← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 163

هدم المنارة لمن صحح أحاديث التوسل والزيارة

عمرو عبد المنعم سليم

Полный текст (366 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

هدمُ المنارة لمن صحَّح أحاديث التوسل والزيارة دراسة حديثية نقدية للمرويّات الواردة في التوسّل والزيارة البدعية وبيان أن مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في المنع منهما هو الذي تعضّده الأدلة وأقوال من تقدَّمه من الأئمة والجواب عن اعتراضات بعض المخالفين تأليف عمرو عبد المنعم سليم دَار الضِّيَاء طنطا - ت: ٣٣٠٧١٤٧

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م دار الضّيَاء طنطا - شارع بطرس مع شارع محمد فريد برج محمد فريد - شقة ١٩ هاتف: ٣٣٠٧١٤٧ - فاكس ٣٣٠٩٦٠٣

стр. 3

هدم المنارة لمن صحح أحاديث التوسل والزيارة

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

مُقَدِّمَة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه وسلم. "أما بعد": فإن من أعظم القربات إلى الله تعالى إسداء المسلمين النصح لبعضهم البعض، بعيدًا عن الفجاجة والتعيير، والشتم والتنفير، إعمالًا لحديث النبي ﷺ : "الدين النصيحة"، قيل: لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم". (١) فإذا كان هذا واجبًا بين عموم المسلمين باعتبار نصوص أخرى تفيد هذا الحكم، فهو أوجب بين المنتسبين إلى العلم، والباحثين في أبوابه ومسائله. إلا أننا نرى اليوم العجب العجاب من تطاول ناشئة الطلاب على

стр. 6

كبار الأئمة والعلماء والحفاظ، ووصفهم بأوصاف الازدراء، ورميهم بالجهل والضلال، وتتبع زلاتهم، لأجل التشنيع عليهم، والحط من قدرهم، بعبارات أساسها التحريف، وقوامها التدليس. مع أن كتب العلم الذي يَنْسِبُون أنفسهم إليه لا تخلو من مباحث في فقه الخلاف، وأدب الاعتراض. وقد شاعت اليوم وانتشرت ظاهرة التضليل، والتجهيل، والتطاول على أهل العلم، لا سيما أهل السنة والجماعة، ويا ليتها تكون بحوثًا علمية يُنتفع بها، أو مساجلات فقهية أو عقدية يُرجع إليها، ولكنها لا تعدوا كونها نقولًا محرَّفة، أو مذاهب مرجوحة، أو أقوالًا مطروحة، يُحشد لها خيول الأحاديث الساقطة، وركاب الأخبار الواهية. وبعد .... فقد رأيت كتابًا لأحد الباحثين (١) تناول فيه مسألة التوسل

стр. 7

والزيارة بالدراسة، من تخريج الأحاديث والآثار التي وردت فيهما بالجواز، وتقرير مذهب بعض أهل العلم ممن يقولون بجواز ذلك. ويا ليت مؤلفه أراد الإنصاف والمساجلة العلمية، وإنما كان ديدنه كيل السباب والاتهام لأئمة أهل السنة والجماعة وعلمائهم، لا سيما المعاصرين منهم. فأطلق اللسان في شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن عبد الهادي، ومجدد عصره الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ أجمعين -. وزاد فأطلق اللسان في الشيخ الجليل، والعالم الرباني، علَّامة العصر الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله تعالى -، ومحدِّث المدينة النبوية والديار السعودية الشيخ حماد الأنصاري ﵀، والشيخ الرباني محمد الصالح العثيمين، ومحدِّث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ صالح الفوزان، وأبي بكر الجزائري - حفظهم الله أجمعين -. بل زاد في التحريف: أن نسب إلى بعضهم القول بتكفير المسلمين والعياذ بالله. ومع أن الباحث المومأ إليه قد قرر في أول كتابه أن مسألة التوسل من مسائل الفقه، وأنها من المسائل المختلف فيها، وعبارته التي نقضها باتهام العلماء، كما وردت في كتابه:

стр. 8

"أن الخلاف في مسألة التوسل هو خلاف في الفروع، ومثله لا يصح أن يُشَنع به أخ على أخيه، أو يعيبه به". إلا أنه لم يلتزم بهذا القول في كتابه، بل التزم فيه خلاف ما سطره العلماء في أدب الخلاف. فلم يكن من أمره في حق العلماء إلا ما ذكرت، بل زاد في الأمر ووصف جماعة من أئمة أهل السنة كالإمام أحمد وغيره بأنهم نواصب، وذلك لأنهم اتفقوا على جرح عطية العوفي. هذا بخلاف ما تبناه من الغالطة والتدليس، وليِّ ألفاظ الجرح والتعديل الواردة عن العلماء أئمة الدين بما يتناسب مع ما يؤيد هواه من تعديل أو تجريح. فكم من راوٍ اتفقت كلمات العلماء على تجريحه، وإسقاط الاحتجاج بحديثه كعطية العوفي، وعبد الله العمري، وروح بن صلاح، فيبادر هو بالاحتجاج بما لا يحسن الاحتجاج به عند أهل العلم من توثيق المتساهلين في التعديل كابن حبان، وابن عدي، والعجلي، ويرد الجروح المفسرة بمثل هذه التعديلات. بل تراه يبتدع ويُحدث منهاجًا جديدًا في التوثيق، فكلما وردت عبارة عن إمام في المقارنة بين ثقة وضعيف، احتج بهذه المقارنة على توثيق الضعيف. وأما بتر عبارات العلماء في الجرح والتعديل فلن تخفى عن

