Полный текст (407 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
معمر، وكثير بن عبد الرحمن، وأعشى ربيعة، والكميت بن زيد الأسدى. أما عصر بني العباس فكان أبرز شعرائه في اختيار الحماسة صريع الغواني مسلم بن الوليد، ودعبل الخزاعي، وأبو العتاهية، ومطيع بن إياس، والحسين بن مطير الأسدي.
ولاحظ الدارسون في الحماسة اهتمام أبي تمام بجماعة من شعراء طيئ، والقبيلة التي ينتمي إليها، قال عبد السلام هارون: "وعني عناية خاصة بشعراء طيئ، فكان قسطهم في اختياره قسطًا كبيرًا".
وعلل الأستاذ علي النجدي ناصف لعناية ابي تمام برواية شعر قبيلته بقوله: "ولا على أبي تمام أن يبر شعراء قومه، ويفي لهم، وينشر شعرهم، ويختار منه ما دام حقيقًا بالنشر والاختيار، فيه حينئذ داعيان الجودة والقومية، وفي شعر الآخرين من غير قومه داع واحد هو الجودة لا غير".
والحق أن الذي ينظر في الشعر الذي اختاره أبو تمام لشعراء طيئ يجد أنه حري بالاختيار بل إن فيه ما يبلغ الدرجة العليا من بليغ القول وبديعه بحيث يمكن القول فيه بأن بعضه أبلغ ما ضمت بعض الأبواب، ومن هذا لا تبدو عصبية في هذا الاختيار، فالجودة ظاهرة فيما اختاره من شعر طيئ كما أنه إذا كان قد اهتم بالمجهولين من شعراء قبيلته فإن المجهولين من غير طيء قد كان لهم وجود في الاختيار.
وثمة قضية عرضها المرزباني في كتابه الموشح تتمثل في أن أبا تمام باهتمامه بالمجهولين والمقلين قد توخي طي أكثر إحسان الشعراء لأنه سرق بعض ذلك فطوى ذكره، وجعل بعضه عدة يرجع إليها في وقت حاجته، ورجاء أن يترك أهل المذاكرة أصول أشعارهم على وجوهها ويقنعوا باختياره لهم فتغبى عليهم سرقاته.
وهذا الكلام باطل من وجهين أحدهما: أن الحماسة اشتملت على كثير من المعاني
стр. 37
التي استمد منها أبو تمام جملة من معاني شعره، فلو كان في ذهنه - وهو يصنع الحماسة - أن يخفي الأشعار التي أخذ معانيه منها لكان الأولى أن يخفي هذه الأشعار التي جاءت في الحماسة دالة على أنه أفاد منها في معانيه، والوجه الآخر أن أبا تمام ليس وحده الذي يمتلك أشعار المحسنين حتى يحجبها عن الناس بقصد إخفاء اخذه منها، أو بقصد الإفادة منها عند الحاجة في تأليف الشعر، فداواوين الشعراء المحسنين والاختيارات من شعرهم كانت قد انتشرت بين أيدي الناس، وصحيح أن العلماء وطالبي الأدب قد اهتموا بالحماسة ولكن اهتمامهم هذا لم يصرفهم عن الاهتمام بغيرها من كتب الاختيارات أو الدواوين، ومن ثم تبدو هذه الدعوى متهافتة لا تستند على شيء يعول عليه سوى النيل من الرجل في أمر لم يخطر بباله قط.
٧ - في دعوى تغيير أبي تمام لنصوص الحماسة:
وفي رأينا أن أهم قضية أثيرت حول ديوان الحماسة هي الدعوى التي قامت دالة على أن أبا تمام كان يغير في الشعر الذي يورده في الحماسة، ويترتب على هذه الدعوى حكم على الحماسة بأنها لا تصلح أن تكون مصدرًا من مصادر الشعر العربي الفصيح، لأن أبا تمام يعد من الشعراء المحدثين، ولا يدخل في عهود الاحتجاج، وإذا كان قد غير في نصوص الحماسة فإن عمله هذا يلقى عليها ظلالًا من الحداثة تحجبها عن أن تكون مصدرًا من مصادر القول الفصيح، ولكن ما حقيقة هذه الدعوى، وما مدى صدق هذا الحكم المرتب عليها، وما مواقف الباحثين قدماء ومعاصرين منها، فلعلنا من مناقشة ذلك كله نخرج برأي واضح يضيف شيئًا في هذه القضية.
أن أول من وقفنا على كلامه في دعوى التغيير هو ابن العميد المتوفي سنة ٣٦٠ هـ، فقد ذكر المرزوقي عند مرثية الربيع بن زياد في مالك بن زهير العبسي، وفي شرح بيت الربيع القائل:
بيت الربيع القائل:
من كان مسرورًا بمقتل مالك فليأت ساحتنا بوجه نهار
стр. 38
قال: يروى "فليأت نسوتنا" ورأيت الأستاذ الرئيس أبا الفضل ابن العميد يقول: "أني لأتعجب من أبي تمام مع تكلفه رم جوانب ما يختاره من الأبيات، وغسله من درن بشع الألفاظ كيف ترك تأمل قوله: "فليأت نسوتنا" وهذه لفظة شنيعة".
وواضح من هذا النص أن المرزوقي كان يكبر ابن العميد ويأخذ أقواله مأخذ التسليم، ولذا نراه يتبنى هذا القول في شرحه دون شراح الحماسة الآخرين فيذكر في مقدمته أن أبا تمام "ينتهي إلى البيت الجيد فيه لفظة تشينه فيجبر نقيصته من عنده، ويبدل الكلمة بأختها في نقده، وهذا بين لمن رجع إلى دواوينهم فقابل ما في اختياره بها".
وقال في حماسية تأبط شرًا عند البيت القائل:
فأبت إلى فهم ولم أك آئبًا وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
اختار بعضهم (ابن جنى) فأبت إلى فهم وما كدت آبيًا "وقال: كذا وجدته في أصل شعره ... ولا أدري لم اختار هذه الرواية الأن فيها ما هو مرفوض في الاستعمال شاذ أم لأنه غلب في نفسه أن الشاعر قاله في الأصل، وكلاهما لا يوجب الاختيار، على أني قد نظرت فوجدت أبا تمام قد غير كثيرًا من ألفاظ البيوت التي اشتمل عليها هذا الكتاب، ولعله لو أنشر الله الشعراء الذين قالوها لتبعوه وسلموا له".
هذا ما وصل إلينا من القدماء في هذه القضية، وقبل أن نسجل مناقشتنا ومناقشة غيرنا لهذه الأقوال نود أن نسجل هنا ملحظًا مهمًا هو أن ابن العميد والمرزوقي انفردًا من بين العلماء والنقاد بهذه الدعوى، فالكثيرون ممن اتصل بأبي تمام في حياته وبعد موته لم يذكروا هذه الدعوى بل لم يشيروا إليها مجرد إشارة، فنحن لا نجدها عند
стр. 39
أنصاره المتعصبين له كأبي بكر الصولي مثلًا، ولا عند خصومه أو من جعل نفسه حكمًا في الخصومة التي نشبت يبن مدرسته ومدرسة البحتري كالآمدي، بل إن الشراح - غير المرزوقي - الذين وقفنا على شروحهم لم يشيروا إلى هذه الدعوى من قريب أو بعيد، فالتبريزي الذي كان عالة على المرزوقي في جل شرحه لم نجده يسجل أقواله المتقدمة بما يفيد أنه يذهب معه في هذا الاتجاه.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى نسجل أول ما نسجل أن كلا من ابن العميد والمرزوقي لم يأتيا لنا بمثال واحد يؤكد أن أبا تمام كان يغير في النصوص بما يخالف دواوين الشعراء الذين اختار لهم، والمثال الوحيد الذي أورده المرزوقي هو بيت تأبط شرًا:
فأبت إلى فهم ولم أك آئبًا وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
فقد أورد أن ابن جني قال في روايته "وما كدت آبيا" وقال: كذا وجدته في أصل شعره، ولكننا لاحظنا أن المرزوقي يعترض على ذلك ويقول: "ولا أدري لم اختار هذه الرواية الأن فيها ما هو مرفوض في الاستعمال شاذ أم لأنه غلب في نفسه أن الشاعر قاله في الأصل وكلاهما لا يوجب الاختيار" فقوله: "لم اختار هذه الرواية" يدل على أن للبيت روايتين أو أكثر إحداهما رواية الحماسة، والأخرى الرواية التي أثبتها ابن جني، وقوله: "غلب في نفسه أن الشاعر قاله في الأصل" يدل على أنه متشكك في أن يكون تأبط شرًا قد قال البيت كما رواه ابن جني.
وأما ابن العميد فإننا نراه يتعجب من كون أبي تمام يتكلف رم جوانب ما يختاره من الأبيات وغسله من درن بشع الألفاظ، ويتركن ألفاظًا بشعة في الحماسة، ولكنه لم يأت لنا بمثال يبين لنا فيه كيف كان أبو تمام يغسل درن بشع الألفاظ بالتغيير بل هو يورد نقيص ذلك، ويثبت أن أبا تمام كان يترك الألفاظ البشعة كما هي دون أن يحدث فيها تغييرًا، فلقد أخذ عليه أنه ترك تأمل قول الربيع بن زياد "فليأت نسوتنا" وهي في رأيه لفظة شنيعة، وكذلك أخذ عليه ذلك في لفظتي "كنيف" و"مستراح" الواردتين في بيتين لعروة بن الورد، وقد مر بنا ذكرهما من قبل.
стр. 40
والذي ينظر إلى الأمر يجد أن ما ذكره ابن العميد حجة عليه لا له، بل هو دليل على أن أبا تمام كان يروي الشعر كما يجده، ولا يحدث فيه تغييرًا من عنده.
وليس من دليل لما أورده المرزوقي من أقوال سوى قوله: "وهذا بين لمن رجع إلى دواوينهم فقابل ما في اختياره بها" وهو دليل فيه نظر وقابل للمناقشة. وقد تصدى له الأستاذ علي النجدي ناصف حين قال: "فإن لم تكن له بينة غيرها فلا أراها كافية ولا قاطعة لأن الخلاف في الرواية شائع مألوف، وقلما يكون نص رواية واحدة في كل أصل، فلم لا يكون الخلاف الذي يتحدث عنه المرزوقي من اختلاف الرواية لا من تغيير أبي تمام، وهل الوجه الذي يدون عليه النص في ديوان الشاعر إلا رواية لها ما للروايات وعليها ما عليها".
