← Адаб

Адаб · id 16377

شروح حماسة أبي تمام دراسة موازنة في مناهجها وتطبيقها

محمد عثمان علي

Полный текст (407 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

العجز، ولا يكون ذلك إلا حالًا، فكذلك يجب أن يكون ميتا وإلا اختلفا وفسد المعني" ومثل ذلك أيضًا عمله في إعراب" جانبًا" الوارد في بيت سعد بن ناشب وهو: إذَ هَمَّ أَلقْي بَيْنَ عَيْنَيْهِ هَمَّهُ وَنكَّبَ عَنْ ذِكْر العَوَاقِبِ جَاَنَبًا قال: وانتصب جانبًا على أنه ظرف، ونكب يكون بمعني تنكب والمعني: أنه إذا هم بالشيء جعله نصب عينيه إلى أن ينفذ فيه ويخرج منه ويصير في جانب من الفكر والعواقب. ويجوز أن ينتصب" جانبًا" على المفعول ويكون نكب بمعني حرف، والمراد انحرف عن ذكر العواقب وطوى كشحه دونه". وهو بجانب ربطه الإعراب بالمعني نراه ينظر إلى غرض الشاعر وما يتصل به من إيحاءات، وذلك حين يكون للتركيب أكثر من وجه في الإعراب، مثل عمله في بيت بشامة النهشلي الذي يقول فيه: إِنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لَا نَدَّعِي لأبٍ عَنْهُ وَلاَ هُوَ بالأَبْناءِ يَشْرِينَا فقد بين وجه الإعراب في قوله" بني" قال: " وانتصاب بني على إضمار فعل كأنه قال أذكر بني نهل، وهذا على الاختصاص والمدح، وخبراء"لا ندعي" ثم انتقل إلى وجه آخر فقال: " ولو رفع فقال: بنهو نهشل على أن يكون خبر أن لكان لا ندعي في موضع الحال" ثم وضح الفرق بين الوجهين بالنظر إلى غرض الشاعر ومضمون الشعر قال: "والفصل بين أن يكون اختصاصًا وبين أن يكون خبرًا صراحًا هو أنه لو جعله خبرًا لكان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب، وكان لا يخلو فعله لذلك من خمول أو جهل من المخاطب بشأنهم، فإذا جعل اختصاصًا فقد أمن هو الأمرين معًا".

стр. 142

وثالث هذه الأمور هو مذهبه النحوي في معالجته للقضايا النحوية سواء في جانبها التقعيدي أو التطبيقي، وقد تكلم في هذا كل من الدكتور عبد الرحيم عسيلان والدكتور أحمد العمري، فذهب الأول إلى أنه كان بصري المذهب، ورجح الثاني أنه كان بغدادي المذهب، واعتمد الدكتور عسيلان في رأيه على أنه كثيراً ما يأخذ بآراء البصريين، وأنه من خلال شرحه لأبيات الحماسة يصرح في أكثر من موضع بأنه منهم، واعتمد العمري على أنه" على نحو ما كان ينتخب من آراء البصريين كان ينتخب من الآراء الكوفية ما صح لديه قياسه، كما اعتمد على أنه كان تلميذًا مخلصًا لأبي على الفارسي، أمينًا على مبادئه، والفارسي حسب ما ذهب إليه الدكتور شوقي ضيف- أحد العلماء الذين مزجوا بين المنهجين البصري والكوفي، واحد المؤسسين للمذهب البغدادي الجديد الذي ينتخب من المدرستين ما يراه أولى بالإتباع، وان غلب عليه النزوع إلى المذهب البصري، فعلى هذا فهو- أي العمري- يرى" أن ليس ببعيد أن يكون المرزوقي قد اعتنق مذهب أستاذه إيمانًا منه بمنهجه وتأثراً واقتداء، وفي كل ما ذهب إليه الباحثان نصر، فقول الدكتور عسيلان بأنه كثيرًا ما يأخذ بآراء البصريين لا يؤكد بصريته لأن أستاذه أبا على الفارسي كان كثيرًا ما يأخذ البصريين ومع ذلك عدة الدكتور أحمد أمين أحد أعمدة مدرسة القياس التي نشأت معتمدة على أصول بصرية"، وعده الدكتور شوقي ضيف أحد أئمة المدرسة البغدادية الجديدة. وأما قوله بأنه كان في خلاله شرحه لأبيات الحماسة يصرح في أكثر من موضع بأنه منهم فهو قول مبني على العبارات التي ترددت في شرحه من مثل" هو المختار عند

стр. 143

أصحابنا البصريين" و"طريقة جل أصحابنا البصريين" و"هذا يبين ما يسلكه أصحابنا البصريون" و"الآل عند أصحابنا البصريين والأهل واحد"، وهي عبارات لا تدل على التصريح بأنه من البصريين لأنها شبيهة بعبارات ابن جني التي رأيناه يرددها في كتابيه" الخصائص والتنبيه" ففي الخصائص مثلاً قوله: "لم يثبت أصحابنا قنيت"، وفي التنبيه قوله: " موسى لا يصرفها الكوفيون، وهي عندنا نحن مفعل ويحكى أصحابنا أوسيت رأسه أي حلقته ويصرفونها"، وقال في موضع آخر: والذي قال أبو على أجرى على مقاييس أصحابنا" وهو يعني بقوله أصحابنا البصريين مثلما يعني المرزوقي، ولكن هذا لم يمنع كلا من الدكتور أحمد أمين والدكتور شوقي ضيف عن أن يذهبا إلى عدم بصريته، فقد وضعه الأول بين أصحاب مدرسة القياس كأستاذه أبي على، وضعه الثاني في مصاف أئمة المدرسة البغدادية الجديدة، ولو تأملت قوله في "موسى لا يصرفها الكوفيون وهى عندنا نحن مفعل ويحكى أصحابنا أوسيت رأسه" لأدركت أنه صرح أنه من مدرسة لا بصرية ولا كوفية أو على الأقل ذو منهج يختلف عن منهج البصريين والكوفيين. وأما قول الدكتور العمري بأن المرزوقي على نحو ما كان ينتخب من آراء البصريين كان ينتخب من الآراء الكوفية فهو قول عندما تجريه على شرحه للحماسة تجد صعوبة في إثباته لأن ما أورده للكوفيين من آراء في هذا الشرح لا يبلغ في مواضعه

стр. 144

أصابع اليدين, ولا يقاس بالكثرة الكاثرة من الآراء البصرية التي قام عليها نحوه في الشرح. هذا فضلًا عن أنها لا تدل على أنه يختار رأيًا كوفيا فيما يعرضه وإنما مجرد عرض آراء لا أكثر ولا أقل, ولو نظرنا إلى الأمثلة الأربعة التي أوردها الدكتور العمري ليبرهن بها على انتخابه آراء الكوفيين لوجدناه يقف في ثلاثة منها مع البصريين ضمنًا أو صراحة, ففي المثال الأول الخاص ببيت الفند الزماني: ولولا نبل عوٍض في خضماتي وأوصالي نجد المرزوقي يروي ((عوض)) في البيت بالبناء على الفتح وهو مذهب البصريين ثم قال: ((عوض اسم للدهر معرفة مبني وكما يبني على الفتح يبني على الضم, والضم فيه حكاه الكوفيون, ويقال: لا أفعله عوض العائضين)) فهو في روايته وما ضربه من مثال لا يبنيه على الضم كما يفعل الكوفيون وإنما يبنيه على الفتح الذي هو مذهب البصريين. وفي المثال الثاني الخاص ببيت لا مرأة من بني أسد هو: أنعى فتًى لم تذر الشمس طالعًة يومًا من الدهر إلا ضر أو نفعا قال المرزوقي: ((انتصب طالعة على الحال المؤكدة لما قبله)) وهذا رأي البصريين ثم قال: (والكوفيون يقولون في مثله: انتصب على القطع)) ثم اعتمد على الرأي البصري مضى مقررًا قوله: ((وكما أن الحال يجيء مؤكدًا لما قبله تجيء الصفة مؤكدة لما قبلها, ومثال الحال رايته في الحمام عريانا, فعريان حال مؤكدة, ومثاله في الصفة أن تقول: فعلت كذا أمس الدابر)). فهذا عمل لا يقال عن صاحبه إنه ((كان لا يسجل انتصارًا لهؤلاء أو هؤلاء بل

стр. 145

يكتفي بعرض الآراء جنبًا إلى جنب مبينًا وجهات النظر المذهبية كلًا على حدة دون تعصب)). وفي المثال الثالث الخاص ببيتي عمرو بن معدي كرب وهما: ولما رأيت الخيل زورًا كأنها جداول زرٍع خليت فاسبطرت فجاشت إلى النفس أول مرٍة وردت على مكروهها فاستقرت وقد أورد الدكتور العمري هذا المثال مبتورًا, وهو كما جاء في شرح المرزوقي على النحو التالي: يجوز أن يكون الفاء في ((فجاشت)) زائدة في قول الكوفيين وأبي الحسن الأخفش, ويكون جاشت جوابًا للما, والمعنى: لما رأيت الخيل هكذا خافت نفسي وثارت, وطريقة جل أصحابنا البصريين في مثله أن يكون الجواب محذوفا كأنه قال: لما رأيت الخيل هكذا فجاشت نفسي وردت على ما كرهته فقرت طعنت أو أبليت. ويدل على ذلك قوله في البيت التالي ((علام تقول الرمح يثقل ساعدي إذا أنا لم أطعن)) فحذف طعنت أو أبليت لأن المراد مفهوم, وهذا كما حذفوا جواب لو رأيت زيدًا وفي يده السيف)) ثم أورد نظيرين من الأمثلة من القرآن والشعر لحذف الجواب وقال: ((وحذف الجواب في مثل هذه المواضع أبلغ وأدل على المراد وأحسن بدلالة أن المولى إذا قال لعبده: والله لئن قمت إليك, وسكت, تزاحمت عليه من الظنون المعترضة للوعيد ما لا يتزاحم لو نص عن مؤاخذته على ضرب من العذاب)) فأنت ترى المرزوقي في هذا المثال يحاول عن طريق ضرب الأمثلة والشواهد واللجوء إلى الأثر النفسي الناتج عن مواقع إثبات رأي البصريين في قولهم بحذف الجواب في هذه المواضع. إن المثال الوحيد الذي يبدو فيه عرض لرأي بصري وآخر كوفي دون انحياز ضمنًا أو صراحة هو المثال الذي جال حول لفظة ((الآل)) في بيت سليمان بن قتة الغنوي وهو:

стр. 146

مررت على أبيات آل محمٍد فلم أرها أمثالها يوم حلت فقد بدأ الحديث فيه بإيراد رأي البصريين قال: ((الآل عند أصحابنا البصريين والأهل واحد, ويدل على ذلك أن تصغير الآ أهيل كما أن تصغير الأهل أهيل)) ثم عرض رأي الكوفيين فقال: ((وأخبرنا الفراء عن الكسائي أنه قال: سمعت أعرابيًا فصيحًا يقول أهل وأهيل وآل وأويل. قال أبو العباس ثعلب: فقد صار أصلين لمعنيين لا كما قال أهل البصرة, وحكي أبو عمر الزاهد عن ثعلب أن الأهل القرابة كان لها تابع أو لم يكن والآل القرابة بتابعها. قال: ولهذا أجود الصلوات على النبي ﷺ وأفضلها اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)). فنحن في هذا المثال نراه يعرض الرأيين معًا دون تحيز بل ربما يكون أميل للكوفيين لإطالة ما نقله عنهم في هذا الخصوص. ولكن هل مثال واحد يكفي لأن نرجح القول بأن الرجل كان بغدادي المذهب؟ . أضف إلى هذا أن الدكتور العمري أهمل إيراد مثالين آخرين وردا في الشرح وأشار إليهما في هوامشه كان المرزوقي ظاهر الوقوف فيهما إلى جانب المذهب البصري. وأما قوله: بأن ليس ببعيد أن يكون المرزوقي قد اعتنق مذهب أستاذة أبي على الفارسي إيمانًا منه بمنهجه وتأثرًا واقتداًء فقد يكون صحيحًا إذا ما طبق على كتب المرزوقي الأخرى, أما في شرح الحماسة فقد مر بنا أنه نقل عن شيخه أبي علي مشافهة في ثمانية مواضع فقط, وهي مواضع لا تقاس بنقولاته العديدة من الخليل

стр. 147

وسيبويه والأصمعي وغيرهم من علماء المذهب البصري, ولقد قرأنا عمل المرزوقي في الحماسة وقرأنا عمل ابن جني فيها فوجدنا ابن جني في عمله أكثر التحامًا بأبي علي الفارسي, وأوضح اقتداء من المرزوقي في عمله. إن ما نريد قوله في هذا المقام هو أن المرزوقي من خلال شرحه للحماسة لا يبدو بصريًا مطلقًا كما لا يبدو قياسيًا أو بغداديًا مطلقًا, لا يبدو بصريًا مطلقًا لأنه كان إذا تكلم عن أهل البصرة ذكرهم كما يذكرهم أصحاب مدرسة القياس أبو علي وابن جني ومن تبعهما, ولا يبدو بغداديًا مطلقًا لأن المذهب البغدادي يقوم على خصائص معينة تتمثل في الاستقلال الفكري, والاتساع في القياس, والاستعانة بالمنطق, وهي أمور لا نستطيع إثباتها من خلال عمل المرزوقي النحوي في الحماسة, قد يكون ذلك ممكنًا عن طريق دراسة كتبه الأخرى وبخاصة كتبه في النحو, أما في الحماسة فإنه غير واضح المسلك, فهو في غلبة شرحه يبدو واضح التأثر بالمدرسة البصرية ولكنه بالمقابل يستخدم عبارات أصحاب مدرسة القياس أو المدرسة البغدادية الجديدة, ربما كان هذا بتأثير من شيخه أبي علي الفارسي, ولكننا رايناه في موضع من شرحه يختار رأيًا كوفيًا ضعيفًا ليرد به على ابن جني صنوه في التلمذة لأبي علي وأحد دعائم مدرسة القياس وذلك في بيت غلاق بن مروان الذي يقول فيه: فأضحت زهير في السنين التي مضت وما بعد لا يدعون إلا الأشائما فقد قال ابن جني في التنبيه: ((ينبغي أن تكون ما من قوله ((وما بعد)) زائدة وتقديره: وبعد, ولا يحسن أن تجعل ما بمنزله الذي أي الزمان الذي بعده وذلك أن قبل وبعد إذا حذف منهما ما أضيفا إليه لم يبنيا على شيء لنقصانهما ولحاقهما بالحرف لأجل الحذف, فإذا كانا لا يبنيان على شيء كان الامتناع من الوصل بهما أوجب, وذلك أن الصلة إلى الإيضاح والتمام أحوج من الخبر, ألا ترى إلى استمرار حذف الخبر وعرة حذف الصلة, فإذا امتنع الأخبار بهما كان الوصل بهما أعر وأقبح)).

стр. 148

هذا ما أورده ابن جني في التنبيه فنقله المرزوقي في شرحه مصدرًا إياه- كعادته بعبارة ((وذكر بعضهم)) ثم رد عليه بقوله: ((وليس الأمر على ما قاله ألا ترى أن قوله : ((قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف: ((قال معناه ومن قبل الذي فرطتم في يوسف أي قدمتم, ويجوز أن يراد به ومن قبل تفريطكم, فيكون ما مع الفعل في تقديره مصدر وعلى الوجهين جميعًا من في موضع رفع ومن قبل خبره, وذكر أبو إسحاق الزجاج في ((ما)) من الآية ثلاثة أوجه ما ذكرنا أحدها, وإذا كان الأمر على هذا فما ذكره هذا القائل غير صحيح)). فعلق الخطيب التبريزي في شرحه على قول المرزوقي هذا بعد أن أورده قائلًا: ((هذا رد المرزوقي على ابن جني وقد أنحى عليه ولم ينصفه بقوله وما ذكره هذا القائل غير صحيح, لأن الذي ذهب إليه ابن جني أحسن من الذي ذهب إليه المرزوقي, وأما قوله وذكر الزجاج في ((ما)) من الآية ثلاثة أوجه ما ذكرناه أحدها, فهو كما ذكره, غير أن الذي ذكره ابن جني هو أجود الوجوه, وكتابه يدل عليه, وغير الزجاج من النحويين ذكر في الآية الوجه الذي ذكره المرزوقي وقال: فيه قبح للتفرقة بين حرف العطف والمعطوف بمن قبل ثم قال: وهو عند الكوفيين حسن, وليس للمرزوقي أن يترك المختار من قول البصريين ويعدل على قول الكوفيين رادًا على ابن جني- ﵀).

стр. 149

فكأن التبريزي بعبارته الأخيرة يرى أن المرزوقي بصري المذهب تعمد العدول عن مذهبه على مذهب الكوفيين ليرد على ابن جني تبعًا لموقف سبق أن عرضنا له عندما تكلمنا عن اعتراضاته لابن جني في الرواية. وصفوة القول أننا لا يمكن أن نحدد للمرزوقي مذهبًا في شرحه للحماسة فنهجه في معالجة القضايا النحوية فيه شيء من الاضطراب, كما أن دراسة مذهب الرجل لا تتم من خلال كتاب واحد فيه أديب أكثر من كونه عالم نحو, والذي ينبغي عمله في هذا الخصوص هو دراسة جميع أعمال الرجل التي تتصل باللغة والنحو وهذا عمل لا يتسع له بحثنا هذا ولا هو من صميمه ولولا أن كلا من الدكتور عسيلان والدكتور العمري قد أقحماه في تناولهما شرح المرزوقي للحماسة الذي تهمنا دراسته في المقام الأول لما خضنا فيه على النحو. ٦ - تحليل المعنى: اهتم المرزوقي بتحليل معنى النص اهتمامًا ملحوظًا, يتضح هذا الاهتمام في نواح شتى لاحظناها في تتبعنا له وهو يقوم بعملية تحليل المعاني, ولقد رأيناه في العنصر السابق كيف كان يستعين باللغة والنحو في تفسير باللغة والنحو في تفسير الألفاظ والتراكيب وصولًا إلى المعاني وإيضاحها, أما هنا فقد رأيناه ينظر في تحليل معاني النص إلى نواح مختلفة أهمها نظرته إلى وحدة النص ومحاولته الربط بين أبيات القطعة الواحدة بصورة تجعلنا بإدراكه كلية النص لا جزئيته, وثانيها أنه ينظر إلى مقاصد الشعراء ومراميهم فيسجلها أحيانًا قبل الشروع في إيراد المعاني, وثالثها أنه يستقصى المعنى ويورده في أكثر من وجه ويقيم الجدل والحوار بينه وبين نفسه أو قارئه بغية تأكيده وإقراره, ويستحضر الشواهد من القرآن والشعر التي تلتقي في معانيها بمعاني النص خدمة لما قرره فيها من قول وقصدًا لإظهاره. ورابعها أنه كان يتعقب أقوال السابقين في المعاني أنه كان يتعقب أقوال السابقين في المعاني لإبراز جوانب القصور فيها, وخامستها تخيره في عرض المعنى العبارات الأدبية والجمل الإيحائية التي تؤدي المعنى في صورة تبعث المتعة في نفس قارئه وتجعله يستشعر بعقله ووجدانه شرف المعنى وقيمة المضمون.

