد، وترسل جذورها إلى أعماق الأرض العربية - الإسلامية. وعسى أن يجد فيها القارىء الفائدة والمتعة. والله ولي التوفيق بسام العسلي

стр. 975

الوجيز في حياة الأمير خالد

стр. 976

_________ السنة الهجرية .......... السنة الميلادية .......... وجيز الأحداث

стр. 977

وجيز الأحداث المعاصرة للأمير خالد في العالم العربي - الإسلامي

стр. 978

_________ السنة الهجرية .......... السنة الميلادية .......... وجيز الأحداث

стр. 979

(وهب الأمير خالد للجزائر كل حياته ونشاطه وذكائه، وقدم للإسلام كل عواطفه وقلبه، قلب رجل شريف نبيل لا يخشى في الله وفي سبيل إحقاق الحق صولة جاهل ولا لومة لائم). جريدة الدفاع الجزائرية - عدد ٢١ كانون الثاني- يناير- ١٩٣٦ - في تأبين الأمير خالد. •---------------------------------• الفصل الأول ١ - انطلاقة الاستعمار من الجزائر إلى العالم الإسلامي. ٢ - الهجوم الاستعماري - الاستيطاني في الجزائر. ٣ - السياسة الاستعمارية والظهير البربري. ٤ - الثورة الجزائرية (١٨٩٧ - ١٨٩٩) ومواقف الاشتراكيين .

стр. 980

١ - انطلاقة الاستعمار من الجزائر إلى العالم الإسلامي ما إن انتهت فرنسا من القضاء عل ثورة الإخوان الرحمانيين سنة ١٨٧١ (ثورة المقراني والحداد) حتى انطلقت لتعميق جذور وجودها الاستعماري في الجزائر، ولتوسيع مناطق نفوذها إلى ما وراء حدود الجزائر. وكان هدفها التالي هو فرض نفوذها على تونس. وكان الإيطاليون يطمعون منذ وقت طويل، بحذو أسلوب فرنسا في السيطرة الاستعمارية، غير أن روما ترددت في السير على هذا الطريق خشية أن تخلق بذلك أزمة دولية. وأفادت فرنسا من أول فرصة سنحت لها لتنفيذ مخططاتها الاستعمارية في الاستيلاء على تونس. وتم لها ذلك عندما نشب خلاف بين (باي تونس) وإحدى الشركات التجارية الإفرنسية في سنة ١٨٨١. فعملت فرنسا على تجريد الباي من سلاحه في العاصمة بواسطة جيش كان قد اجتاح الإقليم بحجة تأديب قبيلة بدوية اخترقت الحدود، وقامت بأعمال عدائية في الجزائر. والحق أن الإفرنسيين أبقوا للباي عرشه اسميا، غير أنهم سلبوه جميع السلطات الحقيقية بلا استثناء.

стр. 981

حاولت فرنسا بعد ذلك التوسع في اتجاه الغرب، غير أنها اصطدمت بمقاومة الدول الغربية (إنكلترا وألمانيا). وفي سنة ١٩٠٤، انتزعت فرنسا موافقة بريطانيا وإسبانيا على مشروعاتها التوسعية بعد أن اعترفت لإنكلترا بحق استعمار مصر، وبعد أن منحت إسبانيا منطقة نفوذ أوسع في ممتلكاتها السابقة في المغرب. وكان الإفرنسيون قد قدموا لسلطان مراكش - السلطان عبد العزيز -مشروعا للإصلاح الإداري، يتم تنفيذه بمساعدتهم. عندما وصل الإمبراطور البروسي - ويلهلم الثاني - أرض طنجة في ٣١ آذار - مارس - ١٩٠٥ - وكان يقوم برحلة في البحر المتوسط - بعد أن حرضه على ذلك مستشاروه الذين كانوا يؤيدون مصالح (الأخوة مانسمان) الاقتصادية في مناجم مراكش. وهناك في طنجة، ألقى القيصر ويلهلم خطابا أيد فيه استقلال السلطان، وعلى أثر هذا الخطاب، نجح السلطان عبد العزيز في عقد مؤتمر دولي لبحث المسألة المراكشية. ولقد عقد هذا المؤتمر في الجزيرة الخضراء في الفترة من ١٥ كانون الثاني - يناير - إلى ٧ نيسان - أبريل - ١٩٠٦، لينتهي إلى الاعتراف بسيادة السلطان، والاتفاق على تنظيم شرطة دولية - بوليس - لحراسة المرافىء، وإقامة مصرف للدولة يكون رأس ماله أوروبيا. تسبب تعاظم التدخل الأجنبي بأمور مراكش في اضطراب النظام والأمن، وبدأ الموقف في الخروج من قبضة السلطان عبد العزيز، واستمرت فرنسا ذلك لتقوم باحتلال (وجدة) و (الدار البيضاء) في سنة ١٩٠٧, وما لبث عبد الحفيظ أن ثار على أخيه السلطان عبد العزيز مستغلا الاستياء العام في طول البلاد وعرضها، وحمل الفقهاء