ونضيف إلى هذا الذي ذكره الأستاذ النجدي ﵀ أننا لو سلمنا بالزعم الذي قال به المرزوقي للزم أن نسلم بأمرين أحدهما أن دواوين الشعراء التي كانت في أيدي الناس في عهد المرزوقي كانت ذات رواية واحدة بغض النظر عن بعد المسافات واختلاف الأزمان، ومن ثم تكون دواوين الشعراء وأشعار القبائل التي كانت عند آل سلمة وانتخب منها أبو تمام الحماسة ذات رواية واحدة. ولا تختلف في روايتها عما كان في أيدي الناس في ذلك الزمن وما تلاه حتى عهد المرزوقي، وهذا أمر يتعذر القول به، وبعيد عن الواقع الذي نلمسه في دواوين الشعراء من اختلاف في الرواية عند مضاهاتها بمصادر وردت إلينا من عهود سبقت أبا تمام أو كانت بعده، مثل طبقات الشعراء لابن سلام، والبيان والتبيين والحيوان للجاحظ، والشعر والشعراء لابن قتيبة، والأغاني لأبي الفرج، والمؤتلف والمختلف للآمدي، ومعجم الشعراء للمرزباني، وهؤلاء جميعًا إنما كانوا يعتمدون في كتبهم على مصادر قوامها دواوين الشعراء ودواوين القبائل، الأمر الذي يؤكد اختلاف الروايات في الدواوين التي اعتمد عليها أصحاب هذه الكتب.
أما الأمر الثاني الذي يلزم التسليم به فهو أن يكون ديوان الحماسة الذي اعتمده
стр. 41
المرزوقي في شرحه غير متعدد النسخ والرواية حتى يصح القول بأن ما فيه من شعر مختلف عما جاء في دواوين الشعر، وهو أمر يدحضه المرزوقي نفسه حين نراه يذكر في أكثر من موضع أنه كان يرجع إلى نسخ كثيرة للحماسة.
ولم يقف المرزوقي عند قوله إن أبا تمام كان يزيل بشاعة الألفاظ بالتغيير بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين زعم أن أبا تمام كان يغير في النص لا ليزيل ما فيه من بشاعة لفظ، ولكن لينقل النص من غرض قيل فيه إلى غرض آخر لا يدخل في حيزه، ففي قطعة عارق الطائي الواردة في باب الهجاء، والتي يقول فيها:
والله لو كان ابن جفنة جاركم لكسا الوجوه غضاضة وهوانا
وسلاسلًا يُثنين في أعناقكم وإذًا لقطع منكم الأقرانا
ولكان عادته على جاراته مسكًا وريطًا رادعًا وجفانا
أورد المرزوقي خبرًا مفاده أن هذه الأبيات كانت في الأصل على النحو التالي:
والله لو كان ابن جفنة جاركم ما إن كساكم غضة وهوانا
وسلاسلًا يبرقن في أعناقكم وإذًا لقطع منكم الأقرانا
ولكان عادته على جيرانه ذهبًا وريطًا رادعًا وجفانا
ثم قال: "إن هذه الأبيات ليست بهجو لابن جفنة وإنما هو مدح له، وقد غير بذكره عمرو بن هند، وأنه لو تولى من طيئ ما تولاه عمرو بن هند كانت معاملته إياهم بخلاف ما عاملهم به هو فتصور - يعني أبا تمام - أناه لابن جفنة وجعل بدل "ما إن كساكم" "لكسا الوجوه" وبدل قوله "إذا لقطع تلكم الأقرانا": "منكم الأقرانا" وبدل قوله: "لكان عادته على جيرانه": "على جاراته" ومع هذه التغييرات ليس يخلص هجوا".
стр. 42
والذي يفهم من هذا القول أن المرزوقي فهم أن أبا تمام قد أورد هذه الأبيات على أنها هجاء قيل في ابن جفنة ملك غسان، وهذا الفهم هو الذي أوقعه في هذا التهافت البين الذي دفع به إلى إتهام أبي تمام بالتغيير، وتجاوز ذلك إلى اتهامه بالقصور في الفهم في أنه لم يفطن إلى أن الأبيات حتى بعد ما أحدثه من تغيير فيها لا تخلص هجوًا. ويتضح وهم المرزوقي بجلاء حين نذهب إلى شرح التبريزي فنجده يصدر هذه القطعة بقوله: "وقال عارق الطائي يهجو المناذرة" فالأبيات ليست في هجاء ابن جفنة كما ذهب المرزوقي، وإنما هي في هجاء عمرو بن هند الذي ذكر أبو رياش أنه أغار على طيئ بعد أن جعل لهم عقدًا، فقال عارق هذه الأبيات، وملخصها أن ابن جفنة لو كان جارك واعتديت عليه كما اعتديت علينا لكسا وجهك سبة وهوانا ولقيدك بالسلاسل، ومزق قومك ولأصبحت نساؤك حظايا له بعطورهن وغلائلهن، يقمن على خدمته، وهي على هذا فيها مدح لابن جفنة، ولكن المدح لم ينشأ لأن عارقًا أراد أن يمدحه في الأصل وإنما لأنه أراد أن يهجوا ابن هند ويعيره بما يصير إليه حاله لو أن هذا العدوان الذي أجراه عليهم أجراه على خصومه المعهودين الغساسنة، وهذا لعمري أقبح الهجاء لأن المناذرة كانوا يكرهون أن يذكر خصومهم الغساسنة بخير، فحين يأتي شاعر ليقول لهم أنتم تعيرون على قبيلتنا وتناولون منها ولو أنكم فعلتم هذا مع الغساسنة لكانت حالكم هي هذه الحال التي صورتها في هذه الأبيات، فأي هجاء ينال من عمرو بن هند ويثير حفيظته أبلغ من هذا القول؟ ! .
أما الأبيات التي أوردها المرزوقي وظن أنها الأصل في الرواية فهي - كما أوضح أبو رياش في خبرها - ليست من قول عارق بل هي من قول ابن عم له يقال له ثرملة بن شعاث الأجئ، وقد قال هذه الأبيات حين قال له عمرو بن هند: عن ابن عمك يهجوني ويتوعدني فقال ثرملة: والله ما هجاكم ولكنه والله قال: لو كان ابن جفنة جاركم ... الأبيات.
والذي يؤكد أن الأبيات في هجاء ابن هند أن هذه القطعة ليست الوحيدة التي
стр. 43
قالها عارق في هجاء عمرو بن هند فله قطعتان أخريان رواهما أبو تمام إحداهما يقول في مطلعها:
"ألا حي قبل البين من أنت عاشقة"
والأخرى: "من مبلغ عمرو بن هند رسالة"
وبناء على كل ما ذكرناه نجد أن ما قاله المرزوقي في شأن أبيات عارق لا يقوم على شيء، وإنما نتج عن وهم وقع منه فبنى عليه هذا الحكم الذي يغمط أبا تمام حقه لا في كونه يبدل فيما اختاره من شعر ليزيل بشاعته، بل أنه قاصر الفهم يفوت عليه التمييز بين شعر في المديح وشعر في الهجاء، وهو لم يقل به أحد حتى خصومه، ويجعل المرزوقي نفسه في تناقض واضح حين نراه يقول في مقدمته عن أبي تمام وعمله في الحماسة: "أنه لم يتفق في اختيار المقطعات أنقى مما جمعه أبو تمام ولا في المقصدات أو في مما دونه المفضل ونقده".
وحين نصل إلى الباحثين المعاصرين ورأيهم في هذه القضية نجد أن جماعة منهم قد تصدوا لما أورده المرزوقي في شرحه، وكان في مقدمتهم الأستاذ علي النجدي ناصف في حديثه الذي أوردناه له من قبل وكذلك تصدى له الدكتور مصطفى حسين في بحثه الذي نشره في مجلة "شعر" بعنوان "أبو علي المرزوقي شارح ديوان الحماسة" وقد جاء فيه "أن القائلين بتدخل أبي تمام وقعوا في هذا الوهم لأنهم لاحظوا اختلاف الرواية بين اختيار أبي تمام وما هو محفوظ عند سواه فساقهم هذا الوهم إلى أن أبا تمام قد بدل وغير، والحقيقة أنه كان ينظر في الروايات ويطيل النظر ثم يوازن ويفاضل مستهديًا ذوقه وبصره بالشعر، منتهيًا - بعد نظر ومفاضلة - وإلى رواية تجمع بين أمانة الاختيار وجودته".
وكذلك اعترض على قول المرزوقي الدكتور عبد الله عبد الرحيم عسيلان، وبنى اعتراضه على أن المرزوقي لم يضع في اعتباره ما قد يطرأ من اختلاف في رواية
стр. 44
الشعر، وهو واضح ملموس في كتب الأدب ودواوين الشعراء، وعلى أن أبا تمام إذا كان يغير بعض الألفاظ القبيحة بأخرى سلسة حسنة فإننا نجد ألفاظًا كثيرة في الحماسة من قبيل الوحشي والمستثقل والمستكره، دون أن يطرأ عليها أن تغيير. ودعم هذا بما أورده من خبر أبي تمام الذي رواه المرزباني عن علي بن العباس الرومي الذي قال: "دخلت على أبي تمام وقد عمل شعرًا لم أسمع أحسن منه، وفي الأبيات بيت واحد ليس كسائرها، فعلم أني قد وقفت على البيت فقلت: لو أسقطت هذا البيت فضحك وقال: أتراك أعلم بهذا مني، وإنما مثل هذا مثل رجل له بنون جماعة كلهم أديب مقدم ومنهم واحد قبيح متخلف، فهو يعرف أمره ويرى مكانه، ولا يشتهي أن يموت، ولهذه العلة وقع مثل هذا في أشعار الناس" وبني على هذا الخبر قوله "ورجل هذا موقفه من شعره ومما يستقبح فيه من الألفاظ من المستبعد أن يعتدي على شعر غيره بالتصرف والتغيير في ألفاظه".
وهذه بعض آراء من تصدوا لأقوال المرزوقي في شرحه، وهناك باحثون أخذوا بأقوال المرزوقي مأخذ التسليم ولم يعرضوها للمناقشة والتمحيص، يأتي في مقدمتهم الشيخ سيد علي المرصفي الذي قال في مقدمة كتابه "أسرار الحماسة": "وقد قالت رواة الأدب إنه في اختياره أحسن منه في أشعاره، إلا أنه سامحه الله كثيرًا ما كان يعتمد على ذوقه فأحيانًا يقدم ويؤخر في أبياته، وأحيانًا يبدل بعض كلمات العرب بكلماته".
وهذا كلام لا يحتاج إلى تعليق لأن ما قلناه في السابق يدحضه وينفيه، هذا فضلًا عما في هذه العبارات من تعميم في الحكم يحتاج إلى بينة تؤكد لنا صدق هذه الدعوى حتى نطلب من الله تعالى أن يسامح أبا تمام عليها.