стр. 9

القاريء الكرريم، ولها أمثلة كثيرة قد ذكرناها في ثنايا الكتاب. وكذلك اضطرابه في وصف العلماء تارة بالتحقيق إن ورد عن أحدهم ما يؤيد قوله، وإن كان مخالفًا لقول الجمهور، وتارة بالسرف والمبالغة والتشنيع، إن خالف حكمهم حكمه. ومن ذلك أيضًا مخالفته لذهب الأئمة المتأخرين في التقوية، وخروجه في ذلك عن تقوية الحديث الحتمل الضعف بمثيله، إلى التقوية بالأحاديث شديدة الضعف بعضها ببعض. فتراه يُقَوِّي الشاذ بالمرسل، وقد اشترط العلماء في التحسين بمجموع الطرق أن لا يكون الحديث أو المتابع أو الشاهد شاذًا ولا منكرًا، ولا معللًا، ويقوِّي الحديث الذي فيه إبهام في السند، أو إعضال، أو فيه مجهول عين بمثيله، وكل هذه الأنواع شديدة الضعف لا تُقَوِّي، ولا تَتَقَوَّى. ومن ذلك أيضًا اعتماده على عمل أحد الأئمة بحديث ضعيف للحكم عليه بالقبول، وهذه مسألة شائكة، وقد تساهل فيها كثير من المتأخرين، وإنما الحجة في إجماع أهل العلم، لا في ذات الحديث الضعيف. وغيرها من المخالفات العلمية التي سوف تمر بالقاريء في هذا الكتاب. هذا بالإضافة إلى أنه لما ذكر كلام أهل العلم في هذه المسألة،

стр. 10

ذكر عنهم ما يؤيد قوله، ولم ينقل عن غيرهم من أهل العلم المعتبرين ما يخالف قولهم، وموَّه على القراء الكرام بأن هذه المسألة مما تفرد به شيخ الإسلام، وأنها من شواذه! ! . ولما كان الأمر على هذا النحو المذكور، من التطاول في أعراض العلماء المعتبرين، والتعدي عليهم بما لا يصح عنهم، وإطلاق اللسان فيهم، بالإضافة إلى تلك المغالطات العلمية، وعدم النزاهة في النقل والتحقيق والترجيح، فقد استخرت الله تعالى في تناول هذا الباب، أقصد التوسل والزيارة بالبيان والتوضيح والتحقيق لأخباره الواردة بالمنع والإباحة، والترجيح لين المذهبين طبقًا للقواعد العلمية، ثم التعريج على ذِكْرِ ما ورد في الكتاب المومأ إليه من الشبهات والمغالطات والطعن في العلماء، والاعتراضات على تضعيف الأحاديث الضعيفة والواهية، وبيان ما يخالف ذلك من حقائق الأمور، بكل إنصاف وتجرد، وأسميته: "هدم المنارة لمن صحح أحاديث التوسل والزيارة". * وقد جعلته أبوابًا: * الباب الأول: في بيان موقف شيخ الإسلام ﵀ من مسألة التوسل، وشد الرحال بالزيارة، وإثبات أنه قد وافق بقوله في منع التوسل جماعة من العلماء الذين سبقوه، وأن فتواه في منع شد الرحال إلى

стр. 11

قبور الأنبياء والصالحين والسفر إليها لم يتفرد بها، بل وافقه فيها جماعة من أجلة العلماء ومحققيهم ممن سبقوه، وبيان أنه لم يمنع من زيارة القبور، لا سيما قبر النبي ﷺ ، وإنما منع شد الرحال لأجلها، وذكرت الأدلة الصحيحة المعضدة لهذه الأقوال المعتبرة. * الباب الثاني: وهو من أكبر الأبواب، ويحتل تقريبًا ثلثي الكتاب، وفيه ذكر الأدلة التي اعترض بها المؤلف على كلام شيخ الإسلام، وهي حجج كثيرٍ ممن يجيز التوسل أو شد الرحال لأجل زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وبيان ما فيها من الضعف والوهاء والوضح، ومناقشته في ترجيحاته، وبيان مغالطاته، وإثبات أن قول شيخ الإسلام في الأحاديث الواردة في الباب هو القول الراجح. * الباب الثالث: في ذكر اعتداءات المعترض على أهل العلم، وذكر عباراته الفجة القبيحة فيهم، وبيان ما لهم من الفضل والتقدمة في العلم والدفاع عن السنة، ونشر الفضائل بين الناس. وطريقتي في الاستدراك: أن أذكر ما اعترض به المعترض بين قوسين، وأقدِّمه بقولي: "قال المؤلف: .... "، ثم أورد جوابي عن اعتراضاته.

