← Адаб

Адаб · id 16377

شروح حماسة أبي تمام دراسة موازنة في مناهجها وتطبيقها

محمد عثمان علي

Полный текст (407 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يزال مفقودًا، يدل على ذلك أن أبا محمد الأعرابي قد تناول في رسالته "إصلاح ما غلظ فيه أبو عبدالله النمري" الأخطاء التي رأى أن النمري قد وقع فيها وقد ناقشه في شرح أول بيت في الحماسة وهو: لو كنت من مازن لم تستبح ابلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيابنا وهو لأحد شعراء بلعنبر في رأس قطعة يبلغ عدد أبياتها ثمانية، وليس في هذا المختصر شرح هذا البيت بل ليس فيه سوى شرح البيت الثاني من القطعة كلها، وغير ذلك كثير مما خطأه فيه أبو محمد الأعرابي، وليس في هذا المختصر، الذي نعتقد أنه قد صنعه من الشرح الأصل أحمد بن بكر بن أحمد الحاكم، إذ جاء في أول ورقة فيه "كتاب معاني أبيات الحماسة لأحمد بن بكر بن أحمد الحاكم متعه الله به". وقد تعمد الدكتور عسيلان إغفال هذا لينسب إلى نفسه وبأسلوب دعائي كشفًا لا يقوم على شيء، والذي يرجع إلى نقولات التبريزي في شرحه والبغدادي في خزانة الأدب من شرح أبي عبد الله النمري، ويوازن بينها وبين هذا المختصر يدرك تمامًا أن هذا الذي زعمه الدكتور عسيلان ليس بصحيح، والمختصر - كما رأيناه - يضم ٨٧ بيتًا من باب الحماسة و ١٤ بيتًا من باب الأدب و ٣٧ بيتًا من باب المراثي و ٢٣ بيتًا من باب النسيب و ١٩ بيتًا من باب الهجاء و ٣٣ بيتًا من باب الملح، وبيتًا واحدًا من كل من بابي الصفات والسير والنعاس، وبيتين من باب الملح، وبيتًا واحدًا من باب مذمة النساء، ولا أدري لماذا اتجه الدكتور عسيلان ببحثه هذه الوجهة، وهو يعلم أن المعلومات عن المخطوطات ينبغي أن تكون صحيحة، إذ ليس من المتيسر أن يقف عليها كل الباحثين، وفي هذه الحال يأخذون ما ذكره مأخذ الصدق ويعتمدونه في أعمالهم هذا فضلًا عن أن هذا المختصر قد حققه ودرسه الدكتور علي شارك أرخين، ونال به درجة الدكتوراة عام ١٩٧٣ من كلية اللغة والتاريخ والجغرافية بجامعة انقرة بتركيا، وتوجد مخطوطة دراسته بمكتبة الكلية السالفة الذكر، وقد أغفل أيضًا الدكتور عسيلان ذكر هذا، مع علمي من مسؤولي المكتبة بوقوفه على هذه الدراسة.

стр. 72

(٦) أبو الفتح عثمان بن جني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ، وجهوده في شرح الحماسة تتمثل في كتابين أحدهما: المبهج في شرح أسماء شعراء الحماسة، وقد طبع في دمشق سنة ١٣٤٨ هـ، والآخر كتاب "التنبيه على شرح مشكلات الحماسة" وتوجد منه نسخة كتبت سنة ٦٨٢ هـ بدار الكتب المصرية تحت رقم ٤٤ أدب في ٢٠٥ ورقة، ونسخة أخرى كتبت سنة ٥٩٤ هـ في ٢٥٢ ورقة، وتوجد في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة صورتان لهما الأولى تحت رقم ١٥٦ أدب، والثانية تحت رقم ١٥٧، وقد حققت هذا الشرح ودرسته يسرى قاسم، ونالت به درجة الماجستير من جامعة القاهرة عام ١٩٧١ م، وتوجد مخطوطة دراستها بمكتبة كلية الآداب بالجيزة. (٧) أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري، المتوفى سنة ٣٩٥ هـ، وجهوده في الحماسة تتمثل في عملين احدهما شرحه للحماسة الذي لا يعرف مكانه، وقد أفاد منه التبريزي في مواضع متعددة من شرحه، والآخر رسالة صنعها وضبط فيها مواضع من الحماسة، وقد ورد في مقدمتها قوله: "مربي في نسخة الحماسة بخط بعض أجلاء الشيوخ، وذكر أنه قرأها على أبي بكر الخياط وأبي الحسين المهرباني مواضع لم تضبط حق الضبط، ولم تجر على سنن العدل فرأيت الإبانة عن مواقع الزلل منها لئلا أنسب إلى الخطأ إذا رويت خلافها". (٨) أبو الحسين أحمد بن فارس المتوفى سنة ٣٩٥ هـ، وتوجد نسخة من شرحه مصدرة بعنوان "الجزء الأول من كتاب الحماسة اختيار أبي تمام حبيب بن أوس الطائي وتفسير الشيخ أبي الحسين أحمد بن فارس ﵀ وقد تناول

стр. 73

الدكتور عسيلان هذا الشرح فأنكر نسبته لابن فارس، واعتمد في ذلك على ثلاثة أدلة أحدها أن هذا الكتاب يشير إلى أن صاحبة قد اطلع على شرح المرزوقي في حين أن المرزوقي توفى سنة ٤٢١ هـ، وابن فارس توفى سنة ٣٩٥، والثاني أن ابن فارس كان يهون من شأن الحماسة وصاحبها، والثالث أن الذين ترجموا لابن فارس لم يذكروا بين مصنفاته شرحًا لحماسة أبي تمام، ولم نجد أحدًا من شراح الحماسة أشار إلى شيء من ذلك حتى صاحب كشف الظنون لم يذكر شرحًا لابن فارس في الثبت الذي أورده لشروح الحماسة. وفي هذه الأدلة نظر لأن المرزوقي كان منافسًا للصاحب بن عباد في بلاط بني بويه، وكان المرزوقي وقتها مؤدبًا لأبناء بويه، ذكر السيوطي في بعية الوعاة "أن الصاحب بن عبد دخل على المروزوقي يومًا فلم يقم له، فلما أفضت الوزارة إلى الصاحب جفاه"، ومعروف أن الصاحب توفي سنة ٣٨٥ هـ، وأنه تولى الوزارة سنة ٣٦٦ هـ، وظل بها حتى سنة وفاته. وإذا كان المرزوقي عالمًا له مكانته ومنافسًا للصاحب عباد، ومؤدبًا لأبناء بويه فمن المرجح أن يكون قد صنع شرحه لغاية تعليمية، وذلك حوالي هذا الزمن، ربما قبل تولي الصاحب الوزارة وربما إبانها، وعلى هذا فليس ببعيد أن يكون ابن فارس قد رأى شرحه وأفاد منه وإن سبق المرزوقي في الوفاة، يدع هذا أن كلا الرجلين المرزوقي وابن فارس كانا من فارس وفي عصر واحد، وهو عصر عرف بذيوع الكتاب وانتشاره. يقول الدكتور جمال العمري عن عصر المرزوقي: "وما أظننا نغالي إذا قلنا إن الكتب في هذا العصر كانت تنافس الشيوخ خاصة بعد أن ضعف القوم - علماء وغير علماء - على الرواية، وصارت الرواية الشفوية مستحيلة، والأخذ عن العلماء يستوجب التسجيل والتدوين لسهولة الرجوع إلى ما كتب وسجل. لهذا زاد اهتمام الناس بالكتب وتركز اهتمامهم

стр. 74

على التسجيل". وإذا كان هذا حال الكتب في عصر المرزوقي وابن فارس، فليس ببعيد أن ينتقل شرح المرزوقي حال فراغه منه إلى الري حيث يعيش ابن فارس، وأن يقرأه ابن فارس ويفيد منه ما دام يدخل في دائرة اهتمامه. وكان ابن فارس امامًا في اللغة، وكان ديوان الحماسة مشغل علماء اللغة منذ ابن جني إلى عصر العكبري وما تلاه. وأما أن ابن فارس كان يهون من شأن الحماسة وصاحبها فلا أظن أن الأمر كذلك، ولقد استنبط الدكتور عسيلان هذا الحكم من رسالة كان ابن فارس قد أرسلها إلى محمد بن سعيد الكاتب، حين أنكر على أبي الحسن محمد بن علي العجلي تأليفه كتابًا في الحماسة بعد حماسة أبي تمام، وهو في رأيي استنباط غير سليم لأن الرسالة ليست تهوينًا من شأن الحماسة وأبي تمام بقدر ما هي اعتراض على إعجاب مفرط صدر من محمد بن سعيد الكاتب بحماسة أبي تمام وإنكاره على الآخرين التأليف في الاختيار الشعري على نحو أبي تمام، وابن فارس يريد من صاحبه ألا يغالي هذه المغالاة. ومن ثم يصبح من المجحف حقًا حين نقرأ الرسالة أن نقول: إن ابن فارس كان يهون من شأن أبي تمام وحماسته. أما أن الذين ترجموا لابن فارس لم يذكروا له شرحًا في الحماسة، فما أكثر الكتب التي لم يوردها أصحاب التراجم لمن ترجموا لهم. وربما كان إهمالهم لذكر شرح ابن فارس ناتجًا عن أنه لم تكن له أهمية تذكر. وقد أكد هذا الدكتور عسيلان نفسه حين وصفه بأنه مجرد تعليقات على الحماسة. وأما أن صاحب كشف الظنون لم يذكره في ثبته فليس هو الشرح الوحيد الذي غفل عنه صاحب كشف الظنون، فهو قد أورد ٢٢ شرحًا فقط، وفاتت عليه جملة من الشروح ذكرتها المراجع الأخرى مثل شرح النمري وأبي العلاء والطبرسي وسبط بن الجوزي وغيرهم ممن لا يوجد لهم ذكر في ثبت حاجي خليفة، ولو وقف الدكتور عسيلان على الورقة (٩٣) من مخطوطة الشرح نسبته لزيد بن علي الفارسي لما أنكر أن لابن فارس شرحًا في الحماسة،

стр. 75

ففي هامش هذه الورقة من الشرح المذكور، الذي زعم أنه قد درسه، نقل عن ابن فارس في رواية بيت اياس بن الارت: وحان فراق من أخ لك صالح وكان كثير الشر للخير توأما فقد رواه ابن فارس "وكان كنين الشر". (٩) أبو أحمد عبد السلام بن الحسين بن طيفور البصري، اللغوي المتوفى سنة ٤٠٥ هـ وشرحه من الشروح المفقودة. (١٠) أبو المظفر محمد بن آدم الهروي النحوي المتوفي سنة ٤١٤ هـ، وشرحه مفقود. (١١) أبو سعيد علي بن محمد الكاتب، المتوفى سنة ٤١٤ هـ، وسمي شرحه "منثور البهائي" صنعه لبهاء الدولة بن بويه، وهو مفقود كذلك. (١٢) أو عبد الله محمد بن عبد الله الكاتب الاسكافي، المتوفى سنة ٤٢١ هـ، وشرحه مفقود. (١٣) أبو علي بن محمد المرزوقي، المتوفى سنة ٤٢١ هـ، وشرحه مطبوع في أربعة أجزاء بتحقيق أحمد أمين وعبد السلام هارون، وطبعته لجنة التأليف والترجمة والنشر. (١٤) أبو الفتوح ثابت بن محمد الجرجاني، المتوفى سنة ٤٣١ هـ، وتوجد من شرحه نسخة في مكتبة الاسكوريال بمدريد تحت رقم ٢٨٩، ومنه نسخة مصورة

