← Адаб

Адаб · id 16377

شروح حماسة أبي تمام دراسة موازنة في مناهجها وتطبيقها

محمد عثمان علي

Полный текст (407 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

على نحو ما صرح ابن جني في مقدمته لكتاب "التنبيه". من أجل هذه الفروق جميعها بعد منهج أبي العلاء عن منهج ابن جني برغم تأثره به في بعض عمله ومشاكلته إياه في نواح من شرحه. كذلك لم يكن أبو العلاء مشابهًا في منهجه منهج الإبداعيين الفنيين الذين رأيناهم في تطبيق المرزوقي وذلك من حيث أنهم كانوا يقصرون عملهم على نصوص الحماسة، فيوظفون علوم اللغة والنحو والرواية والبلاغة والنقد والأخبار التاريخية توظيفًا فنيًا محكمًا لإبراز معاني النصوص، ويعرضون ذلك في أسلوب أدبي رائع، ولم يكن أبو العلاء كذلك لأنه قد تجاوز نصوص الحماسة إلى شرح أسمائها وأعلامها فضلًا عن استطراداته الكثيرة في اللغة مما أثره أبو رياش في شرحه من أخبار تاريخية، وما يتصل بها من أشعار كان أبو العلاء يقف عندها ويشرح ما فيها من لغة وأعلام، هذا فضلًا عن أن أسلوبه لم يكن أدبيًا يعني فيه بصوغ عباراته وسبكها بما يكسبها شيئًا من الإيحاءات التي تثير المتعة لدى القارئ، وإنما كان يعمد إلى أسلوب فصيح خال من الزخرفة والصياغة يؤدي به إلى أفكاره ومعانيه. كذلك اختلف أبو العلاء عن أصحاب المنهج التتبعي التقويمي، لأنه لم يقصد من شرحه أن يتتبع أبا رياش في عمله ويقوم ما فيه من أخطاء، وإنما قصد منه أن يسد ما فات على أبي رياش توضيحه من حيث أن أبا رياش كان يجنح إلى الأخبار التاريخية في المقام الأول، ففاتت عليه جملة من عناصر الشرح حاول أبو العلاء أن يكون له عمل فيها، وفق ثقافته وهواه. وطبيعي أن يختلف عمل أبي العلاء عن أصحاب المنهج التجميعي الانتخابي، وأصحاب المنهج التسهيلي الاختصاري، فنقولات التبريزي المسهبة المستطردة دلت على أنه لم يكن تسهيليًا اختصاريًا قط، كما أنه إذا كان قد نظر في شروح سبقته فإنه لم يكن ينظر فيها لينتخب منها شرحه، وإنما ليناقشها ويبين رأيه فضلًا عن أنه كان في عمله ابتكاريًا يكد ذهنه ليبرز لنا جهده وعلمه ودرايته، في حين أن الانتخابين كما رأيناهم في عمل التبريزي وغيره كانوا بعيدين عن هذا كله، إلا في مواضع قليلة لا تقاس بما قام به أبو العلاء في عمله.

стр. 352

الفصل الثاني: ظواهر عامة في أعمال الشراح وبعد فلقد وقفنا على مناهج الشراح في الحماسة إلى نهاية القرن السادس الهجري، وطبقنا هذه المناهج على شروحهم، ما وصل منها كاملًا وغير كامل، ووقفنا بالدراسة على عناصر الشرح التي انتهوا إليها في ذلك الزمن، ومدى ما حققوه من عمل فيها. لقد كانت رحلة طويلة مع أعمال هؤلاء الشراح، ودراسة ذات نظرة موازنة، متشعبة متلاحقة كشفت عن المتشابه والمختلف، وعن الإبداع والابتكار، والتقليد والإتباع، وعن الجهد الذي يدل على عمق وأعمال فكر، والذي يدل على سطحية وعدم نفاذ، وكشفت مع هذا كله عن مدى ما اضطلع به هؤلاء الشراح من ثقافات، وما تسلط عليهم من أهواء ونزعات، وما رموا إليه من أهداف وغايات. ولقد كنا ونحن نلحظ هذه الجوانب التي كشفتها الدراسة وتتابع الأعمال بنظرتنا الموازنة نلحظ أيضًا ظواهر عامة كانت الدراسة والمتابعة تكشفها واحدة تلو الأخرى، حتى بلغت في الإحصاء ستًا ... وهي ظواهر تتصل بشرح شعر الحماسة، تمس المتن، والمادة التي خلفها الشراح في شروحهم، وتمس الشراح أنفسهم وما نقلوه في أعمالهم مما كان ينبغي التوجه إليه بالشرح والتفسير. ولأنها ظواهر لا تتصل بشعر الحماسة وشرحه فحسب بل يتصل بعضها بشرح الشعر القديم عامة رأينا أن نفرد لها هذا الفصل، نناقشها ونبين وجهة نظرنا فيها، وهي كما بدت لنا يمكن تصنيفها في مجموعات ثلاث. الأولى تتصل بمتن الحماسة، وتضم ظاهرتين، إحداهما: ندرة رجوع الشراح إلى الأصول في رواية المتن،

стр. 353

والأخرى تغاضيهم عن مناقشة النحل في المتن المختار من قبل أبي تمام. أما المجموعة الثانية فتتصل بالمادة التي خلفها هؤلاء الشراح، وتضم ثلاث ظواهر، إحداها: الاستطراد والتوسع في بعض عناصر الشرح، والثانية طغيان اللغة والنحو في عملية الشرح، والثالثة إغفال الشاعر والعوامل النفسية الموحية له بالشعر. وأما المجموعة الثالثة والأخيرة فتتصل بالشراح أنفسهم، وتشمل على ظاهرة واحدة هي: تسلط نزعاتهم وأهوائهم في أعمالهم التي خلفوها لنا في الحماسة. -١ - في متن الحماسة أ- ندرة رجوع الشراح إلى الأصول في رواية المتن: وهي ظاهرة شملت سائر الشروح على مختلف مناهجها، إذ أن شراح الحماسة كانوا إذا عالجوا رواية المتن عالجوها من خلال نسخ الحماسة التي لديهم أو نسخ الشروح التي وقفوا عليها وأفادوا منها، فالنمري مثلًا كان كثيرًا ما يشير إلي رواية الديمرتي وغيره في شرحه، وإلى رواية شيخه أبي رياش، والمرزوقي كان يرجعنا إلى نسخ الحماسة مختلفات المصادر، كما كان ينظر إلى رواية ابن جني في كتاب "التنبيه" ويناقشها. وابن جني نفسه كان إذا ناقش الرواية ناقشها من خلال ما قرأه من أعمال شراح سبقوه، لا يشير إليهم بالاسم ولكن يدل عليهم من خلال عمله، وكذلك كان يشير إلى رواياته التي أخذها بالسماع من الشيوخ. وأبو هلال العسكري كان يناقش الرواية في غلبة عمله من وجهة نظر لغوية أو إعرابية أو غيرهما من معايير الرواية دون أن يرجع إلى أصل من أصول متن الحماسة، وما رسالته "ضبط مواضع من الحماسة" ببعيدة عنا. وأبو محمد الأعرابي كان يعتمد

стр. 354

اعتمادًا دائمًا على شيخه أبي الندى. وأبو العلاء المعري كان يشير إلى نسخ الحماسة ويقول: "ويقع في بعض النسخ كذا ...... ". أما التبريزي وغيره من أصحاب المنهج التجميعي الانتخابي فقد كان موقفهم من متن الحماسة هو موقف الشروح التي انتخبوا منها أعمالهم، وجلها مما ذكرناه آنفًا، فهم قل أن يرجعوا إلى الأصول المتمثلة في أشعار القبائل ودواوين الشعراء، ولم نجد لهم في هذا الخصوص سوى إشارات طفيفة لا تكاد تتجاوز أصابع اليد الواحدة، منها إشارة ابن جني التي مرت بنا في بيت تأبط شرًا القائل: فأبت إلى فهٍم ولم آيبا وكم مثلها فارقتها وهي تصفر فقد قال فيه: "أن الرواية في ديوان الشاعر بالخط القديم (وما كدت آيبا) "، وإشارة ثانية له في رواية بيتين لأبي الربيس قال: إنه وجدهما بخط أبي موسى في ديوان أبي الربيس. وإشارة ثالثة لأبي هلال العسكري في القطعة التي نسبها أبو تمام إلى المثلم بن عمرو التنوخي، فقد قال فيها: "هذا الشعر في أشعار هذيل للبريق بن عياض الهذلي" وإشارة رابعة لزيد بن علي الفارسي في القطعة الأولى من باب الرثاء التي نسبها أبو تمام لأبي خراش الهذلي قال فيها: "إن هذا الشعر ليس في ديوان أبي خراش". ونحن لا نجد تعليلًا لهذه الظاهرة سوى أنهم قد شغلوا بالحماسة وروايات نسخها عن غيرها من مجاميع الشعر ودواوين الشعراء، ولم يحاولوا أن يربطوا عملهم في متن الحماسة بمصادر الشعر الأخرى، وهي مصادر لا يمكن القول بأنها كانت غير متوفرة لديهم في ذلك الزمن، فهناك كتب وصلت إلينا كانت تشير إليها وتدل عليها، والذي يقرأ كتاب المؤتلف والمختلف للآمدي المتوفى سنة ٣٧٠ هـ يجد

стр. 355

إشارات متعددة إلى جملة من دواوين القبائل ودواوين الشعراء التي كان يرجع إليها في صنعته هذا الكتاب. وكذلك يمكن أن يجد ذلك لدى المرزباني المتوفى سنة ٣٨٤ هـ، فقد كان يشير إلى مصادر للشعر من صنع أبي سعيد السكري بل إن بعض هذه المصادر من مجاميع أشعار القبائل ودواوين الشعراء كانت موجودة لدى البغدادي المتوفى سنة ١٠٩٣ هـ، وقد أوردها ضمن مصادر كتابه الخزانة في المقدمة التي صدر بها هذا الكتاب. ومن ثم كان من المتيسر لهؤلاء الشراح أن يفيدوا من هذه المصادر في أعمالهم التي اتصلت برواية متن الحماسة بدلًا من أن يدوروا حول نسخ الحماسة وروايات الشراح فيها. وفي إدراكنا أنهم لو فعلوا ذلك لحققوا أمرين. أحدهما: تجنب الوقوع في افتراضات لا معنى لها أثناء عملية الشرح حين يكون في الأبيات نقص ناجم عن اختيار بعض أبيات من قصيدة الشاعر وترك الباقي، وذلك كما في أبيات عمرو بن معدي كرب الواردة في باب الحماسة، فقد كان اختيار أبي تمام لها على هذا النحو: ولما رأيت الخيل زورًا ... جداول زرٍع خليت فاسبطرت فجاشت إلى النفس أول مرٍة وردت على مكروها فاستقرت علام تقول الرمح يثقل ساعدي إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت فقد أخذ الشراح يبحثون عن جواب "لما" الواردة في البيت الأول، فدخلوا في تأويلات لا طائل لها، حتى المرزوقي صاحب المنهج الإبداعي الفني وقف عندها وأطنب في القول حيث قال: "يجوز أن يكون الفاء في "فجاشت" زائدة في قول الكوفيين وأبي الحسن الأخفش ويكون جاشت جوابًا للمّا، والمعنى: لما رأيت الخيل هكذا خافت نفسي وثارت، وطريقة جل أصحابنا البصريين في مثله أن يكون الجواب محذوفًا كأنه قال: لما رأيت الخيل هكذا فجاشت نفسي وردت على ما كرهته