وبعد المرصفي جاء الدكتور ناصر الدين الأسد فنفى كتاب الحماسة من مصادر الشعر الجاهلي، معتمدًا في ذلك على أمرين أحدهما يؤخذ من قوله: "إن الحماسة ليست لها رواية انتقلت بها إلى أبي تمام ولا رواية أخذت بها عن أبي تمام، وإنما
стр. 45
أخذها أبو تمام من الكتب وانتقاها من الدواوين والمجاميع ... ثم كتب أبو تمام ما اختاره وبقي كتابه دهرًا مطويًا لم يقرأه عليه أحد، كلما لم يقرأه هو على أحد إلى أن أتيح له أن ينشر ويظهر بعد وفاة أبي تمام، فأخذ ما فيه من الصحف المكتوبة نفسها لا عن العلماء".
والأمر الآخر يؤخذ من قوله: "وليس فقدان الرواية والإسناد هو الأمر الوحيد الذي يباعد بين الحماسة وبين بحثنا هذا بل إن ثم شيئًا آخر لا يقل عن سابقه، يباعد بين هذا الكتاب وبحثنا، وهو صنيع أبي تمام فيما اختاره من تغيير للنص الشعري مما أوضحه المرزوقي في مقدمته".
فأما الأمر الأول فقد سبق أن ناقشناه في أول هذا الفصل، وأكدنا فيه أن الحماسة بجانب النسخة التي تركت في بيت آل سلمة بهمذان قد أخذها العلماء عن أبي تمام من طريقين أحدهما أبو رياش عن أبي المطرف الأنطاكي عن أبي تمام، والآخر الآمدي عن أبي المطرف عن أبي تمام، وأما الحماسة ليست لها رواية انتقلت بها إلى أبي تمام صحيح لأن أبا تمام هو الذي اختارها، ولكن السؤال من أين اختارها؟ أليست من الكتب والدواوين والمجاميع التي وصل إلينا بعضها، وعده الدكتور ناصر الدين الأسد من صميم مصادر الشعر الجاهلي. وإذا كان الأمر علماء اللغة من الاستشهاد بما جاء في الحماسة من شعر يمثل عصر الفصاحة، وأين نذهب بقول الزمخشري الذي أورده صاحب الخزانة، وقد جاء فيه عن أبي تمام "وهو وإن كان محدثًا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته واتقانه".
ونحن مع قولنا بأن اتقان الرواية لا يستلزم اتقان الدراية حتى نحتج بكلام أبي
стр. 46
تمام في مجال اللغة، فإن الذي يهمنا من النص هو أن العلماء كانوا مطمئنين لما رواه أبو تمام في الحماسة واثقين منه كل الوثوق، وهم لم يفعلوا ذلك إلا لأنهم ادركوا أن أبا تمام إذا كان قد أخذ اختياره من كتب ودواوين موثوق بها، فإن هذه الثقة تنسحب على ما اختاره منها، ولهذا لا مكان للقول بأن الحماسة ليست لها رواية انتقلت بها إلى أبي تمام.
وأما الأمر الثاني فهو يدعو إلى الدهشة حقًا وبخاصة حين يصدر من باحث جعل همه الأول في بحثه ألا يأخذ قولًا في التوثيق دون مناقشة. ولقد قام في هذا السبيل بجهود طيبة تشهد له المواضع المتعددة في بحثه القيم، ونحن قد نجد له العذر فيما ذهب إليه في الأمر الأول، لأنه لم يقف على المصادر التي دلت على أن الحماسة قد أخذت عن أبي تمام قراءة أو رواية، فجل هذه المصادر مخطوط ولم يكن معروفًا في الزمن الذي أخرج فيه بحثه عام ١٩٥٦ م. ولكن لا عذر له أن يأخذ قول المرزوقي مأخذ التسليم دون مناقشة يصل فيها إلى بينة من الأمر، ودون أن يكلف نفسه مصاهاة ما ورد في الحماسة بما جاء في الكتب التي عدها من مصادر الشعر الجاهلي كالمفضليات والأصمعيات، ولعمري لو فعل ذلك لما قال ما قال ولوضع الحماسة في الموضع الذي وضعه فيها علماء اللغة.
ونحن ليس تحت ايدينا كل الدواوين التي رآها المرزوقي وذهب إلى أنها مخالفة في ألفاظها عما أورده أبو تمام في الحماسة، ولكننا نستطيع أن نعرض بعض النماذج للنصوص التي وردت في الحماسة ورواها كل من المفضل الضبي والأصعمي، لنرى إلى أي حد كان الاختلاف بين رواية الحماسة، ورواية المفضليات والأصمعيات، ولنأخذ لذلك أمثلة أربعة أولها حماسية عبد الله بن عنمة التي وردت في شرح المرزوقي رقم (١٩٠) ورواها المفضل كما رواها الأصمعي، وهي في الروايات الثلاث ستة أبيات جاء في مطلعها:
ما إن ترى السيد زيدًا في نفوسهم كما تراه بنوكوز ومرهوب
فحين نعارض رواية الحماسة برواية المفضل والأصعمي لا نجد اختلافًا في الألفاظ
стр. 47
إلا في البيت الثالث الذي رواه المفضل والأصمعي على هذا النحو:
فإن أبيتم فإنا معشر صبر لا نطعم الذل إن السم مشروب
وروى في الحماسة "لا نطعم الخسف"، ولا أظن أن في لفظة "الذل" من البشاعة والعوار ما يستحق التغيير من أبي تمام، وإنما هي الرواية لا غير.
وثمة اختلاف آخر هو أن البيت الخامس في رواية المفضل والأصمعي جاء سادسًا في رواية المرزوقي والتبريزي، وأغلب ظني إن اختلاف الترتيب هذا نتج عن اختلاف نسخ الحماسة ولا شأن لأبي تمام به، بدليل أن هذا البيت جاء آخرًا في رواية المرزوقي والتبريزي ولا وجود في رواية شرح زيد بن علي الفارسي، فالقطعة عنده خمسة أبيات لا ستة.
كذلك يمكن أن نعارض رواية الحماسة برواية الأصمعي في قصيدة عبد الله بن عنمة التي رثى فيها بسطام بن قيس، والتي يقول في مطلعها:
لأم الأرض ويل ما أجنت غداة أضر بالحسن السبيل
وهي تبلغ في رواية الأصمعي أحد عشر بيتًا اختار منها أبو تمام ثمانية أبيات هي في رواية المرزوقي والتبريزي على الترتيب من البيت الأول إلى الثامن في الأصمعيات والاختلاف في ألفاظ الروايتين الحماسة والأصمعيات لم يرد إلا في بيتين فقط، أما بقية الألفاظ فقد جاءت مطابقة في الروايتين معًا. أما البيتان اللذان وقع فيهما اختلاف فهما البيت الرابع والبيت السابع، ففي البيت الرابع جاءت رواية الأصمعي:
حقيبة رحله بدن وسرج تعارضه مرببة ذؤول
وجاءت رواية الحماسة "دؤول" بالدال غير المعجمة وقيل في معنى
стр. 48
"الذؤول" من الذألان وهو مشي سريع فيه خفة، وقال شراح الحماسة في معنى "الدؤول" من الدألان وهو ضرب من العدو، وفي القاموس المحيط "دأل كمنع دألا، ويحرك كجمزى وهو مشية فيها ضعف أو عدو متقارب أو مشي نشيط، وذأل كمنع ذألانا أسرع أو مشى في خفة".
وواضح أن الاختلاف هنا من فعل الوراية، لا من أبي تمام، ومن ضعف الرأي أن يقال إن أبا تمام أبدل الذال دالًا ليزيل عوار اللفظة إذ اللفظتان على حد سواء في الشناعة أو عدمها.
أما البيت السابع فقد ورد في رواية الأصمعيات هكذا:
لقد ضمنت بنو بدر بن عمر ولا يُوفي ببسطام قبيل
ورد في الحماسة "أفاتته بنور بدر بن عمرو" وما يقال في هذا الاختلاف هو ما قيل في "ذؤول" و "دؤول" هذا فضلًا عن أن المرزوقي نفسه قال في شرح الشطر الثاني من البيت: "وقوله: ولا يوفي ببسطام قبيل" بالباء يروي ... وهذه الرواية أقرب إلى ما يدل عليه صدر البيت وأشبه".
وفي قصيدة عروة بن الورد التي رواها الأصمعي والتي مطلعها:
أقلي علي اللوم يا ابنة منذر ونامي فإن لم تشتهي النوم فاسهري
نجد أن الأصمعي قد بلغ في روايتها سبعة وعشرين بيتًا، واختلفت روايات الشراح فيما اختاره أبو تمام منها، فالمختار منها في رواية المرزوقي سبعة أبيات، وفي رواية التبريزي ثمانية أبيات، وفي رواية زيد بن علي تسعة أبيات. ولقد سبق أن أوضحنا أن الاختلاف في عدد أبيات القطعة الواحدة في شروح الحماسة مرده إلى اختلاف نسخ الحماسة التي اعتمد عليها الشراح في شروحهم.
وحين عارضنا روايات هذه الشروح برواية الأصمعي وجدنا اختلافًا في الألفاظ
стр. 49
وقع في ثلاثة مواضع فقط، أحدها في مطلع القطعة من اختيار الحماسة وقد جاء هكذا:
لحا الله صعلوكًا إذا جن ليله مصافي المشاش آلفًا كل مجزر
وجاء في الأصمعيات " مضى في المشاش". وثانيها في البيت الرابع في رواية زيد ابن علي وهو:
قليل التماس الزاد إلا تعلة إذا هو أضحى كالعريش المجور
رواه الأصمعي "قليل التماس المال إلا لنفسه".
والموضع الثالث جاء في البيت الرابع في رواية المرزوقي، الخامس في رواية التبريزي، السادس في رواية زيد بن علي، وهو في الشروح الثلاثة هكذا:
ولكن صعلوكًا صفيحة وجهه كضوء شهاب القابس المتنور
ورواه الأصمعي "ولله صعلوك".
ولا شك أن الألفاظ في رواية الأصمعي لبست من المستكره المستثقل حتى يقال إن أبا تمام عرضها على ذوقه بالتغيير.
ويمكن أن تلمس ذلك في حماسية سلمى بن ربيعة التي نسبها الأصمعي إلى علباء ابن أرقم، فهي قد وردت في الأصمعيات أحد عشر بيتًا، ووردت كذلك في الحماسة، وهذا الأبيات الأحد عشر وقع اختلاف بين الروايتين في ثلاثة مواضع منها، في البيت الثاني وقد جاءت رواية الأصمعي فيه هكذا:
وكأنما في العين حب قرنفل أو نسبل كحلت به فانهلت
وجاء في رواية الحماسة "وكأن في العينين حب قرنفل"، وفي البيت الخامس الذي روي في الأصمعيات:
стр. 50
يومًا إذا ما النائبات طرقننا أكفى بمعضلة وإن هي جلت
وروى في الحماسة "رجلًا إذا ما النائبات".
