← Адаб

Адаб · id 16377

شروح حماسة أبي تمام دراسة موازنة في مناهجها وتطبيقها

محمد عثمان علي

Полный текст (407 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الخامس هو أبو محمد الأعرابي الغندجاني المتوفى سنة ٤٣٦ هـ، أدركنا حقيقة ما ذكرناه من اضطلاع أصحاب هذا المنهج بسائر أصناف العلم التي يحتاج إليها كل من يسلك سبيل هذا المنهج ويتصدى لأعمال غيره من الشراح بالنقد والتقويم، فأبو هلال من خلال مؤلفاته التي وصلت إلينا بعد موسوعة في علوم اللغة والأدب والبلاغة والنقد. وأبو محمد الأعرابي كان علامة نسابه عارفًا بأيام العرب وأشعارها وأحوالها، وكان مثيل شيخه أبي الندي يجوب بوادي العرب ليأخذ منها ما يزيد معرفته في هذه العلوم. إن تطبيقنا لهذا المنهج سوف يكون في عملين لهذين العالمين احدهما" ضبط مواضع من حماسة أبي تمام" لأبي هلال العسكري، والآخر"إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري" لأبي محمد الأعرابي. ٤ - المنهج التجميعي الانتخابي التكميلي: وإذا كان المنهج التتبعي التقويمي يقوم على أعمال السابقين من أجل تقويمها ونقدها وتصحيح ما فيها من أخطاء، فان المنهج التجميعي الانتخابي التكميلي يقوم أيضاً على أعمال السابقين ولكن من وجهة أخرى غير النقد والتقويم والتصحيح. أنه المنهج الذي يتجه فيه صاحبه إلى تجميع أعمال السابقين بغية أن ينتخب منها شرحًا يحاول فيه استيفاء جميع عناصر الشرح. ولقد رأينا فيما سبق أن هذا المنهج من المناهج التي حددها الدكتور العمري في شروح الشعر الجاهلي، ورأينا صفاته ومعاييره كما عرضها في بحثه، ولكن إذا كانت تلك رؤيته لمقومات هذا المنهج من خلال شروح الشعر الجاهلي فإن رؤيتنا لها من

стр. 107

خلال شروح الحماسة تتسم ببعض المخالفة فيما ذهب إليه، وبخاصة حين نحاول تطبيق هذا المنهج على الخطيب التبريزي في شرحه للحماسة لا في شروحه للشعر الجاهلي، فالتبريزي وان كان في شرحه للحماسة تجميعياً انتخابياً تكميلياً فان جملة من الأقوال التي عرضها الدكتور العمري لصفات هذا المنهج لا تنطبق عليه بل تبدو- كما أسلفنا- نظرية بحته يصعب تطبيقها عملياً إلا عن طريق تصيد الأمثلة القليلة النادرة التي تخطر بين تضاعف هذا الشرح، فمن الأقوال التي طرحها الدكتور العمري في صفات هذا المنهج" أنه منهج يجمع من كل علم بطرف، ومن كل فن بلمحة، ومن كل تخصص بنبذة، ويوفق بين الجميع توفيقاً تامًا، وينسق بين أجزاء الشرح بانسجام يشعر بالتكامل والترابط" ومنها أيضًا "أنه منهج تتعادل فيه عناصر الشرح وتتآزر بحيث لا يطغى عنصر على آخر، وإنما توضع العناصر كلها جنبًا إلى جنب وفي مستوى واحد يكمل بعضها بعضًا". فهذه الأقوال عندما عرضناها على شرح التبريزي في الحماسة وجدنا أنها تحتاج إلى توجيه وتمحيص، فنحن لا ننكر أن التبريزي قد حاول في شرحه أن يجمع من كل علم بطرف، ومن كل فن بلمحة، ومن كل تخصص بنبذة. أما انه كان يوفق بين الجميع توفيقًا تاماً وينسق بين أجزاء الشرح بانسجام يشعر بالتكامل والترابط، فهذا ما لم نحسه إلا في القليل النادر، ولو كان الأمر كما صوره الدكتور العمري لما رأينا الدكتور أحمد أمين- ﵀ يسجل انطباعه عن قراءته لشرح التبريزي فيقول: نحوى لغوي أكثر منه أدبياً وناقداً فكنت أقرأ الشرح أحياناً وأنا متعطش جداً لأفهم معني بيت فلا أجده لأن الشارح انصرف إلى شيء آخر". وهذا الذي أحسه الدكتور احمد أمين وهو يقرأ شرح التبريزي يحسه كل قارئ لهذا الشرح فالتبرزي جماع منتخب ولكن تجميعه وانتخابه لا يبدو فيهما الانسجام والترابط إلا في جوانب قليلة من شرحه، أما في جمهور شرحه فان اللغة والنحو

стр. 108

يطغيان عليه طغيانًا واضحًا، بل انه كثيرًا ما نراه يكتفي في شرح البيت والواحد فقط أو باللغة والنحو غير بالمعني ولا مهتمًا بإيراده وتستطيع ان تجد برهان هذا القول في مواضع كثيرة شملت سائر أجزاء الشرح، وهو - كما رأيناه ورآه عبد السلام هارون- كان في غلبه شرحه عالة على المرزوقي، ومع ذلك كثيرًا ما يسقط المعني الذي أورده المرزوقي مكتفيًا من ذلك بالنحو فقط. انظر مثلاً كيف كان عمله في شرح بيت حفص العلمي الوارد في باب النسيب والذي يقول فيه: فَيَا رَبَّ إِنْ لمَ تَقْضِهَا لي فَلاَتَدَعْ ... قَذُور لَهُمْ وَاقْبِضْ قَذُورَ كَما هِيَا نقل التبريزي من المزروقي هذا القول: " وموضع" كما هيا" نصب على الحال، وما من قوله"كما يجوز أن تكون بمعني الذي، وتكون هي خبرًا لمبتدأ محذوف كأنه قال: كالذي هو هي، ويجوز أن تكون ما كافة الكاف عن عمل الجر ويكون هي في موضع المبتدأ والخبر محذوف والمعني اقبضها كما هي". هذا ما نقله التبريزي عن المرزوقي لم يتصرف فيه بشيء ولم يضف إليه شيئًا، ولكن انظر ماذا قال المروزفي في شرحه قبل أن يورد هذا الكلام في النحو والإعراب قال: " دل بالبيت على ضيق صدره بحاله، وشده ضنه بصاحبته، فدعا ربه أن يقبض قذور إليه إن لم يقدر بينهما مرافأة والتحاماً، ويتوفاها بالموت ليأمن أن يملك أمرها غيره، وهذا يدل على شدة غيره فيه، ومضايقة للناس كافة في شيء يتمناه، ثم يقصر عنه". فهل مثل هذا العمل في الشرح يمكن أن يوصف صاحبه بأنه يوفق بين أجزاء من العلم والفن والتخصص توفيقًا تامًا، وينسق بين أجزاء الشرح بانسجام يشعر بالتكامل والترابط؟ ! كذلك لا نجد عند التطبيق ما يدعم قول الدكتور العمري الذي جاء فيه أن هذا المنهج تتعادل فيه عناصر الشرح، وتتآذر بحيث لا يطغي عنصر على آخر، وإنما

стр. 109

توضع العناصر كلها جنبًا إلى جنب وفي مستوى واحد يكمل بعضها بعضًا "فالتبريزي- كما أشرنا من قبل- كان معلمًا في النظامية يدرس الأدب بها، وكان يدرسه من خلال مختارات شعرية منها المعلقات والمفضليات، ومنها ديوان الحماسة وكانت لدية حصيلة من الشروح جمعها لتكون عدة له في عمله شأن كل معلم في أي زمان يدرس الأدب القديم، كان لديه من شروح المعلقات شرح أبي جعفر النحاس وشرح أبي بكر بن الأنباري فانتخب من هذين الشرحين شرحه للقصائد العشر، وكان لديه من شروح المفضليات شرح الأنباري وشرح المرزوقي فانتخب منهما شرحه للمفضليات. أما في ديوان الحماسة فقد كانت لديه شروح عدة- بدت لنا من شرحه- هي شروح القاسم الديمري وأبي رياش، وأبي بكر الصولي، وأبي عبد الله النمري، وأبي على المرزوقي، أبي هلال العسكري، وأبي العلاء المعري، وأبي القاسم الفسوي، وكان لديه كتاباً التنبيه والمبهج لأبي الفتح بن جني، وكتاب" إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري" لأبي محمد الأعرابي، هذا فضلاً عن سماعاته من الشيوخ وقراءاته في كتب علماء اللغة والنحو أمثال الخليل وسيبويه والمبرد وغيرهم، وكانت عناصر الشرح، كما تبلورت في ذلك الزمن تتمثل في الآتي: (١) شرح أسماء الشعراء. (٢) ذكر مناسبة الشعر. (٣) تحديد بحر الشعر وضربة وقافيته (٤) اختلاف الروايات ومناقشتها واختيار الأجود منه. (٥) شرح لغة الشعر وما فيها من تصريف واشتقاق وأوزان. (٦) ذكر ما يتصل بالشعر من قضايا الإعراب والنحو. (٧) إيراد المعني وما فيه من تأويلات. (٨) رواية الأحداث التي تتصل بالنص وما قيل فيها من أشعار وأمثال وأخبار. (٩) التعريف بالأعلام الواردة في النص الشعري (١٠) إيراد اختلافات الشراح في عناصر الشرح وما وجهه بعضهم لبعض من نقد واعتراض. (١١) نقد الشعر المختار في الحماسة وإيراد آراء السابقين في هذا الخصوص. (١٢) معالجة النواحي البلاغية التي اشتمل عليها النص. هذه هي عناصر الشرح كما تبلورت في ذهن التبريزي في ذلك الزمن فماذا يصنع حتى يقدم لتلاميذه شرحًا يشمل جميع هذه العناصر، وهو الرجل ذو المنهج

стр. 110

التجميعي الانتخابي. نظر في الشروح التي أمامه فوجدها كما صورها في مقدمة شرحه حين تكلم عن ديوان الحماسة وشراحة قال: "فمنهم من قصر فيه، ومنهم من عني بكر إعراب مواضع منه دون إيراد المعاني، ومنهم من أورد الأخبار التي تتعلق به وأعرض عن ذكر المعاني، ومنهم من ذكر المعاني دون الأعراب والأخبار. وكان من الطبيعي- والحال كما صوره في هذه الشروح- أن ينتخب ما يوفر لشرحه جميع العناصر السالفة فهي- مجموعة لا منفردة- قد تشتمل على ذلك، فما عليه إذن إلا أن يأخذ من كل شرح ما تقتضيه الحاجة إلى استيفاء هذه العناصر، ثم ينسقها ويرتبها ترتيباً يحق لها التعادل والتآزر بحيث لا يطغي أحدها على الآخر، ويضعها كلها جنبًا إلى جنب وفي مستوى واحد يكمل بعضها بعضًا، هذا ما رمي إليه الدكتور العمري، وما يرمي إليه كل متصور للمنهج التجميعي الانتخابي، ولكن هل حق التبريزي هنا في شرحه للحماسة؟ أننا بعد دراسة مضنية لشرحه ومضاهاة مجهدة لعمله بما جاء في شرح المرزوقي واستخرج جميع ما أخذه منه اكتشفنا الحقيقة الآتية: انه جعل شرح المرزوقي أصلًا لشرحه في جمهور النصوص الشعرية الواردة في ديوان الحماسة، ثم لجأ إلى الشروح الأخرى يحاول أن يكمل منها ما ينقص شرح المرزوقي من عناصر، فأخذ شرح أسماء شعراء الحماسة والأعلام الواردة في الشعر من ابن جني وأبي العلاء وأبي رياش وأبى هلال وأخذ ما يتصل بالنصوص من مناسبات وأخبار وأحداث من أبي رياش وأبي هلال وأبي محمد الأعرابي، وأخذ اللغة والنحو من المرزوقي أولًا ثم من أبي العلاء وابن جني، وأخذ بعض ما أورده النمرى منمعان وبخاصة في المواطن التي كان أبو محمد الأعرابي يعترض عليه فيها، كما اخذ بعض المعاني الأخرى من شرح زيد بن على الفارسي الفسوي، وأخذ في مواضع قليلة بعض ما أورده أبو هلال في نقد الشعر المختار في الحماسة، وسجل لنا بعض اعتراضات المرزوقي على ابن جني مبينًا رأيه في ذلك، كما سجل لنا بعضًا من مناقشات أبي العلاء لأبى رياش وأبي

