Полный текст (407 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أو الحذف والاختصار الأمر الذي أدى إلى طغيان عنصر أخبار الشعر على عناصر الشرح في القطع التي كان أبو رياش يذكر خبر أبياتها أو بواعث الشعر فيها.
هذا ما كنا قد لاحظناه عليه فيما مضى وأقمنا الأمثلة لصحته، والآن لننظر كيف حاول التبريزي أن يحقق هذا المنهج في شرحه متوخين أن نوضح ذلك من خلال العناصر التي تحقق فيها هذا الانتخاب.
أ- شرح أسماء الشعراء والأعلام:
جمع التبريزي لتحقيق هذا العنصر أعمال رجال سبقوه في هذا المضمار هم ابن جني وأبو العلاء وأبو رياش وأبو هلال وأبو محمد الأعرابي، كما جمع أقوال بعض العلماء الأوائل أمثال: الأصمعي وأبي زيد وغيرهما. وقد استطاع بحق أن ينتخب من هذه الأعمال والأقوال ما يحقق لهذا العنصر وجوده البارز في صنعة شرحه. صحيح أنه أكثر الاعتماد فيه على ابن جني ثم أبي العلاء، ولكنه كان في أحيان متفرقة يحاول الانتخاب من هؤلاء الذين ذكرناهم بما يوفر لمنهجه مقوماته حيث نراه يجمع بين أعمال ثلاثة علماء في موضع واحد، وذلك في مثل عمله في شرح اسم الشاعر "ابن زيابة التيمي" فقد انتخب في شرحه من ابن جني وأبي العلاء وأبي رياش، نقل عن ابن جني قوله: "زيابة اسم مرتجل للعلم وهو فعالة أو فيعالة أو فوعالة من لفظ الأرنب، وتيم فعل من تيمه الحب أي ذلله ويقال تامه، قال الشاعر:
تامت فؤادي بذات الجزع خرعبٌة مرت تريد بذات العذبة البيعا
ومنه تيم اللات أي عبد اللات ومنه قالوا معبد أي مذلل موطوء". ونقل عن أبي العلاء إضافة جديدة غير ما ذكر ابن جني وهي قوله: "لم يصرف الفعل من زيابة إلا أنهم قالوا رجل أزيٌب وهو الدعي وقالوا للريح: أزيب فقيل هي الجنوب وقيل هي الصبات". ثم نقل عن أبي رياش إضافة أخرى حيث أورد لقب هذا
стр. 247
الشاعر واسمه وشرحهما قال: "وقال أبو رياش هو فارس مجلز عمرو بن لأي، اللأي البطء، ومجلز من الجلز، وهو الفتل الشديد، وجلز السوط مقبضه، وجلز السنان أسفله قال أبو زبيد:
حمدت أمري ولمت أمرك إذ أمسك جلز السنان بالنفس
وكل ذلك راجع إلى الجلز الذي هو إحكام الفتل".
ونراه في موضع آخر ينتخب من ابن جني والأصمعي وأبي العلاء، وذلك في شرح هشام بن المغيرة المخزومي، فقد أورد أولًا قول ابن جني وهو "هشام مصدر هاشمته هشامًا، وهو فاعليته من الهشم وهو الكسر، قالت بنت هاشم جد النبي- ﷺ :
عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف
ثم أتى بتفسير الأصمعي فقال: "وقال الأصمعي في تفسيره: هشم ماله فأطعم الثريد" ثم أضاف إلى ذلك ما جاء عن أبي العلاء فيه وفي اسم المغيرة ومخزوم قال: "وقال أبو العلاء: هشام من هشمت الشيء إذا كسرته، وأصل ذلك أن يكون في شيء يابس إلا أنه ليس بصعب المكسر، ومنه قيل للشجرة اليابسة هشيمة وللنبت اليابس هشيم. والمغيرة بضم الميم أجود اللغتين، وقد حكي بالكسر على الإتباع، وهو من أغرت الحبل إذا أحكمت فتله أو من أغار على العدو أو من أغار المرأة، ومخزوم من خزمت البعير إذا جعلت في أنفه خزامة وهي حلقة من شعر".
стр. 248
وهو بجانب انتخابه من ثلاثة علماء قد ينتخب من اثنين، وهذا عنده كثير، ينتخب أحيانًا من ابن جني وأبي العلاء وأحيانًا أخرى من أبي العلاء وأبي هلال، وأحيانًا ثالثة من ابن جني وأبي محمد الأعرابي.
ويمكن القول بأن التبريزي قد حقق من خلال انتخابه في هذا العنصر إضافة لها قيمتها هي تصحيح بعض أسماء الشعراء من ذوي الاختيار في الحماسة فمثل ما أفاد من هؤلاء العلماء في شرح الأسماء والأعلام أفاد منهم في تصحيح الأسماء التي وقع فيها وهم من أبي تمام، ومن أمثلة ذلك ما جاء في اسم "قراد بن عياد" فقد نقل عن أبي هلال تصحيحًا له، قال: "قال أبو هلال: هكذا في الأصل وهو خطأ، وإنما هو قراد بن العيار بن محرز، وأبوه العيار أحد شياطين العرب".
وفي اسم حسان بن نشبة العدوي نقل تصحيحًا له عن أبي محمد الأعرابي قال: "قال أبو محمد الأعرابي: هذا الاسم مصحف، والصحيح جساس بن نشبة بن عساس قال جرير يهجو جخدب بن خرعب التيمي:
لقد شهدت تيٌم على أم جخدٍب وكان سراة التيم رهط جساس
يعني جساس بن نشبة".
وفي نسب الشاعر المنخل اليشكري ذكر أبو تمام "المنخل بن الحرث اليشكري" فنقل التبريزي تصحيحًا لهذا النسب قال: "قال أبو هلال: هو المنخل ابن مسعود بن عامر بن ربيعة بن عمرو اليشكري".
وسجل التبريزي من خلال انتخابه من الشراح إضافة أخرى تتمثل في أن أبا
стр. 249
تمام قد أورد في اختياره جملة من القطع مغفلة بدون نسبة إلى أصحابها حيث كان يصدرها بقوله: "وقال آخر" أو "وقال بعضهم" ونحو ذلك، فكان التبريزي ينقل من الشروح التي ينتخب منها ما يوضح قائلي بعض هذه القطع، ومن ذلك ما نقله في القطيعة (٦٣) من باب الحماسة التي صدرها أبو تمام بقوله: "وقال آخر" فقد نقل التبريزي عن أبي هلال قوله: "لم يذكر أبو تمام اسمه، واسمه الحكم بن زهرة".
وفي القطعة (٧٣) من الحماسة أيضًا وقد صدرت بـ "وقال آخر" نجد التبريزي ينتخب في نسبتها قولين أحدهما لأبي رياش الذي نسبها إلى أبي الشغب العبسي، والآخر لأبي عبيدة الذي نسبها للأقرع بن معاذ القشيري.
ونسب أبو تمام إحدى القطع لبعض لصوص طيئ فنقل التبريزي توضيحًا له عن أبي هلال قال: "قال أبو هلال: هو شبيب بن عمرو بن كريب".
وكان أبو تمام يورد أحيانًا اسم الشاعر غير كامل فينتخب التبريزي من الشروح التي أمامه ما يكمل الاسم ويوضحه، وذلك في مثل القطعة التي نسبها أبو تمام إلى القطامي، ولم يذكر اسمه، فنقل التبريزي عن أبي هلال قوله: "واسمه عمير بن شييم بن عمرو وأوصل نسبه إلى تغلب بن وائل".
وكذلك في القطعة التي صدرها أبو تمام بقوله: "وقال التميمي في منصور بن زياد" نجد التبريزي ينقل عن أبي هلال توضيحًا لهذا التميمي قال: "قال أبو هلال: هو عبد الله بن أيوب ويكنى أبا محمد".
والحق أن التبريزي قد استطاع من خلال عمله في هذا العنصر أن يحقق من
стр. 250
الشروح التي ينتخب منها فائدة طيبة لاختيار الحماسة وبخاصة حين نعلم أن جملة من الشروح التي كان ينتخب منها لم تصل إلينا إذ لا تزال في طي المجهول لا يعرف مكانها.
ب- تصحيح نسبة الشعر إلى قائليه:
ومثلما أفاد التبريزي من شروح أبي رياش وأبي هلال وأبي محمد الأعرابي في العنصر السابق كانت فائدته جمة من هذه الشروح في هذا العنصر، فقد خطا بهذه الشروح التي انتخب منها شرحه خطوات عملية في هذا الجانب المهم في توثيق الشعر وتحقيق نسبته إلى قائليه.
ولا شك أن اضطراب النسبة في الشعر القديم بين أكثر من شاعر يشكل عقبة للدارس في هذا الشعر، ولهذا فإن عمل التبريزي الانتخابي في هذا العنصر له قيمته في البحث الأدبي، إذ يعرض لنا من خلال الشروح التي وقف عليها، وشكلت مادة شرحه آراء هؤلاء الشراح فيما وقع فيه أبو تمام من وهم في نسبة الشعر إلى غير قائليه. والأمثلة على ذلك كثيرة متعددة، منها على سبيل المثال ما جاء في قطعة الرثاء التي قيلت في عمر بن الخطاب- ﵁ وقد نسبها أبو تمام إلى الشماخ بن ضرار، فقد انتخب التبريزي لنا قولين في نسبتها أحدهما لأبي رياش الذي قال: "الذي عندي أنه- أي الشعر- لمز رد أخيه" والآخر لأبي محمد الأعرابي الذي قال: "هو لجزء بن ضرار أخي الشماخ".
وفي بيت الحماسة الذي نسب إلى السموءل بن عادياء الغساني وهو:
وأسيافنا في كل غرٍب ومشرٍق بها من قراع الدراعين فلول
نجد التبريزي ينقل عن أبي محمد الأعرابي قوله: "هذا البيت لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي، يدلك على ذلك قوله:
فإن بني الديان قطٌب لقومهم
стр. 251
والديان هو يزيد ين قطن بن زياد بن الحرث الأصغر بن مالك بن ربيعة بن كعب الحرث الأكبر".
وفي القطعة التي نسبها أبو تمام إلى يحيى بن منصور الحنفي ينقل التبريزي عن أبي رياش قوله: "هذا غلط من أبي تمام يحيى بن منصور ذهلي وهذه الأبيات لموسى بن جابر الحنفي".
وفي الحماسة التي مطلعها:
ألا أيهذا النابح السيد إنني على نأيها مستبسٌل من ورائها
والتي نسبها أبو تمام إلى الفضل بن الأخضر الضبي نجد لدى التبريزي تصحيحًا لنسبتها من أبي هلال الذي قال: إنها لأبيه الأخضر بن هبيرة بن المنذر".