стр. 150

إن الأمثلة في هذه النواحي تكاد تشمل سائر أجزاء شرحه, وسوف نحاول أن نعرض نماذج لها حتى تتضح لنا طريقته المتنوعة في تناول المعنى. أ- نظرته إلى كلية النص: ففي كلية النص كانت طريقته تتلخص في رؤيته لوحدة البيت من جهة وإلى ارتباطه بغيره من جهة أخرى, فإذا كان البيت قائمًا بذاته دالًا بمفرده على المعنى قام بشرحه وتحليل معناه منفردًا وإلا ربط بينه وبين غيره من الأبيات التي تلتقي معه في الفكرة التي رمي إليها الشاعر, ولهذا جاءت معالجته للنص متفاوتة فتارة يشرح النص بيتًا بيتًا وتارة يجمع بين البيتين أو الثلاثة أو الأربعة فصاعدًا, وتارة ثالثة يورد القطعة كاملة ثم يتناولها بالشرح والتحليل, ولقد رأيناه بالإحصاء يشرح خمسًا سوبعين ومائة قطعة, جميعها من ذوات الثلاثة أبيات فصاعدًا دون أن يجزئها إلى أبيات, كما رأيناه يجمع بين الثلاثة أبيات داخل القطعة الواحدة في واحد ومائة موضع, وبين الأربعة أبيات فصاعدًا في أربعة وثلاثين موضعًا, أما أن يجمع بين البيتين في القطعة الواحدة أو أن القطعة نفسها من ذوات البيتين في الاختيار فإن ذلك في شرحه كثير لا طائل لحصره, هذا فضلًا عن أنه كان إذا حلل النص بيتًا بيتًا ورأى أن صلة ما في المعنى بين البيت وسابقه أو الذي يليه دل ذلك وبينه, فمثلًا بيت بشامة النهشلي الذي يقول فيه: وإن دعوت إلى جلي ومكرمٍة يوما سراة كرام الناس فادعينا نظر المرزوقي إلى صلته بما يليه فقال: ((هذا الكلام ظاهرة استعطاف لها والقصد به التوصل إلى بيان شرفه واستحقاقه ما يستحقه الأفاضل والأشراف, والأماثل الكرام ... ألا ترى كيف اشتغل بمقصوده من الافتخار فيما يتلو هذا البيت, وهم كما يتخلصون من التشبيهات وغيرها إلى أغراضهم على اختلافها فإنهم قد يتوصلون بمبادئ كلامهم إلى أمثالها, فتقل المؤونة وتخف الكلفة, ولهذا نظائر وأشباه تجيء فيما بعد)).

стр. 151

وفي بيت العباس بن مرداس الذي يقول فيه: ولا تطمعن ما يعلفونك إنهم أتوك على قرباهم بالمثمل قال المرزوقي: ((أخرج ما قدمه من التمثيل لكيدهم وسوء دخلتهم وما يجب عليه من الأخذ بالتحرز معهم, وترك الاستناخة في المبرك الذي اختاره, والمبوأ الذي أعدوه في معرض آخر. والمعنى: وما يعد قرى لك فتجنبه ولا تتناوله فإنه هيئوا لك سمار قاتلا فلا تطعمه. وكان العباس قد سبق بيته هذا بقوله: إن بوءوك مبركًا غير طائٍل غليظًا فلا تنزل وتحول فانظر كيف استطاع المرزوقي أن يربط بين البيتين مراعيًا أسلوب الشاعر في إخراج الكلام. وهو بجانب الكلية للنص يعتمد كثيرًا إلى إيراد مقصد الشاعر ومرماه من الكلام, وقد يسبق به إيراد المعنى وتقريره. مثال ذلك ما جاء عنه في بيت جميل بن معمر الذي يقول فيه: يقولون لي أهلًا وسهلًا ومرحبًا ولو ظفروا بي ساعًة قتلوني فقد بدأ القول فيه شارحًا مقصد الشاعر قال: ((نبه بهذا الكلام على تملقهم وإظهارهم النفاق مالا يوافق باطنهم عجزًا وضعف كيد)) ثم أورد المعنى فقال: ((والمعنى يستقبلوني بالتأهيل ويتلقوني بالترحيب عند الالتقاء, ولو أعطوا الظفر لأتوا علي وما أبقوا)). وفي بيت سعد بن ناشب الذي جاء في: إذا هم ألقى بين عينيه عزمه وصم تصميم الريسجي ذي الأثر

стр. 152

قال: ((يذكر من نفسه الصرامة والنفاذ وفصل الأمور, والصبر على ممارسة الخطوب)) ثم شرح المعنى فقال: ((يقول: إذا عزم على الأمر كان جميع الرأي, يجعل المهموم به نصب عينيه حتى يخرج منه, ونفذ نفاذ السيف الخدم لا يتوقف في الضريبة ولا يكهم)). ج- إيراد المعنى في أكثر من وجه: على أن السمة السائدة في معالجته للمعاني تكمن في إيراده المعنى في أكثر من وجه, فهو يستقصيه ويذكر وجوهه, وأحيانًا يفاضل بين وجه ووجه, وأحيانا يورد الوجوه دون مفاضلة, ومن أمثلة ذلك عمله في بيت عنترة بن الخرس المعنى الذي يقول فيه: ألم تر أن شعرك سار عني وشعري حول بيتك ما يسير فقد أورد معناه في وجهين دون مفاضلة بينهما قال: ((يقول ألم تعلم أن شعرك الذي قتلته في لم يعلق بي ذمة لأنه كان كذبًا وزورًا, وشعري الذي قتلته فيك يطوف حول دارك وبيتك ولا يفرقك لأنه كان صادقًا)). ثم أورد معنى آخر فقال: ((ويجوز أن يكون المعنى: ألم تر أن شعري الذي قتلته فيك سار عني لأن الرواة احتملوه استجادة له واستلذاذًا, وشعرك الذي قلته في ملازم لك لزهد الناس فيه لما كان سفسافًا)) وساغ الوجهان جميعًا لأن المصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل, فعلى ذلك جاز أن يقول شعرك ويريد شعري المقول فيك)). ونراه يفاضل بين وجهين في بيت من قطعة لبعض بني فقعس يشير فيها إلى مهاجاة قبيلة سنبس له, والبيت هو: إني امرؤ مكرم نفسي ومتئد من أن أقاذعها حتى أجازيها قال في الوجه الأول: ((يقول: إني رجل أربأ بقدري عن مكايلتهم وأترفع

стр. 153

عن موازنتهم وأتوقف عن ملاحاتهم طلبًا لمجازاتهم, والتقدير لا أقاذعها لكي أجازيها)) ثم قال في الوجه الثاني: ويجوز أن يكون المعنى: لا أقاذعها إلى أن أجازيها, أي أولًا أجازيها فعلًا لأرى القدرة عليها ثم حينئذ أجازيها بالكلام)) ثم فضل فقال: ((والأول أحسن)). على أننا رأيناه في هذا الجانب يذهب إلى ابعد من ذلك حيث كان يشرح المعاني من حيث الغرض فيصور المعنى في غرض مرة, وفي غرض آخر مرة أخرى, وذلك في مثل قوله في بيت الحماسة: إني رأيتك تقضي الدين طالبه وقطرة الدم مكروه تقاضيها قال: ((هذا البيت يصلح أن يكون مدحًا فيكون المعنى: إني رايتك تخرج إلى المدينين سريعًا من دينهم عليك غير مدافع بما في ذمتك لهم ولا مماطل, فإذا طولبت بدم أو نوزعت في ذحل شق تقاضيك به, وتصعب نيله من جهتك وتعذر. وبصلح أن يكون ذمًا فيكون المعنى: إني رأيتك بأهون سعي واقرب طلب تخرج من الأوتار والدماء إلى طلابها فلا كلفة في نيلها وإدراكها من جهتك, والتقاضي بالدم عسر صعب إلا إذا كان عندك وقبلك, فما ذلك إلا لضعف كيدك ومهانة نفسك, وقصور آبائك, والدين في هذا الوجه يراد به الوتر والدم)). ومن البديهي أن يعد مثل هذا العمل مبالغة في التأويل لأن الشاعر عادة يكون ذا مقصد واحد في كلامه, فهو إما يهجو أو يمدح, غير أن النص إذا لم يكن فيه ما يدل على المقصد فإن ذلك يؤدي إلى أن يتجه الشراح في تفسيره كيفما اتفق لديهم من استنطاق للألفاظ والتعابير التي يقوم بها البيت, وربما كان إسقاط أبي تمام لبعض البيات من النص الذي يختاره سببًا في أن يتجه الشراح هذه الوجهة غير المنطقية في الشرح والتأويل. إن المرزوقي بجانب هذا كان يستقصي المعنى ويورد له الشواهد من كل وجه

стр. 154

حتى يدعم ما قرره فيه, ففي بيت حريث بن جابر الذي يقول فيه: إذا ظلم المولى فزعت لظلمه فحرك أحشائي وهرت كلابيا نراه يشرحه ويوضح معناه ثم يقول مستقصيًا وجوهه: ((يجوز أن يكون تحركت أحشاؤه لوجيب قلبه وخفقانه, ونبحت كلابه لتهيئه للانتقام وتدججه في السلاح له, وتجمع أصحابه وأعدادهم الخيل والرجل لإغاثته, والكلب ينكر أصحابه إذا رآهم بهذه الأحوال فينبح, أنشد الأصمعي في مثله: أناس إذا ما أنكر الكلب أهله حموا جارهم من كل شنعاء مظلم ووجه آخر وهو أن يكون تحركت أحشاؤه لاضطرابه في جمع من يجمع وإعداد ما يعد, والمتسرع في الشيء يلحقه ذلك ومثله: حللنا الكثيب من زرود لنفزعا أي لتغيث)). هذا الاستقصاء في تناول المعنى وإيراد الشواهد لإبرازه وإيضاحه نلاحظ في مواضع مختلفة من شرحه, وهو يؤكد ما أوردناه في صفات منهجه الذي سلكه من حيث ذاتيته وأعمال عقله وكد فكره من جهة, وثقافته وإطلاعه الواسع من جهة أخرى. وإذا كان استقصاؤه للمعاني سمة بارزة في شرحه فإن طريقته الجدلية القائمة على الحوار تعد هي الأخرى خصيصة من خصائص عمله في المعاني, فهو يقرر