стр. 111

عبد الله النمرى فضًلا عن ردود أبي محمد الأعرابي على أبي عبد الله النمري، كذلك أخذ أوزان وأَربه وأنواع قوافيه من أبي العلاء، كما أخذ بعض النواحي البلاغية التي أثارها أبو على المرزوقي في شرحه. ولما كان الشراح يعتمدون في شروحهم على نسخ مختلفات لمتن الحماسة، كان من الطبيعي ألا تفي هذه المآخر جميع عناصر الشعر الوارد في متنه الذي اعتمده، إذ أن اختلاف روايات الشراح في متن الحماسة يؤدي إلى أن تكون جملة من أبيات القطعة الواحدة أو جملة من القطع متفاوته في متون هذه الشروح التي جمعها لينتخب منها شرحه، وكان عليه في هذه الحال أن يجتهد في تكمله العناصر، لما لم يجده من شعر في هذه الشروح، ولكنه لم يفعل بل وجدناه في أحيان مختلفة يأتي بالبيت أو البيتين أو الثلاثة دون ادني شرح، ففي متنه- بعد الإحساء والتتبع- ثمانية وتسعون بيتًا بلا شرح جلها مما لم يرد في رواية المرزوقي الذي كان عالة عليه، وكذلك اثنتان وستون قطعة لم تحدد أوزانها وأضربها وقوافيها أغلب ظننا أنها لم ترد في رواية أبي العلاء المعري، أو فات على أبي العلاء توضيح بحورها وأضربها وقوافيها. هذا فصلا عن اكتفائه في كثير من المواضع بشرح لفظه أو لفظتين من البيت الواحد وأحيانًا من البيتين أو الثلاثة. أضف إلى ذلك أنه كثيراً ما ينساق وراء شيخه أبي العلاء باستطراداته في شرح عبارة أو لفظه وردت في أحد الأبيات أو شرح اسم شاعر له قطعة في الحماسة، أو علم ورد في بيت فيها، كما ينساق وراء أبي رياش فيسود العديد من صفحات

стр. 112

شرحه بالحوادث والأخبار التي تتصل بالنص وما يتبع ذلك من أسماء وأشعار وأمثال. وبناء على جميع ما تقدم نرى أن هذه الصفة التي ذكرها الدكتور العمري من صفات المنهج التجميعي الانتخابي لا تنطبق على التبريزي في شرحه للحماسة، ربما تنطبق عليه في شرحه للمعلقات أو المفضليات. أما في لحماسة فيمكن القول بأن ما شرحناه لا ينفي أن التبريزي كان جامعًا لشروح سبقته، وأنه كان يحاول جهده أن يأخذ منها ما يحقق به استيفاء عناصر الشرح في تناسق بينها تارات، وفي عدم منه تارات أخرى، ولا عيب في هذا لأن الرجل انتخب ما وجده في الشروح لخدمة هذه العناصر، ولم يكن مبدعًا ليكمل ما وجده من نقص في مجموعها، كما كانت تتحكم فيه اهتماماته النحوية واللغوية، ويتحكم فيه التأثر الواضح بشيخه أبي العلاء في الاستطرادات المتشعبة، الأمر الذي جعلنا نحس في كثير من الأحيان بعدم تعادل العناصر وتآزرها في شرح النصوص، ومع ذلك فقد كانت للرجل خطوات عملية، ولمحات طيبة، وجوانب مشرقة في تحقيق هذا المنهج تدل على سعة علمه وكثرة قراءاته ودقة صوابه فيما ينتخب، إلى غير ذلك مما سنعرض له عند الحديث عن تطبيق هذه المناهج في شروح الشراح. هذا ما رأيناه في بعض الصفات التي أوردها الدكتور العمري لتحديد معايير هذا المنهج، ويمكن ان نضيف إليه ملاحظة وردت في قوله: "ان هذا المنهج لا يظهر علم الشارح ولا سمة تخصصه ولا تتحدد طبيعة فهمه أو عمق فكره"، فهذا القول لا ينطبق أيضًا على جميع عمل التبريزي في شرحه للحماسة، لأنه وان بدا في بعض الأحيان مختفي العلم والتخصص، مستترًا في فهمه وعمق فكره وراء نقولاته المتتالية من شروح غيره فإنه في أحيان أخرى يظهر علمه وتتضح سمات تخصصه

стр. 113

وتتحدد طبيعة فهمه وعمق فكره، والأمثلة على ذلك متعددة وافرة سوف نعرضها عند التطبيق. إن الشيء الوحيد الذي يختفي في شرحه هو الإبداع ولكنه قد عوض هذا الإبداع بسعة ثقافته وضخامة جمعة وغزارة تحصيله، وبالمحاولة الجادة في الانتخاب، وكل هذه أمور تفيد طلاب العلم من تلاميذه وقرائه، وتحقق الغاية التعليمية التي سلك من اجلها هذا المنهج في شرحه. ٥ - المنهج الاختصاري التسهيلي: هو منهج اتجهت إليه فئة من العلماء لعوامل مختلفة أحدها: اقتناع هذه الفئة بأن الغاية من شرح الشعر هي الوصول إلى معني الشاعر ومقصده، وما دام الأمر ذلك فليكن الوصول إليه من أسهل الطرق وأيسر السبل. وثانيها: اقتناعهم التام بأن الشروح التي صنعها العلماء لديوان الحماسة قد جاءت مسهبة في تناول عناصر الشرح بل إن بعضها قد جاء دالاً على ميول أصحابها نحو تخصص معين في العلوم التي تخدم الشرح حيث جاءت شروحهم في غلبتها موقوفة على هذا التخصص، مما أدي إلى طغيان عنصر ما على سائر العناصر الأخرى. كما رأت هذه الفئة أن جملة من الشروح قد عجت بالآراء النحوية وما فيها من خلافات، وباللغة وقضاياها واشتقاقاتها وتصاريفها وأوزانها، وامتلأت كذلك بتأويلات المعاني القريبة منها والبعيدة، وبالخلافات في الرواية وما يتبعها من قبول أو رفض وفق تعليلات منطقية أو نحوية أو لغوية أو بلاغية أو موسيقية، إلى غير ذلك من وسائل اختيار الرواية أو رفضها، كما زخرت بمناسبات الشعر وأحداثه وما يتصل بذلك من أنساب وأعلام وأشعار وأمثال وأخبار، الأمر الذي دفعها إلى الاتجاه نحو تصفية هذا الفيض الغزير وتنقيته وتقديمه في ثوب جديد موشي بالاختصار والإيجاز بدلاً من ثوبه القديم الموشي بالإسهاب والأطناب. وثالثها: إدراك هذه الفئة بأن قراء الشروح يمثلون فئات متفاوتة في القدرة على التحصيل والعلم، متباينة في الطباع والأهواء، منها فئة يصعب عليه استيعاب

стр. 114

هذه الشروح المتخمة بالمعارف والعلوم، تريد أن تلم بها ولكن بوسيلة تنهض لها قواها الذهنية وقدراتها الاستيعابية وأذواقها الفطرية وغير الفطرية، ومنها فئة أخرى يهمها من الشعر أن تفهمه، أن تتذوقه، أن تصل إلى مواطن الجمال فيه لا تريد أن تشغل بالنحو وما فيه من خلافات، ولا باللغة وما فيها من اشتقاقات وتصاريف وأوزان، ولا بأحداث الشعر وأخبار الشعراء وما يتبع ذلك من أنساب وأشعار وأمثال، حسبها من النحو الشيء اليسير الذي يعين على فهم النص، ومن اللغة ما يعين على فهم ألفاظ الشاعر وصولًا إلى معانية ومراميه، ومن المناسبات ما يحقق فهم الغرض ودواعي القول فيه والجو النفسي والاجتماعي الذي صدر فيه الشعر. ورابعها: إدراك هذه الفئة بسنن التطور في الحياة وما يتعري الأجيال من علو أو انحدار في المعرفة والتحصيل، وإدراكه أيضًا بأنه إذا كانت الشروح ذات التوسع في العناصر الممتلئة بالاستطرادات العلمية قد استطاعت أن تحوز إعجاب العلماء ذوى التخصصات العلمية، والطبقة العليا من المتعلمين التي تتطلع إلى مرتبه أصحاب التخصصات فإنها بلا شك لن تستطيع أن تحقق ذلك حيال المتعلمين المتوسطي الفهم والاستيعاب أو طالبي الأدب البحت، وبخاصة حين النظر إلى الأجيال وتعددها والقرون وتلاحقها وتغير الحياة العلمية مداً وجزراً عبر هذه الأجيال والقرون. لهذه العوامل مجتمعة قام هذا المنهج الذي اعتمد اختصار المعلومات في الشرح مسلكاً، والتسهيل في عرضها سبيلاً، ومن أجل هذا أطلقنا عليه هذا المصطلح وهو بحسب ما أوضحنا من عوامل منهج يقوم على مقومات وصفات تختلف من حيث المادة والعرض عن سائر المناهج الأخرى، إنه بإيجاز منهج يقوم على مراعاة المتلقين وقدراتهم واختلاف مشاربهم وأهوائهم، يقدم لهم عناصر الشرح سهلة ميسرة خالية من الاستطراد، بعيدة عن التشعيب والأغراب، منهج تجد فيه اللغة ولكن بقدر محدود، والنحو ولكن بصورة تحقق إدراك المعني فحسب، وتجد فيه الرواية ولكن في لمحات تفي بالغرض وتعين على نيل المطلوب، والأخبار والمناسبات ولكن في اختصار لأسانيد وإسقاط لكل ما من شأنه أن يؤدي إلى التطويل، ونجد فيه البلاغة

стр. 115

والنقد ولكن في غير مغالاة أو إسراف. منهج اعتمد أصحابه فيه أسلوبًا ليس بالعلمي البحت، كما هو الحال عند أصحاب المنهج العلمي التخصصي، ولا بالأدبي الذي يقوم على اختيار الألفاظ والتجويد في صوغ العبارة وإحكامها، على النحو الذي نجده عند أصحاب المنهج الإبداعي الفني، وإنما هو أسلوب يختار من الألفاظ أوضحها وأبينها، ويصوغ العبارات بصورة يحوطها الإيجاز، وتحكمها السهولة، ويقيدها الوضوح. ولعل خير ما يُطَبَّقُ عليه هذا المنهج من شروح الحماسة شرحان أحدهما الشرح الذي رجحنا نسبته إلى زيد بن على الفارسي المتوفى سنة ٤٦٧ هـ، والآخر الشرح المنسوب خطأ إلى أبي العلاء المعري، والذي رجحنا أن يكون صاحبه من علماء القرن السادس الهجري. هذه هي مناهج شراح الحماسة كما رأيناها في الشروح التي وقفنا عليها واستخرجناها من قراءتنا لها وبحثنا فيها، ولعل من المفيد ونحن نريد أن نطبق كل منهج منها على نموذج أو اثنين من شروح الحماسة المطبوعة والمخطوطة أن نشير إلى أن هناك شروحاً غير واضحة المعالم في مناهجها، لأنها لم تصل إلينا كاملة، وإنما وصلت إلينا في صورة نقولات متفاوتة الشروح المطبوعة والمخطوطة التي وصلت إلينا، ومن أجل هذا سوف نعرض لها بعد التطبيق محاولين الكشف عن هذه المعالم وتحديدها حتى نحقق بذلك الدراسة الشاملة للشروح التي تدخل في الفترة التي حددناها لمسار هذا البحث.