ونسب أبو تمام مرثية لعمرة الخثعمية قال إنها ترثي فيها بنيها وجاء مطلعها في روايته:
لقد زعموا أني جزعت عليهما وهل جزٌع أن قلت وابأباهما
فأفاد التبريزي عن أبي رياش قوله: "الذي عندي أن هذه الأبيات لدرماء بنت سيار بن عبعب الجحدرية ترثي أخويها وأولها:
أبي الناس إلا أن يقولوا هماهما ولو أننا اسطعنا لكان سواهما
وهكذا نجد أن التبريزي قد أفاد في مواضع متفرقة من شرحه إضافات ذات جدوى في هذا العنصر، وهي إضافات قد خدمت اختيار الحماسة من حيث إن تحقيق نسبة الشعر إلى قائله أمر ضروري في عملية الشرح، وإن كنا نأخذ عليه أنه
стр. 252
كان ينقل الآراء في نسبة الشعر دون أن يرجح أيها أصح في نظره، ومع هذا فإن مجرد التنبيه إلى شيء كهذا يعد عملًا مفيدًا في خدمة النص الشعري.
ج- أخبار الشعر ومناسباته:
احتفى التبريزي بهذا العنصر كثيرًا، فلقد سبق أن أشرنا إلى أنه كان ينساق وراء أبي رياش فلا نقولات مسهبة، وهي نقولات إن لم تحقق تعادلًا وتكافؤًا بين عناصر الشرح فإنها بلا شك قد خدمت هذا العنصر وحققت به فائدة في فهم الجو الاجتماعي والنفسي الذي قيل فيه الشعر المختار في الحماسة، والتبريزي بجانب إفاداته المتعددة من شرح أبي رياش في هذا العنصر كان يفيد أيضًا من أبي محمد الأعرابي الذي رأيناه في تتبعه لأبي عبد الله النمري يعني كثيرًا بأخبار الشعر وبواعث قوله ويعد معرفة ذلك من قبل الشراح أمرًا له أهميته الكبرى في فهم الشعر وإدراك معانيه، وكذلك كان ينقل من شرح أبي هلال ومن أبي عبيدة معمر بن المثنى، ونحن لا نستطيع أن نورد نماذج لهذه الإفادات لأن جلها قد جاء في إطالة بالغة، وبخاصة نقولاته من أبي رياش، ولكن حسبنا أن نشير إلى أنه نقل لخدمة هذا العنصر من شرح أبي رياش في نحو تسعة وثلاثين موضعًا، وهي مواضع متفاوتة في أجزاء الشرح الأربعة، ونقل عن أبي محمد الأعرابي في سبعة مواضع ونقل عن كل من أبي هلال وأبي عبيدة في موضعين، وهناك مواضع متفرقة أورد فيها أخبارًا عن الشعر وأصحابه لم يعزها لأحد من هؤلاء، ولعلها من أبي رياش أو أبي عبيدة.
د- أوزان الشعر وأضربه وقوافيه:
مر بنا أن التبريزي كان يهتم بتحديد وزن الشعر في قطع الحماسة وأضربه وقوافيه، وأنه استطاع أن يحقق ذلك في جل قطع الحماسة وأن نحوًا من اثنتين وستين قطعة فقط هي التي لم تحظ عنده بتحديد الضرب والوزن والقافية، وهو في هذا
стр. 253
الجانب كان يحدد الضرب أولًا فالبحر فالقافية، كأن يقول في صدر شرح أول بيت من كل قطعة: "الأول من الطويل والقافية من لمتواتر" أو "الأول من البسيط والقافية متدارك" ونحو ذلك، ولم يورد قضايا تتصل بالوزن أو القافية في شيء من الشرح والتوضيح إلا ستة مواضع: أربعة منها جاءت منقولة نصًا من شرح أبي العلاء، وموضع واحد نقله عن المرزوقي ولم يعزه إليه، ولكن ما نقله موجود بنصه في شرح المرزوقي وهو كلام المرزوقي الذي سبق أن أوردناه عندما تكلمنا عن عنصر الوزن والقافية في شرحه، والذي كان قد قاله في قطعة سلمى بن ربيعة التي مطلعها:
إن شواًء ونشوًة وخبب البازل الأمون
كما نقل كلامًا عن شذوذ الوزن في القطعة التي مطلعها:
"إن تسألي فالمجد غير البديع" ولم يعزه لأحد، وأغلب ظننا أنه أخذه من أبي العلاء لأن الأسلوب فيه شبيه بأسلوب أبي العلاء.
وهذه النقولات الستة إنما أخذها من شرحي أبي العلاء والمرزوقي، وهما من الشروح التي انتخب منها شرحه، غير أننا وجدنا له موضعًا سابعًا ناقش فيه مسألة تتصل بوزن الشعر أفاد فيها إضافة من غير هذين الشرحين، وذلك في قطعة الربيع ابن زياد التي يرثي فيها مالك بن زهير العبسي والتي يقول فيها:
ومجنباٍت ما يذقن عذوفًا يقذفن بالمهرات والأمهار
стр. 254
فقد أورد فيه قولًا لبي العلاء جاء فيه: "هكذا روى هذا البيت ناقصًا، وذكر أن الخليل كان يسمى هذا المقعد، وروى عن أبي عبيدة أنه كان يسمى هذا ونحوه الإقواء" ثم أضاف التبريزي إلى قول أبي العلاء هذا أن أبا عبيد ذكر في الغريب المصنف فيما يتعلق بالقوافي أن الأقواء نقصان حرف من الفاصلة، واستشهد بقوله: "أفبعد مقتل مالك بن زهير". قال التبريزي: ولم يبين ما الفاصلة، وربما توهم أن الفاصلة إحدى الفاصلتين المذكورتين في أول العروض الصغرى والكبرى، والأمر بخلاف ذلك لأن الحرف الناقص في البيت إذا قطعته من الوتد لا من الفاصلة".
ومضى التبريزي مقررًا حديثه قال: "وذاكرت شيخنا أبا القاسم الرقي في وقت قراءتي عليه هذا الموضع من الغريب، فذكر أن أبا عبيد يحكي هذا عن أبي عبيدة وأن أبا عبيدة لم تكن له معرفة بهذا العلم، وكأن الرقي توهم أن المراد بالفاصلة إحدى الفاصلتين من الصغرى والكبرى، فأطلق هذا القول في أبي عبيدة، والصواب ما وقع إلي فيما بعد وذكره لي بعض الشيوخ، وهو أن المراد بالفاصلة الفصل وهم يسمون عروض البيت فصلًا، والنقصان في هذا البيت من العروض، فعلى هذا الأقواء على ضربين أحدهما اختلاف حركة الروي بالضم والكسر، والآخر، نقصان حرف من عروض البيت.
فهذا هو الموضع الوحيد في هذا العنصر الذي قدم فيه التبريزي عملًا يمكن أن يعد جهدًا منه، وهو وإن بدا فيه معتمدًا على غيره فإنه دل على أنه مستوعب لقراءاته وسماعاته، يعرف كيف يوظف هذه القراءات والسماعات في مواضعها المناسبة من شرحه.
هـ- الرواية:
هذا العنصر رأيناه فيما سبق عند المرزوقي وابن جني وأبي هلال وأبي محمد
стр. 255
الأعرابي يخضع لمفاضلة واختيار، فالمفاضلة والاختيار هما المعيار السليم الذي يقاس به ذكر اختلافات الرواية، ولهذا كان لعمل هؤلاء الشراح قيمته في هذا العنصر. أما التبريزي ففضلًا عن أنه كان عالة على المرزوقي في هذا العنصر بصورة لا تخفى على من يقف على الشرحين معًا فإنه كان يورد أقوال هؤلاء الشراح ومناقشاتهم في الرواية واختيارهم لها، يرصفها جنبًا إلى جنب دون أن يتدخل بالوقوف إلى صف واحد منهم بالرأي والتعليل، ولهذا كان عمله في هذا العنصر- كما لاحظه أحمد جمال العمري- مجرد عرض للرواية لا أكثر ولا أقل، لا تخدم القارئ في شيء بل هو في واقع الأمر عمل له خطورته بالنسبة للقارئين والدارسين لأنه يجعلهم غير واثقين من صحة ما يقال وما يروي، إذ أن كثرة الروايات وتضاربها تجعل الشعر بين أذهان هؤلاء القراء والدراسيين ألعوبة غير جديرة بالثقة لكثرة ما طرأ عليه من تغييرات لفظية في الرواية.
وهذا القول الذي ذهب إليه العمري هو خير ما يقال في عمل التبريزي في الرواية، لأننا حين استخرجنا من شرحه كل ما جمعه من الشراح السابقين في الرواية وبدأنا نقرؤه قراءة دراسة متأنية هالنا ما فيه من آراء متضاربة بحيث تجد الرأي ونقيضه في موضع واحد، بل يتجاوز الأمر إلى أن اللفظة الواحدة تراها في رواية هؤلاء الشراح في أكثر من شكل، والكل يحاول أن يدعم روايته لها ذاهبًا إلى أنها هي الرواية وما عداها هو الخطأ، ولا نكون مبالغين إننا في كثير من المواضع التي لفتنا الحيرة فيها بأثرابها تمنينا أن تكون تحت أيدينا نسخة من رواية الحماسة بخط أبي تمام نفسه، بل ربما باعدنا في ذلك فتمنينا أن يكون أبو تمام بين ظهرانينا حتى نسأله عن صحة هذه الأقوال الصادرة عن هؤلاء الشراح، والتي جمعها لنا التبريزي في موضع واحد دون أن يتدخل فيها بعمل يذكر.
وربما يكونه هذا القول غريبًا من باحث يدري هذه الشروح، ولكنه شعور انتابنا في لحظات كثيرة أردنا أن نسجله دالين به على حيرتنا ونحن نقرأ ما جمعه
стр. 256
التبريزي من أقوال هؤلاء الشراح، والأمثلة على ذلك كثيرة. انظر مثلًا إلى عمل التبريزي في بيت المثلم بن رياح المري الذي يقول فيه:
سأكفيك جنبي وضعه ووساده وأغضب إن لم تعط بالحق أشجعا
وكان المثلم قد قال قبله في رواية أبي تمام:
من مبلٌغ عني سنانًا رسالًة وشجنة أن قوما خذا الحق أودعا
فنقل التبريزي عن المرزوقي قوله: "ويغلب في نفسي أن الشاعر قال: "وأغضب إن لم تعطيا الحق أشجعا" لأنه بنى الرسالة على أن تكون متوجهة نحو اثنين سنان وشجنة، ومخاطبته من بعد أحدهما في قوله "سأكفيك" على عادتهم في الافتنان والتصرف ولا يمنع من رجوعه إلى ما بنى كلامه عليه من ذكر الاثنين، وهذا ظاهر لمن تأمله".