стр. 356

فقرت طعنت وأبليت، ويدل على ذلك قوله: "علام تقول الرمح يثقل ساعدي إذا أنا لم أطعن ... " فحذف طعنت أو أبليت لأن المراد مفهوم". ثم مضى يعدد الأمثلة من القرآن والشعر التي تدل على حذف جواب الشرط في الكلام إذا كان مفهومًا من السياق. وتبعه في ذلك الخطيب التبريزي حيث نقل كلامه بنصه بدون أين يضيف إليه شيئًا، ولم يكلف أحد منهما نفسه بالرجوع إلى ديوان الشاعر لمعرفة ما إذا كان أبو تمام قد أسقط في روايته بيتًا من شعر الشاعر اشتمل على جواب "لما"، حتى جاء البغدادي في الخزانة فأورد أبيات الحماسة على نحو ما رواها أبو تمام ثم قال: "هذا المقدار أورده أبو تمام في الحماسة، وفي ديوانه أكثر من هذا" ثم مضى وذكر ما قاله الشراح في جواب "لما" وعلق عليه بقوله" وهذا تعسف نشأ من أبي تمام فإنه حذف بيت الجواب اختصارًا كعادته، لكن كان على الشارح مراجعة الأصل، والجواب هو البيت الثالث المحذوف وهو: هتفت فجاءت من زبيٍد عصابٌة إذا طردت فاءت قريبًا وكرت أما الأمر الثاني الذي كان يمكن أن يحققوه من وراء الرجوع إلى الأصول فهو معرفة ما كان يختار أبو تمام وما كان يترك، فهم قد ظلوا يرددون أن أبا تمام قد "اختطف الأرواح دون الأشباح" على حد تعبير المرزوقي، أو أن أبا تمام "في اختباره الحماسة أشعر منه في شعره" على حد التعبير الذي نقله التبريزي في مقدمة شرحه. ولكن أحدًا منهم لم يحاول أن يطبق هذه الأقوال في نص من نصوص الحماسة من خلال رجوعه إلى المصادر الأولى لشعر الحماسة، ويدل في هذا النص على ما اختاره وما تركه، ولماذا اختار ولماذا ترك؟ . إننا لم نجد شيئًا من هذا من

стр. 357

واحد منهم، وإنما وجدناه عند عالم من العلماء الذين لم يكن لهم عمل في الحماسة، وهو ضياء الدين بن الأثير الذي ولد في النصف الثاني من القرن السادس وعاش في القرن السابع حقبة من الزمن حيث توفي سنة ٦٣٧ هـ، فقد تناول في كتابه "الاستدراك" هذا الجانب في عمل أبي تمام، وقال بعد أن أكد أن أبا تمام إمام الناس شعرًا ومعرفة بالشعر: "ولقد تأملت من الأشعار التي اختار كتاب الحماسة منها فوجدته دقيق النظر فيما أخذ، وما ترك، وسأذكر من ذلك قطعة واحدة حتى يتبين من ذكرته ونبهت عليه، وذلك أنه أورد في باب المراثي أبيات العتبي التي يرثي فيها بنيه وهي: وقاسمني دهري بني مشاطرًا فلما تقضى شطره عاد في شطري وكنت به أكنى فأصبحت كلما كنيت به فاضت دموعي على نحري فيا ليت أمي لم تلدني ... سبقتك إذ كنا إلى أمٍد نجري وقد كنت ذات ناٍب وظفٍر على العدى فأصبحت لا يخشون نابي ولا ظفري ثم مضى قائلًا: "وهذه الأبيات قد اختارها من قطعة تشتمل على ثمانية أبيات فأخذ أربعة وترك أربعة ... فأما الذي تركه فهو هذا: لقد شمت الأعداء بي وتغيرت عيوٌن أراها بعد موت أبي عمرو تجرا علي الدهر لما فقدته ... ولو كان حيًا لا جترأت على الدهر أسكان بطن الأرض لو يقبل الفدا فدينا وأعطينا لهم ساكن الظهر فيا ليت من فيها عليها وليت من عليها ثوى فيها إلى آخر الدهر ثم بين علة اختيار تلك وطرح هذه فقال: "وإذا وقف ناقد الشعر على الأبيات بجملتها رأى الجميع مختارًا ببديهة النظر، فإذا أفكر وأنعم نظره في المأخوذ منها والمتروك، علم حينئذ مقدار ما عند أبي تمام من نقد الشعر والمعرفة به. أما البيت الأول مما أخذه فليس في الأبيات ما يقوم مقامه لأن معناه منفرد برأسه، وكذلك

стр. 358

البيت الثاني. أما البيت الثالث فإنه مقام بيتين من المتروك هما "أسكان بطن الأرض" و "فيا ليت من فيها"، وأما البيت الرابع فإنه يقوم مقام الأول المتروك". فمثل هذا العمل لم نجده لدى شارح من شراح الحماسة لأنهم لم يحاولوا الرجوع إلى الأصول إلى في القليل النادر الذي كان قصدهم منه فحص الرواية في بيت من الأبيات لا البحث فيما اختاره أبو تمام، ولو فعلوا ذلك ووقفوا على ما أسقطه أبو تمام من شعر الشعراء في قصائدهم التي كان ينتحل منها، ورووا لنا هذا الشعر المتروك- وإن لم يناقشوه- لأتاحوا لنا فرصة التعرف بجلاء على عمل أبي تمام في الاختيار والنظر فيه وفق هذا النحو الذي سلكه ابن الأثير. ونحن لا ننكر أن جماعة من رواة الحماسة أو شراحها قد حاولت أن تضيف على ما اختاره أبو تمام في شعر في الحماسة مما وجدت في الكتب أو الدواوين، وهو ما نفسر به عادة الزيادات التي تؤدي إلى اختلاف الرواية في متون الشراح حين نجد تفاوتًا في عدد أبيات القطع لدى شارح وآخر، غير أن هذه الجماعة لم تكن تشير إلى هذه الإضافات وتدل عليها بل كان الواحد منها يورد ما يورده كأنه من اختيار أبي تمام، أو هكذا وجده في النسخ التي اعتمدها في عمله، ومن هنا كان صنيع هذه الجماعة مشكلًا آخر أدى إلى اختلاف في عدد أبيات القطع التي اختارها أبو تمام فضلًا عن المشكل الناجم عن اختلاف ألفاظ الأبيات على أكثر من وجه في روايات هؤلاء الشراح. ب- تغاضيهم عن قضية النحل في متن الحماسة: وهي ظاهرة كان السبب في لفت نظرنا إليها قطعتان من الحماسة إحداهما في باب الرثاء وهي اللامية المعروفة بلامية العرب، والتي نسبها أبو تمام إلى تأبط شرًا، وقيل: إنها لابن أخته في رثائه، ونسبها أبو الفرج في الأغاني والشريف المرتضى

стр. 359

في أماليه إلى الشنفري. والأخرى في باب النسيب صدرها أبو تمام بقوله: "وقال آخر، وقال أبو رياش: إنها مولدة". فأما هذه الأخرى فلم نجد في شأنها سوى هذه الإشارة التي وردت عن أبي رياش والتي لم يوضح فيها لم قال هذه العبارة؟ فأبو تمام لم ينسبها إلى شاعر قديم حتى يقال فيها هذا القول. ولم يذكر أبو عبد الله النمري- تلميذ أبي رياش- شيئًا عنها ... حتى أبو العلاء المعري الذي أقام شرحه "الرياشي المصطنعي" على شرح أبي رياش، لم يصل إلينا عنه شيء في أمرها. وكذلك التبريزي الذي نقل لنا قول أبي رياش لم يوضح لنا لماذا هي مولدة، وهناك آخرون وقفوا على شرح أبي رياش وأفادوا منه ورد ذكرهم في الفصول السابقة مثل زيد بن علي وأمين الدين الطبرسي، وصاحب الشرح المنسوب خطأ لأبي العلاء لم يولوا هذا الأمر اهتمامًا في عملهم، ونحن لا نستطيع أن نقول فيه شيئًا لأن صاحب الشعر مجهول لدينا، فأبو تمام لم ينسبه إلى أحد، ولم يبت أحد من الشراح الذي وقفنا على شروحهم في أمر نسبته، ومن ثم فإنه إذا جاز لنا أن نتكلم في هذه القطعة بشيء فهو أن رواية أبي تمام لها في الحماسة لا تدل على قدمها، فأبو تمام- كما هو معلوم- قد روى في الحماسة شعرًا قديمًا وشعرًا محدثًا، فلماذا لا يكون هذا الشعر محدثًا رواه أبو تمام، ولم يشأ أن يذكر صاحبه، فكان ما قاله أبو رياش في شأن توليده؟ ! . غير أن الذي يهمنا هنا هو القطعة الأولى التي رواها أبو تمام ودل على أنها من شعر الجاهلية، فقد توالت إشارات الشراح إلى إنها منحولة من صنع خلف الأحمر وهي إشارات جاءت متباينة في الزمن، بدأت عند أبي عبد الله النمري المتوفى سنة ٣٨٥ هـ، حين ذكر في شرحه أنها لخلف الأحمر وساق دليلًا على ذلك هو قوله: "جل حتى دق فيه الأجل" قال: "إن الإعرابي لا يكاد يتغلغل إلى مثل هذا". ثم جاء الإمام المرزوقي المتوفى سنة ٤٢١ هـ، ونسبها تبعًا لأبي تمام إلى تأبط شرًا، ثم

стр. 360

قال: "وذكر أنها لخلف الأحمر وهو الصحيح". ورد أبو محمد الأعرابي المتوفى سنة ٤٣٦ هـ على دليل النمري السابق بقوله: "ليس هذا كما ذكر بل الأعرابي قد يتغلغل إلى أدق من هذا لفظًا ومعنى، وليس من هذه الجهة عرف أن الشعر مصنوع، لكن من الوجه الذي ذكرناه لنا أبو الندى قال: "مما يدل على أن هذا الشعر مولد أنه ذكر فيه "سلع" وهو بالمدينة وأين تأبط شرًا من "سلع"؟ وإنما قتل في بلاد هذيل ورمي به في غار يقال له رخمان". ونسب زيد بن علي الفارسي المتوفى سنة ٤٦٧ هـ القطعة إلى الشنفرى، وأشار بأنه ابن أخت تأبط شرًا، ثم أضاف "أن المبرد قال: إنها لخلف الأحمر، إلا أنها تنسب إلى تأبط شرًا". وأخيرًا جاء الخطيب التبريزي المتوفى سنة ٥٠٢ هـ بمنهجية التجميعي الانتخابي فنقل ما قاله المرزوقي وأضاف "وقيل: قال ابن أخت تأبط شرًا" ثم نقل كلام النمري ورد أبي محمد الأعرابي عليه دون أن يعقب على ذلك بشيء. ومع هذه الإشارات التي توالت في هذه الشروح عبر فترات متباعدة، صدرت خلالها شروح أخرى تدخل في دائرة الفترة الزمنية التي حددناها لهذا البحث، فإننا لم نجد شارحًا من الشراح تناول هذه القضية بشيء من المناقشة والتفصيل وإبداء رأي قاطع فيها. فأبو هلال العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ هـ لم يصل إلينا عنه شيء فيها، وكذلك أبو العلاء المعري المتوفى سنة ٤٤٩ هـ، وصحيح أن شرحي هذين العالمين لم يصلا إلينا، ولكن كلا من الشرحين كان من الشروح التي انتخب منها التبريزي شرحه، فلو أورد لأبي هلال أو لأبي العلاء كلام في هذه القضية لنقله التبريزي، ولما اكتفى بنقل كلام النمري ورد أبي محمد الأعرابي عليه، وكذلك لم يقف عند هذه القضية شراح القرن السادس أمين الدين الطبرسي