стр. 155

المعنى وفق الرؤية التي ارتآها من قراءته للنص ثم يقيم الجدل حوله بغية تأكيد صحته, وذلك في مثل عمله في بيتي أبي الطمحان القيني وهما: ألا عللاني قبل صدح النوائح وقبل ارتقاء النفس فوق الجوانح وقبل غٍد يالهف نفسي على غٍد إذا راح أصحابي ولست برائح فقد أوردها معناهما بقوله: ((يقول: عللاني بالمقترح عليكما قبل أن أموت فتقدم النوائح علي يندبنني, وقبل ميقات أجلي وأوان تخلفي عن أصحابي وقد راحوا عني لنزول القدر الغدور بي)) ثم بني جدلًا فقال: فإن قيل: كيف قدم ذكر صدٍح النوائح على ذكر الموت وإنما يكون بعده؟ قلت: إن العطف بالواو لا يوجب ترتيبًا ألا ترى أن الله تعالى قال: ((واسجدي واركعي)) والركوع قبل السجود في ترتيب أفعال الصلاة)). د- تعقبه الآخرين في شرح المعاني: وهو بجانب ما ذكرنا لا يكتفي بمعالجته للمعنى وإبرازه من خلال هذه السبل التي وضحناها بل يزيد على ذلك أنه كان يتعرض لشرح من سبقه في المعاني, ولكنه كان لا يفعل ذلك إلا في مجال التعقيب والانتقاد, وهو في هذا يختلف عن أبي العلاء الذي يأتي القول فيه فيما بعد, والذي كان يورد شروح الآخرين في المعاني ويبين وجه الحسن فيها مضيفًا إليها ما يراه من جديد معنى. أما المرزوقي فإن صفة الاستعلاء التي تركبت عليها نفسه والتي نوهنا لها في أكثر من موضع تجعله دائمًا يقف من سابقيه المشاركين له في عمل الحماسة موقف المتجاوز عما أحسنوا فيه المتعقب لما قصروا فيه. قال في بيت قبيصة بن جابر الذي يقول فيه: فلسنا من بني جداء بكٍر ولكنا بنو جد النقال

стр. 156

((يقول: لسنا أبناء الحرب القليلة الدر اليسيرة الأذى والشر التي لم يكتثر موقدها, ولم يتشمر لها خطابها ومولدوها, ولكننا بنو المناقلات الشديدة الهياج والوقعات الصعبة المراس)) وهذا تفسير جيد لمعنى جيد لمعنى البيت انتقل المرزوقي بعده ليقول: ((وقد اضطرب بعض المفسرين في هذا البيت فأتى بما يحجبه السمع ولا يعيه القلب فقال: المعنى لسنا بعقم لم يكثر أولادنا فينا الكثرة والعز وقوله: ((بنو جد النقال)) يعني به المناقلة في الكلام, يريد أنهم خطباء قال: فالمصراع الثاني ليس من الأول في شيء, وإذا كان كذلك فكأن أبا تمام ذكر البيت على رداءته ليتجنب قول مثله ولينبه على المترذل منه كما نبه على المختار المستحسن بغيره ((ثم عقب على العبارة الأخيرة بقوله: ((هذا القائل لم يرض بذهابه عن الصواب حتى ظن بأبي تمام ما لم يخطر له ببال)). هـ- أسلوبه في عرض المعنى: وأما أسلوبه في عرض معاني النصوص فيتصف- كما قال الدكتور العمري- بالوضوح والقوة والجمال, وهي صفات الأسلوب الأدبي الذي سلكه أصحاب المنهج الإبداعي, ففيه إرادة الإفهام, وفيه التأثير في عقول المتلقين ووجداناتهم, وفيه الإمتاع المشع من نظم الكلام ورصفه رصفًا يدل على اختيار الألفاظ وأحكام صوغ الجمل. ولا شك أن الوضوح هي أهم الصفات التي سادت أسلوب المرزوقي, ذلك لأن وضوح العبارة وجلاء التفسير يعدان مطلبًا أساسيًا لكل من يتصدى لشرح الشعر القديم, ومن هنا كان وضوح العبارة الصفة المشتركة لدى سائر الشراح على مختلف مناهجهم, غير أن هذا الوضوح عند المرزوقي وغيره من الإبداعيين لا يأتي وحده, وإنما تأتي معه القوة, ويأتي معه الجمال, وكلاهما يشكل فارقًا في الأسلوب بين الإبداعيين وغيرهم من ذوي المناهج الأخرى.

стр. 157

ولعل أول ما يلاحظه القارئ في أسلوب المرزوقي وهو يعرض المعاني أنه يتخير ألفاظه, وهي ألفاظ عذبه سلسة ينأى بها عن الوحشية ويحوطها عن المترذل, ثم هو بعد ذلك يحكم الجمل طولًا وقصرًا في تنسيق بديع وأحكام قويم, يميل فيه إلى الأطناب القائم على الترادف وتتابع الجمل المؤكدة ذات المعنى الواحد. قد تلحظ بين ثنايا هذا التنسيق وهذا الإحكام السجع ولكنه سجع لا تحس فيه بقلق أو تكلف, وقد تلمس فيه شيئًا من إعمال الفكر ولكنه إعمال مطبوع لا متصنع, والأمثلة على ذلك كثيرة تسود صفحات شرحه ولكن يمكن أن نعرض نماذج لنبين في أسلوبه ما ذكرناه من صفات, ففي بيت أوس بن حبناء يقول فيه: يرى أن بعد العسر يسرًا ولا يرى إذا كان يسر أنه الدهر لازب نراه يعرض معناه فيقول: ((يقول يعلم أن أسباب الدنيا وتصاريفها مبنية على التغير والتبدل, فالعسر واليسر يتعاقبان ولا يلزمان, فمتى استغنى كرم ولم يبطر, علمًا بأنه فلا يبقى, وإذا افتقر عف ولم ييأس, ثقة بأنه يزول ولا يدوم)). فانظر إلى ألفاظ ((التغير والتبدل)) , ((يتعاقبان ولا يلزمان)) ((يفنى فلا يبقى)) ((يزول ولا يدوم)) لتدرك كيف أن المرزوقي كان يوفر الأطناب لأسلوبه ليحقق التنسيق بين جمله. ومثل هذا الأطناب القائم على الترادف وتعاقب الجمل ذات المعنى الواحد يمكن أن تلحظه كثيرًا في أسلوبه, وغايته من ذلك أن يكشف لك المعنى ويوضحه في جلاء, وتستطيع أن تلمس ذلك في عروضه لمعنى قبيصة بن جابر السدي الذي يقول فيه: وعاجمت الأمور وعاجمتني كأني كنت في الأمم الخوالي فقد كان يمكن عرض معناه على نحو مثل هذا ((يقول: إنه جرب الأمور وجربته, كأنه بتجاربه عاش منذ عصور سبقت عصره)) غير أن المرزوقي لم يسلك هذه السبيل التي نجدها عند أصحاب المنهج الاختصاري التسهيلي الذين يركنون

стр. 158

إلى الإيجاز في عرض المعنى تصويره بأقل جمل, أنه يعرض معناه في ملاحقة واستقصاء فيكشفه ويوضحه يقول: ((إني مجرب مدرب, زاولت النوائب, وعاركت الأهوال والعجائب, فلومتها ولزمتني, وأزمت بي, وصرت لطول تجاربي وامتداد أيام محاكتي نقابًا محدثًا, أبلغ بطني ما يبلغ غيري بمشاهدته, على قرب ميلادي وحداثة سني, حتى كأني كنت في الأمم الماضين, وأحد الرجال المعمرين, فأدرك الشيء قبل حصوله, وأتصوره ولم يجئ بصورة ما فرغ منه وقضي, فظني عيان ويومي دهر)). فلا شك أنك حين تقرأ هذا العرض تحس بأن المرزوقي لم يهدف إلى الإفهام فحسب بل هدف إلى الإفهام والإمتاع معًا, ومن ثم جاءت عباراته وجمله متتابعة في أحكام متوالية في تنسيق لتنتهي بما هدف إليه. غير أننا أحيانًا نلمس في أسلوب المرزوقي وهو يعرض المعاني جنوحًا نحو أسلوب المعلمين, وهنا يختفي الإمتاع ويبقى الوضوح وحده, وذلك في مثل بيت عبد القيس بن خفاف الذي يقول فيه: صحوت وزايلني باطلي لعمر أبيك زيالًا طويلا فقد عرض معناه بقوله: ((يقول: وبقاء أبيك لقد أفقت من سكر البطالة وفارقني ما كنت أتعاطاه من الصبا والجهالة فراقًا ممتدًا, لا ينقطع بمعاودة تعرض دونه أو بمواصلة تبطله وتزيله)) , وهذا بلا شك أسلوب أدبي, ولكنه شفعه بأسلوب المعلمين فقال: ((فإن قيل كيف وصف الزيال بالطول؟ قلت: الطول في الحقيقة لوقت الزيال لا له لكنه وصفه به على طريق التوسع)). هذا الجنوح محو أسلوب المعلمين ذي المنحى العلمي عند المرزوقي هو نتيجة لتأثير شخصية المعلم فيه, وهي شخصية قد تطغى على نوازعه الأدبية فيكون لها هذا الأثر في الأسلوب, غير أن هذا وإن كان يقع منه أحيانًا, فإن أسلوبه في عرض