وهذا اجتهاد من المرزوقي لك أن تقبله أو ترفضه لأنه مبني على غلبة الظن، وغلبة الظن في الرواية تحتاج إلى الرجوع إلى ديوان الشاعر، وليس إلى هذا من سبيل، هذا فضلًا عن أن المرزوقي لم يعتمده هذه الرواية في متنه، وهذا يضعف اجتهاده، إذ لو كان مقتنعًا به لأثبته في متنه.
هذا ما يقال في عمل المرزوقي، والأمر إلى هنا واضح جلي أن للبيت روايتين: أولى أثبتها المرزوقي في متنه وثانية قال: بأن غلبة ظنه تدفعه إلى القول بأن الشاعر قالها. ولكن التبريزي- وهو يثبت رواية المرزوقي الأولى في متنه ويورد هذا القول عن المرزوقي في الرواية الثانية- ينقل لنا في الموضع ذاته قولًا لأبي هلال العسكري جاء فيه "قوله إن لم تعط بالحق أشجعا، تصحيف قبيح، والصحيح" وأغضب إن لم يغضب الحق أشجعا" يقول: سأكفيك أمري كله لا أحملك شيئًا وأغضب لك ولحقك إن لم يغضب له أشجع".
стр. 257
ولم يعلق التبريزي على هذا القول بشيء كأنه لم يثبت في متنه الرواية التي وصفها أبو هلال بأنها تصحيف قبيح بل كأنه لم يلحظ أن تفسير أبي هلال لشطرة البيت مخالف لما ذهب أنه الرواية الصحيحة، فالرواية تجعل الحق فاعلًا، وأشجعًا مفعولًا به، والتفسير ظاهره أن أشجع هو فاعل الغضب.
وأعجب من ذلك أن تحاول اللجوء للمرزباني الذي ترجم للمثلم وروى له هذه القطعة فتجد نفسك أمام رواية تختلف عن هذه الروايات جميعًا هي: "وأقبل إن لم تعطنا الحق أشجعا"، وأنت قد تضعف هذه الرواية لأن فيها إقواء ظاهرًا ولكنها في الوقت ذاته قد حولت الغضب إلى قبول إذ فرق بين "أغضب" الواردة في الروايات السابقة و"أقبل" الواردة عنده.
ومع هذا الاضطراب الواضح في شأن رواية هذا البيت تجد نفسك باحثًا عن المعنى الذي أراده الشاعر فلا تجد ما يرضيك سوى أنها روايات ذات معان، كل معنى منها يمكن أن يكون هو الذي قصده الشاعر.
ومثل آخر نسوقه في جمع التبريزي للرواية جنبًا إلى جنب دون أن يبت في ذلك برأي، ففي بيت ربيعة بن مقروم الذي يقول فيه:
أرجيته عني فأبصر قصده وكويته فوق النواظر من عل
نجد التبريزي ينقل عن المرزوقي- دون أن يشير إليه وفي شيء من التحريف، وهو في أصله على هذا النحو قال: "والرواية الصحيحة" "أرجأته" و"أرجيته" وهما لغتان، والهمز أفصح، قد قرئ "ترجئ من تشاء منهن" وترجي، ويروي "أرجيته" ويروي "أزجيته" والمعاني تتقارب في الكل".
وعمل المرزوقي هنا أيضًا واضح، فهو قد أثبت الرواية المشهورة في متنه وهي
стр. 258
"أرجيته" ثم فضل عليها رواية "أرجأته" بالهمز لأنها أفصح، وأشار إلى روايتين أخريين قال إنهما تلتقيان مع السابقتين في معنى واحد، غير أن التبريزي- وقد أثبت في متنه ما أثبته المرزوقي- ينقل قولًا لأبي الفتح ابن جني جاء فيه "أكثر من ترى يروي هذا البيت" "أرجيته" بالراء، فإذا تعالى قليلًا رواه "أرجأته" بالهمزة وكلاهما تصحيف وإنما هو "أوجيته" بالواو أي ذللته وقهرته، كذلك روينا، وكذلك وجدته أيضًا في شعر القبيلة".
ولم يكشف التبريزي مع أي الروايات يقف، مع روايته التي أثبتها في متنه وهي "أرجيته" أو مع الرواية التي وصفها المرزوقي بأنها أفصح وهي "أرجأته" أو مع رواية أبي الفتح التي قال بأنه وجدها في ديوان القبيلة وهي "أوجيته" إنه لم يوضح شيئًا في هذا الأمر.
والحق أنا تتبعنا عمله في هذا العنصر فلم نجد له موقفًا يذكر إلا في موضع واحد، وذلك في بيت سبرة بن عمرو الفقعسي القائل:
أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مسلٌم وقد سال من ذٍل عليك قراقر
وهي الرواية التي أثبتها في متنه، وهي كذلك عند المرزوقي، وأشار التبريزي في شرحه إلى أنها رواية عبد الله النمري وأورد تفسير النمري لها قال: "قال النمري يقول سال هذا الوادي عليك فلم تستطع الانتقال عنه ذلًا وضعفًا" ثم نقل رواية أخرى لأبي محمد الأعرابي قال: "وقال أبو محمد الأعرابي: الصواب" وقد سال من نصر عليك قراقر" يعني نصر بن قعين بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد ابن خزيمة يقول: دافعتهم عنك حين سال الوادي بهم عليك، كما قال الآخر:
ونحن أسلنا مصعدًا بطن حائٍل ولم ير واٍد قبله سال مصعدا
يعني أنهم أسالوه بالرجال"، ثم عقب على هذا بقوله: "وهذا الذي ذكره أحسن ما قيل في هذا البيت كأن الوادي سال عليهم بالرجال".
стр. 259
وهو وإن لم يبين وجه الحسن فيه فإنه على أية حال يعد الموقف الوحيد الذي أبدى فيه رأيًا في هذا العنصر، أما باقي عمله فيه فقد كان ناقلًا سلبيًا في إيراده الآراء المتضاربة التي جمعها من الشروح المكونة لمادة شرحه.
وإذا كنا قد حكمنا بسلبية الرجل في عمله المتصل بالرواية وذهبنا من قبل إلى أن عمله الذي رأيناه منه في تجميع الأقوال التي يناقض بعضها بعضًا وتسجيلها في موضع واحد أمر يزعج القارئ والدارس معًا ويجعلهما في موقف الاضطراب والحيرة، فإن هذا لا ينبغي أن ينسينا ما سجلناه سابقًا عنه، إنه لم يكن مبدعًا في عمله بقدر ما كان جامعًا ناقلًا منتخبًا، وحسب الرجل أن يحقق هذا في شرحه وأن يترك لقارئه أو دارسه فرصة أن يختار من هذا التضارب والتناقض ما يرضي عقله وذوقه وفق معطياته الثقافية ومكنته في العمل والدراسة، وهذا بطبيعة الحال يضع قارئه أو دارسه في موقف عسير، لأن الرجال الذين كان ينقل عنهم- وعلى رأسهم أبو رياش وأبو هلال والمرزوقي وابن جني وأبو العلاء، رجال لهم وزنهم ومكانتهم في شرح الشعر وفهم لغته والخبرة الوافية بأساليب العرب فيه، ولا يعني هذا أنهم لا يخطئون في التأويل، فقد ثبت لنا ذلك عند بعضهم، ولكن أن ترجح رأي أحد منهم على الآخر في مسألة الرواية يحتاج إلى دليل مادي، يتمثل في الأصول التي اختار منها أبو تمام هذا الشعر، وأني لنا بهذه الأصول؟ . إذا كنا عاجزين عن أن نعثر على نسخة أصلية من عمل أبي تمام فهل نطمع في أن نعثر على أصول اختياره؟ بل إذا كنا عاجزين عن الحصول على جميع الشروح التي كان التبريزي ينتخب منها شرحه فهل يتيسر لنا أن نحصل على اختيار أبي تمام الأصلي أو على الأصول التي اعتمد عليها في اختياره.
و- شرح الألفاظ والتراكيب:
هذا العنصر ليس للتبريزي عمل ذاتي فيه سوى أنه قد أفاد من أعمال السابقين في مجال اللغة والنحو في شرح الألفاظ والتراكيب، وإذا كان له فضل عمل في هذا العنصر فإنه قد استطاع من خلال انتخابه أن يحقق توسعًا في الشرح اللغوي سواء في ذلك شرح الألفاظ أو التراكيب، وذلك أن هؤلاء العلماء الذين كان ينتخب من
стр. 260
أعمالهم- ابن جني وأبي العلاء والمرزوقي وغيرهم- قد حققوا في شروحهم مناقشات مستفيضة في القضايا اللغوية والنحوية، فكان تجميع ما أثاره في شرح واحد عملًا له قيمته من حيث استيفاء المادة المعروضة للنقاش والمساجلة من مختلف النواحي المتصلة بفروع اللغة.
والملاحظة التي نسجلها في هذا الخصوص أن انتخاب التبريزي في القضايا اللغوية كان أبرز منه في القضايا النحوية، وذلك أنه كان في جانب النحو المتصل بشرح التراكيب وما يتبعه من مسائل الأعراب يعتمد اعتمادًا يكاد يكون كليًا على المرزوقي، ولهذا قل انتخابه في مسائل النحو والإعراب. أما في مجال اللغة فقد كان انتخابه فيها واضحًا، وكانت الإضافات التوسعية بارزة بحيث نجدها في الكثير من الأمثلة، ومن ذلك ما جاء في تفسير لفظة "الكلالة" الواردة في بيت يزيد بن الحكم الثقفي القائل:
والمرء يبخل في الحقو ق وللكلالة ما يسيم
فقد انتخب في تفسيرها من شرحين: شرح المرزوقي وشرح أبي العلاء. نقل عن المرزوقي- ولم يسمه كعادته- "الكلالة هم الوارث ما خلال الوالد والولد، وأصله من تكلله النسب إذا أحاط به، وقيل: هو من الكلال الإعياء كأن بعد النسب أكله". ثم نقل عن أبي العلاء إضافة وتوسعًا في تفسير اللفظة قال: "وقال أبو العلاء الكلالة التي جاءت في الكتاب العزيز دلت على أنها يعني بها الأخوة من الأم، وفي موضع آخر وقعت على الأخت التي ترث النصف، فجائز أن تكون من الأب، وإذا قيل الكلالة من ليس بوالد ولا مولود دخلت فيه الأخت وغيرها من ذوي النسب".
ونراه في موضع آخر ينقل أقوال ثلاثة علماء في تفسير لفظة وردت في بيت لعبد اله بن عنمة يقول فيه:
стр. 261
فازجر حمارك لا يرتع بساحتنا إذن يرد وقيد العير مكروب
فقد أورد عن المرزوقي في معنى "مكروب" قوله: مكروب أي ملئ قيده فتلًا حتى لا يمشي إلا بتعب كأنه يضرب أو يستعمل حتى يرم جسمه، ويؤدي الوجع منه إلى موضع حافره فيضيق عليه".
