"وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقي منها".
فمن هذا يُعلم أن ليس كلّ من أخرج له البخاري أو مسلم ممن تُكلم فيه بنوع ضعف من اختلاط أو وصف بكذب أو سرقة أن مثل هذا الوصف لا يثبت في حقه، أو أنه يكون ممن سمع منه قبل الاختلاط، لا، بل ربما يكون إخراجه لحديثه على وجه الانتقاء، فليُعلم هذا، فإنه مهم جدًّا، وقد نبه عليه أهل العلم.
ثم قال المؤلف (ص: ٢٥٤):
(الثاني: قال الذهبي في ترجمة عارم: وقال الدارقطني: تغير بآخره، ما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقة.
قلت - أي: الذهبي -: فهذا قول حافظ العصر الذي لَمْ يأت بعد النسائي مثله، فأين هذا القول من قول ابن حبان الخساف المتهور في عارم، فقال: اختلط في آخر عمره وتغير حتى كان لا يدري ما يُحدث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإذا لَمْ يعلم هذا ترك الكل، ولا يُحتج بشيء منها، قلت: ولم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثًا منكرًا، فأين ما زعم. انتهى كلام الذهبي.
وأقر العراقي في "التقييد والإيضاح" الذهبي في دفعه لجرح ابن حبان، وصرح الذهبي في الكاشف بأنه تغير قبل موته فما حدَّث).
стр. 212
قلت: من علم حجة على من لَمْ يعلم، وإن كان الدارقطني، ومن ثمَّ الذهبي لَمْ يقفا على حديث منكر أخطأ فيه، فقد وقف غيرهما عليه.
ففي سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود السجستاني، قال أبو داود: كنت عنده، فحدَّث عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن ماعزًا الأسلمي سأل النَّبِيّ ﷺ عن الصَّوم في السفر، فقلت له: حمزة الأسلمي، فقال: يابني ماعز لا يشقى به جليسه، وكان هذا منه وقت اختلاطه وذهاب عقله.
قلت: ومن وصفه بالاختلاط وزوال العقل من أئمة المحققين كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود وغيرهم، وهم ممن سمعوا منه، وهم أعلم بحاله من غيرهم، ممن أتى بعدهم، فإن كان من تأخر عنه لَمْ يقف له على منكر، فمن عاصره وسمع منه قد وقعت لهم من مناكيره ما حكموا به باختلاطه.
(٢) سعيد بن زيد.
قال المؤلف (ص: ٢٥٦):
(وأما سعيد بن زيد فتُكلم فيه، لكن وثقه ابن معين، وابن سعد، والعجلي، وسليمان بن حرب، وغيرهم.
وقد احتج به مسلم في "صحيحه".
وقد كفانا الحافظ الذهبي مؤنة تفصيل القول في قبول حديث
стр. 213
بإيراده إياه في جزء "من تكلم فيه وهو موثق" (ص: ٨٥)، وحديثهم لا ينزل عن درجة الحسن عنده كما صرح بذلك في مقدمة الجزء المذكور (ص: ٢٧)، فلا تلتفت أيها المنصف بعد ذلك لمن يشغب عليك، ويضعف الرجال المخرج لهم في الصحيح).
قلت: لا يمكن غض الطرف عن أقوال من جرحه، لا سيما مع كثرتها من جهة، ومن جهة أخرى فتجريح يحيى بن سعيد له عن معرفة بحاله، فيقع موقع الجرح المفسر.
قال ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان يضعف سعيد بن زيد في الحديث جدًّا، ثم قال: قد حَدَّثَنِي وكلمته.
وأما من وصفه بالحفظ، فالظاهر أنه بمعنى سعة الرواية، وكثرة محفوظاته، لا دقة ضبطه، وقد تقدَّم ذكر قرائن على ذلك، ومما يؤيد ذلك أن ابن حبان ذكره في "المجروحين"، وقال: "كان صدوقًا حافظًا، ممن يخطى في الأخبار ويهم في الآثار حتى لا يُحتج به إذا انفرد".
نعم هو صدوق في نفسه، إلَّا أنه لا يُحتمل من مثله التفرد بمثل هذا المتن المنكر.
(٣) عمرو بن مالك النكري.
قال المؤلف (ص: ٢٥٦):
(وثقه ابن حبان، ولا يقول قائل: إنه من المجاهيل الذين يدخلهم
стр. 214
كتابه الثقات، فالرجل روى عنه جماعة من الثقات، وعندما ترجمه ابن حبان في ثقاته قال ما نصه: عمرو بن مالك النكري كنيته أبو مالك، من أهل البصرة، يروي عن أبي الجوزاء، روى عنه حماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وابنه يحيى بن عمرو، ويعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه، مات سنة ١٢٩. اهـ.
واكثر من هذا أن ابن حبان ترجم لعمرو بن مالك النكري في مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٥٥) ضمن طبقة أتباع التابعين في البصرة، وقال: وقعت المناكير في حديثه من رواية ابنه عنه، وهو في نفسه صدوق اللهجة. ا. هـ.
فأنت ترى أن ابن حبان عرف اسم الراوي، وكنيته، وبلده، وشهرته بالعلم، وعرف الرواة عنه، وأنه قد سبر روايته بدليل قوله يعتبر حديثه ... إلخ، وقوله وقعت المناكير .... إلخ).
قلت: أما أن ابن حبان قد عرف حال الراوي، فهذا مما لا جدال فيه، وأما أنه وثقه، فهذا غلط بيِّن عليه، وإنما أورده لأنه صدوق في نفسه، وأما ضبطه، فقد مرَّ القول فيه.
فقول ابن حبان: (صدوق اللهجة)، هذا مختص بعدالته، وأنه لا يتعمد الكذب، ولا يختص بالضبط، ففرق كبير بين: "صدوق في الحديث"، و"صدوق في اللهجة".
فاللهجة: وهي الكلام المعتاد والحديث الدائر على الألسنة شيء،
стр. 215
لعدم اعتماده على الضبط، بل غالب اعتماده على العدالة وعدم الكذب، بخلاف الحديث، فإنه يعتمد على العدالة والضبط جميعًا، فتنبه إلى هذا المعنى فإنه مهم جدًّا.
ومما يدلُّ على أنَّه لَمْ يوثقه من جهة الضبط أنه قال: "يعتبر حديثه من غير رواية ابنه"، والاعتبار لا يدلُّ إلَّا على تمريض القول بالتوثيق، فإنه إن كان ثقة فلا حاجة إلى اعتبار حديثه، فقد جاز القنطرة، وأما إن اشترط اعتبار حديثه، فهذا لأجل سبره والوقوف على ما إذا كان وافق الثقات أو خالفهم، أو انفرد عنهم بشيء لا يُحتمل منه، والاعتبار معناه معروف، مشمهور، قد نقله ابن الصلاح عن ابن حبان في "علوم الحديث"، وخصه بما وافق فيه الراوي الثقات.
