← Адаб

Адаб · id 16377

شروح حماسة أبي تمام دراسة موازنة في مناهجها وتطبيقها

محمد عثمان علي

Полный текст (407 стр.). Показаны 386–407 · переход к 391.

стр. 386

في رفض اختيار الحماسة مصدرًا من مصادر الشعر الجاهلي بحجة أن ديوان الحماسة ليست فيه رواية تعتمد على سند معروف، وبحجة الدعوى التي قال بها كل من ابن العميد والمرزوقي بأن أبا تمام كان يغير في النصوص الشعرية، فناقشنا هذا الرأي وأوضحنا وجهة نظرنا المتمثلة في أن المخطوطات التي وقفنا عليها قد أفادت بأن كتاب الحماسة بجانب وصوله إلى العلماء عن النسخة التي تركها أبو تمام في بيت آل سلمه بهمذان، فإنه قد أخذ شفاهة عن أبي تمام نفسه أخذه عنه أبو المطرف الأنطاكي وآخذه العلماء الشراح من هذه السبيل، كذلك بينا أن لا مجال للقول بأن أبا تمام لم يأخذ شعر الحماسة رواية من أحد، لأنه اختاره من مجاميع شعر القبائل ودواوين الشعراء التي صنعها العلماء الرواة المصححون للشعر القديم، فأخذه عن هذه المجاميع والدواوين يعد في حد ذاته توثيقًا لما اختار، ولقد حرصنا في هذا الخصوص أن نؤكد أن من الخير لدارسي الأدب في زماننا هذا الأخذ برأي علماء اللغة الذين وثقوا بما روى من شعر في الحماسة واعتبروه حجة يدعمون بها تفسيراتهم في اللغة فهو خير بكثير من الانسياق وراء دعاوي وأوهام لا تقوم على ساق في مجال الحجج والبراهين. هذا أهم ما عرضنا إليه بالدراسة في الفصل الأول. أما الفصل الثاني فقد تناولنا فيه حركة شرح الشعر وتطوره حتى ظهور شروح الحماسة، فرسمنا صورة لما كان عليه شرح الشعر في عصر ما قبل الإسلام وهو العصر الذي لم يكن الناس فيه في حاجة إلى شرح الشعر، لأن الشاعر في ذلك الزمن لم يكن مفصولًا عن متلقي شعره بحاجز زمني أو مكاني إلا في حالات خاصة حين يعمد الشاعر إلى استخدام تركيب أو تصوير فني يتجاوز فيه حد المألوف لديهم، فيتولى توضيحه وتفسيره أو يتولى عنه ذلك رواة شعره، ولاحظنا أيضًا أنه لما جاء الإسلام كانت الحاجة إلى شرح الشعر مثل سابقتها في الجاهلية لم تتجاوز في مطالبها تفسير لفظة أو تركيب غير مألوف، أو خبر متصل بالشعر ذاته أو قائله. غير أنه لما بدت عناية المسلمين بالقرآن وحاجته إلى فهم لغته ومعانيه بدأت عناية خاصة بالشعر لحاجتهم إليه في تفسير القرآن والحديث الشريف، ولاحظنا كذلك أن هذه العناية قد صحبتها عناية أخرى من القبائل حين استقرت في الأمصار الإسلامية، وبدأت مراجعة أشعارها في الجاهلية، ورواية هذه

стр. 387

الأشعار، فاقتضت هذه العناية تفسير الأحداث التي صاحبت هذه الأشعار بل تجاوز المر ذلك إلى تفسير بعض ألفاظه ومعانيه. كذلك لاحظنا أن عناية ثالثة بدأت على يدي علماء متخصصين في رواية الشعر وتدوينه، وأكدنا أنه وإن كان شرح الشعر غير مقصود لذاته في تلك الفترة التي بدأ فيها الجمع والتدوين فإنه قد خطا على يدي هؤلاء العلماء الرواة الأوائل خطوات أدت إلى توسع في عناصره إذ تجاوز ما كانت عليه الحال في الجاهلية وأول الإسلام إلى البحث في رواية الشعر وما فيها من اختلافات وذكر مناسباته وإخبار قائليه، بل امتد حتى شمل البحث في عيوبه والحكم على الشعراء والمفاضلة بينهم. ثم وقفنا عند صنيع طبقات العلماء المتوالية في شرح الشعر فلاحظنا أن الطبقة الثانية من العلماء قد اعتمدت على ما أخذته من الطبقة الأولى، ولم تقف عند نقله فحسب أو أضافوا إليه ما اعتبروه تصحيحًا لخطأ، أو توجيهًا لرأي، أو سدًا لنقص. وكذلك كان حال الطبقة الثالثة، الأمر الذي أدى إلى إثراء حركة شرح الشعر بالفيض الغزير في عناصر الشرح المختلفة، كما لاحظنا أيضًا أنه قد بدأ شيء من التخصص لدى هذه الطبقات الأولى من العلماء، تخصص بعضهم في الغريب، وبعضهم في النحو، وبعضهم في الأيام والأخبار والأنساب. ثم رأينا توالي طبقات العلماء المهتمين بشرح الشعر، وبداية اتجاه مغاير للسابقين في عملية شرح الشعر حيث نشأ لدى بعض الشراح ما يمكن أن نسميه بالشرح الأدبي الذي يعالج المعاني ومقاصد الشعراء فيها، ويركز كل همه في هذا المدار لا يتجاوزه إلى اللغة وما فيها من اشتقاقات، أو النحو وما فيه من مشكلات. وسجلنا أيضًا أنه إذا كان شرح الشعر قد بدأ عند علماء الطبقة الأولى والثانية وتلاميذهم ذا مقصد تثقيفي فإنه قد تحول عند الطبقات التي تلت هؤلاء العلماء، ومع ظهور شروح الحماسة إلى مقصد تعليمي، توسعت بسببه دائرة شرح الشعر فأصبحت على شيء غير قليل من التعمق في دراسة اللغة وقضاياها والنحو ومسائله، والرواية واختلافاتها، والمعاني وتأويلاتها، إلى غير ذلك من العلوم التي يقوم عليها شرح الشعر.

стр. 388

كذلك سجلنا أن شروح الحماسة عندما ظهرت إلى حيز الوجود كانت متأثرة بجميع ما طرأ على شرح الشعر عامة، لأن هؤلاء الشراح الذين تصدوا لشرح حماسة أبي تمام لم يكونوا بمعزل عن حركة شرح الشعر عامة، ومن ثم لاحظنا أنهم قد شغلوا حيزًا غير قليل بآراء العلماء السابقين أمثال الخليل والأصمعي وأبي عبيدة وابن العرابي والأخفش وغيرهم، كما لاحظنا فيهم شيئًا من التخصص في عنصر من العناصر التي يقوم عليها الشرح، إذ رأينا منهم من كان يهتم بالغريب من اللغة ويعالجه في بعض أعماله مثل أبي العلاء المعري. ومن كان يهتم بالنحو وما فيه من عويص مثل أبي الفتح ابن جني. ومن كان يهتم بالأخبار التاريخية ومناسبات الشعر وما يتصل بذلك من أيام وأنساب مثل أبي رياش. ومنهم من كان يهتم بالمعاني وما فيها من تأويلات مثل أبي عبد الله النمري. كما رأينا من حاول أن يجمع بين هذه العناصر جميعها في تفوت ملحوظ مثل أبي علي المرزوقي. كذلك لاحظنا أنهم ساروا في طريق التحول من المقصد التثقيفي إلى المقصد التعليمي، حيث كانت مناهجهم في جملتها مناهج تعليمية، تقوم على جعل النص الشعري مجالًا لتعليم جملة من العلوم المكونة لعناصر الشرح وتزويد طالبي شروحهم بالمعلومات التي تتصل بهذه العلوم في تطويل وإسهاب أو تسهيل واختصار وفق قدرات هؤلاء الطلاب الذهنية وملكاتهم الاستيعابية. على أن أهم ما لاحظناه حين بدأت شروح الحماسة في الظهور وإبان تواليها هو أن الثقافة المكونة لشرح الشعر وفهمه ونقده قد اتسعت كثيرًا، وذلك بتعدد أعمال العلماء عبر طبقات عدة، وهى أعمال شملت الكثير من علوم العربية من لغة ونحو وبلاغة ونقد ورواية وأخبار تاريخية، وكان من الطبيعي أن تسهم هذه الأعمال المتشعبة في علو ثقافة الشارح وارتقائها. وبجانب ذلك كان أهم ما خرجنا به من علاقة شروح الحماسة بحركة شرح الشعر وتطوره أن هذه الشروح تعد جزءًا من شرح الشعر عامة، فهي صورة منه وممثله له، بل أن كل الذين تصدوا لشرح ديوان الحماسة لم يكتفوا بما شرحوه فيها وإنما أسهموا إسهامات طيبة في شرح جملة من الدواوين والمختارات سواء في ذلك الشعر القديم أو الشعر المحدث.

