Полный текст (366 стр.). Показаны 351–366 · переход к 356.
стр. 351
المؤلف، في تعجيل الاستجابة ووقوعها، فليس ثمة داع للتوسل آنذاك، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن كلام المؤلف الذي تقدَّم في إثبات أن كل مسلم يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله هو النافع، وهو الضار، وأنه هو المؤثر الحقيقي إن كان يعتقده بعض المتوسلين، إلا أن أكثرهم يرون خلاف ذلك، وقد تقدَّم ذكر النقول عن بعضهم في اعتقادهم تأثير تلك الوسائل في الاستجابة ووقوع النفع، ودفع الضر، وليس أقرب من شعر البكري الذي تقدَّم:
فَلُذْ به من كل ما تشتكي ... فهو شفيع وأينا يقبل
وناده إن أزمة أنشبت أظـ ... ـفارها واستحكم المعضل
وأقرب منه ترويج السقاف في مقدمة كتاب الغماري "إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي" لمسألة الاستغاثة.
ثم قال المؤلف:
(وغاية ما في المتوسل أن يقول: اللهم إني أسألك أو أتوسل إليك بنبيك ﷺ أو بالولي الفلاني مثلًا.
فالمتوسل سأل الله تعالى ولم يسأل سواه، ولم ينسب إلى المتوسل به تأثيرًا أو فعلًا أو خلقًا، وإنما أثبت له القربة والمنزلة عند الله تعالى فقط، وتلك المنزلة ثابتة له في الدنيا والآخرة، وإليه نذهب يوم القيامة طلبًا للشفاعة).
стр. 352
قلت: وهذا الكلام ينقض آخره أوله، فإن كان ذلك جائزًا في حق النبي ﷺ ، لثبوت منزلته عند الله تعالى في الدنيا والآخرة، وذلك بنبوته وبتوقيف الله تعالى لنا على ذلك بالنصوص الشرعية، إلا أن هذا منتف في حق غيره من المشايخ والأولياء، فإننا وإن حكمنا على ظواهرهم بالصلاح، لم يُكشف لنا عن بواطنهم، ولا ورد في حقهم توقيف يثبت فضلهم، والاعتقاد الذي أجمعت عليه الأمة أنه لا يُحكم على مسلم بجنة ولا بنار، إلا ما ورد به التوقيف، فإن كان ذلك كذلك، فكيف لنا أن نثبت لهم مكانة عند الله تعالى، ومن ثم نتوسل بهم إليه، إن هذا إلا عين التألي على الله تعالى بغير علم.
ثم إن النبي ﷺ وإن كنا نذهب إليه يوم القيامة مستشفعين به إلى الله تعالى، وهو الاستشفاع بدعائه، فإنما ذلك لأن الله تعالى فضله بهذه الشفاعة، ومنعها غيره من الأنبياء، فالشفاعة عنده لا تكون إلا بإذنه، وقد أذن سبحانه في شفاعات عدة، منها ما هي لنبيه في الدنيا، ومنها ما هي لنبيه في الآخرة يوم القيامة، ومنها ما هي لبعض المؤمنين، وإنما صار القول بها، واعتقادها لورود التوقيف بها، بخلاف التشفع بالنبي والتوسل به في مماته، فإنه لم يصح ما يدل على ذلك.
ولأجل ذلك فإن قول المؤلف:
стр. 353
(وإنما أثبت له القربة والمنزلة عند الله تعالى فقط)، لا يقتضي جواز شفاعته، فليس ثمة قائل من البشر أجمعين أن ليس لآدم ﵇ منزلة عند الله تعالى، ولا لموسى، ولا لعيسى الذي هو كلمة الله، ولا لإبراهيم الذي هو خليل الله تعالى، عليهم الصلاة والسلام، بل هؤلاء الأنبياء من أعظم الخلق منزلة عند الله تعالى، ومع ذلك فإنه لم يجعل لهم الشفاعة في الآخرة، وإن كان جعلها لهم في الدنيا بدعائهم إلى الله، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن ثبوت الشفاعة للنبي ﷺ في الآخرة لا تثبت جواز التشفع به في الدنيا بعد مماته ﷺ إلا على وجه واحد يعود في حقيقته إلى التشفع والتوسل بالعمل الصالح وهو التشفع والتوسل بالإيمان به، وطاعته، والتزام سنته، وحبه ﷺ .