стр. 361

المتوفى سنة ٥٤٨ هـ، وأبو الرضا الرواندي المتوفى بعد سنة ٥٤٩ هـ، وصاحب الشرح المنسوب إلى أبي العلاء الذي رجحنا أنه من علماء القرن السادس. إن ما قاله النمري من دليل على كون هذه القصيدة منحولة غير مقنع، وكان يستدعي الوقوف والتعليق من قبل هؤلاء الشراح لاسيما أبو العلاء والتبريزي والطبرسي الذين وقفوا على شرحه، وما قاله أبو محمد الأعرابي من أن الأعرابي قد يتغلغل إلى أدق من عبارة "جل حتى دق فيه الأجل" لفظًا ومعنى صحيح لا قول فيه، بدلالة ما ذكره الدكتور عبد الله الطيب المجذوب أنك: "لو فتشت عما في الشطر "جل حتى دق فيه الأجل" من معنى لم تجده يزيد شيئًا عن كلمة امرئ القيس الكندي" ألا كل شيء سواه جلل". غير أن أبا محمد الأعرابي وقد أبطل كلام النمري بما نعتبره صحيحًا، ذهب بعيدًا جدًا حين اعتمد كلام شيخه الرامي إلى أن القصيدة مولدة منحولة لأن فيها ذكر "سلع" وهو المدينة وتأبط شرًا قتل ببلاد هذيل فهذا القول أضعف بكثير مما قاله النمري، فقول النمري قد تجد له تأويلًا ومخرجًا على نحو ما فعل الدكتور عبد الله المجذوب حين ذهب إلى أن لفظ الشعر فيه لف ودوران مخالف لطريقة الجاهلية، وأن هذا ما أراده النمري من قوله" أما كلام أبي محمد الأعرابي فلا مخرج له البتة، والرد عليه- كما أفاد الدكتور ناصر الدين الأسد- لا يحتاج منا إلى أكثر من أن نفتح القاموس للفيروز أبادي أو معجم البلدان لياقوت لنجد فيه أن "سلعًا" اسم لعدة مواضع ومنها "جبل لهذيل". ونحن لا نريد أن نخوض في غمار هذه القضية ومناقشة ما أثاره المعاصرون فيها، فقد تعرض لها بروكلمان ونقل آراء من سبقه من المستشرقين فيها وانتهى إلى الوقوف مع القول القائل بجاهليتها. وتصدى لها الدكتور عبد الله المجذوب وذهب إلى القول بجاهلية بعضها وتوليد بعضها وبحث فيها الدكتور ناصر

стр. 362

الدين الأسد في شيء من التفصيل، وانتهى إلى القول بأنها جاهلية صحيحة وليست منحولة. لا نريد أن نتعرض بالحديث لهؤلاء الباحثين فليس هذا موضعه، وإنما نريد أن نؤكد أن هؤلاء الشراح الذي تصدوا للحماسة بالشرح قد شكلوا ظاهرة عامة في موقفهم من شأن هذه القصيدة حين اكتفى بعضهم بترديد القول القائل بأنها لخلف الأحمر، وأتى اثنان منهم بكلام لا يقوم على ساق، وكان على الشراح الذين جاءوا بعدهما أن يناقشوه ويبينوا خطأه وتهافته على النحو الذي رأيناه عند المعاصرين بعد، ولكنهم لم يفعلوا ذلك لأن قضية النحل في متن الحماسة لم تكن- فيما يبدو من أعمالهم- موضع بحث ودرس لديهم. -٢ - في مادة الشروح أ- التوسع والاستطراد وهي ظاهرة كان رصدنا لها مستمرًا في سائر الشروح ذات المناهج المختلفة، ابتداء من المنهج الفني الإبداعي، وانتهاء بالمنهج الاختصاري التسهيلي، غير أنها جاءت على تفاوت في هذه الشروح. فالنمري الذي ركز جهوده في الروايات والمعاني كان يتوسع في إيراد المعاني فيورد للبيت الواحد أكثر من تأويل في معناه ولكنه كان لا يستطرد في عمله كما كان يفعل الشراح الآخرون. والمرزوقي بمنهجه الإبداعي الفني كان يحاول جاهدًا أن يوظف سائر العلوم في خدمة النص توظيفًا محكمًا، وقد استطاع أن يحقق ذلك في غلبة عمله، ومع ذلك فقد لاحظاناه يقع في التوسع والاستطراد في أكثر من موضع، ويكفي أن تقرأ عمله في بيتي أبي عطاء السندي اللذين يقول فيهما: فإن تمس مهجور الفناء فربما أقام به بعد الوفود وفود فإنك لم تبعد على متعهٍد ... بلى كل من تحت التراب بعيد

стр. 363

لتدرك مدى توسعه واستطراده في مناقشته جواب شرط "إن" الوارد في صدر البيت الأول، فقد بالغ في التوسع والاستطراد في الشرح وضرب الأمثلة. ومثل هذا التوسع والاستطراد يمكن أن تلحظه في عمله الذي أداه في شرح تركيب "وبعض الشر أهون من بعض" الوارد في بيت أبي خراش الهذلي، غير أن ما صدر عنه من توسع واستطراد كان غالبًا في مجالي اللغة والنحو. أما بقية عناصر الشرح الأخرى التي تعاطاها ي شرحه فقد كان عمله فيها يتسم بالدقة والإحكام البعيدين عن هذه الظاهرة. أما أبو العلاء المعري فالحق أنه، ومن خلال ما وصلنا عنه في شرح التبريزي، كان أكثر الشراح توسعًا واستطرادًا، فهو في شرحه لأسماء شعراء الحماسة والأعلام الواردة في أبياتها كان كثيرًا ما يتجاوز المادة التي يناقشها إلى مواد أخرى تتصل بها، وكذلك لاحظنا منه ذلك في جملة من قضايا النحو والإعراب والعروض، فضلًا عن إسهابه المتكرر في مناقشة تأويلات المعاني وتراكيب النصوص، ولعلك حين ترجع إلى ما ذكرناه في دراستنا لشرحه "الرياشي المصطنعي" وإلى تعرضنا له بالحديث في منهج التبريزي تلميذه الذي كان يتابعه في الاستطراد والتوسع، تجد من الأمثلة ما يدل على كثرة استطراده وتوسعه، بل إنك تجد أنه لم يكن يتوسع ويستطرد في الأعمال الخاصة بنصوص الحماسة فحسب بل يتجاوز ذلك إلى التوسع والاستطراد في شرح ما كان يثيره أبو رياش في شرحه من أقوال وأخبار شعر. ومثله في هذا ابن جني في القضايا اللغوية والنحوية التي كان يثيرها في كل من المبهج والتنبيه، والأمثلة على توسعه واستطراده كثيرة لا حصر لها. يمكنك أن تلم بها إذا نظرت في أعماله في المبهج في شرح أسماء "نهار بن توسعة" و "ريطة بن

стр. 364

عاصم) و (أمية بن أبى الصلت)، كما يمكنك أن تجدها في (التنبيه) في إثارته الخلاف بين سيبويه والأخفش وإرسال الحديث متشعبا حين ينعكس هذا الخلاف في نص من نصوص الحماسة. ولو أجريت نظرك في عمله الذي ناقش فيه بيت المنخل اليشكري القائل: وفوارس كأوار حر النار أحلاس الذكور لوجدت توسعا واستطرادا ملحوظا في هذا العمل. وإذا كان ابن جني بمنهجه العلمي التخصصي قد برز لديه التوسع والاستطراد فان أبا محمد الأعرابي بمنهجه التتبعي التقويمي قد كان في بعض عمله الذي تتبع فيه أبا عبد الله النمري يقع في التوسع والاستطراد، وبخاصة في إيراده قصص الشعر وأخبار الشعراء وذكر ما فيها من شخصيات وأشعار. أما التبريزي ذو المنهج التجميعي الانتخابي الذي يقوم على استيفاء عناصر شرحه من الشروح التي سبقته، وتقديمها في ثوب منسق مشذب، فقد رأيناه في مواضع متعددة ينجرف مع شيخه أبي العلاء في التوسع والاستطراد، كما كان يسود العديد من الصفحات بأخبار الشعر ومناسباته التي كان ينقلها من شرح أبي رياش فضلا عن جنوحه المستمر إلى النحو وما فيه من تشعب واستطراد. إن الشراح الذين يفترض أن تكون أعمالهم خالية من هذه الظاهرة هم أصحاب المنهج الاختصارى التسهيلي، ومع ذلك فإننا لاحظنا في بعض عملهم.

стр. 365

إسهابا وتوسعا، وهو إسهاب وتوسع- وان جاء في قلة لا تخرجهم عن حد المنهج إلي ساروا فيه- فإنه دل على أن هذه الظاهرة قد كان لها أثرها في أعمالهم، وهو أمر كنا قد اشرنا إليه في دراستنا لهم في شرح كل من البياري وصاحب الشرح المنسوب خطأ إلى أبي العلاء، كما نوهنا له في دراستنا لشرح زيد بن علي في كتابنا الثاني من هذا البحث. ويمكن القول بأنه لم يسلم أحد من أصحاب هذا المنهج من هذه الظاهرة سوى الأعلم الشنتمري الذي شرح حماسة من صنعه تعد بعيدة عن حماسة أبي تمام وإن اشتملت على جملة من نصوصها. على أننا إذا بحثنا عن علة غلبة هذه الظاهرة على شروح شراح الحماسة وجدنا أنها ترجع إلى التأثر بأعمال الشراح الذين تخصصوا في شرح الشعر الجاهلي، فقد ذكر الدكتور أحمد جمال العمري أن شراح الشعر الجاهلي الذين ظهروا في القرن الرابع - وهو القرن الذي صدر فيه جل شروح الحماسة - قد أدركوا أن القصد من شرح الشعر هو التعليم والتثقيف إلى جانب الإمتاع. ومن ثم رأوا (أن من الواجب عليهم أن يوسعوا دائرة نشاطهم، ويحللوا، ويدققوا، ويسهبوا في شروحهم، ويستطردوا لتشمل كل ما يتصل بالنص من قريب أو بعيد، روايات وتفسيرات لغوية، وتوضيحات نحوية، وتحليلات نقدية، ونظرات بلاغية، وأخبار وأنساب وأحداث، وبذلك وضعوا أمام قارئ شروحهم وطالب عملهم مائدة ضخمة أدسم المواد العلمية التي هي حصيلة الجمع والجهد). وإذا كان هذا هو شأن الشعر الجاهلي في القرن الرابع وفهمهم لعملية شرح الشعر فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على شراح الحماسة من حيث إننا سبق أن أوضحنا عند حديثنا عن حركة تطور شرح الشعر عامة أن شراح الحماسة لم يكونوا بمعزل عن هذه الحركة بل إن جماعة منهم قد أسهمت- بجانب عملها في الحماسة - في شرح الشعر القديم الجاهلي والإسلامي في اختيارات غير الحماسة ودواوين الشعراء.

