Полный текст (366 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الحديث السادس عشر
أخرجه أحمد (٢/ ٥٢٧)، وأبو داود (٢٠٤١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٥/ ٢٤٥)، وفي "الشعب" (٢/ ٢١٧)، وفي "حياة الأنبياء" (١٦) من طريق:
حيوة بن شريح، عن أبي صخر، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة مرفوعًا:
"ما من أحد يُسلم عليّ، إلا ردَّ الله عليّ روحي حتى أرد عليه".
قلت: وهذا سند حسن، فإن أبي صخر وهو حميد بن زياد، ويزيد بن عبد الله بن قسيط فيهما كلام يسير، لا ينزل بحديثهما عن درجة الحسن.
ولكن وجدت الإمام ابن القيم ﵀ يعل هذا الحديث في "جلاء الأفهام" (ص: ٣٥)، فقال:
"وسألت شيخنا عن سماع يزيد بن عبد الله بن قسيط، من أبي هريرة؟ فقال: ما كان أدركه، وهو ضعيف، ففي سماعه منه نظر".
ولم أتبين من هو المسؤول، هل هو شيخ الإسلام ابن تيمية،
стр. 317
أو الحافظ المزي - رحمهما الله -، فكلاهما من مشايخ ابن القيم، والأقرب عندي الثاني، لأنه أشهر من ابن تيمية في معرفة الرجال وأحوالهم، وسماعاتهم، إلا أنه لم يصرح بذلك في ترجمة يزيد من "التهذيب"، ولا ألمح إليه.
والظاهر عندي أن السماع محتمل جدًّا فضلًا عن الإدراك باعتبار وفاة أبي هريرة، ووفاة يزيد بن عبد الله بن قسيط، وعُمره.
ثم وجدت بعد ذلك الإمام البخاري ﵀ يذكر سماعه من أبي هريرة في "التاريخ الكبير" (٢/ ٤/ ٣٤٤).
والحديث وإن كان حسنًا، إلا أنه أيضًا لا يُثبت القول بجواز شد الرحل لأجل الزيارة لا من قريب أو بعيد، لا سيما وأن الحديث عام، فيستوي فيه القريب، والنائي البعيد.
стр. 318
الحديث السابع عشر
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٩٥) من طريق:
يعلى بن عبيد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عطاء مولى أم صُبيَّة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ :
"ليهبطن عيسى بن مريم حكمًا عدلًا، وإمامًا مُقسطًا، وليسلكن فجًّا حاجًّا أو معتمرًا أو ثنتيهما، وليأتين قبري حتى يُسَلِّم عليّ ولأردنَّ عليه".
قال الحاكم:
"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة".
قلت: لم يخرجاه لأنه معلول بهذا الإسناد، وبهذه الزيادة.
آفته محمد بن إسحاق، وهو صدوق، إلا أنه أفسد حديثه بالتدليس، فما لم يصرح فيه بالسماع فهو مردود، وهذا الخبر عنعنه كما ترى، وعطاء مولى أم صُبيَّة هذا في حيز الجهالة، تفرد بالرواية عنه سعيد بن أبي سعيد المقبري، وأورده ابن أبي حازم في "الجرح والتعديل" (١/ ٣/ ٣٣٩)، ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا، وقال
стр. 319
الذهبي: "لا يعرف، تفرد عنه المقبري".
والحديث قد رُوي من وجوه أخرى صحيحة دون هذه الزيادة عند البخاري (٢/ ٤٩٠)، ومسلم (١/ ١٣٥ - ١٣٧).
بل أخرج مسلم (٢/ ٩١٥) من طريق:
الزهري، عن حنظلة الأسلمي، قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يحدِّث عن النبي ﷺ قال:
"والذي نفسي بيده، ليهلن ابن مريم بفجِّ الروحاء حاجًّا أو معتمرًا، أو ليثنيهما".
وليس فيه ذكر تلك الزيادة المنكرة، التي تفرد بها ذلك المجهول.
وأما المؤلف، فقد تعصب لتصحيح هذا الحديث، فقال عقب نقل حكم الحاكم على الحديث بالصحة (ص: ٣٥٧):
(وسلَّمه الذهبي).
وهذا خطأ بيِّن، فإنما الذهبي ملخِّص للمستدرك، وإنما يختصر طرقه، ومثلها عبارة الحاكم، وقد ينشط فيتعقب بعض الأحاديث بالتعليل، وقد لا ينشط، وإنما لخص قول الحاكم المتقدِّم، فقال: "صحيح"، ولا يُستفاد من ذلك أنه قد أقرَّه على هذا الحكم، لا سيما وقد حكم على راويه بالجهالة.
ثم قال المؤلف في سبيل توثيق هذا المجهول (ص: ٣١٥):
стр. 320
(وعطاء مولى أم حبيبة، تابعي روى عنه إمام ثقة حافظ هو سعيد بن أبي سعيد المقبري، فإذا ضممت له ذكر ابن حبان له في "الثقات" (٥/ ٢٠١)، وتصحيح الحاكم له، ورواية النسائي له (٤/ ١٦٤) فهو كاف لقبول حديثه، إذ إنه لم يأت بما يُنكر عليه.
وتذكَّر كلمة الذهبي في "الموقظة" (ص: ٨١): ومن الثقات الذين لم يخرَّج لهم في الصحيحين خلق، منهم: من صحح له الترمذي، وابن خزيمة، ثم من روى لهم النسائي ... ).
قلت: أما رواية سعيد المقبري عنه، فلا تثبت، فقد تفرد بها محمد بن إسحاق بالعنعنة.
إلا أن المؤلف قال:
(ولا يضر هنا عدم تصريح محمد بن إسحاق بالسماع لأنه توبع، فللحديث طرق متعددة).
قلت: وهذه مغالطة واضحة، وتدليس بيِّن، فتلك الطرق التي يشير إليها المؤلف هي على ثلاثة أنواع:
الأول: الطرق التي اختلف فيها على محمد بن إسحاق التي ذكرها ابن أبي حاتم في "العلل" (٢٧٤٧) عن أبي زرعة الرازي، وعنه نقل المؤلف في كتابه (ص: ٣٥٧)، فكلها من رواية ابن إسحاق بالعنعنة.
الثاني: الطرق التي وردت في الصحيحين ومسند أحمد وغيرها
стр. 321
من كتب الحديث، فهذه الطرق وإن كانت متابعة لطريق ابن إسحاق إلا أنها قد تابعته على أصل الحديث فقط، دون الزيادة الأخيرة المنكرة التي هي محل الشاهد، وقد تقدَّم ذكر بعض هذه المتابعات عن أبي هريرة ﵁.
الثالث: وهي رواية أبي يعلى في "المسند" (١١/ ٤٦٢/ ٦٥٨٤):
حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا ابن وهب، عن أبي صخر، أن سعيدًا المقبري أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفس أبي القاسم بيده لينزلنَّ عيسى بن مريم إمامًا مقسطًا، وحكمًا عدلًا، فليكسرن الصليب، وليقتُلن الخنزير، وليصلحن ذات البين، وليذهبن الشحناء، وليُعرضن عليه المال فلا يقبله، ثم لئن قام على قبري فقال: يا محمد، لأجيبنه".
وقد تقعقع المؤلف بهذه الرواية مصححًا لرواية الحاكم، فقال (ص: ٣٥٩):
(فالحاصل أن الحديث حسن على الأقل، خاصة مع وجود الطريق الذي في مسند أبي يعلى).