ونقل عن أبي عبد الله النمري قوله: "كربت الشيء إذا أحكمته وأوثقته، ومعنى البيت أنا نرد الحمار مملوءًا قيده فتلًا كما يمتلئ الإنسان كربًا". ثم نقل عن أبي محمد الأعرابي معنى يختلف عن المرزوقي والنمري قال: "وقال أبو محمد الأعرابي: وقوله: "وقيد العير مكروب" أي إنهم يعقرونه والعقر أضيق القيود".
أما التراكيب فقد أفاد فيها إضافات من الشروح بحيث حقق فيها هي الأخرى توسعًا ضخمًا في شرح اللغة، الأمر الذي غنى المادة اللغوية بالكثير من أقوال العلماء، فمثلًا في تركيب "أهذا ما لكم بجلا" الوارد في بيت جابر بن رالان السنبسي القائل:
لما رأت معشرًا قلت حمولتهم قالت سعاد أهذا مالكم بجلا
نراه ينقل عن شرح المرزوقي- دون عزو- قوله: "وبجل في موضع الحال، والمعنى أهذا مالك مكتفى به، والأصل في بجل البناء على السكون، ودعت الضرورة إلى تحريكه فحركه بالفتح، كان الواجب إذا حرك الكسر فيه، ومنه قول الآخر:
نعم إن قلتما نعما
لأن نعم أيضًا مبني على السكون فحرك آخره للضرورة بالفتح كما ترى، وقد يضاف "بجل" لكونه اسمًا كما يضاف "قد" إذا كان بمعنى حسب قال: "بجلي الآن من العيش بجل". وينقل في الموضع ذاته من شرح أبي العلاء- ولكن بعزو-
стр. 262
قوله: "يجوز أن يكون نصب: "بجلا" كأنه قال أهذا مالك غير مجاوز ما أراه، ويجوز أن يكون أراد بجلي أي حسبي فقلب الياء ألفًا، لأن الأخفش وغيره حكوا أن بعض العرب يقول: "جاءني غلامًا" يعني غلامي فيقلب الياء ألفًا وعلى هذا أنشدوا:
أطوف ما أطوف ثم آوي إلى أما ويكفيني النقيع
فلا شك أنك تلحظ في مثل هذا العمل توسعًا في شرح المادة اللغوية، وهو توسع- بلا شك- ما كان ليتحقق لولا تجميع التبريزي لأقوال هؤلاء العلماء والانتخاب منها في موضع واحد من مواضع عمله في شرح الشعر.
ز- المعاني:
سبق أن أوضحنا أن التبريزي قد اعتمد شرح المرزوقي أصلًا لشرحه، ينقل منه بعزو وبدون عزو، ثم كان ينتخب من الشروح الأخرى ما يكمل به النقص الذي يجده في شرح المرزوقي أو يضيف منها ما يعد جديدًا بالنسبة لما ذكره المرزوقي، ولقد كان هذا العنصر من أبرز العناصر التي عول فيها على المرزوقي، وذلك أن المرزوقي- كما رأينا من قبل- كان قد اهتم بهذا العنصر اهتمامًا ملحوظًا، حيث يوضح معاني الشعر وما فيها من تأويلات، ويزيد على ذلك أنه كان يعرض هذه المعاني في أسلوب أدبي جذاب، ومن هنا كان الشراح ذوو المنهج التجميعي الانتخابي يعولون عليه في شروحهم، لاحظنا ذلك عند أمين الدين الطبرسي وعند الرواندي، وكلاهما سار في الطريق الذي سلكه التبريزي من قبلهما.
غير أننا حين نتتبع هذا العنصر في عمل التبريزي نجد أنه بجانب تعويله على المرزوقي فإن عمله لم يخل من انتخاب من شروح أخرى، جاء هذا في مواضع مختلفة من شرحه وهي مواضع دلت على إثراء هذا العنصر بالكثير من آراء الشراح في معاني الشعر بحيث ترى في الموضع الواحد أكثر من رأي.
ولا شك في أن هذه الآراء المتصلة بمعاني الشعر- وإن كان فيها تباين واختلاف
стр. 263
في بعض الأحيان فإنها تعطي القارئ فرصة الوقوف على أعمال الشراح فلي هذا العنصر، وبخاصة الشروح التي لم تصل إلينا، كما تعطيه فرصة التأمل والاختيار في التأويلات التي كان يذهب إليها العلماء بحيث تتكون لديه حصيلة وفيرة من معاني الشعر تمكنه من فهم النص الأدبي فهما يشمل جميع المعاني المحتملة فيه، وتهيئ له السبيل في إدراك معاني الشعر بعامة، ما اختاره أبو تمام وما لم يختره.
ونحن لا نريد أن نكرر أن التبريزي لم يكن له عمل خاص في هذا العنصر، ولكن مجرد تجميع أقوال العلماء والانتخاب منها يعد عملًا له فائدته، إذ يسهل للقارئ معرفة كل المعاني التي تتصل بالنص دون أن يكلف نفسه عناء قراءة الشروح التي انتخب منها التبريزي. هذا إذا توفرت لديه هذه الشروح. انظر مثلًا إلى هذا العمل في بيت موسى بن جابر الحنفي الذي يقول فيه: -
هلالان حمالان في كل شتوٍة من الثقل ما لا تستطيع الأباعر
فقد نقل أولًا قول المرزوقي فيه قال: "أي هما في الاشتهار والانتفاع بمنزلة هلالين، ويتكلفان في كل جدب ومحل من الأثقال والأعباء ما لو صارت أجرامًا لعجز عن النهوض بها وتحملها البعران". ثم نقل بعده قول النمري الذي قال: "أي هذان الرجلان يحملان من أعباء المغارم وأثقال الصنائع ما لو أنه يوزن لم تستطع حمله الإبل وهي أثقل الحيوان حملًا وأكثره صبرًا".
ولعلك تلحظ أن هذا القول في معنى البيت شبيه بما أورده المرزوقي ولكن التبريزي أورده لكي يورد لأبي العلاء عليه، فقد أتبع قول النمري بما وجده في شرح أبي العلاء الذي قال: "قد تأول النمري له معنى قد يجوز مثله، ولكنه بعيد، وإنما ينبغي أن يحمل الشيء على الشيء على ما كثر، وذلك أنه ذهب- أي الشاعر- إلى أن هذين الممدوحين يحملان من قرى الأضياف ومن نحر الإبل ما لا تستطيعه الأباعر، أي أنها لا تقوى عليه لأنه يهلكها، وهذا مجانس قولهم بنو فلان ظلامون للجزر، وقال ابن مقبل:
عاد الأذلة في داٍر وكان بها خرس الشقاشق ظلامون للجزر
стр. 264
أي إنهم يعقرونها كثيرًا، فكأن ذلك ظلم لها، ونحو منه قول الآخر:
قتيلان لا تبكي المخاض عليهما إذا شبعت من قرمٍل وأفاني
أي كانا يعقرانها فلما قتلا لم تبك عليهما". أورد التبريزي قول أبي العلاء هذا ثم عقب عليه بقوله: "فلا تعدلن عما ذكره أبو العلاء إلى غيره".
ولقد رأينا في صدر كلام المرزوقي أنه يذهب في معنى "هلالان" إلى أن الممدوحين في الاشتهار بمنزلة هلالين فنقل التبريزي في الموضع ذاته قول أبي محمد الأعرابي الذي جاء فيه "سألت أبا الندى عن قوله "هلالان" من هما؟ فقال: هما مرداس وعامر ابن شماس بن لأي من بني أنف الناقة، أمهما من بني العنبر وهما خالا موسى بن جابر الحنفي" فعقب التبريزي على هذا بقوله: "وهذا خلاف ما ذكره المرزوقي".
فانظر أي فائدة يحصل عليها القارئ من هذا العمل الانتخابي الذي لم يخل من تدخل التبريزي، وهذا الموضع من المواضع النادرة في شرحه التي كان يبدي فيها رأيًا حول ما ينتخبه في شرحه، أما جل المواضع الأخرى فقد كان انتخابه فيها مثل انتخابه الذي رأيناه في عنصر الرواية، إيراد للأقوال والآراء دون مفاضلة أو اختيار، وذلك مثل عمله في بيت الحماسة الذي نسبه أبو تمام لبعض بني فقعس وهو:
كيما أعدهم لأبعد منهم ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد
فقد نقل أولًا قول المرزوقي في معنى البيت دون عزو وهو: "أي قد يضطر الإنسان إلى نصرة بني الأعمام وإن كانوا منطوين على ضغائن، وهذا كما قيل لبعض حكماء العرب، ما تقول في العم وابن العم؟ قال: عدوك وعدو عدوك". ثم قال معنى آخر لأبي هلال قال: "وقال أبو هلال: يقول: ربما يضطر الإنسان أعدائه في بعض الأمور، ومثله قول الآخر:
стр. 265
وإني لأستبقى امرأ السوء عدًة لعدوة عريٍض من الناس جانب
أخاف كلاب الأبعدين ونبحها إذا لم يجاوبها كلاب الأقارب
ثم شفع ذلك بنقل ثالث لأبي عبد الله النمري في معنى جزء من البيت وهو "لأبعد منهم" قال: وقال النمري: لأبعد منهم أي لمن هو أبعد عداوة منهم، أي أشد، من قوله : "وضلوا ضلالًا بعيدًا". ثم أردفه باعتراض أبي محمد الأعرابي على هذا المعنى قال: "وقال أبو محمد الأعرابي: غلط- أي النمري- في قوله لأبعد عداوة منهم، وإنما هو لأبعد قرابة منهم".
فأنت ترى أنه يورد هذه الأقوال- وهي مختلفة مناقضة بعضها بعضًا- بدون أن يتدخل فيها بالرأي لبيان أي من هذه الأقوال وافق الصواب وأي لم يوافقه.
هذه هي العناصر التي رأينا فيها لدى التبريزي عملًا انتخابيًا يحقق المنهج الذي سلكه، أما عنصر البلاغة والنقد فإن عمله فيه كان مقصورًا على النقل عن المرزوقي وعن أبي هلال، كان ينقل عن المرزوقي آراءه في الألوان البلاغية التي تعرض له في نصوص الحماسة، وينقل عن أبي هلال لمحاته النقدية التي كان يراها في الأبيات المختارة في الحماسة، ولهذا فإن من التكرار أن نتعرض بالدراسة لهذا العنصر عنده لأن عمل المرزوقي في البلاغة قد درسناه في منهجه في الفصل الثاني من هذا القسم، أما عمل أبي هلال في النقد فسوف نعرض له بالدراسة في القسم الثالث من هذا البحث.