стр. 12

فأسأل الله العظيم، أن يوفقني في هذا الكتاب، وأن يؤيدني بالحق، وأن يرزقني الإنصاف والإخلاص، وأن يكون هذا التبيين لأجل النصح والتحذير، لا لأجل الشين والتشهير، والله الموفق. وكتب: أبو عبد الرحمن عمرو عبد المنعم سليم

стр. 13

الباب الأول التوسل وأنواعه وموقف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من التوسل بالجاه وذكر من قال بمذهبه ممن تقدَّمه من أهل العلم * الزيارة وأقسامها* وموقف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ منها وذكر من قال بمذهبه ممن تقدَّمه من أهل العلم وأدلتهم على ذلك وما روي عن بعض السلف والأئمة من الآثار الضعيفة والواهية في التوسل والزيارة

стр. 14

موقف شيخ الإسلام من مسألة التوسل وذكر من وافقه من أهل العلم المتقدِّمين من تتبع مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وفتاويه، لا سيما ما صنَّفه في هاتين المسألتين، ككتاب: "التوسل والوسيلة"، و"اقتضاء الصراط المستقيم"، يجد أنه لم يمنع من عموم التوسل، وإنما ذهب إلى جواز التوسل إلى الله، وجعله ثلاثة أنواع: الأول: التوسل إليه بأسمائه وصفاته. الثاني: التوسل إليه بصالح الأعمال والطاعات والإيمان. الثالث: التوسل إليه بدعاء الصالحين. وأما النوع الذي ذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى حرمته وعدم جوازه: السؤال على الله أو التوسل بذاته ﷺ . قال ﵀: (١) "فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته، ولا بعد مماته، ولا عند قبره، ولا غير قبره، ولا يُعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما يُنقل شيء من ذلك في

стр. 15

أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عن من ليس قوله حجة". قلت: وهذا هو الصحيح الراجح في هذه المسألة، فإنه لا يدل دليل صحيح قط على جواز التوسل بالذات أو الإقسام بذات النبي ﷺ على الله فضلًا عن غيره ﷺ من سائر الأنبياء والصالحين، بل الذي صح في السنة تحريم القسم بغير الله، كما سوف يأتي بيانه قريبًا. وأما المؤلف فقد حرص أشد الحرص على إقناع القراء بأن هذا القول مما استأثر به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وأنه من جملة شذوذه! ! . بل زاد في ذلك فأتى ببعض العبارات عن شيخ الإسلام الوهمة بأن هذا النوع من التوسل قد أجازه جماعة من السلف، فقال (ص: ١٨): (ولم يقع هذا التشدد إلا في القرن السابع وما بعده، وقد نُقل عن السلف توسل من هذا القبيل. قال ابن تيمية في "التوسل والوسيلة" (ص: ٩٨): هذا الدعاء -[أي الذي فيه توسل بالنبي ﷺ ] ونحوه قد روي أنه دعا به السلف، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المرُّوذي التوسل بالنبي ﷺ في الدعاء. وقال (ص: ٦٥):

стр. 16

والسؤال به -[أي بالمخلوق]- فهذا يجوِّزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء كثير من الناس). قلت: وهذا الكلام لا يناقض ما رجحه شيخ الإسلام ﵀ من أن هذا النوع من التوسل غير جائز، لا سيما وأن المؤلف نفسه قد أثبت أن هذه المسائل من مسائل الخلاف، فقال (ص: ٧): (الخلاف في مسألة التوسل خلاف في الفروع، ومثله لا يصح أن يشنع به أخ على أخيه أو يعيبه به). وما كان من خلاف الفروع، فهو محتمل، فلا أدري لماذا شنَّع بها المؤلف على شيخ الإسلام ابن تيمية، وعلماء العصر في الديار السعودية - حرسها الله - والشيخ الألباني - رعاه الله وأيده ونصره -. وأما ما أورده المؤلف نقلًا عن شيخ الإسلام من قوله: "قد روي أنه دعا به السلف". و: "ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف". لإثبات ذلك عن السلف غير مُسلم له، فإن قوله "رُوي"، وقوله: "نُقل" لا يقتضيان صحة ذلك، بل قد صرح شيخ الإسلام بأن هذه الآثار لا تثبت، بعد أن نقل جملة منها من كتاب "مجابي الدعوة" لابن أبي الدنيا، ونقدها. قال (ص: ٩٦) من "التوسل":

стр. 17

"وفي الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة". قد تقدَّم النقل عنه ﵀ أنه قال: "وإنما يُنقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عن من ليس قوله حجة". بل قد أورد المؤلف بعض الآثار في ذلك، وقد بينا ما فيها من ضعف، كما سوف يأتي ذكره وبيانه. (١) وأما ما نقله عن أحمد، فهذا مجمل، ولم يُفصل بأي شيء يتوسل به، هل بذاته أو بالإيمان به، وبطاعته، واتباعه. قال شيخ الإسلام (ص: ٩٨): "ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروذي التوسل بالنبي ﷺ في الدعاء، ونهى عنه آخرون، فإن كان مقصود المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته وبطاعته فلا نزاع بين الطائفتين، وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل النزاع، وما تنازعوا فيه يُردُّ إلى الله والرسول". قلت: وهذا هو الحق المبين، والنور الأبلج، فإن المسلمين لا