وفي البيت الثامن وقد ورد عند الأصمعي:
درت بأرزاق العفاة مغالق بيدي من قمع العشار الجلة
وورد في الحماسة "دارت بأرزاق العفاة".
والذي ينظر في هذه الاختلافات لا يجد فيها عطورًا في الألفاظ التي رواها الأصمعي حتى يغيرها أبو تمام، كما ينبغي أن نؤكد أن هذه الاختلافات التي عرضناها من خلال هذه النماذج الأربعة كانت طفيفة جدًا لا تقاس بالأبيات التي حدث فيها توافق في الألفاظ.
أن الاختلاف في لفظة أو لفظتين أو ثلاث في قطعة تبلغ ستة أبيات، كما في النموذج الأول أو ثمانية أبيات كما في النموذج الثاني، أو تسعة أبيات كما في النموذج الثالث، أو أحد عشر بيتًا كما في النموذج الرابع لا يستلزم القول بأن تغييرًا قد وقع عن عمد من صاحب الرواية ذات التغيير، إذ لو صح هذا القول لا نطبق على سائر شروحها لدى أبي جعفر النحاس وابن الأنباري الزوزني والتبريزي. ولعل الدارس حين ينظر إلى الاختلافات التي وردت لدى كل من المفضل الضبي وعبد الملك الأصمعي يدرك أنها لم تقع لأن أحدًا منهما أجرى ذوقه بالتغيير في الألفاظ بل لأن كلًا منهما اعتمد على مصادر في روايته تختلف عن الآخر، ونستطيع أن نسوق بعض الأمثلة لهذا.
فقد وقع اختلاف بين روايتيهما في بيت سنان بن أبي حارثة المري، رواه المفضل:
وبضرغد وعلى السديرة حاضر وبذي أمر حريمهم لم يُقسم
стр. 51
ورواه الأصمعي "وبضرغد وعلى السدير وحاضر".
وبيت زبان بن سيار رواه المفضل:
فإن تسألوا عنا فوارس داحس يُنبئك عنها من رواحة عالم
وراه الأصمعي "فوارس دارم".
وبيت معاوية بن مالك رواه المفضلك
فإن أحمد بها نفسي فإني أتيت بها غداتئذ صوابا
ورواه الأصعمي "فإن أحمدتها نفسي فإني".
وهكذا لو تتبعنا رواية كل من المفضل والأصعمي في القصائد التي اتفقا في اختيارها لوجدنا اختلافًا في الألفاظ على هذا النحو الذي أوردناه، وهو اختلاف قد يغير في معنى البيت مثل بيت زبان بن سيار "فإن تسألوا عنا فوارس داحس" في رواية المفضل، و "فوارس دارم" في رواية الأصمعي، لأن فوارس داحس يعني عبس وذبيان، وفوارس دارم يعني دارم بن تميم، وعبس وذبيان من قبائل قيس عيلان، وتميم من قبائل خندف، ولكن هل هذه الاختلافات تجوز لنا أن نتهم أحدًا منهما بأنه قد أحدث تغييرًا في ألفاظ روايته ليزيل ما بها من شناعة أو اسبتكراه.
وبناء على هذا النحو الذي ذكرناه ووفقًا لما أوردناه من اختلافات في الرواية لا في الحماسة فحسب بل في غيرها من مصادر الشعر، نقرر أن التسليم بما قاله ابن العميد وتابعه فيه المرزوقي أمر لا ينبغي أن يقع فيه باحث معاصر، وأن هذه السبيل التي سلكها الدكتور ناصر الدين الأسد في الحكم على حماسة أبي تمام أفضل منها ما ذهب إليه الدكتور شوقي ضيف حين ذكر الحماسة ضمن مصادر الدراسة في الشعر
стр. 52
الجاهلي، ولكنه قيد ذلك بالمضاهاة مع المصادر الموثوقة كالمفضليات والأصمعيات وهو قول مع أفضليته بالنسبة لما ذهب إليه الدكتور ناصر الدين الأسد فإن فيه نظرًا لأن الكتب الموثقة يبن أيدينا قليلة جدًا، وأبو تمام إنما اختار الكثرة الكاثرة في حماسته لشعراء مجهولين قل أن نجد لهم ذكرًا أو شعرًا فيما وصل إلينا من كتب موثقة، فهل نضع هذه الأشعار موضع ثقتنا كما وضعها علماء اللغة أو نقف منها موقف المتشكك تبعًا لما أورده المرزوقي من أقوال لم يأت هو بدليل يدعمها ويقويها بل لم يتابعه فيها شارح من شراح الحماسة الذين جاءوا بعده سوى المرصفي الذي يتبع في الدرس الأدبي منهجًا يقوم على التسليم بما قاله القدماء حتى وإن انفرد به واحد منهم.
стр. 53
الفصل الثاني: في شرح الشعر وتطوره حتى ظهور شروح الحماسة
١ - في شرح الشعر وتطوره
منذ أن وجد الشعر العربي كانت الحاجة إلى فهم ما استغلق منه، غير أن هذه الحاجة تختلف من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى بيئة ففي العصر الأول عصر ما قبل الإسلام لم تكن الحاجة ملحة إلى شرح ما غمض من الشعر، بل لم تكن القبائل ترى فيما يقوله شعراؤها غامضًا، ذلك لأن الشاعر كان يعيش بين قومه، يشاركهم بيئة واحدة، ولغة واحدة، وثقافة واحدة، كما كانوا يعيشون معه الظروف الاجتماعية والنفسية التي تدفعه إلى قول الشعر، فإذا قال شعرًا لم يكن هناك حجاب زمني أو مكاني يستر عنهم ما يرمي إليه في هذا الشعر من غرض ومعنى، أو ما يطل عليهم فيه من إيحاء ومبنى، ومن ثم ندر أن يحتاج الشاعر بينهم إلى شرح شعره، ومن هذا النادر ما روي عن العجاج أن عمة جده رأت امرأ القيس وهو يشرب طلاء له مع علقمة بن عبدة فسألته عن معنى استغلق عليها في قوله: "كرك لأمين على نابل" من بيته:
نطعنهم سُلكي ومهلوجة كرك لأمين على نابل
فأجاب: "مررت بنابل وصاحبه يناوله الريش لؤامًا وظهارًا، فما رأيت اسرع منه ولا أحسن فشبهت به".
стр. 54
ومن ذلك أيضًا ما أورده ابن قتيبة عن الرياش عن رواته أن عبيدًا رواية الأعشى سأل الأعشي عن معنى استغلق عليه في قصيدته "رحلت سمية غدوة اجمالها" وهو قوله:
ومُدامة مما تعتق بابل كدم الذبيح سلبتها جريالها
فأجابه: "شربتها حمراء وبلتها بيضاء".
والأمثلة في الحاجة إلى شرح الشعر تعد ضئيلة في عصر ما قبل الإسلام، ذلك لأن الناس لم يكونوا في عوز من ذلك، بل إن النساء في هذا العصر - ناهيك عن الرجال - كن يفهمن الشعر ويدلين فيه برأي، فابن قتيبة يحدثنا عن أن امرأ القيس وعلقمة بن عبدة احتكما إلى أم جندب زوج امرئ القيس فقالت لهما: قولا شعرًا تصفان فيه الخيل على روي واحد وقافية واحدة فقال امرؤ القيس:
خليلي مُرا بي على أم جُندب لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
وقال علقمة:
ذهبت من الهجران في كل مذهب ولم يك حقًا كل هذا التجنب
ثم أنشداها جميعًا فقالت لامرئ القيس: علقمة أشعر منك، قال: وكيف ذاك؟ قالت: لأنك قلت:
فللسوط ألهوب وللساق درة وللزجر منه وقع أخرج مُهذب
فجهدت فرسط بسطوتك ومريته بساقك وقال علقمة:
فأدركهن ثانيًا من عنانه ير كمر الرائح المُتحلب
стр. 55
فأدرك طريدته وهو ثان من عنان فرسه، لم يضر بسوط ولا مراه بساق ولا زجره.
هكذا كان الحال في شرح الشعر، يتمثل في شرح كلمة أو صورة طريفة أبدع فيها الشاعر فأتى بجديد غير مألوف. فلما جاء الإسلام كانت الحاجة إلى شرح الشعر مثل سابقتها لم تتجاوز في مطلبها سوى تفسير كلمة أو وقوف على خبر يتصل بالشعر ذاته أو قائله، ومن ذلك ما روي عن - النبي ﷺ أنه سمع في يوم بدر عدي بن أبي الزعباء وهو يرتجز:
أنا عدي والسحل أمشي بها مشي الفحل
فلما انجلت الغزوة بانتصار المسلمين ناداه الرسول الكريم وسأله "وما السحل؟ " قال: الدرع، فقال ﷺ : "نعم العدي عدي أبي الزغباء".
غير أننا يجب أن نسجل هنا أنه منذ أن اكتمل نزول القرآن الكريم والتحام المسلمين به عربًا وغير عرب، احتاج إلى معرفة معاني آياته وتبيان ألفاظه ودلالاتها، وكان في هذا الاحتياج مؤشر ضخم للعناية بالشعر والإفادة منه في تفسير
стр. 56
لغة القرآن ومعانيه، وهذا واضح من قول رأس المفسرين عبد الله بن عباس ﵄ الذي جاء فيه: "إذا قرأتم شيئًا من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب، فإن الشعر ديوان العرب"، وكان ﵁ عارفًا بالشعر وما يتصل به من أخبار يفسره في دقة متناهية وإحاطة تامة، سأله أعرابي ذات يوم عن ذي الحلم الوارد في بيت المتلمس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وما علم الإنسان إلا ليعلما
فأجابه: " ذاك عمرو بن حممة الدوسي، قضى على العرب ثلاثمائة سنة فكبر فألزموه السابع من ولده، فكان معه، فكان الشيخ إذا غفل كانت بينه وبينه أن تقرع العصا حتى يعاوده عقله، وذلك قول المتلمس اليشكري من بكر بن وائل: "لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا".
وصحبت هذه العناية الناتجة عن الحاجة إلى فهم القرآن عناية أخرى من القبائل بعد الفتوحات واستقرار بعضها في الأمصار الجديدة، قال ابن سلام: "فلما راجعت العرب رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار فقالوا على ألسن شعرائهم".