والآن- وقد فرغنا من استعراض عناصر الشرح التي شكلت انتخابًا في عمل التبريزي- لدينا بعض الملاحظات حول عمل التبريزي في الحماسة نود أن نختم بها هذه الدراسة:
أولاها: أنه كان ينظم ما ينقله من الشروح، فقد رأيناه يكثر النقل من المرزوقي، ولكنه كان يتصرف فيما ينقله حيث ينظمه ويرتبه وفق الرؤية التي يراها في معالجة
стр. 266
عناصر الشرح، لا وفق ما جاءت في شرح المرزوقي، ولعلنا نذكر أننا حين تكلمنا عن طريقة المرزوقي في شرح النص أوضحنا أنه كان يتعامل مع النص بالشرح وفق الخطرة الأولى التي يخطر له عند قراءته، قد تكون هذه الخطرة جانبًا يتصل بالرواية فيناقشه أولًا، وقد تكون بلاغة فيبدأ بها، وقد تكون لفظة فيشرحها، وربما كانت تركيبًا فيعالج شرحه بداية، وأحيانًا قد تكون الخطرة في المعنى ذاته أو في الغرض الذي قيل فيه الشعر فيسجله، أما التبريزي فقد كان عمله أشبه بالشيء التنظيري الذي يسير وفق طريقة تقليدية هي شرح الألفاظ ثم التراكيب ثم إيراد المعنى وما فيه من اختلافات بين الشراح وأخيرًا البلاغة والنقد، وربما سبقت إيراد المعنى مناقشة الرواية، ولذا كنا نراه حين ينقل عن المرزوقي عملًا متعدد العناصر لا ينقله كما جاء في شرح المرزوقي وإنما يتدخل فيه بالتقديم والتأخير، ولم يكن يهدف من هذا أن يخفي أخذه عن المرزوقي قصدًا إلى الإيهام والتمويه كما ظن الدكتور أحمد جمال العمري، وإنما كان الرجل يحقق رؤيته الخاصة في ترتيب العناصر في عملية الشرح، وتستطيع أن تدرك هذا من خلال نماذج متعددة رأيناها في نقله عن المرزوقي، ولكن يكفي أن نعرض لك نموذجًا واحدًا حتى تدرك صدق ما ذهبنا إليه، وذلك في بيت ربيعة بن مقروم القائل:
وألد ذي حنٍق علي كأنما تغلي عداوة صدره في مرجل
فقد جاءت خطوات المرزوقي في شرحه على النحو التالي:
١ - خطر له أول ما خطر أن يسجل في البيت جانبًا بلاغيًا فقال: "أخرج التشبيه ما لا يدرك من العداوة بالحس إلى ما يدرك من غليان القدر حتى تجلي فصار كالمشاهد".
٢ - انتقل فشرح أول لفظة في البيت، وهي لفظة "ألد"، قال: "والألد الشديد الخصومة، كأنه لد بالخصومة أي أوجر فلد به، ولذلك كان اللدد مصدر ألد ويقال في معناه ألندد".
стр. 267
٣ - شرح لفظة الحنق قال: "والحنق شدة الغيظ يقال أحنقه فحنق".
٤ - أورد معنى البيت فقال: "يقول: رب خصم شديد الخصومة ذي غيظ وغضب علي تغلي في صدره غليان المرجل بما فيه إذا كان على النار أنا دفعته عن نفسي".
٥ - وضح جواب "رب" من قوله "وألد" فقال: وجواب رب هو صدر البيت الثاني.
٦ - رجع مرة أخرى إلى تفسير لفظة الحنق فقال: "والحنق يجوز أن يكون عن اللزوق كأن الحقد لزق بصدره، ومنه يقال: أحنقت الدابة إذا أضمرتها".
هذه هي خطوات المرزوقي في شرح البيت، وهي بلا شك تفتقر إلى الترتيب المألوف الذي درج عليه الشراح في شرح النص الشعري، ولهذا كان من الطبيعي ألا ينقله التبريزي كما ورد في شرح المرزوقي، إنما كان عمله في البيت على النحو التالي:
١ - نقل عن المزروقي خطوته الثانية وهي شرحه للفظة الألد.
٢ - نقل عن أبي العلاء إضافة في شرح اللفظة قال: "وقال أبو العلاء خصم ألد أي شديد الخصومة كأنه يمل عما يريد صاحبه، أخذ من اللديد وهو صفحة العنق وجانب الوادي".
٣ - مزج بين خطوتي المرزوقي الثالثة والسادسة فأورد ما قاله في معنى الحنق.
٤ - أورد معنى البيت كما جاء في شرح المرزوقي.
٥ - سجل ما جاء في خطوة المرزوقي الأولى وهي الجانب البلاغي.
٦ - نقل قول المرزوقي: "وجواب رب هو صدر البيت الذي يليه" وختم به عملية شرح البيت ليدخل في البيت التالي الذي هو جواب رب.
стр. 268
وهكذا نلاحظ أن خطوات التبريزي بدأت من شرح الألفاظ ثم المعنى ثم الجوانب الفنية التي تتصل بالأسلوب، وأخيرًا الربط بين البيت وتاليه، وهذه الخطوات المنتظمة في الشرح لها قيمتها في خدمة الغاية التعليمية التي قلنا بأن شروح الحماسة قد ارتبطت بها منذ ظهورها، وظلت كذلك في مختلف العصور التي تنقلت فيها. وهي بغير شك مفيدة في استيعاب القارئ الدارس لشرح الشعر.
وثانية هذه الملاحظات أنه- على كثرة نقله من الشروح دون أن يبدي رأيًا فيما ينقل- كانت له بعض المواقف التي دلت على شخصيته في العلم الانتخابي وهي مواقف- وإن كانت ضئيلة إذا ما قيست بالكثرة الكاثرة التي بدا فيها مجرد جماع ناقل منتخب- فإنها على أية حال دلت على ذاتية فيه، وعلى حضور ذهن فيما كان يعرضه من آراء. ومن أمثلة ذلك عمله في البيتين اللذين وردا في باب الملح وهما:
ولقد غدوت بمشرٍف يافوخه عسر المكرة ماؤه يتدفق
أرٍن يسيل من النشاط لعابه ويكاد جلد أهابه يتمزق
فقد أورد فيهما رأيًا لأبي محمد الأعرابي هو أن الضرب منهما مغير وأن الصواب ما نقله عن شيخه أبي الندى وهو:
ولقد غدوت بمشرٍف يافوخه عسٍر المكرة ماؤه يتفصد
مرٍح يمج من المراح لعابه ويكاد جلد أهابه يتقدد
حتى علوت به مشق ثنيٍة طورا أغور بها وطورًا أنجد
فعلق التبريزي على هذا بقوله: "والبيتان معروفان وهذه الأبيات الثلاثة غريبة، ولا يمتنع أن تكون هذه غير البيتين، فقد يقع الحافر على الحافر حتى لا تختلف كلمة من البيت غير ما يتعلق بالقافية نحو قول امرئ القيس:
يقولون لا تهلك أسى وتحمل
стр. 269
وقول طرفة: يقولون لا تهلك أسى وتجلد.
ومن ذلك أيضًا ما جاء عنه في بيت زياد بن حمل القائل:
وحبذا حين تمسي الريح باردًة وادي أشٍي وفتياٌن به هضم
فقد شرح التبريزي "هضم" بأنه جمع هضوم، وهو المنافق في الشتاء، ثم قال: سألت الرقي عن قوله هضم ما معناه؟ فقال جمع أهضم وهو الضامر البطن، فقلت له قد ذكر لي أبو العلاء شيئًا غير هذا فقال: ما هو؟ قلت: قال: هضم يعني أنهم يهضمون المال أي يكسرونه وينفقونه فأنشد:
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام
فهذا المثال وسابقه وغيرهما في شرحه تدل على شخصية الرجل من حيث قراءته ولقاءاته بالعلماء ومساءلته لهم، والإفادة من ذلك في مواضعه الصحيحة من الشرح، وهو يؤكد حضوره الذهني واستدعاء المعلومات في حينها أثناء عملية الانتخاب في شرح الشعر.
وإذا كانت هاتان الملاحظتان إيجابيتين في عمل التبريزي الانتخابي فإن لنا أخريين سلبيتين في العمل ذاته: أولاهما: تخصه وتخص غيره من الشراح الذين اتبعوه في منهجه التجميعي الانتخابي، وهي أنهم كانوا لا يعزون جميع ما ينقلونه من آراء وأقوال إلى أصحابها، وبخاصة حين ينقلون عن المرزوقي فهم- التبريزي والطبرسي والرواندي- يوردون كلام المرزوقي في صورة توحي بأن هذا من عملهم، وهذه بطبيعة الحال ظاهرة لها خطورتها من حيث أنها تجعل الدارسين لشروحهم أو المستفيدين منها في اضطراب مستمر، حين ينسبون لهم أقوالًا ليست لهم أو يجعلون لأعمالهم قيمة لا تؤول إليهم في واقع الأمر، ولقد حدث هذا بالفعل من البغدادي في خزانة الأدب، ومن بعض الباحثين المعاصرين، فلقد رأينا البغدادي في أكثر من
стр. 270
موضع في الخزانة ينسب رأيًا للتبريزي أو لأمين الدين الطبرسي، وهو ليس لهما، وإنما لابن جني أو المرزوقي.
وكذلك أوقع صنيع التبريزي في نقله أعمال العلماء دون عزو باحثًا معاصرًا- هو الدكتور فخر الدين قباوة- في وهم كبير حين ظن أن كل ما جاء في شروح التبريزي من أعمال رائعة لشراح سابقين إنما هي للتبريزي، وأقام على ذلك حكمًا لا يستند شيء، ولو أنه رجع إلى مصادر التبريزي في شرحه لإدراك هذه الحقيقة، وهذا ما نبه إليه الدكتور العمري حين قال: "لقد ضلل التبريزي فخر الدين قباوة، وأغرقه في الوهم حين جعله يعتقد أن الإبداع الفني كله خليق به، من جهده، من فهمه، والحقيقة أنه وإن كان من صنع يديه لكنه ليس من إعمال عقله أو كد فكره إنما هو لمام جمع عارض سارد".