стр. 18

يتعبدون الله بأقوال العلماء وأحكامهم، وإنما يتعبدونه بنصوص الكتاب، وصحيح السنة، مما ثبت عن النبي ﷺ ، وما أجمعوا عليه مما لا خلاف فيه. والتوسل بأحد المخلوقات في الدعاء من الأمور التعبدية التي لا تحل إلا بتوقيف يجيزها، وليس ثمة ما يدل على ذلك، بل الذي علُم بالضرورة من نصوص السنة أن الصحابة ﵃ أجمعين - كانوا يتوسلون إلى الله تعالى في حياة النبي ﷺ بدعائه، لا بذاته، وهذا ظاهر مما ورد في طلب الاستسقاء، واستشفاع الضرير بالنبي ﷺ ، وهما حديثان صحيحان، وسوف يرد ذكرها ضمن الأدلة التي احتج بها المؤلف على جواز التوسل. ثم بعد موته فقد كانوا يتوسلون بدعاء أهل الخير والصلاح، لا سيما إن كانوا من آل بيت النبي ﷺ ، كما توسل عمر بن الخطاب ﵁ بدعاء عم النبي ﷺ العباس بن عبد الطلب ﵁، فلو كان التوسل بجاه النبي ﷺ جائزًا، لكان توسل عمر به أولى من توسله بالعباس ﵁. وهذا الأثر من أقوى ما يتمسك به. المتوسلون، وهو عمدتهم في الاحتجاج على جواز التوسل بالذوات، مع أن أهل العلم الذين تقدَّموا شيخ الإسلام قد حملوا هذا الأثر على أنه توسل بالدعاء لا بالذات، فأنا أذكر أقوالهم، بيانًا على ما ذكرناه من أن شيخ الإسلام

стр. 19

لم يتفرد بمثل هذه الفتوى أو المذهب، فمن هؤلاء: الإمام البيهقي، فقد حمل هذا الأثر على ما ذكرناه، فبوَّب له في "السنن الكبرى" (٣/ ٣٥٢): [باب: الاستسقاء بمن تُرجى بركة دعائه] . وكذا فعل الموفق المقدسي ﵀ فقال في "المغني" (٢/ ٤٣٩): "ويُستحب أن يُستسقى بمن ظهر صلاحه، لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء، فإن عمر ﵁ استسقى بالعباس عم النبي ﷺ ، قال ابن عمر: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس، فقال: اللهم إن هذا عم نبيك ﷺ ، نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله ، وروي أن معاوية خرج يستسقي فلما جلس على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فقام يزيد، فدعاه معاوية، فأجلسه عند رجليه، ثم قال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد، ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الله تعالى، فثارت إلى الغرب سحابة مثل الترس، وهب لها ريح، فسقوا حتى كادوا لا يبلغون منازلهم، واستسقى به الضحاك مرة أخرى". وهو ظاهر قول الشيرازي في "المهذب"، قال: "ويُستسقى بالخيار من أقرباء رسول الله ﷺ لأن عمر رضي الله

стр. 20

عنه استسقى بالعباس ..... ، ويُستسقى بأهل الصلاح، لما روي أن معاوية استسقى بيزيد بن الأسود ..... ، ويُستسقى بالشيوخ والصبيان لقوله ﷺ : لولا صبيان رضع، وبهائم رتع، وعباد لله ركع لصب عليهم العذاب صبًّا". فتبين أن ذلك مرده إلى الصلاح، والإخلاص في الدعاء، والضعف لأهل الضعف، ولم يقل أحد بجواز التوسل بجاه الشيوخ أو الصبيان. وقد نقل النووي في "المجموع شرح المهذب" ما يؤيد ذلك عن القاضي حسين، والروياني، والرافعي، قال (٥/ ٧٣): "يستحب أن يستسقى بالخيار من أقارب رسول الله ﷺ .... قال القاضي حسن، والروياني، والرافعي وآخرون من أصحابنا: ويستحب أن يذكر كل واحد من القوم في نفسه ما فعله من الطاعة الجليلة، ويتشفع به ويتوسل ... ". وعلى فرض التسليم للمؤلف بجواز التوسل بالنبي ﷺ ، فهو حكم خاص به ﷺ ، لا يتعداه إلى غيره من الصالحين، وهو ما رجحه العز بن عبد السلام. فقد سئل في فتاويه (رقم: ١٠٢): عن الداعي يُقسم على الله تعالى بمُعَظَّم من خلقه في دعائه كالنبي ﷺ ، والولي، والملك، هل يُكره له ذلك أم لا؟

стр. 21

فأجاب ﵀: "أما مسألة الدعاء، فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ علَّم بعض الناس الدعاء في أقواله: "اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد ﷺ ، نبي الرحمة"، وهذا الحديث إن صح، فينبغي أن يكون مقصورًا على رسول الله ﷺ ، لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يُقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خُصَّ به، تنبيهًا على عُلو درجته ومرتبته". فإذا تدبرت هذه الفتوى تبين لك أمران هامان: الأول: أنه علَّق حكمه على ثبوت الحديث، فقال: "إن صحَّ"، فالأمر المتنازع فيه إنما يُرد حكمه إلى الله والرسول، كما قال شيخ الإسلام ﵀. الثاني: أنه حكم بجواز ذلك في حق النبي ﷺ إن صح الحديث، ولم يتعده إلى باقي الأنبياء، أو الأولياء، أو الملائكة أو الصالحين، ونحوهم، وهذا مخالف لما يروَج له جمهور المتوسلين اليوم. ولكن لابد من التنبيه هنا أن الحديث الذي ذكره العز، لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما هو بلفظ الاستشفاع، وفيه ما يدل على أن هذا الاستشفاع هو استشفاع بدعاء النبي ﷺ ، وسوف يأتي تخريجه قريبًا ضمن الأحاديث التي احتج بها المؤلف.