стр. 116

الفصل الثاني: المنهج الأدبي الإبداعي وتطبيقه في شرح المرزوقي قلنا إن هذا المنهج يقوم على تعابير أدبية إبداعية علمية فنية تبرز فيه شخصية صاحبه بروزاً واضحًا. لاعتماده في الغلبة المطلقة من شرحه على العقل والدراية أكثر من اعتماده على النقل والرواية، وقلنا إنه منهج توظف فيه العلوم المعينة على شرح الشعر من رواية ولغة ونحو وبلاغة ونقد توظيفًا يخدم المعني في جلاء وإيضاح، وهو منهج يعتمد على ثقافات صاحبه الموروثة ورؤياته المبتكرة حيث تصب هذه الثقافات وهذه الابتكارات في عملية فنية للشرح، تظهر مقدرة الشارح العقلية والإبداعية، وتدل على علوه الأدبي وتساميه العلمي في التعامل مع النص الشعري. ولعل خير من نطبق عليه هذا المنهج فيمن وصل إلينا شرحه للحماسة هو أبو على المرزوقي، غير أن من المفيد ونحن نريد تطبيق هذا المنهج على المرزوقي أن

стр. 117

نسلط الضوء على أمرين يتصلان بشرحه، احدهما شخصيته والآخر مصادره، ففي رأينا أن شخصية المرزوقي لم تلعب دورها في الشرح من حيث المنهج والمسار فحسب بل كان لها دورها البارز في المصادر التي اعتمدها في شرحه، وهي شخصية- كما رأيناها في شرحه- أدبيه علمية لها في دنيا الأدب باع كبير، وفي مجال العلم سطوة عظمي، ولكنها بجانب هذا كانت شخصية موصوفة بالاعتداد والتعالي. نلمس ذلك من خلال ما أورتدته المصادر عنه، ومن خلال تصانيفه التي وصلت إلينا، فقد ذكرت المصادر أن الصاحب بن عباد ذا المكانة العالية في بلاط بني بويه دخل عليه ذات يوم وهو يعلم أبنا بويه فلم يقم له مما أدي إلى جفاء الصاحب له حين تولى الوزارة، وهذا الاعتداد في تكوينه النفسي والتعالي في غرائز طبعه كان لها أثر كبير في شرحه حيث برزت لديه صفات التفرد بالآراء والاستقلال في التفكير والتعبير، وهذا بطبيعة الحال أدي إلى أن يكون قليل الإفادة من شراح الحماسة الذين سبقوه، فهو على الرغم من أنه كان يشير إلى رجوعه إلى نسخ مختلفات للحماسة في الرواية فإنه نادراً ما يذكر الذين سبقوه بالعمل في الحماسة، بل إننا باستقرائنا له في هذا الجانب وجدناه لم يذكر سوى البرقي الذي نقل منه في خمسة مواضع فقط، ثلاثة منها في توضيح شاعر من شعراء الحماسة واثنان من رواية لم يعتمدها في شرحه وفي إدراكنا إن الاعتداد والتعالى جعلاه يعتمد إهمال العلماء السابقين والمعاصرين له ممن كانت لهم صلة بعمله في الحماسة، وذلك مثل أبي الفتح بن جني- وهو من لا يجهل مكانه- كان إذا نقل عنه لم يسمه وإنما يشير إليه بعبارات من مثل" وقال بعضهم" أو" واختار بعضهم" أو" بعض المتأخرين". ولولا أن وصل إلينا كتاب" التنبيه" لا بن جني ولولا اعتراضات التبريزي له

стр. 118

في هذا الخصوص لما أدركنا أنه قرأ التنبيه، وكان أحد مصادره في شرحه، هذا بجانب أنه كان ينقل من شروح سبقته ولا يدل على أصحابها، وإنما يذكرهم بعبارات مبهمة مثلما يفعل مع ابن جني مثل"وروي بعضهم" "وقال بعض الناس" وسمعت بعض أصحاب المعاني"، ولا شك في أن هؤلاء كانوا من الذين لهم أعمال في الحماسة، وليس الأمر كما تصوره الدكتور العمري أنه كان يشير بعباراته هذه إلى اعتماده على ما أثر عن العلماء الكبار مثل الأصمعي وابن الأعرابي وأبي عبيدة وغيرهم فهؤلاء الكبار كان يسميهم باسمهم. أما أصحاب الشروح السابقة فهم الذين يحظون منه بهذه العبارات، ولا أدل على ذلك من نقولاته التي تسبقها هذه العبارات، ففي بيت الأحوص بن محمد الوارد في باب الحماسة والذي جاء فيه: إني عَلى مَا قَدْ عَلِمْتُ مُحسَّدُ ... أْنمي عَلى البَغْضَاءِ والشَّنْانِ قال المرزوقي بعد أن شرحه" وقال بعض الناس الشنآن بغض يختلط به عداوة وسوء خلق، فلهذا جمع بينه وبين البغضاء، وقال غيره: بل على بمعني واحد واللفظان إذا اختلفا على معناهما جاز الجمع بينهما تأكيداً، واحتج بقوله "وهند أتي من دونها النأي والبعد"، وقال في بيت آخر من باب الحماسة هو: ونَطُاعِنُ الأَبْطَالَ عَنْ أَبْنائِناَ وَعَلى بَصَائِرنَا واَن لمَ نُبْصر "وسمعت بعض أصحاب المعاني يقول: إنا نقاتل الأبطال على عادة الناس عند نظرهم لدنياهم ودينهم في الذب عن الحرم والعشيرة والشرف، وعلى الأديان والاعتقادات والبصائر، وان لم نبصر وجهًا واحدًا من هذه الوجوه نقاتل أيضًا لن همنا التقل والقتال. قل: فحذف مفعول وان لم نبصر لأن المراد مفهوم وكذلك

стр. 119

حذف جواب إن لأن فيما تقدم دليًلا عليه". فلا شك ان مثل هذه النقولات ليست من المأثور عن الأصمعي وابن الأعرابي وأبي عبيدة وإنما هي نقولات من رجال لهم صلة عمل بالحماسة يهملهم المرزوقي تهوينًا لشأنهم تبعًا لما تركبت عليه نفسيته من اعتداد وتعال. وبجانب هاتين الصفتين اللتين برزتا في شخصيته كانت هناك صفة الأستاذ المعلم التي بدت هي الأخرى بارزة في شرحه، فكانت وراء أسلوبه وصوغ عباراته، ففي جوانب كثيرة من شرحه نجد عبارات المعلمين تند عن أسلوبه مثل"ألا ترى" فاعرف فرق ما بين الموضعين"" وهذا كما تقول" فاعلمه إن شاء الله"، "وليس بشيء فلا تعرج عليه" أو بقوله: " وإذا كان الأمر على هذا فما ذكره القائل غير صحيح لأني قد أربتكه فاعلمه" وإذا كانت صفتا الاعتداد والتعالي في شخصين المرزوقي قد حجبتا عنا الوقوف علي شروح الحماسة التي أفاد منها فإنهما من جهة أخرى قد كان لهما دور في عمله الذي يتصل باللغة والنحو إذ جاء عمله فيمها دالا على شخصيته مع اعتماده على النقل، ولكنه نقل يختلف عن نقل أصحاب المنهج الالتزامي النقلي، انه نقل المستوعب لما قال العلماء الأوائل، الذي له رأي فيما ينقل ويختار، وهذا يجعلنا ندخل في مصادر شرحه التي جاءت في غلبتها في مجال اللغة والنحو فهو- بالإحصاء- نقل عن الخليل بن احمد في ثلاثين ومائه موضع، وعن الأصمعي في واحد وخمسين موضعًا، وعن سيبويه في ستة وأربعين موضعًا، وعن ابن دريد في أربعة وثلاثين موضعًا، وعن أبي عبيدة في واحد وعشرين موضعًا، وعن أبي العباس المبرد في

стр. 120

أربعة عشر موضعا، وعن ابن عثمان المازني في خمسة مواقع وعن ابن السكيت في أربعة مواضع، ونقل عن أبي عمرو الشيباني في ثلاثة مواضع، ومثلها عن أبي العباس ثعلب، ونقل عن أبي عمرو ابن العلاء في موضعين، ومثلهما عن أبي الحسن الأخفش وأبي سعيد الضرير ورأيناه ينقل عن كتاب العققة للمدائني في موضع واحد، ومثله كتاب الترجمان لأبي عبد الله المفجع، وكذلك رأيناه ينقل عن شيخه أبي على الفارس في ثمانية مواضع، وعن أبي عبد الله حمزة بن الحسن في موضع واحد، عن ابن العميد في موضع واحد. والحق أن شخصية المرزوقي وما تركبت عليه من طباع غالبة لم تكن ذات أثر في مصادره فحسب بل كانت ذات أثر في جل عناصر الشرح التي عالجها في شرحه وهي كما رأيناها في شرحه على النحو التالي: ١ - مناسبات الشعر والأخبار التاريخية: لم يبد المرزوقي اهتمامًا ملحوظًا بهذا العنصر، وربما كان ذلك راجعًا إلى أنه لم

