← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 163

هدم المنارة لمن صحح أحاديث التوسل والزيارة

عمرو عبد المنعم سليم

Полный текст (366 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

(٤/ ٤٤٩): "وقوله: (لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) الحديث: فيه تعظيم هذه المساجد، وخصوصها بشد الرحال إليها، لأنها مساجد الأنبياء، ولفضل الصلاة فيها، وتضعيف أجرها، ولزوم ذلك لمن نذره، بخلاف غيرها مما لا يلزم ولا يُباح بشد الرحال إليها إلا لناذر، ولا لمتطوع لهذا النهي". قلت: وهذا هو ظاهر كلام الإمام علاء الدين بن العطار ﵀ قال في كتابه "زيارة القبور" (ص: ١٨): "هذه الأحاديث من فعله ﷺ وأمره وتعليله دالة على زيارة قبر المفضول، فكيف بزيارة قبر الفاضل، فكيف بزيارة قبره ﷺ ، لكن للاعتبار والتذكار، لا للتآله والإكبار، ولهذا قال: (لا تجعلوا قبري وثنًا)، و (لا تجعلوا قبري عيدًا) ". ثم وجدت ما يدل أيضًا على أنه ظاهر مذهب الشافعي ﵀. فقد نقل النووي في "شرح مسلم" (٢/ ٦٣٢) عن الإمام الشافعي قوله: "وأكره أن يُعظَّم مخلوق حتى يُجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس". وقد خالف ابن كج الشافعي فألزم الناذر لزيارة قبر النبي ﷺ -

стр. 37

بالوفاء بنذره، وقد تمسك المؤلف بهذا القول المخالف للمذهب، واحتج به كعادته في الاحتجاج بالغرائب (ص: ١٠٧) الحاشية. وقد أُنكر على ابن كج هذا القول، فقال ابن الكتبي الشافعي - فيما نقله ابن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص: ٢٢٩) -: "لكن القاضي ابن كج - من متأخري أصحابنا - ذكر أن نذر هه الزيارة عنده قربة تلزم ناذرها. وهو منفرد به، لا يساعده في ذلك نقل صريح ولا قياس صحيح". فإذا علمت ما تقدَّم فلا يهولنك عبارة المؤلف التي قدَّم بها لكتابه (ص: ٧) حيث قال: (وأما المقصود في مسألة الزيارة فهو إثبات إطباق علماء الأمة على استحباب أو وجوب زيارة المصطفى ﷺ بشد رحل أو بدونه، وأن من قال بتحريم الزيارة المستوجبة لشد الرحل قد ابتدع وخالف النصوص الصريحة، وإطباق فقهاء مذهبه فضلًا عن المذاهب الأخرى). فهي دعوى عارية عن الصحة بالنقل الذي تقدَّم، وبالنقل الذي أورده، وإنما أورد المؤلف تفاريقًا من النقول عن بعض المتأخرين، وأنا أذكرها للقارئ الكريم حتى يتبين أي إطباق هذا الذي عناه به المؤلف. فمن نقل عنهم جواز ذلك، هم:

стр. 38

(١) الإمام النووي. (٢) الكمال ابن الهمام. (٣) الملا علي القاري. (٤) القاضي عياض. وقد عمَّى المؤلف بكلام مجمل على أن هذا مذهبه، وقد تقدَّم النقل عنه بنصه أنه لا يباح، وأيده نقل النووي عنه. (٥) العلامة الدردير. وكلامه - أيضًا - مجمل، وعبارته التي نقلها عنه: "وندب زيارة النبي ﷺ وهي من أعظم القربات". ولا نحن ولا شيخ الإسلام نخالف في ذلك، وإنما الخلاف في شد الرحل بالزيارة، فلا يجوز اعتبار مثل هذه العبارة الموهمة لإثبات إطباق الأمة المزعوم! ! (٦) أبو محمد بن قدامة المقدسي. (٧) أبو الفرج ابن قدامة الحنبلي. وكلاهما احتجا ببعض الأحاديث الضعيفة التي سوف يأتي تخريجها في الباب الثاني. ومنها: "من زار قبري وجبت له شفاعتي"، و "من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي". (٨) الشيخ منصور ألبهوتي.