стр. 389

وحين وصلنا ظهور شروح الحماسة ثم تواليها بعد ذلك عبر القرون رأينا أن نستعرض هذه الشروح منذ أول شرح وصل إلينا خبره والى عصرنا هذا الحديث، فكان أن صنعنا ثبتًا لها، وضعنا في مقدمته شرح أبي القاسم الديمرتي المتوفى سنة ٢٨٧ هـ باعتباره أقدم شارح وصل إلينا خبر عنه أنه صنع شرحًا للحماسة، وسجلنا أن هذا مخالف لما ذهب إليه البغدادي في الخزانة من أن أول من شرح الحماسة هو أبو عبد الله النمري المتوفى سنة ٣٨٥ هـ، ومخالف كذلك لما ذهب إليه عبد السلام هارون وعبد الله عسيلان أن أبا رياش هو أول من فعل ذلك، ولم يفتنا ونحن نوضح ذلك أن نسجل أن الديمرتي وإن جاء في مقدمة شراح هذا الثبت ليس هو أول من شرح الحماسة فقد سبق إليه من بعض الشراح الذين لم يصل إلينا خبر عن شروحهم، وذلك بناء على الإشارة التي وردت في مقدمة شرح النمري من أنه -أي الديمرتي- كان متبعًا لغيره في بعض شرحه. لقد تتبعنا الشروح وفق ما أسعفتنا به المصادر إلى هذا العصر الحديث فبلغت في ثبتنا الذي صنعناه أربعة وأربعين شرحًا، وأشرنا إلى أنه قد سبقنا في عمل مثل هذا الثبت كل من عبد السلام هارون وعبد الله عسيلان، وأن ثبت هارون قد بلغ لديه ثلاثين شرحًا، وبلغ ثبت عسيلان خمسة وثلاثين شرحًا، وبهذا نكون قد أضفنا تسعة شروح فوق ما أورداه معا، كما كنا نحن نورد هذه الشروح نناقش ما دار حولها من أقوال، ونوضح ما هو صحيح النسبة لصاحبه وما هو غير صحيح، دالين على المفقود منها والمخطوط والمطبوع، هذا فضلًا عن تذييلنا لهذا الثبت بشروح مجهولة المؤلف عثرنا عليها من خلال بحثنا وتنقيرنا في المكتبات المختلفة. ثم كان أن انطلقنا من إيراد هذا الثبت لتوضيح الشروح التي تدخل في دائرة الفترة الزمنية التي حددناها لهذا البحث وهي نهاية القرن السادس الهجري، فرأينا أن هذه الفترة قد ضمت ثلاثة أنواع من هذه الشروح، نوع تمثله شروح لم يصل عنها شيء، ولا يعرف مكانها حتى الآن، ونوع تمثله شروح وصلت إلينا، منها شرحان مطبوعان ومنها شروح مخطوطة جمعناها من مكتبات العالم، ونوع ثالث تمثله شروح لم تصل إلينا ولكن وصلت عنها نقولات متعددة في الشرحين المطبوعين

стр. 390

والشروح الأخرى المخطوطة. وكان من الطبيعي أن تقوم دراستنا في شروح النوع الثاني والثالث، والتي تبلغ في مجموعها ستة عشر شرحًا، منها ستة شروح في القرن الرابع، وسبعة شروح في القرن الخامس، وثلاثة شروح في القرن السادس. وحين بلغت الدراسات الممهدة غايتها في الوصول إلى تحديد الشروح التي يقوم عليها بحثنا وفق ما حددناه من فترة زمنية، اتجه البحث إلى دراسة مناهج هذه الشروح وتطبيقها في نماذج من أعمال الشراح، وذلك من خلال نظرة موازنة تحكم العمل وتضبطه، فكان أن قام القسم الثاني من هذا الكتاب مشتملًا على ستة فصول، جاء الفصل الأول في مناهج الشراح، حيث بدأنا العمل فيها بالوقوف على المناهج الثلاثة التي حددها الدكتور أحمد جمال العمري لشراح الشعر الجاهلي وهي: المنهج النقلي الالتزامي، والمنهج الإبداعي الفني، والمنهج التجميعي الانتخابي التكميلي، وعرضنا ما أورده من معايير وصفا لهذه المناهج، ورأينا أنه إذا كان شراح الشعر الجاهلي قد ساروا في شروحهم وفق هذه المناهج، فإنها بمعاييرها وصفاتها التي حددها الدكتور العمري ليست بالضرورة أن تنطبق على شراح الحماسة، وذلك بسبب أمور أربعة أعطيناها حقها في المناقشة والشرح وانتهينا إلى أن أحد هذه المناهج وهو المنهج النقلي الالتزامي لم يتخذ سبيلًا من قبل شراح الحماسة وإن كان لا نعدم من أثر له في بعض أعمال الشراح، وأن منهجين فقط يمكن أن نجدهما لدى شراح الحماسة وهما: المنهج الإبداعي الفني، والمنهج التجميعي الانتخابي، غير أننا سجلنا بداية أن جملة من المعايير والصفات التي أسبغها الدكتور العمري على هذين المنهجين بدت لنا عند التطبيق في شروح الحماسة نظرية بحتة لا سبيل إليها في هذه الشروح إلا عن طريق تصيد الأمثلة النادرة. وبجانب هذين المنهجين لاحظنا أن شراح الحماسة قد حققوا بأعمالهم ثلاثة مناهج أخرى هي: المنهج العلمي التخصصي، والمنهج التتبعي التقويمي، والمنهج الاختصاري التسهيلي. وبذلك بلغت مناهج الشراح خمسة مناهج من حيث التقنين والتطبيق. وأوضحنا من خلال الموازنة والشرح المعايير والصفات التي تقوم عليها