стр. 121

يقف على شرح أبي رياش كما ذكر عبد السلام هارون فشرح أبي رياش قد عني عناية تامة بهذا الجانب من عناصر الشرح، وقد أفادت منه سائر الشروح التي وقف أصحابها علية مثل شروح أبي العلاء المعري وزيد بن على والخطيب التبريزي. على أن شرح المرزوقي لم يخل من ذكر لبعض المناسبات التي كان يقدم بها شرحه لقطع الحماسة، ولكن الملاحظة فيه أنه كان يعرض المناسبة بإيجاز دقيق، ودون تفصيل ولعله في هذا كان مقيدًا بما وجده في شرح البرقي، ففي الحماسية الرابعة عشرة المنسوبة للشميذر الحارثي نراه ينقل عن البرقي فتقول" قال البرقي: الشعر لسويد بن صميع المرثدي من بني الحارث، وكان قتل أخوه غيلة فقتل قاتل أخيه نهاراً، في الأسواق من الحضر". وفي خماسية قيس بن زهير العبسي التي مطلعها: شَفَيْتُ النَّفْسَ مِنْ حَمَلِ بنِ بَدْرِ وَسَيْفِي مِنْ حُذَيْفَةَ قَدْ شَفَانِي نراه يصدّرها بقوله: " كان حمل بن قتل مالك بن زهير أخا قيس فظفر به وبأخيه حذيفة فقتلهما. وفي الحماسية التي نسبها أبو تمام لبعض اللصوص من طيء والتي مطلعها: وَلَمَا أَنْ رَأيْتُ ابَنيْ شٌمَيْط بسِكَّةِ طَيَّئٍ والبَابُ دُوني نراه يفتتح شرحه لها بقوله: "الشعر لبعض المتلصصة، وكان أنهي حالة إلى أمير المؤمنين على- ﵇ وهو بالكوفة فوجه في طلبه ابني شميط، فأحس بذلك، فركب فرسه العصا، فنجا بها، وذكر قصته في هذه الأبيات. والذي يلاحظ في هذه الأخبار وغيرها أنها ذات صلة وثيقة بالنص الشعري المشروح، وتعين على فهمه، ومن ثم يمكن القول بأن المرزوقي كان يهتم بذكر

стр. 122

المناسبة إذا كانت تعين على فهم النص، وانه كان يذكر ذلك في إيجاز حال من التفاصيل والاستطرادات المتشعبة التي نراها في شرح التبريزي، منقولة عن أبي رياش. ٢ - تفسير أسماء شعراء الحماسة والأعلام: وإذا كنا رأينا المرزوقي يذكر بعضًا من أخبار الشعر والمناسبات الداعية إلى قوله من قبل الشعراء فان شرحه قد افتقر إلى تفسير أسماء الشعراء والأعلام الواردين في اختيار الحماسة، وقد فسر عبد السلام هارون هذا الافتقار بأن المرزوقي لم يقف على كتاب" المبهج" لابن جني في حين أن الدكتور العمري قد عاب عليه تجاهله ابن جني احتقارًا واستضعافًا وقال: " انه لو ترك مثل هذه النقائص وتعمق في النظر في مصنفات ابن جني وآرائه لاستفاد منها استفادة كبيرة خاصة في تحديد الأعلام واشتقاق أسمائهم. ومعني هذا أنه يرى أن المرزوقي قد وقف على كتب ابن جني ولكن في غير تعمق استهانة بصاحبها وربما كان هذا صحيحًا، ولكن الأخذ بأنه لم يقرأ"المبهج" أفضل، بدليل أنه قرأ"التنبيه" الكتاب الثاني لابن جني ونقل منه في شرحه منتقداً وغير منتقد، وهذا يدحض النظرية التي أيدها الدكتور العمري والتي تقول: بأن كتابي المبهج والتنبيه كان في الأصل كتابًا واحدًا. إذ لو كانا كذلك لوقف المرزوقي عليهما معًا. على أن الأمر فيما يبدو لنا مبني على شيء مختلف عن هذا، فتفسير أسماء الشعراء والأعلام يقوم في الغالب على فن الاشتقاق، وهو فن لا نحس بأن المرزوقي كان من أصحابه، وإنما فارساه في عمل الحماسة رجلان أحدهما ابن جني الذي وصفه بروكلمان بأنه"إمام المذهب الاستقاقي" والآخر أبو العلاء

стр. 123

المعري الذي دلت نقولات التبريزي عنه أن له باعًا متسعًا فيه. ٣ - تحديد بحور الشعر وأضربه وقوافيه: لم يعالج المرزوقي هذا العنصر في شرحه، ولا يعني هذا أنه لم يكن ذا المام بعلمي العروض والقوافي، ففي شرحه ما يدل على أنه كان ملمًا بهذين العلمين وما يقومان به من قواعد، وقد استخدم احدي قواعد القافية في رد رواية جاءت في بيت عبد الشارق بن عبد العزي الذي يقول فيه: فَجَاءُوا عَاِرضًا بَردَاً وَجِئْنَا كَمِثْلِ السَّيْفِ نَرْكَبُ واَزِعَيْنَا فقد قال فيه: " ولا يجوز أن يروي وازعينا بكسر العين لما يحصل من العيب بالسناد مع ارتفاع الضرورة". ويبدو لنا أن تحديد بحور الشعر وأضربه وقوافيه عنصرًا من عناصر الشرح قد بدأ يظهر في الشرح التي تلت المرزوقي بدليل أننا لا نجد له أثرًا في الشروح السابقة لشرحه أو المعاصرة مثل شروح أبي رياش ٣٣٩ هـ، وأبي عبد الله النمر ٣٨٥ هـ، وأبي هلال العسكري ٣٩٥ هـ، وإنما وجدناه في شروح جاءت بعد ذلك مثل شروح أبي العلاء ٤٤٩ هـ، وزيد بن على ٤٦٧ هـ، والتبريزي ٥٠٢ هـ، ومن ثم يمكن أن نلاحظ انه إلى زمن المرزوقي لم يكن الشراح يعتبرون تحديد وزن الشعر وضربه وقافيته من عناصر الشرح، ولا أدل على ذلك من المرزوقي نفسه، فقد كان يرى أن لا مجال للحديث في وزن الشعر أثناء عملية الشرح. قال في قطعة سلم بن ربيعة التي مطلعها: إِنَّ شِوَاءَّ وَنَشْوَةً وَخَبَبَ البَازِلِ الأَمُونِ "هذه المقطوعة خارجه عن البحور التي وضعها الخليل بن أحمد، وأقرب ما يقال

стр. 124

فيها: أنها تجئ على السادس من البسيط، وليس هذا موضعًا لبسط الكلام فيه". ٤ - الرواية: وإذا كانت هذه العناصر الثلاثة السابقة لم تجد عناية من قبل المرزوقي في شرحه فان عنصر الرواية قد حظي لديه باهتمام واضح، فهو من العناصر التي تشكل دعامة أساسية في منهجه الأدبي الإبداعي الفني. فقد رأيناه في مواضع مختلفة يبدأ به شرحه، والبدء بشيء دليل على الاهتمام به. أما معالجته له فتتمثل في جانبين: جانب يتصل بالمفاضلة بين الروايات الواردة في البيت الواحد، وجانب يتصل بنقد هذه الروايات وردها، ولكل من الجانبين معايير يعتمدها في عمله، ففي جانب المفاضلة نراه يعتمد معايير الفصاحة والبلاغة والسلامة والشهرة والجودة، ولكنه وهو يفضل الرواية وفقًا لهذه المعايير كان أحيانًا يعلل حكمه الذي يصدره فيها، وأحيانًا أخرى يصدر الحكم دون تعليل، فمن أحكامه التي أصدرها دون تعليل قوله في البيت المتلمس وقد أثبت روايته على النحو التالي: فَلاَ تَقْبَلن ضَيمْاً مخَافَةَ مِتَةٍ وَمُوتَنْ بَها حُرَّا وجِلْدُكَ أَمْلَسُ "ويروى وَأجْينَ بِهَا حٌرَّاً وَجِلَدُكَ أَمْلَسُ، والرواية الأولي أحسن"، ولم يعلل وجه الحسن فيها، ولعله قصد بذلك أن الضمير في" بها" عائد إلى مخافة المنية والأمر بالموت مع مخافته يتناسب وما دعا إليه من عدم قبول الضيم أكثر من تناسب الأمر بالحياة. ومثل ذلك ما أورده في بيت أبي الغول الطهوي القائل: وَلاَ يَرْعَوْنَ أَكْنَافَ الهُوَيْنَي إِذَا حَلَّوا وَلا أَرْضَ الهَدُونِ وهي الرواية التي اعتمدها في متنه ثم قال" يروي"ولا روض الهدون" وهو أفصح". ولم يعلل عامل الفصاحة في استخدام"روض" موضع"أرض"،

стр. 125

وربما قصد بالفصاحة هنا ان الشاعر قال: "ولا يرعون"، فالرعي يتسق في الحقيقة مع الروض، ولايتسق الرعي مع الأرض إِلاَّ على سبيل المجاز، والبيت كله تصوير بالكناية، فأكناف الهويني وروض الهدون كناية عن ان هؤلاء القوم لا يرعون جوانب الخصال السهلة والأمور الهينة، ولا ينزلون منازل الأمن والراحة. وإذا كان البيت مبينًا على التصوير بالكناية لزم أن تكون جملة من حيث الفصاحة مبنية على التعبير بالحقيقة لا المجاز حتى لا تتداخل الصور وتتراكب. على أن المرزوقي في مواضع أخرى كان يعلل وجه تفضيله للراوية وفق المعيار الذي يراه. ومن أمثله ذلك ما أورده في بيت الربيع بن زياد، وقد رواه على النحو التالي: مَنْ مِثْلِهِ تُمْسِي النَّساءُ حَوَاسرًا وَتَقُومُ مُعْوِلَةَّ مَعَ الأَسْحَارِ ثم أشار إلى رواية أخرى فقال: " وروي بعضهم" تمشي النساء" أي يمشين متبرزات لا يدفعن عن ذلك حشمة ولا يحجزهن رقبة، والأول أجود حتى يكون المساء في مقابلة الصباح، ويكون الشاعر قد ذكر طرفي النهار من أوقاتهن" وهو بهذا يرى أن عامل الجودة في رواية" تمسي" يرجع إلى مقابلة الشطرتين في المعني، مع ان رواية"تمشي" مع الواقع الذي تعيشه النساء في مأتم الرجل العزيز، فهن يمشين في الحي حارسات يذهلهن الفقد عن الاحتشام وتغطية رؤوسهن، وهو أمر مألوف مشاهد، نراه في زمننا هذا، وفي أقطار مختلفة من عالمنا العربي. وقد يرجع المرزوقي عامل الجودة إلى سلامة اللغة في التعبير وفق الضوابط المعمول بها عند علماء اللغة، فبيت الصمة بن عبد الله القشيري أثبت روايته على النحو التالي: أقول لِصَاحِبي والعِيسُ تَهْوي بِنَا بَيْنَ الُمنِيفَةِ فالضَّمارِ ثم قال: "وقوله" ين المنيفة فالضمار" أجود الروايتين: "بين المنيفة والضمار" ثم