ومما يؤيد ذلك أن الحافظ ابن حجر نقل عنه في "التهذيب" كلامه السابق، وزاد فيه: "يخطئ ويغرب".
إلَّا أن المؤلف قد طعن في هذه الزيادة، فقال (ص: ٢٥٧):
(وقع في التهذيب (٨/ ٩٦) زيادة على كلام ابن حبان، لَمْ أجدها في الثقات، هي: "يخطئ ويغرب"، وهي سبق قلم بنى عليها الحافظ قوله: له أوهام).
قلت: وهذا فيه نظر، وقد مرت عليَّ جملة من التراجم أوردها الحافظ في "التهذيب" وعزاها إلى الثقات، وهي غير موجودة
стр. 216
في "المطبوعة"، وقد حوت بعض هذه التراجم أخبارًا مسندة، وهذا يمنع من القول بأنها سبق قلم أيضًا.
وعلى فرض التسليم للمؤلف في طعنه في هذه الزيادة، فإنه قد ثبت من وجه آخر عن ابن حبان أنه لَمْ يوثق عمرو بن مالك النكري هذا، بل ذهب إلى التوقف في حاله، وتركه حتى يستبين أمره.
قال ابن حبان في "المجروحين" (٣/ ١١٤) في ترجمة يحيى بن عمرو بن مالك النكري:
"يروي عن أبيه، عن أبي الجوزاء، روى عنه عبد الله بن عبد الوهاب والبصريون، كان منكر الرواية عن أبيه، ويحتمل أن يكون السبب في ذلك منه أو من أبيه، أو منهما معًا، ولا نستحل أن يطلق الجرح على مسلم قبل الاتضاح، بل الواجب تنكب كلّ رواية يرويها عن أبيه لا فيها من مخالفة الثقات والوجود من الأشياء العضلات، فيكون هو وأبوه جميعًا متروكَيْن من غير أن يطلق وضعها على أحدهما، ولا يقربهما من ذلك لأنَّ هذا شيء قريب من الشبهة".
فهذا القول لابن حبان يبين معنى قوله: "يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه"، وأن ذلك ليس تعديلًا، بل توقف في حاله.
ومما يدلُّ على ضعف النكري أيضًا ما أورده عبد الله بن الإِمام أحمد - رحمهما الله - في "المسائل" (ص: ٨٩):
"لَمْ تثبت عندي صلاة التسبيح، وقد اختلفوا في إسناده، لَمْ
стр. 217
يثبت عندي، وكأنه ضعف عمرًا بن مالك النكري".
وأما المؤلف فرد هذا القول بحجة واهية، فقال (ص: ٢٥٨):
("كأن" ظن لا تقوم به حجة، وذلك كقول الحافظ ابن حجر في ترجمة الحسن بن موسى الأشيب في مقدمة الفتح: روى عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه قال: كان ببغداد - أي الحسن بن موسى - وكأنه ضعفه.
قلت - أي الحافظ -: هذا ظن لا تقوم به حجة.
أضف إلى كونه ظنًّا مرجوحًا أنه جرح غير مفسر، حكمه الرد في مقابل التعديل كما تقرر في علم الحديث).
قلت: فليبك على العلم من كان باكيًا، وهكذا فليكن الجهل بالحديث وبمدلولات ألفاظ العلماء، وهكذا فليكن التدليس وبتر العبارات.
أما ما بنى عليه المؤلف قوله أن "كأن" ظن لا تقوم به حجة، فقد بتر باقي عبارة الحافظ ابن حجر، لكي لا ينكشف تدليسه.
وتمام عبارة الحافظ في "مقدمة الفتح":
"روى عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه قال: كان ببغداد وكأنه ضعفه.
قلت: هذا ظن لا تقوم به حجة، وقد كان أبو حاتم الرازي يقول: سمعت علي بن المديني يقول: الحسن بن موسى الأشيب ثقة، فهذا
стр. 218
التصريح الموافق لأقوال الجماعة أولى أن يعمل به من ذلك الظن".
ولا شك أن ثمة بون شاسع بين الراويين فالحسن بن موسى من الرواة المجمع على توثيقهم، وهم من طبقة مشيخة أحمد، وابن المديني وغيرهم، وقد وردت رواية أخرى تدل على أنَّ ابن المديني قد وثقه.
ثم إن عبارة عبد الله بن علي بن المديني لا تدل على أنَّ الجرح قد وقع من أبيه؛ لأنه إنما نسبه، ولم يتكلم على شيء من حديثه.
وهذا بخلاف عمرو بن مالك النكري فإنه ما وثقه أحد، إلَّا ما كان من أمر ابن حبان، وقد تقدَّم ما يدلُّ على أنَّه قد توقف فيه، وترك الاحتجاج به، ولم يوثقه معتبر بحيث إذا خولف، رجحنا التوثيق بأن الحكاية مبنية على الظن.
ثم إن ثمة فرق بين الراويين لهاتين الحكايتين، فأما عبد الله بن الإِمام أحمد فمن أئمة المحققين في هذا العلم، وممن لهم باع كبير فيه وقد لازم أباه، وتلقى عنه، وسمع منه الكثير، والكثير، فهو أعلم بما تقتضيه ألفاظه وحركاته في الرواة، بخلاف عبد الله بن علي بن المديني هذا، فإنه غير مشهور بالطلب، ولا بالسماع، وقد ترجم له الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٩)، ونقل عن حمزة السهمي قوله:
سألت الدارقطني عن عبد الله بن علي بن عبد الله المديني روى عن أبيه كتاب العلل، فقال: إنما أخذ كتبه، وروى أخباره مناولة،
стр. 219
قال: وما سمع كثيرًا من أبيه، قلت: لم؟ قال: لأنه ما كان يمكِّنه من كتبه.
وثمة فرق كبير بين المناولة، وبين السماع والقراءة، بل المناولة تدل على أنَّه لَمْ يوافِ أباه بكتبه سماعًا، فكيف له أن يبني ظنًّا كهذا بتضعيفه، وهو لَمْ يسمع من أبيه، ويخالف من هو أوثق منه بمراحل كأبي حاتم الرازي.
وكذلك فثمة فارق كبير بين السؤال الذي حكم عليه الحافظ ابن حجر بأن الحكم فيه بالتضعيف ظن، وبين سؤال عبد الله للإمام أحمد، فالأول إنما نسب الرجل، وهذه النسبة لا تقتضي الجرح، فلعل عبد الله بن المديني بنى ظنه بالجرح على أنَّ أباه قد نسبه، وسكت فلم يتكلم فيه بشيء، وهذا لا يقتضي جرحًا.
وأما سؤال عبد الله بن أحمد فمقتضاه التضعيف للنكري، ذلك لأنه قد سأل أباه عن حديث صلاة التسبيح، فضعفه، وهذا يقتضي تضعيف رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ في صلاة التسبيح، وهذه الرواية قد أخرجها أبو داود (١٢٩٨):
حَدَّثَنَا محمد بن سفيان الأبلي، حَدَّثَنَا حبان بن هلال أبو حبيب، حَدَّثَنَا مهدي بن ميمون، حَدَّثَنَا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، قال: حدثني رجل كانت له صحبة .... فذكره.