وثانيهما: هذا الإسهاب الذي رأيناه منه في نقله أخبار الشعر عن أبي رياش وما يتصل بها من شخصيات وأشعار، وقد أدى هذا الإسهاب إلى خلل في تنظيم العناصر عنده، بحيث تغول هذا العنصر في بعض المواضع على سائر العناصر الأخرى، وهو لم يكن يكتفي بإيراد هذه الأخبار وما يتصل بها فحسب، بل كان يزيد عليها تعليقات شيخه أبي العلاء على جزئيات منها، فهو مثلًا قد نقل عن أبي رياش خبر أرجوزة أدهم بن أبي الزعراء التي مطلعها:
قد صبحت معٌن بجمٍع ذي لجب
وهو خبر طويل جدًا وردت فيه أشعار مختلفة منها أبيات لمعدان بن عبيد الطائي وجههًا لمروان بن الحكم منها هذا البيت:
стр. 271
ألم تر للخلافة كيف ضاعت إذا كانت بأبناء السراري
فلم يكتف التبريزي بإيراد الخبر وما قيل فيه من أشعار وإنما زاد عليه ما جاء عن أبي العلاء في مناقشته للفظة "السراري" الواردة في البيت السابق، وهي مناقشة فيها إفاضة وإسهاب قال: "السراري جمع سرية وحق الجمع أن يكون مشدد الياء فخففه للضرورة، وقد اختلف في اشتقاقها فقيل: هي من السر الذي هو النكاح، وقيل إنما سمي سرًا لأنه يستسر به عن العيون، وقيل: سميت سرية لأن مالكها يسر بها وهذا أقيس من القول المتقدم لأنهم يسمون السر سرًا بضم السين قال طرفة:
ففداٌء لبني قيٍس على ما أصاب الناس من سٍر وضر
فوزنه على فعلية، وقال قوم: إنما أخذت السرية من السراة وهي أعلى الشيء، فقيل: أراد أن مالكها يملك سراتها، وقيل: بل ذلك من فعل السراة من الناس لأن السراري إنما يتخذها أهل اليسار والسعة، وقال قوم: سميت سرية لأن مالكها يطرقها ليلًا فكأنه يسري إليها، ووزنها على هذه الوجه فعولة، وذلك أقيس من أن تجعل فعيلة إنما حكى في قولهم كوكب دري، وفعولًا وإن كان قليلًا فهو أكثر في الكلام قالوا: السبوح والقدوس والذروح".
فهذا الاستطراد المسهب في شرح لفظة ترد في بيت من أبيات الاختيار وإن كان له قيمته في التوسع اللغوي الذي تميز به شرح التبريزي فإنه في الوقت ذاته قد أخل بإحدى صفات هذا المنهج المتمثلة في إيراد العناصر محاطة بالتناسق والتنظيم مشمولة بالمواءمة التي لا تجعل عنصرًا يطغى على العناصر الأخرى.
هذا هو عمل التبريزي في الحماسة، حاولنا أن نعرضه في صورة لا تغمط الرجل حقه، فهو شارح حاول أن يبتكر منهجًا مغايرًا لسابقيه في شرح الشعر، وجد شيوخه وسابقيهم قد عالجوا الحماسة في شروحهم من نواح مختلفة كل شرح يركز على ناحية دون الأخرى، فأراد بمنهج جديد أن يجمع بين هذه النواحي في شرح واحد أي
стр. 272
أن يجمع شروحًا في شرح، ومن ثم جاء عمله جامعًا بين مناهج مختلفة، وأساليب متباينة وهو وإن بدا في عمله غير خلاق أو مبتكر فإنه في مقابل ذلك دل على جهد مضٍن، وعلى استيعاب شامل، وعلى وعي وإدراك وحضور ذهن، في استدعاء معلوماته التي قرأها أو سمعها من شيوخه أثناء عملية الشرح وأن يوظف ذلك في مواضعه، وفي هذا فضل لا ينكر ولو شفعه بفضل آخر بأن عزا نقولاته إلى أصحابها لكان شرحه الغاية الخالدة في هذا المنهج.
* * *
стр. 273
الفصل السادس: المنهج الاختصار التسهيلي والشرح المنسوب لأبي العلاء
رأينا فيما سبق وصفًا لهذا المنهج، وأدركنا من خلال هذا الوصف أنه منهج يقوم على اختصار المعلومات التي يقتضيها الشرح وتسهيل عرضها للقراء بما يحقق الغاية من فهم النص بأقرب السبل وأسهل الطرق، لأنه منهج يراعي المتلقين للشروح وقدراتهم على الاستيعاب والتحصيل واختلاف أهوائهم ومشاربهم في قراءة الشعر وتذوقه وفهمه من خلال الشروح وفق العناصر التي تتألف منها عملية الشرح، فهو يقدم لهم هذه العناصر سهلة ميسرة خالية من تضخم المعلومات وإشباعها بالاستطراد والتطويل، بعيدة عن الإغراب والتعقيد، يقدم اللغة ويناقش ما فيها من قضايا ولكن بقدر محدود، ويعالج النحو والصرف ولكن بصورة تؤدي إلى إدراك المعنى فحسب، ويتعرض للرواية ولكن في لمحات تشير إلى اختلافها وتعددها، ويذكر أخبار الشعراء ومناسبات الشعر ولكن في اختصار وإيجاز يعينان على فهم البواعث التي أدت إلى قول الشعر أو الجو الذي قيل فيه، إلى غير ذلك من العناصر التي يقتضيها الشرح وحقق فيها هذا المنهج خطوات واضحة المعالم في الاختصار والتسهيل، خطوات تتفق مع تطور الحياة وتبدل القرون وتوالي الأجيال، وما يعتري هذه الأجيال من علو وانحدار في الدرس والتحصيل وفق التطور الذي يحدث في الحياة ووفق تبدل الأحوال من قرن إلى قرن.
هذا ملخص ما رأينا في وصف هذا المنهج، أما تطبيقه في الشروح التي وصلت إلينا فقد سبق أن أوضحنا أنه يمكن تطبيقه في شرحين أحدهما الشرح الذي رجحنا نسبته إلى زيد بن علي الفارسي المتوفى سنة ٤٦٧ هـ، والآخر الشرح المنسوب خطأ لأبي العلاء المعري الذي أثبتنا في دراستنا لثبت شروح الحماسة أن لا صلة لأبي
стр. 274
العلاء به، وأن صاحبه أحد علماء القرن السادس الهجري الذين تلقوا العلم على أبي منصور موهوب الجواليقي المتوفى سنة ٥٣٩ هـ.
ولما كنا قد خصصنا الكتاب الثاني من هذا البحث لتحقيق الشرح المرجح نسبته إلى زيد بن علي ودراسته رأينا أن يقوم تطبيق هذا المنهج على الشرح المنسوب لأبي العلاء حتى لا نقع في تكرار مخل أو يكون في العمل ازدواجية يجب تلافيها.
ولعل أول شيء تجدر الإشارة إليه في هذا الشرح المنسوب لأبي العلاء هو مصادره، فقد أثبتت دراستنا له أن صاحبه قد أفاد من شروح سبقته، أفاد من شروح أبي رياش وأبي عبد اله النمري، وأبي علي المرزوقي، ومن ابن جني في كتابيه التنبيه والمبهج، كما أفاد من أقوال العلماء الأوائل وبخاصة في مجال اللغة والنحو من أمثال أبي عبيدة معمر بن المثنى وعبد الملك الأصمعي وأبي زيد الأنصاري، وهو في مجال اللغة والنحو كثيرًا ما ينقل عن ابن جني، كما نقل عن شيخه أبي منصور الجواليقي في موضع واحد فقط.
ومن المدهش حقًا أن ينسب هذا الشرح لأبي العلاء في حين أن قراءتنا له قد أثبتت أن صاحبه لم يفد من أبي العلاء في شيء، ولا ذكره في ثنايا شرحه ولا كان من مصادره التي أفاد منها.
ولقد لاحظنا في عمل هذا الشارح أنه كان ينقل من مصادر أخرى دون أن يدل على أصحابها، فبقراءتنا لما تحت يدنا من شروح تأكد لدينا أنه ينقل من شرح التبريزي، ولكنه لم يذكره في شرحه، بدلالة ما جاء في شرحه البيت الذي نسب في الحماسة للعباس بن مرداس، وقد جاءت روايته في متن هذا الشرح على النحو التالي:
ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسٌد مزير
فقال فيه: "من روى أسد يزير فليس بجيد لأن تشبيهه له بالأسد لا فائدة لذكر
стр. 275
الزئير معه، ولا يدوم على حالته هذه، ومن روى مرير بالراء غير المعجمة أي قوي القلب، وبالزاي الماضي الندب".
فهذا القول مأخوذ بنصه من شرح التبريزي، والتبريزي نفسه أخذه من المرزوقي دون أن يشير إلى أخذه منه، ولولا اتفاق صاحب هذا الشرح والتبريزي في تفسير معنى مرير بالراء ومزير بالزاي بما فيه اختلاف عند المرزوقي لقلنا إنه نقل من المرزوقي مباشرة، لأنه ذكر المرزوقي في ثنايا شرحه وأفاد منه- كما أسلفنا. وليس التبريزي وحده هو الذي نقل عنه صاحب هذا الشرح دون أن يشير إليه فلقد رأيناه في مواضع متفرقة ينقل عن الشرح المرجح نسبته لزيد بن علي دون أن يشير إلى أنه قد أخذ عنه، ومن أمثلة ذلك ما جاء عنه في بيتي عبد الله بن الزبير الأسدي اللذين يقول فيهما:
فإنك لو سمعت بكاء هنٍد ورملة إذ تصكان الخدودا
سمعت بكاء باكيٍة وباٍك أبان الدهر واحدها الفقيدا
فقد قال فيهما: قال هند ورملة ثم قال باكية وباك فجاء بأنثى وذكر، ثم قال: واحدها الفقيدا ولم يقل واحدهما. يقول: لو سمعت بكاء باكية أبان الدهر واحدها، أي هما تنوحان وتلطمان الخدود معًا لا يفترقان فيقدر أنهما باكية واحدة لاتصال أصواتهما، وعطف بقوله باك على هذا".
فهذا الكلام تجده بنصه في الشرح المرجح نسبته إلى زيد بن علي مع حذف بعض الزوائد في الكلام. ومثله أيضًا ما جاء في قطعة النسيب التي صدرها أبو تمام بقوله: "وقال آخر" والتي جاء منها:
أحقًا يا حمامة بطن فلٍج بهذا الوجد أنك تصدقينا
أرار الله نقيك في السلامى على من بالحنين تشوقينا
стр. 276
فإني مثل ما تجدين وجدي ولكني أسر وتعلنينا
وإني لو بكيت جرت دموعي وإنك تعولين وتكذبينا
وبي مثل الذي بك غير أني أجل عن العقال وتعقلينا
فقد قال صاحب هذا الشرح: "الأبيات ما خلا البيت الأول تدل على أنه خاطب ناقة، ولا يخلو أن يكون البيت الأول من القصيدة أو من غيرها، فإن كان من غيرها فقد غلط في وضعه هنا (يعني أبا تمام)، وإن كان منها فلا يخلو من أن يكون في ذكر الحمامة، ثم صرف الخطاب إلى الناقة لأن السلامي ما سمع في الطائر ولا العقال، أو يكون السلامي مجازًا، ويجوز أن يكون سمى ناقته حمامًة لسرعتها".