وإن كان ذلك كذلك في حق الأنبياء، فهو في حق الأولياء أولى، فإنه لا يجوز التقدم على الله تعالى في إثبات منزلة عبد من عباده عنده من خيرية أو تقدم، فإن هذا لا يطلع عليه غير الله تعالى، ولا سبيل للبشر إلا الحكم بظواهر الأمور، والظواهر ليست بمسوغة للتألي على الله تعالى في معرفة حقائق البشر.
ثم قال المؤلف:
(ومن يعتقد أن إِخوانه السلمين يعتقدون أن التوسل به له تأثير فيكون قد كفَّرهم، ونصَّب نفسه مقام العارف بما في الصدور،
стр. 354
وهذه فتاوى يضحك بها هؤلاء الشيوخ على البسطاء ليوضحوا لهم أن المتوسلين من جلدة أخرى، وكلام العثيمين ينسحب إِلى التوسل كله، والحق يقال: إِنه كلام لا علاقة له بالعلم، بل هو نوع من أنواع الجهل، والتعالم، وسوء الظن بالمسلمين، وكم من حوادث وفتن تتبع هذه الفتاوى، وكم من جاهل كفَّر أبويه أو أهل خطته بسبب اغتراره بمثل هذه الفتاوى، ولو تمهل المفتي وفكَّر قليلًا لأدرك سخف مقولته).
قلت: وهذا كلام ساقط، لم يراع فيه المؤلف أدبًا في حوار، ولا تقدمًا لإمام، ولا شيء ألبتة، إلا بث ما يكنه صدره من خبث طوية، وغل شديد على علماء الدعوة السلفية من أئمة أهل السنة والجماعة.
والشيخ العثيمين مثله مثل الفوزان والجزائري وغيرهم - حفظهم الله أجمعين - يعلم جيدًا ما يعنيه التوسل عند المتوسلين، فإنه ليس مجرد السؤال بالجاه والذات، بل يؤيده الاعتقاد في المتوسل بهم، ومع ذلك فإنه لم يُفْت بأنه من الكفر في شيء، ولا أن صاحبه كافر والعياذ بالله، وإنما متعلق كلامه إثبات أن هذه المسألة من مسائل الاعتقاد، لا من مسائل الفقه، ولم يتعرض لحكم المتوسل بشيء من التكفير ألبتة.
ولكن هل اكتفى المؤلف بما ذكره من تهويل وتشغيب حول فتيا
стр. 355
فضيلة الشيخ العثيمين - حفظه الله - في التوسل؟ !
لا بل تعداها إلى الطعن في رده - حفظه الله - على استدلالهم بقوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤].
على جواز شد الرحال إلى قبر النبي ﷺ ، فقال (ص: ٨١):
(وقد اعترض محمد بن صالح العثيمين على الاستدلال بالآية المذكورة فقال في فتاويه (١/ ٨٩) ما نصه:
"إذ هذه ظرف لما مضى وليست ظرفًا للمستقبل، لم يقل الله: ولو أنهم إذا ظلموا، بل قال: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ فالآية تتحدث عن أمر وقع في حياة الرسول ﷺ ، واستغفار الرسول ﷺ بعد مماته أمر متعذر، لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث كما قال رسول الله ﷺ : صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، فلا يمكن للإنسان بعد موته أن يستغفر لأحد بل ولا يستغفر لنفسه أيضًا، لأن العمل انقطع". انتهى.
قلت: هذا إِقدام جريء من العثيمين نسأل الله العافية، وإليك تفنيده بالآتي:
стр. 356
أما قصره إذ على الزمن الماضي فقط ففيه نظر، لأن إذ كما تستعمل في الماضي فتستعمل أيضًا في المستقبل، ولها معان أخرى ذكرها ابن هشام في مغني اللبيب، وقد نص على أن إذ تستعمل للمستقبل: الأزهري، فقال في تهذيب اللغة:
العرب تضع إذ للمستقبل وإذا للماضي، قال الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾. . .).
قلت: كون "إذ" تُستخدم للزمن المستقبل كما تُستقبل للزمن الماضي لا ينقض دفع الاستدلال بهذه الآية، فإما أنها تكون قد وردت في هذه الآية على المستقبل، أو تكون قد وردت فيها على الماضي أما جمعها على الزمانين معًا فهذا الذي يلزم المؤلف إثباته.