ولا يهمنا هنا ما أثاره ابن سلام من قضية تتصل بوضع الشعر ونحله، ولكن الذي يهمنا أن حركة مراجعة للشعر قد قامت من هذه العشائر، وأنه من الطبيعي أن تصحب هذه المراجعة حركة لشرح الوقائع التي قيل فيها الشعر والأخبار التي تتصل به والشخصيات التي تدور حوله، بل وشرح ألفاظ لغته ومعانيه.
ومما لا شك فيه أنه كان في هذه القبائل رجال عالمون بالشعر، مدركون لمعانيه، حافظون لأخباره والوقائع التي قيل فيها، فهذا شيخ رواة البصرة أبو عمرو ابن العلاء يقول عن بيت امرئ القيس الذي مر بنا في موضع سابق:
стр. 57
نطعنهم سلكى ومحلوجة كرك لأمين على نابل
"كنت أسمع منذ ثلاثين عامًا هذا البيت، فلم أجد أحدًا يعلمه حتى رأيت أعرابيًا بالبادية فسألته عنه ففسره لي".
وفي الأغاني يذكر أبو الفرج أن عبد الملك بن مروان لما دخل الكوفة بعد مقتل مصعب بن الزبير جليس لعرض أحياء القبائل، فلما أقبل عليه وفد جديلة التي تعد عدوان بطنًا منها سأل معبد بن خالد الجدلي عن ذي الاصبع العدواني فأجابه بحديث واف عنه وعن أشعاره فأعجب عبد الملك بإلمامه وعنايته بأخبار قومه، فزاد في عطائه".
وبجانب هاتين العنايتين لشرح الشعر اللتين لم تكونا مقصودتين لذاتهما نشأت حركة للشرح في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي، وذلك حين بدأ عصر تسجيل الشعر على أيدي علماء تخصصوا في جمع الشعر وتدوينه، كانوا من رواد مدرستي البصرة والكوفة، يأتي على رأسهم في البصرة أبو عمرو بن العلاء المتوفي سنة ١٥٤ هـ، وأبو الخطاب الأخفش المتوفى سنة ١٧٧ هـ، وخلف الأحمر المتوفى سنة ١٨٠ هـ، ويونس بن حبيب المتوفى سنة ١٨٢ هـ. وعلى رأسهم في الكوفة حماد الرواية، المتوفى سنة ١٥١ هـ، والمفضل الضبي المتوفى سنة ١٧١ هـ.
وصحيح أن رواية الشعر وتدوينه كانت الغاية لدى هؤلاء العلماء، ولم يكن شرح الشعر من غايتهم، غير أن من المؤكد أن رواية الشعر قد ارتبطت بشرحه، ذلك لأن شرح الشعر كان جزءًا من الرواية مفسرًا ومكملًا. وهذا ما أكده الدكتور أحمد جمال العمري حين أشار إلى أن صلة الشعر برواته لم تنقطع، وكذلك صلة
стр. 58
الشعر بشراحه لم تنقطع أيضًا ثم قال: "كان الشرح في بدايته جزءًا لا يتجزأ من عصب الرواية فلم يكن حتى هذا العهد - عهد هؤلاء العلماء الأوائل - قد استقل فن الشرح ووضحت سماته، وأصبح علمًا قائمًا لذاته له مقوماته خصائصه الفنية والعلمية، وإنما كان الشرح غير مقصود لذاته بل يأتي عرضًا، تأييدًا لرواية، وتسجيلًا لحدث وتوضيحًا لغرض، وتفسيرًا للفظ وكل ذلك في نطاق الرواية الأدبية الخالصة، وكأن هذا الشرح من صميمها وجزء متمم لها لا تستقيم إلا به".
ولكن إن كان الشرح غير مقصود لذاته لدى هؤلاء العلماء فإنه بحق قد خطا على أيديهم خطوة أدت إلى توسع في عناصره، فقد رأيناه قبل الإسلام وبعده يقف عند تفسير الألفاظ أو توضيح صورة من صوره، أو إيراد خبر يتصل به، فهو عند هؤلاء لم يقف عند الألفاظ، وإنما تجاوز ذلك إلى مجمل المعنى للبيت، كما برز فيه ذكر مناسبات الشعر التاريخية وأخبار أصحابه، بل تجاوز ذلك كله إلى البحث في عيوبه والحكم على الشعراء والمفاضلة بينهم.
والأمثلة على جميع ذلك كثيرة متعددة، ففي تفسير معنى البيت وإيراد مجمل معناه نجد أبا عمرو بن العلاء يقول في بيتي الحارث بن حلزة:
إن إخواننا الأراقم يغلو ن علينا وفي قولهم احفاء
زعموا أن كل من ضرب العيـ ر موال لنا وأنا الولاء
"إن اخواننا يضيفون إلينا أذنب من اذنب إليهم ممن نزل الصحراء وضرب عيرًا، ويجعلونهم موالي لنا". كما نجد المفضل الضبي يقول في بيت شداد بن معاوية العبسي:
قتلت شراتكم وحسلت منهم حسيلًا مثل ما حُسل الوبار
"الحسيل الرديء، يقول: أنفيت شراركم وقتلت خياركم وأبقيت رذالكم"،
стр. 59
ويقول في بيت شييم بن خويلد الفزاري:
إني وحصنا كذي الأنف المقول له ما منك أنفكن ان اغضضته الجلبا
"أي لا أستغني أنا عن حصن كما لا يستغني عن الأنف".
وفي مناسبات الشعر وأخبار الشعراء المتصلة به نجد أمثلة مختلفة في كتاب أمثال العرب للمفضل الضبي، فمن ذلك ما رواه من خبر أبيات لقيط بن زرارة الدالية قال: "كان بين لقيط بن زرارة وبين رجل من أهل بيته يقال له: زيد بن مالك ملاحاة، فعيره زيد بتركه النكاح وقال: إن أكفاء أهل بيتك يرغبون عنك، ومن غيرهم من العرب عنك أرغب، فلما زوجه قبس قال:
ألم يأت زيدًا حيث أصبح أنني تزوجتها احدى النساء المواجد
عقيلة شيخ لم يكن لينالها سوى عُدسي من زرارة ماجد
إذا اتصلت يومًا بنسبتها انتهت إلى آل مسعود بن قيس بن خالد
كذلك نجد هؤلاء العلماء يخوضون في تقويم الشعر ويحاولون إبراز أنواع عيوبه، ويفاضلون بين الشعراء، وأحيانًا بين القصائد، فابن سلام يذكر قول يونس أن "عيوب الشعر أربعة: الزحاف والسناد والإيطاء والإكفاء وهو الاقواء، والزحاف أهونها، وهو أن ينقص الجزء من سائر الأجزاء فينكره السامع، ويثقل على اللسان، وهو في ذلك جائز والأجزاء مختلفة، فمنها ما نقصانه أخف، ومنها ما نقصانه أشبع".
وابن قتيبة يذكر لنا قول أبي عمرو بن العلاء في نابغة بني ذبيان وبشر بن أبي خازم الأسدي، وقد جاء فيه: "فحلان من الشعراء كانا يقويان، النابغة وبشر بن أبي خازم، فأما النابغة فدخل يثرب فغني بشعره ففطن فلم يعد للاقواء، وأما بشر
стр. 60
فقال له أخوه سوادة: إنك تقوي، قال: ومال الاقواء؟ قال قولك:
ألم تر أن طول الدهر يُسلي ويُنسى مثل ما نسيت جذام
ثم قلت:
وكانوا قومنا فبغوا علينا فسقناهم إلى البلد الشام
فلم يعد للاقواء".
وأما الحكم على الشعراء والمفاضلة بينهم أو بين قصائدهم فقد ضمت المصادر الكثير من آرائهم في هذا الشأن، فأبو عمرو بن العلاء كان يرى في شعر الأعشي العلو والانحدار، ولذا قال عنه: "مثله مثل البازي يضرب كبير الطير وصغيره" ويرى أن نظيره في الإسلام جرير، ونظير النابغة الأخطل، ونظير زهير الفرزدق".
ويسأل خلف الأحمر عن أشعر الناس فيقول: "ما ينتهي إلى واحد يجتمع عليه، كما لا يجتمع على أشجع الناس وأخطب الناس وأجمل الناس، ولكنه مع ذلك كان يعجب بالأعشي ويرى أنه "كان أجمعهم". والمفضل ينقل قول الفرزدق ويعتد به وذلك حين يقول: "امرؤ القيس اشعر الناس"، ويذكر ابن سلام أن أبا عمرو بن العلاء كان يفل خداش بن زهير على لبيد بن ربيعة ويقول في ذلك: "هو أشعر في قريحة الشعر من لبيد، وأبى الناس إلا تقدمه لبيد".
وخلف الأحمر الذي وصفه ابن سلام بأنه أفرس الناس ببيت شعر كان يفضل قصيدة مرواه بن أبي حفصة "طرقتك زائرة فحي خيالها" على قصيدة الأعشى "رحلت سمية غدوة أجمالها" وذلك لأن الأعشى قال في قصيدته:
стр. 61
فأصاب حبة قلبها وطحالها
والطحال كما يرى خلف "ما دخل في شيء إلا أفسده".
وهكذا نرى أن هؤلاء الرواة العلماء الأوائل قد حققوا في عنايتهم بجمع الشعر وروايته وتدوينه عناصر مختلفة تتصل بشرح الشعر ونقده، فكان ما حققوه مرتكزًا صلبًا اعتمد عليه تلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم في المضي بشرح الشعر إلى ميدان أرحب ومجال أوسع مما كان عليه في زمن هؤلاء الأوائل.
