← Адаб

Адаб · id 16377

شروح حماسة أبي تمام دراسة موازنة في مناهجها وتطبيقها

محمد عثمان علي

Полный текст (407 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ردينة لو شهدت غداة جئنا على أضماتنا وقد اختوينا فقد شرح الرواية التي أثبتها في منته ثم ذكر روايتين أخريين وشرحهما، قال: "من رواه بالخاء المعجمة من فوق فهو من الخوى وهو الجوع، أي توحشنا من الطعام لأجل الحرب، وقيل: هو من أخويته إذا أذهبت قلبه، ومن رواه بالحاء غير المعجمة فالمعنى أنه يريد ملأنا أيدينا من الغنائم، ومن رواه بالجيم فالمعنى قد دويت قلوبنا واحترقت أكبادنا من الغيظ، وهو من الجوى يريد العداوة". ولقد لاحظنا في عمله الخاص بالرواية أنه لم يفاضل بين الروايات أو ينتقد ما يورده منها إلا في موضعين فقط أحدهما الموضع الذي أشرنا إليه من قبل حين انتقد رواية "يزير" في بيت العباس بن مرداس: ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسٌد مزير ونقل عن التبريزي ما نقله عن المرزوقي في أن "من روى أسد يزير فليس بجيد لأن تشبيهه له بالأسد لا فائدة لذكر الزئير معه، ولا يدوم على حالته هذه"، والآخر جاء عنه في بيت عمرو بن معدي كرب الذي يقول فيه: ما إن جزعت ولا هلعت ولا يرد بكاي زندا فقد قال فيه: "العرب تضرب المثل بالزند في القلة كما تضرب بالنقير والفتيل والقطمير، ثم أشار إلى رواية أخرى للبيت فقال: "ويروي زيدًا يعني أخاه" ثم عقب عليها فقال: وهذه الرواية غير صحيحة لأنه فتش عن نسب عمرو فلم يوجد له أخ يسمى زيدًا". هـ- شرح الألفاظ والتراكيب: حاول صاحب هذا الشرح أن يستفيد من اللغة والنحو في تحقيق هذا العنصر الذي يعد أهم العناصر في عملية الشرح إذ لا يتضح معنى النص إلا به، غير أن

стр. 282

إفادته من اللغة والنحو جاءت وفق منهجه، فهو يشرح الألفاظ والتراكيب إن رأى أن ظاهر النص يقتضي ذلك، فإن كان النص لا يشتمل على الغريب الذي يحتاج إلى شرح أتى بالمعنى مباشرة، وربما رأى أن في شرح الألفاظ ما يدل على المعنى فيشرح الألفاظ فقط دون أن يأتي بالمعنى. على أنه إن كان في غلبة شرحه يحقق ما ذكرنا فإنه أحيانًا كان يركز على جانب لغوي يعرضه ويكتفي به في عملية الشرح، وأحيانًا أخرى يركز على لفظة نحوية يعرضها ثم لا يذكر بعدها شيئًا في النص، فمثلًا في بيت حرقة بنت النعمان القائل: فأٍف لدنيا لا يدوم نعيمها تقلب تاراٍت بنا وتصرف نراه يقف عند لفظة "أف" فقط فينقل عن ابن جني قول أبي علي الفارسي: "إن في أف سبع لغات أُفِّ وأَفَّ وأَفَّ وأُفُّ، وأُفَّاِّ وأُفٌّ وأُفٍّ وأِفى ممال، وزاد غيره أُفْ خفيفة، وهذه اللفظة أحد الأسماء التي سمي بها الفعل في الخبر وهي اسم لتضجرت، فهي مبنية من حيث بنيت الأسماء فمن ضم أتبع الضم الضم، ومن فتح فللخفة لأن التضعيف ثقيٍل، ومن كسر فعلى أصل حركة التقاء الساكنين، ون نون أراد التنكير أي تضجرًا، ومن لم ينون نوى التعريف أي التضجر، ومن خفف فلأنه هرب من ثقل التكرير". ونحن لا ننكر أن مثل هذا العمل الذي كان يقوم به ابن جني في التنبيه عمل له قيمته في مجال المنهج العلمي التخصصي، أما إدخاله في عمل يقوم على المنهج الاختصاري التسهيلي فيعد اضطرابًا في الالتزام بالمنهج وحللًا في ضبط المقومات التي قام عليها، ولكن يبدو أن الشراح على مختلف مناهجهم كانت تتجاذبهم أهواؤهم أثناء عملية الشرح، فالأهواء هي التي تخرجهم من حدود مناهجهم التي ارتضوها لأنفسهم، ومنهم هذا الشارح الذي كان يدفعه هواه إلى الانسياق وراء ابن جني في نقل أمور عنه لا تتفق مع منهجه، غير أن ذلك لم يرد عنه كثيرًا بحيث يجعل المنهج مختلًا اختلالًا ظاهرًا وإنما وقوعه كان في ندرة لا تحيل منهجه إلى منهج ابن جني.

стр. 283

وهو إذا كان ينزع إلى الانسياق وراء ابن جني في بعض مسائل اللغة فقد كان يفعل ذلك في مسائلا لنحو، ومن أمثلة ذلك عمله في بيت عصام بن عبيد الزماني الذي جاء في باب الرثاء، والذي يقول فيه: لو عد قبٌر كنت أكرمهم ميتًا وأبعدهم من منزل الذام فقد قال فيه: "لم يرد لو عد قبران، وإنما أراد لو عدت القبور قبرًا قبرًا" وكان منهجه يقتضي أن يكتفي بهذا القول في شرح هذا التركيب ولكنه انساق بهواه مع ابن جني فنقل عنه ما يعد استطرادًا في المنهج قال: "ولو قال لو عد قبر قبر لم يجز الرفع كما جاز الأول، وذلك أن هذا من مواضع العطف، فحذف حرفه بضرب من الاتساع، وهذا الاتساع خاصة إنما جاء في الحال نحو فصلت الحساب بابًا بابًا، ودخلوا رجلًا رجلًا أي متتابعين فلو رددت على البدل لم يجز، وعلى هذا قالوا: هو جاري بيت بيت ولقيته كفة كفة، فاتسعوا بالبناء مع الحال، ونحوها في ذلك الظرف نحو قولك كان يأتينا يوم يوم، وليلة ليلة، وأزمان أزمان، وصباح مساء، فإن خرجت به عن الظرفية لم يجز البناء، ألا تراك تقول: هو يأتينا كل صباح ومساء وفي ليلة ليلة فتعرب البتة". فهذا الاستطراد في شرح مسائل اللغة والنحو خلل في المنهج، ولولا أن غلبة عمله المطلقة جاءت وفق منهجه، وأن انسياقه مع ابن جني في الاستطرادات اللغوية والنحوية كان ضئيلًا لا يقاس بهذه الغلبة لما قام تطبيقنا لهذا المنهج في هذا الشرح. ونحن إذا نظرنا إلى هذا الشرح بعيدًا عن هوى صاحبه نحو ابن جني وجدنا أنه يستفيد من علماء اللغة في خدمة شرح الألفاظ والتراكيب، ولكنها استفادة محكومة بضوابط منهجه الذي اتبعه فمثلًا في بيت الحصين بن الحمام الذي يقول فيه: من الصبح حتى تغرب الشمس لا ترى من القوم إلا خارجيًا مسوما

стр. 284

نراه ينقل في إيجاز آراء ثلاثة علماء في شرح لفظة "خارجيًا" قال: "قال الأصمعي كل ما فاق في جنسه فهو خارجي، وقال أبو عمرو الشيباني: الخارجي من الخيل والرجال: المنكر، وقال أبو زيد: إذا لم يكن للرجل في أهل بيته شرف ولم يثبت أحد منهم ثم ثبت واحد منهم فهو خارجي، ثم عقب على ذلك بقوله: "ومن روى من الخيل فالمراد بالخارجي المنكر على ما قال أبو عمرو الشيباني، وكذلك من روى من القوم وأراد من خيل القوم لكان صحيحًا". فإذا تجاوزنا ما كان ينقله عن العلماء في مجال اللغة ونظرنا إلى غلبة عمله في المجال ذاته من خلال منهجه وجدنا انه كان يهتم بتفسير الألفاظ التي يرى أنها من الغريب ثم يورد المعنى. هذا في اللغة أما في النحو فإنه كان يتناول النحو من حيث إيضاح المعنى أنه باستثناء المواضع القليلة التي تابع فيها ابن جني، كان يركز على مناقشة المسائل النحوية التي تتصل بالمعاني، والتي تعين على إيضاح المعاني وإبرازها. فمن أمثلة شرحه للغريب من الألفاظ ثم إيراده المعنى ما جاء عنه في بيتي إياس ابن فبيصة الطائي وهما: ومبثوثٍة بث الدبا مسبطرٍة رددت على بطائها من سراعها وأقدمت والخطى يخطر بيننا لأعلم من جبانها من شجاعها فقد بدأ عمله فيهما بشرح الألفاظ قال: "الدبا صغار الجراد، والمسبطرة الممدودة على الأرض، والبطاء جمع بطيء، ووحد الخطي لأنه أراد به الجيش" ثم بين غرض الشاعر من قوله فقال: "يصف شجاعته ليعلم أنه غير جبان" ثم عرض المعنى فقال: "يقول: رب خيل متفرقة على وجه الأرض رددت أولها على آخرها، أي إنه كان مدبرًا لها وقيمًا عليها". ومثله ما جاء عنه في بيت مساور بن هند الذي هجا فيه بني أسد وهو:

стр. 285

زعمتم أن أخوتكم قريٌش لهم ألٌف وليس لكم ألاف قد رأى أن اللفظة الوحيدة التي تحتاج إلى شرح هي الآلاف، ولذلك فسرها بقوله: "الآلاف كتاب أمان يكتبه الملك للقوم ليأمنوا في أرضه وهو هاهنا الائتلاف" ثم عرض المعنى فقال: "زعمتم أنكم مثل قريش، وكيف تكونون مثلهم ولهم تجارة بالشام واليمن وليس لكم ذلك". وأن رأى أن النص لا يحتاج إلى شرح للألفاظ عرض المعنى بدءًا وذلك مثل عمله في بيت عبد الله بن عنمة الضبي الذي يقول فيه: لا تجعلونا إلى مولًى يحل بنا عقد الحزام إذا ما لبده مالا فقد عرض المعنى فيه بقوله: "أي لا تجعلونا مسندين إلى ابن عم يسلمنا عند الشدائد وإذا رأى منا ضعفًا اجتهد في أن يزيده، كأنه لما قال مال اللبد عن الفرس دل على استرخاء الحزام، وذلك مؤد إلى اضطراب الفارس". ونراه في مواضع أخرى يورد شرح الألفاظ دون إيراد المعنى كأنه رأى أن في شرح الألفاظ ما يدل على المعنى ويغني عنه. ومن ذلك شرحه لبيت مسكين الدرامي الذي يقول فيه: وفتيان صدٍق لست مطلع بعضهم على سر بعٍض غير أني جماعها فقد اكتفى بتوضيح مرجع الضمير في جماعها وبشرح لفظة الجماع قال: "والضمير في جماعها يرجع إلى الفتيان، ويجوز أن يرجع إلى ما دل عليه الكلام من ذكر الأسرار، والجماع اسم لما يجمع الشيء، كما أن النظام اسم لما ينظم به الشيء، وقيل الجماع الذي تجمع فيه الأسرار". وإذا كان قد رأيناه في غلبة عمله اللغوي لا يخرج عن منهجه فإنه كذلك في عمله النحوي، فهو ينظر إلى النحو وسيلة يوضح بها المعنى، ولا ينظر إليه مجالًا

стр. 286

يستعرض فيه ثقافته النحوية أو إظهار مقدرته على الإلمام بالقضايا النحوية وما فيها من اختلاف مذهبي على نحو ما نجد عند بعض الشراح وبخاصة ابن جني في منهجه العلمي التخصصي أو التبريزي في منهجه الانتخابي، إنما حسبه من النحو أن يعين على فهم معنى النص، ففي بيت دريد بن الصمة الوارد في باب الرثاء والذي يقول فيه: قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا فما ينقضي إلا ونحن على شطر نراه يقف عند نصب "شطرين" فيقول هو منصوب على المصدر كأنه قال: قسمنا الدهر قسمين، ويجوز أن يكون حالًا على معنى قسمناه مختلفًا فوقع الاسم موقع الصفة لما تضمن معناه كقولك: طرحت متاعي بعضه على بعض كأنك قلت متفرقًا". فلا شك أن مثل هذا العمل يعين على فهم المعنى الذي أورده بعد هذا فقال: "يريد جعلنا أوقات الدهر بيننا وبين أعدائنا مقسومة قسمين، فلا ينقضي شيء منها إلا ونحن على أحد الحدين إما علينا وإما لنا". ومثل ذلك أيضًا ما جاء عنه في بيت القتال الكلابي وهو: فلما رأيت أنني قد قتلته ندمت عليه أي ساعة مندم فقد وقف عند "أي" وبين أوجه الإعراب فيها بما يدل على المعنى ويوضحه قال: "أي رفع ونصب فمن نصب فعلى أنه وصف ظرف محذوف كأنه قال: ندمت عليه ساعة أي ساعة مندم، ومن رفع ذهب إلى مذهب الاستفهام المتعجب كأنه لما تم الكلام بقوله ندمت عليه متعجبًا: أي ساعة مندم، هذه التي ندمت فيها أي ليس هذا وقت الندم لأنه وقت حمية، فالرفع على استئناف جملة على جملة". وجملة القول فيء هذا العنصر أنه عني بشرح الألفاظ والتراكيب من خلال معالجته اللغوية والنحوية وفق منهجه إلا في الأحيان القليلة التي كان يتأثر فيها بابن جني فينقل عنه ما يخرجه عن حدود منهجه الذي سلكه.

стр. 287

و- المعنى: رأينا من خلال العنصر السابق أن صاحب هذا الشرح كان يعالج معاني الشعر وفق مسار متصل باللغة والنحو، فهو يعالج الألفاظ لغويًا ثم يورد المعنى، وقد يطرح مسألة إعرابية يستعين بها على إيضاح المعنى، وهو حين يعرض المعاني يعرضها بعبارات سهلة غايتها أداء الغرض في غير تنميق للأسلوب أو تخير للألفاظ، فهو في أسلوبه مختلف عن أصحاب المنهج الإبداعي الذين رأيناهم في تطبيق المرزوقي يتخيرون الألفاظ ويجودون سبكها في قالب أدبي رفيع، ومختلف كذلك عن أصحاب المنهج العلمي التخصصي الذين رأيناهم في تطبيق ابن جني يعمدون إلى العبارات التي تدل على أسلوب علمي بحت، إنه حين يعرض المعنى يعرضه مجردًا دون اللجوء إلى عبارات إيحائية مؤثرة، فأسلوبه في عرض المعنى لا هو بالأدبي الذي يمتع قارئه ويؤثر في وجدانه، ولا هو بالعلمي الذي يثير الذهن ويمتع العقل، إنه أسلوب أشبه بنثر البيت لا أكثر ولا أقل، ففي بيت عمرو بن معدي كرب الذي يقول فيه: ولو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت نراه يعرض معناه فيقول: "لو أن قومي ثبتوا في الحرب وصفتهم في الشعر وذكرت مفاخرهم، ولكنهم انهزموا وطرحوا الرماح التي حقها أن يطعن بها، فكأن الرماح شقت لساني فلم أقدر على ذكرهم". وفي بيت جابر بن رالان السنبسي الذي يقول فيه: فإن تبغضونا بغضًة في صدوركم فإنا جدعنا منكم وشرينا نجده يعرض المعنى بإيجاز بالغ حيث يقول: "المعنى إن تبغوضونا فحق لكم ذلك لأنا قهرناكم وذللناكم وبالغنا في الإساءة إليكم".

стр. 288

وهو بجانب عرضه للمعنى في أسلوب سهل مباشر كان يهتم بعرض المعنى في أكثر من وجه، وذلك وفق ما وقف عليه في شروح السابقين من معان، ففي بيت عبدة بن الطبيب الذي يرثي فيه قيس بن عاصم وهو: عليك سلام الله قيس بن عاصٍم ورحمته ما شاء أن يترحما نراه يعرض له وجهين في المعنى أحدهما صوره بقوله: "أي عليك سلامه ورحمته أبدًا لأن الله تعالى أبدًا يشاء الرحمة" والآخر صوره بقوله: "وقيل المعنى سلام الله ورحمته كثيرًا كقولك أصابنا ما شاء الله من الغيث، ورأينا من الخير ما شاء الله". وفي بيتي جران العود اللذين يقول فيهما: يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي والعقل متلٌة والقلب مشغول ثم انصرفت إلى نضوي لأبعثه أثر الحمول الغوادي وهو معقول نجده يصور معناهما فيقول: "هذا يصف اهتمامه بالفراق وتحيره حتى لا يدري كيف وجه الشيء فيأتيه من قبله، ألا تراه جعل الرحل قبل البرذعة ثم انصرافه إلى بعيره ليبعثه وهو معقول". ثم نقل رأيًا لأبي عبد الله النمري يتصل بالمعنى قال: قال النمري: "كذا روى أبو تمام هذين البيتين- والصواب عندي أن الأخير أول والأول أخير، وإلا كيف يرتحل عنه وهو ينصرف إليه" ثم أضاف: وغير النمري يقول هذا كله لدهشته لأنه قدم ما يؤخر وأخر ما يقدم". وكان حق الشارح أن يعقب هنا على الخطأ الذي وقع فيه النمري في تفسير ارتحلت، وقد نبه إلى هذا الخطأ أبو محمد الأعرابي حيث أفاد بأن البيتين على ما روى أبو تمام صحيحان، وإنما جاء هذا الوهم لأبي عبد الله النمري من حيث أنه فهم من قوله "ارتحلت" معنى الرحيل، ولم يقصد الشاعر إلى ذلك وإنما قصد "ارتحلت"

стр. 289

بمعنى وضعت الرحل قبل البرذعة التي حقها أن تكون أولًا ثم يوضع الرحل عليها". والحق أن دراستنا لهذا الشرح أثبتت أن صاحبه لم يغفل عن التنبيه على خطأ ما يورده من معاني الآخرين فحسب بل أثبتت أنه كان يخطئ في تفسير معاني النصوص فيورد في بعضها معاني بعيدة كل البعد عن المعنى الذي رمى إليه الشاعر، وهذا أهم مأخذ رأينا منه في عنصر المعاني. ولقد حاولنا أن نرصد أوهامه في هذا الخصوص فوجدناها ترجع إلى أمرين أحدهما عدم محاولته الوقوف على البواعث التي دفعت الشعراء إلى قول الشعر، والتي تؤدي معرفتها إلى إدراك مقاصد الشعراء ومراميهم من الكلام، والآخر وهمه في تصور المعنى المراد من النص نتيجة لقصور في إدراك أساليب الشعراء ومجرى كلامهم، فمن أمثلة الأمر الأول ما جاء عنه في بيت معقل بن عامر الأسدي الذي يقول فيه: أنبئه بأن الجرح يشوي وأنك فوق عجلزٍة جموم وهو بيت من أبيات قالها معقل بن عامر حين مر بابن الحسحاس بن وهب الأعيوي يوم شعب جبلة فوجده صريعًا فحمله على فرسه وداواه وأداه إلى أهله، وقال هذا الشعر يصف هذه الواقعة بينهما، وبناء على معرفة هذا الخبر الذي يدل على الباعث لقول الشعر يأتي معنى البيت، وهو معنى واضح صوره المرزوقي ونقله عنه التبريزي قال: "يريد أن تبلغيك المأمن سهل وإن ما بك من الجرح هين" غير أن هذا الشارح لما فات عليه معرفة الخبر المؤدي إلى باعث الشعر أتى في تفسيره بمعنى نقله عن النمري وهو "هذا يربط به جأشه يقول: إن شئت كررت وإن شئت فررت أي أقدم فإن الجرح يخطئ المقتل وأنت أيضًا على فرس جواد فكر إن شئت وإن شئت فر". وهو كما نرى معنى لم يقصد إليه الشاعر ولا يدل عليه البيت،