قلت: بل هذه الطريق ضعيفة، بل واهية، والآفة فيها من شيخ أبي يعلى أحمد بن عيسى وهو المصري، قال أبو داود: كان ابن معين يحلف إنه كذاب، وقال أبو حاتم: "تكلم فيه الناس،
стр. 322
قيل لي بمصر: إنه قدمها، واشترى كتب ابن وهب، وكتاب المفضل بن فضالة، ثم قدمت بغداد، فسألت هل يحدِّث عن المفضل، فقالوا: نعم، فأنكرت ذلك، وذلك أن الرواية عن ابن وهب والرواية عن المفضل لا يستويان، وأما أبو زرعة فأنكر على مسلم إخراج حديثه في الصحيح، وقال: "ما رأيت أهل مصر يشكون في أنه .. " وأشار إلى لسانه، كأنه يقول الكذب.
وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ممن سمعوا منه، فهم أعلم به من غيرهم، بل الحكاية التي ذكرها أبو حاتم تقع موقع الجرح المفسَّر، ثم يمين ابن معين المغلَّظة أنه يكذب، لا تجعل ثمة احتمالًا بأن هؤلاء جميعًا تواردوا على الطعن في الرجل بمثل هذا الطعن الشديد دون حجة، وأما الخطيب فتمسَّك بقول النسائي فيه: "ليس به بأس"، فقال: "ما رأيت لمن تكلم فيه حجة توجب ترك الاحتجاج بحديثه".
قلت: ما ذكرناه مما تقدَّم يوجب ذلك ولا شك، والظاهر أن النسائي لم يظهر له من أمره ما ظهر لهؤلاء الجهابذة.
وأما الحافظ ابن حجر، فقال:
"إنما أنكروا عليه ادعاء السماع، ولم يُتهم بالوضع، وليس في حديثه شيء من المناكير".
قلت: هو وإن لم يُتهم بالوضع، فادعاؤه للسماع سرقة، وهذا جرح شديد ولا شك، وأما المناكير، فيكفي جمعه في الرواية
стр. 323
بين المفضل بن فضالة، وابن وهب.
فإن قال قائل: قد أخرج له الشيخان.
قيل له: إخراجهما عنه إما متابعة وإقرانًا كما عند البخاري كما في "هدي الساري" (ص: ٣٨٤)، أو ما وافق فيه الثقات، كما عند مسلم، فإنه لما أنكر أبو زرعة إخراج مسلم لحديثه، قال مسلم كما في "تاريخ بغداد" (٤/ ٢٧٤) بسند صحيح:
إنما قلت صحيح، وإنما اْدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إِلا أنه ربما وقع إليَّ عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فأقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات.
وإن سلَّمنا للمؤلف بصحة السند أو حسنه، فلا بد من اعتبار الاختلاف في الحديث على سعيد المقبري، فقد خالف حميد بن زياد محمد بن إسحاق، وكلاهما صدوق، فيبقى الترجيح بينهما بأمر آخر بخلاف الضبط، وهو العنعنة، فأما ابن إسحاق فقد عنعنه وهو مدلِّس، وأما حميد فقد سمعه من سعيد، فروايته ولا شك مقدَّمة على رواية ابن إسحاق، وعليه فالذي يثبت تبعًا لهذا التسليم رواية حميد، ولفظ الشطر الأخير فيها:
"ثم لئن قام على قبري فقال: يا محمد لأجبته".
وهذا لا يدل على أن عيسى ﵇ سوف يقوم على قبره ولابد، ولو كان فلا يُثبت أنه سوف يشد إليه الرحل لأجل هذا،
стр. 324
ومن ثمَّ فوجه الدلالة من هذا الحديث ضعيف.
وعلى ما تقدَّم يتبين أن رواية سعيد المقبري عن عطاء مولى أم صبيَّة غير محفوظة، فلا تُعتمد في التوثيق، وحتى لو كانت محفوظة فالمستقر عند جماهير العلماء أن رواية الثقة عن غيره لا تُعدُّ توثيقًا له كما ذكره الخطيب في "الكفاية" (ص: ١١٢)، وقد أورد فيه بابًا في ذكر الحجة على أن رواية الثقة عن غيره ليست تعديلًا له.
وأما توثيق ابن حبان، وتصحيح الحاكم فقد تقدَّم بحثه وأنه لا يعتبر بهما، لا سيما الحاكم، فإنه أشد تساهلًا من ابن حبان، وابن حبان لم يذكر من أمره ما يدل على أنه قد سبر حاله، وتتبع حديثه، وهو قليل الحديث، لا يُعرف له إلا حديثه عن أبي هريرة الذي هو قيد البحث، وحديث آخر عن أبي هريرة في فضل السواك عند النسائي في "السنن الكبرى" كما في "التحفة" (١٠/ ٢٨٠) من طريق: محمد بن إسحاق أيضًا، عن سعيد المقبري، عن عطاء، عن أبي هريرة.
وهذا الخبر أيضًا غير محفوظ، والوهم فيه من ابن إسحاق، فقد خالفه عبيد الله بن عمر العمري، وهو إمام حافظ ثقة مقدَّم، ولا يُقارن به محمد بن إسحاق.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن ابن إسحاق قد وهم في رواية هذين الحديثين، وأن عطاء هذا لا يُعرف إلا من هذا الوجه
стр. 325
المنكر، فهو مجهول العين ولا ريب.
وأما تصحيح الحاكم، فزيادة على ما تقدَّم بيانه، من عدم الاعتداد به، فقد أقر المؤلف نفسه أنه قد تساهل في تصحيحه الأحاديث في المستدرك.
قال المؤلف (ص: ١٥٣):
(تساهل الحاكم خاص بالحكم على الأحاديث في المستدرك، فإنه - رحمه الله تعالى - أدركته المنية قبل أن ينقحه كُلَّه كما هو معلوم في مكانه).
قلت: قد بيَّن الذهبي ما في ذلك، فقال في ترجمة الحاكم من "السير" (١٧/ ١٧٥):
"في المستدرك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها".
وقال في ترجمته من "الميزان" (٣/ ٦٠٩):
"إمام صدوق، لكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة، ويُكثر من ذلك، فما أدري هل خفيت عليه، فما هو ممن يجهل
стр. 326
ذلك".
وقال الحافظ ابن حجر في "اللسان" (٥/ ٢٦٤) معتذرًا عن ذلك:
"قيل في الاعتذار عنه: إنه عند تصنيفه للمستدرك كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له، وقطع بترك الرواية عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها".
قلت: فلأجل ذلك كله لا يجب الاحتجاج بتصحيح الحاكم إذا انفرد، لا سيما أيضًا مع شهرته بالتساهل في التوثيق عمومًا داخل المستدرك وخارجه، وقد تقدَّم بيان ذلك بالأدلة الجليَّة.
وأما تلك القاعدة التي نقلها المؤلف عن الذهبي، فلا تعني بأن كل من خرَّج له النسائي فهو محتج به عنده، فإنه إن كان كذلك فلا شك أن عبارة ابن السكن في وصف كتابه بالصحة لها وجه! ! وليس كذلك، بل قد أنكر العلماء عليه ذلك، وقد تقدَّم بيانه بما يُغني عن الإعادة هنا.