стр. 391

هذه المناهج، فبدأنا بالمنهج الإبداعي الفني الأدبي، وعرضنا إلي الجانب النظري في معايير الدكتور العمري التي طرحها في هذا المنهج، وذلك من خلال نظرتنا إلي شرح المرزوقي الي يعد خير من يمثل هذا المنهج من شراح الحماسة، وحددنا وفق الرؤية التطبيقية المعايير والصفات التي رأيناها في قيام هذا المنهج. انتقلنا بعدها إلي المنهج العلمي التخصصي فلاحظنا أوجه التشابه والاختلاف بينة وبين المنهج السابق موازنين بين المنهجين خارجين من هذه الموازنة بأهم المعايير والصفات التي أتصف بها هذا المنهج مؤكدين أن من أفضل من أتخذ هذا المنهج سبيلا هو أبو الفتح عثمان بن جني في عملية ((المبهج)) و ((التنبيه)) تدرجنا بعدها إلي المنهج التتبعي التقويمي فلاحظنا أنه منهج برز عند علماء القرن الرابع وما تلاه من قرون، وأن الأعمال فيه لم تقم من تلقاء ذاتها كما هو الحال في المنهج الإبداعي الفني، والمنهج العملي التخصصي، وإنما قامت بناء علي أعمال السابقين من حيث إنه منهج يقوم علي تتبع أعمال الشرح السابقين ورصد ما فيها من أخطاء وأوهام، ومناقشتها بالتقويم والتصحيح، وهو لهذا منهج يقوم علي طريقتين: طريقة في إنشاء الكتب وتأليفها وطريقة في التتبع والتقويم، ولا تخلو الطريقة الثانية من تأثر بالمناهج الأخرى، ورأينا أن أبرز من سلك هذا المنهج في أعمال الحماسة عالمان أحدهما أبو هلال العسكري والآخر أبو محمد الأعرابي. ثم كان أن وقفنا عند المنهج التجميعي الانتخابي فلاحظنا أنه مثل المنهج التتبعي التقويمي علي أعمال السابقين ولكنة يختلف عنة في أنه لا ينظر في أعمال السابقين ليتتبعها ويقوم ما فيها من أخطاء. وإنما هو منهج يجمع أعمال السابقين لينتخب منها شرحا مستوفيا لجميع عناصر الشرح، ولاحظنا أن الخطيب التريزي يعد رائدا في هذا المنهج، غير أن دراسة شرحه جعلتنا نقف من المعايير والصفات التي حددها الدكتور العمري لهذا المنهج موقف المعترض من حيث إن بعضها قد بدا نظريا بحتا يصعب تحققه في شرح التبريزي للحماسة، ولقد فصلنا الحديث في هذا الجانب ووضحنا بالشرح والأمثلة كل ما يدعم هذا الاعتراض، وانتهينا إلي أنة بالرغم من الخلل الواضح الذي وقع فيه التبريزي في مواضع من شرحه بسبب

стр. 392

نزوعه إلى النحو واللغة من جهة، ومشايعته شيخه أبي العلاء من جهة أخرى فإنه قد حاول جادا أن يفيد من الشروح التي سبقته يجمعها وينتخب منها شروحه في الحماسة، وهي شروح أفاد منها طلابه في المدرسة النظامية، كما أفاد منها طالبو علم الأدب الذين جاءوا بعده فضلا عن متابعة شارحين من شراح القرن السادس له في هذا المنهج هما أمين الدين الطبرسي، وأبو الرضا الراوندي. ثم عرضنا إلي المنهج ألاختصاري التسهيلي فتحدثنا أولا في العوامل التي دفعت فئة من الشراح إليه فلاحظنا اقتناع هذا الفئة بأن الغاية من شرح الشعر هي الوصول إلي معني الشاعر ومقصده، ومن ثم يمكن الوصول إليه من أسهل الطرق وأيسر السبل، واقتناعها كذلك بأن الشروح التي صنعها السابقون لديوان الحماسة قد جاءت مسهبة في تناول عناصر الشرح إسهابا مبالغا فيه كثير من الأعمال فلماذا لا يقوم عمل يصفي هذا الفيض الغزير التي تزخر به هذه الشروح وتنقية من الإسهاب والاستطراد وتقدمة في ثوب موشي بالاختصار والتسهيل وكذلك اقتناعها التام بأن قراء الشروح يمثلون فئات متفاوتة في القدرة علي تحصيل العلم، متباينة في الطباع والأهواء فلماذا لا يقوم منهج يراعي اختلاف قدرات المتلقين ومشاربهم وأهوائهم، يقدم لهم عناصر الشرح سهلة ميسرة خالية من الاستطراد، بعيدة عن التشعب والأغراب، منهج يضم اللغة ولكن بقدر محدود، والنحو ولكن بصورة تحقق إدراك المعني فحسب والرواية ولكن في لمحات تفي بالغرض المطلوب، وأخبار الشعراء ومناسبات الشعر ولكن في اقتصاد واقتصار. ولاحظنا أنه منهج يشبه المنهج التجميعي الانتخابي في الإفادة من أعمال السابقين، ولكنة لا يقدمها في الثوب الذي يقدمها به التجميعيون الانتخابيون الذين يكتفون بنقل ما ينتخبون من الشروح دون أن يعملوا فيه ما يشذبه ويهذبه، وإنما يقدمها في صورة يحوطها الاختصار وتحكمها السهولة ويضبطها اليسر، ورأينا أن خير ما ينطبق علية هذا المنهج شرحان أحدهما الشرح المرجح نسبته إلي زيد بن علي الفارسي والآخر المنسوب خطأ إلي أبي العلاء المعري، ولاحظنا أن هناك شرحين آخرين سلكا المنهج نفسه هما: شرح البياري وشرج الأعلم الشمنتري.

стр. 393

وحين انتهينا من تحديد المعايير والصفات التي قامت عليها هذا المناهج الخمسة أقتضي العمل أن نتوالى فصول خمسة في هذا القسم خصصنا كل فصل منها لتطبيق منهج من هذه المناهج، فبدأنا بالمنهج الإبداعي الفني الأدبي، ودرسنا عمل أبي علي المرزوقي من خلال فعرضنا أولا لشخصيته وما تركبت علية من نزعة اعتداد وتعال أثرت في مصادرة وعملة فلاحظنا أنها أثرت في مصادرة من حيث جعلته قليل الإفادة من الأعمال التي سبقته في شرح الحماسة بل جعلته يتعمد الإغضاء من العلماء السابقين له أو المعاصرين ممن لهم صلة بعملة في الحماسة، الأمر الذي أدي إلي حرماننا من معرفة جل الشروح التي أفاد منها في شرحه، ولاحظنا أنها أثرت في عمله في الشرح حيث جعلته متفردا بآرائه، حتى في اللغة والنحو- وهما من العلوم التوفيقية- رأينا عملة فيهما دالا علي ذاتيته وتفرده في تحليلاته اللغوية ومناقشاته للمسائل الإعرابية. ولقد حاولنا أن نتتبع أعمالة في الحماسة من خلال عناصر الشرح فرأيناه قليل الاهتمام بعناصر ثلاثة هي: مناسبات الشعر التاريخية وأخبار الشعر، وتفسير أسماء الشعراء والأعلام، وتحديد بحور الأشعار وأضربها وقوافيها. ولقد عللنا ذلك بأنة لم يقف علي شرح أبي رياش ذي الاهتمام بالأخبار التاريخية ومناسبات الشعر. ولم يقف علي كتاب ((المبهج)) لأبن جني ذي العناية بشرح أسماء الشعراء والأعلام. أما خلو شرحه من تحديد أوزان الشعر وما يتصل بها من ضروب وقواف فقد عللناه بأن هذا العنصر لم يكن من العناصر التي أهتم بها الشراح في زمنه وما قبلة. إن العناصر التي تجلت فيها عبقرية المرزوقي هي: الرواية، واللغة، والنحو، والمعاني، والبلاغة، والنقد. لقد حقق فيها أعمالا طيبة، أكدت دراستنا لها أنها تدل علي ذاتية متفردة وعلي إبداع وفنية، وعلي أسلوب أدبي مشرق برغم جنوحه المتكرر إلي أساليب المعلمين. لقد عشنا مع المرزوقي في هذه العناصر، ودرسناها عنصرا عنصرا، حتى مذهبة النحوي أفضنا في دراسته ومناقشته، فكان أهم ما خرجنا به أن المرزوقي بمنهجه الإبداعي الفني الأدبي قد كان معلما بارزا في عملة الذي أداة في الحماسة،