стр. 290

ولهذا اعترض عليه أبو محمد الأعرابي في تتبعه لأبي عبد الله النمري، وقال مشيرًا إلى تنكبه عن المعنى المراد "هذا موضع المثل". أراد طريق العنصلين فياسرت به العيس في نائي الصوى متشائم ثم أورد المعنى على نحو ما فسره المرزوقي. ومن أمثلة الأمر الثاني ما جاء عنه في بيت تأبط شرًا الذي يقول فيه واصفًا نفسه: يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنه ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا فقد صور معناه بقوله: "أي لا يكون بالليل في الموضع الذي يبيت فيه الوحش، ولا يحمي أي لا يكف الأذى عن الوحش"، وهو تفسير يدل على أن صاحبه لم يقف على شعر الصعاليك من أمثال تأبط شرًا في حديثهم عن الوحش، كما أن ظاهر الألفاظ لا يدل على ما جاء به من معنى، فقد قلبه تمامًا، ومعناه كما صوره المرزوقي "إن مجامع الأنس تكرهته فلفظته، فألف القفار، ولزم مرابع الوحش ومساكنها حتى أنست به وسكنت إليه وعدته واحدًا منها، وصار هو أيضًا على تعاقب الزمان وتصرف الأحوال لا يحمي من أجلها مرعى". هذا الوهم الذي وقع فيه الشارح في هذا المثال وسابقه في تفسير معنى الشعر ما كان لنا أن نؤاخذه عليه لولا أنه دل بقلمه على أنه قرأ شرح المرزوقي، كما أنه كان ينقل عن التبريزي دون أن يشير إليه كما أوضحنا، وإذا كان قد وقف على الشرحين معًا فكان يلزمه ألا يقع فيما وقع من خطأ في التفسير لأن مصادره التي يرجع إليها تعصمه من ذلك.

стр. 291

ز- البلاغة والنقد: لم يهتم الشارح بهذا العنصر، ولا حظي منه بعناية تذكر، فهو في مجال النقد لم نر له سوى نقد الرواية الذي عرضنا له فيما سبق. أما في البلاغة فقد أهمل جل نواحيها في ميادينها الثلاثة البيان والمعاني والبديع، فالذي يقرأ شرحه لا يجد سوى وقفات ضئيلة تخص الاستعارة والمجاز، وعمله فيهما لا يدل على عناية تهدف إلى تبيان أثر هذين اللونين في جودة الشعر وحسنه، وإنما يأتي الحديث عنهما عرضًا في أثناء الشرح كأن الأمر ليس من مطلبه ولا غايته. ومن ذلك ما جاء عنه في بيت مسلم ابن الوليد الذي قاله في مالك بن علي على الخزاعي وهو: نفضت بك الاحلاس نفض إقامٍة واسترجعت نزاعها الأمصار قال: "الاحلاس جمع حلس وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير وذكره هاهنا استعارة". ولعل الموضع الوحيد الذي رأينا فيه عناية بهذا اللون البلاغي، هو ما جاء عنه في بيت الفرار السلمي القائل: وكتيبٍة لبستها بكتيبٍة حتى إذا التبست نفضت لها يدي قال: "أي تركت معاونتها، ولم أشغل يدي بها، فاستعار نفض اليد للإعراض عنها، يقال: نفضت اليد من فلان ولفلان أشد النفض إذا وكلته لنفسه"، ومع ذلك فهي عناية لا تبين موطن الجمال في التصوير الاستعاري بقدر ما هي عناية شرح للتركيب الذي نجمت عنه الاستعارة. هذه هي العناصر التي قام عليها عمل هذا الشارح، حاولنا أن نستعرضها من خلال نظرتنا إلى المنهج الاختصاري التسهيلي، ولقد رأينا في غلبة عمله يحقق مقومات هذا المنهج وصفاته، إلا في مواضع قليلة عبنا عليه فيها: نقله عن ابن جني ومجاراته إياه في الاستطراد اللغوي والنحوي، كما عبنا عليه عدم إفادته من المصادر

стр. 292

التي كانت تحت يده إفادة تعصمه من الخطأ في تفسير الشعر، هذا فضلًا عن أننا يمكن أن نأخذه عليه تركه الكثير من القطع دون شرح، ربما رأى أنها واضحة المعاني لا تحتاج منه إلى عمل، ولكن الوضوح شيء نسبي، فما تراه أنت واضحًا قد يراه غيرك ليس بواضح، والوضوح لدى الشارح ذي المنهج التسهيلي لا يعني الترك وبخاصة إذا علمنا أن أصحاب هذا المنهج يكتبون لفئة معنية من القراء، يحاولون إعانتها على فهم الشعر وإدراك معانيه بأسهل الطرق وأقربها، وسهولة الطرق وقرب مأخذها في شرح الشعر ليست مبررًا إلى ترك الواضح منه، وإلا تحول العمل من شرح للشعر إلى رواية فقط، والرواية جزء من عمل الشارح وليست كل عمله. وإذا كان قد برز في القرن الخامس والسادس رجلان اتجها في شرح الحماسة هذه الوجهة من الاختصار والتسهيل، فإن ثمة رجلًا ثالثًا قد اتجه أيضًا إلى هذه الوجهة هو أبو الحجاج الأعلم الشنتمري وذلك في شرحه المسمى "تجلي غرر المعاني" وهو من حيث الترتيب الزمني يلي زيد بن علي الفارسي في الاتجاه إلى هذا المنهج الاختصاري التسهيلي، غير أنه اتجه في رواية متن الحماسة وجهة تختلف عن سائر الشراح الذين وقفنا على شروحهم، إذ أن جميع الشراح قد حاولوا جهد طاقاتهم أن يلتزموا باختيار أبي تمام في الحماسة دون تبديل أو تعديل وأمرهم في رواية متن الحماسة- كما رأينا- يرجع إلى ما كان لديهم من نسخ للحماسة، ووفق هذه النسخ كانت اختلافاتهم في رواية الشعر. أما الأعلم الشنتمري فقد غير في الحماسة

стр. 293

تغييرًا غير قليل، وهو تغيير مس أبواب الحماسة، وقطع هذه الأبواب، وترتيبها، ورواية عدد الأبيات في القطعة الواحدة. الأمر الذي يمكن معه القول بأن الأعلم قد صنع حماسة غير حماسة أبي تمام. فمن حيث الأبواب وجدناه يفصل بين باب الأضياف والمديح، الذي جاء بابًا واحدًا في سائر الشروح، غير شرح المرزوقي الذي سبق أن أوضحنا أن نساخ شرحه هم الذين جعلوا هذا الباب بابين، وأتينا بالأدلة على ذلك. أما الأعلم فقد كان واضحًا أنه هو الذي فعل ذلك، لأنه كان يرتب القطع في داخل الأبواب بحسب القوافي، يبدأ بقافية الهمزة وينتهي بقافية الياء، ولذا جاءت القطعة الأولى في كل من البابين على قافية الهمزة أو الألف كما يسميها هو، هذا فضلًا عن أنه أضاف بابًا جديدًا سماه "باب الكبر" جاء في آخر الأبواب وروى فيه ست قطع، ومن ثم صارت الأبواب في شرحه اثني عشر بابًا لا عشرة كما جاء في حماسة أبي تمام. أما اختلاف القطع فواضح أن الأعلم قد حذف جملة من القطع التي رواها أبو تمام في كل باب من الأبواب، كما أضاف في هذه الأبواب قطعًا لم يخترها أبو تمام، لعله أخذها من كتب الاختيارات التي تلت اختيار أبي تمام، ومن أمثلة ذلك قطعة رواها في باب النسيب همزية القافية ونسبها إلى أبي زبيد الطائي مطلعها: إنما مت غير أني حٌي يوم بانت بودها أسماء وكذلك قطعة رواها في الباب ذاته جاءت على قافية الباء وهي: ألا لا أرى وادي المياه ينيب ولا النفس عن وادي المياه تطيب أحب هبوط الواديين وإنني لمشتهر بالواديين غريب

стр. 294

وجاء ترتيب القطع مختلفًا من حيث إن أبا تمام لم ينظر إلى القوافي في الترتيب أما الأعلم فقد رتب القطع بحسب القوافي بادئًا بالهمزة ومنتهيًا بالياء. ورأيناه أيضًا في بعض القطع التي أخذها من حماسة أبي تمام لا يكتفي بما اختاره أبو تمام ورواه، بل كان يضيف إليه ما يجده في كتب أخرى، ومن أمثلة ذلك قطعة الهذيل بن مشجعة البولاني التي وردت في باب المديح والتي مطلعها: إني وإن كان ابن عمي غائبًا لمقاذف من خلفه وورائه فقد بلغت في رواية الشروح التي وقفنا عليها ستة أبيات، أضاف إليها الأعلم ثلاثة أبيات أخرى هي: وإذا استراش حمدته ووفرته وإذا تصعلك كنت من قربائه وإذا أردت عتابه أنظرته ... حتى أعاتبه ببعض خلائه وإذا غدا يومًا ليركب مركبًا صعبًا قعدت له على سمسائه ومما لاشك فيه أن هذه الاختلافات التي عمد إليها الأعلم الشنتمري فيما صنعه من اختيار قد باعدت بين كتابه وحماسة أبي تمام، ولكن الذي يهمنا هنا هو طريقته في شرح الشعر سواء في القطع التي أخذها من حماسة أبي تمام أو القطع التي أضافها من عنده، وهو شرح _كما رأيناه_ يسير وفق المنهج الاختصاري التسهيلي، وهذا واضح من ظاهر قوله في خاتمة كتابه فقد قال بعد أن أوضح تاريخ بدء العمل فيه وتاريخ الفراغ منه: "وأرجو أن يكون معطًى حقه من التلخيص والتقريب وموفًى قسطه من التلخيص والتهذيب"، فشرحه إذن يقوم على تلخيص ما قرأه من شروح سابقة، وعلى تقريب مادة الشرح لقارئيه وتلخيصها وتهذيبها. والحق أن الذي يقرأ الشرح يحس بأن الأعلم قد توخي التسهيل في شرح الشعر بصورة لا تخفي فهو شرح يقوم في غلبته العظمى على تفسير الألفاظ في النص وإيراد