وإنما غاية ما ذكره الذهبي أن البخاري ومسلمًا قد خرَّجا لجملة من الثقات، لا لكلهم، فعدم ذكر الراوي في الصحيح لا يقدح في توثيقه، بل في جامع الترمذي جملة من الثقات ممن وصف الترمذي حديثهم بالصحة، بقوله: "حديث صحيح"، وليس من قال فيهم:
стр. 327
"حديث حسن صحيح"، فإن هذا مختص بالأحاديث التي ورد عمل أهل العلم بمدلولها، أو من صحح لهم ابن خزيمة، أو من روى لهم النسائي وهم من الثقات، وهذا قول مجمل، وإلا فهذا القول لا ينافي أن بعض الرواة قد صحح لهم ابن خزيمة وضعفهم الجمهور، ومثله الترمذي، وكذا النسائي، فكم خرَّج عن رواة ضعفاء ومجاهيل.
ومما يدل على أن عبارة الذهبي تخرج هذا المخرج الذي ذكرناه أنه هو نفسه قال في عطاء هذا: "لا يُعرف"، فإن كانت هذه القرائن التي ذكرها في كتابه "الموقظة" ونقلها عنه المؤلف تخرج المخرج الذي أوهم به المؤلف فلماذا لم يوثقه الذهبي؟ ! !
بل غاية ما ذكره فيه في "الكاشف" أنه قال: "وُثِّق"، وقد تقدَّم بيان ما في هذا اللفظ من التمريض المانع من الاعتبار بتوثيق من وثقه، وهو غالبًا ما يشير به إلى من وثقه ابن حبان، أو بعض المتساهلين، أو من وثقه بعض من يطلق وصف التوثيق على العدالة كابن معين - رحمه الله تعالى - إذا لم يتابعه غيره من المعتبرين.
وفي ختام تحقيق القول في هذا الحديث أقول: قد وقع للمؤلف وهم قبيح ثبت عليه طيلة الترجمة، وهو أنه قال: "عطاء مولى أم حبيبة" جريًا على ما وقع من خطا وتصحيف في رواية الحاكم، والصواب كما في غالب كتب التخريج والرجال والعلل: عطاء مولى أم صُبَيَّة، وكذا ضبطه الحافظ في "التقريب"، وقبله الدارقطني في "العلل".
стр. 328
الحديث الثامن عشر
وهو حديث:
"لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
وقد تقدَّم تخريجه في قسم الأدلة، وأسهب المؤلف أيما إسهاب في ذكر طرقه، وشواهده، والذي يعنيني هنا أن أنبه على روايتين من الروايات التي أوردها المؤلف، وإن كنا قد أشرنا إلى إحداها من قبل، وهاتان الروايتان، هما:
الأولى: ذكرها المؤلف (ص: ٣٦٣)، وهي في المسند بسند حسن عن شهر بن حوشب، قال: أقبلت أنا ورجال من عمرة، فمررنا بأبي سعيد الخدري، فدخلنا عليه، فقال: أين تريدون، قلت: نريد الطور، قال: وما الطور؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"لا تُشد رحال المطي إلى مسجد يُذكر الله فيه إلا ثلاثة مساجد ... ".
الثانية: ذكرها المؤلف (ص: ٣٧١) من حديث قزعة، قال:
سألت ابن عمر: آتي الطور؟ قال: دع الطور، ولا تأتها،
стр. 329
وقال: لا تشدوا الرحال إلا ثلاثة مساجد.
وصححه المؤلف.
قلت: هاتان الروايتان دليل قوي على ما تقدَّم ذكره من أن المسجد إذا أُطلق أريد به مكان العبادة، وما يُقصد للتقرب، وإن كان بيتًا، أو قبرًا، وفي هذين الأثرين تحريم السفر إلى مواطن قبور الأنبياء ومقامات الصالحين، وما يؤتى للتقرب عنده للعبادة، بل في حديث أبي سعيد الخدري المرفوع: "لا تُشد رحال المطي إلى مسجد يُذكر الله فيه إلا ثلاثة مساجد ... "، دلالة ظاهرة على ذلك، من قوله: "مسجد يُذكر الله فيه"، والمسجد لفظ عام، وقد أطلقه النبي ﷺ على قبور الأنبياء، فقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وأطلقه النبي ﷺ على عموم الأرض، فقال:
"وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".
وقد تقدَّم أيضًا أنه يطلق على بيوت الموتى وهي القبور، وهذا هو فهم الصحابة، فليعتبر به أولو الأبصار والأفئدة.
стр. 330
الباب الثالث طعن المؤلف بالباطل في أئمة العلماء من المعاصرين
طعنه في الشيخ عبد العزيز بن باز
طعنه في الشيخ أبي بكر الجزائري
طعنه في الشيخ صالح الفوزان
طعنه في محدِّث العصر الألباني
والرد عليه في ذلك
стр. 331
طعن المؤلف في أئمة العلم
دأب المؤلف في غالب كتابه على الطعن في شيخ الإسلام ابن تيمية، سواءً في المسألة التي هي قيد البحث أو في مسائل أخرى أجنبية عن الكتاب.
وقد التزم في ذلك بمنهج مشايخه من الغماريين والكوثريين الذين دأبوا في عامة مؤلفاتهم على مثل ذلك، ليس في شيخ الإسلام ابن تيمية فحسب، بل وفي عامة أهل العلم من أهل السنة والجماعة.
وزاد على ذلك فبث حقده الدفين على علماء الدعوة المعاصرين من أهل السنة والجماعة، من مشاهير أئمة الأمصار فكال لهم النقد والازدراء وسوء الأدب والسخرية، من هؤلاء:
الشيخ العلَّامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀، والعلَّامة الألباني، محدِّث الديار الشامية، وحافظ العصر، والشيخ الصالح محمد الصالح العثيمين، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ أبي بكر الجزائري - حفظهم الله أجمعين -.
فذكر جملة من كلامهم في هاتين المسألتين، ذكر الساخر البذيء ألزمه الله تعالى بما يستحق في الدنيا والآخرة، وألزم أحدهم
стр. 332
واتهمه بتكفير المسلمين، وهو الشيخ الجزائري - حفظه الله -، ثم زاد الطين بلة فنسبه إلى الخوارج!!، ووصف الشيخ الفوزان - حفظه الله - بأن دعوى البدعة والشرك عنده سهلة جدًّا، وغير ذلك من الأوصاف الذميمة، والاتهامات الباطلة.
ووصف الشيخ ابن عثيمين - حفظه الله ورعاه - بالجهل والتعالم، واتهمه بتكفير المسلمين، وبالضحك بفتاويه على البسطاء من العامة والعياذ بالله.
وإنما أردت في ختام كتابي هذا أن أذكر للقارئ الكريم بعض تلك العبارات السمجة الوقحة التي استخدمها المؤلف مع أئمة العلماء، تدليلًا على ما يكنه صدره من الغل الشديد، والحقد الكبير لأئمة أهل السنة والجماعة وأصحاب الاعتقاد السليم من السلفيين، حفظهم الله أجمعين.