стр. 394

فشرحه يعد نسيج وحدة بالقياس إلي الشروح التي وصلت إلينا. أما المنهج العلمي التخصصي فقد اخترنا لتطبيقه أعمال أبن جني في كتابية ((المبهج)) و ((التنبيه)) فلاحظنا أنه جعل من ديوان الحماسة وأسماء وشعرائه وما ورد فيه من أعلام مجالا يثير فيه كوامن العلوم التي تخصص فيها، بل لاحظناه أنه الشارح الوحيد الذي لم يكتب للعامة، وإنما قد قصد بأعماله خاصة الخواص من ذوي التخصصي العالي والملكات ذات القدرة علي الفهم والاستيعاب. لقد تتبعنا عملة في المنهج ورأينا كيف أنه أبتدع عنصرا جديدا من عناصر الشرح يتصل بشرح أسم صاحب النص شرحا لغويا بحتا، يبحث فيه عن اشتقاق العلم، ما كان مرتجلا وما كان منقولا، وما يتصل به من نظائر في كلام العرب أو في القياس. لقد عرضنا عملة في جوانب متعددة، فلاحظنا أنة عمل دل علي سيادة مطلقة في علم التصريف، وعلي علو باذخ في الاشتقاق، واستيعاب تام لما يقبله القياس وما لا يقبله. وحين عرضنا إلي كتابة ((التنبيه)) وتتبعنا عملة في عناصر شرح الشعر لاحظنا أنه في عنصر الأوزان والقوافي لم تكن نظرته في معالجته عامة تشمل سائر نصوص الحماسة وإنما كانت نظرة خاصة تختص بما يثير قضية فحسب. كذلك رأيناه في عنصر الرواية يختلف عن الإبداعيين الفنيين الذين رأيناهم يناقشون الرواية من وجوه مختلفة، أما هو فقد ينظر إلي الرواية من جهة اللغة وجهة الإعراب، ولا يقف عندها إلا إذا كانت ذات معضلة تعوز الشرح، أو مشكلة إعرابية تحتاج إلي تأويل وإيضاح، وكذلك كان حالة في اللغة والنحو، لم يتخذ منهما وسيلة يستعين بها في تفسير الألفاظ والتراكيب بغية الوصول إلي معني النص كما هو الحال عند سائر الشراح الآخرين، وإنما كان عملة اللغوي موقوفا علي النظر إلي الألفاظ والتراكيب بغية الوصول ألي معني النص كما هو الحال عند سائر الشراح الآخرين، وإنما كان عملة اللغوي موقوفا علي النظر إلي الألفاظ نظرة جزئية من حيث هي لفظة مفردة يقف عندها يعالج تصريفها أو اشتقاقها، مستعرضا ما تثيره من قضية تتصل بالقياس أو الاشتقاق، وأما عملة النحوي فقد رصدنا فيه عدة ملاحظات أهمها إثارة للقضايا

стр. 395

النحوية ظاهرة الأشكال أو القضايا التي تبدو جلية ولكنها تخفي ورائها الغامض من المسائل وثانيتها تتبعه الدائم للخلاف بين سيبويه وأبي الحسن الأخفش في جملة من المسائل التي خالف فيها الأخفش جمهرة النحاة، وثالثتها تنويهه المستمر بأن الإعراب قد يجيء مخالفا للمعني، ورابعتها اعتماده الواضح علي القياس في المسائل الإعرابية. وأما عملة في المعاني فإنه لم يهتم بها إلا من خلال الإعراب، ولقد أبان ذلك في مقدمته حين أفاد بأنة تحامي تفسير شيء من معاني أبيات الحماسة إلا ما ينعقد بالإعراب، ولذا كان تعرضه لعنصر المعاني نادرا وفي مواضع قليلة من ((التنبيه)). ولما كانت المعاني ليست من همة كانت البلاغة أيضا ليست من همة فهو حين ينظر إلي لون بلاغي ينظر إلية من جهة نحوية، وكذلك كان شأنه في نقد الأشعار لواردة في الحماسة، لا ينتقدها من حيث المعاني، جودتها ورداءتها، وإنما ينتقدها حين يري خروج تركيب ما عن قواعد الإعراب التي قننها النحاة. إن أهم ما يخرج به الدارس لعناصر شرح أبن جني هو أن معالجته لها كانت مجال المشاكل التي تثيرها النصوص في اللغة وما يلحق بها من اشتقاق أو تصريف، ومجال المسائل الإعرابية وما ينص لبها من خلاف بين النحاة، ومجال المشكلات التي تتصل بالعروض والقوافي أو تتصل بشذوذ التراكيب في استخدام الشعراء. ولقد رأيناه في هذه المجالات يتحرك بأسلوب يغلب علية الطريقة الجدلية المتأثرة أحيانا بطرق المتكلمين في التعبير وهو أسلوب قد يثير في نفوسنا شيئا من المتعة الذهنية، ولكنة خال من الإثارة الوجدانية التي نجدها في أسلوب الإبداعيين أمثال المرزوقي. ثم كان أن وقفنا عند المنهج التتبعي التقويمي وطبقناه في عملين: أحدهما ((ضبط مواضع من الحماسة)) لأبي هلال العسكري، والآخر ((إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري)) لأبي محمد الأعرابي. فأما عمل أبي هلال فقد لاحظنا انه قد تتبع نسخة للحماسة بخط أحد الشيوخ فقام بضبطها وتحريرها، وسجلنا أن عملة في تتبع هذه النسخة وتقويمها قد

стр. 396

دار حول جوانب ثلاثة، أحدهما: التصحيف الذي يقع في روايات الحماسة فيؤدي إلي فساد في المعني، والثاني: تحريف الرواية الذي ينجم عنة خلل المعني أو خلل الإعراب أو خلل الوزن أو خلل أن يجري الكلام علي غير المألوف عند العرب، وثالثة: الخطأ في نسبة الشعر إلي غير قائلة. ولقد ناقشنا عملة من خلال هذه الجوانب، محللين الأمثلة لدراستها وتبيان جهد الرجل فيها، وانتهينا إلي أن أبا هلال من خلال عملة في هذه الرسالة ((ضبط مواضع من الحماسة)) قد حقق منهجا في التأليف، ومنهجا في معالجة ما تناوله من تقويم وإصلاح، وقد كشفت هذه التقويمات والإصلاحات عن ثقافات في فن الشعر، وما تقتضيه هذه الثقافة من معرفة بعلم النحو واللغة والصرف والعروض، ووقوف علي الأنساب والأخبار التاريخية. وأما عمل أبي محمد الأعرابي فقد عرضنا فيه أولا لما جاء في مقدمته فلاحظنا أنه ألف هذا الكتاب الذي تعرض لأبي عبد الله النمري بدافع من التحدي وإظهار المقدرة علي التصدي بالنقد لأعمال من سبقه، ولاحظنا أيضا أن العجلة كانت صفة من صفات عملة حيث أنجزه في مدة لا تتجاوز الأسبوع، وسجلنا أن هذا أوقعة في عدم الموضوعية حينا، وإلي خلل في التتبع والتقويم أحيانا أخرى. ثم أدرسنا عملة في تتبع ما جاء في شرح معاني أبيات الحماسة لأبي عبد الله النمري، فلاحظنا أنه كان يناقشه ويرد علية في جوانب أربعة أولها: جانب الرواية تصحيح ما اعتمده النمري في متنه من رواية للحماسة، وثانيهما: تصحيح نسبة الشعر إلي غير قائليه، وثالثها: التنبيه علي أمور أغفلها النمري في شرحه، ورابعها: التصدي بالمناقشة لما قرره النمري من معاني أبيات الحماسة ولقد درسنا عملة من خلال هذه الجوانب جميعها محاولين أن نظهر ما حققه الرجل من خدمة للحماسة في تتبعه لعمل النمري وتقويمه، غير أن دراستنا له في هذه الجوانب قد كشفت عن جملة من المآخذ علية، رصدناها من خلال العمل فبلغت أربعة، أحدها: حرصه علي إيراد مثل من الأمثال في كل موضع من المواضع التي تتبع فيها النمري شعرا كان المثل أو نثرا، وقد أوقعة حرصه المتوالي في أن يورد أمثالا تعد من مرتذل القول وتجري علي ألسنة السوقة لا ألسنة العلماء، وثانيهما: أنه كان يتعمد في بعض الأحيان ألا