стр. 295

معناه، والأمثلة على ذلك يستطيع أن يعثر عليها القارئ من أول الكتاب إلى آخره، ففي بيتي قيس بن الخطيم اللذين وردا في أول قطعة في باب الأدب وهما: وما بعض الإقامة في ديار يهان بها الفتى إلا عناء وبعض خلائق الأقوام داء كداء البطن ليس له دواء نراه يعمد غلى شرح لفظة "العناء" ثم يورد المعنى. قال: "العناء المشقة أي من أقام على هوان فهو في مثل حال المسافر عناء ومشقة، فلا ينبغي أن يضام على ذلك، وقوله: "وبعض خلائق الأقوام داء" أي من جبل على خلق دنيء لم يصرف عنه بغلبة الطبع عليه، فمثله مثل المبطون لا دواء له". ونراه يشرح بيتي عبد الله بن الزبير الأسدي في باب الأدب فيوجز في ذلك غاية الإيجاز والبيتان هما: لا أحسب الشر جارًا لا يفارقني ولا أحز على ما فاتني الودجا وما نزلت من المكروه منزلةً إلا وثقت بأن ألقى لها فرجا فقد قال فيهما: "يقول: إذا نزل بي شر لم أيأس من الخير، وعلمت أنه سيفارق كالجار الذي لا يقيم، ومعنى أحز أقطع، أي لا أستهلك في تتبع ما فات من عرض الدنيا ولا أموت غمًا في أثره، فضرب حز الودج مثلًا". وهو بجانب ما رأيناه من خلال هذين النموذجين في توخيه سهولة العبارة في الشرح والميل إلى تسهيل المعنى وتقريبه للقارئ، كان لا يثير القضايا النحوية واللغوية في أثناء الشرح، وإنما غايته من ذلك لا تتجاوز غاية أصحاب هذا المنهج التي تتمثل في إيضاح معنى النص بأقرب وأسهل طريق، ولذا رأيناه عرض لمسألة تتصل بالإعراب يعرض لها من خلال إبراز المعنى لا غير، ومن ذلك ما جاء عنه في بيتي عروة بن الورد اللذين يقول فيهما:

стр. 296

قلت لقوم في الكنيف تروحوا عشية بتنا عند مأوان رزح تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم إلى مستراح من حمام مبرح قال: "وجزم تناولوا على جواب قوله تروحوا". وكذلك إذا عرض للرواية عرض لها في إيجاز واضح، وذلك على نحو ما جاء عنه في بيت أبي الطمحان القيني، وقد جاءت روايته له على النحو: وقبل غد يا لهف نفسي على غد إذا راح أصحابي ولست برائح ثم أشار في الشرح إلى رواية أخرى قال: "ويروي "من غد" وهو أبين". وكذلك كان شأنه في جانب البلاغة إذا عرض للون من الألوان البلاغية في شرح الأبيات. ومن أمثلة ذلك ما جاء عنه في بيت النسيب الذي نسب إلى آخر وهو: وكنت إذا أرسلت طرفك رائدًا لقلبك يومًا أتعبتك المناظر قال فيه: "الرائد المتقدم في طلب المرعى، واستعارة لأول النظر أي إذا أبصرت إلى شيء يهواه قلبك أتعبك ما نظرت إليه بما حملك من العشق". وصفوة القول أن الأعلم بشرحه هذا الذي تصرف في رواية متنه با خالف فيه اختيار أبي تمام قد استطاع أن يحقق خطوة في المنهج الاختصاري التسهيلي بعد زيد ابن علي الفارسي، وهو في التزامه بهذا المنهج كان أكثر اهتمامًا بعنصر المعنى، وإذا عرض إلى عناصر الشرح الأخرى كان الإيجاز والتيسير سبيله، وربط ما يناقشه من عناصر بعنصر المعنى بحيث يمكن أن نقول إنه قد وظف العناصر الأخرى لخدمة عنصر المعنى، وهذا أحد مقومات هذا المنهج على نحو ما وضحنا فيما سبق.

стр. 297

وإذا كان الأعلم الشنتمري ومن قبله زيد بن علي الفارسي قد اتجها في شرح الحماسة إلى هذا المنهج الاختصاري التسهيلي وهما، كما رأينا، من علماء القرن الخامس الهجري فإن هناك عالمًا من علماء هذا القرن قد نحا في شرحه المنحي نفسه هو أبو الحسن البياري، يدل على ذلك مقدمته التي صدر بها الجزء الأول من شرحه الذي وصل إلينا، فقد قال فيه بأسلوب ركب فيه السجع: "أما بعد فقد أجمع الرواة على كتاب الحماسة أنه أمثل كتاب عمل في الأبيات، وقد قصر به عن من لا يفهمه أنه لم يقع فيه شرح شاف ولا فسر تفسير كاف، إلا تفسيرًا لم يسغ شرقًا ولم يفتح غلقًا، فسر من شأنه اللغة فإن أخذ عنها ضل وأضل، أو من فسر أبياتًا منه أشتاتًا هو فيها، كما قال جزء بن ضرار: قضيت أمورًا ثم غادرت بعدها بوائج في أكمامها لم تفتق أو من عني بالأيام فأخلد إليها واقتصر إلا فيما قل عليها، فعمدت احتسابًا إلى

стр. 298

إيضاح ما بلغه علمي من غريبة ومعانيه، وذكر نكت من النقد، وفقر من الأيام، وإيماء إلى بعض ما وقع من الكتاب في غير موضعه ليتوصل بها إلى تصور ما فيه باختصار من غير إكثار". فظاهر من هذه المقدمة أن الرجل قد حدد منهجه أنه سوف يشرح الحماسة مركزًا على جوانب معينة في اختصار وإيجاز، وهو يبدو كذلك من خلال ما قرأناه له في الجزء الأول من شرحه، ولولا أن شرحه لم يصل إلينا كاملًا لكان أولى بتطبيق هذا المنهج من الشرح المنسوب خطأ لأبي العلاء المعري، إذ أن جميع مقومات هذا المنهج وصفاته تكاد تكون متوفرة فيه سوى إسهاب طفيف بدا منه في مواضع قليلة عند معالجته لبعض أجزاء من أبيات الحماسة مثل وقفته في تركيب لو وجوابها في صورها المختلفة، وذلك في أول بيت من أبيات الحماسة وهو: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا على أن هذا الإسهاب الطفيف في بعض النواحي لا يخرجه عن حد المنهج الذي رسمناه، فهو من خلال ما جاء في الجزء الأول وما نقله عنه كل من أمين الدين الطبرسي وأبي الرضا الراوندي في شرحيهما المخطوطين يبدو ملتزمًا بجميع مقومات المنهج وصفاته، إذ أن أكثر جهوده في الشرح مقصورة على توضيح الألفاظ وإيراد المعاني في سهولة ويسر وإيجاز واختصار، ومن أمثلة ذلك ما جاء عنه في بيت جعفر ابن علبة الوارد في باب الحماسة وهو: هواي مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق فقد بدأ بتوضيح علة وجود البيت في باب الحماسة، مع ما ينطوي عليه من نسيب فقال: "هذا موضعه باب النسيب، وإنما وضع ها هنا، لأن فيه معنى الفخر بالنجدة، يريد أنه رابط الجأش لا يهوله ما مني به من الحبس، وما يرقبه من القتل". ثم انتقل فوضح الدافع النفسي إلى قول هذا الشعر فقال: "رأى صاحبته

стр. 299

وهو محبوس بدم العقيلي زارته في نسوة فلما خرجت تبعتها نفسه وانتبه فقال هذا الشعر". ثم مضى يفسر الألفاظ التي اشتمل عليها البيت من خلال وضعها في السياق لا من خلال كونها مفردة مجردة، سالكًا في ذلك سبيل الاختصار والإيجاز قال: "الركب أصحاب الإبل الواحد راكب، مصعد أصعد في الجبل ذهب، جنيب ومجنوب أي لزم الركب لا يبرحهم كأنه مجنوب إليهم، وجثمان كل شيء جسمه، موثق قد أوثق بقيد أو قد". وهو هنا وفي مواضع كثيرة نراه لا يورد المعنى حيث يستغني عنه بما يفسر من ألفاظ ورأيناه في مواضع أخرى عديدة يكتفي بإيراد المعنى مستغنيًا به عن شرح الألفاظ وذلك عندما لا تشتمل الأبيات على الغريب، وذلك في مثل عمله في بيت يزيد بن الحكم الكلابي القائل: دفعناكم بالقول حتى بطرتم وبالراح حتى كان دفع الأصابع فقد أورد معناه دون حاجة إلى شرح ألفاظه قال: "يقول: نابذتمونا فلنا لكم، واستصلحناكم بالقول فأبيتم، فصرنا إلى دفعكم بالراح، يريد مسحناكم كما تمسح الدابة الشموس، ورفقنا بكم جهدنا ثم صرنا إلى معاناتكم إما بلكم وإما قتال بسلاح، وأضاف ذلك إلى الأصابع لأنها هي التي تضبط السلاح وتعلمه". على أن هذا الشرح فيما يبدو بجانب ركونه إلى المنهج الاختصاري التسهيلي قد أضاف فوائد جمة من خلال المصادر التي اطلع عليها وبخاصة شرحي أبي رياش وأبي الندى، وتبدو هذه الفوائد في توضيح بعض القطع التي وردت غفلًا في الحماسة لأصحابها، وفي جملة من اللمحات النقدية التي جاءت في مواضع من

