Полный текст (366 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الحديث السابع
أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٦٧):
حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق، حدثنا معروف بن حسان السمرقندي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ :
"إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة، فليناد: يا عباد الله احبسوا عليّ، فإن لله في الأرض حاضرًا سيحبسه عليكم".
وأخرجه أبو يعلى في "المسند" (٩/ ١٧٧): حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق ... به.
ومن طريقه ابن السني (٥٠٨) إلا أنه وقع فيه زيادة عن ابن بريدة، "عن أبيه"، فزاد (عن أبيه).
وأظنه من التحقيق فإن غالب النسخ المطبوعة غير مخدومة الخدمة العلمية اللائقة.
وقد هوَّن المؤلف من ضعف هذا السند، فقال (ص: ٢٢٥):
(قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٣٢) بعد أن عزاه لأبي يعلى والطبراني: فيه معروف بن حسان وهو ضعيف، وكذا قال
стр. 177
الحافظ البوصيري في مختصر إتحاف السادة المهرة ... ، وقال الحافظ في تخريج الأذكار (شرح ابن علان ٥/ ١٥٠) بعد أن عزاه لابن السني والطبراني: وفي السند انقطاع بين ابن بريدة وابن مسعود. ا. هـ.
ومع ذلك فللحديث طرق تقويه وترفعه من الضعف إِلى الحسن المقبول المعمول به).
قلت: هذه العبارة الأخيرة فيها مجازفة كبيرة، وتدليس عريض.
فإنه يوهم القراء الكرام بأن ضعف معروف بن حسان من قبيل الضعف المحتمل الذي يتقوى بمجيء مثله من وجه آخر، وليس كذلك، بل لا أظنه قد خفي عن المؤلف حال معروف هذا، فإنه شديد الضعف.
فقد قال فيه أبو حاتم الرازي: "مجهول"، وقال ابن عدي: "منكر الحديث"، وكلاهما من قبيل التضعيف الشديد، والمؤلف على معرفة تامة بذلك، وقد خطَّ بيده في كتابه ما يدل على ذلك، فقال (ص: ١٤٩):
(قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" كما في "نصب الراية" (١/ ١٧٩)، و"فتح المغيث" (١/ ٣٤٧): قولهم: "روى مناكير" لا تقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي أن يُقال فيه: "منكر الحديث"، لأن منكر الحديث وصف في الرجل
стр. 178
يستحق به الترك لحديثه ا. هـ.).
وقال ابن عدي أيضًا: "ومعروف هذا قد روى عن عمر بن ذر نسخة طويلة وكلها غير محفوظة".
وقال الخليلي: "له في الحديث والأدب محل، وروى كتاب العين عن الخليل بن أحمد، روى عن عمر بن ذر نسخة لا يتابعه أحد".
قلت: قد تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه، دون باقي أصحاب سعيد بن أبي عروبة، والمتن فيه نكارة ظاهرة، ويكفي ما جُرِّح به الرجل حتى يُردُّ حديثه، ولا يُقوى بالمتابعة، فتنبه.
وأما الشواهد التي ذكرها المؤلف للتقوية فهي:
١ - ما أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٧/ ١١٧ - ١١٨):
حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا عبد الرحمن بن شريك - وتصحفت في المعجم إلى سهل -، حدثني أبي، عن عبد الله بن عيسى، عن زيد بن علي، عن عتبة بن غزوان، عن نبي الله ﷺ ، قال: "إذا أضل أحدكم شيئًا، أو أراد أحدكم عونًا وهو بأرض ليس بها أنيس، فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عبادًا لا نراهم". وقد جُرِّب ذلك.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، فقد تفرد به من هذا الوجه
стр. 179
عبد الرحمن بن شريك، عن أبيه، وكلاهما متكلم فيه.
وقد صحَّف المؤلف اسم زيد بن علي إلى يزيد بن علي في موضعين، مع أنه قد ورد عند الطبراني على الوجه الصحيح، والظاهر أنه فعل ذلك تعمية لأمر زيد هذا، فإن زيد هذا هو ابن علي بن الحسين، وبين ولادته وبين وفاة عتبة بن غزوان عمرًا طويلًا، فزيد بن علي ولد سنة ثمانين، ووفاة عتبة بن غزوان سنة سبع عشرة، وبينهما بون شاسع من الزمن، فالسند ليس أقل من أن يكون معضلًا، والمعضل شديد الضعف، ولا يتقوى بالمتابعة كما هو معلوم في علم الحديث.
٢ - مرسل أبان بن صالح.
وهو عند ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٢٤):
حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، أن رسول الله ﷺ قال:
"إذا نفرت دابة أحدكم أو بعيره بفلاة من الأرض لا يرى بها أحدًا، فليقل: أعينوني عباد الله، فإنه سيعان".
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن محمد بن إسحاق صدوق، موصوف بالتدليس وقد عنعن هذا الخبر.
وأما المؤلف فقد لمز العلَّامة الألباني - حفظه الله - فقال (ص: ٢٢٦):
стр. 180
(وأعله الألباني في "ضعيفته" (٢/ ١٠٩) بالإعضال وهو خطأ لأن أبان بن صالح من صغار التابعين).
قلت: هذه حجة من لا بضاعة له في هذا العلم، فقد وصف - قبل الألباني - مراسيل هذه الطبقة من العلماء بالإعضال جماعة منهم الحافظ الذهبي، فقال في "الموقظة" (ص: ٤٠):
"من أوهى المراسيل عندهم: مراسيل الحسن.
وأوهى من ذلك: مراسيل الزهري، وقتادة، وحميد الطويل من صغار التابعين، وغالب المحققين يعدون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات، فإن غالب روايات هؤلاء عن تابعي كبير، عن صحابي، فالظن بمرسله أنه أسقط من إسناده اثنين".
قلت: أبان بن صَالح روى عن الزهري، وعن الحسن، فهما من شيوخه، وقد حكم المحققون على مراسيل هذين الراويين بأنها معضلات، فكيف بمرسل من يروي عنهما؟ ! هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإنه لم يصح له الرواية عن أحد من الصحابة، وإنما ذكروا له حديثًا عن أنس بن مالك عند الترمذي: "الدعاء مخ العبادة"، وهو حديث ضعيف، روي من طريق ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبان به، ووصفه الترمذي بالغرابة، فقال: "غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة".