стр. 76

بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم ٥١٧ أدب. (١٥) أبو الندى محمد بن أحمد العندجاني، وتاريخ وفاته مجهول، غير أن أبا محمد الأعرابي المتوفى سنة ٤٣٦ نقل عنه بالسماع كثيرًا في كتبه "إصلاح ما غلط فيه أبو عبدالله النمري". (١٦) أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد، المعروف بأبي محمد العرابي العندجاني الأسود، المتوفى سنة ٤٣٦ هـ، وشرح يتمثل في الرد على بعض ما فسره أبو عبد الله الحسين بن علي النمري وهو بعنوان "إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري" كما أسفلنا، وتوجد نسخة منه في دار الكتب المصرية تحت رقم ٨٠ أدب، وأخرى بخط الشنقيطي تحت رقم ١٤٨١، ومن هذه النسخة نسخة مصورة في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم ٣٣ أدب. (١٧) أبو علي الحسن بن أحمد الاستراباذي، وتاريخ وفاته مجهول، وقد أخطأ حاجي خليفة حين ذكر أن وفاته كانت في سنة ٧١٧ هـ، وليس هذا بصحيح لأن ياقوتًا ترجم له في معجم الأدباء، وياقوت توفي سنة ٦٢٦ هـ، وورد ذكره في شرح زيد بن علي المتوفى سنة ٤٦٧ هـ، والمرجح أنه كان من علماء أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الهجري.

стр. 77

(١٨) أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري، والمتوفى سنة ٤٤٩ هـ، وشرحه يسمى "الرياشي المصطنعي" ذكر ياقوت أنه عمله لرجل يقال له مصطنع الدولة، وأنه يقع في أربعين كراسة، وقد بناه على شرح أبي رياض المتقدم ذكره، وهو شرح مفقود أفاد منه تلميذه التبريزي في مواضع كثيرة من شرحه المطبوع، وفي دار الكتب المصرية مخطوطة لشرح منسوب بالخطأ لأبي العلاء المعري تحت رقم ٣٠٨ أدب، ومنه نسخة مصورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم ١٥٦ أدب، وقد قمنا بدراسة هذا الشرح فاتضح لنا أنه ليس لأبي العلاء، وذلك لأسباب أولها ان نسبة هذا الشرح، وقعت عن طريق الوهم من مالك الكتاب الذي أورد عنوانه في الورقة الأولى هكذا: "كتاب الحماسة لملك الشعراء أبي تمام حبيب بن أوس الطائي وشرحها لأبي العلاء أحمد بن سليمان التنوخي سامحهما الله، ملكه بالشراء الشرعي الفقير محمد بن محمد بن داود القدسي الشافعي من مدينة قسطنطينية في سنة ٩٨٩"، وتبع ذلك تعريف لأبي تمام وأبي العلاء والخطيب التبريزي الذي روى الكتاب عن أبي العلاء على حد زعم مالك الشرح محمد بن محمد بن داود، وهذه التعريفات نقلها ابن داود هذا من تاريخ بغداد للبغدادي ووفيات الأعيان لابن خلكان، وبعد هذه التعريفات يأتي الشرح، وهو بخط مغاير لخط ابن داود مالك الكتاب، وجاء في خاتمته "تمت الحماسة بحمد الله ومنه وحسن توفيقه، واجتهد في نقلا وضبطها بحسب الجهد والطاقة، وكذلك في مقابلتها، وفرغ منه في سابع عشر صفر سنة أربع وخمسين وستمائة، والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد النبي وأهله الطاهرين وسلامه" والذي يقف على الشرح يجد الفرق واضحًا بين خط ابن داود مالك الكتاب الذي نسب الشرح إلى أبي العلاء، وبين ناسخ الشرح الذي فرغ من نسخه سنة ٦٥٤ هـ، وذلك من خلال رسم الحروف وطريقة الكتابة. وثاني هذه الأسباب أن التبريزي في شرحه المطبوع نقل نقولات كثيرة عن شيخه أبي العلاء وقد ضاهينا هذه النقولات بهذا الشرح، فلم نجد لها أثرًا. وثالثها أن صاحب هذا الشرح ينقل عن أبي منصور الجواليقي، والجواليقي،

стр. 78

كما ورد في ابناه الرواة ووفيات الأعيان، ولد سنة ٤٦٦، وتوفي سنة ٥٣٩ هـ أي ولد بعد وفاة أبي العلاء (٤٤٩) بسبع عشرة سنة. ورابعها أن في هذا الشرح جملة من الأخطاء لا يمكن لعالم جليل مثل أبي العلاء - ليس مثله في فهم الشعر واللغة - أن يقع فيها، ففي شرح تأبط شرًا الوارد في الحماسة الذي يقول: بيت بمغنى الوحش حتى ألفنه ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا قال في شرحه: "أي لا يكون بالليل في الموضع الذي يبيت فيه الوحش، ولا يحمي لا يكف الأذى عن الوحش" وهذا شرح لا يخفي ضعفه وتهافته، وأبو العلاء فوق هذا الضعف والتهافت. وبناء على ما ذكرنا نظن أن هذا الشرح لأحد تلاميذ المدرسة النظامية الذين درسوا على أبي منصور الجواليقي في القرن السادس. هذا وقد نفى الدكتور عبد الله عسيلان نسبة هذا الشرح لبعض ما أوردناه، وقد وهم كل من بروكلمان وأحمد جمال العمري حين ظنا أن هذا الشرح لأبي العلاء، وكان وهم العمري فادحًا حين كان يشير إلى هذا الشرح في هوامشه، وهو ينقل كلامًا لأبي العلاء أورده التبريزي في شرحه، ولا يوجد هذا الكلام في نسخه الميكروفيلم التي أشار إليها. الأمر الذي يؤكد أنه لم يقرأ النسخة ولا وقف عليها. (١٩) أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيدة، اللغوي المشهور، المتوفى سنة ٤٥٨، وهو شرح كبير في ستة أجزاء سماه الأنيق، ولا يعرف مكانه.

стр. 79

(٢٠) أبو القاسم زيد بن علي الفارسي الفسوي، المتوفى سنة ٤٦٧ هـ، وقد قمنا بتحقيق شرحه ودراسته في الكتاب الثاني من هذا البحث. (٢١) أبو الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي، المتوفى سنة ٤٧٥ هـ، وشرحه أيضًا مفقود لم يصل إلينا. (٢٢) أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن الحسين الشاماتي، المتوفى سنة ٤٥٧ هـ، وشرحه أيضًا مفقود. (٢٣) أبو حكيم عبد الله بن حكيم الخيري، المتوفى سنة ٤٧٦ هـ، وشرحه كذلك مفقود. (٢٤) أبو الحجاج يوسف بن سليمان، المعروف بالأعلم الشنتمري، المتوفى سنة ٤٧٦ هـ، وهو في الواقع ليس شرحًا لحماسة أبي تمام، ولكنه شرح لحماية صنعها هو وضم فيها مختارات من حماسة أبي تمام، وأضاف إليها من الحماسات الأخرى ثم

стр. 80

شرحها، وقد أسمى هذا الشرح، "تحلي غرر المعاني". وتوجد منه نسختان مخطوطتان بالمكتبة الأحمدية بتونس، الأولى تحت رقم ٤٥٣ وتقع في ١٧٤ ورقة، والثانية تحت رقم ٤٥٣٧ وتقع في ١٥٦ ورقة، وكلتاهما مصورتان في معهد المخطوطات بالقاهرة الأولى تحت رقم ٦٢٢، الثاني تحت رقم ٦٤٢، وقد حقق هذا الشرح ودرسه الدكتور هاشم الشريف ونال به درجة الدكتوراة من جامعة لندن، وتوجد مخطوطة دراسته بمكتبة الجامعة المذكورة. (٢٥) أبو الحسن علي بن محمد بن البياري، وتاريخ وفاته مجهول غير أنه من علماء القرن الخامس الهجري لأن الباخرزي المتوفى سنة ٤٦٧ هـ قد ترجم له في دمية القصر وعصرة أهل العصر، ويوجد الجزء الأول من شرحه في مكتبة دبلن بانجلترا تحت رق ٣٨٧٠، وتوجد نسخة منه بدار الكتب المصرية بالقاهرة، مصورة بالتصوير الشمسي في ٣٧٥ لوحة، وتحت رقم ٧٤٠٩ أدب، كما توجد صورة أخرى تحت رقم ١٦٨٣١ ز، وقد وهم الدكتور عبدالله عسيلان حين ذكر أن شرحه مفقود ودرسه على هذا الأساس. (٢٦) أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي، المتوفى سنة ٥٠٢ هـ، وقد شرح الحماسة ثلاثة شروح: صغير ومتوسط وكبير، والشرح المتوسط طبع عدة طبعات، وهو المتداول بين الناس، أما الشرح الصغير والشرح الكبير فالظن أنهما مفقودان، وفي دار الكتب المصرية يوجد جزء من شرح منسوب إلى التبريزي تحت رقم ١١٩٥ أدب، وقد ظن عبد السلام هارون أنه جزء من شرحه الصغير فحدث بذلك، ولا أظن هذا الشرح من عمل التبريزي، إذ ليس فيه ما يؤكد نسبته إلى التبريزي سوى هوامش مأخوذة من شرحه المتوسط يشار فيها إلى اسمه، والذي

стр. 81

ينظر في هذا الشرح ويقابله بالشرح المتوسط لا يحس بالتقاء في الشرحين، وهذا مما يرجح عدم نسبته إلى التبريزي. (٢٧) أبو نصر منصور بن مسلم الحلبي، المعروف بابن الدميك المتوفى سنة ٥١٠ هـ، وشرحه بعنوان "تتمة ما قصر فيه ابن جني في شرح أبيات الحماسة"، وهو مفقود لا يعرف مكانه. (٢٨) فخر الزمان أبو المحاسن مسعود بن علي بن أحمد بن العباس الصواني الباجي البيهقي، المتوفى سنة ٥٤٤ هـ، وشرحه كذلك مفقود. (٢٩) أبو علي الفضل بن الحسين الطبرسي أمين الدين المتوفى سنة ٥٤٨ هـ، وشرحه بعنوان "الباهر في الحماسة" وهو موجود، توجد نسخة منه بمكتبة فيض الله بتركيا التي ادرجت ضمن مكتبة مللت بتركيا تحت رقم ١٤٦٢، ومن هذه النسخة نسخة مصورة محفوظة بمعهد المخطوطات بالقاهرة تحت رقم ٧٧ أدب، وتوجد نسخة أخرى من هذا الشرح بالمكتبة الظاهرية في دمشق تحت رقم ١٤٢٥. (٣٠) أبو الرضا ضياء الدين فضل الله بن علي الراوندي المتوفى بعد سنة ٥٤٩ هـ، وشرحه موجود، توجد نسخة منه في المتخف البريطاني بلندن تحت رقم ١٦٦٣.