طعنه في الشيخ أبي بكر الجزائري - حفظه الله -:
قال المؤلف (ص: ٥٩):
(إِن أبا بكر الجزائري قد اعتمد على نفسه، فزاد الطين بلة، وكفَّر قسطًا وافرًا من المسلمين، فقال ما نصه:
"إن دعاء الصالحين، والاستغاثة بهم، والتوسل بجاههم لم يكن في دين الله تعالى قربة ولا عملًا صالحًا فيتوسل به أبدًا، وإنما كان شركًا في عبادة الله محرمًا يخرج فاعله من الدين، ويوجب له الخلود
стр. 333
في جهنم" انتهى بحروفه من كتابه "عقيدة المؤمن" (ص: ١٤٤).
والصحيح أن المؤمن لا يعتقد ذلك في إخوانه المؤمنين الذين يعتقدون ألا مؤثر إلا الله جل وعز، وغاية عملهم أنهم علموا منزلة النبي ﷺ عند ربه فتوسلوا به، واتبعوا الأدلة الصحيحة، وقد تأسوا في ذلك بالصحابة رضوان الله عليهم.
وقد أخطأ أبو بكر الجزائري، فكفَّر عباد الله الصالحين، وهذا التكفير الجزاف لا ارتباط له بكتاب أو سنة، ولا بما عليه السواد الأعظم، ولم يقل ذو عقل ودين بمقولته الفاسدة إِلا من كان على رأي الخوارج، نسأل الله العافية.
وللأسف قد طبعَ كتابه مرات، وليتأمل القارئ المنصف كم من المسلمين فُتنوا بهذا الباطل).
قلت: هذا تمويه واضح من المؤلف، فإن الشيخ الجزائري حفظه الله تعالى إنما خص الحكم بالتكفير بمن أشرك مع الله تعالى في الدعاء والاستغاثة، أو بمن دعا غير الله تعالى، أو استغاث بغير الله تعالى، وهذا كله عند أهل العلم من الشرك البيِّن، وهو منتشر انتشارًا كبيرًا لا سيما عند قبور الصالحين والأولياء ومن يعتقد فيهم العامة وإن كانوا من أهل الفساد والريب، بل ومنهم من يعتقد في هؤلاء أن لهم القدرة على تسيير بعض شئون الكون، فضلًا عن إبراء
стр. 334
المرضى، وإعادة الضائع، وإرشاد الضال، وغيرها من الأمور.
وكلام الجزائري - حفظه الله - مختص بهؤلاء، وأما ذكره التوسل ضمن كلامه، فلا يدل على أنه يذهب إلى وصف من يعتقد جواز التوسل بالصالحين من غير دعاء لهم أو استغاثة بهم إلى الكفر من وجهين:
الأول: أنه عطف التوسل بـ "واو العطف" على ما قبلها من دعاء الصالحين، والاستغاثة بهم، فهذا ظاهر أنه أراد بذلك مجموع تلك الأفعال معًا، لا كل فعل على وجه الخصوص، ومن ثمَّ فهذا محمول على دعاء غير الله تعالى المشوب بالتوسل الذي يعتقد فيه صاحبه تأثير المتوسل به في الأسباب، وأنه قادر على النفع والضر.
ثم وجدت عنه - حفظه الله - ما يؤيد ذلك، فقد بيَّن في كتاب آخر أن التوسل عنده الذي يُحكم على صاحبه بالكفر هو دعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بهم، ولا خلاف بين أهل العلم على كفر من عبد غير الله، أو صرف أي نوع من العبادة إلى غيره تعالى.
قال الشيخ أبو بكر الجزائري في كتابه "وجاءوا يركضون مهلًا يا دعاة الضلالة" (ص: ٧٤):
"كان سلف الأمة الصالح، نبيها وصحابته وتابعوهم وتابعو تابعيهم بإحسان كل يتوسل إلى الله تعالى في قضاء حوائجه من جلب خير، أو دفع ضر بإيمانه، وعمله الصالح، وذلك إلى أن
стр. 335
جاء عصر الفتن، ونجم قرن التصوف، يحمل رايته غلاة الباطنية والزنادقة، ومشايخ الطرق، فأحدثوا في التوسل إِلى الله تعالى بدعًا وضلالات كادوا يقضون بها على روح الإسلام، فعبدوا الأولياء بذبح القربات، والنذر لهم والاستغاثة بهم، والاستشفاع والتبرك بأضرحتهم".
فأطلق التوسل على هذه العبادات الشركية، وهو محتمل، لعموم لفظ التوسل، فهو يُطلق على كل ما يتقرَّب به العبد إلى ربه.
الثاني: باعتبار أن هذه الأشياء الثلاثة قد ذكرها الشيخ أبو بكر الجزائري كلًّا على وجه الخصوص، منفردًا، فلا يلزم أن يكون كل هذه الثلاثة قد أُشربت هذا الحكم، بل يجوز أن لا يُشرب أحدها هذا الحكم.
كما في قوله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
والجمهور قد استدلوا بهذه الآية على نجاسة الخمر، مع أن ثمة أنواع أخرى قد ذُكرت معها، ليس لها نفس الحكم من حيث الطهورية والنجاسة، وإنما تنصرف النجاسة في حقها إلى النجاسة المعنوية، وروى ابن جرير في "التفسير" (١٠/ ٥٦٥) بسند صحيح
стр. 336
عن ابن زيد ﵀ قال:
﴿رِجْسٌ﴾: الشر.
وليعلم القارئ الكريم أن صنيع المؤلف من كيل الاتهامات للشيخ أبي بكر الجزائري لم يكن عن غيرةٍ على السنة، وإنما عن حقد دفين قديم، بين شيخه الغماري وبين أبي بكر الجزائري أيده الله، منذ عشرات السنوات لما هب الشيخ أبو بكر الجزائري بالرد على جماعة من القبوريين الذين ألفوا مؤلفًا يروجون به ضلالاتهم على عوام الناس، وقاموا بتوزيعه، وانظر تمام هذه القصة بقلم الشيخ الجزائري ﵀ في كتابه:
"وجاءوا يركضون ... مهلًا يا دعاة الضلالة".
فكان ماذا؟ ! قام الغماري بالأخذ بيد هؤلاء القبوريين، وقدَّم لهم، ومما جاء في تقديمه - كما ورد في الكتاب المذكور (ص: ٨٨) -: "قد وقفت على كتابك "إعلام النبيل بما في شرح الجزائري من التلبيس والتضليل" فوجدته قد أحكم الرد، وأتقن النقض لتلك الوريقات التافهة التي نشرها، وأضاع بها الوقت والمال أبو بكر جابر الجزائري في الرد على فضيل العلَّامة المتقن الشريف الدكتور محمد بن علي المالكي".
هل تعلم أيها القارئ الكريم ماذا حوى هذا الكتاب الذي قرَّظه وقدَّم له الغماري شيخ المؤلف؟ ! !
стр. 337
قد حوى الدعوة إلى دعاء غير الله، والاستغاثة بالأولياء والصالحين، وطلب الدعاء منهم، والاستغفار لهم.
قد حوى الرد على الشيخ الجزائري في رده لقول البكري: "فأنت باب الله"، وحوى الرد على الجزائري في إنكاره قصيدة البكري التي ورد فيها:
فَلُذْ به من كل ما تشتكي ... فهو شفيع وأينا يقبل
وناده إن أزمة أنشبت أظـ ... ـفارها واستحكم المعضل
فلا يهولنك أيها القارئ الكريم ما يروِّجه المؤلف من عبارة أن التوسل فيه خلاف مشهور، فليس هذا التوسل الذي يرومه القوم هو الذي فيه الخلاف، إن صح الخلاف!! فتوسل القوم أصله دعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بالأموات، وغيرهم، فالله الله ما أعظم البلية بمثل هذه التدليسات والتمويهات.