وقد رواه عن ابن لهيعة الوليد بن مسلم، وابن لهيعة حاله
стр. 181
مشهورة، فالحديث ليس بحجة على ثبوت رواية أبان بن صالح عن أنس، ومن ثم فوصف مرسله هذا بأنه معضل هو الصواب، والمعضل لا يتقوى بالمتابعة.
٣ - حديث ابن عباس ﵁.
أخرجه البزار (كشف: ٣١٢٨) من طريق:
حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال:
"إن لله ملائكة في الأرض، سوى الحفظة، يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة، فليناد: أعينوا عباد الله".
قلت: وهذا إسناد فيه ضعف، فإن أسامة بن زيد متكلم فيه، وله مناكير، وقد اختلف عليه فيه.
فرواه جعفر بن عون، وروح بن عبادة، وعبد الله بن فروخ، ثلاثتهم عن أسامة بن زيد بسنده موقوفًا.
ولقائل أن يقول: فالأصح على هذا الوقف لأنه قول الأكثر والأوثق؟ !
فالجواب: هذا محتمل إن كان المختلف عليه ثقة، وأما إن كان ضعيفًا فالأولى الحمل عليه فيه، بدلًا من تخطئة الثقات الذين رووه عنه، وحينئذ يوصف بأنه قد اضطرب فيه.
стр. 182
وعلى أي وجه ترجح القول سواء بالرفع أو بالوقف فثمة مخالفة أخرى بين أسامة بن زيد وبين ابن إسحاق، فإن ابن إسحاق أوثق ولابد من أسامة، وقد أرسله، فهو المحفوظ إن شاء الله تعالى.
وأما المؤلف فقد كان له خطبًا جليلًا مع هذا الحديث، فقال (ص: ٢٢٧):
(وأعل الألباني في ضعيفته (٢/ ١١٢) الطريق المرفوعة عن ابن عباس بهذه الموقوفة، فقال: جعفر بن عون أوثق من حاتم بن إسماعيل ولذلك فالحديث عندي معلول بالمخالفة، والأرجح أنه موقوف. اهـ.
قلت: هذا خطأ من وجهين:
أولهما: تقرر في علم الحديث أنه إذا تعارض الرفع والوقف فالحكم فيه للرفع.
ثانيهما: إن حاتم بن إسماعيل لم ينفرد برفع الحديث، بل وافقه على الرفع محمد بن إسحاق كما تقدم بالإضافة إلى شاهد عبد الله بن مسعود المذكور أولًا.
والصواب هنا أن يُقال: إن أبان بن صالح كان يرفعه أحيانًا، وأحيانا أخرى لا ينشط لرفعه، ونظائره كثيرة جدًّا).
قلت: وهذا كلام ساقط كعامة منافحاته عن الأحاديث الساقطة في كتابه.
стр. 183
وقد ناقض نفسه بنفسه، ودل على جهله بقلمه.
فالذي قرره في هذا الموضع أنه عند تعارض الرفع والوقف فالرفع مقدَّم، وقبلها بصفحات قليلة ناقض هذا القول، فقال (ص: ٢١٩) أن للمحدِّثين مسلكين في هذه المسألة، قال:
(فأولهما: إن الرفع زيادة ثقة، وهي مقبولة، إذ إن الحكم لمن أتى بالزيادة، وهو مذهب الخطيب البغدادي وجماعة من أئمة الفقه والحديث والأصول.
وثانيهما: الترجيح باعتبار القرائن ... ).
فلماذا لم يعتبر بالترجيح بالقرائن هنا كما فعل هناك؟ ! لسبب بسيط، وهو أن الترجيح بالقرائن سوف يفسد عليه حديثه، لا سيما وأن ثلاثة من الرواة قد رووه عن أسامة بن زيد موقوفًا، وخالفهم واحد فقط، فيه كلام من حيث الضبط.
ثم إن الذي قرره هذا من تقديم الرفع على الوقف إنما هو قول الفقهاء لا قول المحققين من أهل الحديث، لا سيما الأئمة المتقدمين من أهل العلم، وقد تقدَّم النقل عن العلماء كابن دقيق العيد، والعلائي، والحافظ ابن حجر ما يدل على ذلك.
وأما ترجيحه المرفوع بتعضيده بالمرسل المرفوع وبالشاهد المنكر عن ابن مسعود فلم أر من أهل العلم من فعلها قبله، أن يعضد الراجح بالمرجوح والمنكر، وإنما أراد بذلك التمويه على من لا علم له بهذه
стр. 184
الصناعة، فإن حديث ابن مسعود لا دخل له بهذا الحديث، ولا اشتراك بينهما في السند ألبتة، والرسل متعارض مع الوصول المرفوع، فلا بد من الترجيح، لا التعضيد.
وأخيرًا: فعلى فرض التسليم له بصحة الحديث الأخير، فهو دال على أن ذلك استعانة بالمخلوقين الأحياء، وقد دلت رواية ابن عباص على أنهم من الملائكة، ولم يمنع أحد أن يستعين الناس بغيرهم من المخلوقين على ما يقدروا على فعله، وليس هو بمجيز للتوسل بالجاه، ولا هو من هذا الباب في شيء، فتنبه إلى ذلك ترشد إن شاء الله.
* * *
стр. 185
* فصل *
ومن أغرب الحجج التي احتج بها المؤلف على تقوية هذا الحديث: ادعاؤه بأن بعض الأمة قد انعقد عملها به، وأن ما انعقد به عمل الأمة من الأحاديث، وإن كانت ضعيفة السند، فهي مقبولة.
قال المؤلف (ص: ٢٢٩):
(إذا ورد حديث بسند ضعيف يصير من قسم المقبول الذي هو أعم من الصحيح والحسن إذا تلقته الأمة بالقبول، أما إذا عمل به بعض الأمة - كحديثنا هذا - ففي عملهم تقوية له).
وقال (ص: ٢٣٠):
(والحاصل أن للناقد مسلكين في تقوية هذا الحديث:
أحدهما: تقويته بالشواهد، فيصير حسنًا، ولا ريب في ذلك.
ثانيهما: تقويته بعمل الأمة به.
وأحد المسلكين أقوى من الآخر).
قلت: هذه المسألة، أقصد مسألة الحكم على الحديث بالقبول إذا تأيد بعمل الأمة مما تفرد به بعض المتأخرين، وأما المتقدمون، فلا يذهبون إلى مثل هذه التقوية، وتفصيل هذه المسألة كما يلي:
стр. 186
قال السيوطي في الحديث القبول في "البحر الذي ذخر":
"ما تلقاه العلماء بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح".