стр. 159

المعنى يبقى في غلبته أدبيا مشرقا يحقق غايته في الإفهام والإمتاع معا. ٧ - البلاغة والنقد: كانت للمرزوقي عناية بالبلاغة في شرحه, كما كانت له وقات نقدية تدل على إدراكه قيمة هذين العنصرين في عملية شرح الشعر وهو- كما رأيناه في مقدمة شرحه- مدرك لعمود الشعر, ملم بالأبواب التي يقوم عليها, حاذق بعيار كل باب منها. وإذا كانت هذه حالة فمن الطبيعي أن نجد له لمحات طيبة في علم البلاغة أثناء عملية في الشرح, تشمل علومها الثلاثة: البيان والمعاني والبديع, كما نجد له وقفات في النقد وفق هذه النظرية التي طرحها في عمود الشعر. أ- البلاغة: ففي مجال البلاغة نجده وهو يشرح النص يشير إلى ألوان تتصل بعلم البيان وأخرى تتصل بعلم المعاني, وثالثة تتصل بعلم البديع, ففي البيان كانت له وقفات عند التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز, فمن أمثلة وقوفه في التشبيه ما جاء عنه في بيت محمد بن بشير الوارد في باب الغزل وهو: بيضاء آنسة الحديث كأنها قمر توسط جنح ليٍل مبرد قال: ((شبهها بقمر توسط السماء فيما جنح من ليل كان فيه غيم وبرد)) ثم بين جمال الصورة التي رمي إليها الشاعر من تشبيهه فقال: ((والقمر إذا خرج من حلك الغمام في ليلة مطيرة كان أضواء وأحسن)). وفي بيت عمرو بن معدي كرب الذي يقول فيه: ولما رأيت الخيل زورًا كأنها جداول زرٍع خليت فاسبطرت كانت له وقفتان تخص التشبيه إحداهما في قوله: ((ولما رأيت الخيل زورًا)) وقد قال فيها: ((وصف الخيل في انحرافها بزور والزور جمع أزور, وهو المعوج الزور, وهذا من التشبيه الحسن الصائب)) ((أما الأخرى فقد كانت في قوله:

стр. 160

((كأنها جداول زرع)) قال: ((والتشبيه وقع على جري الماء في الأنهار لا على النهار, كأنه شبه امتداد الخيل في انحرافها عن الطعن بامتداد الماء في الأنهار وهو يطرد ملتويًا ومضطربًا)). أما في بيت ابن زيابة الذي يقول فيه: نبئت عمرًا غارزًا رأسه في سنٍة يوعد أخواله فقد كانت وقفته فيه تدل على نظرة متفهمة لدقة التعبير عند الشاعر في قوله: ((في سنة)) قال المرزوقي: ((أراد بالسنة الغفلة, وهو ما يحدث في أوائل النوم في العين ولم يستحكم بعد, وهذا من أحسن التشبيه وأبلغ التعريض, والايعاد إذا كان ما وصف حقيق بالتهجين)). وفي بيت ربيعة بن مقروم الذي يقول فيه: وألد ذي حنٍق علي كأنما تغلي عداوة صدره في مرجل كانت أول خطرة شعت في ذهن المرزوقي حين قراءته هو التشبيه الذي اشتمل عليه, وفيه تصوير شيء معنوي بشيء محسوس فبدأ به شرحه فقال: ((أخرج التشبيه ما لا يدرك من العداوة بالحس إلى ما يدرك من غليان القدر حتى تجلى فصار كالمشاهد)) , ثم مضى يشرح ألفاظ البيت ويقرر معناه. إن وقفات المرزوقي في التشبيه متعددة لأنه أهم وسيلة أداء استعان بها الجاهليون والإسلاميون في تصوير معانيهم, ولأن اختيار الحماسة قد ضم الكثير من القطع التي قالها هؤلاء الشعراء كثر عند المرزوقي الوقوف عند التشبيه والإشارة إليه أثناء عمله في الشرح. أما الاستعارة فنجد له فيها وقفات كذلك منها وقفته في بيت عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي الذي يروى للسموءل بن عادياء وهو:

стр. 161

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداٍء يرتديه جميل فقد قال فيه: ((ذكر الرداء هاهنا مستعار, وقد قيل رداه الله رداء عمله فجعله كناية عن مكافأة العبد بما يعمله أو تشهيره به, كما جعله هذا الشاعر كناية عن الفعل نفسه وتحقيقه فأي عمله بعد تجنب اللؤم كان حسنا)). ومثله بيت تأبط شرًا الذي يقول فيه: فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا به كدحة والموت خزيان ينظر فقد وقف المرزوقي عند عبارة ((والموت خزيان ينظر)) قال: وهذا من فصيح الكلام ومن الاستعارات المليحة وقد حمل الله- ((وأنتم حينئذ تنظرون)) على أن يكون المعنى تتحيرون. ولم يكتف بذلك بل مضى يذكر النظائر فقال: ((وقد سلك أبو تمام مسلك هذه الاستعارة فقال: إن تنفلت وأنوف الموت راغمة)). وكذلك وقف يبين روعة الصورة البيانية في بيت بلعاء بن قيس الكناني الذي يقول فيه: وفارس في غمار الموت منغمس إذا تألى على مكروهٍة صدقا قال: ((جعل للموت غمارا على التشبيه بالماء, ثم جعله منغمسا فيه فحسنت الاستعارة جدًا)). أما الكناية فهي أيضًا من الألوان البيانية التي نجد لها صدى في شرح المرزوقي, غذ نجد له فيها إشارات متنوعة منها ما ورد في بيت عمرو بن الإطنابة الذي يقول فيه:

стр. 162

والقاتلين لدى الوغى أقرانهم إن المنية من وراء الوائل قال: ((أصل الوغى هو الجلبة والصوت ثم كثر استعماله فصار كناية عن الحرب)). كما نجد له إشارة أخرى في بيت حسان بن نشبه وهو: وكانوا كأنف الليث لا شم مرغمًا ولا نال قط الصيد حتى تعفرا فقد قال فيه: ((وحسن في الكناية عن الإباء والتصون عن الدناءة والمذلة قوله: ((لا شم مرغمًا)) بعد الأنف)). وإشارة ثالثة من بيت القتال الكلابي الذي يقول فيه: فلما رأيت أنه غير منتٍه أملت له كفى بلدٍن مقوم قال: ((وقوله: أملت له كفي بلدن من فصيح الكلام وبليغ الكتابات)) فكأنه عنى بذلك أن الشاعر أراد أنه طعنه وقتله فكنى عن الطعن والقتل بإمالة الرمح نحوه. وأشار رابعة في بيت ابن زيابة: نئبت عمرًا غارزًا رأسه في سنٍة يوعد أخواله قال المرزوقي موضحًا تعبر ((غارزًا رأسه) وما فيه من كناية ((جعل غرز الرأس كناية عن الجهل والذهاب عما عليه وله من التحفظ)). وبجانب الكناية نجد أيضًا أشارت له في المجاز تدل على نظرته لهذا اللون البياني ومدى تأثيره في صناعة الكلام البليغ, ومن إشاراته فيه ما جاء عنه في بيت حجر بن خالد الذي يقول فيه:

стр. 163

وجدنا أبانا حل في المجد بيته وأعيا رجالا آخرين مطالعه فقد وقف المرزوقي عند عبارة ((حل في المجد بيته)) قال: ((البيت لا يحل ولكنه يحل فيه, ولكنه رمى بالكلام على السعة والمجاز لأن المعنى لا يختل, ويقولون فلان عالي المكان لأنه إذا علا مكانه علا هو)). ومن ذلك أيضًا إشارته التي وردت في بيت الحصين بن الحمام وهو: ولما رأيت الود ليس بنافعي عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما قال: جعل الحزم للأمر كما جعل له العزم في قوله تعالى: ((فإذا عزم الأمر)) فكل مجاز واتساع. هذا فيما يتصل بعلم البيان, أما علم المعاني فإن عمله فيه كان واضحًا في مواضع متعددة من شرحه, وبخاصة في كشفه لأساليب الشعراء وبيان وسائل التعبير التي استخدموها لأداء المعاني, وأظهر ما يكون ذلك وقفاته المتكررة عند خروج الكلام عن مقتضى الظاهر في مجالي الإنشاء والخبر, ففي مجال الإنشاء نجده يقف عند وسائل التعبير في الاستفهام والنهي والأمر, ويدل على خروجها عن مقتضى الظاهر وفق الأغراض التي رمي إليها الشعراء. ومن أمثلة ذلك قول عويف القوافي لما حبس الحجاج بن يوسف عيينة بن أسماء قال: أم من يهين لنا كرائم ماله ولنا إذا عدنا إليه معاد نظر المرزوقي إلى ما فيه من استفهام فقال: ((والاستفهام دخل في الكلام على طريق التوجع والتلهف لما جرى على عيينة المذكور)). ومثله قول موسى بن جابر الحنفي الذي جاء فيه:

стр. 164

وما خير ماٍل لا يقي الذم ربه ونفس امرئ في حقها لا يهينها قال: ((لفظه لفظ الاستفهام والمعنى معنى الإنكار الذي يجري مجرى النفي)). وفي خروج النهي عن مقتضى الظاهر نجد وقفته في بيت قطري بن الفجاءة الذي يقول فيه: لا يركنن أحد إلى الأحجام يوم الوغى متخوفًا لحمام قال المرزوقي موضحًا إياه: ((قصده إلى البعث والتحضيض على التغرير بالنفس والتعريض ألا ترى أنه يحث بهذا الكلام على ترك الفكر في العواقب ورفض التحرز خوفًا من المعاطب. وفي أسلوب الأمر وخروجه عن مقتضى الظاهر نجد له وقفات منها وقفته في بيت الفضل بن العباس وهو: مهلًا بني عمنا عن نحت أثلتنا سيروا رويدًا كما كنتم تسيرونا فقد قال فيه مبينًا الغرض منه ((هذا الكلام فيه تهكم)). أما في مجال الخبر فإننا نجد له وقفات تكاد تشمل سائر أجزاء شرحه, وذلك لأنه راعي فيه بيان نوع القول ومقصد الشعراء فيه, ففي بيت أبي الغول الطهوي: فدت نفسي وما ملكت يميني فوارس صدقوا فيهم ظنوني قال المرزوقي: ((لفظه لفظ الخبر والمعنى الدعاء)) كأنه أراد بذلك أن الشاعر رمى بكلامه هذا الدعاء لهم بالبقاء وإن كان بقائهم ذهاب نفسه وماله.