ولكن هل اقتصر المؤلف على الطعن في الشيخ الجزائري، لا بل تعداه إلى أئمة مشايخ السلفيين من أهل السنة والجماعة، ووجَّه حرابه المسمومة إليهم، يظن بذلك أن يغتالهم، كلا والله، فإن حراب الباطل زاهقة، وصدور المؤمنين عامرة بالإيمان قوية به لا تنشب فيها رماح الباطل أبدًا.
* طعنه في الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله -:
تهكَّم المؤلف علي الشيخ الفوزان - حفظه الله - فقال (ص: ٥٤)
стр. 338
بكل صلافة:
(فأفاده بعضهم -[وقال في الحاشية: هو صالح الفوزان]- بقوله المضحك المبكي: التوسل في الدعاء بذوات الصالحين أو حقهم أم جاههم يعتبر أمرًا مبتدعًا، ووسيلة من وسائل الشرك، والخلاف فيه يعتبر خلافًا في مسائل العقيدة لا في مسائل الفروع، لأن الدعاء فيه أعظم أنواع العبادة ولا يجوز فيه إلا ما ورد في الكتاب والسنة .. الخ.
قلت: لا يخفى أن الأحاديث والآثار الصحيحة والحسنة ترد قوله، ولو استحضر هذا المجيب حديثًا واحدًا منها، وليكن حديث توسل الأعمى بالنبي ﷺ ، واستعمال عثمان بن حنيف له، وزيادة حماد بن سلمة الصحيحة، وكان مع استحضاره منصفًا وترك تقليد غيره لأعرض عما تفوه به ..... ).
وقال (ص: ٥٦):
(ثم رأيت المجيب عن السؤال أعني صالحًا الفوزان يقول في رسالة له مطبوعة باسم "تعقيبات على كتاب السلفية ليست مذهبًا" عن التوسل: إنها لمسألة خطيرة تمس العقيدة، وتجر إلى الشرك، فكيف تكون هينة. ا. هـ.
قلت: هوِّن على نفسك يا شيخ، فإذا كان التوسل يجر إلى
стр. 339
الشرك، فقل لي بربك: هؤلاء الأئمة الذين توسلوا بالنبي ﷺ أحمد بن حنبل وغيره من السلف، ومن بعدهم، هل علمت أنهم انجروا إلى الشرك؟ ! حاشاهم من ذلك وهم أئمة الدين، وكلامك يعني أن التوسل يستلزم بالضرورة الانجرار للشرك، وهو لازم باطل لا ينكره إلا مكابر).
ثم قال في الحاشية:
(هو صالح الفوزان، ودعوى البدعة والشرك عنده سهلة جدًّا،
حتى أنني رأيت منسكًا له عدَّ فيه الدعاء عند القبر الشريف من الأخطاء العظيمة، لأنه وإن كان الداعي لا يدعو إلا الله بدعة ووسيلة إلى الشرك، كذا في منسكه (ص: ٥٢)، وغير خفي أن الدعاء عند القبر الشريف تضافرت النقول عليه عن السلف والخلف، وابن تيمية نقل الدعاء عند القبر الشريف عن جماعات في رده على العلَّامة الأخنائي).
قلت: والجواب عن هذه الطعون كما يلي:
أولًا: إن وصف الشيخ الفوزان - حفظه الله - للتوسل بذوات الصالحين وحقهم بالبدعة هو الذي تؤيده الأدلة، ذلك لأن الأحاديث والآثار التي حشدها المؤلف ما بين مردودة من جهة الدلالة كما في استسقاء عمر بالعباس ﵄ فإنما هو توسل بدعاء
стр. 340
العباس ﵁ كما بيناه هنالك تفصيلًا، وكما في حديث الضرير، فإنما هو استشفاع بدعاء النبي ﷺ ، لا بجاهه كما تقدَّم تقريره في موضعه، وما بين مردودة من جهة السند وهي غالب الأحاديث التي احتج بها، وإن نافح عنها منافحة المستميت.
ثانيًا: التهويل بنسبة القول بالتوسل إلى أحمد، وجماعة من السلف، فيه نظر شديد، فإن عبارة الإمام أحمد ﵀ كما تقدَّم بيانه مجملة، وهي تحتمل التوسل بالاتباع والإيمان به ﷺ ، كما تحتمل التوسل بجاهه ﵇، ومتى طرأ الاحتمال سقط الاستدلال، إلا أن الوجه الأول هو الأقرب للصواب، لأن الإمام أحمد ﵀ قد نهى عن الاستعاذة بالمخلوق، وهي تنزل بمنزلة الدعاء، فكذلك الدعاء لا يكون بالمخلوق.
وثمة مسألة مهمة وهي: أن هذه المسألة مع خطورتها وعظم أمرها لم يستفض النقل فيها عن الإمام أحمد ﵀ إلا ما ورد ضمن منسك المروزي هذا، وإن كان بعض أهل العلم قد نقل عنه كابن تيمية، وابن عبد الهادي، وغيرهما، إلا أنه لم يصلنا سنده حتى نتبين صحة نسبته إلى الإمام أحمد ﵀، فإنه قد نُسبت إليه بعض الكتب كرسالة الاصطخري وغيرها، قد حوت أحرف منكرة في الاعتقاد والسنة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الإمام أحمد ﵀ كان ينهى عن وضع الكتب، لا سيما
стр. 341
تلك التي حوت آراء الرجال، وكان يعدها من البدع كما ورد في "مسائل" إسحاق بن إبراهيم بن هانئ وغيره، وأما الكتب التي صنفها فإنما كانت على طريقة المحدثين، بخلاف هذا المنسك الذي يخلو من ذلك، وهذا يُلمح للباحث الفطن التمهل في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أحمد ﵀.
وأما نسبة القول بجواز التوسل إلى جماعة من السلف، فقد تقدَّم الجواب عنها في موضعه، وبينا أن ما روي في ذلك عن السلف لا يصح.
ثالثًا: تعقب المؤلف على الشيخ الفوزان في قوله: "إنها لمسألة خطيرة تمس العقيدة، وتجر إلى الشرك" في غير محله، فإن قول الشيخ الفوزان قول وجيه يعضده الشرع والواقع.
فأما تعضيد الشرع له: فقد تقدَّم ذكر الأدلة على المنع من التوسل، وكيف انجر قوم نوح ﵇ إلى عبادة الأصنام بالغلو في الصالحين، وفي العبادة عند القبور.
وأما الواقع: فقد تقدَّم الإحالة على ترويج السقاف في مقدمته لشيخه وشيخ المؤلف الغماري للاستغاثة، وتقدَّم النقل عن الغماري في مباركته لكتاب الرد على الشيخ الجزائري وفيه الدعوة إلى دعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بالأموات، ويعضد ذلك كله المشاهد في الموالد والاحتفالات عند القبور والمشاهد من تقبيل الأعتاب، وبذل
стр. 342
الأموال والنذر للمقامات وأصحابها، والذبح عندها، إلى غير ذلك من بلايا الشرك والخذلان، هل كان هذا ابتداءً إلا بالاعتقاد الخاطئ في الأموات، وهل عبد قوم نوح تلك الأصنام بمجرد موتها، لا بل صوروا لها صورًا تذكرهم بها، فلم يعبدوها، حتى إذا مات هؤلاء القوم، وتنسَّخ العلم عُبدت تلك الأصنام.