стр. 82

(٣١) أبو البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري، المتوفى سنة ٥٣٧ هـ وشرحه مفقود. (٣٢) عبد الله بن إبراهيم الشيرازي المتوفى سنة ٥٨٤ هـ، وشرحه أيضًا مفقود. (٣٣) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن ملكون الحضرمي الاشبيلي المتوفى سنة ٥٨٤ هـ وكتابه بعنوان "إيضاح المنهج في الجمع بين كتابي التنبيه والمبهج لأبي الفتح عثمان بن جني"، وتوجد نسخة منه بمكتبة الاسكوريال بمدريد تحت رقم ٣١٢ وهي بقلم أندلسي في ١٢٥ ورقة منها نسخة مصورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم ١٠٥١. (٣٤) علي بن الحسن بن عنتر بن ثابت المعروف بشميم الحلي، المتوفى سنة ٦٠١ هـ، وشرحه يسمى "الماسة في شرح الحماسة" وهو مفقود. (٣٥) أبو البقاء عبد الله الحسين العكبري المتوفى سنة ٦١٦ هـ، وشرحه بعنوان "إعراب الحماسة" وهو موجود، توجد منه نسخة في مكتبة كوبريلي بتركيا تحت

стр. 83

رقم ١٣٠٧ ونسخة أخرى في مكتبة السليمانية باستانبول تحت رقم ٩٣٤. (٣٦) يحي بن حميد بن ظافر بن النجار بن علي بن عبد الله المعروف بابن أبي طي المتوفى سنة ٦٣٠ هـ، وشرحه مفقود. (٣٧) أبو علي عمر بن محمد بن محمد الاشبيلي الأزدي، المعروف بالشلوبيني المتوفى سنة ٦٤٥ هـ، وشرحه كذلك مفقود. (٣٨) يوسف بن قزاوغلي، المعروف بسبط بن الجوزي، المتوفى سنة ٦٥٤، وشرحه يسمى "مقتضى السياسة في شرح نكت الحماسة" وهو موجود، توجد نسخة منه في المتحف البريطاني بلندن تحت رقم ١١٠٨ و ٣٧٤١، وتوجد نسخة أخر كتبت بخط المؤلف في مكتبة جامعة استانبول بتركيا تحت رقم ٧٧٨، ومن هذه النسخة نسخة مصورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم ٧١٠ أدب. (٣٩) على بن مؤمن بن محمد بن علي، العلامة ابن عصفور الحضرمي الإشبيلي المتوفى سنة ٦٩٦ قال صاحب الفوات إنه شرح ديوان المتنبي والأِشعار الستة وشرح الحماسة، وهذه الشروح لم يكملفها. (٤٠) محمد بن قاسم بم محمد بن زاكور المغربي، المتوفى سنة ١١٢٠ هـ، وشرحه بعنوان "النفاسة في شرح الحماسة" وتوجد منه نسختان بالمكتبة الأحمدية خزانة جامع الزيتونة بتونس إحداهما في ١٦٦ ورقة تحت رقم ٤٥٣٥ أدب، والأخرى في ٤٨ ورقة وتحت رقم ٤٥٠٤ أدب، وتوجد نسخة أخرى للنفاسة في

стр. 84

المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم ٨٦٨٩، منها نسخة مصورة محفوظة بمركز جهاد الليبيين بطرابلس الغرب. (٤١) بهاء الدين عبد القادر بن لقمان، وقد سمى شرحه "الرصافة القادرية" وطبع بالهند سنة ١٢٩٩، وآخره تفسير لبعض الكلمات اللغوية باللغة الانجليزية ومن هذا الشرح نسخة بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة. (٤٢) سيد بن علي المرصفي، أحد شيوخ الأزهر الشريف في مطلع هذا القرن العشرين، وقد طبع الجزء الأول من شرحه سنة ١٣٣٠ هـ ١٩١٢ م، وقد رتب الشعر فيه ترتيبًا يختلف عن المألوف الذي درج عليه شراح الحماسة، حيث رتب الشعراء فيه بحسب أزمانهم بادئًا بالجاهليين فالإسلاميين فالأمويين فالعباسيين. (٤٣) شرح منسوب لمحمد سعيد الرافعي، قال عبد السلام هارون: إنه للشيخ إبراهيم الدلجموني، وقد طبع هذا الشرح عدة طبعات بالقاهرة. (٤٤) الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، وشرحه مخطوط بالمكتبة العاشورية بتونس، وقد ذكر هذا الشرح البشير العريبي في بحث بعنوان "ثقافة الشيخ ابن عاشور من خلال تفسيره" وأشار فيه إلى الثبت الذي أعده الحبيب شيبوب لمؤلفات الشيخ محمد الطاهر، وفيه شرح ديوان الحماسة للشيخ. هذه هي الشروح التي وقفنا عليها في المراجع والمكتبات، وقد سبق أن ذكرنا أن

стр. 85

ثبتها عند صاحب كشف الظنون يبلغ ٢٢ شرحًا، وهي في ثبت عبد السلام هارون تبلغ ثلاثين شرحًا، وفي ثبت عبد الله عبد الرحيم عسيلان بلغت خمسة وثلاثين شرحًا، وبهذا نكون قد استدركنا على ما ذكروه تسعة شروح لم ترد عندهم، ولا أظن أن ما أوردته هو كل ما صنع من شروح في الحماسة فلا شك في أن جملة من الشروح لم نقف على ذكرها بعد فنحن لا نستطيع أن نتصور أن سنوات القرون الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر مرت دون أن يتصدى فيها عالم لحماسة أبي تمام بالشرح، ولعل قابل الأيام يكشف لنا عن أمر جديد في هذا الشأن. شروح مجهولة: وبجانب هذه الشروح الموجودة منها والمفقودة توجد شروح مجهولة النسبة لأصحابها، وهي حسب ما وقفنا عليه أو وقع تحت أيدينا أربعة شروح هي: (١) شرح لمجهول ذكره بروكلمان وأفاد بأن نسخته موجودة في مكتبة ميونخ بألمانيا تحت رقم ٨٨٩. (٢) ورأيت في مكتبة السليمانية بتركيا شرحًا آخر لمجهول تحت رقم ١٨١٤ "لاه لي" عدد أوراقه ١٥٦ ورقة في كل ورقة ١٤ سطرًا، وهو بخط واضح مقروء، ولكنه ليس بكامل إذ ينتهي بباب المراثي، وقال صاحبه في آخره: "تم باب المراثي من كتاب الحماسة ويتلوه المجلد الثاني باب الأدب"، ولقد وجدت صاحب هذا الشرح ينقل من المرزوقي والتبريزي والواحدي المتوفى سنة ٤٦٨، كما ينقل كثيرًا من ضياء الدين بن الأثير صاحب كتاب المثل السائر، المتوفى سنة ٦٣٧ هـ، وبعض هذا النقل بالسماع مما يدل على أنه كان تلميذًا له، ومن ثم فإن صاحب هذا الشرح من علماء القرن السابع الهجري. (٣) ويوجد أيضًا بالسليمانية شرح آخر مجهول المؤلف تحت رقم ٢٧٧٦، يقع في ٩٧ ورقة، في كل ورقة ١٩ سطرًا، والخط فيه واضح، وهو جزء من شرح لأنه يبدأ

стр. 86

من قطعة يزيد بن الحكم التي هي رقم ٣٩ من باب الأدب، وينتهي في قطعة زياد الأعجم التي هي رقم ٦٨ من باب الهجاء. وصاحبه ينقل عن أبي رياش وابن جني وأبي العلاء، مما يدل على أنه من علماء القرن الخامس أو السادس الهجريين. (٤) وثمة شرح ثالث رأيته بالسليمانية لمجهول تحت رقم ٢٧٧٥ "أسعد أفندي" وهو يكاد يكون تامًا، ليس فيه نقص سوى جزء من مقدمته، التي يوجد بعضها، ويتكلم صاحب الشرح فيها عن مكانة الشعر من النثر، وقلة البلغاء وكثرة الشعراء، ويعدد الأسباب والعوامل لذلك، ويبدو فيها أنه متأثر بما أورده المرزوقي في المقدمة الأدبية لشرحه. والشرح يقع في ٢١٧ ورقة، في كل ورقة ٢٦ سطرًا، والخط في النسخة دقيق ولكنه جيد، وصاحب هذا الشرح من علماء القرن الثاني عشر لأني وجدت في خاتمة الشرح عبارة تقول: "تم الشرح على الحماسة بعون الله تعالى سنة ١١٣٥، ربيع الأول". إن ما يهمنا من هذه الشروح التي أوردناها في هذا الثبت هو الشروح التي صدرت إلى نهاية القرن السادس الهجري، وهي الفترة التي حددناها لهذه الدراسة، ومن وقوفنا على الشروح التي صدرت في هذه الفترة، ومن خلال المعلومات التي طرحناها في هذا الثبت يتبين لنا أن شروح الفترة التي يتناولها البحث تتدرج تحت ثلاثة أنواع. شروح مفقودة لا يعرف عنها شيء سوى معلومات ضئيلة دلت عليها المراجع التي توفرت لدينا، وشروح وصلت إلينا، منها شرحان مطبوعان هما شرح الإمام المرزوقي وشرح الخطيب التبريزي، وبقيتها لا تزال مخطوطة جمعناها من مكتبة مختلفة، وشروح ثالثة لم تصل إلينا غير أننا وجدنا نقولات كثيرة منه في الشروح المطبوعة والمخطوطة التي وصلت إلينا، وهي منقولات تسمح بالعمل فيها. فأما النوع الأول من هذه الشروح فلا حيلة لنا فيه، وأما النوعان الثاني والثالث

стр. 87

فهما يشكلان مدار الدراسة في هذا البحث، ويتكونان من خمسة عشر شرحًا هي على النحو التالي: (١) شرح أبي رياش الذي نقل منه التبريزي كثيرًا، ونقل منه زيد بن علي ي مواضع مختلفة من شرحه واعتمد عليه النمري في شرحه الذي وصل إلينا مختصر عنه. (٢) شرح أبي عبدالله الحسين النمري الذي وصل إلينا مختصر منه على نحو ما أوضحنا في هذا الثبت. (٣) كتابا أبي الفتح بن جني، التنبيه على شرح مشكلات الحماسة، والمبهج في شرح أسماء شعراء الحماسة. (٤) شرح أبي هلال العسكري، الذي تقل منه التبريزي كثيرًا، فضلًا عن رسالته التي وصلت إلينا مخطوطة والت ضبط فيها مواضع من ديوان الحماسة. (٥) شرح ابن فارس، وقد وصل منه الجزء الأول فقط، وهو كاف للدلالة على طريقة الشرح وما تقوم عليه من عناصر. (٦) شرح أبي علي المرزوقين وهو من أهم الشروح التي يقوم عليها العبء الأكبر في هذه الدراسة. (٧) شرح أبي الفتوح الجرجاني الذي وصل إلينا مخطوطًا بين أيدينا. (٨) شرح أبي العلاء المعري، وهو لم يصل إلينا ولكن تلميذه الخطيب التبريزي نقل منه نقولات متعددة كافية للدراسة وإبراز عمل أبي العلاء في شرح الشعر. (٩) شرح أبي القاسم زيد بن علي الفارسي الفسوي، وهو الشرح الذي حققناه في الشق الثاني من هذا البحث. (١٠) شرح الأعلم الشمنتري في النصوص التي اختارها من حماسة أبي تمام. (١١) كتاب "إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري" لأبي محمد الأعرابي الغندجاني، وهو مخطوط بين أيدينا.