стр. 300

شرحه في نقد أبيات الحماسة، وهي تدل على أنه كان له باع طيب في مجال نقد الشعر، ولعل هذا ما دفع الدكتور هاشم الشريف إلى القول بأن شرح البياري يعد من أفضل الشروح، وهو كذلك إذا نظرنا إليه بالنسبة للشروح التي تشترك معه في المنهج الاختصاري التسهيلي، أما بالنسبة للشروح ذات المناهج الأخرى فلا نظن الأمر كذلك، فشرح المرزوقي ذو المنهج الإبداعي الفني وشرح الطبرسي ذو المنهج الانتخابي يتفوقان عليه في كثير من النواحي، بالرغم من إفادة الثاني منه، وعدم إفادة الأول من شرحي أبي رياش وأبي الندى اللذين أفاد منهما البياري. تلك هي مناهج الشراح الذين وصلت إلينا شروحهم، وهذا هو عملنا في تطبيقها من خلال النظرة الموازنة بينما طرحوه من شرح للشعر في عناصره المختلفة، حاولنا فيه أن نعطي كل شارح حقه، ما له وما عليه، مراعين في ذلك غايات الشراح، والمؤثرات التي تسلطت عليهم أثناء عملية الشرح فأثرت في مسارهم الذي سلكوه في أعمالهم. بيد أن هذا إن كان قد تحقق لنا في شروح وصلت إلينا كاملة، ومثلت الفترة الزمنية التي حددناها لعملنا، فإن هناك شروحًا أخرى تدخل في مدار عملنا لم تصل إلينا كاملة، وإنما وصل بعضها مختصرًا أو في صورة نقولات في شروح أخرى أو وصلت غلينا ولكن في صورة عمل ينأى عن سائر المقومات والصفات التي حددناها لمناهج الشراح فيما سبق، ومن هنا كانت غير واضحة المعالم في مناهجها، وكان من المتعذر دراستها تحت المناهج الخمسة التي درسناها في القسم من البحث، وطبقنا عليها أعمال الشراح. ولهذا اقتضت طبيعة العمل فيها أن ندرسها وحدات قائمة لذاتها محاولين استنطاق ما جاء إلينا منها لمعرفة مسار أصحابها في عملية شرح الشعر.

стр. 301

هذا من جانب، ومن جانب آخر أن دراستنا لمناهج الشراح وتطبيقها، وكذلك دراستنا لهذه الشروح غير واضحة المنهج قد كشفت لنا في مجموعها عن ظواهر عامة في عملية شرح الشعر، فاقتضى عملنا ذو النظرة الموازنة في المناهج والتطبيق أن نعرض لهذه الظواهر بالدراسة وأن نكشف من خلال بحثنا فيها عما بدا لنا من آراء، وهي آراء لا تمس شرح الشعر في الحماسة فحسب بل تمس شرح الشعر القديم بعامة. ومن أجل هذا رأينا أن يقوم قسم ثالث من هذا البحث نعقده في فصلين: فصل نعالج فيه هذه الشروح التي نوهنا بها سالفًا، والتي هي غير واضحة المعالم في مناهجها، وتحتاج إلى دراسة جزئية لا كلية. وفصل نعالج فيه هذه الظواهر التي بدت لنا في أعمال الشراح ذوي المناهج الواضحة وغير الواضحة، وهذا ما نحاوله في القسم الثالث إن شاء الله.

стр. 302

القسم الثالث ١ - شروح غير واضحة المنهج ٢ - ظواهر عامة في أعمال الشراح

стр. 303

الفصل الأول: شروح غير واضحة المنهج ١) شرح أبي الفتوح ثابت الجرجاني: هذا الشرح وصل إلينا كاملًا كما بينا في ثبوت شروح الحماسة، غير أنه ليس واضحًا في منهجه، ويبدو أن صاحبه قد قصد به رواية متن الحماسة التي أخذها عن عبد السلام البصري أكثر من قصده إلى عمل شرح على الشعر، فقد جاء في مقدمته "قرأت هذا الكتاب ببغداد سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة على الشيخ أبي أحمد عبد السلام بن الحسين البصري، وقال لي: قرأته على أبي رياش أحمد بن هاشم بن شبل القيسي الربعي _رحمه الله_ بالبصرة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وقال: أنشدنا أبو المطرف الأنطاكي قال: أنشدنا أبو تمام حبيب بن أوس لبعض شعراء بلعنبر". وهي رواية لها قيمتها من حيث أن السند فيها بين أبي تمام صاحب الاختيار والجرجاني صاحب الكتاب لا يتجاوز ثلاثة رجال، كما أن الفترة الزمنية بين قراءة

стр. 304

عبد السلام البصري على أبي رياش وقراءة الجرجاني على عبد السلام لم تتعد الثلاثين عامًا. هذا فضلًا عما أشرنا إليه سابقًا من أن أبا رياش والحسن بن بشر الآمدي هما الوحيدان اللذان أخذا الحماسة مشافهة عن أبي المطرف الأنطاكي، وعن طريقهما وصل اختيار الحماسة إلى جل العلماء الشراح الذين عنوا بشرح الحماسة. ويتضح لنا من خاتمة الجرجاني في عمله أنه حمل ديوان الحماسة إلى الأندلس ضمن كتب قرأها على الشيوخ في بغداد، وقام بتصحيحها عليهم، وأن ديوان الحماسة ظل عنده فترة من الزمن حتى أعاد النظر فيه بعمل بعض التعليقات التي تتصل بشرح غريبة وبعض معانيه، وهذا واضح من قوله في هذه الخاتمة: "تكلفت بتصحيح هذا الكتاب وشرح غريبة ومعانيه بعد طول العهد به، وهو في الكتب التي قرأتها وصححتها، ولم آمن أن يقع فيه خلل فإن آفة العلم النسيان". والحق أنه لم يتكلف فيه شرح كل غريبة، ولا شرح كل ما فيه من معان، وإنما عمله _كما بدا لنا_ مجرد تعليقات في مواضع متفرقة من الاختيار، جلها في شرح مفردات بعض الأبيات لا كلها، ويمكن أن نوجز ملاحظات قراءتنا له في الآتي: أولا: إن الشرح لا يدل على أن صاحبه قد أفاد من شروح سبقته في الحماسة، وإنما كل ما ورد في هذا الشأن أنه نقل في موضوعين فقط سماعًا عن عبد السلام البصري ذكر فيه قولين لأبي رياش، أحدهما في شرح اسم الفند الزماني، والآخر في شرح لفظة "حظباي" الواردة في بيت الفند الذي يقول فيه: ولولا نبل عوض في حظباي وأوصالي أما في غير هذين الموضعين فنحن لا نجد عنده إفادة من شارح للحماسة أو من عالم من علماء اللغة والأدب الذين رأيناهم يترددون كثيرًا في أعمال من درسنا شروحهم في تطبيق المناهج الخمسة.

стр. 305

ثانيًا: أنه كثيرًا ما كان يكتفي برواية قطع الاختيار دون أدنى تعليق أو شرح، فهو مثلًا أورد ثلاث قطع متوالية في باب الحماسة دون أن يعقب عليها بكلمة واحدة. وفي باب النسيب أورد خمس قطع تباعًا دون تعليق، ووقع ذلك منه في باب الأضياف والمديح فقد أورد أربع قطع متوالية دون أن يعني بشرح شيء منها. هذا بجانب وجود قطع متفرقة في مختلف الأبواب، جاءت خالية من أدنى عمل، وهي كثيرة جدًا لا طائل لحصرها وتعدادها، ويكفي أن تنظر إلى باب مذمة النساء عنده لتجد أنه قد بلغ في روايته سبع عشرة قطعة اشتملت على ستة وستين بيتًا، كان حظها من تعليقاته اثني عشر سطرًا لا غير، غلبتها المطلقة في شرح المفردات، وهي خالية تمامًا من إيراد أي معنى من معانيها. ثالثًا: أن تعليقاته على الأبيات كانت موجزة غاية الإيجاز، واقتصرت _كما أشرنا_ على شرح الألفاظ فقط، والأمثلة على ذلك كثيرة يصعب حصرها، منها على سبيل المثال ما جاء عنه في قطعة عاتكة بنت عبد المطلب التي جاءت في باب الحماسة، والتي لم يشرح منها سوى بيت واحد هو: فيه السنور والقنا ... والكبش ملتمع قناعه فقد فسر ألفاظه في إيجاز شديد قال: "السنور السلاح، والكبش رئيس القوم، وملتمع أي لامع، وقناعه يعني البيضة". وكذلك قطعة سلمى الجعفي التي يرثي فيها أخاه، وهي من ستة أبيات لم يشرح منها سوى ثلاثة ألفاظ فقط، جاءت في البيت الذي يقول فيه سلمى: فتى كان يعطي السيف في الروع حقه إذا ثوب الداعي وتشقى به الجزر

стр. 306

قال: "الروع الفزع، وهو هنا الحرب، وثوب أشار بثوبه، والجزر جمع جزور". رابعًا: أن عناصر الشرح التي تجلت لنا بوضوح في شروح الشراح ذوي المناهج الخمسة تبدو في هذا الشرح غير واضحة، ولا يدل العمل فيها على أدنى عناية تذكر، فعنصر تحديد أوزان الشعر وأضربه وقوافيه لا وجود له، وكذلك شرح أسماء الشعراء والأعلام. أما أخبار الشعر ومناسباته فلم يقع إلا في ثلاثة مواضع فقط. وفي عنصر اللغة كان عمله _كما ذكرنا_ مقصورًا على شرح المفردات في إيجاز مبالغ فيه، وكذلك لم نجد في النحو سوى عمل واحد جاء في بيت دريد بن الصمة الذي يقول فيه: وعبد يغوث تحجل الطير حوله وعز المصاب حثو قبر إلى قبر قال: "يروى بنصب المصاب وبرفعه، فمن رفعه جعل المصاب فاعل عز وجعل حثو قبر إلى قبر بدلًا منه، ومن نصب عنى به الرجل الذي أصيب". ومثل النحو الرواية، فهي لا تطل علينا في ثنايا الشرح إلا نادرًا، والحديث فيها يقتصر على الإشارة إلى اختلافها فقط، مثل بيت سلمى بن ربيعة فقد رواه هكذا: درت بأرزاق العفاة مغالق بيدي من قمع العشار الجلة ثم أشار قائلًا: "ويروى دارت". أما عنصر المعاني فهو الآخر قليل جدًا لا يقاس بأي عمل من أعمال الشراح الآخرين الذين وصلتنا شروحهم. وقد أدى عدم العناية بالمعاني إلى إهمال عنصر البلاغة تمامًا. أما النقد فلم نجد له فيه سوى وقفة واحدة لا قيمة لها.