стр. 165

ومثل ذلك رؤيته التي سجلها عند بيت الحماسة المنسوب لآخر وهو: وإن الحزامة أن تصرفوا لقوٍم سوانا صدور الأسل فقد تمثلت هذه الرؤية في قوله: ((هذا الكلام تحذير وإنذار يقول: وأبلغاه أن الحزم في صرف أعنة خليكم إلى غيرنا فإنكم لا تقومون لنا إذا هيجتمونا والرأي في أن تعدلوا بصدور رماحكم إلى طعن من سوانا فإنكم لا تكملون لدفاعنا)). ومثله وقفته في بيت الفرار السلمي في بيان غرضه من أسلوب الخبر الذي بنى عليه بيته الذي يقول فيه: وكتيبٍة لبستها بكتيبٍة حتى إذا التبست نفضت لها يدي بين المرزوقي غرضه فيه فقال: ((يتبجح بأنه مهياج شر وأذى وجماع بين كتائب تتقاتل من دونه, ثم يخرج هو من بينهم غير مبال يجرون إليه)). وفي بيت جابر بن ثعلب الطائي الذي يقول فيه: كأن الفتى لم يعر يومًا إذا اكتسى ولم يك صعلوكًا إذا ما تمولا وقف المرزوقي يبين الغرض فيه يقول: ((هذا الكلام بعث على التجوال وتخضيض في اكتساب المال فيقول: إذا اقتنيت بعد فقرك, واكتسيت بعد عريك فكأنك ما كنت قط فقيرًا ولا عريانًا)). وبجانب وقفاته المتكررة عند خروج الكلام إنشاء أو خبرًا عن مقتضى الظاهر كانت له وقفات أيضًا عند الإيجاز والاطناب وبيان موطن البلاغة فيهما, ففي الإيجاز مثلًا وقف في بيت حسان بن نشبة الذي يقول فيه: سموا نحو قيل القوم يبتدرونه بأسيافهم حتى هوى فتقطرا

стр. 166

قال المرزوقي مبينًا ما فيه من إيجاز بالحذف: ((في هذا الكلام اختصار كأنه قال: ابتدروه بالسيوف وضربوه حتى سقط, فحذف ضربوه)). أما الأطناب فإن عمله فيه أكثر اتساعًا من عمله في الإيجاز, ومن أمثلته وقوفه في بيت أبي صخر الهذلي الذي جاء في رائيته في الغزل وهو: أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر فقد قال فيه: ((تكربره للذي ليس بتكثير للأقسام لأن اليمين يمين واحدة بدلالة أن لها جوابًا واحدًا, ولو كانت أيمانًا مختلفة لوجب أن يكون لها أجوبة مختلفة, وفائدة التكرير التفخيم والتهويل)) ولم يكتف بذلك في بيان غرض الأطناب بل فأتى بنظير من القرآن الكريم قال: ((وما في القرآن الكريم من قوله: ((والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى)) مثله, ثم رجع إلى بيان قيمة البيت فنيًا: ((على أن ما في البيت من اختلاف الأفعال الداخلة في الصلات جعل الكلام أحسن والتفخيم أبلغ)). ومثل ذلك أيضًا قول شهل بن شيبان: مشينا مشية الليث غدا والليث غضبان قال فيه: ((كرر الليث ولم يأت بضميره تفخمًا وتهويلًا)) ثم فضل الحديث فقال: وهم (أي العرب) يفعلون ذلك في أسماء الأجناس والأعلام قال عدي: لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغض الموت ذا الغني والفقيرا ومثلما جال المرزوقي في علم البيان وألوانه وعلم المعاني وألوانه كانت له جولة في علم البديع, غير أن جولته فيه كانت محدودة بالقياس إلى عمله في البيان والمعاني, فنحن بتتبعنا لشرحه لم نجد له سوى أشارات تتصل بمحسنات الكلام

стр. 167

من جهة اللفظ ومن جهة المعنى, بل إننا لاحظنا أن جملة من هذه المحسنات عبرت بين شرحه دون أن يقف عندها, وبخاصة فيما يتصل بالمطابقة. ولعله ترك الكلام فيها لوضوحها, أو لعله تركها للقارئ ليقف عليها دون دلالة منه عليه. ومهما كان المر فإن تلك الإشارات التي صدرت عنه في تحسين الكلام لفظيًا ومعنويًا تجعلنا ندرك بأن المرزوقي كان مدركًا لقيمة علم البديع في فن الشعر, وإذا قل عمله فيه أثناء عملية الشرح فإن ذلك راجع إلى أن كثيرًا من ألوان البديع التي حددها البلاغيون لم تبرز إلا عند شعراء الصنعة الفنية أمثال أبي تمام صاحب الاختيار, ومن قبله بشار ومسلم بن الوليد أو شعراء التصنع الذين ظهروا في العصور التي تلت العصر العباسي الأول, وهؤلاء لم يكن لهم في اختيار الحماسة نصيب, ونحن إذا أردنا أن نعرف قيمة عمل المرزوقي في علم البديع لا نطلب ذلك في شرحه للحماسة وإنما نطلبه في أعماله الأخرى التي قامت في أشعار المحدثين مثل عمله المسمى بشرح المشكل من شعر أبي تمام. على أن هذا لا يمنع من أن ننظر فيما تناوله من ألوان البديع في شرحه حتى نقف على عمله فيه, الذي قلنا إنه يتمثل في بعض الإشارات الخاصة بالمحسنات المعنوية واللفظية, ومن ذلك نظرة إلى المطابقة في بيت بشامة النهشلي القائل: إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا ولو نسام بها في الأمن أغلينا فقد قال: ((وفي البيت طباق بذكر الارخاص والاغلاء والروع والأمن في موضعين وهو حسن جيد)). ونظرة أيضًا في بيت أنيف بن حكيم النبهاني الذي يقول فيه: إذا نحن سرنا بين شرٍق ومغرٍب تحرك يقظان التراب ونائمة فقد حلل الاستعارة في قوله ((يقظان التراب ونائمه)) ثم قال: ((وقد أحسن

стр. 168

ما شاء في الاستعارة والطباق وبالنوم واليقظة)). كذلك كانت له بعض الإشارات في الجناس اللفظي, وذلك مثل وقفته التي وقفها في بيت دريد بن الصمة الذي يقول فيه واصفًا أخاه عبد الله الذي أبنه بقصيدة منها هذا البيت: صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد قال: ((يجوز أن صبا الأول من الصبا واللهو وصبا الثاني من الصباء بمعنى الفتاء ... ويجوز أن يكون المعنى تعاطي الصبا ما تعاطاه إلى أن علاه المشيب, فيسقط التجنيس من البيت وهو يحسن به)). ومن ذلك إشارته إلى التجنيس الناقص في بيت الغزل الذي نسب لآخر وهو: شيب أيام الفراق مفارقي وانشزن نفسي فوق حيث تكون قال: وقوله: ((أيام الفراق مفارقي)) يسمى التجنيس الناقص)). ونراه في موضع آخر يهتم بتأكيد المدح بما يشبه الذم, وذلك في بيتي النابغة الجعدي وهما: فتًى كان فيه ما يسر صديقه على أن فيه ما يسر الأعاديا فتًى كملت خيراته غير أنه جواد فلا يبقي من المال باقيا قال: وقد تجلت حاسته الفنية في تحليله: ((وإذا تأملت وجدت البيت الثاني مثل البيت الأول في أنه اتبع ثناء بثناء, وأردف مديحًا بمديح, فعجز كل واحد منهما يؤكد صدره ويزيده مبالغة معنى وتظاهر مبدأ ومنتهى, ومثلهما بيت النابغة:

стр. 169

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وبجانب هذه المحسنات اللفظي منها والمعنوي نجده يشير إلى لون من ألوان نعوت المعاني وهو الالتفات الذي سماه بعض البلاغيين الاعتراض، ولذا نجد المرزوقي يشير إليه مرة بالالتفات ومرة بالاعتراض كأنه يذهب بهذا مع ابن المعتز الذي يفصل بين الالتفات والاعتراض. فمن إشاراته التي استخدم فيها مصطلح الالتفات ما جاء عنه في بيت الحماسة الذي نسب لآخر وهو: أعان علي الدهر إذ حك بركه كفى الدهر لو وكلته بي كافيا قال: ((ومثل هذا القول)) كفى الدهر ((يسمى التفاتًا)). وكذلك ما جاء عنه في بيت العديل بن الفرخ العجلي القائل: وضيعت عمرًا والرباب ودارمًا وعمرو بن وٍد كيف أصبر عن وٍد فقد وقف محللًا الالتفات في عبارة ((كيف أصبر عن ود)) قال: ((وقوله: ((كيف أصبر عن ود)) هو الذي يسميه النقاد والبصراء بصنعه الشعر وتمييز البديع فيه الالتفات، كأنه لما ذكر ودا والخلاف عليه، ونفض اليد مما يجمعه إياه، وكشف الرأس بالمعاداة معه للرحم قلبه، وضاق بالحال المتصورة صدره، والتفت إلى من بحضرته فقال: كيف يكون صبري على مثله)).