قلت: ورواة هذا السند جميعهم موثقون إلَّا عمرو بن مالك
стр. 220
النكري هذا، فإذا أطلق الإِمام أحمد القول بضعف الحديث، فهذا مقتضاه ضعف النكري هذا.
ثم وجدت بعدُ ما يدلُّ على أنَّ الإِمام أحمد ﵀ قد جرح عمرًا بن مالك النكري هذا.
فقد أخرج الخلال - كما في النقد الصحيح للعلائي (ص: ٣٢) - قال: قال علي بن سعيد: سألت أحمد بن حنبل عن صلاة التسبيح، فقال: ما يصح فيها عندي شيء، فقلت: حديث عبد الله بن عمرو؟ قال: كلّ يرويه عن عمرو بن مالك، يعني فيه مقال، فقلت: قد رواه المستمر ........... (١).
وقد حقق المؤلف كتاب النقد الصحيح للعلائي، وأورد هذا النص فيه (ص: ٤٢)، ولم يورد ضمنه محل الشاهد: (فيه مقال).
ويبقى الآن الجواب عما أورده المؤلف من توثيق الذهبي لعمرو بن مالك النكري، قال (ص: ٢٥٨):
(فتوثيق عمرو بن مالك بعد ذلك البيان لا مرية فيه، وهو ما صرح به الحافظ الذهبي في "الميزان" ٣/ ٢٨٦، وفي "المغني" ٢/ ٤٨٩).
قلت: إنما أطلق الذهبي توثيق هذا الراوي مقارنة بغيره ممن اشترك معه في الاسم.
ففي "المغني" (٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩):
стр. 221
"٤٦٩٩ - ت / عمرو بن مالك الراسبي البصري، لا النكري شيخ للترمذي، قال ابن عديّ: كان يسرق الحديث، وضعفه أبو يعلى، وحدثنا عنه، قلت: فأما:
٤٧٠٠ - عه/ عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء،
و٤٧٠١ - عه / عمرو بن مالك الجنبي، عن الصحابة، فثقتان".
فقارن بين النكري والجنبي، وبين الراسبي، ومايز بينهم، فذكر الراسبي بالتوهين، ثم أورد هذين الراويين، ووصفهما بالتوثيق كي لا يختلط ذكرهما على أحد من الباحثين، فيظن أنهما هما نفسهما الراسبي المتهم، وكذا فعل في "الميزان".
وقد تقدَّم بيان ما في هذه المسألة، وأن هذا لا يقتضي التعديل.
والظاهر عندي أن الباعث لديه على ذلك خلط ابن عديّ بينهما، فقد ترجم للراسبي، إلَّا أنه سمَّاه عمرو بن مالك النكري، فخلط بين الاثنين، ولذا قال الذهبي في "الميزان" (٣/ ٢٨٥):
"عمرو بن مالك الراسبي البصري، لا النكري ... ".
ومما يدلُّ على أنَّه لَمْ يوثق النكري هذا أنه قد أورده في "الكاشف" (٢/ ٤٢٨٧)، وقال: "وثق".
وهذا الوصف أتى بصيغة التمريض، وهذا مشعر بأن المعتمد فيه ذكر ابن حبان له في الثقات، وقد تقدم بيان ما فيه.
стр. 222
ثم وجدت بعد ذلك ما يدلُّ على أنَّ البخاري قد ضعفه أيضًا.
فقد أخرج البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ١/ ١٦) في ترجمة أوس بن عبد الله أبي الجوزاء:
قال لنا مسدد، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة ليس من القرآن آية إلَّا سألتهم عنها.
قال البخاري: "في إسناده نظر".
قلت: ورواة هذا السند محتج بهم إلَّا النكري هذا، فهو آفة هذا السند، وهو المعنى بقول البخاري: "في إِسناده نظر".
قال الحافظ ابن حجر في "التهذيب" (١/ ٣٣٦):
"وقول البخاري: في إسناده نظر، ويختلفون فيه، إنما قاله عقب حديث رواه له - (أي لأبي الجوزاء) - في "التاريخ" من رواية عمرو بن مالك النكري، والنكري ضعيف عنده".
بل قد صح عن ابن عديّ ما يدلُّ على تضعيفه للنكري الذي يروي عن أبي الجوزاء، فقد نقل الحافظ في "التهذيب" (١/ ٣٣٦) عن ابن عديّ قوله:
"حدَّث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة".
قلت: وهو عند ابن عديّ في "الكامل" (١/ ٤٠٢).
وبذلك يتبين للقارئ الكريم ضعف هذا الأثر ونكارته، بل لو
стр. 223
صح لَمْ يكن فيه حجة على جواز التوسل بالذات، فإنهم إنما فتحوا كوة من القبر إلى السماء، ولم يرد أنهم قد توسلوا بجاه النَّبِيّ ﷺ ، أو أنهم أحدثوا دعاءً خاصًّا، والله الموفق.
стр. 224
الأثر الثاني
أخرجه ابن أبي شيبة:
حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدار، قال: وكان خازن عمر على الطعام، قال:
أصاب النّاس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النَّبِيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا، فأتى الرجل في المنام، فقيل له: أنت عمر، فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مسقيون، وقل له عليك الكيس، عليك الكيس، فأتى عمر فأخبره، فبكى عمر، ثم قال: يا رب، لا آلو إلَّا ما عجزت عنه.
قلت: وهذا سند صحيح إلى مالك الدار.
ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٤٧)، والخليلي في "الإرشاد" (١/ ٣١٣ - ٣١٤).
وأشار الحافظ في "الفتح" (٢/ ٣٩٧) إلى أن سيف بن عمر قد ذكر في "الفتوح" أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني، أحد الصحابة.
ثم وجدته من طريق سيف عند ابن جرير في "التاريخ" (٢/ ٥٠٨).
стр. 225
وهذا القول ساقط لوهاء سيف بن عمر، قال أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي"، وقال أبو داود: "ليس بشيء"، وقال الحاكم: "اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط"، وقال ابن حبان: "يروي الموضوعات عن الأثبات، وقالوا: إنه كان يضع الحديث".
قلت:
وقد أعل بعض أهل العلم هذا الخبر بجهالة مالك الدار، وليس هو بمجهول، بل له ترجمة في "الإرشاد" للخليلي (١/ ٣١٣) قال:
"تابعي قديم، متَّفقٌ عليه، أثنى عليه التابعون".
وله ترجمة في "الطبقات"لابن سعد (٥/ ٦)، و"الإصابة" للحافظ ابن حجر (٣/ ٤٦١)، وقال: "له إدراك".
قلت: العلة في الخبر من ذلك الرجل المجهول صاحب الرؤية، فإنه لَمْ يُسم.