وقد سد الإسلام الذرائع المفضية إلى الشرك وأسبابه، وذلك بأن شرع الدعاء لله وحده، وجعل له آدابًا ليس منها التوسل بأحد من خلق الله تعالى، لا بجاهه، ولا بذاته.
رابعًا: عد الشيخ الفوزان الدعاء عند القبر من الأخطاء العظيمة موافق لمقاصد الشريعة ونصوصها.
فإن الشرع الحنيف قد نهى المسلمين عن عبادة الله تعالى عند القبور، سدًّا للذرائع المفضية إلى الشرك والعياذ بالله، فلا يجوز دعاء الله تعالى عند القبور اعتقادًا باستحباب ذلك في هذا الموضع، لأن النبي ﷺ قد نهى عن تحري العبادة ومنها الدعاء عند القبور عمومًا، وعند قبره خصوصًا كما تقدَّم بيانه، وهذا فيما إذا كان الدعاء لغير المقبور، وأما إن كان الدعاء لأجل المقبور، كالاستغفار له، أو كالصلاة على النبي ﷺ عند قبره والدعاء له بالوسيلة ونحوه مما يشرع فهذا لم ينه عنه أحد من أهل العلم، بل هو مما يتأكد، وليس في عبارة الشيخ الفوزان ما يوهم بخلاف ما ذكرنا هنا.
стр. 343
خامسًا: أن الغماري، وهو شيخ المؤلف نفسه قد أثبت أنه لا نكير على من يحرِّم التوسل بالذات، وقد نص على ذلك فقال في كتابه: "غاية التحرير في بيان صحة حديث توسل الضرير" (ص: ٩٣):
"التوسل كغيره من المسائل التي اختلف فيها العلماء، ولسنا نعيب من يرى تحريمه أو كراهته ... ".
وقد وافقه المؤلف في مقدمة كتابه على هذا القول، ثم جاء وخالفه هنا بالانتقاد على المشايخ أئمة العلم تحريمهم التوسل بالجاه.
وهذا هو دأبه، بل ودأب شيخه الغماري أيضًا إذ قال ما تقدَّم ذكره، ثم ناقض نفسه فختم رسالته في "الرد على الألباني" بشعر فيه النكير واللمز (ص: ٧٠)، قال:
إن التوسل جائز في شرعنا ... لا يمتري في حكمه شخصان
إلا الذين توهَّبوا بجهالة ... وتوسَّموا بسفاهة بلسان
قد حرَّموه وبالغوا في ذمه ... من غير أن يأتوا بأي بيان
وحديث عثمان بن حنيف حجة ... يقضي لنا عليهم بالخسران
والله يهديهم ويشرح صدرهم ... لقبول ما يبدر من البرهان
إلا أن المؤلف لم تشف غليله هذه الاتهامات والطعون التي كالها للشيخ الفوزان - حفظه الله - فحاول جاهدًا أن يشكك في نيته وإخلاصه بإظهار تناقضه! ! - المزعوم - فقال (ص: ٥٦ - ٥٨):
стр. 344
(وهذا الرجل الذي يتشدد هنا التشدد الممقوت - ويخالف مذهبه - في أمر فرعي، تجده في مكان آخر يتساهل في محض الاعتقاد تساهلًا مذمومًا، فتجده يقول في رسالته المذكورة تعقيبًا على من نقل الإجماع على بقاء النار، فقال:
"وتعقيبنا عليه من وجهين: الوجه الأول: أنه لم يحصل إجماع على تخطئة القول بفناء النار، وعدَّه من البدع كما زعم، فالمسألة خلافية، وإن كان الجمهور لا يرون القول بذلك، لكنه لم يتم إجماع على إنكاره، وإنما هو من المسائل الخلافية التي لا يُبدع فيها.
الوجه الثاني: أن الذين قالوا بفنائها استدلوا بأدلة من القرآن والسنة، وبقطع النظر عن صحة استدلالهم بها أو عدم صحته فإن هذا القول لا يعتبر من البدع ما دام أن أصحابه يستدلون له، لأن البدع ما ليس لها دليل أصلًا، وغاية ما يقال إنه قول خطأ أو رأي غير صواب ولا يُقال بدعة، وليس قصدي الدفاع عن هذا القول، ولكن قصدي بيان أنه ليس بدعة، ولا ينطبق عليه ضابط البدعة، وهو من المسائل الخلافية" ا. هـ
قلت: وغير خفي على اللبيب والبليد أن كلامه نهاية في البطلان والتعصب، وأن القول بفناء النار هو قول المبتدعة من جهمية
стр. 345
المعتزلة، وأن من يعتد به في الإجماع من الأئمة فارق هذا القول وخالفه، وقد قال الطحاوي في العقيدة المشهورة: والجنة والنار مخلوقتان أبدًا لا تفنيان ولا تبيدان. ا. هـ. ص: ٤٧٦ مع الشرح .....
وصفوة القول: أنه تشدد فيما هو سهل، وتساهل في أمر الاعتقاد، وما أرى ذلك إِلا بسبب اتباع الهوى والانتصار للأشخاص لا غير، وهذا هو الغلو الذي قاموا وقعدوا ولفوا وداروا حوله ووقعوا في أئمة الدين بسببه، فلله الأمر من قبل ومن بعد نعوذ بالله من الهوى والمناكدة، وإن كل متمسك بالحق خلا قلبه من شوائب العصبيات والأهواء ليبرأ إِلى الله تعالى من التلاعب بالدين).
قلت: انظر أخي القارئ الكرريم إلى هذا الحقد الدفين على أئمة الدعوة السلفية، الذين هم علماء الأمة، وإليهم الرجع في الفتوى والوقوف على السنن ونشرها، والتحذير من البدع وإماتتها، وهذا ظاهر من عباراته الأخيرة السمجة الفجة القبيحة التي يتهم فيها هؤلاء العلماء بالمراوغة والتلاعب بالدين، ويصفهم بأنهم أصحاب لف ودوران ووقوع في أئمة الدين، وأنهم أصحاب هوى وانتصار للأشخاص لا غير.
فهذا تنبيه للقارئ الكرريم ليتلمح شخصية هذا الكاتب، ولينظر إلى ما تصبو إليه نفسه، ويسعى له قلمه.
وأما الجواب عما أورده، فأوجزه في هذه النقاط:
стр. 346
أولًا: التوسل ليس بأمر فرعي كما زعم المؤلف، بل هو أمر عقدي لاتصاله بمهمات الدعاء الذي هو عبادة الرب تعالى كما قال النبي ﷺ في حديثه الصحيح، والذبح من أبواب الفقه والفروع، إلا أن الذبح إذا صُرف لغير الله تعالى، أو كان على غير اسم الله تعالى صرفه العلماء آنذاك إلى مسائل الاعتقاد - الأصول -.
فنسبة المسألة إلى الفقه أو الاعتقاد إنما يكون بتقدير تعلقها، وهذا ما تجاهله المؤلف أشد التجاهل.
ثانيًا: نسبته القول بفناء النار إلى المبتدعة من جهمية المعتزلة فيه نظر، فإنما قول الجهمية في ذلك: أنها تفنى بنفسها، لأنها حادثة، وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه وهو قول قد جمعوا فيه بين الجنة والنار كما أشار ابن أبي العز الحنفي في "شرح الطحاوية" (ص: ٣٦٠) والتي نقل منها المؤلف، وهذا القول مفارق للقول الذي أثبت الشيخ الفوزان الخلاف فيه، وهو: أن الله يخرج من النار من يشاء كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئًا، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدًا تنتهي إليه.