стр. 366

إن هذا التوسع والاستطراد الذي طرأ على حركة شرح الشعر لدى شراح القرن الرابع الهجري، هو الذي جعل الخطيب التبريزي في النصف الثاني من القرن الخامس يلبي رغبة أحد طالبي علم الأدب في صنع شرح خال من التوسع والاستطراد، ويقول مخاطبا إياه في مقدمته لشرح القصائد العشر: (وذكرت أن الشروح التي لها طالت بإيراد اللغة الكثيرة والاستشهادات عليها، والغرض المقصود منها معرفة الغريب، والمشكل من الإعراب، وإيضاح المعاني، وتصحيح الروايات وتبيينها مع الاستشهادات التي لابد منها من غير تطويل يمل ولا تقصير بالغرض يخل). غير أن التبريزي وهو يقول هذا الكلام لأحد طلاب عصره، ويدرك حاجة الناس في زمنه إلى ترك التوسع والاستطراد في شرح الشعر لم يسلم من هذه الظاهرة. الحق أنه قد حاول في مواضع كثيرة في شرحه أن يكون مقتصدا منسقا في انتخابه من الشروح التي سبقته، ولكنه مع هذا لم يستطع التخلص من التأثير الذي تسلط عليه من قبل شيوخه الذين درس عليهم أو الشيوخ الذين قرأ أعمالهم وأفاد منها في شروحه. وهذا الذي قلناه في التبريزي يمكن أن يقال في سائر الشراح ذوي المناهج المختلفة، وبخاصة شراح المنهج الاختصاري التسهيلي الذين أدركوا ما أدركه التبريزي، وعملوا على التخلص مما كان سائدا في شروح الحماسة وغيرها من توسع واستطراد بإثامة منهج يقوم على اختصار عناصر الشرح، وعرضها سهلة ميسرة، فهم أيضًا لم يسلموا من التأثر بهذه الظاهرة، وإن جاء هذا التأثر متفاوتًا، وفي قلة لا تقاس بأصحاب المناهج الأخرى. ب- طغيان اللغة والنحو في عملية الشرح: لاشك أن اللغة والنحو من العلوم التي تعين على فهم النص الشعري بل هما أمران مهمان في قراءة النص قراءة صحيحة، من حيث عن القراءة الصحيحة تعد

стр. 367

أولى العتبات التي يصعدها القارئ الدارس للوصول إلى فهم النص، ولهذا استعان يهما الشراح في تحليل النص، قصدا إلى إبراز معانيه، غير أن هذه الاستعانة ينبغي ألا تكون هي الغالبة المستأثرة بجهد الشارح وكد ذهنه في عملية الشرح، هذه بديهة من البديهيات لا تحتاج إلى وقوف وإبانة، ولكننا ونحن نقرأ شروح الحماسة التي قام عليها بحثنا لاحظنا أن غلبة أصحابها كثيرا ما يجنحون إلى التفسير اللغوي والنحوي في معالجة النص، الأمر الذي يجعلهم يغضون النظر عن العناصر الأخرى وهي عناصر لها قيمتها في تحليل النص وتبيان معانيه، ومن ثم صار هذا الجنوح المطرد ظاهرة عامة انتظمت غلبة الشراح في أعمالهم التي قرأناها لهم. ونحن هنا لا نعنى أصحاب المنهج العلمي التخصصي، لأن هؤلاء قد بنوا منهجهم في المقام الأول على معالجة القضايا اللغوية والنحوية التي تثيرها أبيات الحماسة، وإذا كان هذا هو حالهم فمن الطبيعي أن نجد اللغة والنحو يطغيان على أعمالهم ويملكان الغلبة الغالبة من جهودهم. وكذلك لا نعنى أصحاب المنهج التتبعي التقويمي لأن أصحاب هذا المنهج يقوم عملهم - كما وضحنا من قبل - على تتبع أعمال السابقين وتقويم ما فيها من أخطاء وأوهام، فهم في أعمالهم يسيرون وفق ما يتتبعونه ويصلحونه لغة كان أو نحوًا أو روايةً أو معنىً، أو خبرًا، إلى غير ذلك من الجوانب التي تكون مثار التتبع والتقويم. إن الشراح الذين نعنيهم بهذه الظاهرة هم أصحاب المناهج الثلاثة الأخرى: المنهج الإبداعي الفني، والمنهج التجميعي الانتخابي، والمنهج الاختصاري التسهيلي، فأصحاب هذه المناهج تقوم أعمالهم على صفات ومقومات لا تقتضي وجود هذه الظاهرة، لأننا لو رجعنا إلى ما قلناه في شرح هذه المناهج لوجدنا أن من أهم صفات المنهج الإبداعي الفني أنه يقوم على دعامات فنية ومقومات أدبية تتآزر وتأتلف لتخدم النص الشعري. وأن الشارح في هذا يوظف معارفه العلمية وقدراته الأدبية في فنية وابتكار توظيفا محكما تكون حصيلته النهائية إبراز المعنى

стр. 368

على أكمل وجه وأتم صورة. وبهذا لا يكون عمله مجرد تقديم مادة لغوية أو نحوية هي في واقع الأمر تحصيل حاصل أو تكرار لما قاله العلماء الأوائل. ولوجدنا أيضا أن عمل الشراح التجمعيين الانتخابيين يقوم على جمع الشروح السابقة، وانتخاب شرح منها تكون عناصر الشرح فيه كاملة معروضة في ثوب من التنسيق والتهذيب والتشذيب بحيث لا يكون عنصر من العناصر طاغيا طغيانا يظهر للقارئ بوضوح أو يحرم العناصر الأخرى من الوجود. ولوجدنا كذلك أن أصحاب المنهج الاختصارى التسهيلي ينبغي عليهم وقد اتخذوا هذا المنهج مرتكزًا لأعمالهم أن يعتمدوا اختصار المعلومات في الشرح مسلكًا، والتسهيل في عرضها سبيلًا بحيث يقدمون سائر العناصر التي يقتضيها الشرح ولكن في صورة تختلف عن سائر الشراح ذوي المناهج الأخرى، صورة قوامها التركيز القائم على الاقتصاد والإيجاز الموصل إلى معنى النص بأقرب طريق وفي سهولة ويسر. وبناء على هذه المقومات والصفات التي أجملنا الحديث فيها كان جنوح أصحابها نحو اللغة والنحو ظاهرة من الظواهر التي تستحق المناقشة والتعليل. ونحن لا ننكر أن أصحاب هذه المناهج قد حاولوا جهدهم أن يوفروا لأعمالهم سائر المقومات والصفات التي تقوم عليها مناهجهم، ولكنهم وهم يحققون ذلك لم يسلموا من أن يتغول عنصرا اللغة والنحو في بعض أعمالهم على عناصر الشرح الأخرى، وذلك بسبب ميلهم وجنوحهم نحو العمل اللغوي النحوي. فالمرزوقي مثلا رأيناه في مواضع مختلفة من شرحه يند عنه شيء من الميل إلى اللغة والنحو إلى درجة تجعل غلبة جهده في العمل التحليلي وقفا عليهما كليهما أو أحدهما. ومن أمثلة ذلك عمله في بيت دريد بن الصمة القائل: كميش الازار خارج نصف ساقه بعيد عن الآفات طلاع أنجد فقد جاء عمله في هذا البيت منصبًا في غلبته على اللغة إلى درجة أنسته أن يورد

стр. 369

ما تضمنه البيت من معنى. وكذلك الحال في بيتي الصمة بن عبد الله القشيري وهما: حننت إلى ريا ونفسك باعدت مزارك من ريا وشعباكما معا فما حسن أن تأتي الأمر طائعا وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا فقد جاءت غلبة عمله المطلقة فيهما في مجالي اللغة والأعراب بحيث أخذ ذلك من عمله نحو عشرين سطرًا، في حين أن عرض المعنى لم يأخذ منه سوى ثلاثة أسطر. هذا فضلًا عن إغفاله تصوير الجو النفسي الذي دفع الصمة إلى هذا القول والأسلوب البلاغي الذي شمل البيتين من مخاطبة النفس بهذا العتاب في موقفيها النقيضين: مفارقتها ريا في طوع واختيار، وحنينها إليها وجزعها عليها في شوق ووله، وتسلل الشاعر بأسلوبه هذا إلى عاطفة القارئ، يحركها للتجاوب المستحب. وإذا كان المرزوقي يجنح إلى اللغة والنحو في قلة وفي مواضع يمكن أن تحصى، فإن التبريزي ذا المنهج التجميعي الانتخابي كان جنوحه نحو اللغة والنحو مطردًا، ولقد سبق أن ناقشنا هذا الجنوح في عمله عند دراسة منهجه، حيث رأيناه في مواضع عديدة يميل في عمله إلى النحو خاصة، إلى درجة تدفعه أحيانًا إلى أن ينقل في شرحه ما أورده المرزوقي من عمل في النحو، مكتفيًا به عن سائر العناصر الأخرى، ولو قرأنا عمله في بيت سعد بن مالك الذي يقول فيه يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا لوجدنا أن ما نقله من النحو في شرحه من الشروح التي كان ينتخب منها قد أحال تنسيق العناصر التي تغول واضح للنحو، إذا جاء نقله فيه واحدًا وعشرين

стр. 370

سطرًا، وجاء ما نقله في معنى البيت سطرًا واحدًا. أما أصحاب المنهج الاختصاري التسهيلي لفلم يسلموا من سيطرة اللغة والنحو على بعض أعمالهم، فلو قرأنا شروحهم لوجدناهم مع استيفائهم صفات منهجهم في غلبة أعمالهم فأنهم في بعض الأحيان كانوا يميلون إلى اللغة والنحو، بحيث يكون لهما الغلبة على عملهم، ويكفي أن نورد مثالًا لكل واحد من هؤلاء حتى ندرك مدى جنوحهم في بعض الأحيان إلى هذين العنصريين. ففي الشرح المنسوب خطأ إلى أبي العلاء المعري نجد أن صاحبه قد وقف في بيت هشام بن عقبة الذي يقول فيه فلم ينسني أوفى المصيبات بعده ولكن نكء القرح بالقرح أوجع ونقل عن ابن جني قوله: "يحتمل في (أوجع) أمرين أحدهما أن يكون من يوجع فحملها على الأول أقوى في الأعراب، وحملها على الثاني أقوى في المعنى، ذلك أنه إذا جعلتها من وجع يوجع كان معناه أن النكء نفسه وجع فأسندت الوجع إليه، مبالغة كقولهم: جن جنونه، وضل ضلاله، وموت مائت. والآخر أن يكون قياسه أشد إيجاعا كقولك: هو أشد إكرامًا له من غيره، غير أنه حذف همزة "أوجع" في الماضي ثم بني منه أفعل إلى معناها للمبالغة" ولم يزد على هذا العمل اللغوي البحت شيئًا يخدم به العناصر الأخرى في شرح النص التي من أهمها عرض المعنى. وفي شرح البياري رأيناه يقف في البيت الأول من باب الحماسة القائل: لو كنت من مازن لم تستبح ابلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا فيسود صفحة كاملة من تراكيب (لو) في حالات النفي والإثبات شرطًا وجوابًا دون أن يهتم بأن هذا يخرجه عن حد المنهج الذي رسمه لنفسه في مقدمته.