стр. 982

على خلعه. وتمكن من إخضاع البلاد كلها لطاعته خلال فترة وجيزة. واعترفت به أيضا كل من إسبانيا وفرنسا بعد أن أعلن اعترافه باتفاقات الجزيرة الخضراء. ولكن عبد الحفيظ لم يكن أقدر من أخيه على مواجهة الأوضاع العسيرة التي خلقها التحريض الخارجي، فطوقه الثوار في فاس سنة ١٩١١، مما دفعه إلى التماس الدعم من فرسا. والواقع، أن هذا الحادث قرر مصير البلاد، على الرغم من أن ألمانيا ظلت تحاول أن تضمن لنفسها بعض الحقوق عن طريق هجومها على أغادير (وهو الهجوم المعروف بوثبة النمر، إذ أرسلت إلى أغادير مركبا حربيا، اسمه النمر (تايغر) بعد أن كانت إسبانيا قد وسعت منطقتها أيضا احتلال العرائش والقصر. ومهما يكن من أمر، فقد اعترفت ألمانيا ذاتها، آخر الأمر، الحماية الإفرنسية لمراكش - وهي الحماية التي حددت شروطها بصورة رسمية في المعاهد التي عقدت مع السلطان في ٤ تشرين الثاني نوفمبر - سنة ١٩١٢. وخلف عبد الحفيظ السلطان يوسف، حتى إذا توفي هذا سنة ١٩٢٧، خلفه ابنه محمد الثالث. ووطد المارشال (ليوتي) (١) بما شن على القبائل المعادية، سلطة الحكومة التي

стр. 983

انتهى السلطان إلى أن يصبح مجرد رئيس اسمي لها. واحتفظت فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى بالمركز الذي اكتسبته في مراكش، لتبسط نفوذها على البلاد كلها ما بين سنة ١٩٢١وسنة ١٩٢٤ وذلك عن طريق مجموعة من الحروب التي أرهقت فرنسا. ودفع المغاربة (المراكشيون) ثمنا غاليا لها من دمائهم وتضحياتهم. وعرفت بلاد المغرب - مراكش - في هذه الفترة بطلا من أشهر أبطال الحروب الثوروية في العالم الإسلامي هو (الأمير عبد الكريم الخطابي) الذي كان يعيش مع أسرته منذ عهد بعيد في منطقة الريف، عند أجدر على خليج الخزامى. وفي سنة ١٩٢١، أعلن الأمير عبد الكريم ثورته ضد الإسبانيين للدفاع عن قومه. ولم يكن مع الأمير آنذاك سوى عدد قليل من الرجال، غير أن لهيب ثورته لم يلبث أن انتشر سريعا بين القبائل كلها في مراكش الشمالية. وأنزل عبد الكريم بأعداء المسلمين خسائر فادحة، ثم هاجم منطقة الاحتلال الإفرنسية، وتهدد فاس بالاحتلال؛ وعندئذ تعاونت قوى الاستعمار الإسباني - الإفرنسي للقضاء عليه وعلى ثورته، وتم لها ذلك في شهر شباط - فبراير - سنة ١٩٢٦ حيث اضطر الأمير عبد الكريم إلى إلقاء السلاح، فنفي في بداية الأمر إلى مرسيليا ثم أبعد إلى جزيرة (ريونيون) بالقرب من جزيرة القمر - مدغسكر - ومنذ ذلك الحين، وطدت إسبانيا أيضا سلطتها في مراكش - المغرب .. لم تلبث إيطاليا بعد ذلك أن انضمت إلى ركب الدولتين الاستعماريتين (بريطانيا وفرنسا). فاتجهت إلى طرابلس الغرب