ومن يقول بهذا القول يخص به النار وحدها دون الجنة، فإن الأدلة الصحيحة تدل على بقائها أبدًا، بخلاف الجهمية الذين يثبتون الفناء للجنة وللنار جميعًا.
وهذا القول قد ذكره ابن أبي العز ضمن ثمانية أقوال، هذا
стр. 347
سابعها، وثامنها: القول بأن الله يخرج منها من يشاء، ويبقي فيها الكفار بقاءً لا انقضاء له.
قال ابن أبي العز ﵀:
"وما عدا هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان، وهذان القولان لأهل السنة ينظر في أدلتهما ... ".
وأنا أجزم بأن المؤلف لم يغب عنه هذا النقل، لأنه ذكر قول الطحاوي في مسألة الجنة والنار في كلامه السابق من شرح ابن أبي العز الحنفي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مغالطة المؤلف للقراء حتى يتسنى له إلحاق التهم بالشيخ الفوزان، وإثبات التناقض والتلاعب عليه، وحاشاه، وحاشا كل من انتسب إلى أهل السنة والجماعة.
ثالثًا: أن الشيخ الفوزان إنما تناول الإجماع على تبديع وتخطئة من قال بفناء النار، ولم يتناول الإجماع على بقاء النار وأبديتها، وثمة فرق كبير وبون شاسع واسع بينهما، فالأول مقتضاه إثبات الاختلاف في المسألة، والثاني مقتضاه نفيه، فإذا كان الأمر على ما ذكر الفوزان فالاختلاف فيه قائم، وهو مبني على ورود بعض الأخبار عن بعض السلف تؤيد ذلك، ومن هذه الجهة ذهب الشيخ الفوزان إلى التوقف في إطلاق وصف البدعة على هذا القول.
ومثل هذا كثيرًا ما يقع في كلام الأئمة الكبار، فبعضهم يصف
стр. 348
القول أو الفعل بأنه بدعة، والبعض الآخر لا يصفه بذلك لورود ما يقتضي خلافه.
كالاختلاف في رؤية النبي ﷺ ربه في الحياة الدنيا، وكالاختلاف في مسألة اللفظ، وما ذكره البخاري من أن الأفعال والحركات والأصوات مخلوقة، وهي بخلاف القرآن الذي هو غير مخلوق، ومخالفة الذهلي له وتشهيره به، وكالاختلاف في صلاة النبي ﷺ بالأنبياء في المسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج، فقد أخرج أحمد والترمذي بسند حسن عن حذيفة ﵁ أنه قال: والله ما صلى فيه رسول الله ﷺ ليلتئذ.
قلت: وهذا القول مخالف لما عليه إجماع الصحابة، ولما وردت به الأحاديث عن النبي ﷺ ، إلا أنه لا يقال فيه أنه بدعة، لأنه إنما قال به حذيفة ﵁ إعمالًا لظاهر القرآن، ولعدم وصول الأحاديث النبوية المثبتة لعكسه، ومن هذا الوجه فلا يتجه وصفه بأنه بدعة، وهو وإن كان خلافًا قائمًا، إلا أنه لا يجوز اعتقاده اليوم، ولا القول به، لثبوت ما يضاده من النصوص الشرعية واتفاق أهل العلم، وإنما يُقال في مثل هذا: زلة عالم لعدم وصول الأدلة إليه، وليس هذا الباب على إطلاقه، بل فيه تفصيل ذكرناه في كتابنا: "الأصول التي بنى عليها الغلاة مذهبهم في التبديع".
وهذا هو عين ما ذهب إليه الشيخ الفوزان، فإنه متى نُسب
стр. 349
القول إلى أحد من السلف خرج به من حيز البدعة، هذا مع وجوب تحقيق الأسانيد في ذلك، للخروج من الخلاف.
وهذا بخلاف ما ورد في التوسل، فإن ما ورد في التوسل لا يصح فيه خبر مرفوع أو موقوف كما تقدَّم بيانه، ولا هو مذهب نُسب نسبة تصح إلى أحد من السلف، بل الأدلة النقلية على مخالفته ودحضه، ومن هنا فإن القول به لا يعضده عاضد، وإن قال به جماعة من متأخري أهل العلم اغترارًا ببعض الأخبار الضعيفة، أو بحديث الضرير والذي هو حجة في نفسه على المنع من التوسل، والله يغفر للجميع.
* طعنه في الشيخ محمد صالح العثيمين - حفظه الله -:
وأما خطب المؤلف مع الشيخ الصالح محمد الصالح العثيمين - حفظه الله - فكان جليلًا، فقد اتهمه بالتشنيع، والدعوة إلى تكفير المتوسلين، وختم كلامه بوصفه له بالتعالم والجهل، والضحك على البسطاء وخداعهم إ!
وأنا أنقل كلام المؤلف في ذلك بتمامه، ثم أبيِّن وجه الجواب عنه إن شاء الله تعالى.
قال (ص: ٦١ - ٦٢):
(وإن كان أبو بكر الجزائري قد تفوه بالتكفير، فهناك آخر هو محمد صالح العثيمين الذي أصر على اعتبار التوسل من مباحث
стр. 350
الاعتقاد، واستدل على مقولته بما لم يصرح به مسلم، فقال:
"بالنسبة للتوسل فهو داخل في العقيدة، لأن المتوسل يعتقد أن لهذه الوسيلة تأثيرًا في حصول مطلوبه ودفع مكروهه، فهو في الحقيقة من مسائل العقيدة، لأن الإنسان لا يتوسل بشيء إلا وهو يعتقد أن له تأثيرًا فيما يريد". ا. هـ
قلت: اثبت العرش، ثم انقش، فمن الذي أطلعك على ما في صدور المتوسلين حتى تصرح بهذه المقولة الشنيعة، التي يلزم منها تكفير المتوسلين جميعًا.
إن ما قاله مناف للاعتقاد تمامًا، فكل مسلم يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله جل وعز هو النافع، وهو الضار، وأن المؤثر الحقيقي هو الله، وأنه وحده مسبب الأسباب، فلا فاعل إلا الله، ولا خالق سواه، وإليه يُرجع الأمر كله، فلا حول ولا قوة إلا بالله).
قلت: مقولة الشيخ ابن عثيمين - حفظه الله - لا تقتضي بأي حال من الأحوال تكفير المتوسلين جميعًا، ولا حتى بعضهم، وإنما هو شغب المؤلف الذي هو رأس ماله في كتابه هذا، وتمويهاته على القراء.
وكلام الشيخ العثيمين مستقيم أشد الاستقامة، فلو لم يكن المتوسل معتقدًا لتأثير استخدام هذه الوسيلة، أو القربة كما يسميها
стр. 351
المؤلف، في تعجيل الاستجابة ووقوعها، فليس ثمة داع للتوسل آنذاك، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن كلام المؤلف الذي تقدَّم في إثبات أن كل مسلم يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله هو النافع، وهو الضار، وأنه هو المؤثر الحقيقي إن كان يعتقده بعض المتوسلين، إلا أن أكثرهم يرون خلاف ذلك، وقد تقدَّم ذكر النقول عن بعضهم في اعتقادهم تأثير تلك الوسائل في الاستجابة ووقوع النفع، ودفع الضر، وليس أقرب من شعر البكري الذي تقدَّم:
فَلُذْ به من كل ما تشتكي ... فهو شفيع وأينا يقبل
وناده إن أزمة أنشبت أظـ ... ـفارها واستحكم المعضل
وأقرب منه ترويج السقاف في مقدمة كتاب الغماري "إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي" لمسألة الاستغاثة.