والحق أن الطبقة الثانية من العلماء من أمثال أبي عبيدة معمر بن المثنى، وعبد الملك الأصمعي، وأبي زيد الأنصاري، وابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني، وكذلك الطبقة الثالثة من أمثال الرياشي ومحمد بن وأبي حاتم السجستاني وابن السكيت والمازني، قد استطاعت أن تخطو بشرح الشعر خطوات بعيدة شملت مختلف عناصره من رواية ولغة ونحو ونقد، ويمكن أن نحدد عملهم في شرح الشعر في الجوانب التالية: أولها: أن الدارس يلاحظ اعتمادهم على أعمال شيوخهم، ينقلون آراءهم في الشعر وروايته وتفسيره، فأهل الطبقة الثانية ينقلون ما أخذوه عن أساتذتهم من رجال الطبقة الأولى الوراد، وأهل الطبقة الثالثة ينقلون أعمال شيوخهم من الطبقة الثانية ويزيدون عليه ما أخذه هؤلاء الشيوخ عن الطبقة الأولى، غير أن كلا من رجال الطبقتين الثانية والثالثة كانوا لا يقفون عند حد النقل فقط، بل كانوا يدلون برأيهم في أقوال شيوخهم ويسدون ما فاتهم من نقص، سواء كان ذلك في رواية الشعر أو تفسيره أو نقده، والأمثلة على ذلك كثيرة. ففي مجال الرواية نجد على سبيل المثال أن أبا عمرو بن العلاء كان يروي من قصيدة زهير التي مطلعها "صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله" سبعة وثلاثين بيتًا، فجاء كل من الأصمعي وأبي عبيدة فأضافا إلى روايته سبعة أبيات، والأصمعي أخذ من شيوخه في الرواية أبيات امرئ القيس الأربعة التي يقول في أولها:
стр. 62
ألا إن لا تكن إبل فمعزى كأن قرون جلتها العصي
ورواها حسب رواية الطوسي عنه، ولكنه كان ينكر نسبتها إلى امرئ القيس ويقول: "امرؤ القيس ملك ولا أراه يقول هذا"، وبيت امرئ القيس الذي يقول فيه:
تأوبني دائي القديم فغلسا أحاذر أن يرتد دائي فأنكسا
وهي رواية أبي عمرو، جاء أبو زيد وقال عنها: "هذا تصحيف لأن المتأوب لا يكون مغلسًا في حال واحدة لأن غلس إنما هو أتى في آخر الليل، وتأوب جاء في آخر النهار وإنما هو" فعلسا "أي اشتد وبرح".
هذا في مجال الرواية، أما في مجال تفسير اللغة، فقد رأينا للتلاميذ إضافات على الشيوخ، بل وخلافات لما فسروه، فأبو عمرو بن العلاء فسر لفظة "أخذ" الواردة في بيت طرفة:
وأروع نباض أحذ مُلملم كمرادة صخر في صفيح مُصمد
قال: "الأحذ هو الخفيف" فجاء ابن الأعرابي فقال: "هو الذكي الخفيف".
وكان الأصمعي كثير الاعتداد بشيخة أبي عمرو بن العلاء، يحتج به في الرواية، ويجعل من لغة خطابه مجالًا في الاحتجاج، وذلك في مصل بيت لبيد الوارد في طويلته وروايته الشائعة هي:
تجتاف أصلًا قالصًا متنبذًا بعجوب أنقاء يميل هيامها
نجد الأصمعي يرويه "تجتاف آصل قالص متبدد" ويقول: "سمعت أبا عمرو بن العلاء وقد اشترى غرسًا فقال للذي اشتراه: أريد منك عشرة آصل، يريد جماعة
стр. 63
أصل وآصل كما تقول: حبل وأحبل، ولكنه مع ذلك كان يخالفه في تفسير الشعر حين يرى أنه قد جانب الصواب. ففي بيت أوس بن حجر:
لعمرك ما ضيعتها غير أنها أتتني فواري عرية فالمجلل
كان أبو عمرو بن العلاء قد قال في تفسير عرية بعيدة يقول: جاءت من بعد والمجلل اسم رجل، فجاء الأصمعي وخالفه فقال: عريها ما عري منها لسنة، والمجلل ما ألبس جلًا".
وكما اعتمد علماء الطبقة الثانية على شيوخهم من علماء الطبقة الأولى وأفادوا من علمهم في الرواية وتفسر الشعر، اعتمد علماء الطبقة الثالثة على أساتذتهم من علماء الطبقة الثانية، فابن السكيت وأبو حاتم السجستاني والرياشي كثيرًا ما كانوا يعتمدون على الأصمعي في تفسير اللغة والشعر والرواية، ولكنهم كانوا مثل أساتذتهم يضيفون ويناقشون ويخالفون ما أخذوه عن سابقيهم.
وثاني هذه الجوانب أنه إذا كان علماء الطبقة الثانية ومن بعدهم تلاميذهم قد حققوا في شرح الشعر خطوات واسعة، فإنهم أيضًا قد اتصفوا في هذا الشأن بشيء من التخصص، وذلك لأن كل واحد منهم كانت له اهتمامات خاصة في ناحية من نواحي علم الشعر، فمنهم من كان يميل إلى الغريب ويقصر عليه جل اهتمامه، وذلك مثل الأصمعي، ومنهم من كان يهتم بقضايا النحو ومشكلاته مثل الأخفش، أو من كان يستغرق جهده في الأخبار والأيام والأنساب مثل أبي عبيدة معمر بن المثنى، ولم يكن فيهم من كان يعالج النص معالجة أدبية أو يشرحه شرحًا أدبيًا لأنهم كانوا يجعلون من النص مجالًا لخدمة العلوم المختلفة من لغة ونحو وأخبار وأيا وأنساب، وهذا ما عناه بجلاء أبو عثمان الجاحط المتوفى سنة ٢٥٦ هـ حين قال: "طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يحسن إلا غريبة، فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يحسن إلا إعرابه فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما
стр. 64
اتصل بالأخبار وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك الزيات".
وهذا الكلام الذي قاله الجاحظ وأثنى عليه الصاحب بن عباد فيما بعد يمكن أن نلحظ غايته في كلام جرى بين أحمد بن يحيى البلاذري وابن الأعرابي أحد علماء الطبقة الثانية فقد قال أحمد بن يحيى: "قرأت على ابن الأعرابي شعر الأعشى، فما بلغت قوله:
لا تشكي إلى من ألم النسـ ـع ولا من حفى ولا من كلال
نقب الخف للسرى ...
قال ابن الأعرابي: "نقب الخف للسرى"، فقلتك أصلحك الله إن تضمين بيتين عيب في الشعر شديد أفيضمن الأعشى مع حذفه وتقدمه ثلاثة أبيات فيقول:
لا تشتكي إلى من ألم النسـ ع ولا من حفى ولا من كلال
نفب الخف للسر وترى الأنسـ ـاع من كل ساعة وارتحال
أثرت في جناجن كإران الـ ميت عولين فوق عوج طوال
فقال ابن الأعرابي، أنت شاعر، فقلت: شاعر كاتب، فقال: منهما علمت، اروه كما رويت نقب الخف".
وفي إدراكنا أن في هذا النص وما سبق من كلام الجاحظ ما يدل على قيام جماعة من الأدباء باتجاه مغاير في شرح الشعر لما سار عليه علماء الطبقة الأولى والثانية وتلاميذهم، وهو اتجاه يمكن أن نسميه بالشرح الأدبي الذي يعالج المعاني ومقاصد الشاعر فيها، ويجعل جل هم في هذا المدار لا يتجاوزه إلى اللغة وما فيها من اشتقاقات أو النحو وما يثار فيه من مشكلات، ولعل أوضح مثل لذلك ما نجده عند
стр. 65
أبي أحمد العسكري، وهو أديب كاتب، في شرحه لبتي نابغة بني ذبيان في قصيدته المسماة بالمتجردة وهما:
تجلو بقادمتي حمامة أيكة بردًا أسف لثاته بالإثمد
كالأقحوان غداة غب سمائه جفت أعاليه وأسفله ند
فقد قال: أراد تجلو بشفتيها إذا تكلمت أو ضحكت، وشبه شفتيها بقادمتي حمامة لرقتها و"أسف لثاته بالاثمد" كانوا يجعلون الكحل في أصول الأسنان ليشرق السواد مع البياض، وكان ذلك مما يستحسنونه، ولا سيما إذا كانت اللثة بيضاء غير حمراء، فكرهوا أن تكون اللثة بيضاء كالأسنان فغيروها بذلك، ثم قال "كالأقحوان" رجع إلى وصف الثغر، فوصفه بالأقحوان لبياض نوره وطيبه "جفت أعاليه وأسفله ند" شبهه بالأقحوان في هذه الحال، وذلك أن الأقحوان إذا كان في غب مطر، ولم تطلع عليه الشمس، فهو ملتف مجتمع غير منبسط، وكذلك كل الأنوار يكره أن يشبه الثغر به في هذه الحال، فيكون كالمتراكب بعضه على بعض، فشبهه بالأقحوان إذا أصابته الشمس فقال: "جفت أعاليه" يريد انبسطت وذهب تجعدها، وقال: "وأسفله ند" فاحترز من أن يكون جف وذوي كله".
فواضح من هذا الشرح أن صاحبه يجعل ابراز المعاني همه ويبين مقصد الشاعر في كل معنى صاغه، وينظر إلى الواقع الذي عاشه الشاعر، وصوره كما رآه، وهو بهذا شرح يعد أدبيًا بحتًا، يبعد عن الإغراق في اللغة وجزئياتها والنحو وقضاياه.
وثالث هذه الجوانب في شرح الشعر وتطوره أنه كان قد بدأ عند علماء الطبقة الأولى والثانية وتلاميذهم ذا مقصد تثقيفي، ثم تحول عند الاجيال التي تلت هؤلاء وقبيل بدء شروح الحماسة من مقصده هذا إلى مقصد تعليمي، وبذلك توسعت دائرته كثيرًا فأصبح يدل على شيء غير قليل من التعمق في دراسة اللغة وتحليلها تحليلًا يشمل جميع أجزائها، مع مناقشة معانيها المختلفة في تعابيرها المختلفة، وكذلك دراسة مستقصية للنحو ومشكلاته، وطرح آراء العلماء فيه ومناقشتها من خلال
стр. 66
النظرة المذهبية التي تتحكم في مسار الشارح. هذا فضلًا عن شرحهم للمعاني وما فيها من تأويلات قال بها من سبقهم من العلماء أو تأويلات مبتدعة اجتهدوا فيها، محاولين في كل ذلك أن يدعموا ما يرونه في المعاني وتأويلاتها بالقرآن الكريم أو الحديث الشريف أو المثل السائر أو الشعر الموروث، ومن ثم بدأنا نرى أن شرح البيت الواحد قد صار يضم مادة وفيرة من العلم في فروعه المختلفة.
هذه الجوانب الثلاثة هي أهم ما يخرج به الباحث في تتبعه لشرح الشعر وتطوره عند العلماء الأوائل ومن جاء بعدهم، ولا شك أن شروح الحماسة عندما ظهرت إلى الوجود كانت متأثرة بجميع ما طرأ على شرح الشعر بعامة لأن هؤلاء الشراح الذين تصدوا لشرح متن حماسة أبي تمام لم يكونوا بمعزل عن حركة شرح الشعر وتطوره، فكما كانت أجيال العلماء التي توالت بعد الجيل الأول جيل أبي عمرو بن العلاء وحماد الرواية تتأثر بأساتذتها وتنقل آراءهم وتضيف إليها ما يتحقق باجتهادها، كان شراح حماسة أبي تمام متأثرين بما سمعوه من شيوخهم في دروس النحو واللغة والرواية والنقد، ينقلون أقوالهم وأقوال سابقيهم في تسليم حينًا ومناقشة أحيانًا أخرى، وسوف نرى من خلال الفصول التالية كيف أن هؤلاء الذين تصدوا لشرح حماسة أبي تمام قد شغلوا حيزًا غير قليل من شروحهم بآراء السابقين من أمثال الأصمعي وأبي عبيدة وابن الأعرابي والأخفش والرياشي والمازني وغيرهم من علماء الطبقة الثانية والثالثة.