стр. 371

أما زيد بن علي فالحق أننا رأيناه أقل أصحاب هذا المنهج ميلًا إلى أن يجعل اللغة والنحو يتغولان على عمله، ومع ذلك فإن في شرحه موضعًا يشهد بتأثره بهذه الظاهرة وعدم الخروج عن دائرتها. وقد ناقشنا هذا الموضوع في الدراسة التي أقمناها حول شرحه وعناصره في الكتاب الثاني من هذا البحث. وإذا كنا قد أرجعنا الظاهرة السابقة المتمثلة في التوسع والاستطراد إلى تأثير شروح الشعر الجاهلي التي قام بها علماء القرن الرابع الهجري. فان هذه الظاهرة ترجع كذلك إلى هذا التأثير. فأنت تستطيع أن تجد شيوع اللغة والنحو في شرح أبي بكر بن الانباري المتوفى سنة ٣٢٨ هـ للقصائد السبع الطوال أو شرح أبي جعفر النحاس المتوفى سنة ٣٣٨ هـ للقصائد التسع المشهورات. ويكفي أن تقرأ عمل ابن الانباري في بيت طرفة بن العبد الذي يقول فيه: وبرك هجود قد أثارت مخافتي نواديها أمشي بعضب مجرد أو عمله في بيت عمرو بن كلثوم القائل: ذراعي عيطل أدماء بكر تربعت الأجارع والمتونا لتجد أن اللغة والنحو سيطرة كاملة على عمل الرجل في شرح الشعر. ومثل ذلك يمكن أن نجد أيضًا في مواضع مختلفة من شرح أبي جعفر النحاس. على أننا إذا بحثنا في شأن هذه الظاهرة وتسلطها على شراح الشعر الجاهلي في ذلك القرن، وجدناها ترجع إلى أن كل العلماء الذين تتابعوا على شرح الشعر القديم كانوا من ذوي الاهتمام باللغة والنحو، فأبو عمرو الشيباني المتوفى سنة

стр. 372

٢٠٦ هـ أو سنة ٢١٠ هـ كان (عالمًا باللغة حافظًا لها جامعًا لأشعار العرب)، وأبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة ٢٠٨ هـ أو ٢٠٩ هـ، أو ٢١٣ هـ (كان من أعلم الناس باللغة وأخبار العرب وأنسابها)، وعبد الملك بن قريب الأصمعي المتوفى سنة ٢١٣ هـ (كان صاحب النحو واللغة والغريب)، وابن الأعرابي المتوفى سنة ٢٣٢ هـ يعد (أحفظ الناس للغات العرب)، وابن السكيت المتوفى سنة ٢٤٤ هـ أو ٢٤٦ هـ (كان من أكابر أهل اللغة)، وأبو حاتم السجستاني المتوفى سنة ٢٥٠ هـ (كان عالمًا ثقة بعلم اللغة والشعر)، وأبو الفضل الرياشي المتوفى سنة ٢٥٧ هـ، قال عنه المازني: (قرأ علي كتاب سيبويه وهو أعلم به مني)، وأبو سعيد السكري المتوفى سنة ٢٧٥ هـ كان بجانب عمله في صنع الدواوين نحويًا لغويًا. فهؤلاء جميعًا كانوا من ذوي الاهتمام باللغة أو النحو أو الاثنين معًا، وقد انعكس هذا الاهتمام على أعمالهم في شرح الشعر، ومن ثم كان من الطبيعي أن يتأثر بهم شراح القرن الرابع الهجري، وإذا علمنا أن شراح الحماسة قد وقفوا على أعمال هؤلاء العلماء الأوائل كما وقفوا على أعمال القرن الرابع الذين عاصروهم أو سبقوهم بقليل، فإن تأثير هذه الظاهرة لا بد أن يتسرب بصورة ما إلى أعمالهم في الحماسة بحيث يلحظه القارئ الدارس لشروحهم. على أن هناك أمرًا يجب ألا نغفله ونحن نتحدث عن هذه الظاهرة وتسر بها إلى أعمال شراح الحماسة هو أن دراسة الشعر قد قامت في البداية لخدمة القرآن الكريم

стр. 373

والحديث الشريف، وكذلك الشأن بالنسبة للدراسات الأخرى في علمي اللغة والنحو، وقد ظلت هذه النظرة مسيطرة على شراح الشعر القديم بمختلف أجيالهم بالرغم من استقلال هذه العلوم وقيام كل علم منها في وحدة قائمة لذاتها لاسيما علم الشعر. ولم يكن شراح الحماسة بمعزل عن تأثير هذه الظواهر. حقًا إننا قد لاحظنا في مختلف فتراتهم يفسرون لغة الشعر بما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف، لا كما كانت الحال عليه في البداية حين كان المفسرون للقرآن والحديث يلجؤون إلى الشعر لتفسير ما فيها من غريب تبعًا للدعوة التي وجهها عبد الله بن عباس ﵁ حيث قال: إذا قرأتم شيئًا من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب، فإن الشعر ديوان العرب ولكنهم من جهة أخرى ظلوا متأثرين بهذه النظرة التي تجعل دراسة الشعر معينة على فهم القرآن والحديث بدلالة أننا نجد الخطيب التبريزي يذهب إلى هذا حيث نراه يقول في مقدمته لشرح الحماسة: (أشرف العلوم كلها علم الكتاب والسنة، وهما قطبا كل علم، وأصلا كل فهم، إذ كانا طريقًا إلى معرفة الخالق تعالى وشكر نعمته، وسبيلًا إلى إدراك السعادة والفوز بجنته، ولا يصح حقيقة معرفتهما إلا بعلم الإعراب الدال على الخطأ من الصواب، وعلم اللغة الموضحة على حقيقة العبارات، المفصحة عن المجاز والاستعارات وعلم الأشعار، إذ كان يستشهد بها في كتاب الله وفي غريب أخبار رسوله ﷺ . فلا شك أن هذه النظرة التي ظلت مسيطرة على شراح الحماسة إلى زمن التبريزي، المتوفى في مطلع القرن السادس الهجري هي التي جعلتهم يجنحون دائمًا إلى اللغة والنحو في أعمالهم التي عقدوها حول الحماسة من حيث إن دراسة القرآن والحديث قد ربطت بين علوم الإعراب واللغة والأشعار وجعلتها تسير مجتمعة في خط

стр. 374

واحد لخدمة غايتها فهم القرآن والحديث، فهذا الربط بين الشعر واللغة والنحو هو الذي أدى إلى تغول اللغة والنحو أحيانًا في عمل شراح الحماسة، فضلًا عن اهتمام شراح الشعر بهذين العلمين، وتخصص الكثيرين منهم فيهما. ج- إغفال الشاعر والعوامل الموحية له بالشعر: لعلنا لاحظنا من خلال دراستنا لهذه الشروح أن اهتمام الشراح فيما يتصل بالشاعر كان موجهًا إلى دراسة اسمه فحللوه لنا لغويًا وبينوا ما هو مرتجل منه وما هو منقول، وأثاروا كل ما يتصل بذلك من قضايا لغوية وصرفية واشتقاقية، كما كان موجهًا إلى نسبه فأوردوه لنا إلى آخر جد وصلوا إليه في عمود النسب المتصل بقبيلته، وموجهًا أيضًا إلى القصص والأخبار التي اتصلت بما قاله من شعر فسودوا الصفحات العديدة بالأخبار المطولة التي تعج بالأسماء والأنساب والأمثال والأشعار. أما الشاعر نفسه فلا وجود له في أعمالهم، نعنى الشاعر الإنسان الذي له وجوده في شعره، وهو الوجود الذي تشير إليه عواطفه ومشاعره، ويدل عليه عقله وتفكيره والخط النفسي الذي يسير فيه أثناء بناء شعره ومعالجته لموسوعاته وعرض أفكاره ومعاينه في هذه الموضوعات، وبناء صورة وأخليته التي يؤدي بها هذه الأفكار والمعاني، وفنيته وإبداعه في صنعه الشعر بما يبرز خصائصه التي تميزه عن شعراء عصره، وربط ذلك كله بثقافته التي ألم بها وبالبيئة التي وجد فيها والمجتمع الذي عاش فيه. كل هذه الأمور التي تجعلنا نعيش مع الشاعر ونلمسه في خطوات تحليل النص أهمل الشراح النظر فيها وفي شروح نصوص الحماسة. وهذه في واقع الأمر ظاهرة لا تمس شراح الحماسة فحسب، بل تشمل سائر شراح الشعر القديم. وقد أفاد عنها الدكتور أحمد جمال العمري حين ذكر أنه لم يجد لدى الشراح القدامى من يهتم بقصد الشاعر أو دراسة العوامل المؤثرة الموحية بقول الشعر أو دراسة الخط النفسي في القصيدة، أو دراسة الخصائص المميزة لشعره. وعلل ذلك بأن "طبيعة العصور القديمة والظروف العلمية والثقافية فيها لم تكن تلتفت إلى هذا الأمر من قريب أو بعيد، لأن كل ما يهم الشارح وقتئذ هو المادة

стр. 375

الفنيّة، النسيج الشعري وحده، تحاول أن تعرفه وتحلله وتقومه خدمة للعلم أولًا وقبل كل شيء). وإذن فنحن لا نتوقع أن يخرج شارح من شراح الحماسة عن المسار الذي سار فيه شراح العصور الأولى للأدب أو شراح عصره، وأن يتجاوز الظروف العلمية والثقافية المحيطة به والتي توارثها أجيال العلماء إلى نهج مغاير في شرح النص يحيل عملية الشرح إلى تحليل فني يجعلنا نحس بوجود الشاعر في كل خطوة من خطواته، نلمس من خلال عواطفه وعقله ومواقفه التي أوحت له بالشعر، ندرك غرضه ومقاصده وإبداعه وخصائصه الدالة عليه. ومن المؤسف حقًا أن شراح الحماسة بعد القرن السادس، الذي كان قرن تجميع وانتخاب أو اختصار وتسهيل قد ساروا إلى جمود، يكررون ما قاله السابقون اختصارًا أو تطويلًا، ويدورون حول ما دار فيه الشراح الأوائل، ويرددون أقوال شيوخهم الذين قرؤوا عليهم كتاب الحماسة دون أن يعلموا أن هذه الأقوال هي حصيلة أعمال السابقين أخذها شيوخهم، ولم يزيدوا عليها شيئًا أو يخرجوا إلى رحاب أوسع في عملية الشرح، ولا أدل على هذا القول من شرح مجهول المؤلف كنا قد أشرنا إليه في ثبت شروح الحماسة، ذكر صاحبه في خاتمته أنه قد فرغ منه في الخمس من ربيع الأول سنة ١١٣٥ هـ، أي بعد خمسة قرون وبضعة عقود من الفترة التي حددناها لهذا البحث. ننظر في هذا الشرح فنجد صاحبه لم يصنع فيه شيئًا سوى أنه سلخ أقوال المرزوقي في شرحه وأقوال غيره من الشراح الأوائل بدون أن يدل عليهم أو ينص على أنه يأخذ منهم، قال في بيت ربيعة بن مقروم الذي يقول فيه: أرجيته عني فأبصر قصده وكويته فوق النواظر من علِ (ذكر بعض المتأخرين في (أرجيته) الرواية (أوجيته) وما عداه تصحيف) وهي عبارة المرزوقي التي سبقت الإشارة إليها في دراسته يوردها هذا الشارح دون أن