стр. 307

وبناء على ما ذكرنا نرى أن هذا الشرح لا يمكن تصنيفه تحت أي منهج من المناهج الخمسة التي عرضناها في القسم الماضي وطبقنا عليها شروح الشراح، فليس فيه عمل الإبداعيين ولا عمل المتخصصين، ولا هو ينظر في شروح سبقته، يجمعها وينتخب منها، ولا يعمد إلى أعمال السابقين يتتبع مواطن زللها فيصلحها ويقومها، ولا يعني بجميع العناصر ليعرضها مهذبة مشذبة في اختصار وتسهيل، وإنما هو بالتحديد كتاب ضم شعر الحماسة مصححًا على يدي صاحبه مرتين، مرة أثناء قراءته على عبد السلام البصري، ومرة أخرى حين فكر في مراجعته وعمل تعليقات عليه في غريبة ومعانيه، هذا كل ما يظفر به الدارس لهذا العمل الذي سمي شرحًا من باب التجوز. ٢) شرح أبي رياش بن إبراهيم الشيباني: هذا الشرح من الشروح المفقودة _كما مر بنا من قبل_، غير أن نقولات كثيرة وصلتنا منه، فقد أفاد منه أبو عبد الله النمري في عمله "شرح معاني كتاب الحماسة" الذي وصل إلينا مختصر عنه، ونقل عنه زيد بن علي في مواضع مختلفة من شرحه. كما نقل عنه التبريزي نقولات كثيرة جلها في أخبار الشعراء ومناسبات الشعر، هذا فضلًا عن أن البغدادي في الخزانة كان يورد أخبارًا وأقوالًا ينسبها إليه، الظن أنه أفادها من شرح التبريزي وغيره من شروح الحماسة التي ذكر في مقدمته أنها تحت يده. ومن خلال وقوفنا على هذه النقولات يتبين لنا أن الرجل كان إخباريًا تاريخيًا من الطراز الأول، غذ أن هذه النقولات جاءت دالة على أن شرحه كان مصبوغًا بصبغة الأخبار أكثر من كونه شرحًا لنصوص الحماسة، ولهذا رأينا أبا العلاء المعري يبني

стр. 308

عليه شرحه المسمى "الرياشي المصطنعي" قصدًا غلى سد ما رآه من نقص فيه". على أن أبا رياش بجانب هذه الصفة الإخبارية التي غلبت على عمله في الحماسة والتي تجلت لنا بوضوح في نقولات التبريزي المسهبة عنه فإن بعض ما نقله النمري عنه، وكذلك التبريزي، قد دل على أنه أسهم في خدمة اختيار الحماسة من جوانب متعددة، ففي مختصر شرح النمري نجد له لمحات في عنصر اللغة وعنصر المعاني، وفي شرح التبريزي حمدنا له وقفات طيبة في شرح الأعلام الواردة في الحماسة وأسماء شعرائها. وكذلك في تحديد نسبة بعض القطع التي وردت غفلًا في رواية أبي تمام مصدرة بـ"وقال آخر" أو "وقال بعضهم"، وفي تصحيح ما وهم فيه أبو تمام من نسبة ... بعض الأشعار إلى غير قائليها. هذا بجانب إثرائه قطع الاختيار بما كان يضيفه إليها من شعر أسقطه أبو تمام في نقده واختياره. فإذا نظرنا إلى عمله في عنصر اللغة وجدنا النمري ينقل لنا بعض لمحات منه، وذلك مثل ما جاء عنه في بيت الحماسة القائل: إذا كنت لا أرمي وترمى كنانتي تصب جائحات النبل كشحي ومنكبي فقد فسر أبو رياش ألفاظ هذا البيت بقوله: "الكنانة للنبل كالجعبة للنشاب، والجائحات المجتاحات، والكشح أحد جانبي الوشاح، فسميت الخاصرة كشحًا لوقوعه عليها". ومثله ما نقله عنه التبريزي في شرح معنى "الأيهم" قال: "الأيهم الرجل الشجاع، والأيهمان السيل والجمل الهائج، ويقال أيضًا السيل والحريق، وكل هذه معان متقاربة، ومؤنثة (يهماء) وهي الأرض التي لا يهتدي لها، كما أن هذه لا يكاد يهتدي لها". أما عمله في عنصر المعاني فقد أفاد منه النمري في مواضع بدت في مختصر شرحه

стр. 309

ليست بالكثيرة، وانتخب التبريزي شذرات منه، وهو من خلال ما رأيناه يعرض المعنى في وضوح ويسر، وذلك مثل عمله في بيت جعفر بن علبة القائل: فقالوا لنا ثنتان لابد منهما صدور رماح أشرعت أو سلاسل فقد قال فيه: "يقول: إما أن تحاربوا فنشرع إليكم صدور الرماح وإما أن تستأسروا فنجعلكم في السلاسل كما يفعل بالأسرى"، فهذا عمل أشبه بنثر البيت، ومثله ما نقله التبريزي عنه في معنى بيت كبشة أخت عمرو بن معدي كرب الذي تقول فيه: ولا تردوا إلا فضول نسائكم إذا ارتملت أعقابهن من الدم فقد صور معناه بقوله: "تقول: إذا قبلتم الدية فلا تأنفوا بعدها من شيء كما تأنف العرب، واغشوا نساءكم وهن حيض، والفضول ها هنا بقايا الدم وسمي الغشيان وردا مجازًا". وربما قدم لا يراد معنى البيت بشرح بعض ألفاظه ودعم ما صوره من معنى ببعض الشواهد من الشعر، وذلك على نحو ما نقله النمري في بيت أبي الغول الطهوي القائل: ولا يرعون أكناف الهوينا إذا حلوا ولا أرض الهدون قال: "الهدون السكون، وأصله أن تجعل المرأة على ولدها شيئًا يثقله في المهد لينام، يقال هدنته أمه". ثم أورد تصويره معنى البيت فقال: "يقول: هؤلاء القوم من عزهم ومنعتهم وشدة جرأتهم لا يرعون النواحي التي أباحتها المسالمة ووطأتها المهادنة، ولكن يرعون النواحي المتحاماة والأرضين الممتنعة" ثم دعم ذلك يقول أبي النجم:

стр. 310

تبقلت من أول التبقل بين رماحي مالك ونهشل" على أن أهم إسهام قدمه أبو رياش في شرحه في خدمة اختيار الحماسة إنما يتضح فيما نقله التبريزي عنه من شرح للأعلام الواردة في الحماسة وتوضيح أسماء بعض شعرائها، وتصحيح نسبة الشعر فيها، وهي في مجملها جوانب لها قيمتها في خدمة اختيار الحماسة، وتدل دلالة واضحة على مدى علم أبي رياش بأنساب العرب وأشعارها وقائلي هذه الأشعار، إذ نراه في شرح الأعلام الواردة في الحماسة لا يكتفي بتوضيح العلم فحسب بل يورد نسبه وما يتصب به من خبر. ومن أمثلة ذلك ما نقله التبريزي عنه في شرح عامر وجناب الواردين في بيت هلال بن رزين القائل: وأيقنت القبائل من جناب وعامر أن سيمنعها نصير قال في عامر: "يعني عامر الأجدار وهم بطن عظيم من كلب، وإنما لقب بالأجدار لأنه ولد في أصل جدار، وهو أخو عامر بن صعصعة لأمه". ثم قال في جناب: "هو جناب بن هبل بن عبد الله بن كلب". وفي قطعة الرثاء التي نسبها أبو تمام لآخر والتي مطلعها هذا البيت: لو كان حوض حمار ما شربت به إلا بإذن حمار آخر الأبد نجد أبا رياش يشرح اسم حمار الوارد في البيت فيقول: "هو علقمة بن النعمان ابن قيس بن عمرو ثعلبة". أما في توضيح أسماء الشعراء الذين كان أبو تمام يختصر أسماءهم فقد رأينا لأبي رياش وقفات طيبة في هذا الخصوص، ففي قطعة النسيب التي صدرها أبو تمام بقوله: "وقال ابن الطثرية" وقف أبو رياش فوضح اسمه قال: "اسمه يزيد بن

стр. 311

المنتشر أحد بني عمرو بن سلمة بن غشير، والطثرية أمه من حي من قضاعة يقال لهم طثر". وصدر أبو تمام قطعة في الهجاء بقوله: "وقال عارق الطائي" فوضح أبو رياش اسمه قال: "اسم عارق قيس بن جروة وإنما سمي عارقًا بقوله: لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه وترتفع قيمة عمل أبي رياش في الحماسة في تصحيح ما وهم فيه أبو تمام من نسبة بعض قطع الحماسة إلى غير قائليها، وقد صدر ذلك منه في مواضع منها إحدى منصفات العرب التي روى أبو تمام أبياتًا منها في باب الحماسة ونسبها إلى العديل بن الفرخ العجلي وهي القصيدة التي مطلها: ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد وذات الثنايا الغر والفاحم الجعد صحح أبو رياش هذه النسبة فقال: "ليست هذه الأبيات للعديل وهي قصيدة طويلة لأبي الأخيل العجلي قالها في آخر أيام بني أمية" ثم دعم هذا التصحيح بخبر أورده جاء فيه أن أبا الأخيل "وفد على عمر بن هبيرة الفزاري فقيل: إن أبا الأخيل العجلي بالباب يستأذن فقال: إذن والله لا يأذن له غيري، فقام من مجلسه حتى أتاه على الباب فأخذه بيده وأقعده معه على بساط ثم قال: أنشدني منصفتك فأنشدها إياه فكساه وأعطاه ثلاثين ألفًا". وفي قطعة الرثاء التي نسبها أبو تمام إلى امرأة والتي أولها: ألا فاقصري من دمع عينيك لن تري أبًا مثله تنمي إليه المفاخر أوضح أبو رياش صحة نسبتها وخطأ أبي تمام قال: "الذي عندي أن هذه الأبيات لمحمد بن بشير أحد بني الخارجية، وهم من غزوان بن عمرو بن قيس