стр. 22

قلت: وقد أفتى بحرمة ذلك - أي القسم بالذوات على الله - الأحناف، وقد قرر شيخ الإسلام ذلك، فقال في "التوسل والوسيلة" (ص: ٥٠): "وهذا هو الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز، ونهوا عنه، حيث قالوا: لا يُسأل بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك، قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بـ "شرح الكرخي" في باب الكراهة: وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة، قال بشر بن الوليد، حدثنا أبو يوسف، قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: "بمعاقد العز من عرشك"، أو "بحق خلقك"، وهو قول أبي يوسف، قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشه هو الله، فلا أكره هذا، وأكره أن يقول بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام، قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقًا". وعودة إلى ما نقل في منسك المرُّوذي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: وسل الله حاجتك متوسلًا إليه بنبيه ﷺ تُقض من الله . فهذا لفظ مُجمل، فإنه ﵀ لم يذكر صفة هذا التوسل، فقد يكون توسلًا بالطاعة له، وبمتابعته ﷺ ، وهذا عندي

стр. 23

هو الظاهر لأن أحمد ﵀ قد منع من الاستعاذة بالمخلوقين، كما ذكره ابن مفلح في "الفروع" (٢/ ١٢٧)، قال: "قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمرُّوذي: إنه يتوسل بالنبي ﷺ في دعائه، وجزم به في المستوعِب وغيره، وجعلها شيخنا كمسألة اليمين به، قال: والتوسل بالإيمان به، وطاعته ومحبته، والصلاة والسلام عليه ﷺ ، وبدعائه وشفاعته، ونحوه ..... وقال أحمد وغيره في قوله ﵇: "أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق": الا ستعاذة لا تكون بمخلوق". قلت: فما أشبه هذا بالدعاء، فإنه لا يكون بمخلوق أيضًا، إذ إنه لم يدل دليل صحيح على ذلك. فمما تقدَّم يتبين للقارئ الكريم أن شيخ الإسلام ﵀ لم ينفرد بالمنع من التوسل بالجاه، بل سبقه إلى ذلك أبو حنيفة النعمان، وصاحبه أبو يوسف. إلا أن المؤلف حاول جاهدًا أن يعدل بهذا القول من أبي حنيفة من التحرريم إلى الكراهة، فقال (ص: ٤٨): (وهذا الإمام أبو حنيفة يقول: ويُكره أن يقول الرجل في دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك. ا. هـ الجامع الصغير للإمام محمد ص: ٣٩٥ مع النافع الكبير. فعبر الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بقوله: يُكره، فدار الأمر بين الكراهية التنزيهية أو التحريمية، كما قرره أصحابه في كتاب

стр. 24

الكراهية، أو الحظر والإباحة من مصنفاتهم الفقهية). قلت: الكراهة هنا تحريمية، كما يظهر مما تقدَّم نقله، فإنهم عبروا عن ذلك بعدم الجواز، وبقولهم: "لا ينبغي"، فتنبه إلى ذلك.

стр. 25

زيارة المقابر وأقسامها كان الأصل في زيارة القبور في أول الإسلام على التحريم، سدًّا للذرائع المؤدية إلى الشرك بتعظيم هذه القبور وأصحابها، لا سيما مع كون من دخل في الإسلام في ذلك الوقت حديثي عهد بإسلام. وقد دل على ذلك حديث النبي ﷺ : "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها". (١) قال النووي ﵀: (٢) "هذا من الأحاديث التي تجمع الناسخ والمنسوخ، وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها". قال شيخ الإسلام ابن القيم ﵀: (٣) "كان رسول الله ﷺ قد نهى الرجال عن زيارة القبور سدًّا للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجرًا، فمن زارها على غير

стр. 26

الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله، فإن زيارته غير مأذون فيها، ومن أعظم الهجر: الشرك عندها قولًا وفعلًا". وقد بيَّن ﷺ أن الحكمة من إباحة الزيارة التي نُهي عنها أولًا حصول الاعتبار والتذكير. فقال ﷺ : "فزوروا القبور، فإنها تذكِّر الموت". (١) قال القاضي عياض ﵀: (٢) "وقوله: (فزوروها): بيِّن في نسخ النهي، وفي علة الإباحة، أن يكون زيارتها للتذكير والاعتبار، لا للفخر والمباهاة، ولا لإقامة النوح والمآتم عليه". فهذه الأحاديث وما شابهها تدل على: * النوع الأول: من زيارة القبور، وهي الزيارة المشروعة: وهي ما يكون فيها قصد الزائر الدعاء للميت، أو الصلاة على الجنازة، أو تذكر الموت والآخرة، والاتعاظ. ولأجل ذلك فقد أبيح زيارة قبر غير السلم، لا سيما إن كان من الأقارب، إن عُلم من زيارته قوة الاتعاظ والتذكير.

стр. 27

كما في حديث أبي هريرة - المتقدِّم - قال: زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكِّر الموت". (١) قال النووي - رحمه الله تعالى -: (٢) "فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة، ... .. ، وفيه النهي عن الاستغفار للكفار، قال القاضي عياض ﵀: سبب زيارته ﷺ قبرها، أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قوله ﷺ في آخر الحديث: (فزوروا القبور، فإنها تذكِّر الموت) ". * وأما النوع الثاني: فهو الزيارة البدعية: وهي كل ما خالف النوع الأول من الزيارة، كقصد قبر بعينه للدعاء عنده، أو عبادة الله تعالى عنده، أو الاستعانة بصاحبه، أو الاستغاثة به، أو طلب الحوائج عنده، أو الذبح عنده، أو النذر له. أو شد الرحال إلى قبر بعينه، أو قبور بعينها، لأنه لم يرد في الشرع ما يدل على ذلك، بل الذي ورد في الشرع يخالف ذلك، وينهى عنه، وهذه الأخيرة هي المسألة قيد البحث في هذا الكتاب،

стр. 28

وإن كان المشهور في بحثها جواز ذلك وعدمه بالنسبة لقبر النبي ﷺ . وسوف يأتي إيراد أدلة هذا القول قريبًا إن شاء الله تعالى.