стр. 376

يعلم أن المرزوقي قد عنى بقوله بعض المتأخرين ابن جني معاصره. إننا لا ننكر أن الشراح الأوائل قد قدموا خدمات جليلة لديوان الحماسة وفق معطياتهم، ووفق الظروف الثقافيّة والعلمية التي كانت محيطة بهم، ولكن إغفال الشاعر والانصراف عنه إلى مسائل لغوية ونحوية وإخبارية، وترك مراميه ومقاصده، وإبراز عواطفه وخطه النفسي في بنائه الشعري، والوقوف عند خصائصه ومميزاته أمر كان ينبغي التنبه له في عملية تحليل الشعر وشرحه، لأن فصل الشاعر عن شعره لا يعطي القارئ الدارس الصورة الكليّة التي ينبغي أن يخرج بها من قراءته لتحليل النص. ولهذا رأينا عددًا من العلماء في عصرنا هذا الحديث ممن اشتغل بالحماسة يحاولون إعادة شرحها من جديد، فعل ذلك الشيخ سيد علي المرصفي في سنة ١٩١٢ م، حين أخرج للقراء الجزء الأول من كتابه ((أسرار الحماسة)) وقال في مقدمته، مشيرًا إلى صنيع الشراح الأوائل في اختيار الحماسة: (ولست في تفسير معانيه وبيان مغازيه متبعًا لقوم مدوا أيديهم على ذلك الديوان بالكتابة، وظنوا أنهم فوقوا سهام الصواب، وقد أخطؤوا غرض الإصابة، فكثيرًا ما يخلطون في أوضاع اللغة ولا ينتبهون، ويخلطون في بيان ما تقصده أدباء الشعر وما يشعرون، ملؤوا كتبهم ببضاعة الإعراب والبناء، وتحقيق ما نحاه ابن خروف أو انتحاه الفراء)). وفعل ذلك أيضًا الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الذي أشرنا إلى أنه كان يدرس لطلابه بجامع الزيتونة شرح المرزوقي على ديوان الحماسة، ثم عدل عن ذلك فاصطنع للديوان شرحًا من تأليفه. وفعل نحوًا من هذا الأستاذ علي النجدي ناصف حين ذيّل دراسته لحماسة أبي تمام بتحليل قطع منها نحا فيها منحى المرصفي في جعله عناوين للقطع التي حللها، وسلك في تحليله مسلكًا مغايرًا لمسلك المرصفي، ومسلك كل الذين لهم في الحماسة عمل. إنه مسلك أشبه بالتحليل

стр. 377

الفني المعاصر الذي رأيناه عند علمائنا الأدباء مما عنوا بدراسة الشعر القديم وتحليله. وفي إدراكنا أن هؤلاء العلماء: المرصفي وابن عاشور والنجدي، الذين اتجهوا إلى الحماسة بالشرح والتحليل في زماننا هذا ما فعلوا ذلك إلا لأنهم أحسوا بأن ما قدمه الشراح الأوائل من جهود في خدمة هذا الاختيار - مع ما فيه من فضل وعلم لا ينكر- فإنه يحتاج إلى إعادة نظر ومسلك مغاير ورؤية للشاعر الحماسي غير الرؤية التي ارتآها هؤلاء الشراح، ولا نكون مبالغين إذا قلنا: إننا بالرغم من وقوفنا كذلك على أعمال بعض هؤلاء المعاصرين، فإن اختيار الحماسة لا يزال يحتاج - في رأينا- إلى من يتصدى له بالشرح والتحليل، وذلك وفق ما انتهى إليه الباحثون في عصرنا هذا بثقافتهم المتنوعة وبرؤيتهم المتجددة للأدب ودوره في الحياة، وبنظرتهم الصائبة في التراث الأدبي القديم وتنقيته وبعثه من جديد في صورة تلائم العصر والحياة التي وصل إليها قراء العربية في هذا القرن العشرين. ولا شك أن التصدي بالشرح والتحليل لاختيار الحماسة وفق ما ذكرناه سيكون له أثره في انتفاء هذه الظواهر التي رأيناها في مواد شروح الشراح لاسيما ظاهرة إغفال الشاعر ومقاصده في الشعر والمواقف النفسية الموحية له به.

стр. 378

-٣ - في الشراح تسلّط نزعاتهم في عمليّة الشرح: وهي ظاهرة لاحظناها في سائر أعمال الشراح ذوي المناهج الواضحة، فلقد وقفنا عندها في عمل المرزوقي في نزعته إلى التعالي والتفرد من جهة، وإتباعه هواه النفسي ومزاجه من جهة أخرى، وكلا الأمرين كان لهما تأثير واضح في عمله الذي اتصل بالحماسة. فأما نزعته إلى التعالي والتفرد فقد تسلّط عليه إلى درجة جعلته يستهين بشراح الحماسة الذين سبقوه، لا يذكرهم في شرحه حين ناقشهم بل يشير إليهم بإشارات مبهمة غامضة لا تدل عليهم مثل (وقال بعضهم) أو (وروى بعضهم) وكذلك جعلته يستهين بمعاصرين مثل ابن جني الذي كان يتعرض له مناقشًا بدون أن يسميه في شرحه، وهذا بطبيعة الحال قد حرمنا من الوقوف على مصادره التي اعتمد عليها في شرحه والتي تتصل بالحماسة مما قام به شراح سابقون له في الزمن أو معاصرون له. وأما إتباعه هوى نفسه ومزاجه في شرح الشعر فقد أثر تأثيرًا واضحًا في خطه العملي لشرح النصوص، وقد تعرّض إلى هذا الجانب في عمله الدكتور أحمد جمال العمري حيث ذكر أن المرزوقي (أخضع الشرح للعامل النفسي والمزاجي، فإذا أعجبه نص جال وصال، وظل يدور حوله ذاكرًا أشياء كثيرة وطويلة، أما إذا لم يعجبه فقلما يعيره التفاتًا، وأحيانًا لا يفسره، وكان يجب عليه أن يتجرد من أهوائه وعواطفه أمام النص، وأن يكون محايدًا لأنه عالم ... والعلم يجب أن ينظر إليه بعيدًا عن الأهواء). وأما ابن جني فقد تسلطت عليه نزعة الجنوح المستمر إلى اللغة والنحو فأخضع النصوص الشعرية إلى هذه النزعة فما أثار من نصوص الحماسة قضية لغوية

стр. 379

أو نحوية أو عروضيّة وإظهاره بمظهر العالم العاجز الذي يتصف بالغباوة والجهل وتسويد الهذيان، في حين أن النظرة تصدى له وناقشه وحلله، وما لم يكن فيه ذلك أهمله وتغاضى النظر حتى عن روايته، ومن ثم حوّل اختيار أبي تمام الأدبي إلى عمل بعيد كل البعد عن الأدب ومجاله. ونحن نعترف بأن الرجل قد قدم عملًا طيبًا في خلال المجال الذي اصطنعه لنفسه وأفاد فوائد جمة في عنصري اللغة والنحو، ولكن هل هذا هو كل ما ينبغي عمله في اختيار شعري قام على الجودة وخلفه شاعر فذ يعد زعيم مدرسة الشعر؟ ! . وأما أبو محمد الأعرابي فقد تسلطت عليه نزعة التحدي وإظهار سقطات السابقين، فدفعته هذه النزعة إلى تزييف أعمال النمري في الحماسة العلمية الصحيحة كانت تحتم عليه أن يعرض للرجل فيما أصاب وفيما أخطأ، وأن يورد كلامه كاملًا بدون حذف أو تحوير حتى يتسم نقده له بالموضوعية وسلامة الرأي وحتى يتيح لنا الوقوف على كلاميهما معًا لنرى عمله وعمل النمري ونحكم إن كان ما تصدى به صوابًا أو غير صواب. أما أن يعمد في أكثر من موضع وبدافع من نزعته هذه إلى بتر كلام الرجل وتحويره وفق الوجهة التي يريدها فهي طريقة تبعد عن الموضوعيّة وتنأى عن سبيل العلم القويم، وكذلك تسلطت عليه نزعاه الدائمة نحو ما أخذه عن شيخه أبي الندى والتسليم به في صورة تدعو إلى الدهشة، وهذه النزعة جعلته في عمله الذي أداه في الحماسة مثل شيخه أبي الندى يخضع نصوص الحماسة وفهمها والقدرة على شرحها وتحليلها إلى عملية قصصية إخبارية بحته هي في واقع الأمر تمثل جزءًا من التحليل والشرح وليست التحليل كله. وأما التبريزي فقد رأيناه ذا نزعتين: نزعة تجعله يهتم كثيرًا باللغة والنحو، ونزعة تجعله ينساق وراء شيخه أبي العلاء فيما خلفه من عمل وما أخذه عنه أيام تلمذته له، ولقد أدت النزعة الأولى إلى كثير من الخلل الذي جاء في مواضع شملت سائر أجزاء شرحه، قصر جهده فيها على النحو واللغة دون عناصر الشرح

стр. 380

الأخرى حتى إن الدارس ليبحث عن معنى النص في هذه المواضع فلا يجده لأن نزعة الشارح قد قصرت العمل فقط على النحو أحيانًا واللغة أحيانًا أخرى. وأما النزعة الثانية فقد جعلت عمله مختل المنهج من حيث إن منهجه يقوم على انتخاب عناصر شرح النصوص من الشروح التي أمامه وعرضها في صورة متكاملة منسقة متآزرة لا يطغى عنصر فيها على العناصر الأخرى، فكانت نزعته نحو شيخه أبي العلاء وتأثره الواضح به قد دفعت به في كثير من المواضع إلى الاستطراد المخل لا فيما قاله أبو العلاء في شرحه لنصوص الحماسة بل في استطرادته البعيدة عنها حين كان يتعرض إلى ما ذكره أبو رياش في شرحه من أشعار فيتصدى لها بالشرح والتوضيح من جهة لغوية وغير لغوية. وأما أصحاب المنهج الاختصاري التسهيلي فلقد رأينا أحدهم، وهو صاحب الشرح المنسوب لأبي العلاء، ينزع إلى عمل ابن جني في التنبيه، فينقل منه حتى كاد يخرج بعمله عن الحد الذي رسمه لمنهجه، وهو منهج قائم، كما رأينا، على تقديم عناصر الشرح في اختصار وتسهيل، فكان نزوعه المتفاوت نحو ابن جني مؤديًا إلى خلل في مواضع من شرحه، وخارجًا بها عن الخط الذي ينبغي أن يسير فيه. وهكذا نرى من خلال هذه الملاحظات التي كنا قد تعرضنا لها بالتفاصيل والشرح عند دراستنا لعمل كل شارح أن نزعات هؤلاء الشراح قد شكّلت ظاهرة عامة كان لها تأثيرها الواضح في عمّلية الشرح وهي نزعات وإن تباينت في الموازنة بين شارح وآخر، فإن النتيجة التي أدت إليها في عمليّة الشرح كانت واحدة هي قصور في الشرح أو خلل في المنهج. وخاتمة القول في هذه الظواهر وما طرحناه فيها من قول أنها ظواهر رأيناها من خلال عملنا في هذه الشروح، جمعناها في هذا الفصل وعكسنا بالرأي وجهات نظرنا فيها، وهي وجهات نظر قد تكون مثار خلاف، إذ قد يقول قائل: إننا قد ركبنا في بعض آرائنا جواد الشطط حين حكّمنا على أعمال هؤلاء القدماء معايير في التحليل والشرح لم تجل في فكرهم في ذلك الزمن، وإنما هي نتاج ثقافي وأدبي ونقدي طرأ على الأعمال الأدبية في هذا العصر الحديث. ومن التعسف النظر إلى تقويم عمل قديم

стр. 381

وفق معايير حديثة، ولكنا نقول: إن مثل هذا القول قد يكون صحيحا لا سبيل إلى رده إن كنا قد حكمنا هذه المعايير في الأعمال ذاتها، وإنما نحن بنظرنا إلى عملية الشرح وفق حركة شرح الشعر في ذلك الزمن، وما تمخض عنها من عناصر للشرح، ووفق مناهج هؤلاء الشراح التي سلكوها في أعمالهم، وبناء على ذلك أعطينا كل ذي حق حقه، ولكنا ونحن نقوم بهذا لم نغفل أمرين أحدهما رؤيتنا الحديثة في تحليل الشعر وشحره، والآخر متن الحماسة الذي يضم شعرا يعد جزءا من تراث أدبي خالد تقرؤه أجيال الأمة في كل عصر من عصورها، ولهذا كان يتحتم علينا أن نلحظ ما ينبغي عمله في خدمة هذا المتن، وأن نحلل ذلك ونناقشه وفق رؤيتنا المعاصرة تجاوبًا مع النظرة الحديثة إلى التراث الأدبي والدعوة إلى دراسته وتمحيصه وعرضه في ثوب جديد يتلاءم مع ثقافة الأمة المعاصرة متوخين من ذلك أن يتصدى الباحثون في زماننا هذا إلى الحماسة، كما تصدى لها العلماء القدماء في أجيالهم المتعاقبة، حتى نستطيع أن نقدم لأجيالنا الحاضرة وأجيالنا المقبلة أعمالا في متن الحماسة تقرؤها هذه الأجيال فتحس بعظمة هذا التراث الأدبي وإبداع الشعراء الأوائل في قول الشعر وتفيد من ذلك كله في حياتها الفكرية والثقافية والأدبية.