فإن كانت على الماضي وهو الراجح فلا سبيل للاحتجاج بها على شد الرحال بالزيارة إلى القبر النبوي، ولو أنها على المستقبلية، فهذا معناه أنه لا تعلق لها بما قبلها من الآيات، ولا تعلق لها بما ورد في تفسيرها من الأخبار في قضية الاحتكام إلى اليهود، وهذا لا يقول به عاقل.
وعلى فرض التسليم به، وأنها على المستقبلية فهي مرتبطة بحياة النبي ﷺ ، وأما عند وفاته فلا، لورود ما يدل على أن النبي ﷺ ينقطع عمله إلا من الثلاثة التي ذكرها هو ﷺ بنفسه: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، وهذا عام، لم يُخَص
стр. 357
النبي ﷺ فيه بشيء زائد، ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ قد نهى عن أفعال اليهود والنصارى من اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، وهذا الذي يروج له المؤلف من الذرائع المفضية إلى ذلك.
ثم قال (ص: ٨٢):
(وأما قوله: واستغفار الرسول أمر متعذر، لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث ا. هـ.
فخطأ، واستغفار سيدنا رسول الله ﷺ غير متعذر لأمور. . .).
فذكر منها:
(١) حديثين في حياة الأنبياء في قبورهم.
(٢) صلاته ﷺ بالأنبياء في الإسراء، مع كونهم أمواتًا. .
(٣) حديث "حياتي خير لكم. . . . . . ووفاتي خير لكم تُعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت لكم"، وادَّعى صحته تبعًا لشيخه الغماري.
(٤) استغفار الرسول ﷺ حاصل لجميع المؤمنين سواءً من أدرك حياته ومن لم يدركها لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.
قلت: وهذه الأربعة لا وجه للاستدلال بها، فأما حياة الأنبياء فهي حياة بررخية، ومقتضاها الجزاء، لا التكليف، وإن كان الله عز
стр. 358
وجل قد اختص نبيه ﷺ وهو في حياته الدنيا أن يتصل بهم وهم في حياتهم البرزخية، وأن يرى موسى ﵇ وهو قائم يصلي في قبره، وأن يصلي بهم النبي ﷺ إمامًا في بيت المقدس وهو لا يزال حيًّا وهم أموات في الدنيا أحياء عند ربهم فليس هذا عن الله تعالى ببعيد، ولا يقدح هذا أن بينهم وبين أهل الدنيا - كما قال تعالى -: ﴿بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠].
وقد أخرج ابن جرير في "التفسير" (١٩/ ٧١) بسند حسن عن مجاهد قال: حجاب بين الميت والرجوع إلى الدنيا.
وأما الاستدلال بصلاة الأنبياء، فهي محمولة هنا على ذكر الله تعالى وتسبيحه وتنزيهه، وإن كان ثمة استغفار فيها - وهذا يلزمه دليل لأنه تكليف، ولا تكليف بعد الممات - فيكون خاصًّا به ﷺ لا يتعداه للاستغفار لأمته ﵊، إذ لا دليل عليه، وإنما ورد الدليل بحث الأحياء على الدعاء له ﷺ ، والصلاة عليه، وسؤال الوسيلة له بهليه السلام.
وأما حديث "حياتي خير لكم. . ." الذي أكثر المؤلف من الاحتجاج به فهو حديث ضعيف، وقد تقدَّم تخريجه وبيان ما فيه من أسباب الضعف والاعتلال.
وأما الأمر الرابع الذي احتج به المؤلف فهو أمر أجنبي خارج عن محل النزاع هنا، إذ استغفار النبي ﷺ لعموم المؤمنين في حياته لا
стр. 359
يؤيد الاستدلال بهذه الآية على ما أراده المؤلف، لأنه استغفار وقع في الماضي، ولا تجدد له بعد موت النبي ﷺ .
بل لو قيل: إن هذه الآية الأخيرة حجة عليه من جهة أن هذا الاستغفار قد وقع في الماضي، فلا يلزم حينئذ أن يأتيه المذنبون بعد وفاته يستغفرون عنده، ويستغفر لهم، لكان ردًّا على استدلاله.
ثم أردف المؤلف بكلام متهافت في الرد على الشيخ العثيمين - حفظه الله وأيَّده -، فقال (ص: ٨٤ - ٨٥):
(ولذلك فهم المفسرون وغيرهم من الآية العموم، واستحبوا لمن جاء إلى القبر الشريف أن يقرأ هذه الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ويستغفر الله تعالى، وهذه التفاسير بين أيدينا والمناسك التي صنفها علماء المذاهب كذلك، وكلها نظهر صدق دعوى الاستدلال بالآية.