إلَّا أن المؤلف قد رد هذه العلة بسذاجة فقال (ص: ٢٧٧):
(وأما العلة الرابعة، وهي قولهم: إن صحت الرواية فلا حجة فيها، لأنَّ مدارها على رجل لَمْ يسم، وتسميته بلالًا في رواية سيف لا يساوي شيئًا، لأنَّ سيفًا متَّفقٌ على ضعفه.
قلت: نعم سيف شديد الضعف، لكن الجائي إلى القبر الشريف سواءً كان صحابيًا أو تابعيًا لا يضر الجهل به، لأنَّ الحجة في إقرار
стр. 226
سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - لعمله حيث لَمْ ينهه عما فعل، بل أقره، وبكى عمر - رضي الله تعالى عنه -، وقال: يا رب ما آلو إلَّا ما عجزت عنه).
قلت: هذه الحادثة لَمْ يشهدها مالك الدار كما يظن المؤلف، بل تلقاها عن هذا الرجل المبهم المجهول، فإننا إن سلمنا أنه قد عاين مجيء الرجل إلى القبر، ومجيئه إلى عمر، فلن نسلم أنه قد عاين رؤيا الرجل للنبي ﷺ في منامه، لأنَّ ذلك يستحيل، فلا بد أن يكون قد أخبر بذلك، ولا سبيل للإخبار بذلك إلَّا عن طريق ذلك الرجل المبهم، ومن ثم فلا مناصر من الإقرار بتلقي مالك الدار لهذا الخبر من الرجل، وهذا كشاف لإعلال الخبر.
ويؤيد ذلك لفظ الخبر عند ابن أبي شيبة، فإن فيه:
فأُتِي الرجل في المنام، فقيل له: أنت عمر ....
فالفعل قد بُني للمجهول، ولا يقتضي أن الذي أتاه في الرؤية هو النَّبِيّ ﷺ ، ويؤيد قول عمر ﵁: يا رب لا آلو إلَّا ما عجزت عنه، فإن كان الآتي هو النَّبِيّ ﷺ ، لعُلم ذلك من جواب عمر، كان يكون الاعتذار إليه، وإن كان ذلك كذلك فلا مفر من إثبات أن مالك الدار قد تلقى هذا الخبر من ذلك المبهم، ولو كان ثقة، فإن عمر لَمْ يدر بما فعله الرجل من إتيان القبر، ومن ثم فلم ينكر عليه، وعدم إنكاره لا يقتضي إقراره بحال.
стр. 227
ثم إننا لو سلمنا بصحة الخبر فليس فيه ما يدلُّ على أنَّ الرجل قد أخبر عمر بن الخطاب ﵁ بمجيئه إلى القبر، ومن ثم فلا يُقال: إنه قد أقره على هذا الفعل.
ولو سلمنا أنه قد فعل وأخبر عمر بن الخطاب ﵁ بإتيانه القبر، فليس في الأثر ما يدلُّ على أنَّه قد توسل بجاه النَّبِيّ ﷺ ، ولا دعا عنده، بل غاية ما فيه أنه قد طلب منه أن يستسقي لأمته، وبينهما بون شاسع كما يظهر لكل منصف.
ثم إن في هذا الخبر من النكارة ما يدلُّ على سقوطه، فهو مخالف لما صح عن النبي ﷺ وعن صحابته في الاستسقاء، بل لَمْ يصح عن أحد من الصحابة فعل هذا الفعل الذي فعله الرجل، بل ما تقدَّم من حادثة استسقاء عمر بن الخطاب بالعباس ﵄ عم النَّبِيّ ﷺ يدلُّ على أنَّ ذلك لَمْ يكن معروفًا عندهم، ولا عُمل به في عصرهم.
* ** * *
стр. 228
تخريج أحاديث الزيارة
стр. 229
الحديث الأول
أخرجه الدولابي في "الكنى" (٢/ ٦٤):
حَدَّثَنَا علي بن معبد بن نوح، قال: حَدَّثَنَا موسى بن هلال، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن عمر أبو عبد الرَّحمن أخو عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من زار قبري وجبت له شفاعتي".
قال: "وما ببن قبري ومنبري ترعة من ترع الجَنَّة".
وأخرجه ابن عديّ في "الكامل" (٦/ ٢٣٥٠)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (٣/ ٤٩٠) من طريق: محمد بن إسماعيل بن سِمْرة، حَدَّثَنَا موسى بن هلال .. بسنده بالشطر الأول.
وأخرجه ابن خزيمة في "مختصر المختصر" كما في "اللسان" للحافظ ابن حجر (٦/ ١٥٨) عن محمد بن إسماعيل الأَحْمَسِي، عن موسى بن هلال ... بسنده.
واختلف فيه على موسى بن هلال هذا.
فأخرجه الدارقطني (٢/ ٢٧٨) من طريق:
عبيد الله بن محمد الوراق، عن موسى بن هلال، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر .. به.
стр. 230
وأخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ١٧٠) من طريق:
جعفر بن محمد البزوري، قال: حَدَّثَنَا موسى بن هلال البصري، عن عبيد الله بن عمر ... به.
وأخرجه البيهقي من طريق: عبيد الله بن محمد بن القاسم بن أبي مريم الوراق، عنه، عن عبيد الله به.
وقال: "وكذلك رواه الفضل بن سهل، عن موسى بن هلال، عن عبيد الله".
قلت: وآفة هذا الإسناد موسى بن هلال هذا، فإنه مجهول الحال، لَمْ يوثقه معتبر.
بل قال أبو حاتم: "مجهول"، وكذا قال الدارقطني في سؤالات البرقاني، وقال العقيلي: "لا يصح حديثه، ولا يتابع عليه"، وأما ابن عديّ، فقال: "أرجو أنه لا بأس به"، إلَّا أنه قد ذكر له هذا الحديث على أنَّه من مناكيره.
وأما المؤلف فقال (ص: ٢٨٠):
(هذا الإسناد حسن سواء قال موسى بن هلال: عن عبيد الله بن عمر، أو عن أخيه: عبد الله بن عمر، أو عنهما.
وقد صححه عبد الحق الإشبيلي، وصححه أو حسنه السبكي في "شفاء السقام"، والسيوطي في "مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا) وآخرون ممن تأخروا عنه).
стр. 231
قلت: قول المؤلف هذا يقابله قول الحافظ الكبير أبي بكر البيهقي، وقد قال في "الشعب" (٣/ ٤٩٠):
"وكذلك رواه الفضل بن سهل، عن موسى بن هلال، عن عبيد الله، وسواء قال: عبيد الله أو عبد الله، فهو منكر، عن نافع، عن ابن عمر لَمْ يأت به غيره".
وأما نقله تصحيح عبد الحق الإشبيلي لهذا الحديث فغير صحيح، وإنما أورده في أحكامه، ولم يتكلم عليه بشيء، فليس هذا بتصحيح.