стр. 126

علل فقال: " لأن بين لا يدخل لشيئين يتباين أحدهما عن الآخر فصاعدا، وإذا كان كذلك لا يكتفي بقوله المنيفة فيرتب عليه الضمار بالفاء العاطفة اللهم إلا أن تجعل بين الأجزاء "المنيفة" فتصير المنيفة كاسم الجمع نحو القوم والعشيرة وما أشبههما، وعلى هذا حمل قول امرئ القيس: بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ ولم يكتف المرزوقي بهذا التعليل في عامل الجودة بل دعمه بعمل عالم لغوي معتد به هو الأصمعي حيث قال مشيرًا إلى قول امرئ القيس" وكان الأصمعي يرده ويرويه بالواو". والمرزوقي بجانب هذه المفاضلة التي كان يقيمها في الرواية ويبنيها على المعايير التي ذكرناها، كان إذا تساوت لديه الروايات لا يكتفي بإيرادها فحسب كما يفعل أصحاب المنهج الاختصاري التسهيلي بل يشرحها ويجلو ما فيها من غموض في اللغة، والأمثلة على ذلك كثيرة شملت سائراً أجزاء شرحه، فبيت أبي كبير الهذلي الوارد في الحماسية الثانية عشرة جاءت روايته عنده هكذا: وَاِذَا رَمَيْتَ بِهِ الفِجَاجَ رَأَيْتَهُ ... يَهْوِي غَوَاربَهَا هُوِيَّ الأَجْدَلِ ثم قال بعد أن شرح البيت: " ويروي: مخارمها، والمخارم جمع المخرم وهو منقطع أنف الجبل، والخرم أنف الجبل وجمع خروم". وفي بيت حجر بن خالد الوارد في الحماسية نجده يرويه هكذا: وَلَكِنَّا نَاَيَنْاَ واكْتَفَيْتُمْ ولاَ يَنْأي الحَفِيَ عَنِ السُؤالِ ثم بدأ شرحه بقوله: "ويروى واكتفينا" ثم مضي فشرح البيت على الرواية التي أثبتها قال: " يقول بعدنا عنكم فاستقللتم بأنفسكم، واستغنيتم عمن يعاضدكم في كل ما يدهمكم، فلم تدعكم حاجة إلى مجاورتنا ولا ألجأتكم الضرورة إلى التكثر

стр. 127

بنا" ثم رجع إلى الرواية التي أشار إليها فشرحها بقوله: "ومن روي: واكتفينا، كان المعني: اكتفينا في البعد عنكم فلم نحتج إليكم" ثم بين قصد الشاعر في الروايتين معًا فقال: " والقصد في الروايتين أنه لم يكن بإحدى الجنبتين افتقار إلى الأخرى، فصار ذلك سببًا في التنائي، وعذراً بينًا في التأخر عن المعاونة والمكانفة". إن عمل المرزوقي حين تتساوى الروايات لديه يعد عملاً طيباً تهظر فيه شخصيته بوضوح، ويدل على دقة وفهم تام لمعاني الشعر، ومعرفة واسعة باللغة وأسرارها، فبيت سعد بن ناشب في الحماسية العاشرة رواه هكذا: أَخِي عَزَمَاتٍ لا َيُريدُ عَلي الذي يَهُمَّ به مِنْ مَقْطَعِ الأَمْرِ صَاحِبَا ثم قال: "ويروي أخي غمرات" وفسرها بالشدائد، ثم مضي قائلا: "ويروى من مفظع الأمر" وهو من فظع الأمر وأفظع فظاعة وهو فظيع ومفظع، أو من أفظعني الأمر ففظعت به أي أعياني فضقت به ذرعًا". وفي إدراكنا أن ظهور شخصية المرزوقي في شرح الروايات المتساوية لديه يصبح أكثر اطراداً وبروزًا في الجانب الثاني من عمله في الرواية، ونعني به جانب نقد الرواية وردها، ففي هذا الجانب تتجلى لدينا أمور عدة، منها حسه اللغوي ومعرفته بأساليب العرب وتثبته وتمحيصه ونظرته العقلية المنطقية، إلى غير ذلك من اللمحات التي أحسنا بها ونحن ندرس عمله في نقد الروايات وردها، وهو في هذا النقد يعتمد على جملة من المقومات. منها النظر إلى لفظ الرواية ومدى مطابقته للاستعمال الفصيح، ومنها صلة الرواية بالمعني الذي يقرره، والذي يتضح به مقصد الشاعر ومرماه، ومنها توافق الرواية مع روايات آخرين كان يجدها في نسخ مختلفات للحماسة، ومنها توافق الرواية مع المألوف من كلام العرب وما درج عليه الشعراء في نظمهم. ولقد رأيناه وهو يعتمد على هذه المقومات في نقد الرواية لا يكتفي بها فحسب بل يحاول دعمها بالتحليل وبالشواهد التي يأخذها من القرآن الكريم أو أشعار العرب الفصحاء.

стр. 128

فمن أمثلة النظر إلى لفظ الرواية ومطابقته للاستعمال الفصيح نقده رواية بيت أبي كبير الهذلي التي أثبتها في متنه وهي: ممَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وَهُنَّ عَوَاقِدُ حُبٌكَ النَّطَاقِ فَشَبَّ غَيْرَ مُهَبَّلِ ولكنه قال بعد أن شرح البيت: "والرواية حبك الثياب، لأن النطاق قد جاء من بعد في صفة أم المغشم- يشير بذلك إلى قول أبي كبير في بيت تال" كرهًا وعقد نطاقها لم يحلل"- ولأن النطاق لا يكون له حبك وطرائق" فكأنه يريد بذلك أن العرب لم تعرف في استعمالها اللغوي وصف النطاق بأنه حبيك، وإنما الثياب هي التي لها حبك عندهم، ويدعم ذلك بقول الباهلي: إن الحبكة والحباك الإزار، وقد احتبكت المرأة"، يريد لبست ازارها. ومثل ذلك اعتراضه على ابن جني في قوله الوارد في بيت ربيعة بن مقروم: أَرْخَتْهُ عَنَّي فَأَبْصَر قَصْدَهُ وَكَوَيْتُهُ فَوْقَ النَّوَاظِر مِنْ عَل فقد قال ابن جني" وأكثر من ترى يروي هذا البيت أرجيته بالراء فإذا تعالى شيئًا رواه أوجأته، وكلاهما تصحيف وإنما هو" أوجيته" بالواو أي أذللته وقهرته، وهو أفعلته من الوجي وهو روزح الفرس لألم قوائمه"، فاعترض عليه المرزوقي بقوله: "إنه لا يقال أوجيت الدابة عني ويراد الأحفاء، ولم يسمع في التذليل ذكر الحفي والوجي مستعارًا كما سمع الكي والوسم فيه، والرواية، الصحيحة أرجأته وأرجيته، وهما لغتان والهمز أفصح". ومن أمثلته نظرته إلى صلة الرواية بالمعني وما يفيد مقصد الشاعر ومرماه، وقفته التي وقفها في بيت عامر بن الطفيل وروايته هي: أَكُرُّ عَلَيْهِمْ دَعْلجًا وَلَبَانُهُ إِذَا مَاَ اشْتَكيَ وَقْعَ الرَّماحِ تَحَمْحَما

стр. 129

فقد شرحه بقوله: "أعطف فرسي دعلجا عليهم حالا بعد حال، وكرا بعد فر، وإذا اشتكى من كثرة وقوع الطعن بدصره حمحم" ثم مضي فقال: هذا إذا رويت"لبانه" بالرفع لأن بعض الناس روي"ولبانه" بالنصب كأنه فر من أن يكون الاشتكاء والتحمحم للبان على كثرة نسبة الاشتكاء إلى الأعضاء الآلمة، فوقع فيما هو أقبح لأن المراد أكر عليهم فرسي، فلا معني لعطف اللبان عليه، ثم دعم ما قرره من معني بقول عنترة في المعني ذاته مشيرًا إلى إحسانه فيه وهو: فأَزْوَرَّ مِنْ وَقْعِ القَنَا بِلَبَانِه وَشَكَا إليَّ بِعَبرَةٍ وَتَحَمْحُمِ ومن أمثلة اعتماده على اتفاق مالديه من نسخ للحماسة على رواية واحدة عمله في مناقشته رواية بيت للحريث بن عناب وهو " نَعَالَوْا أُفاخِرْكُمْ أَأَعْيَا وَفَقْعَسٌ إِلى المَجْدِ أَدْنَى أَمْ عَشِيرَةُ حَاتِمِ فقد روي بعضهم "أاعيار فقعس" يريد رؤساء فقعس، وزعم ان أعيا لا يعرفه اسم قبيله، وان رواية" أأعيا وفقعس" تصحيف استدركه فوقف المرزوقي معترضًا على هذا القول من أوجه ثلاثة": أحدها أن بني أعيا من قبائل سعد بن قيس، وهو مشهور ذكره النسابون وغيرهم، وثانيهما: أن طريقة النظم تقتضي ان تكون القبلية مقابلة بمثلها ومذكورة في المنافرة معها أحسن من أن يقابل الأفراد بالقبيلة، وأعيار إشارة إلى الأفراد لأنه يراد بها الرؤساء، وثالثها: أنه رجع إلى نسخ مختلفات المصادر فوجدها متواقفة في تحملها"أأعيا وفقعس"، "وإذا كان كذلك لا يجوز العدول عما قاله الشاعر إلى ما لم يقله" ومن أمثلة اعتماده على المألوف في كلام العرب وما درج عليه الشعراء في نظمهم

стр. 130

ما جاء عنه في بيت دريد بن الصمة القائل: فَطَاعَنْتُ عَنْهُ اَلخَيْلَ حَتَّى تَبَدَّدتْ وَحَتَّى عَلاَنِي حَاِلكُ اللَّوْنِ أَسْوَدُ هكذا أثبته في متنه بالإقواء- إذ أن حرف الروي مكسور في سائر أبيات القصيدة ومطلعها"أرث جديد الحبل من أم معبد" غير أننا نراه يقف عند الرواية التي أثبتها فيقول: وقوله حتى علان حالك اللون أسود فيه أقواء، وكثير من العلماء يهونون الأمر في الأقواء، ولا يعدونه عيبًا قبيحًا. وحكي عن الأخفش انه قال: ما أنشدني العرب قصيدة سلمت من الأقواء طالت أو قصرت، ثم انتقل مشيراً إلى رواية أخرى هي" وحتى علاني حالك لون أسود" فقال راداً هذه الرواية: "والضعف فيه ظاهر، ألا ترى أنه قال: حالك وهو الشديد السواد ثم قال: لون أسود، وفي إضافة لون إلى أسود ما لا يرتضي" فكأنه بذلك يقرر أنه ليس من المألوف في كلام العرب إضافة اللون إلى صنفه، فلا يقال لو أبيض ولا لون أصفر، وينتقل المرزوقي إلى رواية ثالثة يراها أجود من هذه التي اعترض عليها قال: "وأجود من هذا أن يروى: حالك اللون أسودي، وهو يريد أسودي، كما قيل في الأحمر أحمري، وفي الدوار دواري ثم خففت ياء النسبة بحذف أحدهما وهو الأول وجعل الثاني صلة". وهو أن كان قد استجاد هذه الرواية فإنما استجادته قائمة على المفاضلة بينها وبين الرواية الثانية التي اعترض عليها وأبطلها بما درج عليه العرب في كلامهم. أما الرواية التي أثبتها فهي عنده هي التي صدرت عن الشاعر لشيوع الأقواء بين الشعراء وفقًا لما قاله الأخفش. وهكذا نخلص من خلال ما عرضناه، إلى أن عمل المرزوقي في الروايات سواء في جانب المفاضلة بينها أو جانب نقدها وردها قد دل على ذاتيته من جهة، وعلى إبداعه وفنيته من جهة أخرى، وعلى استيعاب اللغة وفهمها وإدراكه كلام العرب وأساليب الشعراء من جهة ثالثة، غير أن هذا لا يمنع من القول بأننا قد لاحظنا في رده الروايات التي اعتمدها ابن جني بعض التحامل، وهذا يرجعنا إلى ما قررناه سابقًا من اتصافه بصفتي الاعتداد والتعالي اللتين جعلتاه يتسهين بمعاصريه