стр. 39

(٩) أبو الحسن المرداوي. ونقل عنه قوله: "قوله: فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه، هذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة متقدمهم ومتأخرهم". قلت: إن قصد بشد الزيارة إليه ففيه خلاف، لا سيما وقد تقدَّم عن ابن بطة وهو من المعتمدين عند الحنابلة أيما اعتماد خلاف ذلك، وعد ذلك بدعة، وإن قصد زيارته لن قصد المدينة لأجل فضل شد الرحال إلى المسجد النبوي فصحيح، لا خلاف فيه. فهؤلاء هم من ذكرهم المؤلف وعنى بهم إطباق الأمة، مع أن النووي قد أثبت الخلاف في المسألة، وهو أول من نقل عنه المؤلف، إلا أنه لم يعتبر بذلك، بل ادعى الإطباق المزعوم، وقد تقدَّم عن مالك، وعن الشافعي، وعن علاء الدين بن العطار، وعن أبي محمد الجويني، وعن القاضي عياض، وعن ابن عقيل ما يؤيد قول شيخ الإسلام ﵀. وغالب ما أورده من العبارات في حق مطلق الزيارة كما تقدَّم، ولا منع منها، وإنما المنع من شد الرحال بنية قصد القبر، بخلاف ما أوهم به المؤلف، وما توهمه جماعة من الفقهاء على ابن تيمية ﵀، وقد تنبه لمثل هذا ابن عابدين، فقال في "رد المحتار" (٤/ ٥٣):

стр. 40

"وما نُسب إلى الحافظ ابن تيمية الحنبلي من أنه يقول بالنهي عنها، فقد قال بعض العلماء: إنه لا أصل له، وإنما يقول بالنهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، أما نفس الزيارة فلا يخالف فيها كزيارة سائر القبور". وقد صرَّح ابن عابدين في موضع آخر أنه ليس لكبار الحنفية في هذه المسألة كلام، فقال (٣/ ١٥٠) عقب أن ذكر الرواية: أن النبي ﷺ كان يأتي قبور الشهداء بأحد على رأس كل حول ... : "استفيد منه ندب الزيارة وإن بعد محلها، وهل تُندب الرحلة لها كما اعتيد من الرحلة إلى زيارة خليل الرحمن وأهله وأولاده، وزيارة السيد البدوي وغيره من الأكابر الكرام؟ لم أر من صرَّح به من أئمتنا، ومنع منه بعض أثمة الشافعية إلا لزيارته ﷺ ". فلا أدري أي إجماع عناه المؤلف؟ ! ! وأمر أخير ينبغي التنبيه عليه، وهو: أن شيخ الإسلام ﵀ لم يذهب إلى مطلق تحريم الدعاء عند قبر النبي ﷺ ، وإنما ذهب إلى أن تحري الدعاء عند القبر مع اعتقاد استحباب ذلك، لم يرد به دليل صحيح. قال ﵀ في "الاقتضاء" (٢/ ٧٢١): "الدعاء عند القبر لا يُكره مطلقًا، بل يؤمر به، كما جاءت به السنة فيما تقدَّم ضمنًا وتبعًا، وإنما المكروه أن يُتحرى المجيء إلى القبر