стр. 397

يورد كل ما قاله النمري في معاني الأبيات، وإنما يكتفي بذكر جزء ينطلق منه لينال من النمري، الأمر الذي جعل البغدادي يتهمه بالتزييف، وثالثهما: أنة كثيرا ما كان يخرج في عملة التتبعي التقويمي عن الموضوعية، وذلك باستخدامه العبارات الجارحة يرددها في ثنايا كتابة بقصد النيل من أبي عبد الله النمري والحط من قدرة، ورابعها: اضطرابه في الحكم علي النمري حيث اشتملت أحكامه علي شيء غير قليل من الاضطراب والتناقص، غير أننا ونحن نورد هذه الآخذ ونقيم الأمثلة علي صحتها والدلالة عليها، لم يفتنا أن نسجل ما انتهينا إلية في عمل الرجل، فهو بالرغم من هذه المآخذ التي أخذناها علية فإنه قد استطاع بحق وفي جوانب متعددة من عملة أن يسهم في خدمة ديوان الحماسة إسهاما طيبا يدل علي جهده وعلمه. أما المنهج التجميعي الانتخابي فقد خصصنا لتطبيقه ودراسته شرح أبي زكريا التبريزي الأوسط المتداول بين أيدي الناس. ولكننا قبل أن نبدأ في التطبيق نوهنا إلي أن هناك عالمين من علماء القرن السادس الهجري قد تابعا التبريزي في منهجه هذا واستطاعا أن يحققا معاييره وصفاته في عمليهما وهما أمين الدين الطبرسي، وأبو الرضا الراوندي، وكان يمكن أن نطبق هذا المنهج علي عمل أحدهما، غير أن ريادة التبريزي في هذا المنهج ألزمتنا بأن نخصه بهذا التطبيق، فكان أن لاحظنا أولا الجوانب التي بدت نظرية في كلام الدكتور العمري في هذا المنهج، فأكدنا أن التبريزي قد حاول أن يجمع في شرحه ما يحقق جميع العناصر المطلوبة في الشرح ولكنة لم يوفق بين هذه العناصر توفيقا تاما، وينسق بينهما بانسجام يشعرنا بالتكامل والترابط إلا في مواضع ضئيلة من شرحه، كما أنه أعتمد في جمهور شرحه علي المرزوقي محاولا أن يكمل ما فيه من نقص من الشروح الأخرى، غير أن هذه الشروح لم تكن لتسد حاجته في استكمال هذا النقص، ومن ثم جاءت جملة من النصوص خالية تماما من أدني شرح، وكان مقتضي عملة- وهو الشارح المنتخب- أن يسد هذا النقص من عنده، ولكنة لم يكن مبدعا بحيث يحقق بإبداعه وإعمال فكرة استكمال ما ينتخبه من الشروح، هذا فضلا عن انسياقه المتكرر وراء

стр. 398

شيخه أبي العلاء في إستطرادتة المختلفة، وكذلك إنسياقة وراء أبي رياش في نقولات سود بها العديد من الصفحات دون أن يعمل فيها قلمه بالتهذيب والتشذيب أو الحذف والاختصار، الأمر الذي أدي إلي طغيان عنصر أخبار الشعر علي عناصر الشرح في القطع التي كان أبو رياش يذكر خبر أبياتها أو بواعث الشعر فيها. لقد حاولنا أن نتتبع التبريزي في سائر العناصر التي ضمها شرحه قصدا إلي بيان كيفية انتخابه من الشروح التي سبقته لكل عنصر منها، وكان كل ذلك عن عدة ملاحظات بعضها سلبي وبعضها إيجابي، فمن الملاحظات الإيجابية أنة كان ينظم ما ينقله من الشروح وبخاصة حين ينقل من الشرح الواحد أكثر من عنصر، فهو كما رأيناه يكثر النقل من شرح المرزوقي، ولكنة كان يتصرف فيما ينقله حيث ينظمه ويرتبه وفق الرؤية التي يراها في معالجة عناصر الشرح لا وفق ما جاءت في شرح المرزوقي، ومنها أيضا أنة علي كثرة نقله من الشيوخ دون ان يبدي رأيا فيما ينقل، كانت له بعض المواقف التي دلت علي شخصيته في العمل الانتخابي وهي مواقف وإن كانت ضئيلة إذا ما قيست بالكثرة الكاثرة التي بدا فيها مجرد جماع ناقل، فإنها علي أية حال دلت علي ذاتية فيه، وعلي حضور ذهن فيما كان يعرضه من آراء أثناء عملية الشرح. أما الملاحظات السلبية فمنها أنه وغيرة من الشراح الذين اتخذوا هذا المنهج سبيلا قد وقعوا في ظاهرة سلبية في الانتخاب وهي أنهم كانوا لا يعزون جميع ما ينتخبون من آراء وأقوال إلي أصحابها، وبخاصة حين ينقلون عن المرزوقي حيث كانوا يوردون كلامه في صورة توحي بان هذا من عملهم وجهدهم، ومن ثم بدت خطورة هذه الظاهرة في عمل الانتخابيين من حيث إنها تجعل الدارسين لشروحهم أو المستفيدين منها في اضطراب مستمر حين ينسبون إليهم أقوالا ليست لهم أو يجعلون لأعمالهم قيمة لا تؤول إليهم في واقع الأمر. ومنها كذلك كثرة نقلة من أبي رياش أخبار الشعر وما يتصل بها من شخصيات وأشعار، وهو لم يكتف بإيراد هذه الأخبار وما يتصل بها فحسب بل كان يزيد عليها تعليقات شيخه أبي العلاء علي جزيئات