стр. 382

خاتمة ونتائج

стр. 383

والآن وقد وصلنا إلى نهاية الكتاب نود أن نجمل منجزاته من خلال عرض أهم ما أشتمل، وما خرجنا به فيه. لقد بدأ بدراسات ممهدة ضمناها فصلين قام الأول في اختيار أبي تمام لديوان الحماسة وصنيعه فيه، حيث وقفنا عند اهتمامه بالاختيارات الشعرية وإذاعتها في كتب مميزة تميز بها عن سائر الشعراء الذين سبقوه، وناقشنا الزمان والمكان اللذين صنع فيهما هذه الاختيارات فتعرضنا لروايتين في هذا الخصوص، الرواية التي تقول بأنه قد صنع خمسة اختيارات في دار آل سلمه عندما حصره الثلج بهمذان، والرواية التي تقول: بأنه قد صنع ثلاثة اختيارات فقط، وناقشنا آراء الباحثين في الرواية الأولى وانتهينا إلى ترجيح أن أبا تمام قد صنع بهمذان ثلاثة اختيارات هي: ديوان الحماسة، والوحشيات، واختيار شعراء الفحول. أما بقية الاختيارات الأخرى فقد رجحنا أنه ظل يواصل العمل فيها بعد رحيله من همذان متنقلًا من مكان لآخر حتى انتهى به المطاف في الموصل حيث كانت وفاته سنة ٢٣٢ هـ. ثم انتقلنا بالدراسة إلى ديوان الحماسة حيث ناقشنا روايته ووصوله إلى أيدي العلماء الشراح، وانتهينا إلى أنه بجانب النسخة التي خلفها أبو تمام في دراسة آل سلمه بهمذان والتي حملت فيما بعد إلى علماء أصبهان، فإن ديوان الحماسة قد أخذ مشافهة عن أبي تمام، أخذه أبو المطرف الأنطاكي، وأنشده لكل من أبي رياش أحمد بن إبراهيم، والحسن بن بشر الآمدي. وعن طريق هذين العالمين أخذ العلماء ديوان الحماسة، وتواترت الرواية بين أجيالهم من هذه السبيل. ثم عرضنا بعد ذلك إلى طريقة أبي تمام في تصنيف أبواب هذا الاختبار، وانتهينا إلى أنها عشرة أبواب لا أحد عشر بابًا كما جاء في شرح المرزوقي المطبوع الذي وجدنا فيه باب الأضياف والمديح

стр. 384

بابين لا بابًا واحدًا. ورجحنا أن يكون قد وقع من نساخ شرح المرزوقي، لا من المرزوقي نفسه، وأتينا بالأدلة على هذا الترجيح. وعرجنا بالبحث بعد ذلك إلى اختيار القطع في هذه الأبواب، فلاحظنا خللًا فيها نجم عن رواية بعض الشعر في باب لا يدخل في حده، وذهبنا إلى أن هذا الخلل لا يمكن تعليله باختلاف نسخ الحماسة وروايتها، وإنما أبو تمام هو وحده المسؤول عنه، وإن ذلك وقع منه بسببين أحدهما: أن أغراض الشعر لم تكن قد تبلورت بعد في عصره بالصورة التي نراها اليوم فهو رائد في تصنيف الشعر تحت هذه الأبواب. والثاني أنه كان يراعي في الباب الواحد مشاكله القطع في بعض المعاني، وإن خرجت عن الحد الذي يقوم عليه الباب. وانتقلنا بعد هذا لمقياس الاختيار عنده، وانتهينا إلى أنه مقياس جمالي فني جعله يختار بعض الشعر من شعر الشاعر ويترك بعضه الآخر، وإن هذا المقياس كان وفق المعايير النقدية التي انتهى إليها العلماء النقاد للجيد من الشعر في ذلك الزمن، ولاحظنا أنه بالرغم من أن الكثرة الغالبة من شعر الاختيار لم تخرج عن حد الجودة فإن بعض الشعر الذي ضمه الاختيار لم يسلم من انتقاد بعض المتأدبين من الكتاب مثل ابن العميد وضياء الدين بن الأثير. كذلك تعرضنا بالمناقشة إلى ما رآه علي النجدي ناصف أن أبا تمام قد أسقط باب الاعتذار من اختياره، وتمنيه لو أنه كان قد أسقط باب الملح وجاء بالاعتذار بدلًا منه معتمدًا في هذا التمني على أن الاعتذار فن كريم القول وان الملح فيها كثير من الخنا والتصريح بالعوراء، وبينا أنه بتمنيه هذا يريد من أبي تمام أن يأخذ بالمقياس الأخلاقي، وهو أمر لم يرده أبو تمام ولا رمي إليه من اختياره. ثم عرضنا بعد ذلك إلى شعراء الحماسة فلاحظنا أن أبا تمام قد عني في اختياره بالشعراء المقلين والمجهولين، وأكدنا أن غايته من هذا هي أن الشعراء المكثرين أو المعروفين قد تداول الناس دواوينهم قبل عصره واهتمت بهم كتب الاختيارات، كما لاحظنا أنه قد اختار لشعراء جاهليين وإسلاميين وأمويين وعباسيين، غير أن كثرتهم كانت من الجاهلين أو المخضرمين، ومن هنا كانت أهمية الاختيار بالنسبة لعلماء

стр. 385

اللغة الذين وجدوا فيه معينًا لا ينضب في الاستشهاد بما فيه من شعر في تفسير اللغة والاحتجاج بصحتها، ووقنا أيضًا على رأي بعض الباحثين أن أبا تمام قد أكثر الاختيار لشعراء قبيلته فإن اختياره لشعرهم لم يخرجه عن حد مقياس الجودة الذي بني عليه اختياره بل أكدنا أن بعض شعر قبيلته مما اختاره يعد أبلغ ما ضمت بعض أبواب الاختيار من قول. ومن ثم فلا مجال للقول بعصبية الرجل في اختياره. كما عرضنا للدعوى القائلة بأن أبا تمام قد قصد من اختياره لشعر المقلين والمجهولين إخفاء أكثر إحسان الشعراء لأنه سرق منه بعض معانيه، وطوي بعضه الآخر ليجعله عدة يرجع إليها في وقت الحاجة، ورجا من وراء ذلك أن يترك أهل المذاكرة أصول أشعارهم على جوهها ويقنعوا باختياره لهم فتبغي عليهم سرقاته، وقد بينا خطل هذه الدعوى وتهامتها من وجهين أحداهما: أن اختيار الحماسة حوى جملة من الأشعار التي استمد منها أبو تمام بعض معانيه، فلو انه كان يتوخى إخفاء الأشعار التي كان يأخذ منها معانيه لأخفي هذه الأشعار الواردة في اختياره. والآخر أن أبا تمام ليس وحده الذي كان يمتلك أشعار المحسنين حتى يحجبها عن الناس بقصد إخفاء أخذه منها أو بقصد جعلها عدة يرجع إليها عند الحاجة. وأخيرًا عرضنا في هذا الفصل لأهم قضية تمس اختيار الحماسة وهى تلك الدعوى التي أثارها كل من ابن العميد وأبي علي المرزوقي، أن أبا تمام كان يغير في ألفاظ نصوص الحماسة، يزيل ما فيها من عوار بما يناسب ذوقه ونقده، وناقشنا ذلك باستفاضة وعرضنا رأي من أدلى فيها بقول، وانتهينا إلى أن أصحاب هذه الدعوى لم يأتوا بدليل واحد يؤكد صحة ما ذهبوا إليه، وان الأمر لا يعدو أن يكون مجرد اختلاف في روايات النص، كان أبو تمام يقارن بينها فيختار منها ما يتفق مع ذوقه ونقده، كما بينا أن اختلاف الرواية ظاهرة لا تشمل اختيار الحماسة فحسب بل تشمل سائر الاختيارات الشعرية ودواوين الشعراء، وقد أتينا بما يؤكد هذا القول ويدعمه وذلك من خلال دراسة لنماذج من المفضليات والأصمعيات، وهما الاختياران اللذان اتفق أهل العلم والدراسة في الأدب على أنهما أوثق مصدرين وصلا إلينا في الشعر القديم ثم وقفنا تبعًا لذلك عند رأي الدكتور ناصر الدين الأسد

стр. 386

في رفض اختيار الحماسة مصدرًا من مصادر الشعر الجاهلي بحجة أن ديوان الحماسة ليست فيه رواية تعتمد على سند معروف، وبحجة الدعوى التي قال بها كل من ابن العميد والمرزوقي بأن أبا تمام كان يغير في النصوص الشعرية، فناقشنا هذا الرأي وأوضحنا وجهة نظرنا المتمثلة في أن المخطوطات التي وقفنا عليها قد أفادت بأن كتاب الحماسة بجانب وصوله إلى العلماء عن النسخة التي تركها أبو تمام في بيت آل سلمه بهمذان، فإنه قد أخذ شفاهة عن أبي تمام نفسه أخذه عنه أبو المطرف الأنطاكي وآخذه العلماء الشراح من هذه السبيل، كذلك بينا أن لا مجال للقول بأن أبا تمام لم يأخذ شعر الحماسة رواية من أحد، لأنه اختاره من مجاميع شعر القبائل ودواوين الشعراء التي صنعها العلماء الرواة المصححون للشعر القديم، فأخذه عن هذه المجاميع والدواوين يعد في حد ذاته توثيقًا لما اختار، ولقد حرصنا في هذا الخصوص أن نؤكد أن من الخير لدارسي الأدب في زماننا هذا الأخذ برأي علماء اللغة الذين وثقوا بما روى من شعر في الحماسة واعتبروه حجة يدعمون بها تفسيراتهم في اللغة فهو خير بكثير من الانسياق وراء دعاوي وأوهام لا تقوم على ساق في مجال الحجج والبراهين. هذا أهم ما عرضنا إليه بالدراسة في الفصل الأول. أما الفصل الثاني فقد تناولنا فيه حركة شرح الشعر وتطوره حتى ظهور شروح الحماسة، فرسمنا صورة لما كان عليه شرح الشعر في عصر ما قبل الإسلام وهو العصر الذي لم يكن الناس فيه في حاجة إلى شرح الشعر، لأن الشاعر في ذلك الزمن لم يكن مفصولًا عن متلقي شعره بحاجز زمني أو مكاني إلا في حالات خاصة حين يعمد الشاعر إلى استخدام تركيب أو تصوير فني يتجاوز فيه حد المألوف لديهم، فيتولى توضيحه وتفسيره أو يتولى عنه ذلك رواة شعره، ولاحظنا أيضًا أنه لما جاء الإسلام كانت الحاجة إلى شرح الشعر مثل سابقتها في الجاهلية لم تتجاوز في مطالبها تفسير لفظة أو تركيب غير مألوف، أو خبر متصل بالشعر ذاته أو قائله. غير أنه لما بدت عناية المسلمين بالقرآن وحاجته إلى فهم لغته ومعانيه بدأت عناية خاصة بالشعر لحاجتهم إليه في تفسير القرآن والحديث الشريف، ولاحظنا كذلك أن هذه العناية قد صحبتها عناية أخرى من القبائل حين استقرت في الأمصار الإسلامية، وبدأت مراجعة أشعارها في الجاهلية، ورواية هذه