стр. 88

(١٢) شرح أبي الحسن البياري الذي وصل إلينا مخطوطًا، فضلًا عن أن الطبرسي والرواندي نقلا منه نقولات متعددة في شرحيهما الوارد ذكرهما. (١٣) شرح الخطيب للتبريزي وهو يضاهي شرح المرزوقي في كونه يقوم عليه عبء الدراسة بل يفوقه في ذلك، لنقولاته المتعددة، من الشروح التي لم تصل إلينا. (١٤) شرح أمين الدين الطبرسي، وهو من الشروح المخطوطة بين أيدينا. (١٥) وأخيرًا شرح أبي الرضا الرواندي الذي هو أيضًا لا يزال مخطوطًا، ولكنه بين أيدينا. (١٦) الشرح المنسوب خطأ إلى أبي العلاء وصاحبه من علماء القرن السادس. ولقد أبعدنا من هذه الدراسة كتاب "إيضاح المنهج" بالرغم من حصولنا على مخطوطته لأنه وإن كان يدخل في الفترة التي حددناها لهذه الدراسة فإن عمله لا يعد ذا قيمة إذ جمع فيه بين كتابي التنبيه والمبهج لأبي الفتح بن جني اللذين يدخلان في دائرة عملنا. كما أن الجمع بين هذين الكتابين في كتاب واحد يعد خطأ في حد ذاته، على نحو ما سنوضحه في موضع آت إن شاء الله. وهذه الشروح التي يدور حولها البحث تأتي ستة منها في القرن الرابع الهجري هي شروح أبي رياش، وأبي عبد الله النمري، وأبي الفتح بن جني، وأبي هلال العسكري، وأبي الحسين بن فارس، وأبي علي المرزوقي. وتأتي سبعة منها في القرن الخامس الهجري هي شروح: أبي الفتوح الجرجاني، وأبي محمد الأعرابي، وأبي العلاء المعري، وأبي القاسم الفسوي، والأعلم الشمنتري، وأبي الحسن البياري، والخطيب التبريزي، وأما القرن السادس فمنه ثلاثة شروح هي: شرح أمين الدين الطبرسي، وشرح أبي الرضا الراوندي، والشرح المنسوب خطأ إلى أبي العلاء المعري الذي رجحنا أن صاحبه من شراح القرن السادس الهجري.

стр. 89

القسم الثاني: في المناهج وتطبيقها

стр. 90

الفصل الأول: في مناهج الشراح رأينا فيما سبق أن شرح الشعر بعامة قد تحول من غاية تثقيفية إلى غاية تعليمية هدفها مدّ التلاميذ - من خلال النص المشروح - بمعلومات جمة تتصل بعلوم اللغة والنحو والصرف والبلاغة والرواية والأخبار التاريخية وتفسير الأعلام. ورأينا أيضًا أن شراح الشعر كانوا وثيقي الصلة بما خلفه شيوخهم أو شيوخ شيوخهم من مادة علمية شملت العناصر المختلفة التي يقوم عليها الشرح، ثم رأينا أن هؤلاء الشراح لم يقفوا عند حد النقل من شيوخهم بل كانت لهم جهودهم في الشرح بالإضافة والتعديل والتوجيه أحيانًا، وبالنقد والاعتراض أحيانًا أخرى، وأخيرًا رأينا أن شروح الحماسة عندما بدأت في الظهور تأثرت بكل هذا الذي ذكرناه، كما تحكمت فيها نزعات الشراح المتباينة وقدراتهم المتفاوتة في معالجة عناصر الشرح، كل حسب ميوله وباعه الذي يجعل عنصرًا من عناصر الشرح يطغى على سائر العناصر الأخرى. وطبيعي - والحال كما ذكرنا - أن تختلف مناهج شراح الحماسة وطرائقهم في الشرح وإن كانت في غلبتها ذات غاية واحدة هي تلك الغاية التعليمية التي تحول إليها شراح الشعر كما وضحنا. إن الدكتور أحمد جمال العمري قد حدد في بحثه " شروح الشعر الجاهلي" ثلاثة مناهج متوالية لشراح الشعر الجاهلي أولها المنهج الالتزامي النقلي وقد شرحه بأنه منهج يلتزم فيه صاحبه بآراء السلف وأقوالهم معتمدًا رواياتهم وتفسيراتهم في جميع النواحي، ويقوم أساسًا على السماع والرواية والنقل، يجمع أقوال السابقين على

стр. 91

اختلاف اهتماماتهم ويرصها جنبًا إلى جنب، ما توافق منها وما تعارض، دون المساس بجوهر الأقوال والآراء. كما أنه منهج يقوم على التوثيق ونسب كل قول إلى صاحبه مهما تعددت الأقوال والآراء أو تضاربت أو جانبت الحقيقة والصواب، ما دام صاحب الرأي مذكورًا في صدر كلامه. وثانيها المنهج الإبداعي الفني، وقد حدده بأنه منهج يقوم على دعامات فنية ومقومات أدبية وعلمية تتآزر فيما بينها لتخدم النص الشعري وتضيء جوانبه وتبرز سماته ومعانية في أجمل صورة وعلى أكمل وجه، ويقوم أيضًا على إعمال العقل وكد الفكر واستنطاق النصوص بما فيها وما وراءها، ويستند إلى المحصول الثقافي الواسع في علوم اللغة والأدب، ويظهر في إطار فني بديع يعكس ملكة صاحبه الخلاقة لواعية الذواقة الفاهمة لأغراض الشعر ومراميه، كما يقوم على استغلال امكانات اللغة والتفنن في استخراج مكامن علوم البلاغة لإظهار ما يؤديه من جمال التصوير وروعة التعبير في إطار من حسن العرض وكمال التحليل وجوده التعليل. وبجانب هذا هو منهج يستعرض الروايات ويقارنها ويختار أفضلها وأجودها وأقربه إلى مذهب الشاعر ومقصده، وفوق هذا أنه منهج تظهر فيه ذاتية الشارح وشخصيته وملكته الأدبية وقدرته على بلورة الأفكار وتقديم التصورات الممكنة والمحتملة والجائزة في غلاف من الأسلوب الأدبي المؤثر. وثالثها المنهج الانتخابي التهذيبي التكميلي وهو - كما رآه - منهج يعتمد على جمع الشروح السابقة ثم الانتخاب منها والتنسيق بين العناصر المنتخبة بما يكمل شرحًا من مجموعها يفي بغرضها ويغني عن جمعها لاشتماله على جميع العناصر التفسيرية المتاحة التي يتطلبها القوم، وهو بهذا منهج لا يظهر فيه مجهود عالم واحد بل ينطق بمجهودات علماء كثيرين متعددي المناهج مختلفي العصور، متنوعي التخصصات والاهتمامات، كما أنه منهج يجمع بين التزام الملتزمين وإبداع المبدعين، ويظهر فيه عنصر النقل للتراث الموروث وعنصر النقل لاجتهاد المجتهدين، وهو بجانب ما

стр. 92

ذكرنا منهج تحصيلي لا يدل على تخصص صاحبه، وإنما يدل على سعة ثقافته وكثرة اطلاعه وجمعه، ثم انتخابه وتنسيقه، فهو يجمع من كل علم بطرق، ومن كل فن بلمحة، ومن كل تخصص بنبذة، ويوفق بين الجميع توفيقًا تامًا، وينسق بين أجزاء الشرح بانسجام يشعر بالتكامل والرابط، وهو أيضًا منهج تتعادل فيه عناصر الشرح وتتآزر بحيث لا يطغى عنصر على آخر، وإنما توضع هذه العناصر جنبًا إلى جنب، وفي مستوى واحد يكمل بعضها بعضًا. هذه هي مناهج شراح الشعر الجاهلي، والأسس التي قامت عليها، والصفات التي اتصفت به، حرصنا على أن نوردها كما جاءت في بحث الدكتور العمري ذي المجهود الطيب ولا يعني هذا اننا نوافقه في كل ما جاء فيها، ولكننا أوردناها للاستنارة من جهة، ولندلل من جهة أخرى أنه إذا كان شراح الشعر الجاهلي قد ساروا في أعمالهم وفق هذه المناهج الثلاثة فإن هذه المناهج ليست بالضرورة أن تنطبق على جميع أعمل الشراح في ديوان الحماسة، ذلك لأن الدارس في شرح الحماسة يجب عليه وهو يبحث في مناهج الشراح أن يضع في اعتباره أمورًا عدة أهمها: الغاية التعليمية التي كانت وراء الغلبة المطلقة في شروح الحماسة لا يمكن تجاهله أو التغافل عنه بأية حال من الأحوال، ولقد سبق أن أوضحنا في دراساتنا الممهدة لهذا البحث أنه منذ أن وقع الناس على ديوان الحماسة أصبح قبلة العلماء والمتأدبين، يتخذه العلماء محورًا في الدرس الأدبي، ويتخذه التلاميذ أساسًا في تعلم الأدب، بل أن ديوان الحماسة، بتتبعنا له في مجال الدرس الأدبي، كان المحور الثابت الذي لا يتغير في مختلف العصور حتى عصرنا هذا الحديث. والذي يتتبع أخبار العلماء أصحاب التخصص في اللغة والأدب يجد ديوان الحماسة ماثلًا لدى أغلبهم في عملية الدرس والتعليم، ففي المدرسة النظامية ببغداد