وقال في "التعقبات على الموضوعات":
"قد صرح غير واحد بأن من دليل صحة الحديث قول أهل العلم به، وإن لم يكن له إسناد صحيح".
قلت: قد نُقلت بعض العبارات في ذلك عن ابن الهمام، وأبي إسحاق الإسفرائيني.
واغتر من أطلق القول بذلك ما ورد عن الشافعي ﵀ أنه قال:
"وما قلت: يعني في تنجيس الماء بحلول النجاسة فيه من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله، لكنه قول العامة، لا أعلم بينهم خلافه".
وهذا القول إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الحجة في ذلك الاتفاق على ذات الأمر، والاتفاق وإن وافق معنى الحديث أو متنه فلا يدل على قبول الحديث بحال، ولا تثبيته، وإنما الحجة في الاتفاق، وما قامت الحجة بمدلوله إلا بقيام الاتفاق عليه.
والقبول إنما هو تثبيت نسبته إلى النبي ﷺ ، وهذا ولا شك ليس من شروط الصحة في شيء، فإن أئمة الحديث لم يشترطوا ضمن شروط الصحة قبول الأمة واتفاقهم عليه، بل الأمة وقع بين
стр. 187
علمائها الخلاف في تصحيح وتضعيف جملة كبيرة من الأحاديث.
ويؤيد ذلك ما نقله ابن القيم ﵀ في الروح في حديث تلقين الميت، قال:
"سئل عنه الإمام أحمد ﵀ فاستحسنه، واحتج عليه بالعمل".
قلت: والحديث المروي في الباب ضعيف، وإنما احتج عليه أحمد بعمل السلف، ولم ينقل عنه تصحيحه ألبتة.
وقد ذكر العراقي عن العز بن عبد السلام: أن بعض المعتزلة يرون أن الأمة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحته، قال: "وهو مذهب ردئ".
والمسألة فيها تفصيل قد ذكرته في غير هذا الموضع.
والشاهد: أن هذا المذهب ضعيف، ولا تقوم به حجة يتقوى بها الحديث.
ولو سلمنا للمؤلف بهذا المذهب، فإن الأمة لم ينقل عنها العمل بهذا الحديث، وإنما حكاه عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -، والطبراني، والنووي، وقد خالفهم فيه من هو أعلم منهم وأقدم وهو ابن المبارك ﵀.
فقد أخرج أبو إسماعيل الهروي في "ذم الكلام" (٣/ ١١٠):
أن ابن المبارك ﵀ كان قد ضل في بعض أسفاره في
стр. 188
طريق، وكان قد بلغه أن من اضطر إلى مفازة فنادى: عباد الله أعينوني، أُعين، قال: فجعلت أطلب الجزد، انظر إسناده.
فلم يستجز أن يدعو بدعاء لا يرضى إسناده.
ثم احتج المؤلف على تثبيت هذا المذهب بأن ابن المبارك كان يصلي صلاة التسابيح، وأنه قد تداولها الصالحون بعضهم عن بعض.
قلت: وهذا تمويه عجيب، وقول مردود من وجوه:
الأول: أن حديث صلاة التسابيح قد اختلف فيها العلماء، فمنهم من صححها، والأكثر على تضعيفها، ولها طريق يقرب من شرط الحسن من رواية ابن عباس ﵁، وقد اغتر به بعض أهل العلم فصححوه، وخالفهم المحققون من المتقدمين والمتأخرين، فأعلوا هذه الرواية بالشذوذ.
الثاني: أن ابن المبارك لم يعمل بحديث صلاة التسابيح لما فيه من النكارة الظاهرة، لا سيما الجلوس بين كل ركعتين للتسبيح، وهي مذكورة في الأحاديث، إلا أن ابن المبارك لم يكن يفعل هذه الجلسة للتسبيح التي هي قبل القيام، وكان يفعل باقي التسابيح، لأنها تندرج تحت أصل أصيل وهو جواز التسبيح والتهليل والتكبير والحمد بعد القراءة، وأثناء السجود والركوع، وعليه فلا يتجه القول بأن ابن المبارك قد تداول هذه الصلاة على الصفة المذكورة في الأحاديث.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "منهاج السنة"
стр. 189
(٤/ ١١٦): "وأما ابن المبارك فلم يستحب الصفة المذكورة المأثورة التي فيها التسبيح قبل القيام، بل استحب صفة أخرى توافق المشروع لئلا تثبت سنة بحديث لا أصل له".
وقال - كما في "مجموع الفتاوى" (١١/ ٥٧٩) -:
"وأما ابن المبارك، والمنقول عنه، فشيء مثل الصلاة المعروفة، فإن تلك فيها قعدة طويلة بعد السجدة الثانية، وهذا يخالف الأصول، فلا يجوز أن يثبت بمثل هذا الحديث".
الثالث: أن هذه الصلاة ليس فيها نقل صحيح عن الأئمة الأربعة إلا عن الإمام أحمد ﵀ فقد ذهب إلى ضعف حديثها، وما ادعاه الحافظ ابن حجر برواية موهمة من رجوع الإمام أحمد عن تضعيفها فغير صحيح كما بيناه تفصيلًا في كتابنا: "النقد الصريح"، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأئمة لم يعتبروا بحديثها، ولم يتداولوها فيما بينهم، بل لم يعرِّجوا على ذكرها في كتبهم لا في أبواب التطوع، ولا في غيرها، وإنما أوردها أصحاب الرواية والحديث، من باب جمع ما في الباب.
ثم لو أننا سلمنا بهذا كله للمؤلف، فليس في الحديث ما يدل على جواز التوسل بالجاه، وإنما هو من قبيل طلب العون من الأحياء فيما يقدرون عليه، وهذا لم يمنع منه أحد، ولا حتى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وبون شاسع بين هذا وبين التوسل بجاه المخلوقين.
стр. 190
الحديث الثامن
أخرجه أبو يعلى الموصلي في "المسند" (٤/ ٤١٨):
حدثنا عقبة، حدثنا يونس، حدثنا سليمان الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال:
"ليأتين على الناس زمان يخرج الجيش من جيوشهم، فيُقال: هل فيكم أحد صحب محمدًا فتستنصرون به فَتُنصروا؟ ثم يقال: هل فيكم من صحب محمدًا فيقال: لا، فمن صحب أصحابه؟ فيُقال: لا، فيُقال: من رأى من صحب أصحابه؟ فلو سمعوا به من وراء البحر لأتوه".
قال المؤلف (ص: ٢٣١):
(إسناده صحيح).