стр. 41

للدعاء عنده". وقال (٢/ ٧٢٨): "وما أحفظ - لا عن صاحب، ولا عن تابع، ولا عن إمام معروف - أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده، ولا روى أحد في ذلك شيئًا، لا عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة، ولا عن أحد من الأئمة المعروفين. وقد صنَّف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته، فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفًا واحدًا - فيما أعلم - فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل، والسلف تنكره ولا تعرفه، وتنهى عنه، ولا تأمر به. نعم صار من نحو المائة الثالثة يوجد متفرقًا في كلام بعض الناس: فلان تُرجى الإجابة عند قبره، وفلان يُدعى عند قبره، ونحو ذلك. والإنكار على من يقول ويأمر به كائنًا من كان، فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهدًا في هذه المسألة، أو مقلدًا فيعفو الله عنه، أما أن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك، فلا". قلت: لأن التوقيف لم يرد بمثل هذا، بل ورد بخلافه، ولا يُعرف عن أحد من السلف أنه دعا الله أو عبده سبحانه عند قبر نبي أو صالح، ولو كان ذلك كذلك، لكان النبي ﷺ أولى الناس بذلك،

стр. 42

ولما لم يرد عن الصحابة ما يدل على ذلك تبين أنه لا يصح، وأنه غير جائز، بل هو من المحدثات والبدع في الدين التي قد تكون ذريعة إلى الإشراك بالله تعالى كما حدث مع قوم نوح ﵇.

стр. 43

تحقيق القول فيما ورد عن السلف السابقين والأئمة الأعلام مما يخالف ما تقدَّم ذكره في التوسل والزيارة ومن نافلة القول هنا أن نذكر بعض الروايات المغلوطة وغير المحفوظة عن بعض السلف السابقين، والأئمة الأعلام مما تخالف ما ذكرناه من المذهب الراجح في هاتين المسألتين. بل لربما كان هذا من الحتم اللازم لا سيما وأن المؤلف المشار إليه بالرد قد احتج ببعض هذه الروايات التي لا تصح، فمن هذه الروايات: ١ - الرواية عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومصعب بن الزبير، وعبد الملك بن مروان: وهذه الرواية أخرجها ابن أبي الدنيا في "مجابي الدعوة" (٨٢): حدثني أبو الحسن أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، حدثنا إسماعيل بن أبان العامري، حدثنا سفيان الثوري، عن طارق بن عبد العزيز، عن الشعبي، قال: لقد رأيت عجبًا، كنا بفناء الكعبة أنا وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومصعب بن الزبير، وعبد الملك بن مروان،

стр. 44

فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم: ليقم كل رجل منكم فليأخذ بالركن اليماني، ويسأل الله حاجته، فإنه يُعطى من ساعته، قم يا عبد الله بن الزبير، فإنك أول مولود وُلد في الهجرة. فقام، فأخذ بالركن، ثم قال: اللهم إنك عظيم، تُرجى لكل عظيم، أسألك بحرمة وجهك، وحرمة عرشك، وحرمة نبيك ﷺ ألا تُميتني من الدنيا حتى توليني الحجاز، ويُسلم عليّ بالخلافة، وجاء حتى جلس. فقالوا: قم يا مصعب بن الزبير، فقام، فأخذ بالركن اليماني، فقال: اللهم إنك رب كل شيء، وإليك مصير كل شيء، أسألك بقدرتك على كل شيء، ألَّا تميتني من الدنيا حتى توليني العراق، وتزوجني سكينة بنت الحسين، وجاء حتى جلس. فقالوا: قم يا عبد الملك بن مروان، فقام، حتى أخذ بالركن اليماني، فقال: اللهم رب السماوات السبع، ورب الأرضين ذات النبت بعد القفر، أسألك بما سألك عبادك المطيعون لأمرك، وأسألك بحرمة وجهك، وأسألك بحقك على جميع خلقك، وبحق الطائفين حول بيتك، ألا تميتني من الدنيا، حتى توليني شرق الدنيا وغربها، ولا