وهذا أيضًا موجود بنصه في شرح زيد بن علي، وهذا ما يجعلنا نقول: إن ظاهرة النقل من الشروح دون الإشارة إلى أصحابها قد اتسعت منذ أواخر القرن الخامس عند الخطيب التبريزي الذي بينا أنه كثير النقل من غيره دون أن ينص على ذلك واستمرت بعد ذلك طوال القرون التي تلت القرن الخامس.
على أن ما يهمنا من مصادر هذا الشرح سواء ما يدل عليها أو لم يدل عليها هو مدى إفادته من معلومات في هذه المصادر وعرضها وتوظيفها بما يتلاءم والمنهج الاختصاري التسهيلي الذي سلكه في شرحه، وهذا يدفعنا إلى أن ندرس عناصر الشرح في عمله حتى نتبين كيف تحقق تطبيق هذا المنهج فيه.
أ- أسماء الشعراء والأعلام:
أفاد صاحب هذا الشرح من كتاب المبهج لابن جني في تحقيق هذا العنصر، ولكنه كان ينقل معلوماته في هذا الخصوص بإيجاز بالغ واختصار شديد، ولقد رأينا ابن جني من خلال منهجه العلمي التخصصي يستطرد في أعماله الخاصة بأسماء شعراء الحماسة وأعلامها استطراد واضحًا، أما صاحب هذا الشرح فقد كان يأخذ منه ما يحقق شرح الاسم أو العلم دون مجاراة ابن جني في إسهابه واستطراداته،
стр. 277
فمثلًا في شرح اسم "الفند الزماني" نجده يقول: "الفند الشمراخ من الجبل، كان يقال له عديد الفوارس لشجاعته، واسمه شهل بن ربيعة بن زمان، جاهلي"، فهو بهذا يشرح في إيجاز لقب هذا الشاعر وصفته ويورد اسمه ونسبه وعصره. أما ابن جني فقد أسهب في شرح لقب هذا الشاعر، ذكر أنه اسمه شهل ابن شيبان ثم وضح أنه لقب بالفند لعظم خلقته تشبيهًا بفند الجبل وهو قطعة منه، وبين أن جمع الفند أفناد، ثم انتقل فشرح "زمان" وبين احتمالات اشتقاقه مستطردًا كعادته في الحديث عن الأعلام المختومة بألف ونون مما يجهل أصل نونه هل هي زائدة أو أصلية وهل الاسم على وزن فعلان بحكم زيادة نونه أو فعال بحكم أصليتها، ثم انتقل بعد ذلك إلى شهل فأطال في شرحه وبيان اشتقاقه.
وفي اسم "أنيف بن زبان النبهاني" لم يقف صاحب هذا الشرح عند أنيف وإنما شرح زبان فقال: "زبان فعلان من الزبب وهو كثرة الشعر، ونبهان قبل يقظان".
ولا شك أنه نظر إلى المبهج حين قال هذا الشرح، ففي المبهج نجد قول ابن جني "أنيف تحقير أنف، ويجوز أن يكون تحقير أنف من قوله: "أو روضة أنفًا"، ويجوز أن يكون تحقير أنف وزبان للعلمية، فعلان من الزبب، وليس بفعال من الزبن، ألا تراه غير مصروف، ونبهان من الانتباه أو النياهة، فإذا كان من الانتباه فهو كقولهم في التسمية يقظان".
فأنت ترى أنه قد أفاد مما جاء في المبهج، ولكن في إيجاز واختصار واضحين يدلان على طريقته في معالجة هذا العصر وفق المنهج الذي رسمه لنفسه في عملية الشرح.
стр. 278
ب- أخبار الشعراء ومناسبات الشعر:
وكذلك لا نراه يخرج عن سبيل منهجه في ذكر أخبار الشعراء ومناسبات الشعر، فهو يستعين في هذا العنصر بما أورده أبو تمام في مقدمات ما اختاره من قطع، وبالشروح التي سبقته وبخاصة شرح أبي رياش الذي سبق أن أوضحنا أنه أكثر الشراح عناية بهذا العنصر، غير أنه كان يعرض الأخبار والمناسبات لا كما يقرؤها في هذه الشروح، وإنما يعرضها وفق منهجه القائم على الاختصار والتسهيل، ففي باب الرثاء نراه ينقل لنا خبر القطعة التي مطلعها:
خليلي هبا طالما قد رقدتما أجدكما لا تقضيان كراكما
ولخص هذا الخبر في "أن رجلين من بني أسد قد خرجا إلى أصبهان فآخيا دهقانًا بها في موضع يقال له راوند ونادماه فمات أحدهما وغبر الآخر والدهقان ينادمان قبره، يشربان كأسين ويصبان على قبره كأسًا، ثم مات الدهقان فكان الأسدي الغابر ينوح على قبريهما ويترنم بهذا الشعر إلى حيث مات".
وفي باب المديح نراه ينقل خبرًا عن أبي رياش يذكر فيه ما جرى بين ابن عنقاء الشاعر وعميلة الفزاري، حين رأى عملية سوء حال ابن عنقاء فأفاض عليه بما يكفل له هناء العيش ورغده، فتحركت نفس ابن عنقاء لمدح عميلة فقال فيه ما رواه أبو تمام من شعر في هذا الباب.
وحين وازنا بين ما أورده التبريزي عن أبي رياش في خبر هذه القطعة وما نقله هذا الشارح وجدنا فرقًا في النقلين، فالتبريزي يروي الخبر كما وجده في شرح أبي رياش، في حين أن صاحب هذا الشرح يرويه في اختصار لا يخل بالغرض الذي من أجله روى الخبر وهو بيان الباعث الذي حرك ابن عنقاء لمدح عملية، وما جاء في الأبيات من معان مرتبط بالخبر ودال عليه، بل إن معاني القطعة لا تتضح إلا بإيراد
стр. 279
الخبر، وهذا يدل على أن أصحاب هذا المنهج لا يعرضون من الأخبار والقصص إلا ما يعين على فهم النصوص، يؤكد ذلك أننا وجدنا التبريزي يورد كثيرًا من أخبار الشعر ومناسباته نقلًا عن أبي رياش وهي أخبار لا نجدها في هذا الشرح بالرغم من أن صاحبه قد اعتمد أبا رياش مصدرًا من مصادره ورأى شرح التبريزي، كما أسلفنا.
جـ/ بحور الشعر وأضربه وقوافيه:
لم يهتم صاحب هذا الشعر بهذا العنصر اهتمامًا تامًا، إذ رأيناه في بداية عمله في الباب الأول من الاختيار، وهو الحماسة، يوضح في جملة من قطع هذا الباب بحر الشعر فقط دون أن يذكر نوع الضرب أو نوع القافية فهو مثلًا نراه يقول في صدر القطعة: "وقال أبو الغول الطهوي من الوافر" أو: "وقال الفرار السلمي من الكامل" أو "وقال محمد بن عبد الله الأزدي من الطويل وهو مخروم"، ولكنه لم يلتزم بهذا في جميع قطع الاختيار بأبوابه العشرة، وإنما ظل يذكر بحر كل قطعة حتى بداية الثلث الثالث من باب الحماسة تقريبًا، ثم عدل عن ذلك، فلم يعد يحدد البحر في القطع الأخيرة من باب الحماسة أو الأبواب التي تلته، وليس من تعليل في هذا المسلك لأنه إن لم يكن قد رأى شرح أبي العلاء المعري ذي الاهتمام بأوزان الشعر وأضربه وقوافيه فإنه على الأقل رأى شرح التبريزي وأفاد منه، كما رأى شرح زيد بن علي ونقل منه، وكلا الشرحين قد عني بهذا الجانب لاسيما التبريزي الذي أوضح بحور الشعر في هذا الاختيار عدا اثنتين وستين قطعة. فكان ينبغي عليه أن يفيد منهما في خدمة هذا العنصر، ولا ينبغي أن نعزو هذا إلى ناسخ الشرح لأن الناسخ إذا غفل عن ذكر البحر في بعض القطع فإن هذه الغفلة لن تقع منه في جميع الأبواب التسعة التالية للحماسة، ولو كان صاحب هذا الشرح من المتقدمين لعزونا
стр. 280
ذلك إلى أن تحديد بحور الشعر وأضربه وقوافيه لم يكن في نظر المتقدمين من الشراح من العناصر اللازمة في عملية شرح الشعر على النحو الذي فصلنا الحديث فيه عند دراستنا لشرح المرزوقي.
و- الرواية:
وجدت الرواية شيئًا من الاهتمام في هذا الشرح غير أن صاحبه كان يعالجها في اختصار واضح، فهو في أغلب الأحيان يشير إلى اختلاف الرواية دون شرح أو مفاضلة، وفي بعض الأحيان كان يتولى شرح الرواية التي يشير إليها في أثناء عملية الشرح، فمثًلا في بيت المرار بن سعيد الفقعسي جاءت روايته له على النحو التالي:
إذا شئت يومًا أن تسود عشيرًة فبالحلم سد لا بالتنزع والشتم
وهي رواية مخالفة لرواية سائر الشراح الذين وقفنا على شروحهم حيث رووا "لا بالتسرع والشتم" ولقد أشار إليها صاحب هذا الشرح قال: "ويروي بالتسرع" ثم لم يكتف بذلك بل مضى شارحًا فقال: وهما أي التنزع والتسرع بمعنى واحد يقال: رجل نزع أي عجول وتنزع إذا تعجل".
وربما خالف مسلكه قليلًا في الاختصار حيث كان يطيل في شرح بعض الروايات فقد قال في بيت أرطاة بن سهية الذي رواه هكذا:
كفى بيننا ألا ترد تحيٌة على جانٍب ولا يشمت عاطس
"من روى يسمت بالسين فذلك لأن العاطس إذا عطس انتفض فيدعي له بإعادته إلى سمته، ومن رواه بالشين المعجمة فهو من الشوامت أي القوائم، وبها عصمة صاحبها فكأنه دعا له بأن ينهضه الله".
وفعل مثل هذه الإطالة في الشرح في بيت عبد الشارق بن عبد العزى، وقد رواه على هذا النحو:
стр. 281
ردينة لو شهدت غداة جئنا على أضماتنا وقد اختوينا
فقد شرح الرواية التي أثبتها في منته ثم ذكر روايتين أخريين وشرحهما، قال: "من رواه بالخاء المعجمة من فوق فهو من الخوى وهو الجوع، أي توحشنا من الطعام لأجل الحرب، وقيل: هو من أخويته إذا أذهبت قلبه، ومن رواه بالحاء غير المعجمة فالمعنى أنه يريد ملأنا أيدينا من الغنائم، ومن رواه بالجيم فالمعنى قد دويت قلوبنا واحترقت أكبادنا من الغيظ، وهو من الجوى يريد العداوة".