стр. 29

حكم زيارة قبر النبي ﷺ ومذهب شيخ الإسلام في هذه المسألة وذكر من وافقه من أهل العلم المتقدِّمين هذه المسألة من أعظم المسائل التي شُنِّع بها على شيخ الإسلام ﵀ من أعدائه، ليس في عصره فحسب، بل وفي كل عصر أتى بعده، ولكن سبحان من أقر فتواه في هذه المسألة في قلوب العلماء وطلاب العلم وعوام المسلمين ممن يلتزم بالسنة والصلاح، في كل عصر ومِصر، لا سيما في هذا العصر، كما أقر فتواه في تعليق الطلاق بشرط في أقضية المسلمين اليوم، بحيث جُعلت حكمًا ثابتًا يتحاكم إليه المفتون في غالب دول الإسلام. وكما قيل: فإن الحق منصور وممتحن. فلا يلزم من امتحان شيخ الإسلام في حياته، وحبسه، ووفاته ﵀ وهو على هذه الحال أن يكون قد مات مخذولًا، كلا بل قد أعلى الله شأنه وكلمته وفتاويه وعلمه بما لم يُعل به شأن من عاداه وناوأه من أهل الباطل، فإن الباطل وإن علا واستفحل ممحوق. وأما هذه المسألة التي نحن بصدد تحقيق القول فيها؛ فإن شيخ الإسلام ﵀ لم يمنع من زيارة القبر النبي

стр. 30

- ﷺ كما يروِّج له أعداؤه، بل هو ﵀ يرى أن قبره الشريف ﷺ أفضل القبور على وجه الأرض وأشرفها، ويرى جواز زيارة القبر النبوي الشريف، وأن يتخلق في ذلك بأفضل الأخلاق، ويتأدب بأحسن الأدب وأرفعه، إلا أنه ﵀ إنما أجاز ذلك بشرط أن لا تُعمل المطي، ولا تُشد الرحال بنية زيارة القبر، بل تُشد الرحال بنية الذهاب إلى المدينة النبوية وزيارة المسجد النبوي الشريف، وكذلك فلا تكون زيارة القبر لأجل العبادة عنده، أو اعتقاد أن الدعاء عنده مستجاب، أو أن العبادة عنده أفضل من العبادة عند غيره. وقد بيَّن ذلك جليًّا، فقال ﵀ في "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/ ٦٦٢): "قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهي عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان". وقال (٢/ ٧٧٢): "ولم يثبت عن النبي ﷺ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص ولا روى أحد في ذلك شيئًا، لا أهل الصحيح، ولا السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد، وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره". قلت: وقوله هذا ﵀ لم يقصد به العيب على هؤلاء الأنبياء والصالحين كما ادعى أعداؤه، ولا قصد به نفي كرامة الله

стр. 31

ورحمته عن قبورهم، وإنما قصد به بيان أن حصول الكرامة لا يقتضي تعظيم الخلق لها بما هو خارج عن الشريعة من شد الرحال إليها، وقصدها لأجل عبادة الله تعالى عندها. قال ﵀ (٢/ ٧٣٦): "وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك، وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة، أو قصد الدعاء أو النسك عندها، لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع". قلت: وشيخ الإسلام ﵀ لم يخالف بذلك أئمة أهل العلم ممن تقدَّمه بل وافق كثيرًا منهم، وقد أكثر من ذكرهم في مصنفاته، تنبيهًا على أنه لم يتفرد بمثل هذا الرأي، وبيَّن أن الخلاف إنما اشتهر في هذه المسألة من قِبل المتأخرين أمثال الغزَّالي، وأبو الحسن بن عبدوس الحرَّاني، وأبو محمد المقدسي ﵏. قال شيخ الإسلام (٢/ ٦٧٢): "وما علمته منقولًا عن أحد من المتقدمين". قلت: بل الظاهر من مذهب مالك ﵀ يؤيد قول شيخ الإسلام من المنع من شد الرحل بالزيارة. قال القاضي عياض ﵀ في "الشفا" (٢/ ٦٦٧):

стр. 32

"وكره مالك أن يُقال: زُرنا قبر النبي ﷺ .... والأولى عندي أنه منعه وكراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي ﷺ ، وأنه لو قال: زُرت النبي ﷺ لم يكرهه، لقوله ﷺ : اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد بعدي، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه بفعل أولئك، قطعًا للذريعة". قلت: فإن أضيف إلى ذلك شد الرحال إلى القبر كانت الكراهة عنده أشد بلا شك. وقد نقل عن إسحاق بن إبراهيم الفقيه ما يؤيد ذلك. قال (٢/ ٦٦٩): "قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة، والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ ، والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدمه، والعمود الذي كان يستند إليه، وينزل جبريل بالوحي فيه عليه، وبمن عمَّره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين، والاعتبار بذلك كله". فانظر كيف أنه كان مستقرًا عند أهل العلم تقديم شد الرحل إلى المدينة لزيارة المسجد والصلاة فيه، ثم التسليم على النبي ﷺ . وهذا يؤيده ما نقله القاضي عياض (٢/ ٦٧٧) عن العتبية:

стр. 33

"يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي ﷺ ". وذلك لأن المستقر عندهم هو قصد المسجد لا القبر، فقُدِّمت تحية المسجد، ثم قُرن بزيارة القبر، فورد بعدها الصلاة والتسليم على النبي ﷺ . فهذا هو عين الاعتدال، لا الابتداع في دين الله والتشدد. ونقل القاضي إسماعيل في "المبسوط" - كما في "مجموع الفتاوى" (١/ ٣٠٤): أن الإمام مالك ﵀ سئل عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ ، فقال: إن كان أراد القبر فلا يأته، وإن أراد المسجد فليأته، ثم ذكر الحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... ". ثم وجدت عن الإمام أحمد ﵀ ما يدل على ذلك. فقد نقل ابن عبد الهادي ﵀ (ص: ١٢٦) من منسك المرُّوذي، عن الإمام أحمد، قال: "ثم ائت الروضة، وهي بين القبر والمنبر، فصلِّ فيها وادع بما شئت، ثم ائت قبر النبي ﷺ ، فقل: السلام عليك يا رسول الله ﷺ ورحمة الله وبركاته .... ". فهذا يؤيد ما تِقدَّم من استقرار العمل عندهم على أن القصد

стр. 34

يكون للمسجد، ثم يُقرن به زيارة القبر النبوي الشريف (١). قلت: وهذا هو قول إمام السنة في عصره أبو عبد الله بن بطة وقد صرح بأن شد الرحل لأجل القبور بدعة - رحمه الله تعالى -. ففي صورة لجواب شيخ الإسلام عن فتوى في مسألة شد الرحال للزيارة - نقلها ابن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص: ٢٢٢) - قال: "وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة، فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليه إذا نذره، حتى نص العلماء على أنه لا يُسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من المساجد الثلاثة، مع أن مسجد قباء يُستحب زيارته لمن كان في المدينة، لأن ذلك ليس بشد رحل، كما في الحديث الصحيح: "من تطهَّر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة". قالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة، لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسول الله ﷺ ، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعله، فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة.

стр. 35

وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في "الإبانة" الصغرى من البدع المخالفة للسنة والإجماع". قلت: وهذا القول أيضًا هو قول أبو محمد الجويني من الشافعية، وأبو الوفاء ابن عقيل من كبار الحنابلة، والقاضي عياض من المالكية. فقد نقل ابن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص: ٢٣٣) عن صورة من فتوى العلامة جمال الدين يوسف بن عبد المحمود بن عبد السلام ابن البتي الحنبلي، ما نصه: "وممن قال بحرمته: المثميخ الإمام أبو محمد الجويني من الشافعية، والشيخ أبو الوفاء ابن عقيل من الحنابلة، وهو الذي أشار القاضي عياض من المالكية إلي اختياره، وما جاء من الأحاديث في استحباب زيارة القبور فمحمول على ما لم يكن فيه شد رحل، وإعمال مطيٍّ، جمعًا بينهما". وقال النووي في "شرح صحيح مسلم" (٥/ ١١٠): "اختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة، ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره". قلت: عبارة القاضي عياض في "إكمال المعلم شرح مسلم"

стр. 36

(٤/ ٤٤٩): "وقوله: (لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) الحديث: فيه تعظيم هذه المساجد، وخصوصها بشد الرحال إليها، لأنها مساجد الأنبياء، ولفضل الصلاة فيها، وتضعيف أجرها، ولزوم ذلك لمن نذره، بخلاف غيرها مما لا يلزم ولا يُباح بشد الرحال إليها إلا لناذر، ولا لمتطوع لهذا النهي". قلت: وهذا هو ظاهر كلام الإمام علاء الدين بن العطار ﵀ قال في كتابه "زيارة القبور" (ص: ١٨): "هذه الأحاديث من فعله ﷺ وأمره وتعليله دالة على زيارة قبر المفضول، فكيف بزيارة قبر الفاضل، فكيف بزيارة قبره ﷺ ، لكن للاعتبار والتذكار، لا للتآله والإكبار، ولهذا قال: (لا تجعلوا قبري وثنًا)، و (لا تجعلوا قبري عيدًا) ". ثم وجدت ما يدل أيضًا على أنه ظاهر مذهب الشافعي ﵀. فقد نقل النووي في "شرح مسلم" (٢/ ٦٣٢) عن الإمام الشافعي قوله: "وأكره أن يُعظَّم مخلوق حتى يُجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس". وقد خالف ابن كج الشافعي فألزم الناذر لزيارة قبر النبي ﷺ -