стр. 131

ولا يعبأ بآرائهم في المجال الذي يدور فيه عمله، فابن جني- مثلاً- قال في رواية "أوجيته" السالفة الذكر: "كذلك رويناه وكذلك وجدته في شعر القبيلة". فقوله "كذلك رويناه" يعني نفسه وشيوخه الذين اخذ عنهم العلم، وقوله: " وكذلك وجدته في شعر القبيلة" يدل على رجوعه إلى الأصول التي بني عليها أبو تمام اختياره في الحماسة وكلا الأمرين يوجب النظر والاعتبار، فكان حق المرزوقي ان ينظر إلى هذا، لا أن تشتط به نوازع النفس في الاستهانة بغيره فيصرف النظر عما قرره أبو الفتح إلى التعقيب بقوله" ولقد قضيت العجب من هذا المستدرك ومن ضلاله عن طريق الرشاد فيما قصده من معني". ولقد رأينا منه مثل هذا في معالجته لرواية بيت تأبط شرا وهو: فَاُبْتُ إلى فَهْمٍ وَلَمْ أكُ آيبًا وَكَمْ مِثْلِهَا فَاَرقْتُها وَهى تَصْفِرُ فقد قال ابن جني فيه: " هكذا يرويه أكثر من ترى"ولم أك" ومنهم من يقول: " وما كنت آيبًا" وصواب الرواية فيه " وما كدت آيبًا" أي وما كدت أؤوب، فاستعمل الاسم الذي هو الأصل المرفوض الاستعمال موضع الفعل الذي هو فرع، وذلك أن قولك كدت أقول أصله كدت قائمًا، ولذلك ارتفع المضارع لوقوعه موقع الاسم فأخرجه تأبط شرًا على أصله المرفوض كما يضطر الشاعر إلى مراجعة الأصول عن مستعمل الفروع نحو صرف ما لا ينصرف وإظهار التضعيف وتصحيح المعتل وما جرى مجرى ذلك، ونحو ذلك ما جاء عنهم من استعمال مفعول عسى على أصله، وذلك ما أنشدناه من قول الراجز: أَكْثَرْتَ في ِ العَدْلِ مٌلِحّاً دائما لاَ تُكْثِرنْ إنَّي عَسِيتُ صَائِما فهذه هي الرواية الصحيحة في هذا البيت- أعني قوله: "وما كدت آبيا" - وكذلك وجدتها في شعر هذا الرجل بالخط القديم وهو عندي عتيد إلى الآن، وبعد فالمعني عليه البتة لا منصرف به عنه، ألا ترى أن معناه" وأبت وما كدت أؤوب" كقوله: " سلمت وما كدت أسلم" وكذلك كل ما يلي هذا الحرف، من قبله ومن

стр. 132

بعده يدل على ما قلناه ولا معني هنا لقولك" وما كنت" ولا للم أك، وهذا واضح". هذا كلام ابن جني فيما اختاره من رواية، فيه منطقية واضحة، واستدلال بخروج الشعراء في الاضطرار إلى استعمال الأصول مستعمل الفروع، واستعراض لأشباه والنظائر في هذا، ورجوع إلى أصل ديوان الشاعر، وغير ذلك من الأدلة التي يمكن أن تستنبط من هذا الكلام، ومع ذلك فان المرزوقي وقد تسلطت عليه نوازع الاستعلاء نراه يعترض عليه فيقول: " ولا ادري لم اختار هذه الرواية ألأن فيها ما هو مرفوض في الاستعمال شاذ، أم لأنه غلب في نفسه أن الشاعر كذا قاله في الأصل وكلاهما لا يوجب الاختيار"، وابن جني لم يغلب في نفسه أن الشاعر كذا قاله في الأصل، وإنما أكد أنه رآه هكذا في شعره بالخط القديم، يعني عن الرواة الأوائل، كما أنه لم يختر هذه الرواية لمجرد أنها مرفوضة الاستعمال شاذة، وهذا ما دفع الخطيب التبريزي- وقد أشار إلى رواية" وما كدت آيبا" ونقل عن أبي محمد الأعرابي وشيخه أبي الندي أنها الرواية الصحيحة- إلى أن يعقب على كلام المرزوقي هذا بقوله: " وتكلم المرزوقي على اختيار أبي الفتح هذه الرواية رادًا عليه ولم ينصفه". ٥ - اللغة والنحو: اللغو والنحو علمان يستعين بهما الشارح في تفسير الألفاظ والتراكيب التي يشتمل عليها النص الشعري المشروح، ولهذا فإنهما يشكلان دورًا خطيرًا في شرح المرزوقي من حيث أنهما- وبخاصة اللغة - يمثلان المرتكز الأول الذي يعتمد عليه في فهم الشعر وتوضيح معانيه، ولقد سبق أن أشرنا إلى أن جل مصادر الرجل في شرحه كانت في مجالي اللغة والنحو لأن موادهما موروثة عن السلف متداولة عبر أجيال العلماء، ومن ثم تبرز ظاهرة النقل فيمها أكثر من غيرهما من العناصر الأخرى،

стр. 133

وهذا أمر سبقت الإشارة إليه عندما أوضحنا أن المنهج الالتزامي النقلي الذي بدأ به العلماء شرح الشعر قد يطل بين شروحهم الاستقلالية القائمة على العقل والدراية وهما محك الإبداع والفنية في شروحهم. أ- اللغة: ولقد عالج المرزوقي اللغة وأفاد منها في شرح الألفاظ والتراكيب، وكان تأثره بمن سبقوه في هذا الجانب واضحًا، فهو قد وظف ثقافته الموروثة من العلماء في أجيال مختلفة توظيفًا جيدًا، حيث كان يستعين بهم في توضيح كل غامض ضمه النص المشروح أو أثاره الشرح. ان للخليل والأصمعي وابن الأعرابي وابن دريد وغيرهم وجوداً متفاوتًا في عمل اللغة لدى المرزوقي، فما خلفوه دائمًا معه يستعين به متى شاء. ولقد سبق أن أوضحنا مواضع نقولاته منهم، ولكننا نريد هنا أن نوضح طريقة عمل في اللغة من خلال إفادته منهم، وهي طريقة تدل على أنه كان واسع الاطلاع في علم اللغة بمختلف مواده، قادرًا على استدعاء معلوماته المستقاة من العلماء بصورة تغذي المادة التي يتكلم فيها بالوضوح والإبانة، فهو مثًلا ينقل لنا آراء ثلاثة علماء في لفظة" المنيح" التي وردت في بيت عروة بن الورد القائل: مُطِلًا عَلى أَعْدَائِهِ يَزْجُرُونَه بساحَتِهِمْ زجْرَ الَمنِيحِ المٌشَهَّرِ قال: "المنيح قال الخليل هو الثامن من القداح، وقال أبو عمرو: المنيح والسنيح والوغد قداح لا أنصباء لها، وان تكثر بها القداح، فهي تجال أبدًا. وقال الأصمعي: المنيح الذي لا يعتد به" وينقل لنا آراء منهم في معني" دهر" الواردة في بيت قتادة بن مسلمة الحنفي الذي جاء فيه: ماَ كُنْتُ أوَّلَ مَنْ أَصَابَ بِنَكْبةٍ دَهْرُ وَحَّي بَاسِلُونَ صَمِيمُ قال: " فأما تنكيره للدهر فقد حكي عن أبي زيد وأبي عبيدة ويونس أن الدهر والزمان والزمن ولاحين يقع على محدود وغير محدود، وعلى عمر الدنيا من أوله إلى آخره، وقال الخليل: الأبد الدهر المحدود، ويجعل اسمًا للنازلة ويقال دهر من

стр. 134

الدهر لبعضه كما يقال حين من الدهر، وقد اشتق منه فقيل أنها لداهرة الطول أي طويلة العنق". وفي بيت حسيل بن سجيح القائل: بِمُطَّرِدِ لَدْنٍ صِحَاحٍ كٌعُوبُهُ وَذِي رَوْنَقٍ عَضْبٍ يَقُدُّ القَوَانِسَا ينقل لنا تفسير أبي عبيدة والأصمعي لقونس الفرس قال بعد أن شرح لفظة القوانس الواردة في البيت بأنها أعلى البيض": وقونس الفرس منه، وهو العظم الذي تحته العصفوران، هكذا قال أبو عبيدة، قال الأصمعي: هو والعصفوران سواء". والحق أن المرزوقي في هذا الجانب يبدو نقليًا بحتًا، ذلك لأن الأمر في معالجة اللغة يبدو كما صوره الدكتور العمري بقوله: " إن الشروح اللغوية مواد تقريرية متفق عليها ليس فيها إعمال للعقل أو اختراع، وإنما هى شروح موضوعة موروثة، منقولة عن السلف" على أننا يمكن ان نلاحظ ونحن نقرأ شرح المرزوقي في هذا الجانب أنه كان يتناول اللغة في نواحيها المختلفة: الاشتقاق، والصرف، والمعرب، والاضداد، واستعمال اللفظ حقيقة ومجازًا، واستعمال المرفوض من كلام العرب، ولغات القبائل، وهي نواح تكاد تغطي نشاطات علم اللغة، غير أن المرزوقي وهو يعالجها في شرحه كان يهدف إلى إيضاح المعني أكثر من أن يهدف إلى الاستقصاء والاطالة، وهو في هذا يختلف عن أصحاب المنهج العلمي التخصصي الذين يستقصون ويطيلون في تناولهم المادة اللغوية. والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة، ففي الاشتقاق مثلا نراه يقف عند لفظه"زرافات" الواردة في القطعة الأولى من باب الحماسة وذلك في البيت القائل: قَوْمُ إِذَا الشٌّر أَبْدَي نَاجِذيِه لَهُمْ طَارُوا إِلَيهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا قال: : والزرافات الجماعات، واشتقاقه من الزرف وهو الزيادة على

стр. 135

الشيء، ويقال زرفت القوم قدامي أي قدمتهم فرقًا". وفي الصرف نراه مثًلا يتكئ قليًلا على لفظه "تيحان" التي جاءت في بيت سوار بن المضرب السعدي القائل: بذَنَّبي الذَّمَّ عَنْ حَسَبِي بِمَاليِ وَزَبَّونَاتِ أَشْوَسَ تَيحَّانِ قال: " التيحان العريض المقدام، ثم مضي يتكلم عن تصريفها فقال: "وهو فيعلان بفتح العين، ولا يجوز كسرها لأن فيعلان ... لم يجئ في الصحيح فيبني المعتل عليه قياسًا" ثم استرسل ففصل الحديث قال: " وفيعل كسيد من الأبنية المختصة بالمعتل، ومثل تيحان هيبان، وهما صفتان حكاهما سيبويه بالفتح، ومثالها من الصحيح قيقان وسيسبان" ثم ختم حديثه بالرجوع إلى تيحان واشتقاقها واستخدام فعلها في التعبير فقال: وتيحان من تاح له يتوح ويتيح لغتان اذا أشرف وتهيأ ورجل متيح، ويقال قلب متيح أيضًا، وأتيح له كذا". وفي المعرب نجد له مثل وقفته عند لفظه" المنجنيق" الواردة في بيت جاء في باب مذمة النساء وهو: أَوْ تَأمَلْتَ رَأُسَهُ قُلْتَ هَذَا حَجَرُ مِنْ حِجَاَرةٍ المِنْجَنِيقِ قال: "والمنجنيق معربة، وقد اختلف في الفعل منه فقال بعضهم: الميم زائدة واحتج بما حكاه التوزي عن أبي عبيدة قال: سألت أعرابيًا عن حروب كانت بينهم فقال: كانت بيننا حروب عون تفقأ فيها العيون مرة تجنق، ومرة نرشق. قال: فقوله: نجنق دال على أن الميم زائدة، ولو كانت أصلية لقال:

стр. 136

"نمجنق"، والى هذا ذهب الدريدي". ووقف عند لفظه" زنمرده" الواردة في قول أبي الغطمش" منيت بزنمردة كالعصا" فقال: "يروى زنمردة - بفتح الزاي وكسر الميم- ويكون مما عرّب ولا نظير له في أبنية العرب". ومن أمثلة وقفاته في الاضداد وقفته في لفظته" مأتم" التي وردت في بيت أحد شعراء تيم في الرثاء وهو: فَالنَّاسُ مَأْتَمَهُمْ عَلَيْهِ وَاحِدُ ... في كلِ دَارٍ رَنَّةُ وَزَفِيرُ قال: " أصل المأتم النساء يجتمعن في الخير والشر، وجعله هانا المصيبة نفسها"، ووقف أيضًا عند لفظه" جلل" في بيت الحارث بين وعلة الزهري القائل: فَلَئِنْ عَفَوْتُ لأَغْفُوَنْ جَلَلاً وَلَئِنْ سَطَوْتُ لأُوهِنَنْ عَظْمِي قال: "والجلل يزعم أهل اللغة انه من الاضداد، يقع على الصغير والكبير، وهو هنا يراد به الكبير". وأكثر المرزوقي في شرحه اللغوي من الحديث عن الألفاظ واستعمالها في الحقيقة والمجاز، ففي بيت سعد بن ناشب وهو: فَاِنْ تَهْدِمُوا بالغَدْرِ دَارِي فَإنها تَرَاثٌ كرِيمٍ لاُيبَالي العواقبِا وقف عند قوله" تهدموا" قال: "الهدم القلع والتخريب ويسمي المهدّم هدما ... وتوسعوا فيه فقيل للثوب الخلق هدم وجمعه أهدام، وقيل: عجوز متهدمة أي هرمة فانية، وتهدّم عليه من الغضب كما يقال تهجّم".

стр. 137

وفي قول تأبط شرًا: " فَرَشْتُ لَهَا صَدْريِ" قال: "الفرش البسط ثم توسعوا فيه فقالوا: فرشت أمري وافترش لسانه فتكلم كيف شاء"، ونراه يشرح "العضب" وقد ورد لفظه في أحد الأبيات قال: هو القطع وتوسعوا فيه فقالوا: عضبه عن حاجته أي حبسه، وامرأة معضوبة أي معضولة، وسيف غضب أي قاطع كأنه وصف بالمصدر". ونلاحظ أنه في شرحه اللغوي يتتبع استعمال الشعراء اللغة فيبين بالشرح والتحليل استخدامهم المرفوض في الاستعمال، فهو يقف عند بيت عبد الله بن الدمينة في الغزل وهو: لَئِنْ كَانَ يُهْدَي بَرْدُ أَنْياَبها العُلى لأَفْقَرَ مِنّي إِنَّي لَفَقِيرُ فيقول" أفقر كأنه بني على فقر المرفوض في الاستعمال" ثم يشرح ذلك بقوله: " وإنما قلت هذا لأن فقيرًا كان حكمه أن يكون فعله على فقر، ولم يجئ منه إلا افتقر، وشرط فعل التعجب وما يتبعه من بناء التفضيل أن لا يجئ إلا من الثلاثي في الأكثر، وما كان على أفعل خاصة، وإذا كان كذلك فأفقر لا يصح أن يكون مبنيًا على افتقر ولكن على فقر". كما يلاحظ أيضًا أنه كان يهتم بتبيان لغات القبائل حين يجد شعراءها يستخدمون بعض الألفاظ الخاصة بهم، وذلك في مثل بيت القوال الطائي الذي يقول فيه: قُولاَ لهذَا المَرءِ ذُو جَاء سَاعيِاً هَلُمَّ فَاِنَّ المَشرفَّي الفَرَائِضُ قال المرزوقي: " ذو بمعني الذي وهي لفظة طائية تجيء بهذه الصورة في كل حال وتغير" ثم انتقل إلى"هلّم" فبينّ طريقة استعمالها عند أهل الحجاز وغيرهم قال: " وقوله" هلّم، فيه طريقان منهم من يجعله اسمًا للفعل فلا يغيَر عن حالة في المؤنث والتثنية والجمع وهم أهل الحجاز، وفي القرآن"والقائلين لإخوانهم هلمّ

стр. 138

إلينا، ومنهم من يجعله هاء التنبيه وقد ركّب مع لّم، وهو فعل فيثنيه ويجمعه ويؤنثه". وهكذا نلمس من خلال ما عرضناه من نماذج في شرحه اللغوي أنه وان بلدا في بعض تناوله اللغة نقليًا بحتًا فانه بتطرقه لنواٍح مختلفة في علم اللغة قد أضفي على شرحه الأدبي قيمة علمية يحسها القارئ من خلال الفوائد الجمة التي يخرج بها في هذا الجانب. ب- النحو: وإذا كان المرزوقي قد اهتم باللغة لغاية تتمثل في شرح ألفاظ النص المشروح وإيضاحها فان اهتمامه بالنحو كانت الغاية منه شرح التراكيب ليصل بالاثنين معًا اللغة والنحو إلى إيضاح معاني النصوص وإظهار مضامينها، غير أن الدارس للنحو في شرحه يلاحظ جملة من الأمور أهمها ثلاثة: أحدها: أننا إن كنا قد لاحظنا قلة إسهابه في تناول المادة اللغوية، فإننا قد لمسنا لدية بعض الإسهاب فيما كان يثيره من شرح نحوي، ومن أمثلته تلك الوقفة التي رأيناها منه في تركيب" هواي" من بيت جعفر بن علبة الذي يقول فيه: هَواَيَ مَعَ الرَّكبِ الَيَمانِينَ مُصْعِدُ جَنِيبٌ وَجُثْمانيِ بِمَكَّةَ مُوثَقُ فقد قال: " هواي ياء الإضافة فتحت منه على الأصل، وذلك أن هذه الياء لما كانت ضمير اسم على حرف واحد متطرف كرهوا أن تسكن فتختل فجعلوا من أصله التحريك" وكان حقه أن يكتفي بهذا القدر في شرح إضافة الاسم الثلاثي المقصور إلى ياء المتكلم من حيث جعل ياء المتكلم فيه مفتوحة على الأصل، ولكنه استرسل قائًلا: " فإذا كان ما قبله متحركًا كغلامي وداري كان لك فيه وجوه: تحريك الياء وهو الأصل، وتسكينه تخفيفًا، وحذفه من النداء إذا قلت: يا غلام، وإبدال الألف منها مع انفتاح ما قبلها كقولك: وابأباها ويا غلامًا أقبل. وإذا سكن ما قبله فمتى كان واوًا أو ياء أدغم فيه ولم يكن بد من تحريكه لئلا يلتقي ساكنان،

стр. 139

تقول: مسلميّ في الجميع ومسلميَ في التثنية، وإذا كان ما قبله ألفًا كعصاي وقفاي وهواي لم يكن بد من الإتيان به على الأصل، وهو تحريكه لئلا يلتقي ساكنان أيضًا، ولا يجوز الإدغام هاهنا كما جاز مع الواو والياء لأن الألف لا تدغم في شيء ولا يدغم فيها غيرها لكونها هوائية لا معتمد لها في المخرج إلا في لغة هذيل لأنهم يبدلون من الألف الياء ويدغمون، وعلى هذا قوله: سَبَقوا هُوِيَّ وَأَعْنَقُوا لهَواهَمُ فَتُخُرَّموا وَلِكُلِ جَنْبٍ مَصْرَعُ فأنت تراه قد نقل الحديث من حكم إضافة ياء المتكلم إلى الثلاثة المقصور إلى أحكام ياء المتكلم في مختلف الحالات التي تضاف فيها، وهو بلا شك إسهاب واستطراد، غير أنه يحسنه في شرح المرزوقي أنه كان يعرض معه اللغة والبلاغة والمعاني وأحيانًا النقد ولذا لا يحس القارئ بأنه شرح علمي بحت، فهو ليس مثل ابن جني في" التنبيه" الذي يصرف كل همه إلى العلم البحت، ولا كالتبريزي الذي كان في مواضع مختلفة ينقل النحو واللغة من المرزوقي دون العناصر الأخرى، ولذا رأينا الدكتور أحمد أمين يصفه بأنه نحوي لغوي، ويفضل على شرحه شرح المرزوقي، مع أن الغلبة المطلقة من اللغة والنحو الموجودين في شرح التبريزي منقولة من شرح المرزوقي بتعديل وبغير تعديل. وثاني هذه الأمور أن النحو في شرح المرزوقي يتمثل في جانبين أحدهما إيراد القواعد النحوية التي قننها علماء النحو، والآخر تطبيق هذه القواعد من خلال الإعراب، وفي الجانب الأول نراه يتعرض لجملة من قواعد النحو التي يرد الحديث فيها من خلال التراكيب الواردة في أبيات الحماسة. ومن أمثلة ذلك قاعة الاستغناء بالمفعول عن الخبر في تركيب" ليت شعري" الوارد في بيت أبي الأبيض العبسي وهو:

стр. 140

أَلاً لَيْتَ شِعْرِيِ هَلْ يَقُولَنْ فَوَارِسُ ... وَقَدْ حَانَ مِنْهُمْ يَوْمَ ذاك رَحيِلُ قال: "شعري اسم ليت وخبره مضمرٍ استغني عنه بمفعول شعري، وليت شعرى لا يجئ إلا هكذا كما أن لولا يجئ أبدًا محذوف خبر المبتدأ الذي بعده، وقد استغني عنه بجوابه". وكذلك قاعدة تركيب"أجدك" من حيث نصبه على فعل مضمر ولزومه الإضافة دائمًا، وكذلك في قوله أحد الشعراء في باب الملح وهو؛ أّحدَّكُمَا لَمْ تَعْلَما أَنَّ جَارَنَا أَبَا الحِسْلِ بالصَّحْرَاءِ لا َ يتَنَوَّرُ قال: "أجدكما انتصب على المصدر من فعل مضمر كأنه قال: " أتجدان جَدَّكُمَا، ثم مضي يدعم هذا القول بما جاء عن سيبويه في الكتاب فقال: " وذكر سيبويه في باب ما ينتصب من المصادر توكيدًا لما قبله كقولك: هذا زيد حقًا لا باطًلا، وهذا القول لا قولك وهذا لزيد غير ما تقول، والتقدير هذا القول لا أقول قولك، قال سيبويه: أجدك لا تفعل كذا، ولا يستعمل إلا مضافًا، والتقدير أجدًا منك، وجرى هذا مجرى ما لزمته الإضافة نحو لبيك وما أشبها ومعاذ الله". وأما في جانب التطبيق القائم على إعراب التراكيب فان الظاهرة التي تسود غلبة شرحه أنه كان يربط الإعراب المعني ربطًا محكمًا، وهنا تبرز شخصيته بوضوح لأنه كان ينظر إلى الإعراب وسيلة توصله إلى المعني أو قل كان يرى المعني من خلال الإعراب. ومن ذلك ما جاء عنه في بيت الأشجع السلمي الذي يقول فيه: فَأصْبَح في لحدٍ مِنَ الأرَضِ مَيَّتًا وَكاَنت بهِ حَيّاً تَضيِقُ الصَّحاصِحُ فقد قال: " في لحد موضعه نصب على أنه خبر أصبح وانتصب" ميتًا على الحال، وكذلك قوله" حيا" انتصب على الحال. ولا يجوز أن يكون في لحد" في موضع الحال، وميتًا خبر أصبح لأن"ميتًا" من الصدر في مقابلة" حيًا" من