ولماذا نذهب بعيدًا، فهذا العلامة أبو محمد بن قدامة الحنبلي صاحب المغني، الذي يقول فيه ابن تيمية: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من ابن قدامة، يذكر هذه الآية في المغني (٣/ ٥٩٠) في صفة زيارة المصطفى ﷺ ).
قلت: نعم هذه التفاسير بين أيدينا قد نص أئمة المفسرين على أن هذه الآية إنما نزلت في المنافقين الذين احتكموا إلى الطاغوت،
стр. 360
وانظر إن شئت تفاسير السلف كعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، والطبري، وانظر إن شئت تفسير البغوي، وتفسير الشوكاني، وهؤلاء من أئمة المفسرين، لم يطردوا هذه الآية في المجيء إلى النبي ﷺ بعد وفاته للاستغفار عنده، وأما ابن كثير ﵀ فقال في تفسيرها:
"يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﷺ ، فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يغفر لهم، فإنهم إن فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم".
فهذا الكلام مستقيم وهو مختص بحياته ﷺ لا بعد مماته، ولا وقع من ابن كثير أنه صرح بأنه مختص بما بعد ممات النبي ﷺ ، وإنما نقل بعد هذا الكلام قصة العتبي، على عادة بعض المفسرين في الاستئناس بمثل هذه القصص، وهذا لا يقتضي أبدًا أنه يرى جواز ذلك بعد مماته ﷺ .
وقد نحا نحو ابن كثير أبو حيان التوحيدي في تفسيره، إلا أنه لم يصرح بأن ذلك جائز عنده بعد ممات النبي ﷺ ، ورواية الحكايات والمنامات والأخبار الضعيفة والمشكلة لا يُثبت بها الشرع، ولا يُفسر بها القرآن.
وقد تناول البيضاوي هذه الآية بالبيان في تفسيره، فلم يذهب إلى هذا القول الغريب، بل لم يذكر هذا القول أبو القاسم القشيري
стр. 361
- وهو من أئمة الصوفية - في تفسيره: "لطائف الإشارات".
فلا أدري أي التفاسير تلك التي أيَّدت هذا القول إلا ما لا يعول عليه منها.
وأما ذكر ابن قدامة ﵀ لها ضمن المناسك في "المغني"، فهذا مما لا يعوَّل عليه أيضًا، فإن كان هو قد احتج بهذه القصة، وذكر الآية، فإن الإمام أحمد ﵀ وهو إمام ابن قدامة وجميع الحنابلة لم يذكرها ضمن منسكه الذي يقال أنه كتبه للمرُّوذي، إن صحت نسبته إليه، وقد نقل منه ابن عبد الهادي ﵀ ما يؤيد ذلك، قال في "الصارم" (ص: ١٢٦):
"قال في منسك المرُّوذي: ثم ائت الروضة، وهي بين القبر والمنبر، فصل فيها، وادع بما شئت، ثم ائت قبر النبي ﷺ ، فقل: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا محمد بن عبد الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، وأشهد أنك بلغت رسالة ربك، ونصحت لأمتك، وجاهدت في سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته، ورفع درجتك العليا، وتقبل شفاعتك الكبرى، وأعطاك سؤلك في الآخرة والأولى، كما تقبل من إبراهيم، اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه، واسقنا
стр. 362
بكأسه مشربًا رويًا لا نظمأ بعده أبدًا".
قلت: فليس فيه الاستغفار عنده، ولا طلب الاستغفار منه، ولا تلاوة هذه الآية أو قراءتها، ولا شيء من هذا ألبتة، وأحمد ولا شك مقدم على ابن قدامة وغيره، بل هو إمام الكل، والعبادات لا تثبت إلا بالنصوص الشرعية، لا بالحكايات المبتورة، أو القصص الواهية، أو الآثار المنكرة، وأقوال أهل العلم إنما تستمد قوتها من نصوص الشرع.
ثم أردف المؤلف بعد ذلك الرد على قول الشيخ العثيمين - حفظه الله -: "لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث. . . ."
فقال (ص: ٨٥):
(قلت: سيدنا رسول الله ﷺ له من الكمالات والخصوصيات ما لم يصح لأحد، وهذا ما قرره ابن تيمية في كتابه "الصارم المسلول على شاتم الرسول" وهو أحسن كتبه، وهو ﷺ في ترق وارتفاع إلى يوم الدين، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة ومقرر في كتب الخصائص ودلائل النبوة والشفا وشروحه، فقد قال ﷺ : من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا أخرجه مسلم وغيره.