стр. 93

كان الخطيب التبريزي يدرسه لتلاميذه ويجتهد في عمل الشروح له حتى بلغ بها ثلاثة، ودرسه من بعده أبو منصور الجواليقي، ومن بعدهما أبو البركات كمال الدين الأنباري، ودرسه زيد بن علي الفارسي لتلاميذه في حلب ودمشق، وكذلك فعل ذلك سبط ابن الجوزي في القرن السابع الهجري حيث كان يدرسه بدمشق، وفي الأندلس كان لديوان الحماسة وجود في حلقات العلماء والتلاميذ، لاسيما الشلوبيني وابن عصفور، وكلاهما من شراح الحماسة. وفي عصرنا هذا الحديث أخبرنا الدكتور طه حسين بأن ديوان الحماسة كان في مطلع هذا القرن العشرين أحد مقررات الأدب في الأزهر الشريف، وفي تونس مر بنا أن الشيخ محمد الطاهر بن عاشور كان يدرس لتلاميذه في جامع الزيتونة ديوان الحماسة بشرح المرزوقي ثم عدل عن ذلك فاصطنع له شرحًا لا يزال مخطوطًا إلى اليوم. وأخبرني من أثق بكلامه أن كلية غبدون التذكارية عندا أنشئت بالخرطوم في العقد الثاني من هذا القرن كان طلابها يدرسون ديوان الحماسة في مادة بالخرطوم في العقد الثاني من هذا القرن كان طلابها يدرسون ديوان الحماسة في مادة الأدب العربي، بل لماذا أذهب بعيدًا وقد رأيت قبل ربع قرن أستاذنا الدكتور محمد زكي العشماوي - مد الله في عمره - يتخذ من قطع شعرية اختارها من ديوان الحماسة

стр. 94

مجالاً لتدريس مادة "نصوص أدبية" التي كانت مقررة علينا نحن طلاب السنة الأولى في قم اللغة العربية بكلية آداب جامعة القاهرة فرع الخرطوم. من أجل هذا كله كان للغاية التعليمية دور كبير في بلورة مناهج شراح الحماسة وتشكيلها، ومن أجل هذا أيضاً كان على الباحث في شروح الحماسة أن يضع هذه الغاية نصب عينيه، وهو يبحث في مناهج هذه الشروح وبالرغم من أن الدكتور العمري قد نوه بهذه الغاية عندما تحدث عن تطور شرح الشعر الجاهلي عبر أجيال العلماء فانه قد أغفلها حين حدد مناهج الشراح، ولم يضعها في اعتباره حين أورد الصفات التي يتصف بها كل منهج من الناهج السالفة الذكر. ومن أجل ذلك كان تحفظنا على جلة من الصفات التي حددها الدكتور العمري لهذه المناهج لأنها بدت عند التطبيق في شروح الحماسة نظرية بحتة وتحتاج إلى توجيه وبخاصة في منهجي المرزوقي والتبريزي في شرحيهما للحماسة. أضف إلى ذلك أن أول هذه المناهج وهو المنهج الالتزامي النقلي قد كان له حضور بصورة أو بأخرى في جل شروح الحمامة التي وقفنا عليها، حتى عند أصحاب المنهج الإبداعي الفني الذي تبرز فيه ذاتية الشارح وشخصيته بروزًا واضحًا ملموسًا. وأمر ثان ينبغي التنبه له وهو أن هذه المناهج الثلاثة التي حددها الدكتور العمري قامت من أجل خدمة الشعر الجاهلي وديوان الحماسة - الذي هو محور شروحه، بجانب ما ضمه من شعرًا جاهلي - ضم شعرًا إسلاميًا وأمويًا وعباسيًا. وصحيح أن منهج الشارح قد يأخذ - بالغلبة - سمتا واحدًا وهو يشرح قطعًا شعرية مختلفة العصور غير أن اللغة تشكل العبء الأكبر من عمل الشراح، واللفة الشعرية عند الشعراء تختلف من عصر إلى عصر، فهي عند الجاهليين غيرها عند الإسلاميين، وعند الأمويين غيرها عند العباسيين. ثم إن هناك تراثًا ضخما في شرح لغة الشعر يعين الشارح في شرح الشعر الجاهلي وبعض الشعر الإسلامي والأموي، أما بعضه الأخر وشعر بني العباسي فان العب، فيهما يقوم على الشارح وحده وبخاصة حين

стр. 95

نجد بعض شعراء بني أمية وبني العباس يستخدمون في لغتهم الشعرية ألفاظًا غير عربية دفعهم إلى استخدامها التطور الهائل الذي حدث في المجتمع العربي الإسلامي نتيجة للامتزاج الاجتماعي والحضاري والفكري بين العرب وغيرهم من الأجناس الأخرى، وهو امتزاج - بلا شك- قد حقق آثارًا بالغة بالخطورة لا في اللغة الشعرية فحسب بل في موضوعات الشعر ومضامينه وما يقوم عليه من مبان وأشكال. ومن هنا كان عمل الشارح الذي يشرح شعرًا جاهليًا غير عمل الشارح الذي يشرح شعرًا قيل في عصر بني أمية أوع صر بني العباس أو بعبارة أخرى الذي يشرح شعرًا محدثًا، لأن شرح الشعر المحدث لا يتطلب معرفة دقيقة باللغة وأسرارها، والنحو ومشكلاته، والصرف واشتقاقاته، والأخبار التاريخية وعلاقتها بالنص، والبيئة وما فيها من مواضع صامته ومتحركة. إنه يتطلب فوق ذلك الذوق الأدبي العالي والإحساس الرفيع بالجمال الفني، والإلمام التام بأساليب الشعراء وطرائقهم في التعبير، وتوليدهم للمعاني ممن سبقهم، ثم ربط ذلك كله بثقافة عالية تجعل صاحبها يدرك ما طرأ على الناس من جديد حضارة ونشوء فكر، ورقي اجتماع، إلى غير ذلك من الأمور التي كان لها تأثير واضح في ثقافة الشاعر المحدث وأفكاره ووجدانه بل ولغته الشعرية. ومن اجل هذا الاختلاف بين أدوات عمل شارح الشعر الجاهلي من غير رأينا ابن جني، وهو من نعلم في فهلم اللغة وأسرارها والقدرة على شرح الشعر غير المحدث، يقصر قصورًا واضحًا حين شرح ديوان أبى الطيب، المتنبي، قصورًا يجعلنا نصاب الدهشة حين نراه يعجز عن إدراك مراد أبي الطيب في قوله: تَبُلٌّ خَدَّيَّ كُلَّما ابتْسَمَتْ مِنْ مَطَرٍ بَرْقُهُ ثَنَاَيَاَهَا فيفسر هذا المطر بريق الحبيبة الذي يتطاير من فمها إذا ضحكت.

стр. 96

ثم هناك أمر ثالث لابد ان ينظر إليه الدارس لشروح الحماسة الباحث عن مناهج شراحها، وهو النظر إلى متلقي هذه الشروح لأن تلاميذ الشراح- كما اتضح لنا- كانوا متفاوتي القدرات، متبايني الثقافة، متعددي الأهواء والمنازع. منهم من كانت تستهويه قضايا اللغة وأسرارها والنحو ومعضلاته كالخطيب التبريزي الذي حمل على كتفه كتاب التهذيب للأزهري من تبريز إلى المعرة ليقرأه على شيخها أبي العلاء المعري، ويدرس عليه علوم اللغة والأدب فكان مما أخذه عنه شرح الحماسة الذي أصبح معلمًا بارزًا في شروحه فيما بعد. ومنهم الأمراء الذين كانوا يعدون أنفسهم للسيادة والسلطة كأمراء بني بويه الذين كان يؤدبهم الإمام المرزوقي يدرسون عليه الحماسة، ويأخذون منه الثقافة العالية في اللغة والأدب، ومنهم طلاب الأدب المحض لا تشغلهم قضايا اللغة واشتقاقات الصرف وعويصات النحو، والأخبار التاريخية الموغلة في سرد القبائل وأنسابها وأيامها وأمثالها، وإنما حسبهم من هذا كله ما يعينهم على إدراك معاني الشعر ومرامي الشعراء بأقرب سبيل وأسهل تناول. ومنهم طلاب منتظمون في مدارس، يريدون أن يأخذوا من كل علم قدرًا يؤهلهم للحياة، وينير لهم السبيل إلى تحصيل العلم حتى يخلفوا أساتذتهم في حلقات الدرس والتعليم مثل طلاب المدرسة النظامية ببغداد الذين توالت عليهم شروح الحماسة جيًلا بعد جيل. وثمة أمر رابع ينبغي وضعه في الحسبان، وهو أن بعض شراح الحماسة كان ينأي عن سبيل التأليف من اجل الدرس والتعليم إلى سبيل تقويمي نقدي، يقرأ شروح من سبقه في الحماسة أو رواياته لها فيجد فيها- الشروح والروايات- مواطن خلل ونقص، فتدفعه روح العلم والحرص على سلامته وكماله إلى التصدي- بالتأليف-

стр. 97

لهذه المواطن يحاول إصلاحها وضبطها، وذلك على نحو ما نجد عند أبي هلال العسكري في "ضبط مواضع من الحماسة" وأبي محمد الأعرابي في كتابه" إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري" وأبي نصر بن الدميك في كتابه" تتمة ما قصر فيه ابن جني في شرح أبيات الحماسة"، وهو أمر يمكن أن نلاحظ لمحات منه في شروح الشراح الآخرين الذين لم يسلكوا في التأليف هذه السبيل مثل تعرض أبي عبد الله النمري للقسام الديمرتي، والمرزوقي لأبي الفتح بن جني، والتبريزي للمرزوقي. ونحن إذا أدركنا هذه الأمور ثم نظرنا في المناهج الثلاثة التي عرضها الدكتور العمري وصفات كل منهج منها وجدنا أن المنهج الالتزامي النقلي بصفاته تلك لم يتخذ سبيلاً للشرح من قبل شراح الحماسة الذين وصلت إلينا شروحهم، وهذا بطبيعة الحال يرجع إلى أن هذا المنهج كان أول المناهج التي التزمها العلماء في شرح الشعر الجاهلي، ثم توالت بعده مناهج أخرى متأثرة به ولكنها مختلفة عنه، واختلافها هذا كان بتأثير من التطور الذي طرأ على حركة شرح الشعر، وهذا ما أوضحه الدكتور العمري حين تكلم عن تغير موجهات الحياة العلمية والثقافية نتيجة لامتزاج الشعوب والثقافات وتنوع العلوم، والتأثر بالفلسفات والمعارف الوافدة على الفكر العربي الإسلامي. الأمر الذي أدي إلى خروج علماء الأجيال اللاحقة عن الخط التقليدي الذي تمسك به علماء الالتزام والنقل ثم قال" فكان أن انطلق العلماء بلا قيود ولا حدود، تفننوا وأبدعوا واجتهدوا وانتقلوا بحركة الشروح من مرحلة الإبداع والاجتهاد القائم على العقل والدراية". وإذا كنا قد ذهبنا من قبل إلى أن شروح الحماسة قد بدأت تظهر في عقود النصف الثاني من القرن الثالث ولم يصل إلينا شيء منها سوى شروح من القرن الرابع وما تلاه من قرون فان من الطبيعي ألا نجد فيما وصل إلينا من الشروح شرحًا ذا منهج نقلى التزامي لأن مرحلة الالتزام بهذا المنهج كانت قد بدأت تتلاشي، ولم يبق منها