стр. 984

(ليبيا)، وطلبت إلى رجال تركيا الفتاة الموافقة على السماح للقوات الإيطالية باحتلال طرابلس الغرب، وعدم التصدي لمقاومة قواتها، غير أن تركيا رفضت الطلب الإيطالي الغريب، فأعلنت هذه الحرب على تركيا يوم ٢٩ أيلول - سبتمبر - ١٩١١، فوطئت قواتها الأرض العربية - الإسلامية يوم (٥) تشرين الأول - أكتوبر - ووقع عبء الدفاع على عاتق أنور باشا ومصطفى كمال، الذي كسب هنا أول إكليل من أكاليل مجده العسكري. وعلى الرغم من دعم جماهير العرب المسلمين للقوات التركية، ومشاركتهم لها بحماسة في رفع راية الجهاد. إلا أن القوات الإيطالية حققت نجاحا انتهى بعقد معاهدة (أوشي) سنة ١٩١٢. وتخلت تركيا لإطاليا عن طرابلس وبنغازي. ولم يحتفظ الخليفة إلا بحق تعيين الموظفين الدينيين في تلك البلاد. ليس المجال هنا التعرض للاستعمار الإيطالي وطرائقه الوحشية في قهر الشعب العربي المسلم في ليبيا، فلذلك مجاله الخاص، وبحثه المستقل، غير أن ما يهم البحث هنا هو الإشارة إلى نقطتين أساسيتين ترتبطان بالاستعمار الإفرنسي للمغرب الإسلامي: أولاهما أن استعمار فرنسا للجزائر هو الذي فتح المجال أمام تطور الهجمة الاستعمارية الصليبية ضد العالم الإسلامي، وثانيهما: أن إيطاليا بما عرف عنها من تخاذل وضعف وخور في الحروب قد استأسدت في إبادة الشعب العربي - الإسلامي في طرابلس، محاولة التأكيد لمنافسيها الأوروبيين أنها ليست أقل منهم حماسة للحرب الصليبية ضد المسلمين.

стр. 985

لم تتوقف مقاومة المجاهدين في سبيل الله في طرابلس على الرغم من كل الظروف السيئة التي أحاطت بالبلاد، ومارست (زوايا السنوسيين) هنا ما مارسته زوايا الإخوان الرحمانيين وسواهما في الجزائر المجاهدة. وتصدى لقيادة أعمال الجهاد عدد من المشايخ والزعماء، لعل من أبرزهم محمد بن عبد الله (في فزان) وأحمد الشريف (ومعه فبائل العبيدات والبراعصة والدرسة) وسالم بن الزنقاني، ورمضان السويحلي زعيم مصراته. ويحتل بعد ذلك عمر المختار مرتبة الريادة في قيادة الجهاد (في برقة) (من سنة ١٩٢٤ حتى سنة ١٩٣١). والذي أرغم الإيطاليين على الدخول معه في مفاوضات سنة ١٩٢٩ فكان في جملة شروطه: (عدم تدخل الحكومة الإيطالية في أمور الدين الإسلامي، والاعتراف باللغة العربية لغة رسمية في دوائر ودواوين الإدارة الإيطالية، والسماح بفتح المدارس الدينية التي تدرس فيها علوم القرآن، والتفسير والحديث والفقه وسائر العلوم. وكذلك إلغاء القانون الذي وضعته إيطاليا والذي ينص على عدم المساواة في الحقوق بين الوطني - الليبي - والإيطالي، إلا إذا تجنس الليبي بالجنسية الإيطالية) غير أن إيطاليا لم تكن جادة في المفاوضات وكان هدفها كسب الوقت، تماما كما فعلت فرنسا مع الأمير عبد القادر الجزائري في معاهدة (تافنة) الشهيرة. فتم استئناف الحرب إلى أن تم لإيطاليا القضاء على الثورة، وإعدام البطل (عمر المختار). المهم في الأمر، هو أن أساليب الإيطاليين ضد الشعب العربي الإسلامي في ليبيا لم تختلف عن نظيرتها من الأساليب الإفرنسية ضد
следующие страницы →