ثم أورد له متابعة عند أبي يعلى أيضًا (٤/ ٢٠٠) من طريق:
محاضر بن الورع، عن الأعمش به.
قلت: السند الأول فيه يونس بن بكير، صدوق فيه ضعف، وقد تُكُلِّم في حفظه، وقد رواه عن الأعمش دون باقي أصحاب الأعمش الكبار.
وقد تفرد بلفظة: "فتستنصرون به فتُنصروا".
стр. 191
وقد خالفه محاضر بن المورع، وهو وإن كان فيه بعض الكلام إلا أنه مقدَّم عليه في الأعمش.
قال ابن عدي: "روى عن الأعمش أحاديث صالحة مستقيمة".
وقد رواه بلفظ:
"يبعث بعث، فيقال لهم: هل فيكم أحد صحب محمدًا؟ فيقال: نعم، فيُلتمس، فيوجد الرجل، فيستفتح، فيفتح عليهم ... ".
وبون شاسع بين هذا اللفظ، وبين اللفظ الذي قبله، ومما يؤيد هذا اللفظ أصل الحديث الذي في الصحيحين من رواية جابر، عن أبي سعيد الخدري ﵁، وهو:
"يأتي زمان يغزو فئام من الناس، فيُقال: فيكم من صحب النبي ﷺ ، فيقال: نعم، فيُفتح عليه .... ".
وفي رواية مسلم: "فيُفتح لهم".
وفي رواية ثانية عنده: "فيفتح لهم به".
أخرج البخاري (فتح: ٦/ ٦٨)، ومسلم (نووي: ٨/ ٣٠٠).
قلت: وهذا لا يدل ألبتة على أن الاستنصار كان بجاهه عند الله، ولا بالتوسل بجاهه، إذ لو كان كذلك فلا حاجة للسؤال عن وجوده أو عدم وجوده، وإنما هو بدعائه وإخلاصه، ولا قائل بالمنع من التوسل بدعاء الصالحين.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" في شرح الحديث:
стр. 192
"فإن كان القوي يترجح بفضل شجاعته، فإن الضعيف يترجح بفضل دعائه وإخلاصه".
قلت: ومما يدل على تدليس المؤلف أنه لم يورد الحديث الذي قبله في الباب الذي عند البخاري، وهو أظهر في الدلالة من هذا، وهو حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال:
رأى سعد ﵁ أن له فضلًا على من دونه، فقال النبي ﷺ : "هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم".
قلت: والنصر والرزق المعنى هنا هو نفسه المعنى في الحديث الذي قبله، وهو نصر ورزق بإخلاصهم ودعائهم وصلاتهم، لا بالتوسل بجاههم كما يروج له المؤلف، ويدل على ذلك رواية النسائي (٦/ ٤٥) لهذا الحديث بسند صحيح، قال النبي ﷺ : "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم".
وهذا ظاهر من الحديث الذي ترجم به المؤلف، فإنما حصر الفتح والنصر بالقرون الثلاثة الأولى، لأن الإخلاص والصدق في الدعاء والالتزام بالشرائع أظهر فيهم من غيرهم، ولأجل هذا فُضلوا على غيرهم من القرون.
وبهذا يبطل الاستدلال بهذا الحديث على جواز التوسل بالجاه.
стр. 193
الحديث التاسع
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١/ ٢٩٢) من طريق:
عيسى بن يونس -[وهو ابن أبي إسحاق]- حدثني أبي، عن أبيه، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، قال:
كان رسول الله ﷺ يستفتح بصعاليك المهاجرين.
قلت قد أعله المؤلف بعنعنة أبي إسحاق السبيعي، وقال (ص: ٢٣٣): (ولولا عنعنة أبي إسحاق - فإنه مذكور في المرتبة الثالثة من المدلسين (ص: ٤٢) - لكان الحديث مرسلًا صحيح الإسناد).
قلت: أمية بن عبد الله من التابعين، فحديثه هذا مرسل، وإن صح فيُحمل على ما حُمل عليه ما قبله.
ويدل على ذلك: ما أخرجه أبو داود (٢٥٩٤)، والترمذي (١٧٠٢)، والنسائي (٦/ ٤٥ - ٤٦) بسند صحيح من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"ابغوني الضعيف، فإنكم إنما ترزقون وتُنصرون بضعفائكم".
وقد تقدَّم بيان أن ذلك بإخلاصهم، وبدعائهم، ولما علم فيهم الله تعالى من الضعف، لا بجاههم.
стр. 194
الحديث العاشر
أخرجه أحمد في "مسنده" (٥/ ٤٢٢):
حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا كثير بن زيد، عن داود بن أبي صالح، قال: أقبل مروان يومًا فوجد رجلًا واضعًا وجهه على القبر، فقال: أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه، فإذا هو أبو أيوب، فقال: نعم، جئت رسول الله، ولم آت الحجر، سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله".
ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (٤/ ٥١٥) وصححه.
قلت: وهذا سند منكر بمرة، غير معروف، بل هو من أوهام كثير بن زيد، فهو وإن كان صدوقًا في نفسه، إلا أنه قد تُكُلِّم في حفظه، قال أبو زرعة: "صدوق فيه لين"، وقال النسائي: "ضعيف"، وقال أبو حاتم: "صالح، ليس بالقوي، يُكتب حديثه"، وقال ابن معين في رواية: "ليس بشيء"، وفي رواية: "ليس بذاك"، وفي رواية ثالثة: "ليس به بأس"، وقال أحمد: "ما أرى به بأسًا".
وأما المؤلف فخلط خلطًا عجيبًا في تقوية هذا الحديث، ودلَّس
стр. 195
تدليسًا عريضًا لأجل الوصول إلى غرضه، فقال (ص: ٢٣٤ - ٢٣٥):
(داود بن أبي صالح قال عنه الذهبي في "الميزان" (٢/ ٩): "لا يُعرف"، وسكت عنه ابن أبي حاتم الرازي (الجرح ٣/ ٤١٦).
وذكره الحافظ ابن حجر تمييزًا، وقال في "التقريب": مقبول.
فإذا تشددت وأعرضت عن تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي له لأن التصحيح هو توثيق للراوي، فهذا الإسناد فيه ضعف يسير يزول بالمتابعة، وداود بن أبي صالح قد تابعه المطلب بن عبد الله بن حنطب فيما أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٤/ ١٨٩)، والأوسط (١/ ١٩٩)، وأبو الحسين يحيى بن الحسن في أخبار المدينة كما في شفاء السقام ص: ١٥٢.