стр. 98

سوى آثار متفاوتة في شروح الشراح. إننا يمكن أن نجد لدى شراح الحماسة منهجين من المناهج التي حددها الدكتور العمري: المنهج الإبداعي الفني، والمنهج التجميعي الانتخابي، غير أننا- ونحن نتكلم عن شروح الحماسة- يجب أن نكون حذرين من تلك الصفات التي أسبغها الدكتور العمري على هذين المنهجين، ذلك لأن الدكتور العمري- كما بدا لنا من بحثه- يشتغل أسلوبًا فضفاضًا يُصَّوُر به الأمور تصويرًا لا تحتمله أو فوق ما تحتمله، وسوف يتضح لنا ذلك من خلال دراستنا لهذين المنهجين وتطبيقهما على شروح الحماسة. ولقد اتضح لنا أن شراح الحماسة- بجانب هذين المنهجين- قد سلكوا مناهج أخرى، فيها شيء من الإبداع وشيء من النقل، ولكنها شكلت مسارًا في الشرح يمكن أن يكون طريقًا تتبع أو منهاجًا يحتذي في شرح الشعر، ومن ثم نستطيع أن نقول إن شراح الحماسة وفق تلك الأمور التي أوضحاها، وفق رؤيتنا لشروحهم ودراستنا لها ذد سلكوا مناهج متعددة بلغت من حيث التقنين والتطبيق خمسة مناهج وهي: ١ - المنهج الأدبي الإبداعي الفني. ٢ - المنهج العلمي التخصصي. ٣ - المنهج التتبعي التقويمي. ٤ - المنهج التجميعي الانتخابي. ٥ - المنهج الاختصاري التسهيلي. وسوف نعرض مقومات هذه المناهج وصفاتها وفق رؤيتنا لها في شروح الحماسة رؤية تطبيقية تقوم على القراءة والاستخلاص للمعايير والمقومات لا رؤية نظرية تقوم علي وضع المعايير والمقومات ثم تحاول التطبيق فيعوزها ذلك إلى تغليب القليل على الكثير وتصوير الأمور في غير وضعها الصحيح، ويمكن وفق هذا أن نعرض صفات هذه المناهج الخمسة على النحو التالي:

стр. 99

١ - المنهج الأدبي الإبداعي الفني: هو أحد المناهج التي حددها الدكتور العمري وطبقه على شروح الإمام المرزوقي وبخاصة شرحه للحماسة مركزًا في ذلك على النصوص الشعرية التي هي مدار بحثه، ولقد رأينا فيما سبق مقومات هذا المنهج وصفاته كما عرضها الدكتور العمري، ونحن نتفق معه فيما جاء فيها من حيث هي صفات يمكن أن نجدها في شرح المرزوقي للحماسة، ولكننا نعترض على الأسلوب الذي عرض به هذه الصفات وبخاصة في قوله وهو يحدد مصير هذا المنهج بأنه منهج" يتفنن في استخراج مكامن علوم البلاغة لإظهار ما يؤديه جمال التصوير وروعه التعبير في إطار من حسن العرض وكمال التحليل وجوده التعليل. فالمروزقي- والحق يقال- يعد أكثر الشراح تناولا لعلوم البلاغة في شرحه ولكن تناوله لها لم يكن في درجة واحدة، فهو قد يحلل ويعلل ما يثيره من نواح بلاغية، غير أنه في جانب مقابل كثيرًا ما نراه يعرض هذه النواحي في عبارات موجزة متشابهة لا تتصف بحسن العرض وكمال التحليل وجودة التعليل بل انه في أحيان أخرى نراه يتجاوز إبراز النكات البلاغية في الأبيات التي يشرحها مهتمًا بعناصر أخرى غيرها، وأدل دليل على ذلك أننا حين قمنا بإحصاء لعمله في هذا الخصوص في القطع المائة الأولى من باب الحماسة، ويبلغ عدد أبياتها ٤٤٢ بيتًا وجدناه قد عالج نواحي مختلفة من البلاغة التي كانت تستدعى الوقوف ولم يقف عندها. وهذا القول لا ينطبق علي القطع المائة الأولى فحسب بل يشمل سائر قطع الاختيار على مختلف أبوابه. انظر على سبيل المثال هذا التصوير الاستعاري الذي جاء في حماسية هلال بن رزين وهو يصور كتيبة كثيفة العدد تطل على أعدائها بالموت الكثير: أَجَادَتْ وَبْلَ مٌدْجِنَةٍ فَدَرَّتْ عَلَيْهِمْ صَوْبَ سَارِيَةٍ دَرُورُ

стр. 100

فَوَلَّوْا تَحْتَ قِطْضِطِهَا سرِاَعًا تَكُبُّهُمُ المَهَنَّدَة الذكّورُ فلا شك أنك تلحظ كيف استغل الشاعر الاستعارة استغلالاً حسنًا في ابراز ما راده من معني، ومع ذلك فان الإمام المرزوقي قد تجاوز الوقوف عند هذا مكتفياً بشرح الألفاظ وعرض الم عني والحديث عن مقابلة صدر البيت الأول وعجزه. إننا لا نريد أن نغمط الرجل حقه، فهو بالرغم مما رأينا منه في هذا الجانب، فإن شرحه- كما قال القفطي- يعد "الغاية في بابه"، ولكننا مع ذلك لا نريد أن نقف عند الجوانب الإيجابية في شرحه دون التعرض إلى الجوانب السلبية فيه، كما لا نريد أن نصور الأمور في غير موضعها الحقيقي أو نضفي عليها أسلوباً بغلب قلتها على كثرتها. وثمة أمر آخر ذهب إليه الدكتور العمري- وهو يطبق هذا المنهج على شرح المرزوقي للحماسة- وهو أنه تكلم عن مسار الشراح في شرح النص الشعري فوضح أنهم يسيرون فيه في مسالك ثلاثة متوالية أولها: شرح الألفاظ الغربية، وثانيها: شرح العبارات المشكلة، وثالثها: توضيح المعني الكلي نتيجة لتوضيح العنصرين السابقين، ثم مضي فقال: فإذا نظرنا إلى شروح الشعر عند المروزقي نجد أن منهجة مغاير لك من سبقوه أو عاصروه. ان أول ما يثير اهتمام المرزوقي هو المعني يريد أن يقدمه أولاً قبل كل شيء. وقال في موضع آخر- والحديث عن المروزوقي: - "المعني هو ديدنه وهو شغله الشاغل وهو كل اهتمامه وكل هدفه، المعني له الصدارة، وله الأولية في الشرح دون أن يطغي عليه أي عامل مساعد آخر" ثم عرض أمثله اقتطعها من شرح الحماسية ليبرهن بها على صحة ما ذهب إليه، موازنًا بين عمل المرزوقي في هذا الجانب وعمل ابن جني في" التنبيه" لينتهي إلى قوله: " فإذا أنعمنا في هذا الشرح- يريد شرح الحماسة- وجدنا أن

стр. 101

المرزوقي ينهج نهجًا عكسيًا يختلف كثيرًا عما ألفناه لدى معظم الشراح ينتهج نهجًا تنازليًا، يبدأ من أعلى إلى أسفل، يبدأ بالكل ويتدرج إلى أن يصل إلى لجزء". فلا شك أن هذه النظرة في منهج الرجل تحتاج إلى توجبه، ذلك- لأنه- كما رأينا في شرحه للحماسة- لم يكن ذا خطوة ثابتة في بدء عملية الشرح بل أن عمله في ذلك لم يكن مطرداً على هذا النحو الذي ذهب إليه الدكتور العمري، ويمكن أن نوضح ذلك في الآتي: أولاً: أن شراح الحماسة جميعًا عدا أصحاب المنهج العلمي التخصصي، الذي سوف نوضحه فيما بعد- كان المعني همهم الأول والأخير، وليس المرزوقي وحده هو الموصوف بهذا، أما كيف يصلون إليه وبأيه طريق فتلك تتحكم فيها طبيعة الشارح ونفسيته واهتماماته، كما تتحكم فيها الغاية التعليمية التي يرمي إليها الشراح ويلجؤون- غالبًا- في تحقيقها إلى التدرج من الجزء إلى الكل أو من البسيط إلى المركب لأنهم رأوا أن هذه السبيل هي الأجدى والأنفع لطلاب المعرفة والتحصيل. ثانيًا: اختلف المرزوقي عن معظم الشراح الذين وقفنا على شروحهم في الحماسة لا لأنه كان يبدأ من الكل إلى الجزء، كما ذهب الدكتور العمري، ولكنه كان أدبيًا ذواقًا للفن الشعري، وهو مع كونه موصوفًا بهذه الصفة التي غلبت عليه في شرحه كان أيضًا عالمًا ملمًا بشتى العلوم التي تتصل بشرح الشعر والتي تثير عقله ووجدانه وتلعب دورًا رئيسيًا في شرحه. وفي إدراكنا أن المرزوقي وهو الأديب الذواقة العالم المتجر في علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد كان عند تعامله مع النص الشعري رهين إحساسه الذاتي، تثيره- وهو يشرح- الخطرة الأولى التي تشع في عقله ووجدانه، حال قراءته للنص، قد تتمثل هذه الخطرة في المعني فيعرضه أولاً، وقد تتمثل في لفظه فيسبق إليها بالشرح والإيضاح وقد تكون هذه الخطرة صورة بلاغية فيسجلها قبل المضي في الشرح، وقد تكون رواية فيبدأ بعرضها ومناقشتها، بل ربما تتمثل الخطرة في غرض الشاعر