стр. 45

ينازعني أحد إلا أُتيت برأسه، ثم جاء حتى جلس. فقالوا: قم يا عبد الله بن عمر، فقام، حتى أخذ بالركن اليماني، ثم قال: اللهم إنك رحمن رحيم، أسألك برحمتك التي سبقت غضبك، وأسألك بقدرتك على جميع خلقك، ألا تميتني من الدنيا حتى توجب لي الجنة. قال: فما ذهبت عيناي من الدنيا حتى رأيت كل رجل منهم قد أُعطي ما سئل، وبُشر عبد الله بن عمر بالجنة، وزينت له. قلت: وهذا إسناد تالف بمرة، والأثر موضوع بلا ريب. فإنه من رواية سعيد بن أبان وهو الغنوي - وقد وهم محقق الكتاب! ! فظنه الأزدي الثقة -. والغنوي هذا كذاب يضع الحديث. قال ابن معين: "كذاب"، وقال أبو داود: "كان كذابًا"، وقال ابن حبان: "كان يضع الحديث على الثقات"، وأهل العلم عامة على وهائه، وسقوط الاحتجاج به. وطارق بن عبد العزيز شيخ الثوري فيه لا يُعرف، ولربما كان من تحريف الغنوي ليعمي أمره، فإنما يروي الثوري عن طارق بن عبد الرحمن، ويروي طارق بن عبد الرحمن عن الشعبي.

стр. 46

ولهذا الأثر إسناد آخر خير من هذا الإسناد، وليس فيه ذكر التوسل. فقد أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٠٩): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن زيد بن الحريش، حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثنا الأصمعي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله بنو الزبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: تمنوا، فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين، وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة، قال: فنالوا كلهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غُفر له. وعبد الرحمن بن أبي الزناد ليِّن فيه ضعف. ٢ - رواية عن رجل به داء: أخرج ابن أبي الدنيا في "مجابي الدعوة" (١٢٧): حدثنا أبو هشام، سمعت عن كثير بن محمد بن كثير بن رفاعة، قال: جاء رجل إلى عبد الملك بن حيان بن سعيد بن الحسن بن أبجر

стр. 47

فجسَّ بطنه، فقال: بك داء لا يبرأ، قال: ما هو؟ قال: هو الدبيلة، فتحوَّل الرجل، فقال: الله، الله، ربي، ولا أشرك به أحدًا، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ ، نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك وربي أن يرحمني مما بي، رحمة يغنيني بها عن رحمة من سواه، ثلاث مرات، ثم دع! إلى ابن أبجر، فجس بطنه، فقال: برأت، ما بك من علَّة. قلت: كثير بن محمد لم أعرفه، وراوي الأثر مبهم، ولا تقوم به حجة. ٣ - قصة العتبي: قال: كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ ، فجاء أعرابي، فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، وقد جئتك مستغفرًا لذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول: يا خير من دُفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي فداء لقبرٍ أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم

стр. 48

ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقال: يا عتبي، الحق الأعرابي، فبشره أن الله قد غفر له. وهذه الرواية قد عزاها الحافظ ابن كثير في "التفسير" (١/ ٥٢٠) إلى أبي منصور الصباغ في كتابه "الشامل"، ونقل المؤلف في كتابه (ص: ٧٧) عن شيخه عبد الله الغماري قوله: "وهي حكاية غير صحيحة الإسناد". قلت: والعجب مع ضعف هذه الحكاية، وجهالتها، وكونها مبنية على الرؤيا التي لا يثبت بها حكم شرعي، ولا يُقام على أساسها عبادة، كيف اغتر بها أبو محمد المقدسي، فذكرها وعمل بمقتضاها في "المغني" (٣/ ٥٥٨). وقد استدل المؤلف، وقبله الغماري بهذه القصة على جواز التوسل بالنبي ﷺ ، وشد الرحال إليه، اعتمادًا عليها في تفسير الآية ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]. قال المؤلف (ص: ٧١): (هذه الآية تشمل حالتي الحياة وبعد الانتقال، ومن أراد تخصيصها بحال الحياة فما أصاب، لأن الفعل في سياق الشرط يفيد