стр. 312

عيلان، يرثي بها أبا عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي". وهكذا نجد أن عمل أبي رياش في هذا الجانب كان مفيدًا لأنه يدخل في صميم توثيق الشعر، ولقد بلغت نقولات التبريزي عنه فيه نحو عشرة مواضع، ولا ندري إن كان هذا هو كل ما صححه أبو رياش من نسبة في شعر الحماسة أو أن هناك مواضع أخرى لم ينقلها التبريزي وغيره من الشراح الذين أفادوا من شرح أبي رياش. وفي إدراكنا أن أبا رياش من خلال عمله الذي وقفنا على بعض منه في نقولات الشراح المستفيدين من شرحه يبدو شارحًا يغلب على شرحه الجانب الإخباري التاريخي مع قليل عناية ببعض العناصر الأخرى التي عرضنا لها فيما تقدم، غير أنه يبقى شيء مهم هو أن عناصر أخرى خلا شرحه منها أو لم يصل إلينا شيء منه فيها، أهمها الرواية والنحو والبلاغة والنقد، وهي بلا شك عناصر لها دورها البارز في عملية شرح الشعر، هذا فضلًا عن أن النقولات التي وصلت إلينا عنه في عنصري اللغة والمعاني لا تبين لنا بجلاء مساره فيهما، ومن أجل هذا كله بدا منهجه في شرح الشعر غير واضح المعالم، ويغلب ظننا أنه كان _من خلال نقولات التبريزي العديدة في أخبار الشعر ومناسباته وما يتصل بها من أنساب وأشعار_ إخباريًا تاريخيًا، فهو أشبه بأبي عبيدة معمر بن المثني الذي ذكر الجاحظ أنه عطف عليه ليأخذ منه علم الشعر فوجده "لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار وتعلق بالأيام والأنساب". ٣) شرح معاني كتاب الحماسة لأبي عبد الله النمري: سبق أن أوضحنا عند إيرادنا لثبت شروح الحماسة أن شرح النمري لا يزال

стр. 313

مفقودًا، وان ما وصلنا منه ما هو إلا مختصر عنوان "معاني أبيات الحماسة" كتبه لنفسه رجل يدعى أحمد بن بكر بن أحمد الحاكم وذلك في نحو سنة ٤٢٦ هـ، وهو مختصر أن لم يحقق لنا كل ما جاء عن النمري من عمل بحيث يبدو منهجه واضحًا، فإنه على الأقل قد أفادنا في استيجاء المعالم التي سلكها في بعض عمله، هذا فضلًا عن أن الناسخ صاحب هذا المختصر قد صدر مختصره بالمقدمة التي أوردها النمري في صدر شرحة، إذ جاء فيها "قال أبو عبد الله الحسين بن على النمري- رحمة الله-: هذا شرح معاني كتاب الحماسة وذكر رواياته التي هي في الخط على صورة واحدة، على ائتلاف المعاني واختلافها وإيضاح الأمثل والأرذل والمتكافئ منها، وكان أبو رياش أحمد بن هاشم القيسي - رحمة الله- أملي علينا أكثر هذا الكتاب، وقرأته بعد عليه، وأنا ذاكر ما أفادنيه منه، وناسبه إليه، كما أنسب كلا إلى أهله، وكا ما لم أنسبه في هذا الكتاب فهو خاطر خطر لي لم أسمعه قبل، ونظرت في الكتاب المعروف بالعارض في الحماسة المنسوب إلى الديمرتي، وهو كتاب شرط فيه تفسير ما يعرف من لفظ ومعني فخبط خبط عشواء فيها متتبعًا ومبتدعًا، وقد ذكرت طرفًا من خطئه وصوابه فيما تعلق بما أوردته من المعاني، وليس الغرض الرد عليه فاستوعب خلله وأسال الله أن يرشد به ويرشد بنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 314

فواضح من هذه المقدمة أن النمري قد قصد من عمله في الحماسة جانبين أحمدهما المعاني والآخر الروايات وأنه في الجانبين معًا كان يسجل ما أفاده فيه شيخه أبو رياش وبنسبه إليه. كما يسجل ما أخذه من العلماء الآخرين وبنسبه إليهم، ثم هو بجانب هذا قد نظر قبل صنعته شرحه في كتاب القاسم الديمرتي، فهو يعرض له ذاكراً ما أخطأ فيه وما أصاب، لا في كل ما جاء عنه، وإنما فيما يعرض له أثناء عمله. ومن هنا فإن مصادر شرحه وفق ما جاء في مقدمته ووفق ما خرجنا به من قراءتنا لهذا المختصر تتمثل في أربعة: أولها شيخه أبو رياش الذي أخذ عنه رواية متن الحماسة، وثانيها: علماء اللغة والأدب السابقين أمثال الأصمعي وابن الأعرابي وعلى بن سليمان الأخفش وأبي زيد الأنصاري وابن السكيت، وقد نقل عن هؤلاء جميعًا في مواضع، ومصوبًا مستحسنًا في مواضع أخري، ورابعها مصادر أخرى لم يسمها وإنما كان يشير إليها بعبارات مبهمة مثل "أنشدنا أبو رياش" ثم يقول: "وروي غيره" أو "وروي قوم" ومثل "قال الأصمعي وغيره" أو قال ثعلب وغيره" أو "وروري الديمرتي وغيره". ولقد استطاع النمري أن يوظف في عمله إفادته من هذه المصادر توظيفًا جيدًا لا سيما في جانب الرواية واختلافتها، وجانب معاني الشعر وما يتصل به من شرح للغة، وهو إن كان ينقل ما أفادته فيه أبو رياش وبنسبه إليه، وكذلك بنسب كل ما ينقله بل كان بورد أراء السابقين ثم يبين رأيه فيه، وربما اختار غيره مما هداه إليه عقله وتفكيره. ومن أمثلة ذلك ما جاء عنه في بيت سلمي بن ربيعة الضبي القائل: ومناخ نازلة كفيت وفارس نهلت قناتي من مطاء وعلت فقد نقل أولًا رأيا لثعلب في البيت قال: "قال ثعلب وغيره: هذا خطأ لأن الفارس لا يقف له حتى قناته من ظهره وبعلها، ثم نقل قول شيخه أبي رياش

стр. 315

وهو "يريد أنه أرواها فكأنه سقاها نهلاً وعللاً بما يكون الري" ثم انتهى إلى الوجه الذي رآه فقال: "وعندي فيه وجه آخر، ألا ترى أنك إذا قلت: نهلت إبلي من بئر فلان بهذا كلام تام ثم تقول وعلّت، فجائز أن تكون علّت منها أو من غيرها، وكذا هذا الرجل نهلت قناته من ظهر الفارس، وعلّت من غيره، أي لم يكن بلائي مقصوراً على طعنة واحدة وهذا واضح". وكذلك ما جاء عنه في بيت ابن زيّابة القائل: إنك يا عمرو وترك الندى ... كالعبد اذ قيد أجماله فقد نقل عن ابن السكيت معنى له قال: "قال ابن السكيت: أنت كالعبد اقتصر على موضع يرعى به ولا يتعزب بابله" ولكنه لم يأخذ بهذا المعنى الذي عرضه ابن السكيت على ظاهر اللفظ، وانما أورد للبيت معنى آخر قال: "عندي أنه غير ممتنع أن قوله: "وترك الندى" معناه أنك وبخلك، فان من ترك الندى فقد أخذ البخل يقول: انك وبخلك وحبسك مالك كالعبد قّيد أجماله فلا يبرحه منها بعير وكذلك أنت قّيدت مالك فلا يبرحك". فهذان المثالان وغيرهما مما جاء في عمل النمري ينأيان به عن المنهج الالتزامي النقلي الذي رأيناه أن من أهم صفاته عرض آراء السابقين بلا أدنى تدخل وبلا مساس لجوهر القول أو الرأي ولم يكن النمري بهذه الصفة بل كان يعرض رأي غيره ثم يعرض رأيه المخالف له، صحيح أنه لم يكن يصرح باعتراضه على ما يعرضه من آراء السابقين، ولكن إيراده رأيه في ذيل ما يعرضه لهم يدل ضمناً على أنه يريد من قارئة أن يأخذ به. إن السمة الوحيدة في عمله التي تشبه سمات المنهج الالتزامي النقلي تتمثل في أنه كان ينسب الأقوال إلى أصحابها، وهي سمة تعد من أخص سمات هذا المنهج، على نحو ما نوَّهنا به من قبل حين عرضنا لمناهج شراح الشعر بالمناقشة والتوضيح.

стр. 316

وإذا كان النمري في جل عمله لا يتصف بمنهج الالتزامين النقليين فانه في تعرضه للقاسم الديمرتي لم يكن ذا منهج تتبعي تقويمي، لأن أصحاب المنهج التتبعي التقويمي - كما رأيناهم من خلال شرح منهجهم وتطبيقه - كانوا يبنون كتبهم في المقام الأول على تتبع كتب السابقين من خلال ما فيها من زلاّت وأخطاء يعرضونها ويبينون وجه الصواب فيها، يفعلون ذلك ضاربين صفحاً عن الصحيح الذي ضمته هذه الكتب فلا يذكرونه البتة. أما النمري فلم يقم كتابه على هذا الأساس، وإنما أقامه على شرح معاني شعر الحماسة وذكر رواياته. هذا من جهة ومن جهة أخرى انه لم يتبع الديمرتي في كل خطأ وقع فيه، وهذا ظاهر من قوله في مقدمته: "وليس الغرض الرد عليه فأستوعب خلله" هذا فضلاً عن أنه لم يقصر جهده على الأخطاء وحدها، على نحو ما رأينا في تطبيق هذا المنهج على أبي هلال العسكري وأبي محمد الأعرابي، وإنما كان يذكر مواضع الصواب أيضاً، ولا أدل على ذلك من هذا المثال الذي جاء في بيت الحماسة القائل: إذا كنت لا أرمي وترمى كنانتي ... تصب جائحات النبل كشحي ومنكي فقد أثبت النمري روايته على هذا النحو وهي رواية شيخة أبي رياش الذي نقلنا شرحه للبيت فيما سبق، ولكنه أشار إلى رواية أخرى للديمرتي فقال: "وفي كتاب الديمرتي "جانحات النبل" بالنون أي كاسرات الأجنحة" ثم عقب مستحسناً هذه الرواية مفضّلاً إياها على رواية شيخه التي أثبتها قال: "وهذه الرواية أحب إليّ، فانه قلّما يقال: رماه بسهم فاجتاحه، على تلك الرواية، ومعنى جانحات عندي ما جنح منها إليه أي مال". كذلك لا يبدو من عمل النمري أنه كان في منهجه تجميعياً انتخابياً على نحو ما رأينا عند التبريزي وإضرابه، ولا علمياً تخصصياً مثل ابن جني وغيره من ذوي المنهج العلمي التخصصي، كما أنه لا يبدو من شرحه أختصارياً تسهيلياً يسلك سبيل أصحاب المنهج الاختصاري التسهيلي الذين يعرضون عناصر الشرح في سهولة