والمطلب بن عبد الله بن حنطب صدوق يدلس، ومثله يصلح للمتابعة، صرح بالسماع أو لم يصرح، أدرك أبا أيوب أو لم يدركه.
فغاية هذا الإسناد أن فيه انقطاعًا يسيرًا قد زال بالمتابعة المتقدِّمة.
وبهذه المتابعة يثبت الحديث ويصير من قسم الحسن لغيره).
وهذا الكلام فيه مغالطات ومناقشات:
أولها: أن داود بن أبي صالح هذا مجهول، لم يرو عنه إلا كثير بن زيد، ولم يوثقه معتبر، إلا تصحيح الحاكم لحديثه، والحاكم متساهل كما تقدَّم بيانه، وأما ما ادعاه المؤلف من موافقة الذهبي له فغير صحيح، وإنما غاية أمر الذهبي أنه يذكر في تلخيصه
стр. 196
حكاية حكم الحاكم على الحديث، وإن أراد التعقيب قال: "قلت: ... "، ومن ثم فليس ذكره لحكم الحاكم على الحديث موافقة له، لا سيما وأنه قال فيه في الميزان: "حجازي، لا يُعرف، له عن أبي أيوب الأنصاري، روى عنه الوليد بن كثير".
وهذا وهم من الحافظ الذهبي، كما بينه الحافظ في "التهذيب"، فإنما روى عنه كثير بن زيد، فانقلب الاسم على الذهبي ووهم فيه.
وأما قول الحافظ فيه: "مقبول" فغير مقبول، لأنه لم يرو عنه غير واحد، ولا وثق ولا ضعف، فالذي تقرر في المصطلح أن مثل هذا يكون مجهول العين، ومثله لا يحتج بحديثه، ولا تنفعه المتابعة، ولا يتقوى بها.
ثانيها: أن الراجح أن ذكر هذا الراوي بهذا الاسم وهم من كثير ابن زيد كما تقدَّم ذكره، وذلك أن الرواية قد اختلفت على كثير في تسمية شيخه، فرواه الطبراني في "الأوسط" (٢٨٤ و ٩٣٦٦)، وفي "الكبير" (٤/ ١٥٨) من طريق: سفيان بن بشر، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله، قال: قال أبو أيوب لمروان ..... فذكره دون ذكر القصة التي هي محل الشاهد من الحديث، والتي يحتج بها المؤلف على جواز إتيان القبر، والتوسل بالجاه، وإن كان بميت.
وهذا إن دل على شيء فيدل على أن كثيرًا قد اضطرب في رواية
стр. 197
هذا الحديث، على هذين الوجهين، ولا يُقال: إن له فيه شيخين، فليس هو من الحفاظ المكثرين الذين يجوز تعدد الأسانيد عنهم، وهذا الوجه الأخير هو الراجح، لأن الوجه الأول لا سمى فيه شيخه سمى شيخًا مجهولًا تفرد بالرواية عنه، ولا يُعرف عند أهل العلم، وقد رجح الطبراني هذا الوجه الثاني، فقال:
"لا يُروى هذا الحديث عن أبي أيوب إلا بهذا الإسناد، تفرد به حاتم".
أي أنه لا يُعرف - بمعنى لا يُحفظ - إلا من هذا الوجه، ذلك لأن الوجه الأخر غير معروف، بل هو من أوهام كثير بن زيد.
ثالثها: على تقدير أن الروايتين محفوظتان، فإن الرواية الأولى التي قد تفرد بها داود بن أبي صالح المجهول هي التي حوت محل الشاهد، وأما الرواية الثانية فقد خلت من محل الشاهد، فيكون داود قد تفرد بهذه القصة، فهي ضعيفة ولا شك.
رابعها: أن الرواية الأولى تفرد بها مجهول عين، والرواية الثانية منقطعة، ومجهول العين لا تتقوى روايته، ولا تقوي غيرها كما تقرر في المصطلح.
стр. 198
الحديث الحادي عشر والحديث الثاني عشر
فأما الحديث الحادي عشر فهو:
"اللهم أنت أحق من ذُكر، وأحق من عُبد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، بكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك أن تقبلني في هذه الغداة أو في هذه العشية، وأن تجيرني من النار بقدرتك".
وأما الحديث الثاني عشر فهو:
"إذا طنت أذن أحدكم فليذكرني، وليصلِّ عليَّ".
كلاهما قد وهاه المؤلف، فلا حاجة للتعليق عليهما.
стр. 199
الحديث الثالث عشر
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٦١٥):
حدثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور العدل، حدثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري، حدثنا إسماعيل بن مسلمة، أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت فيَّ من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليَّ، ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك".
قال الحاكم:
"هذا حديث صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب".
стр. 200
وتعقبه الحافظ الذهبي، فقال:
"قلت: بل موضوع، وعبد الرَّحمن واهٍ، .... ، رواه عبد الله بن مسلم الفهري، ولا أدري من ذا، عن إسماعيل بن مسلمة، عنه".
وحكم عليه في "الميزان" بالبطلان، وأعله بالفهري هذا، وقال الحافظ في "اللسان" (٣/ ٤٤٢):
"لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله، فإنه من طبقته".
يشير بذلك إلى عبد الله بن مسلم بن رشيد، الذي يروي عن الليث ومالك.
قال ابن حبان: "يضع على ليث ومالك وابن لهيعة".
وأخرجه الآجري في "الشريعة" (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩):
حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي داود، قال: حَدَّثَنَا أبو الحارث الفهري، قال: حدثني سعيد بن عمرو، قال: حَدَّثَنَا أبو عبد الرَّحمن بن عبد الله بن إسماعيل بن بنت أبي مريم، قال: حدثني عبد الرَّحمن بن زيد بن أسْلَم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب موقوفًا به.
فاضطرب فيه الفهري أو وضع له سندًا، ثم رواه على التوهم، فزاد فيه سعيد بن عمرو؛ وأوقفه على عمر ﵁.
وكذلك ففي السند عبد الرَّحمن بن زيد بن أسْلَم وهو ضعيف جدًّا من قبل حفظه، وإن كنت أرجح أن هذا الخبر قد وُضع عليه،
стр. 201
وما أظنه حدَّث به.
بل الذي أرجحه أن الفهري قد سرق هذا الحديث من عثمان بن خالد العثماني، وأنشأ له هذا الإسناد، ورفعه تارة، وأوقفه أخرى.