стр. 102

ومراميه في الكلام فيعمد إليه أولاً أو في تركيب نحوي فيعرضه قبل إيضاح المعني وشرح الألفاظ، كل هذه العناصر كان المرزوقي يبدأ بها شرحه للنص. ولقد رأيناه بالإحصاء يعالج المائة قطعة الأولى من باب الحماسة، فكانت النتيجة لا تتفق مع ما ذهب إليه الدكتور العمري، فهو قد بدأ بالمعني في ثلاثة وسبعين ومائة بيت، وبشرح الألفاظ في ثلاثة ومائة بيت، وبالنحو في واحد وسبعين بيتًا، وبشرح العبارات الغامضة في ستة وثلاثين بيتًا، وبمناقشة الرواية في تسعة عشر بيتًا. ومن ثم فان مجموع العناصر الأخرى غير المعني قد بلغ ثلاثة وتسعين ومائتي بيت من مجموع قدره اثنان وأربعون وأربعمائة بيت، هذا فضلا عن أنه كان يكتفي بإيراد المعني فقط في جمله من الأبيات التي بدأ فيها بالمعني، دون مناقشة لعنصر من العناصر الأخرى، وربما عالج معه عنصراً أو عنصرين. ثالثًا: إن إبراز عمل المرزوقي في المعني واهتمامه به لا يظهر بالموازنة بينه وبين ابن جني، فالمرزوقي منهجه أدبي إبداعي فني، وابن جني منهجه علمي تخصصي، وشتان ما بين المذهبين في المقومات والصفات على نحو ما سنرى فيما بعد، ولو أن الدكتور العمري قد وازن بين عمل المرزوقي المعني وشارح آخر يسير على منهجه كأبي أحمد العسكري مثًلا لاتضح لنا قيمة عمل المرزوقي في المعاني، ولتبين لنا الصواب أو عدمه فيما ذهب إليه من أقوال. إننا لا نقول بأن المرزوقي لم يهتم بالمعني في شرحه، فالمعني هم كل شارح لهم يسلك سبيل العلم المتخصص ولكنه لم يكن في شرحه بهذا التقنين الذي وضعه فيه الدكتور العمري يبدأ بالمعني متدرجاً منه إلى العبارة ثم إلى الألفاظ أو على حد تعبيره يبدأ بالكل ويتدرج إلى أن يصل إلى الجزء" وإنما كان في ذلك محكومًا بما يثيره النص فيه من اهتمام حال قراءته، فهذه الإثارة هي التي تتحكم في معالجة النص عنده وطريقه سيره في الشرح. ولعلنا من خلال كل ما ذكرناه يتضح لنا أن هذا المنهج" الأدبي الإبداعي الفني" الذي سبق إلى مصطلحه الدكتور العمري يقوم على معايير وصفات نتبع منه، فهو- بلا تزيد وإنشاء- يعد منهجًا أدبيًا لأن صاحبه يجعلنا نحس- ونحن نقرأ شرحه-

стр. 103

بمتعتين: متعة النص الشعري المعالج ومتعة الأسلوب الذي يعرض فيه سرحه، ويعد إبداعياً، لأن الشارح لا يعتمد فيه على النقل والرواية وإنما على العقل والدراية، وان كنا لانعدم لمحات أثر للنقل والرواية في عمل صاحبه، غير انه أثر طفيف لا يمس إبداعه في شيء. وهو منهج فني لأن صاحبه يوظف علوم العربية من لغة ونحو وبلاغة ورواية ونقد لخدمة النصوص التي يعالجها محاولًا أن يبرز من خلال ذلك ثقافتها التي يضطلع بها وذاتية الدالة عليه، كما يستغل مكنته في معالجة عناصر الشرح بصورة تدل على فنية واضحة. ٢ - المنهج العلمي التخصصي: أما المنهج العلمي التخصصي فانه يقوم على صفات ومعايير تختلف في غلبتها عن المنهج الأدبي الإبداعي الذي رأيناه، قد يلتقي صاحبه مع أصحاب المنهج الإبداعي في أنه مثلهم يعتمد على عقليته ودرايته أكثر من اعتماده على نقله وروايته، ولكننا لا نعدم عنده من أثر النقل والرواية، فهو من حيث هذا الأثر مثل أصحاب المنهج الإبداعي، ولكنه في درجة أعلى منهم. إن ٠٢ جوهر الاختلاف بين المنهجين يكمن في عدة أمور أحدها: أن أصحاب المنهج العلمي يتعاملون مع النص الشعري وفق اهتمامهم العلمية المحضة، يثيرون من خلاله قضايا اللغة وما فيها من اشتقاقات وتصاريف ومعضلات النحو والإعراب، ولهذا لا يتخذون الأسلوب الأدبي الذي نجده عند أصحاب المنهج الإبداعي الفني، بل يتخذون في قضاياهم اللغوية والنحوية أسلوباً علمياً لا يمس الوجدان ليثير فينا متعة عند قراءته بل يخاطب العقل والعقل وحده. وثانيها: إذا كان أصحاب المنهج الإبداعي يعملون العقل ويكدون الفكر من أجل إبراز أغراض الشعر وما فيه من مضامين وأشكال، فان صاحب هذا المنهج يعمل أيضًا عقله ويكد فكره، ولكن في مجال العلم وحده، يستعرض فيه قوه ذهنه وفكره وقدرته على الاستنباط والتعليل في مجالات علوم اللغة والنحو والصرف وإثارة ما فيها من قضايا ومعضلات. وثالث هذه الأمور أننا رأينا أصحاب المنهج الإبداعي يهتمون

стр. 104

بالرواية، يعالجونها معالجة دقيقة، يفاضلون بينها، يختارون أفصحها أو أبلغها أو أسلمها أو أشهرها أو أوفقها للذوق، ويفحصونها بالنقد والتصويب معتمدين في ذلك على الألفاظ ومدى موافقتها للسياق، أو على المعني ومدي ماله من أهمية وقيمة، أو على الحس الموسيقي إذا كان في الرواية ما يؤدي إلى ضعف في موسيقي الشعر دون ضرورة. أما أصحاب هذا المنهج فإنهم يهتمون بالرواية ولكن ليس من هذه الوجهة التي نجدها عند الإبداعيين، وإنما من وجهة علمية بحتة، ينظرون إليها من خلال اللغة والإعراب، يستعرضونها إعرابها في أوجهها المختلفة أو تفسيرها لغويًا وما يتبع ذلك من تصريف واشتقاق ووزن. ورابع هذه الأمور أنه إذا كان الإبداعيون يهتمون بالمعني كثيرًا، ويبتكرون له أكثر من وجه ويعرضون ذلك في أسلوب أدبي فيه فنيه وجمال يثيران المتعة فان أصحاب هذا المنهج العلمي لا يهتمون بالمعني كثيرًا، وإذا بدر منهم شيء من اهتمام فإنما ينصب على ربطه بالإعراب وفق تصورهم النحوي في شيء من التعليلات النحوية والمنطقية فالمعني عند أصحاب هذا المنهج لا وجود له إلا إذا كان له صلة بالإعراب، فإن لم تكن هذه الصلة تأت شروحهم خالية من إيراده، مكتفين في ذلك بما أثاروه من قضايا نحوية ولغوية، وطبيعي إذا كان هذا دأبهم أن تأتي شروحهم خالية من النواحي البلاغية التي تبرز المعاني وتكشفها، فهم في هذا اعلي النقيض من أصحاب المنهج الإبداعي الذين نحد في شروحهم معالجات متفاوتة للبلاغة وفنونها المختلفة وفق اهتمامهم بالمعاني وتوضيحها. هذه هي معايير المنهج العلمي وصفاته عرضناها من خلال هذه الموازنة بصفات المنهج الإبداعي ومعاييره قصدًا إلى كشفها وإيضاحها، لما للمنهجين من تباين واختلاف. ولعل أظهر شارح من شراح الحماسة يمكن أن ينطبق عليه هذا المنهج بجميع الصفات والمعايير التي أوضحاها هو أبو الفتح عثمان بن جني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ، وذلك في كتابية" التنبيه على شرح مشكلات الحماسة" و"المبهج في شرح أسماء شعراء الحماسة" ويشاركه في هذا المنهج أبو البقاء العكبري المتوفى سنة ٦١٦ هـ في كتابه" إعراب الحماسة" غير أنه لا يدخل في الفترة التي حددناها لدراسة

стр. 105

شروح الحماسة ولهذا فإن عملنا في تطبيق هذا المنهج سوف يكون مقصوراً على ابن جني وحده. ٣ - المنهج التتبعي التقويمي: وأما المنهج التتبعي التقويمي فهو منهج برز عند علماء القرن الرابع وما تلاه من قرون. ويمكن أن نجد ملامح منه لدي أصحاب المناهج الأخرى. ذلك لأنه يقوم على أعمال السابقين، يتتبع هذه الأعمال، يقف على ما فيها من أخطاء وأوهام يعرضها ويفندها ويبن الوجه الصحيح فيها. ومن ثم فإن أعمال أصحاب هذا المنهج لا تقوم من تلقاء ذاتها، كما هو الحال عند أصحاب المنهجين السابقين، وإنما قيامها في التأليف رهين بأعمال السابقين، وهي بهذا تشكل منهجين مزدوجين: منهج في إنشاء الكتب وتصنيفها، ومنهج في طريقه معالجه هذه الكتب، إذ أن الذي يتتبع شروح الآخرين ليكشف ما فيها من أخطاء، ويصنع في ذلك كتابًا يعد صاحب طريقة في التأليف ثم انه وهو يتتبع هذه الأخطاء ويعالجها يحتاج إلى طريقة أخرى يقوم عليها عمله ومن هنا كانت أعمال هؤلاء مختلفة عن غيرهم من الشراح، ومن هنا كان اتجاهاهم هذا منهجاً قائماً لذاته مع إدراكنا التام بأن عملهم وهو يتتبعون أعمال غيرهم ويقومونها قد يكون متأثراً بالمناهج الأخرى، نجد فيه آثاراً من المنهج النقلي وآثارًا من المنهج الإبداعي، وقد يكون مزيجًا من المنهجين معًا. ولا شك في أن أصحاب هذا المنهج ذوو ثقافة واسعة ملمون بسائر العلوم التي تتصل بشرح الشعر، فهم- كما رأيناهم في أعمال الحماسة- مطلعون على الرواية وما فيها من اختلافات، قادرون على مناقشتها بوسائل مختلفة، وهم بجانب هذا عالمون بالأخبار التاريخية واقفون على أحوال الشعراء والمناسبات التي نظموا فيها شعرهم مستوعبون لوسائل الأداء الشعري، مدركون للغة وأسرارها، مجيدون لكل ما من شأنه أن يعينهم على النقد والتقويم. وإذا علما أن من الذين اتجهوا نحو هذا المنهج عالمين معروفين أحدهما من علماء القرن الرابع هو أبو هلال العسكري المتوفى سنة ٣٩٥ هـ، والآخر من علماء القرن

стр. 106

الخامس هو أبو محمد الأعرابي الغندجاني المتوفى سنة ٤٣٦ هـ، أدركنا حقيقة ما ذكرناه من اضطلاع أصحاب هذا المنهج بسائر أصناف العلم التي يحتاج إليها كل من يسلك سبيل هذا المنهج ويتصدى لأعمال غيره من الشراح بالنقد والتقويم، فأبو هلال من خلال مؤلفاته التي وصلت إلينا بعد موسوعة في علوم اللغة والأدب والبلاغة والنقد. وأبو محمد الأعرابي كان علامة نسابه عارفًا بأيام العرب وأشعارها وأحوالها، وكان مثيل شيخه أبي الندي يجوب بوادي العرب ليأخذ منها ما يزيد معرفته في هذه العلوم. إن تطبيقنا لهذا المنهج سوف يكون في عملين لهذين العالمين احدهما" ضبط مواضع من حماسة أبي تمام" لأبي هلال العسكري، والآخر"إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري" لأبي محمد الأعرابي. ٤ - المنهج التجميعي الانتخابي التكميلي: وإذا كان المنهج التتبعي التقويمي يقوم على أعمال السابقين من أجل تقويمها ونقدها وتصحيح ما فيها من أخطاء، فان المنهج التجميعي الانتخابي التكميلي يقوم أيضاً على أعمال السابقين ولكن من وجهة أخرى غير النقد والتقويم والتصحيح. أنه المنهج الذي يتجه فيه صاحبه إلى تجميع أعمال السابقين بغية أن ينتخب منها شرحًا يحاول فيه استيفاء جميع عناصر الشرح. ولقد رأينا فيما سبق أن هذا المنهج من المناهج التي حددها الدكتور العمري في شروح الشعر الجاهلي، ورأينا صفاته ومعاييره كما عرضها في بحثه، ولكن إذا كانت تلك رؤيته لمقومات هذا المنهج من خلال شروح الشعر الجاهلي فإن رؤيتنا لها من