قال الحافظ ابن حجر في "اللسان" (٦/ ١٥٩):
"أورده عبد الحق في الأحكام من طريقه -[أي طريق موسى بن هلال]- وسكت عليه، فتعقبه ابن القطان، وقال: الظاهر أنه لَمْ يسكت عنه تصحيحًا، وإنما تسامح فيه؛ لأنه من الحث أو الترغيب".
قلت: قد وقفت عليه في "الأحكام الوسطى" (٢/ ٣٤١) ضمن باب: في زيارة قبر النَّبِيّ ﷺ ، وفي تحريم المدينة وفضلها ...
قال:
"الدارقطني: عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : من زار قبري وجبت له شفاعتي. وذكره أبو بكر البزار أيضًا.
وذكر الترمذي عن ابن عمر أن النَّبِيّ ﷺ قال:
стр. 232
"من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن مات بها".
وهذا الحديث الذي ذكره الترمذي صحيح". ا. هـ
قلت: فتبين من ذلك أن عبد الحق الإشبيلي لَمْ يصحح الحديث، بل لَمْ يتكلم عليه بشيء، وسكوته عنه لا يدلُّ على صحته. ثم بمقابل من ذكرهم المؤلف ممن صحح هذا الحديث من المتأخرين، وهم قلة، فأنا أذكر هنا من ضعف هذا الحديث من أئمة المحققين من المتقدمين والمتأخرين، ممن إذا وزنت كلمة أحدهم لرجحت بكلام عامة المتأخرين، فمن هؤلاء:
(١) العقيلي.
قال: "لا يصح، حديثه، ولا يتابع عليه".
وقال: "الرواية في هذا الباب فيها لين".
(٢) الحافظ الكبير أبو بكر بن خزيمة.
قال الحافظ في "اللسان" (٦/ ١٥٨):
"قال ابن خزيمة في "صحيحه": في باب زيارة قبر النَّبِيّ ﷺ إن ثبت الخبر، فإن في القلب منه.
ثم رواه عن الأَحْمَسِي كما تقدم، وعن عبيد الله بن محمد الوراق، عن موسى بن هلال، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ به، وقال بعده:
стр. 233
أنا أبرأ من عهدته، هذا الخبر من رواية الأَحْمَسِي أشبه، لأنَّ عبيد الله بن عمر أجل وأحفظ من أن يروي مثل هذا المنكر، فإن كان موسى بن هلال لَمْ يغلط في من فوق أحد العمرين، فأشبه أن يكون هذا من حديث عبد الله بن عمر، فأما من حديث عبيد الله بن عمر، فإني لا أشك أنه ليس من حديثه".
(٣) الحافظ البيهقي.
وقد تقدَّم النقل عنه أنه قال:
"سواء قال: عبيد الله أو عبد الله، فهو منكر، عن نافع، عن ابن عمر لَمْ يأت به غيره".
(٤) ابن القطان الفاسي.
فإنه بعد أن تعقب عبد الحق في سكوته عن هذا الحديث، وبعد أن أورد كلام العلماء في موسى بن هلال، قال:
"الحق أنه لَمْ تثبت عدالته".
(٥) الحافظ الذهبي.
قال في "الميزان" (٤/ ٢٢٦):
"وأنكر ما عنده حديثه عن عبد الله بن عمر .. " فذكره.
(٦) الحافظ ابن حجر.
قال في "اللسان" عقب إيراده كلام ابن خزيمة:
"عبد الله بن عمر العمري بالتكبير ضعيف الحديث، وأخوه
стр. 234
عبيد الله بن عمر بالتصغير ثقة حافظ جليل، ومع ما تقدَّم من عبارة ابن خزيمة، وكشفه عن علة هذا الحبر، لا يحسن أن يقال أخرجه ابن خزيمة في صحيحه إلَّا مع البيان".
فهذا إقرار منه وموافقة على إعلال الخبر، بل أصرح من ذلك، أنه قال عقب إيراد رواية الدولابي، والتي فيها التصريح بأن الحديث هو حديث عبد الله العمري:
"هذا قاطع للنزاع من أنه عن المكبر، لا عن المصغر، فإن المكبر هو الذي يكنى أبا عبد الرَّحمن".
قلت: وقد حشد المؤلف كلّ ما يملك لأجل الدفاع عن موسى بن هلال، وكلمة أهل العلم تكاد تكون مجمعة على ضعفه وسقوط الاحتجاج به كما تقدَّمَ، وأما عبد الله بن عمر العمري، فقد تأول نصوص العلماء في الكلام عليه لأجل توثيقه، ورد ما ورد عن أكثرهم في جرحه، وها أنا ذا أورد كلامه في ذلك، ثم أبين وجه الجواب عنه.
وسوف أورد كلام من جرحه أولًا لما فيه من زيادة العلم، ثم أورد عبارات التعديل وأبيِّن الجواب عنها.
فأقول وبالله التوفيق:
стр. 235
* أقوال المجرحين من أهل العلم:
(١) الإِمام أحمد بن حنبل ﵀:
قال: كان يزيد في الأسانيد، ويخالف، وكان رجلًا صالحًا.
وقال المرُّوذي: ذكره أحمد فلم يرضه.
وقال: لين الحديث. (١)(٢) علي بن المديني ﵀:
قال: ضعيف.
(٣) الحافظ صالح "جزرة" ﵀:
قال: ليِّن مختلط الحديث.
(٤) النسائي ﵀:
قال: ضعيف الحديث.
(٥) الإِمام البخاري ﵀:
قال: ذاهب، لا أروي عنه شيئًا.
(٦) أبو أحمد الحاكم ﵀:
قال: ليس بالقوي عندهم.
(٧) يعقوب بن شيبة ﵀:
قال: رجل صالح مذكور بالعلم والصلاح، وفي حديثه بعض الضعف والاضطراب، ويزيد في الأسانيد كثيرًا.
стр. 236
(٨) أبو حاتم ابن حبان ﵀:
قال: كان ممن غلب عليه الصلاح والعبادة حتى غفل عن ضبط الأخبار وجودة الحفظ للآثار، فوقع المناكير في روايته، فلما فحش خطؤه استحق الترك.
(٩) يحيى بن معين ﵀:
قال: ضعيف.
* وأما أقوال المعدلين:
فسوف أذكره تبعًا لما ذكره المؤلف، وأبين وجه الجواب عنها.
(١) الإِمام أحمد بن حنبل:
وقد أخرج ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢/ ١٠٩) من رواية أبي طالب، قال: سألت أحمد بن حنبل عن العمري الصغير، فقال: صالح، لا بأس به، قد رُوى عنه، ولكن ليس مثل عبيد الله.
قلت: إلَّا أن المؤلف تأول هذه العبارة، فقال (ص: ٣١٢):
(المدقق في أقوال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى يجد أن كلامه هو توثيق نسبي أو تليين نسبي لا يُراد به المعنى المتعين من اللفظ الثاني، فإنه نزل به بالنسبة لأخيه عبيد الله الثقة الحافظ المتفق عليه).