стр. 141

العجز، ولا يكون ذلك إلا حالًا، فكذلك يجب أن يكون ميتا وإلا اختلفا وفسد المعني" ومثل ذلك أيضًا عمله في إعراب" جانبًا" الوارد في بيت سعد بن ناشب وهو: إذَ هَمَّ أَلقْي بَيْنَ عَيْنَيْهِ هَمَّهُ وَنكَّبَ عَنْ ذِكْر العَوَاقِبِ جَاَنَبًا قال: وانتصب جانبًا على أنه ظرف، ونكب يكون بمعني تنكب والمعني: أنه إذا هم بالشيء جعله نصب عينيه إلى أن ينفذ فيه ويخرج منه ويصير في جانب من الفكر والعواقب. ويجوز أن ينتصب" جانبًا" على المفعول ويكون نكب بمعني حرف، والمراد انحرف عن ذكر العواقب وطوى كشحه دونه". وهو بجانب ربطه الإعراب بالمعني نراه ينظر إلى غرض الشاعر وما يتصل به من إيحاءات، وذلك حين يكون للتركيب أكثر من وجه في الإعراب، مثل عمله في بيت بشامة النهشلي الذي يقول فيه: إِنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لَا نَدَّعِي لأبٍ عَنْهُ وَلاَ هُوَ بالأَبْناءِ يَشْرِينَا فقد بين وجه الإعراب في قوله" بني" قال: " وانتصاب بني على إضمار فعل كأنه قال أذكر بني نهل، وهذا على الاختصاص والمدح، وخبراء"لا ندعي" ثم انتقل إلى وجه آخر فقال: " ولو رفع فقال: بنهو نهشل على أن يكون خبر أن لكان لا ندعي في موضع الحال" ثم وضح الفرق بين الوجهين بالنظر إلى غرض الشاعر ومضمون الشعر قال: "والفصل بين أن يكون اختصاصًا وبين أن يكون خبرًا صراحًا هو أنه لو جعله خبرًا لكان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب، وكان لا يخلو فعله لذلك من خمول أو جهل من المخاطب بشأنهم، فإذا جعل اختصاصًا فقد أمن هو الأمرين معًا".

стр. 142

وثالث هذه الأمور هو مذهبه النحوي في معالجته للقضايا النحوية سواء في جانبها التقعيدي أو التطبيقي، وقد تكلم في هذا كل من الدكتور عبد الرحيم عسيلان والدكتور أحمد العمري، فذهب الأول إلى أنه كان بصري المذهب، ورجح الثاني أنه كان بغدادي المذهب، واعتمد الدكتور عسيلان في رأيه على أنه كثيراً ما يأخذ بآراء البصريين، وأنه من خلال شرحه لأبيات الحماسة يصرح في أكثر من موضع بأنه منهم، واعتمد العمري على أنه" على نحو ما كان ينتخب من آراء البصريين كان ينتخب من الآراء الكوفية ما صح لديه قياسه، كما اعتمد على أنه كان تلميذًا مخلصًا لأبي على الفارسي، أمينًا على مبادئه، والفارسي حسب ما ذهب إليه الدكتور شوقي ضيف- أحد العلماء الذين مزجوا بين المنهجين البصري والكوفي، واحد المؤسسين للمذهب البغدادي الجديد الذي ينتخب من المدرستين ما يراه أولى بالإتباع، وان غلب عليه النزوع إلى المذهب البصري، فعلى هذا فهو- أي العمري- يرى" أن ليس ببعيد أن يكون المرزوقي قد اعتنق مذهب أستاذه إيمانًا منه بمنهجه وتأثراً واقتداء، وفي كل ما ذهب إليه الباحثان نصر، فقول الدكتور عسيلان بأنه كثيرًا ما يأخذ بآراء البصريين لا يؤكد بصريته لأن أستاذه أبا على الفارسي كان كثيرًا ما يأخذ البصريين ومع ذلك عدة الدكتور أحمد أمين أحد أعمدة مدرسة القياس التي نشأت معتمدة على أصول بصرية"، وعده الدكتور شوقي ضيف أحد أئمة المدرسة البغدادية الجديدة. وأما قوله بأنه كان في خلاله شرحه لأبيات الحماسة يصرح في أكثر من موضع بأنه منهم فهو قول مبني على العبارات التي ترددت في شرحه من مثل" هو المختار عند

стр. 143

أصحابنا البصريين" و"طريقة جل أصحابنا البصريين" و"هذا يبين ما يسلكه أصحابنا البصريون" و"الآل عند أصحابنا البصريين والأهل واحد"، وهي عبارات لا تدل على التصريح بأنه من البصريين لأنها شبيهة بعبارات ابن جني التي رأيناه يرددها في كتابيه" الخصائص والتنبيه" ففي الخصائص مثلاً قوله: "لم يثبت أصحابنا قنيت"، وفي التنبيه قوله: " موسى لا يصرفها الكوفيون، وهي عندنا نحن مفعل ويحكى أصحابنا أوسيت رأسه أي حلقته ويصرفونها"، وقال في موضع آخر: والذي قال أبو على أجرى على مقاييس أصحابنا" وهو يعني بقوله أصحابنا البصريين مثلما يعني المرزوقي، ولكن هذا لم يمنع كلا من الدكتور أحمد أمين والدكتور شوقي ضيف عن أن يذهبا إلى عدم بصريته، فقد وضعه الأول بين أصحاب مدرسة القياس كأستاذه أبي على، وضعه الثاني في مصاف أئمة المدرسة البغدادية الجديدة، ولو تأملت قوله في "موسى لا يصرفها الكوفيون وهى عندنا نحن مفعل ويحكى أصحابنا أوسيت رأسه" لأدركت أنه صرح أنه من مدرسة لا بصرية ولا كوفية أو على الأقل ذو منهج يختلف عن منهج البصريين والكوفيين. وأما قول الدكتور العمري بأن المرزوقي على نحو ما كان ينتخب من آراء البصريين كان ينتخب من الآراء الكوفية فهو قول عندما تجريه على شرحه للحماسة تجد صعوبة في إثباته لأن ما أورده للكوفيين من آراء في هذا الشرح لا يبلغ في مواضعه

стр. 144

أصابع اليدين, ولا يقاس بالكثرة الكاثرة من الآراء البصرية التي قام عليها نحوه في الشرح. هذا فضلًا عن أنها لا تدل على أنه يختار رأيًا كوفيا فيما يعرضه وإنما مجرد عرض آراء لا أكثر ولا أقل, ولو نظرنا إلى الأمثلة الأربعة التي أوردها الدكتور العمري ليبرهن بها على انتخابه آراء الكوفيين لوجدناه يقف في ثلاثة منها مع البصريين ضمنًا أو صراحة, ففي المثال الأول الخاص ببيت الفند الزماني: ولولا نبل عوٍض في خضماتي وأوصالي نجد المرزوقي يروي ((عوض)) في البيت بالبناء على الفتح وهو مذهب البصريين ثم قال: ((عوض اسم للدهر معرفة مبني وكما يبني على الفتح يبني على الضم, والضم فيه حكاه الكوفيون, ويقال: لا أفعله عوض العائضين)) فهو في روايته وما ضربه من مثال لا يبنيه على الضم كما يفعل الكوفيون وإنما يبنيه على الفتح الذي هو مذهب البصريين. وفي المثال الثاني الخاص ببيت لا مرأة من بني أسد هو: أنعى فتًى لم تذر الشمس طالعًة يومًا من الدهر إلا ضر أو نفعا قال المرزوقي: ((انتصب طالعة على الحال المؤكدة لما قبله)) وهذا رأي البصريين ثم قال: (والكوفيون يقولون في مثله: انتصب على القطع)) ثم اعتمد على الرأي البصري مضى مقررًا قوله: ((وكما أن الحال يجيء مؤكدًا لما قبله تجيء الصفة مؤكدة لما قبلها, ومثال الحال رايته في الحمام عريانا, فعريان حال مؤكدة, ومثاله في الصفة أن تقول: فعلت كذا أمس الدابر)). فهذا عمل لا يقال عن صاحبه إنه ((كان لا يسجل انتصارًا لهؤلاء أو هؤلاء بل

стр. 145

يكتفي بعرض الآراء جنبًا إلى جنب مبينًا وجهات النظر المذهبية كلًا على حدة دون تعصب)). وفي المثال الثالث الخاص ببيتي عمرو بن معدي كرب وهما: ولما رأيت الخيل زورًا كأنها جداول زرٍع خليت فاسبطرت فجاشت إلى النفس أول مرٍة وردت على مكروهها فاستقرت وقد أورد الدكتور العمري هذا المثال مبتورًا, وهو كما جاء في شرح المرزوقي على النحو التالي: يجوز أن يكون الفاء في ((فجاشت)) زائدة في قول الكوفيين وأبي الحسن الأخفش, ويكون جاشت جوابًا للما, والمعنى: لما رأيت الخيل هكذا خافت نفسي وثارت, وطريقة جل أصحابنا البصريين في مثله أن يكون الجواب محذوفا كأنه قال: لما رأيت الخيل هكذا فجاشت نفسي وردت على ما كرهته فقرت طعنت أو أبليت. ويدل على ذلك قوله في البيت التالي ((علام تقول الرمح يثقل ساعدي إذا أنا لم أطعن)) فحذف طعنت أو أبليت لأن المراد مفهوم, وهذا كما حذفوا جواب لو رأيت زيدًا وفي يده السيف)) ثم أورد نظيرين من الأمثلة من القرآن والشعر لحذف الجواب وقال: ((وحذف الجواب في مثل هذه المواضع أبلغ وأدل على المراد وأحسن بدلالة أن المولى إذا قال لعبده: والله لئن قمت إليك, وسكت, تزاحمت عليه من الظنون المعترضة للوعيد ما لا يتزاحم لو نص عن مؤاخذته على ضرب من العذاب)) فأنت ترى المرزوقي في هذا المثال يحاول عن طريق ضرب الأمثلة والشواهد واللجوء إلى الأثر النفسي الناتج عن مواقع إثبات رأي البصريين في قولهم بحذف الجواب في هذه المواضع. إن المثال الوحيد الذي يبدو فيه عرض لرأي بصري وآخر كوفي دون انحياز ضمنًا أو صراحة هو المثال الذي جال حول لفظة ((الآل)) في بيت سليمان بن قتة الغنوي وهو:
следующие страницы →