فقد أخرج الآجري في "الشريعة" (٢/ ٢٤٦) من طريق:
عثمان بن خالد، عن عبد الرَّحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: من الكلمات التي تاب الله بها على آدم ﵇، قال:
"اللهم إني أسألك بحق محمد ﷺ عليك، قال الله : يا آدم، وما يدريك بمحمد؟ قال: يا رب، رفعت رأسي، فرأيت مكتوبًا على عرشك لا إله إلَّا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك".
وعثمان بن خالد هذا متروك الحديث كما قال الحافظ في "التقريب"، وقد حدَّث عن مالك وغيره بأحاديث موضوعة، وابن أبي الزناد متكلم فيه.
وقد ذكر المؤلف عدة متابعات واهية، وبيَّن ما فيها من الضعف، تبعًا لما ذكره العلامة الألباني - حفظه الله - في "التوسل".
إلَّا أنه عقب ذلك (ص: ٢٤٧ - ٢٤٨):
(وبعد كتابة ما تقدَّم؛ وجدت لحديث توسل آدم بالنبي ﷺ شاهدًا قويًّا.
فقد أخرج الحافظ أبو الحسن بن بشران، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفر
стр. 202
محمد بن عمرو، حَدَّثَنَا أحمد بن إسحاق بن صالح، حَدَّثَنَا محمد بن صالح، حَدَّثَنَا محمد بن سنان العوقي، حَدَّثَنَا إبراهيم بن طهمان، عن بُديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة، قال: قلت: يا رسول الله، متى كنت نبيًّا؟ قال: "لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وخلق العرش، كتب على ساق العرش: محمد رسول الله خاتم الأنبياء، وخلق الله الجَنَّة التي أسكنها آدم وحواء، فكتب اسمي على الأبواب، والأوراق، والقباب، والخيام، وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالى: نظر إلى العرش، فرأى اسمي، فأخبره الله أنه سيد ولدك، فلما غرهما الشيطان، تابا واستشفعا باسمي إليه".
وأخرجه ابن الجوزي في الوفا ...........
وذكره شيخنا العلامة المحقّق السيد عبد الله بن الصديق الغماري - نوَّر الله مرقده - في الرد المحكم المتين (ص: ١٣٨ - ١٣٩)، وقال: إسناد هذا الحديث قوي، وهو أقوى شاهد وقفت عليه لحديث عبد الرَّحمن بن زيد. ا. هـ.
وكذا قال الحافظ ابن حجر.
قلت: إسناده مسلسل بالثقات، ما خلا راو واحد صدوق).
قلت: بل الحديث منكر بمرة بهذا اللفظ، بل لا أستبعد أن يكون موضوعًا.
стр. 203
فقد أخرج البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ١/ ٣٧٤) هذا الحديث عن محمد بن سنان العوقي، بسنده بلفظ:
"كنت نبيًّا وآدم بين الروح والجسد".
وتوارد الرواة على روايته عن العوقي بهذا اللفظ المختصر.
فأخرجه الحاكم (٢/ ٦٠٨)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ١٢٩): عن أبي النضر الفقيه، ومحمد بن سَلَمَة العنزي، عن العوقي به باللفظ المختصر.
ثم تبين لي أن الحديث بهذا اللفظ المطول لا يُحفظ عن ابن بشران الذي عزى المؤلف الحديث إليه.
فقد أخرجه البيهقي في "الدلائل" (١/ ٨٥):
أخبرنا أبو الحسين بن بشران، ببغداد، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفر: محمد بن عمرو الرزاز، قال: حَدَّثَنَا أحمد بن إسحاق بن صالح قال: حَدَّثَنَا محمد بن سنان العوقي، قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن طهمان، عن بُديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر، قال: قلت: يا رسول الله، متى كتبت نبيًّا؟ قال:
"وآدم بين الروح والجسد".
فهذا هو المحفوظ، من رواية ابن بشران، وهو إسناد صحيح، وليست فيه تلك الزيادة المنكرة، ولا فيه ذلك الراوي الذي اضطرب المؤلف في تحديده: (محمد بن صالح)، بل قد صرح أحمد بن
стр. 204
إسحاق بن صالح بالسماع من العوقي.
وتابع العوقي عن إبراهيم على هذا الحديث باللفظ المختصر: عثمان بن سعيد الدارمي عند الحاكم والبيهقي، ومعاذ بن هانئ البهراني عند ابن سعد في "الطبقات" (٧/ ٤١).
وهذا كله يؤكد أن الحديث لا يصح إلَّا باللفظ المختصر.
والظاهر أن العلة في اللفظ الطول ممن هم دون ابن بشران، وقد تفرد ابن الجوزي بروايته بهذا اللفظ المطول المنكر من طريق ابن بشران، وهذا غريب جدًّا.
وعندي أن المؤلف قد اطلع على الرواية المختصرة للحديث من طريق ابن بشران ولابد؛ لأنه قد عزى الحديث إليها في الحاشية (ص: ٢٤٨)، وإنما تغاضي عنها لأنَّ فيها إعلال الحديث باللفظ المطول، فتنبه، وتمعن! ! .
فإذا علمت ما سبق تبين لك سقوط قول المؤلف (ص: ٢٤٩):
(فالصواب أن هذا الإسناد من شرط الحسن على الأقل، ويصححه من يُدخل الحسن في الصحيح من الحفّاظ كابن حبان والحاكم)! ! ! .
* * *
стр. 205
الحديث الرابع عشر
ومتنه:
"من أراد أن يؤتيه الله حفظ القرآن وحفظ العلم فيكتب هذا الدعاء في إناء نظيف بعسل، ثم يغسله بماء مطر، يأخذه قبل أن يقع إلى الأرض، ثم يشربه على الريق ثلاثة أيام، فإنه يحفظ بإذن الله:
اللهم إني أسألك بأنك مسؤول لَمْ يُسأل مثلك، أسألك بحق محمد رسولك ونبيك، وإبراهيم خليلك وصفيك، وموسى كليمك ونجيك، وعيسى كلمتك وروحك .... " الحديث.
قد حكم عليه المؤلف بالوضع، فلا تعقيب عليه فيه.