ثم نقل عن السخاوي ﷺ قوله: "ينبغي أن نتأمل أقوال المزكين ومخارجها، فقد يقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون به أنه ممن يحتج بحديثه ولا ممن يرد، وإنما ذلك بالنسبة لمن قُرن معه وفق
стр. 237
ما وجه إلى القائل من السؤال .... ".
وهذا النقل هو نفسه ذات النقل الذي أوردناه من قبل استدلالًا على المؤلف، وهي قاعدة ذكرها الباجي في "الجرح والتعديل"، وأوردها الحافظ ابن حجر في مقدمة "اللسان"، ثم تبعهما عليها الحافظ السخاوي، وهي قاضية على احتجاج المؤلف بها، فإنما أراد الإِمام أحمد بأنه لا بأس به مقارنة بأخيه الثقة، وإلا على الانفراد فقد لينه الإِمام أحمد، ولم يرضه كما في رواية المرُّوذي، وجرحه بجرح مفسر كما في رواية أبي زرعة الدمشقي عنه، فقال:
"كان يزيد في الأسانيد، ويخالف".
فدل هذا على أنَّه ضعيف عند أحمد ﵀، وإنما ذكره بالتوثيق مقارنة بأخيه الحافظ الثقة.
(٢) يحيى بن معين ﵀:
وردت عنه فيه روايات:
الأولى: ابن أبي مريم، عنه:
قال: ليس به بأس، يكتب حديثه.
الثانية: عثمان الدارمي، عنه:
قال: صويلح.
كذا ورد في "التهذيب"، وهي رواية مغلوطة على الدارمي، مثلها مثل التي وردت عند ابن عديّ في "الكامل" (٤/ ١٤٥٩)،
стр. 238
والتي نقلها المؤلف احتجاجًا، قال: قلت لابن معين: كيف حاله في نافع؟ قال: صالح ثقة.
قال المؤلف (ص: ٣١٣):
(فالأول: توثيق مطلق من ابن معين.
والثاني: توثيقه له في خصوص روايته عن نافع كما في حديثنا هذا، وهو نص من إمام الجرح والتعديل قاطع النزاع، والدارمي الذي روى عنه هذا النص من أخص وأشهر أصحاب ابن معين).
قلت: أما الذي ادعاه من التوثيق المطلق فلا يصفو له، فإنما قال: ليس به بأس، يكتب حديثه، فلا بد من تفسير أول العبارة بآخرها، فإنما أراد بقوله ليس به بأس أي أنه لا يُترك، وإنما يكتب حديثه للاعتبار، فمتى وافق الثقات فحديثه صحيح، ومتى خالفهم فحديثه ضعيف، بل منكر.
وأما رواية الدارمي التي أوردها فهي رواية مغلوطة عليه، وقد تغاضى المؤلف عن مراجعة تاريخ الدارمي؛ لأنه ولا شك سوف يجد أن العبارة عند ابن عديّ مخالفة لما هي في تاريخ الدارمي الذي هو الأصل.
وعبارة الدارمي كما في "تاريخه" (٥٢٣): قلت ليحيى: عبد الله العمري، ما حاله في نافع؟ فقال: صالح.
قلت: وفرق بين الروايتين ولا شك كما يظهر للقارئ الكريم.
стр. 239
فإن هذه الرواية: "صالح" لا تدل على أنَّه ممن يُحتج بحديثه عن نافع، وإنما يُعتبر حديثه بالنسبة إلى حديث باقي أصحاب نافع الثقات، وأما الرواية الأخرى، فتدل على أنَّه ثقة في نافع، وهي رواية مغلوطة على الدارمي.
فإن قيل: فلعل الغلط من نسخة تاريخ الدارمي، أو من ناسخ المخطوط، فالجواب: إن نسخة ابن عديّ الطبوعة رديئة التحقيق، بخلاف نسخة الدارمي، ولكن الذي يظهر لي أن الخطأ في الرواية ليس بسبب سوء التحقيق، كما أنه ليس من أخطاء النساخ، وإنما هو خطأ من شيخ ابن عديّ، أو من ابن عديّ نفسه، فقد نقله الذهبي في "الميزان" على رواية ابن عديّ في "الكامل".
وأما عن سبب ترجيح ما ورد في "تاريخ الدارمي"، فذلك لأنه الأصل، وإنما يروي عنه ابن عديّ بواسطة محمد بن علي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الخطيب قد أخرج هذه الحكاية من طريق آخر غير طريق راوي "تاريخ الدارمي" وهو زكريا بن أحمد البلخي في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٠) من طريق: أحمد بن محمد بن عبدوس، قال: سمعت عثمان بن سعيد، يقول: قلت ليحيى بن معين: فعبد الله بن عمر العمري ما حاله في نافع، قال: صالح.
فاتفقت الروايتان على هذا اللفظ فقط: "صالح".
وهو ما اعتمده الحافظ ابن رجب في "شرح العلل" عند الكلام
стр. 240
على أصحاب نافع مولى ابن عمر.
والذي يترجح عندي أن شيخ ابن عديّ، أو ابن عديّ نفسه قد اختلط عليه النقل في هذه الرواية بالرواية التي بعدها في "تاريخ الدارمي"، فإنه قال عقب سؤاله عن العمري:
"قلت: فالليث - أعني ابن سعد - كيف حديثه عن نافع؟ فقال: صالح ثقة".
ومما تقدَّم يتبين للقارئ أيضًا وهم المزي - ومتابعة ابن حجر له - في نقل الرواية عن ابن معين من طريق الدارمي بوصف: "صويلح"، وإنما الناقل لهذه الحكاية هو إسحاق بن منصور كما في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢/ ١١٠).
بل وقع وهم آخر للمزي وابن حجر، فنقل الأول وتابعه الثاني - رحمهما الله - عن أبي حاتم الرازي قوله:
رأيت أحمد بن حنبل يُحسن الثناء على عبد الله العمري.
والذي في "الجرح والتعديل":
رأيت أحمد بن صالح يُحسن الثناء على عبد الله العمري.
فمما تقدَّم يتبين للقارئ الكريم أن الثابت عن الإِمام أحمد وابن معين - رحمهما الله تعالى - جرح العمري، وأن ما ورد عنهما من عبارات ظاهرها التعديل فإما أنَّها بالمقارنة بأخيه، أو أنَّها مفسرة بقرائن تدل على عدم الترك، وكذلك عدم الاحتجاج، أي أن
стр. 241
ضعفه محتمل غير شديد لا يصل به إلى درجة التوهين والترك.
(٣) أحمد بن صالح المصري ﵀.
قال المؤلف (ص: ٣١٤):
(فممن وثق العمري ممن لَمْ يذكره ابق عبد الهادي في الصارم: الإِمام العلم أحمد بن صالح المصري "ثقات ابن شاهين" (ص: ١٥١).
وقال أبو حاتم الرازي "الجرح" (٥/ ١١٠): رأيت أحمد بن صالح يحسن الثناء على عبد الله العمري).