стр. 37

بالوفاء بنذره، وقد تمسك المؤلف بهذا القول المخالف للمذهب، واحتج به كعادته في الاحتجاج بالغرائب (ص: ١٠٧) الحاشية. وقد أُنكر على ابن كج هذا القول، فقال ابن الكتبي الشافعي - فيما نقله ابن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص: ٢٢٩) -: "لكن القاضي ابن كج - من متأخري أصحابنا - ذكر أن نذر هه الزيارة عنده قربة تلزم ناذرها. وهو منفرد به، لا يساعده في ذلك نقل صريح ولا قياس صحيح". فإذا علمت ما تقدَّم فلا يهولنك عبارة المؤلف التي قدَّم بها لكتابه (ص: ٧) حيث قال: (وأما المقصود في مسألة الزيارة فهو إثبات إطباق علماء الأمة على استحباب أو وجوب زيارة المصطفى ﷺ بشد رحل أو بدونه، وأن من قال بتحريم الزيارة المستوجبة لشد الرحل قد ابتدع وخالف النصوص الصريحة، وإطباق فقهاء مذهبه فضلًا عن المذاهب الأخرى). فهي دعوى عارية عن الصحة بالنقل الذي تقدَّم، وبالنقل الذي أورده، وإنما أورد المؤلف تفاريقًا من النقول عن بعض المتأخرين، وأنا أذكرها للقارئ الكريم حتى يتبين أي إطباق هذا الذي عناه به المؤلف. فمن نقل عنهم جواز ذلك، هم:

стр. 38

(١) الإمام النووي. (٢) الكمال ابن الهمام. (٣) الملا علي القاري. (٤) القاضي عياض. وقد عمَّى المؤلف بكلام مجمل على أن هذا مذهبه، وقد تقدَّم النقل عنه بنصه أنه لا يباح، وأيده نقل النووي عنه. (٥) العلامة الدردير. وكلامه - أيضًا - مجمل، وعبارته التي نقلها عنه: "وندب زيارة النبي ﷺ وهي من أعظم القربات". ولا نحن ولا شيخ الإسلام نخالف في ذلك، وإنما الخلاف في شد الرحل بالزيارة، فلا يجوز اعتبار مثل هذه العبارة الموهمة لإثبات إطباق الأمة المزعوم! ! (٦) أبو محمد بن قدامة المقدسي. (٧) أبو الفرج ابن قدامة الحنبلي. وكلاهما احتجا ببعض الأحاديث الضعيفة التي سوف يأتي تخريجها في الباب الثاني. ومنها: "من زار قبري وجبت له شفاعتي"، و "من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي". (٨) الشيخ منصور ألبهوتي.

стр. 39

(٩) أبو الحسن المرداوي. ونقل عنه قوله: "قوله: فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه، هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة متقدمهم ومتأخرهم". قلت: إن قصد بشد الزيارة إليه ففيه خلاف، لا سيما وقد تقدَّم عن ابن بطة وهو من المعتمدين عند الحنابلة أيما اعتماد خلاف ذلك، وعد ذلك بدعة، وإن قصد زيارته لن قصد المدينة لأجل فضل شد الرحال إلى المسجد النبوي فصحيح، لا خلاف فيه. فهؤلاء هم من ذكرهم المؤلف وعنى بهم إطباق الأمة، مع أن النووي قد أثبت الخلاف في المسألة، وهو أول من نقل عنه المؤلف، إلا أنه لم يعتبر بذلك، بل ادعى الإطباق المزعوم، وقد تقدَّم عن مالك، وعن الشافعي، وعن علاء الدين بن العطار، وعن أبي محمد الجويني، وعن القاضي عياض، وعن ابن عقيل ما يؤيد قول شيخ الإسلام ﵀. وغالب ما أورده من العبارات في حق مطلق الزيارة كما تقدَّم، ولا منع منها، وإنما المنع من شد الرحال بنية قصد القبر، بخلاف ما أوهم به المؤلف، وما توهمه جماعة من الفقهاء على ابن تيمية ﵀، وقد تنبه لمثل هذا ابن عابدين، فقال في "رد المحتار" (٤/ ٥٣):

стр. 40

"وما نُسب إلى الحافظ ابن تيمية الحنبلي من أنه يقول بالنهي عنها، فقد قال بعض العلماء: إنه لا أصل له، وإنما يقول بالنهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، أما نفس الزيارة فلا يخالف فيها كزيارة سائر القبور". وقد صرَّح ابن عابدين في موضع آخر أنه ليس لكبار الحنفية في هذه المسألة كلام، فقال (٣/ ١٥٠) عقب أن ذكر الرواية: أن النبي ﷺ كان يأتي قبور الشهداء بأحد على رأس كل حول ... : "استفيد منه ندب الزيارة وإن بعد محلها، وهل تُندب الرحلة لها كما اعتيد من الرحلة إلى زيارة خليل الرحمن وأهله وأولاده، وزيارة السيد البدوي وغيره من الأكابر الكرام؟ لم أر من صرَّح به من أئمتنا، ومنع منه بعض أثمة الشافعية إلا لزيارته ﷺ ". فلا أدري أي إجماع عناه المؤلف؟ ! ! وأمر أخير ينبغي التنبيه عليه، وهو: أن شيخ الإسلام ﵀ لم يذهب إلى مطلق تحريم الدعاء عند قبر النبي ﷺ ، وإنما ذهب إلى أن تحري الدعاء عند القبر مع اعتقاد استحباب ذلك، لم يرد به دليل صحيح. قال ﵀ في "الاقتضاء" (٢/ ٧٢١): "الدعاء عند القبر لا يُكره مطلقًا، بل يؤمر به، كما جاءت به السنة فيما تقدَّم ضمنًا وتبعًا، وإنما المكروه أن يُتحرى المجيء إلى القبر
следующие страницы →