ثم قال المؤلف:
(وغاية ما في المتوسل أن يقول: اللهم إني أسألك أو أتوسل إليك بنبيك ﷺ أو بالولي الفلاني مثلًا.
فالمتوسل سأل الله تعالى ولم يسأل سواه، ولم ينسب إلى المتوسل به تأثيرًا أو فعلًا أو خلقًا، وإنما أثبت له القربة والمنزلة عند الله تعالى فقط، وتلك المنزلة ثابتة له في الدنيا والآخرة، وإليه نذهب يوم القيامة طلبًا للشفاعة).
стр. 352
قلت: وهذا الكلام ينقض آخره أوله، فإن كان ذلك جائزًا في حق النبي ﷺ ، لثبوت منزلته عند الله تعالى في الدنيا والآخرة، وذلك بنبوته وبتوقيف الله تعالى لنا على ذلك بالنصوص الشرعية، إلا أن هذا منتف في حق غيره من المشايخ والأولياء، فإننا وإن حكمنا على ظواهرهم بالصلاح، لم يُكشف لنا عن بواطنهم، ولا ورد في حقهم توقيف يثبت فضلهم، والاعتقاد الذي أجمعت عليه الأمة أنه لا يُحكم على مسلم بجنة ولا بنار، إلا ما ورد به التوقيف، فإن كان ذلك كذلك، فكيف لنا أن نثبت لهم مكانة عند الله تعالى، ومن ثم نتوسل بهم إليه، إن هذا إلا عين التألي على الله تعالى بغير علم.
ثم إن النبي ﷺ وإن كنا نذهب إليه يوم القيامة مستشفعين به إلى الله تعالى، وهو الاستشفاع بدعائه، فإنما ذلك لأن الله تعالى فضله بهذه الشفاعة، ومنعها غيره من الأنبياء، فالشفاعة عنده لا تكون إلا بإذنه، وقد أذن سبحانه في شفاعات عدة، منها ما هي لنبيه في الدنيا، ومنها ما هي لنبيه في الآخرة يوم القيامة، ومنها ما هي لبعض المؤمنين، وإنما صار القول بها، واعتقادها لورود التوقيف بها، بخلاف التشفع بالنبي والتوسل به في مماته، فإنه لم يصح ما يدل على ذلك.
ولأجل ذلك فإن قول المؤلف:
стр. 353
(وإنما أثبت له القربة والمنزلة عند الله تعالى فقط)، لا يقتضي جواز شفاعته، فليس ثمة قائل من البشر أجمعين أن ليس لآدم ﵇ منزلة عند الله تعالى، ولا لموسى، ولا لعيسى الذي هو كلمة الله، ولا لإبراهيم الذي هو خليل الله تعالى، عليهم الصلاة والسلام، بل هؤلاء الأنبياء من أعظم الخلق منزلة عند الله تعالى، ومع ذلك فإنه لم يجعل لهم الشفاعة في الآخرة، وإن كان جعلها لهم في الدنيا بدعائهم إلى الله، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن ثبوت الشفاعة للنبي ﷺ في الآخرة لا تثبت جواز التشفع به في الدنيا بعد مماته ﷺ إلا على وجه واحد يعود في حقيقته إلى التشفع والتوسل بالعمل الصالح وهو التشفع والتوسل بالإيمان به، وطاعته، والتزام سنته، وحبه ﷺ .
وإن كان ذلك كذلك في حق الأنبياء، فهو في حق الأولياء أولى، فإنه لا يجوز التقدم على الله تعالى في إثبات منزلة عبد من عباده عنده من خيرية أو تقدم، فإن هذا لا يطلع عليه غير الله تعالى، ولا سبيل للبشر إلا الحكم بظواهر الأمور، والظواهر ليست بمسوغة للتألي على الله تعالى في معرفة حقائق البشر.
ثم قال المؤلف:
(ومن يعتقد أن إِخوانه السلمين يعتقدون أن التوسل به له تأثير فيكون قد كفَّرهم، ونصَّب نفسه مقام العارف بما في الصدور،
стр. 354
وهذه فتاوى يضحك بها هؤلاء الشيوخ على البسطاء ليوضحوا لهم أن المتوسلين من جلدة أخرى، وكلام العثيمين ينسحب إِلى التوسل كله، والحق يقال: إِنه كلام لا علاقة له بالعلم، بل هو نوع من أنواع الجهل، والتعالم، وسوء الظن بالمسلمين، وكم من حوادث وفتن تتبع هذه الفتاوى، وكم من جاهل كفَّر أبويه أو أهل خطته بسبب اغتراره بمثل هذه الفتاوى، ولو تمهل المفتي وفكَّر قليلًا لأدرك سخف مقولته).
قلت: وهذا كلام ساقط، لم يراع فيه المؤلف أدبًا في حوار، ولا تقدمًا لإمام، ولا شيء ألبتة، إلا بث ما يكنه صدره من خبث طوية، وغل شديد على علماء الدعوة السلفية من أئمة أهل السنة والجماعة.
والشيخ العثيمين مثله مثل الفوزان والجزائري وغيرهم - حفظهم الله أجمعين - يعلم جيدًا ما يعنيه التوسل عند المتوسلين، فإنه ليس مجرد السؤال بالجاه والذات، بل يؤيده الاعتقاد في المتوسل بهم، ومع ذلك فإنه لم يُفْت بأنه من الكفر في شيء، ولا أن صاحبه كافر والعياذ بالله، وإنما متعلق كلامه إثبات أن هذه المسألة من مسائل الاعتقاد، لا من مسائل الفقه، ولم يتعرض لحكم المتوسل بشيء من التكفير ألبتة.
ولكن هل اكتفى المؤلف بما ذكره من تهويل وتشغيب حول فتيا
стр. 355
فضيلة الشيخ العثيمين - حفظه الله - في التوسل؟ !
لا بل تعداها إلى الطعن في رده - حفظه الله - على استدلالهم بقوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤].
على جواز شد الرحال إلى قبر النبي ﷺ ، فقال (ص: ٨١):
(وقد اعترض محمد بن صالح العثيمين على الاستدلال بالآية المذكورة فقال في فتاويه (١/ ٨٩) ما نصه:
"إذ هذه ظرف لما مضى وليست ظرفًا للمستقبل، لم يقل الله: ولو أنهم إذا ظلموا، بل قال: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ فالآية تتحدث عن أمر وقع في حياة الرسول ﷺ ، واستغفار الرسول ﷺ بعد مماته أمر متعذر، لأنه إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث كما قال رسول الله ﷺ : صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، فلا يمكن للإنسان بعد موته أن يستغفر لأحد بل ولا يستغفر لنفسه أيضًا، لأن العمل انقطع". انتهى.
قلت: هذا إِقدام جريء من العثيمين نسأل الله العافية، وإليك تفنيده بالآتي:
следующие страницы →