قلت: قد تحاشى المؤلف ذكر عبارة أحمد بن صالح والتي نقلها عنه ابن شاهين في "الثقات" لئلا ينكشف ضعف الاحتجاج بمثل هذا التعديل.
وعبارته كما وردت في "الثقات":
"أربعة إخوة ثقات: عبيد الله وعبد الله، وعاصم، وأبو بكر بنو عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب".
وهذه العبارة تفيد أن أحمد بن صالح قد تساهل في هذا الحكم، وأبعد فيه، قد وثق عبد الله، وقد تقدَّم ما فيه من الجرح، ووثق أخوه عاصم، هو أردأ حالًا منه، قال أحمد وابن معين وأبو حاتم: "ضعيف"، وقال هارون بن موسى الفروي: "ليس بقوي"، وقال البخاري: "منكر الحديث"، وقال الترمذي: "متروك"، وقال مُرَّة: "ليس بثقة"، وأورده ابن حبان في "الثقات" وقال: "يخطئ
стр. 242
ويخالف"، ثم أورده في "المجروحين"، وقال: "منكر الحديث جدًّا".
وقد أُنكر على أحمد بن صالح هذه العبارة، فقد نقل الحافظ في ترجمة عاصم من "التهذيب" (٥/ ٤٦) عبارة أحمد بن صالح هذه ثم نقل تعقيب الدارقطني والنسائي عليها:
"قال الدارقطني: أما عاصم فضعيف قريب من عبد الله، وأما أبو بكر فقليل الحديث، وهو ثقة، وقد تكلم النسائي على أحمد بن صالح حيث قال: أربعتهم ثقات".
فإن قيل: فإن النسائي وأحمد بن صالح بينهما عداوة، فالجواب: إن تفرد النسائي بالتعقيب لكان ثمة حجة لثل هذا الاعتراض، ولكنه قد توبع من قبل الدارقطني وهو حافظ كبير من أئمة هذا الشأن، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن تعقب النسائي له وجهه؛ لأنَّ أحمد بن صالح قد خالف الجمهور في توثيق هذين الراويين الضعيفين.
وأما ما نقله أبو حاتم عن أحمد بن صالح، فالجواب عنه كالجواب عن سابقه.
(٤) العجلي ﵀.
قال: لا بأس به.
قلت: العجلي مشهور بالتساهل كما هو معروف، فلا يُعتبر
стр. 243
بتوثيقه في حالة التفرد، وكذلك في حالة مخالفة الجمهور في الحكم على الراوي، لا سيما إذا انفرد الراوي بما يُنكر.
(٥) الخليلي ﵀:
قال المؤلف (ص: ٣١٤):
(وقال الخليلي: ثقة غير أن الحفّاظ لم يرضوا حفظه. ا. هـ.
وقوله (الحفّاظ لم يرضوا حفظه) أي سعة محفوظه، انظر نظير ذلك في مقدمة الفتح (ص: ٤٢٠)، ولعلهم لَمْ يرضوا حفظه بالنسبة لحفظ أخيه عبيد الله العمري، فإن كثيرًا من أقوالهم فيه ترجع للمقارنة مع أخيه، كما سيأتي تصريح ابن عديّ بذلك، والمقصود بيان أن الرجل ثقة عند أبي يعلى الخليلي).
قلت: قد بتر المؤلف عبارة الخليلي كعادته في بتر العبارات وتحريفها، لكي يسوغ له تأويلها بحسب ما يريد إثباته من التوثيق.
وتمام عبارة الخليلي كما في "الإرشاد" له (١/ ١٩٣):
"ثقة، غير أن الحفّاظ آل يرضوا حفظه، ولم يُخرَّج لذلك في الصحيحين".
قلت: فالشطر الأخير من العبارة يدلُّ على أمرين:
الأول: أن وصف، الخليلي له بأنه ثقة، إنما أراد به العدالة، لا الضبط، لأنه أعقب ذلك بحكم الحفّاظ عليه.
فإن قيل: بل ربما وصفه بذلك مقارنة بأخيه، حيث إنه أورد
стр. 244
ترجمته بعد ترجمة أخيه، فقال في أخيه:
"عالم متَّفقٌ عليه مخرَّج".
فهذا قريب، وليس ببعيد، وله قرائن من كلام العلماء تقدَّم الإشارة إليها.
الثاني: أن عبارته هذه بتمامها تدل على أنَّ معنى قوله: "غير أن الحفّاظ آل يرضوا حفظه" ليس المراد به ما أوهم به المؤلف أي لَمْ يرضوا سعة حفظه؛ لأنه لا فرق في الاحتجاج بين الثقة المقل، والثقة المكثر، وإنما الفرق بينهما عند الترجيح، وعند اختلاف الأسانيد عليهما، كما أن عبارته هذه لا تدل على أنَّهم لَمْ يرضوا حفظه بالنسبة لأخيه، فإنه إن كان كذلك، وهو لا يزال في حيز الثقة المحتج بحديثه، فلماذا لَمْ يُخرَّج له في الصحيح، ولذلك جاءت تمام العبارة: "ولم يخرَّج لذلك في الصحيحين" قاضية على تمويهات المؤلف، لأنَّ ذلك مقتضاه أنه لا يرتقي لدرجة الحجة عندهم.
(٦) عبد الرَّحمن بن مهدي ﵀:
قال المؤلف (ص: ٣١٥):
(وكان عبد الرَّحمن. بن مهدي يحدِّث عنه).
قلت: تحديث ابن مهدي عن الراوي لا يقتضي بكل حال أنه ثقة، وإنما كان يروي عبد الرَّحمن بن مهدي ﵀ عن كلّ
стр. 245
أحد حتى الهلكى والمتروكين، ثم رجع عن ذلك وتركه بآخر أمره، فترك الرواية عن جماعة من هؤلاء منهم جابر الجعفي، وباذام أبو صالح، ويونس بن خباب، وعندي أنه ترك الرواية عن شديدي الضعف، والمتهمين، لا مطلق الضعفاء كعبد الله العمري.
وقد أخرج الخطيب البغدادي في "الكفاية" (ص: ١١٥) من طريق الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول: إذا روى عبد الرَّحمن عن رجل فروايته حجة.
قال أبو عبد الله: كان عبد الرَّحمن أولًا يتسهل في الرواية عن غير واحد، ثم تشدد بعد، كان يروي عن جابر يعني الجعفي، ثم تركه.
وأخرج عبد الله بن أحمد في "العلل ومعرفة الرجال" (٣٣٠٩):
كان عبد الرَّحمن بن مهدي ترك حديث أبي صالح باذام، وكان في كتابي عن السدي، عن أبي صالح، فتركه، لَمْ يحدثنا به عنه، وترك ابن مهدي بأخرة جابرًا الجعفي.
قلت: فتبين من ذلك أن تركه الرواية عن الضعفاء إنما كانت في آخر أمره، وهذا لا يعارض روايته عن عبد الله العمري، فلعله روى عنه قبل أن يذهب هذا المذهب من التشديد في الرواية.