* * *
стр. 206
تخريج الآثار الواردة في التوسل
стр. 207
تخريج الآثار الأثر الأول
أخرجه الإِمام الدارمي في "السنن" (٩٢):
حَدَّثَنَا أبو النعمان، حَدَّثَنَا سعيد بن زيد، حَدَّثَنَا عمرو بن مالك النكري، حَدَّثَنَا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله، قال:
قحط أهل المدينة قحطا شديدًا، فشكوا إلى عائشة، فقالت:
انظروا قبر النَّبِيّ ﷺ ، فاجعلوا منه كوًّا إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطرنا مطرًا، حتى نبت العشب، وسمنت الإبل، حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق.
قلت: ولا حجة فيه ألبتة لضعف سنده.
فإنه من رواية عمرو بن مالك النكري وهو صاحب غرائب ومناكير، فقد ذكره ابن حبان في "ثقاته"، وقال: "يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه، يخطيء ويغرب"، ومن وصف بهذا الوصف لا يُحتمل من مثله التفرد.
وراويه عنه وهو سعيد بن زيد مثله في الضعف، أو أشد ضعفًا؛ فقد ضعفه يحيى بن سعيد جدًّا، وقال أبو حاتم والنسائي: "ليس
стр. 208
بالقوي"، وقال الجوزجاني: "يضعفون حديثه، وليس بحجة"، وقال البزار: "لين"، وقد تفرد بهذا الحديث، ولا يحتمل منه كذلك التفرد به.
وكذلك تفرد به عنه أبو النعمان - شيخ الدارمي - واسمه محمد بن الفضل المُلَّقب بـ "عارم" وهو ثقة حافظ، إلَّا أنه اختلط اختلاطًا شديدًا بأخرة، فلا يُعلم هل سمع الدارمي منه هذا الخبر قبل الاختلاط أم بعده.
ولو كان هذا الخبر صحيحًا فلم أحجمت أم المؤمنين عائشة ﵂ عن إفتائهم بذلك لما قحطوا على عصر عمر بن الخطاب ﵁، ولماذا سكتت على تقديمه العباس ﵁ على النَّبِيّ ﷺ ؟ ! !
وأما المؤلف فقد حسَّن هذا الإسناد، وقال (ص: ٢٥٥):
(هذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى).
ونافح عمن جرح في إسناده على عادته في كتابه هذا - بل وفي عامة كتبه -، ومعاذ الله أن تحيد أم المؤمنين عائشة ﵂ بالمسلمين عن سنة نبيهم ﷺ في في الاستسقاء، إلى بدعة ممقوتة كهذه.
وإن سلمنا بثبوت هذا الأثر، فلماذا انقطع به العمل، إذ لو صح العمل به فبإقرار خليفة المسلمين آنذاك، وبإقرار صحابة النَّبِيّ
стр. 209
- ﷺ ، فإن كان ذلك كذلك فلماذا لَمْ يُعمل به بعد ذلك؟ ! !
ولا بأس من إيراد أقوال المؤلف في توثيق الرواة المتكلم فيهم في هذا السند، والجواب عن مغالطاته وتدليساته.
(١) محمد بن الفضل السدوسي اللقب بـ "عارم".
قال المؤلف (ص: ٢٥٣ - ٢٥٤):
(ثقة مشهور، وإن كان قد اختلط بآخره فحديثه مقبول هنا لأمرين:
الأول: قال الحافظ ابن الصلاح في مقدمته (ص: ٤٦٢): عارم محمد بن الفضل اختلط بأخرة، فما رواه عنه البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهما من الحفّاظ ينبغي أن يكون مأخوذًا عنه قبل اختلاطه. ا. هـ.
وعقَّب عليه الحافظ العراقي في "التقييد والإيضاح" (ص: ٤٦٢)، فقال: وكذلك ينبغي أن يكون من حدَّث عنه من شيوخ البخاري ومسلم. ا. هـ.
قلت: عبد الله بن عبد الرَّحمن الدارمي من شيوخ مسلم والبخاري فيكون الدارمي ممن حدَّثوا عن محمد بن الفضل السدوسي قبل اختلاطه ولا بد).
قلت: ليس بالضرورة أن ما رواه عنه البخاري يكون مما سمعه منه قبل الاختلاط، بل لربما كان مما سمعه منه بعد الاختلاط، وإنما
стр. 210
انتقى من حديثه ما صح عنده، أو أنه اطلع على كتابه، فإن المختلط ليس بالضرورة أن يكون كلّ ما حدَّث به بعد الاختلاط قد داخله فيه الوهم، وإنما يُعرف وهمه من صوابه بموافقته ومخالفته للثقات.
وليس أدل على ذلك مما أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤/ ٢٠٥) من طريق: هشيم، أخبرنا أبو بشر، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: ﴿الْكَوْثَرْ﴾: الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه.
وهشيم ممن روى عن عطاء بعد الاختلاط، إلَّا أن رواية عطاء هذه مستقيمة، لموافقتها لرواية أبي بشر.
وعليه فليس بالضرورة أن يكون سماع شيوخ البخاري من عارم محمولة على أنَّها قبل الاختلاط، ولا بد، بل هذه إحالة على جهالة.
وليس أدل على ذلك من رواية البخاري ومسلم عن إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس، وهو متكلم فيه بكلام شديد، حتى أنه وصف بالكذب وبالوضع وبسرقة الحديث.
قال الحافظ في "التهذيب" (١/ ٢٧٣):
"وأما الشيخان فلا يُظن بهما أنهما أخرجا عنه إلَّا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات".
وقال في "هدي الساري" (ص: ٣٨٨):
стр. 211
"وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقي منها".
فمن هذا يُعلم أن ليس كلّ من أخرج له البخاري أو مسلم ممن تُكلم فيه بنوع ضعف من اختلاط أو وصف بكذب أو سرقة أن مثل هذا الوصف لا يثبت في حقه، أو أنه يكون ممن سمع منه قبل الاختلاط، لا، بل ربما يكون إخراجه لحديثه على وجه الانتقاء، فليُعلم هذا، فإنه مهم جدًّا، وقد نبه عليه أهل العلم.
ثم قال المؤلف (ص: ٢٥٤):
(الثاني: قال الذهبي في ترجمة عارم: وقال الدارقطني: تغير بآخره، ما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقة.
قلت - أي: الذهبي -: فهذا قول حافظ العصر الذي لَمْ يأت بعد النسائي مثله، فأين هذا القول من قول ابن حبان الخساف المتهور في عارم، فقال: اختلط في آخر عمره وتغير حتى كان لا يدري ما يُحدث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإذا لَمْ يعلم هذا ترك الكل، ولا يُحتج بشيء منها، قلت: ولم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثًا منكرًا، فأين ما زعم. انتهى كلام الذهبي.