كذلك يمكن أن نلحظ أن الشراح الحماسة قد كانوا مثل الشيوخ السابقين حيث انصب اهتمام بعضهم في ناحية من النواحي التي تشكل عناصر شرح الشعر، فمنهم من اهتم بالغريب ومناقشته كأبي العلاء المعري، ومنهم من قصر جهده على النحو وعويصاته كأبي الفتح ابن جني، ومنهم من وقف عند الأخبار كأبي رياش، ومنهم من توخي المعاني لا يتجاوزها كأبي عبد الله النمري، ثم كان منهم من حاول أن يجمع بين هذه العناصر جميعًا في تفاوت واضح مثل أبي علي المرزوقي.
ومن الملاحظ أيضًا أن هؤلاء الشراح الذين تصدوا لشرح الحماسة قد ساروا في طريق التحول الذي رأيناه عند شراح الشعر بعامة، وهو التحول الذي لاحظناه في
стр. 67
نقل شرح الشعر من مقصده التثقيفي إلى مقصده التعليمي، ومن ثم كانت مناهج شراح الحماسة في جملتها مناهج تعليمية تشمل دروس النحو واللغة والبلاغة والنقد والأخبار والأيام والأنساب، على تفاوت في جميع ذلك، وهو تفاوت ينجم في المقام الأول عند مقدرة الشارح وحذقه في عنصر من هذه العناصر.
وفوق ما وضحناه يمكن القول بأن الثقافة المكونة لشرح الشعر وفهمه ونقده حين بدأت شروح الحماسة قد توسعت كثيرًا، ففي النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وهو الزمن الذي نرجحه لبدء شروح الحماسة كانت أعمال العلماء قد تعددت عبر أجيال عدة، وهي أعمال شملت الكثير من علوم العربية من لغة ونحو وبلاغة ورواية وأخبار تاريخية، وكان من الطبيعي أن تسهم هذه الأعمال المتشبعة في علو ثقافة هؤلاء الشراح وارتقائها، كما أن هذه الثقافة ظلت تنمو وتتطور في خلال تواتر شروح الحماسة، وتتابعها عبر القرون الرابع والخامس والسادس، وقد أعان هذا على التطور الملحوظ الذي برز بجلاء عند بعض هؤلاء الشراح.
تلك هي حركة شرح الشعر وتطوره حتى ظهور شروح حماسة ابي تمام، حاولنا أن نعرض لها في إيجاز وتركيز ممهدين بذلك لما نعقده من فصول تمثل صلب هذا البحث وموضوعه، متوخين من ذلك أن نؤكد أن شروح الحماسة تعد جزءًا من شرح الشعر عامة، فهي صورة منه، وممثلة له، بل إن جل الذين تصدوا لشرح ديوان الحماسة لم يكتفوا بما شرحوه منها، وإنما أسهموا إسهامات طيبة في شرح كثير من الدواوين والمختارات سواء في ذلك دواوين شعر الجاهلية والإسلام ومختاراتهما أو دواوين الشعر في العصور التي تلتهما.
ولما كان عملنا مقصورًا على شروح الحماسة إلى نهاية القرن السادس الهجري، فإن هذا يقتضي أن نعطي صورة عامة عن هذه الشروح منذ أن بدأت وإلى عصرنا هذا الحديث، حتى نقف على مدى الجهود التي بذلت من قبل العلماء في خدمة هذا الاختيار الفذ الذي خلفه أبو تمام. كما ينبغي أن نوضح ما يتصل بعملنا من هذه الشروح، وهذا بطبيعة الحال لا يتضح إلا من خلال ثبت نقدمه لهذه الشروح، وذلك على النحو التالي:
стр. 68
٢ - في ثبت شروح الحماسة وما يتصل بدراستنا منها.
ما أن وقف العلماء على حماسة أبي تمام حتى أدركوا قيمة ما اختاره من أشعار العرب فيها، ومن ثم بدأت رحلة شروحها منذ ذلك العهد وحتى عصرنا هذا الحديث.
وليس تحت أيدينا ما يدل على سنة معينة لبدء هذه الرحلة، ولا أول شارح كان له فضل السبق بشرف الاضطلاع بتفسير معاني الحماسة، ذلك لأن أول عالم بلغنا خبره في صناعة شرح للحماسة هو أبو محمد القاسم بن محمد الديمرتي المتوفى سنة ٢٨٧ هـ. غير أني وجدت في مقدمة مختصر "معاني أبيات الحماسة" لأبي عبد الله الحسين بن علي النمري المتوفى سنة ٣٨٥ هـ ما نصه: "ونظرت في الكتاب المعروف بالعارض في الحماسة المنسوب إلى الديمرتي، وهو كتاب شرط فيه تفسير ما يعرض من لفظ ومعنى، فخبط خبط عشواء فيها متبعًا ومبتدعًا، وقد ذكرت طرفًا من خطئه وصوابه"، فقوله: "متبعًا" يدل على أن هناك من سبق الديمرتي في شرح الحماسة ولكن لم يصل إلينا خبر عنه، وعلى هذا فإن أقدم من وصل إلينا أنه شرح الحماسة هو القاسم الديمرتي، وهذا بخلاف ما ذكره البغدادي في خزانة الأدب أن أول من شرح الحماسة هو أبو عبد الله النمري، وكذلك بخلاف ما تصوره عبد السلام هارون وعبد الله عبد الرحيم عسيلان أن أول شارح لها هو أبو رياش أحمد بن إبراهيم أستاذ النمري المتوفى سنة ٣٣٩ هـ.
وكان كل من عبد السلام هارون وعبد الله عسيلان قد أوردا ثبتًا لشروح الحماسة، وضعنا في مقدمته شرحن أبي رياش، غير أننا - والأمر كما أوضحت نضع شرح الديمرتي في مقدمة هذه الشروح باعتباره أقدم شرح وصل إلينا خبره، مع غلبة ظننا التي تذهب إلى أن هناك من سبقه في هذا الشأن.
стр. 69
ولقد اعتمد عبد السلام هارون في ثبته الذي أورده على ما أورده صاحب كشف الظنون من شروح للحماسة وأضاف إليه ما وقف عليه من شروح لم ترد في كشف الظنون وكذلك فعل عبد الله عسيلان حيث اعتمد فيما أورده على ثبت عبد السلام هارون في مقدمة شرح المرزوقي، وأضاف إليه ما وقف عليه من شروح فات على عبد السلام هارون ذكرها، ولقد وقفنا على ثبتيهما لهذه الشروح وعرضناهما على ما وقفنا عليه من شروح في الكتب والمصادر، فاتضح لنا أنه - مع الجهد الطيب الذي قاما به في هذا الشأن - فقد فاتهما جملة من الشروح، كما أن هناك بعض الأوهام التي وقع فيها عبد الله عسيلان في شأن هذه الشروح لزم التنبيه عليها من خلال هذا الثبت الذي نورده كالآتي:
(١) أبو محمد القاسم بن محمد الديمرتي الأصفهاني المتوفى سنة ٢٨٧ هـ، وشرحه يسمى العارض، ولم يهتد إليه حتى الآن، وقد أفاد منه النمري كما ذكرنا، وأفاد منه زيد بن علي الفارسي في الشرح الذي رجحنا نسبته إليه، ونقل منه في مواضع مختلفة، كما أشارت إليه بعض المراجع التي ترجمت للديمرتي.
(٢) أبو بكر محمد بن يحي الصولي المتوفى سنة ٣٣٥ هـ، وهو الذي جمع ديوان أبي تمام، وشرحه مفقود لا يعرف مكانه سوى ما دلت عليه المراجع.
(٣) أبو رياش أحمد بن إبراهيم الشيباني المتوفى سنة ٣٣٩ هـ، وشرحه أيضًا لم يهتد إليه، غير أن أبا عبد الله الحسين النمري قد ذكر في مقدمة شرحه أنه يعول
стр. 70
عليه في "معاني أبيات الحماسة"، كما نجد من شرحه نقولات متعددة في مواضع مختلفة من شرح الخطيب التبريزي، وكذلك الحل في خزانة الأدب للبغدادي وبنى عليه أبو العلاء شرحه الذي صنعه لمصطنع الدولة وسماه "الرياشي المصطنعى".
(٤) أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي المتوفى سنة ٣٧٠ هـ، وشرحه لم يصل إلينا، وقد أفادت عنه بعض المراجع التي ترجمته له.
(٥) أبو عبد الله الحسين بن علي النمري البصري المتوفي سنة ٣٨٥ هـ وشرحه يسمى "معاني أبيات الحماسة" وقد وضع أبو محمد الأعرابي الغندجاني رسالة في نقد هذا الشرح، سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، ويوجد لهذا الشرح مختصر بعنوان "كتاب معاني أبيات الحماسة" صنعه لنفسه رجل يدعى أحمد بن بكر بن أحمد، وهو مخطوط كما أشرنا من قبل، وقد ذهب الدكتور عبد الله عسيلان إلى أن هذا المختصر هو شرح النمري الذي لم يهتد إليه حتى الآن، قال في بحثه: "وقد يسر الله لي العثور على هذا الكتاب النفيس خلال رحلتي العلمية إلى تركيا وبريطانيا بحثًا عن مخطوطات الحماسة وشروحها، وكان المعتقد أن هذا الكتاب من الكتب المفقودة التي نقرأ أسماءها في تراجم العلماء وفهارس الكتب دون أن يكون لها أثر".
ونحن نقول بعد أن قرأنا هذا الكتاب إنه ليس بشرح النمري وإن شرح النمري لا
стр. 71
يزال مفقودًا، يدل على ذلك أن أبا محمد الأعرابي قد تناول في رسالته "إصلاح ما غلظ فيه أبو عبدالله النمري" الأخطاء التي رأى أن النمري قد وقع فيها وقد ناقشه في شرح أول بيت في الحماسة وهو:
لو كنت من مازن لم تستبح ابلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيابنا
وهو لأحد شعراء بلعنبر في رأس قطعة يبلغ عدد أبياتها ثمانية، وليس في هذا المختصر شرح هذا البيت بل ليس فيه سوى شرح البيت الثاني من القطعة كلها، وغير ذلك كثير مما خطأه فيه أبو محمد الأعرابي، وليس في هذا المختصر، الذي نعتقد أنه قد صنعه من الشرح الأصل أحمد بن بكر بن أحمد الحاكم، إذ جاء في أول ورقة فيه "كتاب معاني أبيات الحماسة لأحمد بن بكر بن أحمد الحاكم متعه الله به".