ومتى طرأ الاحتمال، فقد بطل الاستدلال.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن كان عبد الرَّحمن بن
стр. 246
مهدي قد روى عن العمري، فقد ترك الرواية عنه يحيى بن سعيد القطان.
فيكون هذا من قبيل التعارض بينهما في الاحتجاج به، وعدمه، والمقدَّم منهما الأعلم بحال الرواة، وهو يحيى القطان.
وقد أخرج أبو بكر المقدِّمي في "التاريخ" (١٠٠٦) قال: سمعت الشهيدي يقول: سمعت علي بن المديني يقول:
ما رأيت أحدًا أعلم بالرجال من يحيى بن سعيد، ولا رأيت أحدًا أعلم بالحديث من عبد الرَّحمن بن مهدي.
وسنده صحيح، والشهيدي هو إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد.
وأخرجه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٤٦) من وجه آخر عن ابن المديني، ولكن فيه ضعف.
وأورده المزي في "تهذيب الكمال" (٣١/ ٣٣٦) من طريق الساجي قال: حُدثت عن علي ... به.
قلت: ولا يُعترض على هذا بالحكاية التي أوردها الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٤٣) قال:
أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس، حدثني خالي أبو بكر محمد بن إسحاق النعالي، حَدَّثَنَا علي بن الحسن بن دليل، حَدَّثَنَا أبو عبد الله المقدمي، قال: حدثني أبي، قال: سمعت علي بن
стр. 247
المديني يقول: إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرَّحمن بن مهدي على ترك رجل لَمْ أحدَّث عنه، فإن اختلفا أخذت بقول عبد الرَّحمن لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد.
فإن هذه الحكاية ضعيفة السند، فيها شيخ الخطيب، وقد ترجم له في "تاريخ بغداد" (٧/ ٣٠٠)، وقال:
"كتبنا عنه وكان كثير السماع، إلَّا أنه أفسد أمره بأن الحق لنفسه السماع في أشياء لَمْ تكن سماعه ... ذكرت لمحمد بن علي الصوري خبرًا من حديث الشافعي كان حدثنا به ابن دوما، فقال الصوري: لما دخلت بغداد رأيت هذا الجزء وفيه سماع ابن دوما الأكبر، وليس فيه سماع أبي علي، ثم سمَّع فيه أبو علي لنفسه، والحق اسمه مع اسم أخيه".
وفيه كذلك شيخه، وهو خاله محمد بن إسحاق النعالي، وقد ترجمه الخطيب في "التاريخ" (١/ ٢٦٠)، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وأورد له الخطيب خبرًا من رواية ابن أخته الحسن بن الحسين بن دوما، عنه بالسند السابق إلى المقدمي، قال: حَدَّثَنَا عمرو بن علي، قال: سمعت أبا عاصم، يقول: سمعت وهيب بن الورد يقول: إذا أردت أن تذكر فضائل علي بن أبي طالب، فابدأ بفضائل أبي بكر وعمر، ثم اذكر فضائل علي.
стр. 248
قلت: وهذا الأثر، ومثله الأثر المروي في تشدد القطان ليسا في مطبوعة "التاريخ" للمقدمي، وهذا يستوقف الباحث الفهم ولا شك.
ثم على فرض التسليم بصحة هذا الخبر، فالأخذ بحكم القطان في العمري أولى؛ لأنه موافق لقول الجمهور بتجريحه.
(٧) أبو يعلى الوصلي ﵀.
قال المؤلف (ص: ٣١٥):
(وحسَّن له أبو يعلى الموصلي).
قلت: لَمْ أقف عل هذا التحسين في مصادر ترجمته، وكذا المؤلف لَمْ يعزها إلى مصدرها؟ ! !
وإنما حسَّن له يعقوب بن شيبة، كما سوف يأتي.
(٨) يعقوب بن شيبة ﵀.
قال المؤلف (ص: ٣١٥):
(وحسَّن له أيضًا يعقوب بن شيبة، وقال - تاريخ بغداد: ١٠/ ٢٠ - ثقة صدوق، في حديثه اضطراب.
وهو يعني أن الاضطراب الذي في حديثه لا يخرجه عن حدِّ الثقة الصدوق).
قلت: كذا اكتفى المؤلف بذكر هذه العبارة الموهمة، ولم يورد ما نقله الحافظ في "التهذيب" من عبارة يعقوب بن شيبة في جرح
стр. 249
العمري جرحًا مفسرًا.
قال الحافظ:
"أورد له يعقوب بن شيبة في مسنده حديثًا، فقال: هذا حديث حسن الإسناد، مدني، وقال في موضع آخر: هو رجل صالح مذكر بالعلم والصلاح، وفي حديثه بعض الضعفط والاضطراب، ويزيد في الأسانيد كثيرًا".
فدل ذلك على أنَّ يعقوب بن شيبة لَمْ يرد بعبارته السابقة أن اضطراب العمري لا يخرجه عن حد الثقة، وكيف يكون اضطراب الراوي، ثم زيادته في الأسانيد كثيرًا لا تخرج عن حد الثقة، وإنما أراد بذلك أنه ثقة صدوق عدالةً، ثم بين بعد ذلك ما في ضبطه من الضعف، وما في حديثه من الاضطراب والزيادة.
وأما قوله: "هذا حديث حسن الإسناد مدني"، فلا ينصرف إلى المعنى الاصطلاحي للحسن المعروف عند المتأخرين بنوعيه: لذاته، وبمجموع طرقه.
والدليل على ذلك:
أنه قال في "مسند عمر بن الخطاب ﵁" (ص: ٨٢) في حديث: "إني ممسك بحجزكم عن النار":
"هو حديث حسن الإسناد، غير أن في إسناده رجلًا مجهولًا، رواه يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن عِكْرَمة، عن ابن
стр. 250
عباس، عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ ، وحفص بن حميد هذا لا نعلم أحدًا روى عنه إلا يعقوب القمي، ولا نحفظ هذا الحديث عن عمر ﵁ إلا من هذا الوجه".
قلت: ففي هذا أدل الدلالة على أنه لا يريد بذلك أن الحديث حسن بالمعنى الاصطلاحي، ويؤيده أنه وصف أحاديث بحسن الإسناد، وهي صحيحة.
من ذلك:
الحديث الذي رواه عكرمة بن عمار، عن أبي زميل سماك الحنفي، عن ابن عباس، عن عمر ﵁:
لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي ﷺ ، فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله ﷺ :
"كلا إني رأيته في النار في بردة غلها - أو عباءة - ".
قال يعقوب بن شيبة (ص: ٥١):
"حديث حسن الإسناد".
قلت: بل هو صحيح، وعكرمة بن عمار ثقة في غير يحيى بن أبي كثير، ومثله شيخه. سماك الحنفي، والحديث أخرجه مسلم (١/ ١٠٧) احتجاجًا في الأصول.
وذكر عدة أحاديث بنفس الترجمة، ووصفها بنفس الوصف.