стр. 387

الأشعار، فاقتضت هذه العناية تفسير الأحداث التي صاحبت هذه الأشعار بل تجاوز المر ذلك إلى تفسير بعض ألفاظه ومعانيه. كذلك لاحظنا أن عناية ثالثة بدأت على يدي علماء متخصصين في رواية الشعر وتدوينه، وأكدنا أنه وإن كان شرح الشعر غير مقصود لذاته في تلك الفترة التي بدأ فيها الجمع والتدوين فإنه قد خطا على يدي هؤلاء العلماء الرواة الأوائل خطوات أدت إلى توسع في عناصره إذ تجاوز ما كانت عليه الحال في الجاهلية وأول الإسلام إلى البحث في رواية الشعر وما فيها من اختلافات وذكر مناسباته وإخبار قائليه، بل امتد حتى شمل البحث في عيوبه والحكم على الشعراء والمفاضلة بينهم. ثم وقفنا عند صنيع طبقات العلماء المتوالية في شرح الشعر فلاحظنا أن الطبقة الثانية من العلماء قد اعتمدت على ما أخذته من الطبقة الأولى، ولم تقف عند نقله فحسب أو أضافوا إليه ما اعتبروه تصحيحًا لخطأ، أو توجيهًا لرأي، أو سدًا لنقص. وكذلك كان حال الطبقة الثالثة، الأمر الذي أدى إلى إثراء حركة شرح الشعر بالفيض الغزير في عناصر الشرح المختلفة، كما لاحظنا أيضًا أنه قد بدأ شيء من التخصص لدى هذه الطبقات الأولى من العلماء، تخصص بعضهم في الغريب، وبعضهم في النحو، وبعضهم في الأيام والأخبار والأنساب. ثم رأينا توالي طبقات العلماء المهتمين بشرح الشعر، وبداية اتجاه مغاير للسابقين في عملية شرح الشعر حيث نشأ لدى بعض الشراح ما يمكن أن نسميه بالشرح الأدبي الذي يعالج المعاني ومقاصد الشعراء فيها، ويركز كل همه في هذا المدار لا يتجاوزه إلى اللغة وما فيها من اشتقاقات، أو النحو وما فيه من مشكلات. وسجلنا أيضًا أنه إذا كان شرح الشعر قد بدأ عند علماء الطبقة الأولى والثانية وتلاميذهم ذا مقصد تثقيفي فإنه قد تحول عند الطبقات التي تلت هؤلاء العلماء، ومع ظهور شروح الحماسة إلى مقصد تعليمي، توسعت بسببه دائرة شرح الشعر فأصبحت على شيء غير قليل من التعمق في دراسة اللغة وقضاياها والنحو ومسائله، والرواية واختلافاتها، والمعاني وتأويلاتها، إلى غير ذلك من العلوم التي يقوم عليها شرح الشعر.

стр. 388

كذلك سجلنا أن شروح الحماسة عندما ظهرت إلى حيز الوجود كانت متأثرة بجميع ما طرأ على شرح الشعر عامة، لأن هؤلاء الشراح الذين تصدوا لشرح حماسة أبي تمام لم يكونوا بمعزل عن حركة شرح الشعر عامة، ومن ثم لاحظنا أنهم قد شغلوا حيزًا غير قليل بآراء العلماء السابقين أمثال الخليل والأصمعي وأبي عبيدة وابن العرابي والأخفش وغيرهم، كما لاحظنا فيهم شيئًا من التخصص في عنصر من العناصر التي يقوم عليها الشرح، إذ رأينا منهم من كان يهتم بالغريب من اللغة ويعالجه في بعض أعماله مثل أبي العلاء المعري. ومن كان يهتم بالنحو وما فيه من عويص مثل أبي الفتح ابن جني. ومن كان يهتم بالأخبار التاريخية ومناسبات الشعر وما يتصل بذلك من أيام وأنساب مثل أبي رياش. ومنهم من كان يهتم بالمعاني وما فيها من تأويلات مثل أبي عبد الله النمري. كما رأينا من حاول أن يجمع بين هذه العناصر جميعها في تفوت ملحوظ مثل أبي علي المرزوقي. كذلك لاحظنا أنهم ساروا في طريق التحول من المقصد التثقيفي إلى المقصد التعليمي، حيث كانت مناهجهم في جملتها مناهج تعليمية، تقوم على جعل النص الشعري مجالًا لتعليم جملة من العلوم المكونة لعناصر الشرح وتزويد طالبي شروحهم بالمعلومات التي تتصل بهذه العلوم في تطويل وإسهاب أو تسهيل واختصار وفق قدرات هؤلاء الطلاب الذهنية وملكاتهم الاستيعابية. على أن أهم ما لاحظناه حين بدأت شروح الحماسة في الظهور وإبان تواليها هو أن الثقافة المكونة لشرح الشعر وفهمه ونقده قد اتسعت كثيرًا، وذلك بتعدد أعمال العلماء عبر طبقات عدة، وهى أعمال شملت الكثير من علوم العربية من لغة ونحو وبلاغة ونقد ورواية وأخبار تاريخية، وكان من الطبيعي أن تسهم هذه الأعمال المتشعبة في علو ثقافة الشارح وارتقائها. وبجانب ذلك كان أهم ما خرجنا به من علاقة شروح الحماسة بحركة شرح الشعر وتطوره أن هذه الشروح تعد جزءًا من شرح الشعر عامة، فهي صورة منه وممثله له، بل أن كل الذين تصدوا لشرح ديوان الحماسة لم يكتفوا بما شرحوه فيها وإنما أسهموا إسهامات طيبة في شرح جملة من الدواوين والمختارات سواء في ذلك الشعر القديم أو الشعر المحدث.

стр. 389

وحين وصلنا ظهور شروح الحماسة ثم تواليها بعد ذلك عبر القرون رأينا أن نستعرض هذه الشروح منذ أول شرح وصل إلينا خبره والى عصرنا هذا الحديث، فكان أن صنعنا ثبتًا لها، وضعنا في مقدمته شرح أبي القاسم الديمرتي المتوفى سنة ٢٨٧ هـ باعتباره أقدم شارح وصل إلينا خبر عنه أنه صنع شرحًا للحماسة، وسجلنا أن هذا مخالف لما ذهب إليه البغدادي في الخزانة من أن أول من شرح الحماسة هو أبو عبد الله النمري المتوفى سنة ٣٨٥ هـ، ومخالف كذلك لما ذهب إليه عبد السلام هارون وعبد الله عسيلان أن أبا رياش هو أول من فعل ذلك، ولم يفتنا ونحن نوضح ذلك أن نسجل أن الديمرتي وإن جاء في مقدمة شراح هذا الثبت ليس هو أول من شرح الحماسة فقد سبق إليه من بعض الشراح الذين لم يصل إلينا خبر عن شروحهم، وذلك بناء على الإشارة التي وردت في مقدمة شرح النمري من أنه -أي الديمرتي- كان متبعًا لغيره في بعض شرحه. لقد تتبعنا الشروح وفق ما أسعفتنا به المصادر إلى هذا العصر الحديث فبلغت في ثبتنا الذي صنعناه أربعة وأربعين شرحًا، وأشرنا إلى أنه قد سبقنا في عمل مثل هذا الثبت كل من عبد السلام هارون وعبد الله عسيلان، وأن ثبت هارون قد بلغ لديه ثلاثين شرحًا، وبلغ ثبت عسيلان خمسة وثلاثين شرحًا، وبهذا نكون قد أضفنا تسعة شروح فوق ما أورداه معا، كما كنا نحن نورد هذه الشروح نناقش ما دار حولها من أقوال، ونوضح ما هو صحيح النسبة لصاحبه وما هو غير صحيح، دالين على المفقود منها والمخطوط والمطبوع، هذا فضلًا عن تذييلنا لهذا الثبت بشروح مجهولة المؤلف عثرنا عليها من خلال بحثنا وتنقيرنا في المكتبات المختلفة. ثم كان أن انطلقنا من إيراد هذا الثبت لتوضيح الشروح التي تدخل في دائرة الفترة الزمنية التي حددناها لهذا البحث وهي نهاية القرن السادس الهجري، فرأينا أن هذه الفترة قد ضمت ثلاثة أنواع من هذه الشروح، نوع تمثله شروح لم يصل عنها شيء، ولا يعرف مكانها حتى الآن، ونوع تمثله شروح وصلت إلينا، منها شرحان مطبوعان ومنها شروح مخطوطة جمعناها من مكتبات العالم، ونوع ثالث تمثله شروح لم تصل إلينا ولكن وصلت عنها نقولات متعددة في الشرحين المطبوعين

стр. 390

والشروح الأخرى المخطوطة. وكان من الطبيعي أن تقوم دراستنا في شروح النوع الثاني والثالث، والتي تبلغ في مجموعها ستة عشر شرحًا، منها ستة شروح في القرن الرابع، وسبعة شروح في القرن الخامس، وثلاثة شروح في القرن السادس. وحين بلغت الدراسات الممهدة غايتها في الوصول إلى تحديد الشروح التي يقوم عليها بحثنا وفق ما حددناه من فترة زمنية، اتجه البحث إلى دراسة مناهج هذه الشروح وتطبيقها في نماذج من أعمال الشراح، وذلك من خلال نظرة موازنة تحكم العمل وتضبطه، فكان أن قام القسم الثاني من هذا الكتاب مشتملًا على ستة فصول، جاء الفصل الأول في مناهج الشراح، حيث بدأنا العمل فيها بالوقوف على المناهج الثلاثة التي حددها الدكتور أحمد جمال العمري لشراح الشعر الجاهلي وهي: المنهج النقلي الالتزامي، والمنهج الإبداعي الفني، والمنهج التجميعي الانتخابي التكميلي، وعرضنا ما أورده من معايير وصفا لهذه المناهج، ورأينا أنه إذا كان شراح الشعر الجاهلي قد ساروا في شروحهم وفق هذه المناهج، فإنها بمعاييرها وصفاتها التي حددها الدكتور العمري ليست بالضرورة أن تنطبق على شراح الحماسة، وذلك بسبب أمور أربعة أعطيناها حقها في المناقشة والشرح وانتهينا إلى أن أحد هذه المناهج وهو المنهج النقلي الالتزامي لم يتخذ سبيلًا من قبل شراح الحماسة وإن كان لا نعدم من أثر له في بعض أعمال الشراح، وأن منهجين فقط يمكن أن نجدهما لدى شراح الحماسة وهما: المنهج الإبداعي الفني، والمنهج التجميعي الانتخابي، غير أننا سجلنا بداية أن جملة من المعايير والصفات التي أسبغها الدكتور العمري على هذين المنهجين بدت لنا عند التطبيق في شروح الحماسة نظرية بحتة لا سبيل إليها في هذه الشروح إلا عن طريق تصيد الأمثلة النادرة. وبجانب هذين المنهجين لاحظنا أن شراح الحماسة قد حققوا بأعمالهم ثلاثة مناهج أخرى هي: المنهج العلمي التخصصي، والمنهج التتبعي التقويمي، والمنهج الاختصاري التسهيلي. وبذلك بلغت مناهج الشراح خمسة مناهج من حيث التقنين والتطبيق. وأوضحنا من خلال الموازنة والشرح المعايير والصفات التي تقوم عليها
следующие страницы →