стр. 49

العموم، وأعلى صيغ العموم ما وقع في سياق الشرط كما في إرشاد الفحول ص: ١٢٢ وغيره). ثم نقل عن شيخه الغماري نحو كلامه المتقدَّم، وزاد: "وقد فهم المفسرون من الآية العموم، ولذلك تراهم يذكرون معها حكاية العتبي الذي جاء للقبر الشريف مستشفعًا بالنبي ﷺ ، فقال ابن كثير في تفسيره: وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو النصر الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي .... ". قلت: والجواب عن هذا: أن يُقال: إن هذه الآية نزلت في المنافقين الذين ادعوا الإيمان بالله ورسوله، ثم احتكموا إلى الطاغوت، وتركوا حكم الله ورسوله، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٩٣)، وابن جرير الطبري (٨/ ٥١٧) في تفسير هذه الآية من طريق: ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم الذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف. وهو ما اعتمده ابن جرير في تفسير هذه الآية، فقال: "يعني بذلك جل ثناؤه: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصف

стр. 50

صفتهم في هاتين الآيتين الذين إذا دُعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدَّوا صدودًا، ﴿إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت، وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله إذا دعوا إليها ﴿جَاءُوكَ﴾ يا محمد حين فعلوا ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دونا حكمك، جاؤوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم، ويسأل لهم الله رسولُه ﷺ مثل ذلك، وذلك هو معنى قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، وأما قوله: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ فإنه يقول: لو كانوا فعلوا ذلك فتابوا من ذنبهم، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا﴾، يقول: راجعًا لهم مما يكرهون إلى ما يحبون، ﴿رَحِيمًا﴾ بهم، في تركه عقوبتهم على ذنبإم الذي تابوا منه". قد فسره بمثل هذا البغوي، والشوكاني - الذي احتج بكلامه المؤلف في العموم -، وغيرهم من الفسرين. وأما ابن كثير ﵀ فقال: "يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﷺ فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تابا الله عليهم، ورحمهم، وغفر لهم".

стр. 51

قلت: فهذا هو عموم الآية، أي: أن الآية وإن نزلت في حق من احتكم إلى الطاغوت من المنافقين، فلو أنهم جاءوا النَّبِيّ ﷺ ، فاستغفروا الله، واستغفر لهم النَّبِيّ ﷺ لوجدوا الله توابًا رحيمًا، فكذلك عموم العاصين والمذنبين، فإنهم إن فعلوا ذلك وجدوا الله تعالى غفورًا رحيمًا، توابًا كريمًا، وليس معناه أن ذلك عام في حياته وبعد مماته. فإنه لَمْ يصح عن أحد من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - أنهم كانوا إذا وقعت منهم معصية، أو اقترفوا ذنبًا أتوا القبر فاستغفروا عنده، وإنما صح منهم ذلك حال حياته ﷺ . ولذلك فإن أئمة المفسرين لَمْ يذكروا هذه القصة المعطوبة سندًا ومتنًا؛ لأنه لا وجه لها للدلالة على عموم الآية كما ادعى الغماري حين قال: "لكن الشاهد من ذكرها هو بيان أن العلماء ذكروها استئناسًا لبيان أن الآية تفيد العموم". لأنه لَمْ يتقرر عند أهل العلم، أن عموم النصوص الشرعية وخصوصها يُستدل عليه بقصص الشعراء كذلك العتبي، ولا بالأسانيد الساقطة، ولا برؤى المجاهيل، فانظر أخي القارئ الكريم