стр. 317

ويسر، وإنما كان الرجل مثل شيخة أبي رياش. ولكن من جهة أخرى، فقد رأينا أبا رياش قد قصر جل جهده على أخبار الشعراء ومناسبات الشعر وما يتصل بها من أيام وأنساب. أما النمري فقد بين في مقدمته أنه يقصر جهده على معاني الشعر وعلى رواياته، بيد أن شرح معاني الشعر يقتضي شرح ألفاظ الشعر وتراكيبه، وهذان - أي الألفاظ والتراكيب - يقتضيان اللغة من جانب والنحو من جانب آخر، واللغة واضحة في عمله الذي دل عليه هذا المختصر، أما النحو فإننا لم نجد له فيه عملاً يذكر سوى إشارات طفيفة لا تدل على شيء. وكذلك الأمر بالنسبة لعنصري البلاغة والنقد إذ أن عمله في البلاغة لا يتجاوز اللمحات المتناثرة التي جاءت منصبة في التشبية والاستعارة لا يعدوهما إلى الألوان البلاغية الأخرى. أما عمله في نقد أشعار الحماسة فلا وجود له مطلقاً، فهو بهذا ليس كأصحاب المنهج الفني الإبداعي الذين رأيناهم في عمل المرزوقي يوظفون اللغة والنحو والبلاغة والنقد وغيرها من عناصر الشرح توظيفاً فنياً محكماً أثناء عملية الشرح. كذلك ليس في هذا المختصر ما يدل على عنايته بعنصر الأخبار التاريخية ومناسبات الشعر إلا في مواضع ضئيلة، ويبدو أنه لما رأى شيخه أبا رياش قد وفى هذا الجانب حقه وزاد فيه زيادة لا تدع لقائل مقالاً صرف نظره عنه إلا ما كانت الحاجة تدعو إليه في توضيح المعنى فيذكره عن شيخه، وذلك في مثل بيت الشداخ ابن يعمر الكناني الذي يقول فيه: القوم أمثالكم لهم شعر ... في الرأس لا ينشرون ان قتلوا وهو من الأبيات التي لا يظهر معناها إلا بذكر قصتها، ولذا نراه يلجأ إلى شيخه أبي رياش في ذكر قصته فيقول: "وجدت بخط أبي رياش ﵀ حضر الشداخ بعض الحروب فراح إليه أصحابه يوماً فقالوا: قتلنا فلاناً وفلاناً، وقتل منا فلان وفلان، وعدوا من قتلوه فقال أصحاب الشداخ: فأين فلان وفلان وعدوا من

стр. 318

زعموا أنهم قتلوه فقال بعض القوم: نحن فلان وفلان، فقال الشداخ: أما زعمتم أنكم قتلتموه؟ قال: إنا نقاتلهم ليلاً وينشرون صباحاً فقال الشداخ: القوم أمثالكم ...... البيت". وثمة عنصران لا وجود لهما في هذا المختصر أحدهما يتصل بشرح أسماء الشعراء والأعلام الواردة في الحماسة، والآخر يتصل بأوزان الشعر وإضرابه وقوفيه. وإذا كنا قد أشرنا في عمل المرزوقي إلى أن تحديد أوزان الشعر وقوافيه يعد من العناصر التي لم تبرز لدى شراح القرن الرابع الهجري الذي منه أبو عبد الله النمري فان شرح أسماء الشعراء والأعلام الواردة في الحماسة قد كان له وجود لدى شراح هذا القرن، ولقد رأينا لشيخة أبي رياش نصيباً من عمل فيه، ولا تفسير لخلو عمل النمري منه سوى أنه لم يوله اهتمامه، أو أن هذا المختصر لم يضم النصوص التي اشتملت على جهده فيه. كذلك لا نجد في هذا المختصر ما يشير إلى أن النمري قد عني بنسبة أشعار الحماسة إلى قائليها أو تصحيح نسبتها مما وهم فيه أبو تمام، وهو جانب رأينا شيخة أبا رياش يوليه اهتمامه ويحقق فيه عملاً مفيداً، ولعل النمري اكتفي بما حققه فيه شيخه فلم يحاول نقله أو الزيادة عليه، ولهذا رأينا أبا محمد الأعرابي يأخذ عليه ذلك في أكثر من موضع في كتابه الذي ذكرناه في المنهج التتبعي التقويمي. وبناء على كل هذا الذي ذكرناه نجد أن عمل النمري الذي رأيناه من خلال هذا المختصر لا يدخل في دائرة واحد من المناهج الخمسة التي حددناها لغلبة شراح الحماسة، ومن هنا جاءت دراستنا له وحدة قائمة لذاتها. إن أظهر عمل قدمه النمري لخدمة اختيار الحماسة يبدو - كما أشرنا سابقاً - في عنصرين: عنصر الرواية وعنصر المعاني، ففي عنصر الرواية نجد النمري مبدعاً بحق في مناقشته لها، ويتجلى إبداعه في أنه كان يربط الرواية ما ائتلف منها وما اتفق بالمعنى، يعرضها ويناقشها على هذا الأساس، وذلك مثل عمله في بيت أبي الغول الطهوي الذي رواه هكذا

стр. 319

ولا تبلى بسالتهم وان هم ... صلوا بالحرب حينا بعد حين ثم قال: "ويروى إلا بعد حين" ويروى تبلى وتبلى وكلاهما من البلى، تكون البسالة فاعلة ومفعولة وهي الشجاعة، وأصله أن يكره الرجل وجهه" ثم وضح معنى آخر للفعل" تبلى "قال: وتبلى أيضاً من قولهم بلوت الشيء إذا اختبرته" ثم مضى مناقشاً الروايتين "حيناً بعد حين" و "إلا بعد حين" وفق هذين المعنيين قال: فمن جعله من البلى روى "حيناً بعد حين" لا غير، أي شجاعتهم باقية غير بالية وان تكررت الحرب زماناً بعد زمان، ومن جعله من الاختبار كانت الروايتان "حيناً بعد حين" و "إلا بعد حين" على معنيين أحدهما: أنهم لا تعرف لهم بسالة في الحرب أي لا يعبسون وجوههم فيها إلفا لها واستهانة بها، والمعنى الآخر إنهم لا تعرف لهم بسالة إلا بعد حين". ومثل ذلك أيضاً ما جاء عنه في رواية بيت أبي عطاء السندي وهو: ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر فقد فسره بقوله: "يقول: ذكرتك في هذه الحالة الفظيعة التي لا يذكر فيها إلا من غلب على القلب، ولم تشغلني عنك مراس الحرب" ثم عرض لرواية أخرى فقال: "ووجدت في نسخة "وقد نهكت ونهكت منا المثقفة" من قولك: رجل منهوك إذا أخذ منه المرض أي تحطمت الرماح بأيدينا". ثم مضى مفاضلاً بين الروايتين بناء على المعنى فقال: "والأول أحسن ألا ترى أن ذكره لها وهو مطعون أحسن منه وهو طاعن" ثم نظر إلى معنى آخر فقال: "فان أراد بقوله نهكت منا أي طعنا بها إلى أن نهكت فالمعنى فيه وفي نهلت واحد". فلا شك أنك تلحظ في هذين المثالين أن النمري كان دقيقاً في نظره إلى الرواية واختلافها من جهة والى المعنى ومراد الشاعر من جهة أخرى. وانه كان يحاول في فنية محكمة الربط بين الاثنين معاً في عمله في صورة تشهد له بالإبداع.

стр. 320

أما في عنصر المعاني فالحق أن النمري قد قدم جهداً محموداً في استخلاص معاني النصوص الواردة في الحماسة، وذلك وفق ما سمعه من السابقين، ووفق ما خطر له من خواطر فيها، ولقد لاحظنا له لمحات مشرقة في هذا الخصوص تنم عن فضله وعلمه، ولقد تجلت معالجته للمعاني في عدة نواح، ففي ناحية نراه ينقل الأقوال التي سمعها في المعنى ويفاضل بينها ويضيف إليها ما يكملها ويوضحها، وذلك مثل عمله في بيت ابن زيابة القائل: الرمح لا أملأ كفي به ... واللبد لا أتبع تزاوله فقد نقل في معنى صدره ما سمعه لابن السكيت وهو قوله: "أقاتل بالرمح وغيره وإذا اقتصر على الرمح فكأنه قد ملأ يده فشغلها عن غيره" ثم أشار إلى معنى آخر قال: "وقال غيره: معنى لا أملأ كفي به أي أطعن به اختلاساً كقول الآخر: لبيقاً بتصريف القناة بنانيا ثم فاضل بين المعنيين فقال: "والقول قول ابن السكيت" ثم أضاف إليه معنى عجز البيت فقال: "وقوله واللبد لا أتبع تزاوله أي أنا فارس فإذا مال اللبد لا أميل معه". وفي ناحية أخرى نراه يقدم للمعنى بشرح الألفاظ ثم يعرضه في أسلوب سهل واضح، فإذا عرضه عمد إلى توضيح ما يؤكده ويقويه، ومن أمثلة ذلك ما جاء عنه في بيت زميل بن أبير الوارد في باب الهجاء وهو: ولست بربل مثلك احتملت به ... حصان نأت عن فحلها وهي حائل فقد بدأ عمله فيه بشرح الألفاظ قال: "الربل ضروب من النبات تتقطر بالورق من غير مطر، وإنما يكون ذلك عند طلوع سهيل من برد السحر، والجمع
следующие страницы →