стр. 107

خلال شروح الحماسة تتسم ببعض المخالفة فيما ذهب إليه، وبخاصة حين نحاول تطبيق هذا المنهج على الخطيب التبريزي في شرحه للحماسة لا في شروحه للشعر الجاهلي، فالتبريزي وان كان في شرحه للحماسة تجميعياً انتخابياً تكميلياً فان جملة من الأقوال التي عرضها الدكتور العمري لصفات هذا المنهج لا تنطبق عليه بل تبدو- كما أسلفنا- نظرية بحته يصعب تطبيقها عملياً إلا عن طريق تصيد الأمثلة القليلة النادرة التي تخطر بين تضاعف هذا الشرح، فمن الأقوال التي طرحها الدكتور العمري في صفات هذا المنهج" أنه منهج يجمع من كل علم بطرف، ومن كل فن بلمحة، ومن كل تخصص بنبذة، ويوفق بين الجميع توفيقاً تامًا، وينسق بين أجزاء الشرح بانسجام يشعر بالتكامل والترابط" ومنها أيضًا "أنه منهج تتعادل فيه عناصر الشرح وتتآزر بحيث لا يطغى عنصر على آخر، وإنما توضع العناصر كلها جنبًا إلى جنب وفي مستوى واحد يكمل بعضها بعضًا". فهذه الأقوال عندما عرضناها على شرح التبريزي في الحماسة وجدنا أنها تحتاج إلى توجيه وتمحيص، فنحن لا ننكر أن التبريزي قد حاول في شرحه أن يجمع من كل علم بطرف، ومن كل فن بلمحة، ومن كل تخصص بنبذة. أما انه كان يوفق بين الجميع توفيقًا تاماً وينسق بين أجزاء الشرح بانسجام يشعر بالتكامل والترابط، فهذا ما لم نحسه إلا في القليل النادر، ولو كان الأمر كما صوره الدكتور العمري لما رأينا الدكتور أحمد أمين- ﵀ يسجل انطباعه عن قراءته لشرح التبريزي فيقول: نحوى لغوي أكثر منه أدبياً وناقداً فكنت أقرأ الشرح أحياناً وأنا متعطش جداً لأفهم معني بيت فلا أجده لأن الشارح انصرف إلى شيء آخر". وهذا الذي أحسه الدكتور احمد أمين وهو يقرأ شرح التبريزي يحسه كل قارئ لهذا الشرح فالتبرزي جماع منتخب ولكن تجميعه وانتخابه لا يبدو فيهما الانسجام والترابط إلا في جوانب قليلة من شرحه، أما في جمهور شرحه فان اللغة والنحو

стр. 108

يطغيان عليه طغيانًا واضحًا، بل انه كثيرًا ما نراه يكتفي في شرح البيت والواحد فقط أو باللغة والنحو غير بالمعني ولا مهتمًا بإيراده وتستطيع ان تجد برهان هذا القول في مواضع كثيرة شملت سائر أجزاء الشرح، وهو - كما رأيناه ورآه عبد السلام هارون- كان في غلبه شرحه عالة على المرزوقي، ومع ذلك كثيرًا ما يسقط المعني الذي أورده المرزوقي مكتفيًا من ذلك بالنحو فقط. انظر مثلاً كيف كان عمله في شرح بيت حفص العلمي الوارد في باب النسيب والذي يقول فيه: فَيَا رَبَّ إِنْ لمَ تَقْضِهَا لي فَلاَتَدَعْ ... قَذُور لَهُمْ وَاقْبِضْ قَذُورَ كَما هِيَا نقل التبريزي من المزروقي هذا القول: " وموضع" كما هيا" نصب على الحال، وما من قوله"كما يجوز أن تكون بمعني الذي، وتكون هي خبرًا لمبتدأ محذوف كأنه قال: كالذي هو هي، ويجوز أن تكون ما كافة الكاف عن عمل الجر ويكون هي في موضع المبتدأ والخبر محذوف والمعني اقبضها كما هي". هذا ما نقله التبريزي عن المرزوقي لم يتصرف فيه بشيء ولم يضف إليه شيئًا، ولكن انظر ماذا قال المروزفي في شرحه قبل أن يورد هذا الكلام في النحو والإعراب قال: " دل بالبيت على ضيق صدره بحاله، وشده ضنه بصاحبته، فدعا ربه أن يقبض قذور إليه إن لم يقدر بينهما مرافأة والتحاماً، ويتوفاها بالموت ليأمن أن يملك أمرها غيره، وهذا يدل على شدة غيره فيه، ومضايقة للناس كافة في شيء يتمناه، ثم يقصر عنه". فهل مثل هذا العمل في الشرح يمكن أن يوصف صاحبه بأنه يوفق بين أجزاء من العلم والفن والتخصص توفيقًا تامًا، وينسق بين أجزاء الشرح بانسجام يشعر بالتكامل والترابط؟ ! كذلك لا نجد عند التطبيق ما يدعم قول الدكتور العمري الذي جاء فيه أن هذا المنهج تتعادل فيه عناصر الشرح، وتتآذر بحيث لا يطغي عنصر على آخر، وإنما

стр. 109

توضع العناصر كلها جنبًا إلى جنب وفي مستوى واحد يكمل بعضها بعضًا "فالتبريزي- كما أشرنا من قبل- كان معلمًا في النظامية يدرس الأدب بها، وكان يدرسه من خلال مختارات شعرية منها المعلقات والمفضليات، ومنها ديوان الحماسة وكانت لدية حصيلة من الشروح جمعها لتكون عدة له في عمله شأن كل معلم في أي زمان يدرس الأدب القديم، كان لديه من شروح المعلقات شرح أبي جعفر النحاس وشرح أبي بكر بن الأنباري فانتخب من هذين الشرحين شرحه للقصائد العشر، وكان لديه من شروح المفضليات شرح الأنباري وشرح المرزوقي فانتخب منهما شرحه للمفضليات. أما في ديوان الحماسة فقد كانت لديه شروح عدة- بدت لنا من شرحه- هي شروح القاسم الديمري وأبي رياش، وأبي بكر الصولي، وأبي عبد الله النمري، وأبي على المرزوقي، أبي هلال العسكري، وأبي العلاء المعري، وأبي القاسم الفسوي، وكان لديه كتاباً التنبيه والمبهج لأبي الفتح بن جني، وكتاب" إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري" لأبي محمد الأعرابي، هذا فضلاً عن سماعاته من الشيوخ وقراءاته في كتب علماء اللغة والنحو أمثال الخليل وسيبويه والمبرد وغيرهم، وكانت عناصر الشرح، كما تبلورت في ذلك الزمن تتمثل في الآتي: (١) شرح أسماء الشعراء. (٢) ذكر مناسبة الشعر. (٣) تحديد بحر الشعر وضربة وقافيته (٤) اختلاف الروايات ومناقشتها واختيار الأجود منه. (٥) شرح لغة الشعر وما فيها من تصريف واشتقاق وأوزان. (٦) ذكر ما يتصل بالشعر من قضايا الإعراب والنحو. (٧) إيراد المعني وما فيه من تأويلات. (٨) رواية الأحداث التي تتصل بالنص وما قيل فيها من أشعار وأمثال وأخبار. (٩) التعريف بالأعلام الواردة في النص الشعري (١٠) إيراد اختلافات الشراح في عناصر الشرح وما وجهه بعضهم لبعض من نقد واعتراض. (١١) نقد الشعر المختار في الحماسة وإيراد آراء السابقين في هذا الخصوص. (١٢) معالجة النواحي البلاغية التي اشتمل عليها النص. هذه هي عناصر الشرح كما تبلورت في ذهن التبريزي في ذلك الزمن فماذا يصنع حتى يقدم لتلاميذه شرحًا يشمل جميع هذه العناصر، وهو الرجل ذو المنهج

стр. 110

التجميعي الانتخابي. نظر في الشروح التي أمامه فوجدها كما صورها في مقدمة شرحه حين تكلم عن ديوان الحماسة وشراحة قال: "فمنهم من قصر فيه، ومنهم من عني بكر إعراب مواضع منه دون إيراد المعاني، ومنهم من أورد الأخبار التي تتعلق به وأعرض عن ذكر المعاني، ومنهم من ذكر المعاني دون الأعراب والأخبار. وكان من الطبيعي- والحال كما صوره في هذه الشروح- أن ينتخب ما يوفر لشرحه جميع العناصر السالفة فهي- مجموعة لا منفردة- قد تشتمل على ذلك، فما عليه إذن إلا أن يأخذ من كل شرح ما تقتضيه الحاجة إلى استيفاء هذه العناصر، ثم ينسقها ويرتبها ترتيباً يحق لها التعادل والتآزر بحيث لا يطغي أحدها على الآخر، ويضعها كلها جنبًا إلى جنب وفي مستوى واحد يكمل بعضها بعضًا، هذا ما رمي إليه الدكتور العمري، وما يرمي إليه كل متصور للمنهج التجميعي الانتخابي، ولكن هل حق التبريزي هنا في شرحه للحماسة؟ أننا بعد دراسة مضنية لشرحه ومضاهاة مجهدة لعمله بما جاء في شرح المرزوقي واستخرج جميع ما أخذه منه اكتشفنا الحقيقة الآتية: انه جعل شرح المرزوقي أصلًا لشرحه في جمهور النصوص الشعرية الواردة في ديوان الحماسة، ثم لجأ إلى الشروح الأخرى يحاول أن يكمل منها ما ينقص شرح المرزوقي من عناصر، فأخذ شرح أسماء شعراء الحماسة والأعلام الواردة في الشعر من ابن جني وأبي العلاء وأبي رياش وأبى هلال وأخذ ما يتصل بالنصوص من مناسبات وأخبار وأحداث من أبي رياش وأبي هلال وأبي محمد الأعرابي، وأخذ اللغة والنحو من المرزوقي أولًا ثم من أبي العلاء وابن جني، وأخذ بعض ما أورده النمرى منمعان وبخاصة في المواطن التي كان أبو محمد الأعرابي يعترض عليه فيها، كما اخذ بعض المعاني الأخرى من شرح زيد بن على الفارسي الفسوي، وأخذ في مواضع قليلة بعض ما أورده أبو هلال في نقد الشعر المختار في الحماسة، وسجل لنا بعض اعتراضات المرزوقي على ابن جني مبينًا رأيه في ذلك، كما سجل لنا بعضًا من مناقشات أبي العلاء لأبى رياش وأبي
следующие страницы →