ولقد لاحظنا في عمله الخاص بالرواية أنه لم يفاضل بين الروايات أو ينتقد ما يورده منها إلا في موضعين فقط أحدهما الموضع الذي أشرنا إليه من قبل حين انتقد رواية "يزير" في بيت العباس بن مرداس:
ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسٌد مزير
ونقل عن التبريزي ما نقله عن المرزوقي في أن "من روى أسد يزير فليس بجيد لأن تشبيهه له بالأسد لا فائدة لذكر الزئير معه، ولا يدوم على حالته هذه"، والآخر جاء عنه في بيت عمرو بن معدي كرب الذي يقول فيه:
ما إن جزعت ولا هلعت ولا يرد بكاي زندا
فقد قال فيه: "العرب تضرب المثل بالزند في القلة كما تضرب بالنقير والفتيل والقطمير، ثم أشار إلى رواية أخرى للبيت فقال: "ويروي زيدًا يعني أخاه" ثم عقب عليها فقال: وهذه الرواية غير صحيحة لأنه فتش عن نسب عمرو فلم يوجد له أخ يسمى زيدًا".
هـ- شرح الألفاظ والتراكيب:
حاول صاحب هذا الشرح أن يستفيد من اللغة والنحو في تحقيق هذا العنصر الذي يعد أهم العناصر في عملية الشرح إذ لا يتضح معنى النص إلا به، غير أن
стр. 282
إفادته من اللغة والنحو جاءت وفق منهجه، فهو يشرح الألفاظ والتراكيب إن رأى أن ظاهر النص يقتضي ذلك، فإن كان النص لا يشتمل على الغريب الذي يحتاج إلى شرح أتى بالمعنى مباشرة، وربما رأى أن في شرح الألفاظ ما يدل على المعنى فيشرح الألفاظ فقط دون أن يأتي بالمعنى. على أنه إن كان في غلبة شرحه يحقق ما ذكرنا فإنه أحيانًا كان يركز على جانب لغوي يعرضه ويكتفي به في عملية الشرح، وأحيانًا أخرى يركز على لفظة نحوية يعرضها ثم لا يذكر بعدها شيئًا في النص، فمثلًا في بيت حرقة بنت النعمان القائل:
فأٍف لدنيا لا يدوم نعيمها تقلب تاراٍت بنا وتصرف
نراه يقف عند لفظة "أف" فقط فينقل عن ابن جني قول أبي علي الفارسي: "إن في أف سبع لغات أُفِّ وأَفَّ وأَفَّ وأُفُّ، وأُفَّاِّ وأُفٌّ وأُفٍّ وأِفى ممال، وزاد غيره أُفْ خفيفة، وهذه اللفظة أحد الأسماء التي سمي بها الفعل في الخبر وهي اسم لتضجرت، فهي مبنية من حيث بنيت الأسماء فمن ضم أتبع الضم الضم، ومن فتح فللخفة لأن التضعيف ثقيٍل، ومن كسر فعلى أصل حركة التقاء الساكنين، ون نون أراد التنكير أي تضجرًا، ومن لم ينون نوى التعريف أي التضجر، ومن خفف فلأنه هرب من ثقل التكرير".
ونحن لا ننكر أن مثل هذا العمل الذي كان يقوم به ابن جني في التنبيه عمل له قيمته في مجال المنهج العلمي التخصصي، أما إدخاله في عمل يقوم على المنهج الاختصاري التسهيلي فيعد اضطرابًا في الالتزام بالمنهج وحللًا في ضبط المقومات التي قام عليها، ولكن يبدو أن الشراح على مختلف مناهجهم كانت تتجاذبهم أهواؤهم أثناء عملية الشرح، فالأهواء هي التي تخرجهم من حدود مناهجهم التي ارتضوها لأنفسهم، ومنهم هذا الشارح الذي كان يدفعه هواه إلى الانسياق وراء ابن جني في نقل أمور عنه لا تتفق مع منهجه، غير أن ذلك لم يرد عنه كثيرًا بحيث يجعل المنهج مختلًا اختلالًا ظاهرًا وإنما وقوعه كان في ندرة لا تحيل منهجه إلى منهج ابن جني.
стр. 283
وهو إذا كان ينزع إلى الانسياق وراء ابن جني في بعض مسائل اللغة فقد كان يفعل ذلك في مسائلا لنحو، ومن أمثلة ذلك عمله في بيت عصام بن عبيد الزماني الذي جاء في باب الرثاء، والذي يقول فيه:
لو عد قبٌر كنت أكرمهم ميتًا وأبعدهم من منزل الذام
فقد قال فيه: "لم يرد لو عد قبران، وإنما أراد لو عدت القبور قبرًا قبرًا" وكان منهجه يقتضي أن يكتفي بهذا القول في شرح هذا التركيب ولكنه انساق بهواه مع ابن جني فنقل عنه ما يعد استطرادًا في المنهج قال: "ولو قال لو عد قبر قبر لم يجز الرفع كما جاز الأول، وذلك أن هذا من مواضع العطف، فحذف حرفه بضرب من الاتساع، وهذا الاتساع خاصة إنما جاء في الحال نحو فصلت الحساب بابًا بابًا، ودخلوا رجلًا رجلًا أي متتابعين فلو رددت على البدل لم يجز، وعلى هذا قالوا: هو جاري بيت بيت ولقيته كفة كفة، فاتسعوا بالبناء مع الحال، ونحوها في ذلك الظرف نحو قولك كان يأتينا يوم يوم، وليلة ليلة، وأزمان أزمان، وصباح مساء، فإن خرجت به عن الظرفية لم يجز البناء، ألا تراك تقول: هو يأتينا كل صباح ومساء وفي ليلة ليلة فتعرب البتة".
فهذا الاستطراد في شرح مسائل اللغة والنحو خلل في المنهج، ولولا أن غلبة عمله المطلقة جاءت وفق منهجه، وأن انسياقه مع ابن جني في الاستطرادات اللغوية والنحوية كان ضئيلًا لا يقاس بهذه الغلبة لما قام تطبيقنا لهذا المنهج في هذا الشرح.
ونحن إذا نظرنا إلى هذا الشرح بعيدًا عن هوى صاحبه نحو ابن جني وجدنا أنه يستفيد من علماء اللغة في خدمة شرح الألفاظ والتراكيب، ولكنها استفادة محكومة بضوابط منهجه الذي اتبعه فمثلًا في بيت الحصين بن الحمام الذي يقول فيه:
من الصبح حتى تغرب الشمس لا ترى من القوم إلا خارجيًا مسوما
стр. 284
نراه ينقل في إيجاز آراء ثلاثة علماء في شرح لفظة "خارجيًا" قال: "قال الأصمعي كل ما فاق في جنسه فهو خارجي، وقال أبو عمرو الشيباني: الخارجي من الخيل والرجال: المنكر، وقال أبو زيد: إذا لم يكن للرجل في أهل بيته شرف ولم يثبت أحد منهم ثم ثبت واحد منهم فهو خارجي، ثم عقب على ذلك بقوله: "ومن روى من الخيل فالمراد بالخارجي المنكر على ما قال أبو عمرو الشيباني، وكذلك من روى من القوم وأراد من خيل القوم لكان صحيحًا".
فإذا تجاوزنا ما كان ينقله عن العلماء في مجال اللغة ونظرنا إلى غلبة عمله في المجال ذاته من خلال منهجه وجدنا انه كان يهتم بتفسير الألفاظ التي يرى أنها من الغريب ثم يورد المعنى. هذا في اللغة أما في النحو فإنه كان يتناول النحو من حيث إيضاح المعنى أنه باستثناء المواضع القليلة التي تابع فيها ابن جني، كان يركز على مناقشة المسائل النحوية التي تتصل بالمعاني، والتي تعين على إيضاح المعاني وإبرازها.
فمن أمثلة شرحه للغريب من الألفاظ ثم إيراده المعنى ما جاء عنه في بيتي إياس ابن فبيصة الطائي وهما:
ومبثوثٍة بث الدبا مسبطرٍة رددت على بطائها من سراعها
وأقدمت والخطى يخطر بيننا لأعلم من جبانها من شجاعها
فقد بدأ عمله فيهما بشرح الألفاظ قال: "الدبا صغار الجراد، والمسبطرة الممدودة على الأرض، والبطاء جمع بطيء، ووحد الخطي لأنه أراد به الجيش" ثم بين غرض الشاعر من قوله فقال: "يصف شجاعته ليعلم أنه غير جبان" ثم عرض المعنى فقال: "يقول: رب خيل متفرقة على وجه الأرض رددت أولها على آخرها، أي إنه كان مدبرًا لها وقيمًا عليها".
ومثله ما جاء عنه في بيت مساور بن هند الذي هجا فيه بني أسد وهو:
стр. 285
زعمتم أن أخوتكم قريٌش لهم ألٌف وليس لكم ألاف
قد رأى أن اللفظة الوحيدة التي تحتاج إلى شرح هي الآلاف، ولذلك فسرها بقوله: "الآلاف كتاب أمان يكتبه الملك للقوم ليأمنوا في أرضه وهو هاهنا الائتلاف" ثم عرض المعنى فقال: "زعمتم أنكم مثل قريش، وكيف تكونون مثلهم ولهم تجارة بالشام واليمن وليس لكم ذلك".
وأن رأى أن النص لا يحتاج إلى شرح للألفاظ عرض المعنى بدءًا وذلك مثل عمله في بيت عبد الله بن عنمة الضبي الذي يقول فيه:
لا تجعلونا إلى مولًى يحل بنا عقد الحزام إذا ما لبده مالا
فقد عرض المعنى فيه بقوله: "أي لا تجعلونا مسندين إلى ابن عم يسلمنا عند الشدائد وإذا رأى منا ضعفًا اجتهد في أن يزيده، كأنه لما قال مال اللبد عن الفرس دل على استرخاء الحزام، وذلك مؤد إلى اضطراب الفارس".
ونراه في مواضع أخرى يورد شرح الألفاظ دون إيراد المعنى كأنه رأى أن في شرح الألفاظ ما يدل على المعنى ويغني عنه. ومن ذلك شرحه لبيت مسكين الدرامي الذي يقول فيه:
وفتيان صدٍق لست مطلع بعضهم على سر بعٍض غير أني جماعها
فقد اكتفى بتوضيح مرجع الضمير في جماعها وبشرح لفظة الجماع قال: "والضمير في جماعها يرجع إلى الفتيان، ويجوز أن يرجع إلى ما دل عليه الكلام من ذكر الأسرار، والجماع اسم لما يجمع الشيء، كما أن النظام اسم لما ينظم به الشيء، وقيل الجماع الذي تجمع فيه الأسرار".
وإذا كان قد رأيناه في غلبة عمله اللغوي لا يخرج عن منهجه فإنه كذلك في عمله النحوي، فهو ينظر إلى النحو وسيلة يوضح بها المعنى، ولا ينظر إليه مجالًا
следующие страницы →