وقد تعمد الدكتور عسيلان إغفال هذا لينسب إلى نفسه وبأسلوب دعائي كشفًا لا يقوم على شيء، والذي يرجع إلى نقولات التبريزي في شرحه والبغدادي في خزانة الأدب من شرح أبي عبد الله النمري، ويوازن بينها وبين هذا المختصر يدرك تمامًا أن هذا الذي زعمه الدكتور عسيلان ليس بصحيح، والمختصر - كما رأيناه - يضم ٨٧ بيتًا من باب الحماسة و ١٤ بيتًا من باب الأدب و ٣٧ بيتًا من باب المراثي و ٢٣ بيتًا من باب النسيب و ١٩ بيتًا من باب الهجاء و ٣٣ بيتًا من باب الملح، وبيتًا واحدًا من كل من بابي الصفات والسير والنعاس، وبيتين من باب الملح، وبيتًا واحدًا من باب مذمة النساء، ولا أدري لماذا اتجه الدكتور عسيلان ببحثه هذه الوجهة، وهو يعلم أن المعلومات عن المخطوطات ينبغي أن تكون صحيحة، إذ ليس من المتيسر أن يقف عليها كل الباحثين، وفي هذه الحال يأخذون ما ذكره مأخذ الصدق ويعتمدونه في أعمالهم هذا فضلًا عن أن هذا المختصر قد حققه ودرسه الدكتور علي شارك أرخين، ونال به درجة الدكتوراة عام ١٩٧٣ من كلية اللغة والتاريخ والجغرافية بجامعة انقرة بتركيا، وتوجد مخطوطة دراسته بمكتبة الكلية السالفة الذكر، وقد أغفل أيضًا الدكتور عسيلان ذكر هذا، مع علمي من مسؤولي المكتبة بوقوفه على هذه الدراسة.
стр. 72
(٦) أبو الفتح عثمان بن جني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ، وجهوده في شرح الحماسة تتمثل في كتابين أحدهما: المبهج في شرح أسماء شعراء الحماسة، وقد طبع في دمشق سنة ١٣٤٨ هـ، والآخر كتاب "التنبيه على شرح مشكلات الحماسة" وتوجد منه نسخة كتبت سنة ٦٨٢ هـ بدار الكتب المصرية تحت رقم ٤٤ أدب في ٢٠٥ ورقة، ونسخة أخرى كتبت سنة ٥٩٤ هـ في ٢٥٢ ورقة، وتوجد في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة صورتان لهما الأولى تحت رقم ١٥٦ أدب، والثانية تحت رقم ١٥٧، وقد حققت هذا الشرح ودرسته يسرى قاسم، ونالت به درجة الماجستير من جامعة القاهرة عام ١٩٧١ م، وتوجد مخطوطة دراستها بمكتبة كلية الآداب بالجيزة.
(٧) أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري، المتوفى سنة ٣٩٥ هـ، وجهوده في الحماسة تتمثل في عملين احدهما شرحه للحماسة الذي لا يعرف مكانه، وقد أفاد منه التبريزي في مواضع متعددة من شرحه، والآخر رسالة صنعها وضبط فيها مواضع من الحماسة، وقد ورد في مقدمتها قوله: "مربي في نسخة الحماسة بخط بعض أجلاء الشيوخ، وذكر أنه قرأها على أبي بكر الخياط وأبي الحسين المهرباني مواضع لم تضبط حق الضبط، ولم تجر على سنن العدل فرأيت الإبانة عن مواقع الزلل منها لئلا أنسب إلى الخطأ إذا رويت خلافها".
(٨) أبو الحسين أحمد بن فارس المتوفى سنة ٣٩٥ هـ، وتوجد نسخة من شرحه مصدرة بعنوان "الجزء الأول من كتاب الحماسة اختيار أبي تمام حبيب بن أوس الطائي وتفسير الشيخ أبي الحسين أحمد بن فارس ﵀ وقد تناول
стр. 73
الدكتور عسيلان هذا الشرح فأنكر نسبته لابن فارس، واعتمد في ذلك على ثلاثة أدلة أحدها أن هذا الكتاب يشير إلى أن صاحبة قد اطلع على شرح المرزوقي في حين أن المرزوقي توفى سنة ٤٢١ هـ، وابن فارس توفى سنة ٣٩٥، والثاني أن ابن فارس كان يهون من شأن الحماسة وصاحبها، والثالث أن الذين ترجموا لابن فارس لم يذكروا بين مصنفاته شرحًا لحماسة أبي تمام، ولم نجد أحدًا من شراح الحماسة أشار إلى شيء من ذلك حتى صاحب كشف الظنون لم يذكر شرحًا لابن فارس في الثبت الذي أورده لشروح الحماسة.
وفي هذه الأدلة نظر لأن المرزوقي كان منافسًا للصاحب بن عباد في بلاط بني بويه، وكان المرزوقي وقتها مؤدبًا لأبناء بويه، ذكر السيوطي في بعية الوعاة "أن الصاحب بن عبد دخل على المروزوقي يومًا فلم يقم له، فلما أفضت الوزارة إلى الصاحب جفاه"، ومعروف أن الصاحب توفي سنة ٣٨٥ هـ، وأنه تولى الوزارة سنة ٣٦٦ هـ، وظل بها حتى سنة وفاته. وإذا كان المرزوقي عالمًا له مكانته ومنافسًا للصاحب عباد، ومؤدبًا لأبناء بويه فمن المرجح أن يكون قد صنع شرحه لغاية تعليمية، وذلك حوالي هذا الزمن، ربما قبل تولي الصاحب الوزارة وربما إبانها، وعلى هذا فليس ببعيد أن يكون ابن فارس قد رأى شرحه وأفاد منه وإن سبق المرزوقي في الوفاة، يدع هذا أن كلا الرجلين المرزوقي وابن فارس كانا من فارس وفي عصر واحد، وهو عصر عرف بذيوع الكتاب وانتشاره. يقول الدكتور جمال العمري عن عصر المرزوقي: "وما أظننا نغالي إذا قلنا إن الكتب في هذا العصر كانت تنافس الشيوخ خاصة بعد أن ضعف القوم - علماء وغير علماء - على الرواية، وصارت الرواية الشفوية مستحيلة، والأخذ عن العلماء يستوجب التسجيل والتدوين لسهولة الرجوع إلى ما كتب وسجل. لهذا زاد اهتمام الناس بالكتب وتركز اهتمامهم
стр. 74
على التسجيل".
وإذا كان هذا حال الكتب في عصر المرزوقي وابن فارس، فليس ببعيد أن ينتقل شرح المرزوقي حال فراغه منه إلى الري حيث يعيش ابن فارس، وأن يقرأه ابن فارس ويفيد منه ما دام يدخل في دائرة اهتمامه. وكان ابن فارس امامًا في اللغة، وكان ديوان الحماسة مشغل علماء اللغة منذ ابن جني إلى عصر العكبري وما تلاه.
وأما أن ابن فارس كان يهون من شأن الحماسة وصاحبها فلا أظن أن الأمر كذلك، ولقد استنبط الدكتور عسيلان هذا الحكم من رسالة كان ابن فارس قد أرسلها إلى محمد بن سعيد الكاتب، حين أنكر على أبي الحسن محمد بن علي العجلي تأليفه كتابًا في الحماسة بعد حماسة أبي تمام، وهو في رأيي استنباط غير سليم لأن الرسالة ليست تهوينًا من شأن الحماسة وأبي تمام بقدر ما هي اعتراض على إعجاب مفرط صدر من محمد بن سعيد الكاتب بحماسة أبي تمام وإنكاره على الآخرين التأليف في الاختيار الشعري على نحو أبي تمام، وابن فارس يريد من صاحبه ألا يغالي هذه المغالاة. ومن ثم يصبح من المجحف حقًا حين نقرأ الرسالة أن نقول: إن ابن فارس كان يهون من شأن أبي تمام وحماسته.
أما أن الذين ترجموا لابن فارس لم يذكروا له شرحًا في الحماسة، فما أكثر الكتب التي لم يوردها أصحاب التراجم لمن ترجموا لهم. وربما كان إهمالهم لذكر شرح ابن فارس ناتجًا عن أنه لم تكن له أهمية تذكر. وقد أكد هذا الدكتور عسيلان نفسه حين وصفه بأنه مجرد تعليقات على الحماسة. وأما أن صاحب كشف الظنون لم يذكره في ثبته فليس هو الشرح الوحيد الذي غفل عنه صاحب كشف الظنون، فهو قد أورد ٢٢ شرحًا فقط، وفاتت عليه جملة من الشروح ذكرتها المراجع الأخرى مثل شرح النمري وأبي العلاء والطبرسي وسبط بن الجوزي وغيرهم ممن لا يوجد لهم ذكر في ثبت حاجي خليفة، ولو وقف الدكتور عسيلان على الورقة (٩٣) من مخطوطة الشرح نسبته لزيد بن علي الفارسي لما أنكر أن لابن فارس شرحًا في الحماسة،
стр. 75
ففي هامش هذه الورقة من الشرح المذكور، الذي زعم أنه قد درسه، نقل عن ابن فارس في رواية بيت اياس بن الارت:
وحان فراق من أخ لك صالح وكان كثير الشر للخير توأما
فقد رواه ابن فارس "وكان كنين الشر".
(٩) أبو أحمد عبد السلام بن الحسين بن طيفور البصري، اللغوي المتوفى سنة ٤٠٥ هـ وشرحه من الشروح المفقودة.
(١٠) أبو المظفر محمد بن آدم الهروي النحوي المتوفي سنة ٤١٤ هـ، وشرحه مفقود.
(١١) أبو سعيد علي بن محمد الكاتب، المتوفى سنة ٤١٤ هـ، وسمي شرحه "منثور البهائي" صنعه لبهاء الدولة بن بويه، وهو مفقود كذلك.
(١٢) أو عبد الله محمد بن عبد الله الكاتب الاسكافي، المتوفى سنة ٤٢١ هـ، وشرحه مفقود.
(١٣) أبو علي بن محمد المرزوقي، المتوفى سنة ٤٢١ هـ، وشرحه مطبوع في أربعة أجزاء بتحقيق أحمد أمين وعبد السلام هارون، وطبعته لجنة التأليف والترجمة والنشر.
(١٤) أبو الفتوح ثابت بن محمد الجرجاني، المتوفى سنة ٤٣١ هـ، وتوجد من شرحه نسخة في مكتبة الاسكوريال بمدريد تحت رقم ٢٨٩، ومنه نسخة مصورة
следующие страницы →