стр. 399

منها، وكل ذلك في إسهاب مخل أدي إلي تغول هذا العنصر علي سائر العناصر الأخرى. وإذا كنا قد سجلنا في عمل التبريزي هاتين الملاحظتين وغيرهما فإن البحث قد سجل له ما لا يغمض حقه فيما صنع، فقد حاول بحق أن يبتكر منهجا مغايرا لسابقيه في شرح الشعر، وجد شيوخه وسابقيهم قد عالجوا الحماسة في شروحهم من نواح مختلفة، كل شرح يركز في ناحية دون أخري، فأراد بمنهج جديد أن يجمع بين هذه النواحي في شرح واحد أي أن يجمع شروحا في شرح، ومن ثم جاء عملة جامعا لمناهج مختلفة وأساليب متباينة، وهو وإن بدا في جل عملة غير خلاق ولا مبتكر فيما يكمل به ما يجده من النقص في هذه الشروح، فإنه في مقابل ذلك دل عي جهد مضن وحضور ذهن في استدعاء معلوماته التي قرأها أو سمعها من شيوخه أثناء عملية الشرح، وأن يوظف ذلك في مواضعه، وفي هذا فضل لا ينكر، ولو شفعة آخر بان عزا نقولاتة إلي أصحابها، ونفي عن هذه النقولات الاستطرادات المخلة بتنسيق العناصر لكان شرحه الغاية الخالدة في هذا المنهج. وأما المنهج الأختصاري التسهيلي فقد أفدنا بأنة يمكن تطبيقه في شرح زيد بن علي والشرح المنسوب خطأ لأبي العلاء المعري، ولكن لما كنا قد عقدنا دراسة كاملة حول الشرح المرجح نسبته لزيد بن علي في الكتاب الثاني من هذا البحث اخترنا الشرح الآخر للدراسة والتطبيق، وقد لاحظنا من خلال دراستنا له أنه قد حاول في غلبة شرحه أن يوفر مقومات هذا المنهج وصفاته غير أننا أخذنا علية أمرين أحدهما ملية المتكرر إلي النقل من أبن جني في شيء من الإسهاب وبخاصة في عنصر اللغة، والآخر عدم إفادته من المصادر التي تحت يده إفادة مطلقة تعصمه من الخطأ في تفسير بعض نصوص الحماسة، فهو قد دل في شرحه أنه قرأ المرزوقي والتبريزي ولكنة كان في بعض الأحيان يأتي بتفسير خطأ للشعر، يختلف عن التفسير الذي قرره المرزوقي أو انتخبه التبريزي في شرحه. كذلك سجلنا أن هناك شارحين قد سلكا سبيل هذا المنهج أحدهما الأعلم الشنتمري الذي أستطاع أن يحقق هذا المنهج تحقيقا جيدا، ولكن شرحه جاء في

стр. 400

الحماسة التي صنعها، وليس في حماسة أبي تمام، أما الآخر فهو أبو الحسن البياري، غير أن شرحه لم يصل إلينا كاملا، وإنما وصل منه الجزء الأول فقط، وهو جزء لم يستكمل باب الحماسة كله، ناهيك عن سائر الأبواب الأخرى. وإذا كنا تتبعنا للشروح التي صدرت في الفترة الزمنية التي حددنها لهذا البحث قد كشفت عن شروح لم تصل إلينا كاملة أو وصلت ولكنها غير واضحة المنهج أو وصلت في صورة نقولات في شروح وصلت إلينا فإن هذا أقتضي أن يقوم قسم ثالث لدراسة هذه الشروح. ومن ثم جاء الفصل الأول من هذا القسم في دراسة شروح كل من أبي الفتوح الجرجاني، وأبي الرياش، وأبي عبد الله النمري، وأبي هلال العسكري، وأبي العلاء المعري. لقد تتبعنا هذه الشروح ودرسنا عناصر الشرح فيها، وكنا في كل شرح نجد نقصا واضحا في جملة من العناصر التي تقوم عليها عملية الشرح وتكشف عن منهج صاحبة في وضوح وجلاء، وانتهينا إلي أن هذه الشروح بصورتها التي وصلت إلينا لا يمكن تصنيفها تحت أي منهج من المناهج فشرح الجرجاني كشفت الدراسة أنه مجرد رواية مصححة لمتن الحماسة علية تعليقات متفرقة لا يمكن تسميتها شرحا إلا من باب التجوز، والنقولات التي وصلت عن شرح أبي رياش، وإن دلت علي بعض العناصر فإن غلبتها قد جاءت في الأخبار التاريخية، وهي مع هذا لم تبين لنا عملة في عناصر مهمة في الشرح مثل الرواية والنحو والبلاغة والنقد، كما أن عملة في اللغة والمعاني غير واضح في هذه النقولات الوضوح كله، ولذا صعب علينا أن نضعه تحت منهج من المناهج، ومختصر معاني أبيات الحماسة الذي وصل إلينا عن شرح أبي عبد الله النمري لم يكشف لنا عن عمل النمري إلا في عنصري الرواية والمعاني، وهو بجانب هذا قد أفاد من شيخه أبي رياش ولكنة لم يكن ذا منهج نقلي التزامي لأنة لم يقف عند حد النقل فحسب بل كان يناقش وينتقد، ويورد من رأي مخالف لمن ينقل عنة، وهو أيضا كان يتعرض للديمرتي في شرحه ولكن تعرضه لم يكن تعرض متتبع مقوم علي نحو ما رأينا عند أصحاب المنهج التتبعي التقويمي، فقد كان يعرض الجوانب الصواب والخطأ معا، كما أنة لم يتتبع كل مواطن الزلل في شرح الديمرتي، وإنما كان يناقش ما في

стр. 401

الشرح من زلل من خلال العنصرين اللذين قصر عملة عليهما وهما الرواية والمعاني. كذلك لم يبد النمري في شرحه تجميعا انتخابيا، فهو وإن أفاد من أعمال رجال سبقوه فإن إفادته لم تكن إفادة تجميع وانتخاب، ولم يكن كذلك ذا منهج علمي تخصصي علي النحو الذي رأيناه عند أبن جني، ولا سلك سبيل أصحاب المنهج الاختصاري التسهيلي الذين يوفرون لشروحهم سائر العناصر يعرضونها في سهولة ويسر. إن كل الذي خرجنا به من هذا المختصر أن الرجل كان مثل شيخه أبي رياش الذي رأيناه جل جهده علي الأخبار التاريخية، فهو أيضا قد قصر جهده علي دراسة الروايات وتحليل المعاني، أما عناصر الشرح الأخرى فنحن لا نكاد نظفر بشيء منها سوي لمحات ضئيلة لا تقاس بأعمال أصحاب الشروح الذين طبقنا عليهم المناهج الخمسة. أما أبو هلال في شرحه الذي لم يصل إلينا فإن النقولات التي وردت عنة قد دلت علي معالجته لجملة من عناصر الشرح كشفت عنها الدراسة حيث لاحظنا أنة كان كثير الاهتمام بنقد الأشعار الواردة في اختيار الحماسة، وتعريف الشعراء، وتصحصح نسبة القطع الواردة في الاختيار، وكشفت أيضا عن عمل له في المعاني، ولكن في مواضع قليلة، وكذلك عنصر الأخبار التاريخية. ولاحظنا أن ثمة عناصر لم ترد في هذه النقولات مثل عنصر اللغة الذي لم نجد فيه نقولات تذكر وكذلك النحو والإعراب والبلاغة وأوزان الشعر وأضربه وقوافيه، الأمر الذي جعلنا نتوقف متسائلين أكان له عمل في هذه العناصر لم تنقله لنا هذه الشروح التي وصلت إلينا أم أنة في الأصل لم يولها اهتمامه؟ ومهما كان الجواب فإن النتيجة التي خرجنا بها من هذه النقولات أنها لا تكشف عن منهج واضح لأبي هلال في شرحه يهيئ لنا السبيل إلي إدراجه تحت منهج من المناهج الخمسة، وإن كان ظننا يذهب إلي أنة أشبة بأصحاب المنهج الإبداعي الفني منة إلي أصحاب أي منهج آخر. وأما أبو العلاء في شرحه ((الرياشي المصطنعي)) فإن ما وصل إلينا عنة جاء عن