وأقر العراقي في "التقييد والإيضاح" الذهبي في دفعه لجرح ابن حبان، وصرح الذهبي في الكاشف بأنه تغير قبل موته فما حدَّث).
стр. 212
قلت: من علم حجة على من لَمْ يعلم، وإن كان الدارقطني، ومن ثمَّ الذهبي لَمْ يقفا على حديث منكر أخطأ فيه، فقد وقف غيرهما عليه.
ففي سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود السجستاني، قال أبو داود: كنت عنده، فحدَّث عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن ماعزًا الأسلمي سأل النَّبِيّ ﷺ عن الصَّوم في السفر، فقلت له: حمزة الأسلمي، فقال: يابني ماعز لا يشقى به جليسه، وكان هذا منه وقت اختلاطه وذهاب عقله.
قلت: ومن وصفه بالاختلاط وزوال العقل من أئمة المحققين كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود وغيرهم، وهم ممن سمعوا منه، وهم أعلم بحاله من غيرهم، ممن أتى بعدهم، فإن كان من تأخر عنه لَمْ يقف له على منكر، فمن عاصره وسمع منه قد وقعت لهم من مناكيره ما حكموا به باختلاطه.
(٢) سعيد بن زيد.
قال المؤلف (ص: ٢٥٦):
(وأما سعيد بن زيد فتُكلم فيه، لكن وثقه ابن معين، وابن سعد، والعجلي، وسليمان بن حرب، وغيرهم.
وقد احتج به مسلم في "صحيحه".
وقد كفانا الحافظ الذهبي مؤنة تفصيل القول في قبول حديث
стр. 213
بإيراده إياه في جزء "من تكلم فيه وهو موثق" (ص: ٨٥)، وحديثهم لا ينزل عن درجة الحسن عنده كما صرح بذلك في مقدمة الجزء المذكور (ص: ٢٧)، فلا تلتفت أيها المنصف بعد ذلك لمن يشغب عليك، ويضعف الرجال المخرج لهم في الصحيح).
قلت: لا يمكن غض الطرف عن أقوال من جرحه، لا سيما مع كثرتها من جهة، ومن جهة أخرى فتجريح يحيى بن سعيد له عن معرفة بحاله، فيقع موقع الجرح المفسر.
قال ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان يضعف سعيد بن زيد في الحديث جدًّا، ثم قال: قد حَدَّثَنِي وكلمته.
وأما من وصفه بالحفظ، فالظاهر أنه بمعنى سعة الرواية، وكثرة محفوظاته، لا دقة ضبطه، وقد تقدَّم ذكر قرائن على ذلك، ومما يؤيد ذلك أن ابن حبان ذكره في "المجروحين"، وقال: "كان صدوقًا حافظًا، ممن يخطى في الأخبار ويهم في الآثار حتى لا يُحتج به إذا انفرد".
نعم هو صدوق في نفسه، إلَّا أنه لا يُحتمل من مثله التفرد بمثل هذا المتن المنكر.
(٣) عمرو بن مالك النكري.
قال المؤلف (ص: ٢٥٦):
(وثقه ابن حبان، ولا يقول قائل: إنه من المجاهيل الذين يدخلهم
стр. 214
كتابه الثقات، فالرجل روى عنه جماعة من الثقات، وعندما ترجمه ابن حبان في ثقاته قال ما نصه: عمرو بن مالك النكري كنيته أبو مالك، من أهل البصرة، يروي عن أبي الجوزاء، روى عنه حماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وابنه يحيى بن عمرو، ويعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه، مات سنة ١٢٩. اهـ.
واكثر من هذا أن ابن حبان ترجم لعمرو بن مالك النكري في مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٥٥) ضمن طبقة أتباع التابعين في البصرة، وقال: وقعت المناكير في حديثه من رواية ابنه عنه، وهو في نفسه صدوق اللهجة. ا. هـ.
فأنت ترى أن ابن حبان عرف اسم الراوي، وكنيته، وبلده، وشهرته بالعلم، وعرف الرواة عنه، وأنه قد سبر روايته بدليل قوله يعتبر حديثه ... إلخ، وقوله وقعت المناكير .... إلخ).
قلت: أما أن ابن حبان قد عرف حال الراوي، فهذا مما لا جدال فيه، وأما أنه وثقه، فهذا غلط بيِّن عليه، وإنما أورده لأنه صدوق في نفسه، وأما ضبطه، فقد مرَّ القول فيه.
فقول ابن حبان: (صدوق اللهجة)، هذا مختص بعدالته، وأنه لا يتعمد الكذب، ولا يختص بالضبط، ففرق كبير بين: "صدوق في الحديث"، و"صدوق في اللهجة".
فاللهجة: وهي الكلام المعتاد والحديث الدائر على الألسنة شيء،
стр. 215
لعدم اعتماده على الضبط، بل غالب اعتماده على العدالة وعدم الكذب، بخلاف الحديث، فإنه يعتمد على العدالة والضبط جميعًا، فتنبه إلى هذا المعنى فإنه مهم جدًّا.
ومما يدلُّ على أنَّه لَمْ يوثقه من جهة الضبط أنه قال: "يعتبر حديثه من غير رواية ابنه"، والاعتبار لا يدلُّ إلَّا على تمريض القول بالتوثيق، فإنه إن كان ثقة فلا حاجة إلى اعتبار حديثه، فقد جاز القنطرة، وأما إن اشترط اعتبار حديثه، فهذا لأجل سبره والوقوف على ما إذا كان وافق الثقات أو خالفهم، أو انفرد عنهم بشيء لا يُحتمل منه، والاعتبار معناه معروف، مشمهور، قد نقله ابن الصلاح عن ابن حبان في "علوم الحديث"، وخصه بما وافق فيه الراوي الثقات.
ومما يؤيد ذلك أن الحافظ ابن حجر نقل عنه في "التهذيب" كلامه السابق، وزاد فيه: "يخطئ ويغرب".
إلَّا أن المؤلف قد طعن في هذه الزيادة، فقال (ص: ٢٥٧):
(وقع في التهذيب (٨/ ٩٦) زيادة على كلام ابن حبان، لَمْ أجدها في الثقات، هي: "يخطئ ويغرب"، وهي سبق قلم بنى عليها الحافظ قوله: له أوهام).
قلت: وهذا فيه نظر، وقد مرت عليَّ جملة من التراجم أوردها الحافظ في "التهذيب" وعزاها إلى الثقات، وهي غير موجودة
следующие страницы →