فجميع الأعمال التي تصدر عن الأمة المحمدية راجعة لدعوة
стр. 363
رسول الله ﷺ ، فثوابها راجع إليه، وهو ينتفع به قطعًا من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. . . . والحاصل أن ابن عثيمين زلَّ فيما قال).
قلت: بل الجلي الظاهر أن المؤلف إنما يريد أن يُخطِّئ الشيخ العثيمين - حفظه الله - بأي طريقة، فإن ما ذكره من أن النبي ﷺ ينتفع بجميع طاعات الأمة المحمدية لا يخالف بحال ما ذكره الشيخ، إذ مرد ذلك دعوته ﷺ إلى الهدى، وهو الكتاب الذي بلغه عن ربه تعالى، وسنته ﷺ ، وكلاهما من العلم، وهو ما تضمنه الحديث الذي ذكره الشيخ العثيمين - أيَّده الله تعالى -، وإنما المتنازع فيه ثبوت استغفار النبي ﷺ لأمته بعد مماته، وهذا مما لا دليل عليه، بل الحديث المذكور ينفيه، والله أعلم.
* طعنه في الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
قال المؤلف (ص: ٩٥) - تعليقًا على قول الحافظ ابن حجر:
"والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله ﷺ ، ثم قال: وهي من أبشع المسائل النقولة عن ابن تيمية" -:
(قال الشيخ عبد العزيز بن باز معلقًا على عبارة الحافظ المذكورة أعلاه: وهذا اللازم لا بأس به، وقد التزمه الشيخ، وليس في ذلك
стр. 364
بشاعة بحمد الله عند من عرف السنة مواردها ومصادرها، والأحاديث المروية في فضل زيارة قبر النبي ﷺ كلها ضعيفة بل موضوعة، كما حقق ذلك أبو العباس في منسكه وغيره، ولو صحت لم يكن فيها حجة على جواز شد الرحال إلى زيارة قبره ﵊ من دون قصد المسجد، بل تكون عامة مطلقة، وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخصها ويقيدها. ا. هـ
قلت: إذا كان كلام الشيخ ابن تيمية فيه بشاعة شدد بسببها العلماء النكير عليه، فالأبشع منه قولك: ولو صحت: . . . إلخ، فلازم كلامك تحريم السفر لطلب العلم وصلة الأرحام وزيارة أخ في الله وللتجارة. . . إلخ، لأن الأحاديث التي وردت في مثل هذه الأنواع عامة مطلقة، وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخصها ويقيدها حسب عبارتك، وهذا لم يقل به أحد من الأمة، ولا يعقل، وكان أولى بالكاتب أن يتقيد بمذهبه الحنبلي، بله مذاهب الأئمة قاطبة، وقد تقدَّمت بعض نصوصهم، ولا يخفى على القارئ اللبيب أن الحديث المذكور في شد الرحال لا يفيد العموم، ودونك فهم الصحابة. . . .).
قلت: قد تقدَّم الجواب عن هذه الإشكالات فيما تقدَّم في
стр. 365
الأبواب السابقة، وإنما أردت بهذا النقل أن أبيِّن للقارئ الكريم سوء تأدب المؤلف مع هذا الإمام الكبير الذي أفنى عمره ﵀ في الاهتمام بأمور المسلمين في أصقاع الأرض، وعمل بكل نفس ونفيس على نشر السنة والعقيدة الصحيحة من الكتاب والسنة.
وأما ما تناول به المؤلف الشيخ الألباني - حفظه الله - والشيخ حماد الأنصاري ﵀ من رد كلامهما في الرجال والإعلال وغيره فقد تقدَّم الجواب عنه ضمنًا في الباب الثاني، فلا نزيد بالإعادة هنا.
стр. 366
° وبعد:
فإنما أردنا بهذا التصنيف بيان الحق في هاتين المسألتين، وما يوافق النصوص الشرعية، والسنة النبوية، ودفع التهم المجازف فيها التي ألقاها المؤلف على أئمة أهل السنة في القديم والحديث، والمبالغة في رد الاستدلالات الصحيحة، والمجازفة في تصحيح الأحاديث التي حكم أئمة الشأن بضعفها أو وضعها، والمخالفة للجمهور في تضعيف الرواة بتوثيقه لهم.
والله العظيم نسأل أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم.
والحمد لله رب العالمين