стр. 402

طريق ما كان ينتخبه التبريزي في شرحه، وقد رأينا بالرصد أن نقولات التبريزي عن شرح أبي العلاء قد بلغت نحو بضعة ومائة موضع، غير أنها مع تنوعها والإسهاب في بعضها لم تيسر لنا تحديد منهج أبي العلاء في شرحه فقد جاءت جل هذه النقولات في شرح أسماء الشعراء، وفي اللغة والنحو، ولاحظنا أن نقولات التبريزي عنة في عنصر المعاني كانت ضئيلة جدا، وذلك بسبب أن التبريزي في شرحه الانتخابي كان يعتمد في عنصر المعاني علي المرزوقي، ولهذا قل انتخابه من الشروح الأخرى في هذا العنصر غير أن دراستنا لعل أبي العلاء في عنصر اللغة والنحو وملاحظتنا حرصه الدائم علي مراعاة المعني في التحليل اللغوي والإعرابي جعلتنا نسجل أنة كان ذا اهتمام بهذا العنصر، فلم يكن مقتصدا مقتصرا فيه كما ذهب الدكتور العمري ولا كانت عنايته باللغة صارفة له عن التدقيق في معاني الشعر، يعرضها في صورة تكاد تكون نثرا كما ذهب الدكتور عسيلان، لقد ناقشنا هذا الجانب في كلام الباحثين وبينا عدو صحة ما ذهبنا إلية من قول. إن هناك عناصر لم تكشف عنها نقولات التبريزي من شرح أبي العلاء مثل عنصر الرواية الذي جاء النقل فيه أشد ضآلة من عنصر المعاني، ومثل عنصر الأخبار التاريخية الذي لم يورد التبريزي منة سوي في موضع واحد، ومثل البلاغة والنقد اللذين لا وجود لهما البتة في نقولات التبريزي. لقد لاحظنا إن أبا العلاء كان في شرح أسماء الشعراء أشبة بابن جني، غير أنة يختلف عنة في أنة لم يجنح إلي التصريف كما كان يفعل أبن جني، كما أنة في عنصري اللغة والنحو لم يكن مثله ينظر إلي الأبيات التي تثير قضية لغوية أو نحوية، ولا ينظر إلي المعني إلا من خلال ارتباطه بالإعراب، كذلك لم يكن يعمد إلي إثارة الخلاف بين أبي الحسن الأخفش وسيبويه وينظر إلي ما تعطيه أبيات الحماسة من دعم لرأي أحد الرجلين، كل هذه الأمور التي لاحظناها في عمل أبن حني لم يكن لأبي العلاء شأن فيها. هذا فضلًا عن أبن جني كان في عملة الذي رأيناه له في ((التنبيه)) علميا بحتا، أما أبو العلاء فإنه بجانب جنوحه نحو اللغة وتحليلها في النصوص، فإن عملة لم يخل من جانب أدبي، وبخاصة في نظرته إلي كلام العرب ونقله الكثير

стр. 403

من أدبها ليدلل به علي صحة المعني اللغوي للألفاظ والتراكيب أو المعاني النصوص ومقاصد الشعراء. هذا الذي فصلناه في الموازنة بين عمل أبي العلاء وأبن جني فصلناه أيضا بين عملة وأعمال أصحاب المناهج الأخرى، ومن ثم انتهينا إلي أن ما وصل إلينا من عمل أبي العلاء شيء مختلف عن سائر المناهج الخمسة بحيث لم يتأت لنا إدراجه تحت واحد منها. وإذا كنا قد درسنا الشروح الواضحة المنهج والشروح غير الواضحة فإن دراستنا لها جميعا قد كشفت عن ظاهر عامة شملت سائر أعمال الشراح، ومن هذا كان أن خصصنا الفصل الثاني من هذا القسم الأخير لدراسة هذه الظاهر فلاحظنا أنها من خلال رصدنا لها يمكن تصنيفها في ثلاث مجموعات: مجموعة تتصل بمتن الحماسة وتشمل ظاهرتين إحداهما: قلة رجوع الشراح إلي الأصول في رواية متن الحماسة، والأخرى تغاضيهم عن مناقشة النحل في المتن المختار من قبل أبي تمام، ومجموعة تتصل بمادة الشروح وتشمل ثلاث ظاهر إحداهما الاستطراد والتوسع في بعض عناصر الشرح، والثانية طغيان اللغة والنحو في عملية الشرح، والثالثة إغفال الشاعر والعوامل الموحية له بالشعر، ومجموعة تتصل بالشراح أنفسهم وتشمل ظاهرة واحدة هي تسلط نزعات الشراح وأهوائهم في أعمال الشرح. لقد درسنا هذه الظاهر وفق مجموعاتها، ووفق ما أفرزته هذه الشروح من أعمال، وانتهينا إلي أن عدم رجوعهم إلي مجاميع الشعر ودواوين الشعراء قد أدي بهم إلي الوقوع في افتراضات لا معني لها حين كان أبو تمام يختار بعض الشعر ويسقط بعضة الآخر، كما حرمهم من دراسة تطبيقية في طريقة اختيار أبي تمام للشعر، ومعرفة دقته فيما كان يختار وما كان يترك، كذلك لاحظنا أنهم لم يناقشوا الإشارات التي صدرت عن الشراح الأوائل حول نحل بعض القطع وتوليدها، وإنما وقفوا عند حد النقل وترديد ما قالوه دون أن يناقشوا صحته أو خطأه علي النحو الذي رأيناه فيما بعد عند الباحثين المعاصرين. أما في ظاهرة التوسع والاستطراد فقد لاحظنا أنة لم يسلم منها شارح من

стр. 404

الشراح على مختلف المناهج التي سلوكها، ولقد عللنا شيوع هذه الظاهرة في أعمالهم بتأثرهم الواضح بشراح الشعر الجاهلي في القرن الرابع الهجري الذين أدركوا أن القصد من شرح الشعر هو التعليم والتثقيف إلي جانب الإمتاع، فوسعوا من نشاطهم في الشروح فحللوا ودققوا وأسهبوا واستطردوا في كل شيء يتصل بالنص من قريب أو بعيد فجاءت شروحهم زاخرة بالمواد العلمية التي هي حصيلة الجمع والجهد، ولم تكن هذه النظرة بغائبة عن شراح الحماسة، وبخاصة إذا علمنا أنهم لم يكونوا بمعزل عن حركة شرح الشعر عامة، ومن هنا جاء إليهم التوسع .. والاستطراد حتى شمل أصحاب المنهج التجميعي الانتخابي الذين يفترض في عملهم التهذيب والتشذيب، وأصحاب المنهج الاختصاري التسهيلي الذين يفترض فيهم أن يكونوا بعيدين عن هذه الظاهرة كل البعد. أما ظاهرة طغيان اللغة والنحو في عملية الشرح فقد أوضحنا أننا لا نعني بها أصحاب المنهج العلمي التخصصي لأنهم قد بنوا منهجهم علي إثارة القضايا التي تتصل باللغة والنحو، ومن ثم فمن الطبيعي أن نجد اللغة والنحو يطغيان في أعمالهم، وكذلك لا نعني بها أصحاب المنهج التتبعي التقويمي لأن أعمالهم تقوم وفق ما يتتبعونه ويقومونه في أعمال الآخرين، نحوا كان أو لغة أو غيرهما. إننا نعني بها أصحاب المنهج الإبداعي الفني والمنهج التجميعي الانتخابي والمنهج الاختصاري، فهؤلاء تقوم مناهجهم علي مقومات وصفات لا تقتضي وجود هذه الظاهرة في أعمالهم، ولكنهم مع محاولاتهم الدائبة في توفير هذه الصفات والمقومات لأعمالهم لم يسلموا من شيوع هذه الظاهرة في شروحهم حيث رصدناها في بعض أعمال المرزوقي وفي انتخاب التبريزي وفي أعمال صاحب الشرح المنسوب خطأ لأبي العلاء، وأبي الحين البياري، وأبي القاسم زيد بن علي، ولقد عللنا لهذه الظاهرة وتسربها في أعمال هؤلاء الشراح بأنها مثل ظاهرة التوسع والاستطراد ترجع إلي التأثر بأعمال أبي بكر بن الأنباري وأبي جعفر النحاس، وهي في جملتها يمكن أن ترجعها بالنسبة لشراح الشعر القديم إلي أن كل العلماء الأوائل الذين عنوا بشرح الشعر ابتداء من أبي عمرو الشيباني المتوفى سنة ٢٠٦ أو ٢١٠ هـ إلي أبي سعيد السكري المتوفى سنة