стр. 170

وأما إشاراته إلى ((الاعتراض)) فقد جاءت في نحو قول تأبط شرًا: هما خطتا إما أسار ومنة وإما دم والقتل بالحر أجدر قال: ((وقوله: والقتل بالحر أجدر يسمى اعتراضًا لوقوعه بين ما عدده من الخصال))، ومثله ما جاء عنه في بيت عمرو بن معدي كرب القائل: ليس الجمال بمئزٍر فاعلم وإن رديت بردا فقد قال فيه: ((وقوله: فاعلم اعتراض تأكد به الكلام)). ولعله كان أوضح في معالجته للاعتراض في بيت إبراهيم بن كنيف النبهاني وهو: فأن تكن الأيام فينا تبدلت ببوسى ونعمى والحوادث تفعل فقد فصل فيه الحديث فقال: ((وقوله: ((والحوادث تفعل)) يسمى اعتراضًا، ومثل هذا من الاعتراض يزيد القصة تأكيدًا، وهو ها هنا حاصل بين الجزاء وجوابه لأن جواب إن تكن قوله: ((فما لينت منا قناة صليبة)) وحسن الكلام به جدًا إذ كان تأكيدًا لما يقتضيه من تحول الأحوال وتحقيقًا لما شكاه من ريب الزمان، وبعثا على التسلي وأخذ النفس بالتأسي)). وهكذا نرى أن المرزوقي قد جال في ثنايا شرحه في علوم البلاغة الثلاثة، غير أن أعماله فيها وان تفاوتت فأنها قد دلت على قيمة ألوان هذه العلوم وما تحدثه من أثر في جمال القول الشعري، كما أن تفاوتها يرجع إلى ما أشرنا إليه سابقًا عندما تكلمنا عن منهجه أنه في جوانب البلاغة لم يكن في الدرجة التي عالج بها اللغة والنحو في شرحه، فهو أكثر عناية بالغة والنحو من البلاغة، وذلك بتجاوزه المتكرر لجملة من

стр. 171

الألوان البلاغية أثناء عملية الشرح، ومع هذا الذي ذكرناه فان شرحه في البلاغة إذا ما قيس بغيره من الشروح التي وصلت إلينا يعد الشرح الوحيد الذي اهتم بفنون البلاغة في عناصر الشرح. ب- النقد: وإذا تركنا جانب البلاغة واتجهنا إلى النقد وجدنا المرزوقي في شرحه ناقدًا نظريًا وتطبيقيًا، فأما نقده النظري فقد ضمنه مقدمته التي صدر بها شرحه. وأما نقده التطبيقي فقد جاء في ثنايا شرحه، ولما كنا ندرس عناصر الشرح عنده وفق المنهج الذي سار عليه، موازنين بينه وبين غيره من الشراح ذوى المناهج الأخرى كان من المحتم علينا أن لا ندخل أنفسنا في دراسة نقده النظري الوارد في مقدمته لأنه لا يشكل عنصرًا من عناصر الشرح، وإنما الذي يعنينا فقط هو نقده التطبيقي الذي يدخل في صميم عملية شرح الشعر، غير أن تركنا لما جاء في مقدمته من نقد نظري لا ينسينا أن كثيرًا من نقده التطبيقي كان مبنيا على نظريته التي طرحها في عمود الشعر مثل شرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف، والمقاربة في التشبيه، إلى غير ذلك من الأبواب التي يقوم عليها عمود الشعر. ويمكن القول بأننا حين أفردنا المواد التي مثلت نقده التطبيقي وجدنا أنه يسير فيها وفق وجهات ثلاث: وجهة تتصل بنقد الرواية وتصويبها، ووجهة تتصل بنقد الشعر المختار في الحماسة، ووجهة تتصل بالموازنات والسرقات. فأما نقده للرواية فقد تكلمنا فيه عندما عرضنا لعنصر الرواية في شرحه، ويمكن أن نضيف هنا بعض الجوانب التي استرعت انتباهنا ونحن نفرز المواد النقدية، منها أنه كان يعتمد في نقده للرواية على جزالة اللفظ واستقامته وهو أحد الأبواب التي أوردها لعمود الشعر، إذ عيار اللفظ عنده الطبع والرواية والاستعمال. ولذلك نراه يقف عند بيت وضاح بن إسماعيل القائل: ذريني ما أممن بنات نعٍش من الطيف الذي ينتاب ليلا

стр. 172

فيقول: ((وروى بعضهم: ((يأتاب ليلًا)) وهو يفتعل من الأوب، وينتاب أوجه في النقد وأحسن)) كأنه رمى بذلك إلى أن استقامة الفعل ((ينتاب)) في البيت لأنه يصح مع الطبع والرواية والاستعمال. ومنها أنه كان ينظر إلى لغة الشعراء وطرائقهم في النظم ويدلل بها على صحة نسبة الشعر إليهم، وهي إحدى الدعامات التي قامت عليها تصفية الشعر القديم وتنقيته من شوائب النحل والوضع التي علقت به وشكلت قضية الشك والطعن فيه. ففي قطعة الرثاء التي أولها ((أصاب الغليل عبرتي فأسالها)) والتي نسبها أبو تمام إلى يزيد بن عمرو الطائي أشار المرزوقي إلى أن الأثرم رواها عن أبي عبيدة للنابغة الذبياني وأثبتها في ديوانه، ولكنه عقب على هذا بقوله: ((وفي ألفاظ هذه الأبيات على ما رواه أبو تمام شاهد صدق على أنه ليزيد لا للنابغة)). فكأنه بذلك يرمي غلى أن لغة النابغة الشعرية تختلف عن لغة يزيد، وهي نظرة صائبة في مجال اضطراب رواية الشعر ونسبته إلى أكثر من شاعر، ونظرة صائبة أيضًا في مجال تصفية الشعر القديم من النحل والوضع. ومنها أنه ينظر إلى المقاربة في التشبيه لأن عيار المقاربة عنده هو أن يقع التشبيه بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما ليبين وجه الشبه بلا كلفة. هذا ما نحسه منه في نقده رواية بيت لمرة بن مكحان في وصف جازر ناقة، وقد أثبته في متنه على النحو التالي: ينشنش اللحم منها وهي باركة كما تنشنش كفا قاتٍل سلبا

стр. 173

ثم قال في الشرح: ((ورواه بعضهم)) كما تنشنش كفا قاتل سلبا)) وقال: شبه نشنشته بنشنشة فاتل الحبل من السلب وهو نبات يخرج على صورة الشمع وعلى قدره فيجز ويفتل منه الحبل وبائعها ومتخذها السلاب. ثم عقب على ذلك فقال: ((والرواية الأولى أجود وأكثر مشابه))، فكأنه نظر إلى تقارب التشبيه بين نشنشة الجازر للحم الناقة بعد نحوها ونشنشة القاتل سلب القتيل بعد قتله فهي أقرب وأوضح من نشنشة فاتل الحبال من نبات السلب إذ لا قتل يقابل نحر الجازر للناقة. وأما نقده للشعر المختار في الحماسة فقد رأيناه على ضربين ضرب بين فيه مواطن الجودة والجمال، وضرب بين فيه مواطن الضعف، فأما الضرب الأول فقد كان يراعي فيه حسن المعنى وسلامة اللفظ وتوازنه، وذلك مثل عمله في بيت بشامة النهشلي الذي يقول فيه: بيض مفارقنا تغلي مراجلنا نأسو بأموالنا آثار أيدينا فقد قال فيه بعد أن شرحه وبين ما فيه من معان: ((وفي البيت مع حسن المعاني التي بينتها توازن في اللفظ مستقيم وسلامة مما يجلب عليه التهجين)). ومثل ذلك ما جاء عنه في بيت عمرو بن معدي كرب وهو: ولقد أجمع رجلي بها حذر الموت وإني لفرور قال: ((وأجمع رجلي أي أستحث فرسي وهو فصيح الكلام، ومن العبارات التي تصور المعنى، ومن لفظه وبابه قولهم: جمعت يدي على كذا، ورفعت يدي عن كذا. وربما نظر إلى شرف المعنى وحسنه مثل قوله بيت أبي الأبيض العبسي في فرسه:

стр. 174

أقيه بنفسي في الحروب وأتقي بهاديه إني للخليل ودود قال فيه: ((هذا معنى شريف حسن)) ولم يبين وجه شرفه وحسنه، ولعله نظر إلى الصورة التي رسمها هذا الشاعر لعلاقته بفرسه في الحرب ومدى ما يبدله كل واحد منهما نحو الآخر، كما نظر إلى هذا الاعتراض أو الالتفات المتمثل في قوله: ((إني للخليل ودود)) وهو تعبير رائع في معناه بالنظر إلى حديث الفرس السابق له. أما الضرب الثاني الذي كان يبين فيه مواطن ضعف الشعر، فقد رأيناه أيضًا يقيم نقده فيه على المعنى أحيانًا وعلى سلامة اللغة أحيانًا أخرى، ومن أمثلة نقده للمعنى ما قاله في بيت ابن زيابة التيمي الذي يقول فيه: والذرع لا أبغب بها ثروة كل امرىٍء مستودع ماله قال: ((لولا أن قصده في التمدح إلى التعريض بالمخبر عنه لكان لا معنى لهذا الكلام. ألا ترى إلى قوله: ((والدرع لا أبغي بها ثروة)) وقد فسر على أنه يجوز أن يكون المراد: لا اقتني الدرع لكي أتجر فيها وأتمول، وترك التجارة في الأسلحة ليس فيه كبير تمدح)). أما نظره إلى سلامة اللغة واستعمالها الاستعمال الفصيح لما صح من القياس، فقد تردد في مواضع مختلفة من شرحه، ومن ذلك وقفته في بيت عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي المنسوب إلى السموءل وهو: وإنا لقوم ما نرى الموت سبة إذا ما رأته عامر وسلول قال منتقدًا سلامة التركيب فيه: ((كان وجه الكلام أن يقول: ((ما يرون القتل سبة)) حتى يرجع الضمير من صفة القوم إليه ولا تعرى منه، لكنه لما علم أن المراد بالقوم هم قال: ((ما نرى)) ثم أضاف، وقد جاء في الصلة مثل هذا وهو فيه أفظع قال:

стр. 175

أنا الذي سمتن أمي حيدره واستشهد على ضعف التركيب بما ورد عن أبي عثمان المازني فقد قال: ((لولا صحة وروده وتكرره لرددته)). ومثل هذا أيضًا نقده بيت عروة بن الورد الذي يقول فيه: لحى الله صعلوكًا إذا جن ليله مصافي المشاش آلفًا كل مجزر فقد عاب عليه إضافة مصافي غلى المشاش، ووصفها بأنها ضعيفة لأن المشاش أشير به الجنس، ولا يحصل التخصيص بالإضافة إليه، وعلى هذا قولهم: قيد الأوابد ودرك الطريدة. كما عاب عليه عدم تحريك الياء من مصافي بالفتح قال: ((وكان يجب أن يحرك الياء من مصافي بالفتح فسكنه لأن منهم من يجري الفتحة في مثله من المعتل مجرى سائر الحركات فلا يثبتها)). على أن النقد البارز في شرح المرزوقي هو النقد المتصل بالموازنات والسرقات، فقد سجل لنا كثيرًا من المفاضلات التي كان يجريها بين الشعراء في معانيهم وصناعتهم الفنية، متخذًا من أبيات الحماسة التي يشرحها محورًا ينطلق منه إلى هذا النوع من النقد، فهو تارة يذكر لنا أقوال الشعراء المشتركة في معنى واحد أو صنعة فنية واحدة، وتارة يفاضل بين أقوالهم ويبين الجيد منها، وتارة ثالثة يبين لنا ما أخذه المتأخرون منهم من معاني المتقدمين ففي بيت سعد بن ناشب الذي يقول فيه: فان تعذليني تعذلي بي مرزأ كريم نثا الإعسار مشترك اليسر وقف المرزوقي عند معنى قوله: ((كريم نثا الإعسار مشترك اليسر)) ونظر إلى اشتراك الشعراء في إيراد معناه فقال: ((وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى، فمن ذلك

стр. 176

قول الشمردل: وصول إذا استغني وإن كان مقترًا من المال لم تحف الصديق مسائله وقول المرار: إذا افتقر المرار لم ير فقرة ... وإن أيسر المرار أيسر صاحبه وأحسن من الجميع قول الآخر: إذا افتقروا عضوا على الفقر حسبة وإن أيسروا عادوا سراعًا غلى الفقر هذا من حيث الاشتراك في المعاني، أما الاشتراك في الصنعة الفنية وطريقة نظم الشعراء فمن أمثلته وقفته في بيت البعيث بن حريث الذي جاء في باب الغزل وهو: معاذ الإله أن تكون كظبيٍة ولا دميٍة ولا عقلية ربرب وقف المرزوقي عند رسم الشاعر صورة لحسن محبوبته، فنظر إلى طريقته في رسم هذه الصورة قال: كأنه أنف وصار يربأ بصديقته أن تكون في الحسن بحيث تشبه بالظبي أو الظبية أو بالصورة المنقوشة أو بكريمة بقر الوحش ((وهذه طريقة تختلف عن طريقة الشعراء الذين درجوا على تشبيه المحبوبة بالظبية أو الدمية أو البقرة من الوحش، ولذلك نظر إلى نهجها عند شعراء آخرين فقال: )) وقد سلك من المتقدمين امرؤ القيس هذه الطريقة فقال: كأن دمى سقٍف على ظهر مرمٍر كسا مزبد الساجوم وشيًا مصورا غرائر في كن وصوٍن ونعمٍة ... يحلين ياقوتًا ودرًا مفقرا

стр. 177

فشبه الدمى بالنساء لا النساء بالدمى، ولم يكتف المرزوقي بهذا، بل ذهب إلى بيان هذه الطريقة عند أبي تمام فقال: ((ومما يستحسن من هذه الطريقة قول أبي تمام: كأنما جاد مغناه فغيره دموعنا يوم بانوا وهي تنهمل قال: لأنه شبه الأمطار المغيرة لرسوم الديار بدموع العشاق من أثر الأحباب يوم الفراق)) وبجانب النظر إلى اشتراك الشعراء في المعاني وطريقة النظم نظر المرزوقي إلى جانب المفاضلة بين الشعراء ذوي الاشتراك في المعنى الواحد، فكان يوازن ويبين الفاضل من المفضول فيها وهذا أيضًا كثير في شرحه، ومن أمثلته ما جاء عنه في بيت الحارث بن هشام المخزومي من كلمته التي قالها يوم بدر حين فر من الحرب قال: الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسي بأشقر مزبد قال المرزوقي: ومثله قول المهلهل: لم أرم حومة الكتيبة حتى حذي الورد من دمي نعالا ثم فاضل بين البيتين فقال: ((وهذا قاصر عن درجة ما تقدم لأنه يتعذر مما آثره من الهروب في وقته، وذاك أورده مورد المتبجح، وأنه خلقه ومذهبه لعلمه بمصادر الحروب ومواردها)) وفي بيت قيس بن الخطيم الأوسي الذي يقول فيه: إذا ما شربت أربعًا خط مئزري وأتبعت دلوي في السماح رشاءها وقف المرزوقي فيه، ونظر إلى قول عنترة وعمرو بن كلثوم في طويلتيهما فقال:

стр. 178

وهذا أجود من قول عنترة، وإن كان مفضلًا عند كثير من الناس على قول عمرو بن كلثوم، وقول عنترة: وإذا انتشيت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم وإذا صحوت فما أقصر عن ندًى وكما علمت شمائلي وتكرمي وبيت عمرو: مشعشعة كأن الحص فيها إذا ما الماء خالطها سخينا ثم بين لم فضل بيت قيس على قوليهما فقال: لأن هذا (يعني عمرًا) قال: إنا نتسخى إذا شربنا الخمر ممزوجة، وما قاله عنترة في بيتين أشار إليه قيس في مصراع)). وشغلت السرقات وما أخذه المتأخرون من معاني المتقدمين حيزًا ليس بالضئيل في شرح المرزوقي، ذلك لأنه كما كان ينظر إلى اشتراك الشعراء في معانيهم وطرائق أدائها كان ينظر إلى أخذ الشعراء من بعضهم بعضًا، ففي بيت جرير الذي قاله في رثاء قيس بن ضرار: وحق لقيٍس أن يباح له الحمى وأن تعقر الوجناء إن خف زادها قال المرزوقي: ((أي حق للجزع به أن يبلغ من القلب حدًا لم يبلغ منه شيء)) ثم مضى مستعرضًا هذا المعنى لدى الشعراء فقال مشيرًا إليهم: ((وقد أخرجوا هذا المعنى في معارض لأنه معنى صحيح حكيم شريف، فقال كثير في الحب يصف امرأة: أباحت حمًى لم يرعه الناس قبلها وحلت تلاعًا لم تكن قبل حلت يريد بلغت من القلب هذا المبلغ، وأخذه منه الصمة بن عبد الله القشيري فقال:

стр. 179

فحلت محلا لم يكن حل قبلها وهانت مراقيها لريا وذلت وأخذه أبو نواس فقال: مباحة ساحة القلوب له يرتع فيها أطايب الثمر وأخرجه على وجه آخر فقال ينفي: بصحن خٍد لم يغض ماؤه ولم تخضه أعين الناس ولا شك أن مثل هذا العمل وأشباهه في شرح المرزوقي كانت وراء أعمال رجال عنوا بالسرقات وما أخذه المتأخرون من المتقدمين، وهي قضية كان لها صدى في حركة النقد العربي وبخاصة في القرن الرابع الهجري الذي عاش فيه المرزوقي وشهد آخره، فالمرزوقي مثلما رأيناه يفيد من التراث الموروث من العلماء في مجالي اللغة والنحو نراه يفيد هنا من التراث النقدي الذي خلفه السابقون أو المعاصرون وربما كان هذا وراء اهتمام المرزوقي بأبي تمام في جانب الموازنات والسرقات التي عالجها في شرحه، فقد كان لأبي تمام حضور ملحوظ في هذا الجانب من نقده، ومعلوم أ، أبا تمام كان شغل الكثيرين من النقاد في زمن المرزوقي وقبله، بل إن المرزوقي نفسه قد اهتم به اهتمامًا كبيرًا بدلالة ما أشرنا إليه سابقًا أنه شرح المشكل من شعر وألف كتابًا في الرد على من انتقصوه، ولعل المرزوقي بجانب تأثره بحركة النقد في عصره قد هدف من اهتمامه بأبي تمام في شرحه إلى الربط بين الاختيارات المشروحة وصاحبها لا من خلال ما اختاره فحسب بل من خلال شعره أيضًا، ومن أمثلة ذلك ما صدر عنه في بيتين من باب الحماسة هما: إن يحسدوني فأني غير لائمهم قلبي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما بي وما بهم ومات أكثرنا غيظًا بما يجد قال المرزوقي: ((وحدثني أبو عبد الله حمزة بن الحسن قال: سمعت أبا

стр. 180

الحسن علي بن مهدي الكسروي يقول: أنا قد تتبعت من دواوين الشعراء قديمهم ومحدثهم فوجدت أبا تمام الطائي متفردًا بمعنى قوله: وإذا أراد الله نشر فضيلٍة طويت أتاح لها لسان حسود لولا التخوف للعواقب لم يزل للحاسد النعمى على المحسود غير مسبوق إليه ((فقال المرزوقي معقبًا على هذا القول: ((وعندي أنه أخذه من فحوى هذين البيتين وان كان زاد عليه)). وهكذا نخلص من جميع ما عرضناه في هذا الفصل إلى أن المرزوقي بمنهجه الأدبي الإبداعي الفني قد كان معلمًا بارزًا في عمله الذي قام به في الحماسة، فشرحه يعد نسيج وحده بالقياس إلى الشروح التي وصلت إلينا، وسوف يتضح هذا بجلاء حين تكتمل فصول هذا القسم بتطبيق المناهج الأخرى التي سلكها الشراح الآخرون للحماسة.
следующие страницы →