стр. 405

٢٧٥ هـ كانوا من ذوي الاهتمامات باللغة والنحو، وقد أنعكس هذا الاهتمام علي أعمالهم في شرح الشعر ومن ثم تأثر بذلك كل من جاء بعدهم من شراح الشعر سواء في ذلك شراح الحماسة أو غيرهم. كذلك سجلنا أن نشأة دراسة الشعر وارتباطها في البداية بخدمة القرآن الكريم والحديث الشريف قد كان لها تأثير في غلو هذه الظاهرة ووجودها في شروح الشراح من حيث إن النظرة إلي شرح الشعر وسيلة إلي فهم القرآن والحديث قد ربطت علم الأشعار بعلمي اللغة والنحو لتصب جميعها في وسيلة واحدة لخدمة غاية واحدة هي فهم القرآن والحديث، ومن هنا ارتبط شرح الشعر لدي الشراح بهذين العلمين بالرغم من انفصال هذه العلوم عن بعضها وقيام كل منها في وحدة قائمة لذاتها. لقد رأينا أن اهتمام الشراح فيما يتصل بالشاعر كان منصبا علي شرح أسمة لغويا، وتبيان نسبة وقبيلته والأحداث التي كانت وراء قولة الشعر وما يتصل بها من أنساب وأيام وأمثال وأشعار. أما الشاعر نفسه فلا وجود له في تحليل الشعر وشرحه، الأمر الذي شكل ظاهرة عامة شملت سائر الشروح. إن الشاعر بعواطفه وعقله وتفكيره والخط النفسي في بناء شعرة، والعوامل الموحية له بالشعر كل هذا لم يكن من هم الشراح في ذلك الزمن، ولقد اعتمدنا في تعليل انتقاء وجود الشاعر في عملية الشرح لدي الشراح، علي ما علله الدكتور العمري في وجود هذه الظاهرة لدي شراح الشعر الجاهلي، وهي علة ترجع إلي طبيعة العصور القديمة والظروف العملية والثقافية فيها، وهي طبيعة لم تكن تلتفت إلي هذه الأمور من قريب أو بعيد، لأن كل ما يهم الشارح- وهو واقع تحت تأثير هذه الظروف- هو المادة الشعرية يحللها ويقدمها خدمة للعلم أولا وقبل كل شيء لا خدمة للشاعر وإبراز مقاصده ومراميه وخصائصه التي تميز شعرة. ولاحظنا أيضا أن سائر شراح الحماسة بعد القرن السادس الهجري داروا في الفلك نفسه بل صاروا يكررون ما قاله الأوائل اختصارا أو انتخابا دون أن يكون لهم أدني إضافة فيما خلفه هؤلاء الشراح القدماء، ومن هنا رأينا العلماء

стр. 406

المعاصرين الذين تصدوا إلي الحماسة بالعمل في مجال التعليم قد فكروا في عمل شرح لها وذلك علي نحو ما وضحنا في عمل الشيخ سيد علي المرصفي ومحمد الطاهر بن عاشور وعلي النجدي ناصف. أما الظاهرة العامة والأخيرة التي سجلناها لهؤلاء الشراح فهي تسلط نزعاتهم وأهوائهم في عملية الشرح، فقد رأيناها عند المرزوقي في نزعته إلي التعالي والتفرد من جهة وإتباعه هوي نفسه ومزاجه من جهة أخري، وسجلنا مدي تأثير ذلك في مصادرة وعملة، كذلك سجلنا لأبن جني جنوحه المستمر نحو اللغة والنحو مما دفع به إلي إخضاع النصوص الشعرية في الحماسة إلي هذه النزعة فحول اختيار أبي تمام الأدبي إلي عمل بعيد الأدب ومجاله. ورأيناها أيضا في عمل أبي محمد الأعرابي حيث برزت لدية نزعة التحدي وإظهار سقطات الآخرين وقد دفعته هذه النزعة إلي تزييف بعض أعمال النمري بغية إظهار عجزة وضعفه في فهم الشعر وشرحه، فخرج في عملة عن الموضوعية التي ينبغي أن يتمسك بها كل ناقد متصد إلي أعمال غيرة، كذلك سجلت الدراسة في هذا الخصوص نزعتين تحكمتا في عمل التبريزي في الحماسة إحداهما نزعته إلي اللغة والنحو، والأخرى انسياقه المتكرر وراء شيخه أبي العلاء بحيث جعلته النزعة الأولي يقصر جهده علي اللغة والنحو في كثير من النصوص التي ينتخبها من الشروح، وجعلته النزعة الثانية محتل المنهج في مواضع متعددة كان ينزلق فيها نحو الاستطراد الذي ينقله في شرحه من أعمال أبي العلاء. ولقد سجلنا كذلك أن بعض أصحاب المنهج الاختصاري التسهيلي لم يسلم من هذه الظاهرة وهو صاحب الشرح المنسوب خطأ إلي أبي العلاء حيث لاحظناه ينزع إلي أعمال أبن جني في ((التنبيه)) فينتقل منها في مواضع من شرحه مما يعد استطراد في العمل وتغليبا لعنصر علي عناصر الشرح الأخرى، ولولا أنها كانت قليلة في عملة لا تقاس بما استوفاه من صفات منهجه ومقوماته لأخرجته عن حد المنهج الذي رسمه لعملة. ولعل أهم نتيجة خرجنا بها من دراستنا لهذه الشروح جميعها، ومن خلال ما

стр. 407

رصدناه فيها من ملاحظات وظاهر عامة هي أننا- وفق رؤيتنا المعاصرة لشرح الشعر، ووفق فهمنا للنظرة الحديثة إلي تراثنا الأدبي والدعوة إلي دراسته وتمحيصه وعرضه في ثوب جديد يتلاءم مع ثقافة عصرنا والعصور التي سوف تليه- نري أن ديوان الحماسة، هذه الاختيار العظيم الذي خلفه أبو تمام، لا يزال في حاجة إلي جهود علماء معاصرين يتصدون لشرحه وفق المفاهيم النقدية الحديثة، والرؤية المعاصرة لعملية الإبداع الشعري وشرحه وإيصاله إلي طلاب الأدب. إننا نأمل أن نكون بهذه الدراسة قد حققنا عملا مفيدا في تراثنا الأدبي وإضافة جديدة في ميدان البحث العلمي، فإن حققنا في ذلك توفيقا فبها ونعمت، وإلا فما قصرنا في الجهد وإن حرمنا التوفيق الذي هو من عند الله تعالي، عليه توكلنا وإليه ننيب.