стр. 52

إلى هذا التدليس من الشيخ والتلميذ، والمتلاعب بنصوص الكتاب والسنة إلى أي درجة وصل به الحال عندهما. ولو سلمنا للمؤلف ولشيخه بأن الأمر كما قالا، وأن ذلك عموم، فالعموم قد يُخصص باعتبار نصوص أخرى منها: قول النَّبِيّ ﷺ : "لا تجعلوا قبري عيدًا"، وقوله: "لا تجعلوا قبري وثنًا". فهذا نهي بيِّن عن جعل قبره ﷺ عيدًا أو وثنًا، وهو عين ما يروِّج له المؤلف وشيخه. ثم رأيت المؤلف يزيد الأمر تمويهًا على القراء الكرام، فيقول (ص: ٧٧): (وحديث عرض الأعمال يؤيد الاستدلال بهذه الآية، وهو قوله ﷺ : حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم، تحدثون ويُحدث لكم، وتعرض عليّ أعمالكم، فما وجدت خيرًا حمدت الله، وما وجدت غير ذلك استغفرت لكم. وهو حديث صحيح). قلت: بل هو حديث لا يصح، وأقوى طرقه من نوع الشاذ الذي لا يَقْوى ولا يَتَقوى، وسوف يأتي تخريجه ضمن الأحاديث

стр. 53

التي احتج بها المؤلف في الباب الثالث. ولو صح هذا الحديث، فلا وجه للاستدلال بالآية على ما ذكر، فإن النَّبِيَّ ﷺ - تبعًا لهذا الحديث - سوف يستغفر متى عُرضت عليه أعمال أمته لمن عصى الله أو أذنب، فلا يلزم للعاصي آنذاك أن يأتي النَّبِيّ ﷺ ، وإنما يكفيه أن يستغفر وهو في مكانه. ثم إنه قد تقرر في الأصول تبعًا لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أنه لا تكليف إلَّا بمقدور، ومتى تعين القول بتعميم هذه الآية على النحو الذي عمم به المؤلف وشيخه إياها، فلا بد للعاصي مهما كانت معصيته، وأين ما كان أن يأتي النَّبِيّ ﷺ ليستغفر عنده، ويستغفر له النَّبِيّ ﷺ ، ولم يقل أحد بهذا من أهل العلم، بل هو من التشديد والغلو اللذين نهى الله تعالى عنهما ورسوله ﷺ . وعلى فرض التسليم لهما في ذلك، فهو خاص بالنبي ﷺ ، ولا يتعداه إلى غيره من الأنبياء والصالحين، والآية ظاهرة المعنى في ذلك، فكيف نعمم ذلك على عموم الأولياء والصالحين كما يروِّج له المؤلف في كتابه؟ ! ! ثم تبين لي أن الاستدلال بهذه الآية استدلال قديم لأسلافهم

стр. 54

وقد رد عليهم شيخ الإسلام في ذلك، فقال ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١/ ١٥٩): "ومنهم من يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ويقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصجابة، ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين فإن أحدًا منهم لَمْ يطلب من النَّبِيّ ﷺ بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئًا، ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم، وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء وحكوا حكاية مكذوبة على مالك ﵁". قلت: سوف يأتي إيراد هذه الحكاية قريبًا ونقدها. (٤) رواية عن محمد بن النكدر في التلوذ بقبر النَّبِيّ ﷺ ، وبمنبره: أخرج ابن أبي الدنيا في "مجابي الدعوة" (١٢٦): حدثني محمد بن الحسين، حدثني أبو الصعب مطرف، قال: حدثني المنكدر بن محمد: أن رجلًا من أهل اليمن أودع أباه ثمانين دينارًا، وخرج يريد

стр. 55

الجهاد، وقال له: إن احتجت فأنفقها إلى أن آتي إن شاء الله. قال: وخرج الرجل، وأصاب أهل المدينة سنة وجهد، قال: فأخرجها أبي، فقسمها، فلم يلبث الرجل أن قدم، فطلب ماله، فقال له أبي: محمد إليَّ غدًا. قال: وثاب في المسجد متلوذًا بقبر رسول الله ﷺ مُرَّة، وبمنبره مُرَّة، حتى كاد يصبح، فإذا شخص في السواد يقول له: دونكها يا محمد. قال: فمد يده، فإذا صرة فيها ثمانون دينارًا، قال: وغدا عليه الرجلي، فدفعها إليه. قلت: المنكدر بن محمد بن المنكدر ضعيف الحديث، لَمْ يرضوا حفظه، انشغل بالعبادة عن الرواية، فأتى بما أُنكر عليه. فأما التلوذ بالقبر فحاشى لله أن يقع من مثل محمد بن المنكدر في علمه وورعه، وأما التلوذ بالمنبر برمانته، وبمقعده فقد صح عن جماعة من الأئمة ومن السلف، والتبرك بمواضع يده ﵇، ومواضع جلوسه ﷺ ، وسوف يأتي تقريره قريبًا إن شاء الله تعالى. ثم وجدت رواية أخرى لهذا الخبر تحكم بنكارة هذه الحكاية، وهي:

стр. 56

ما أخرجه ابن بشكوال في "المستغيثين بالله" (١٠٨) من طريق: ابن شاهين، قال: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن غيلان السوسي، حَدَّثَنَا محمد بن يزيد الآدمي، حَدَّثَنَا مَعْن، حَدَّثَنَا مالك بن أنس، قال: كان رجل من أهل الشام قد وضع عند محمد بن المنكدر ثلاث مائة دينار، فغاب الشامي، وقدم وقد استنفق ابن المنكدر المال، فقال له: ارجع إليَّ أهيئه لك إن شاء الله، قال: وليس عندي منها قليل ولا كثير، فجعل محمد يذكرها، ويدعو، ويتضرع إلى الله ، ولقول: يا رب أمانتي. فسمعه عامر بن عبد الله بن الزبير، وهو يدعو في صلاته، فخرج عامر، فوزن ثلاث مائة دينار، ثم جاء بها، وكان محمد إذا سجد أطال السجود، فوضعها عامر على نعليه، فلما رفع محمد بن المنكدر رأسه وجدها، فذهب بها إلى منزله، فإذا فيها ثلاث مائة لا نزيد ولا تنقص، وغدا عليه الشامي، فدفعها إليه. قلت: وهذا سند صحيح، لا مطعن فيه، من رواية الثقات، وهي أصح من الرواية الأولي، بل هي مُعلة لها ولا شك، فهل يُقاس السند المشرق المتلألئ بالسند المظلم السود.

стр. 57

(٥) رواية الفضل بن إِسماعيل: وأخرج الضياء المقدسي ﵀ في كتابه "العُدَّة للكرب والشدَّة" (٥٠) من طريق: أبي الشيخ بن حيَّان، قال: حَدَّثَنَا عبد الرَّحمن بن داود، حَدَّثَنَا عبد الله بن يحيى الهاشمي، قال: سمعت الفضل بن إسماعيل يقول: جار عليّ السلطان، فحبسني، فلما كان في الليل أتاني آتٍ، فقال: يا فضل، أمغموم أنت؟ قلت: نعم، قال: ألا أعلمك دعاءً، يُذهب الله عنك الغم؟ قلت: نعم، قال: إذا أصبحت، فقل: اللهم إني أسألك بحق موسى، وبحق عيسى، وبحق الاسم الذي حملت به مريم بشرًا سويًا إلَّا فرَّجت غمي. فلما أصبحت، دعوت بهذا الدعاء، فما كان إلَّا ساعة حتى وجَّه العامل فأطلقني. قلت: وهذا أثر لا تقوم به حجة، فإن الأدعية لا تثبت بالرؤى من جهة، ومن جهة أخرى فإن عبد الله بن يحيى الهاشمي، والفضل بن إسماعيل لَمْ أقف لهما على ذكر في كتب التراجم.

стр. 58

(٦) رواية علي بن الحسين: وأخرج ابن بشكوال في "المستغيثين بالله" (٤٣) من طريق: محمد بن عبد الرَّحمن بن العباس - هو المخلص - قال: حَدَّثَنَا أبو العباس المارستاني، قال: أخبرنا أبو سعيد الأشج، والقاسم بن محمد الوزان، قالا: حَدَّثَنَا وكيع، عن صالح بن أبي الأخضر، قال: سمعت الزهري، يقول: اعتللت علة أشرفت منها على لقاء ربي، فضاق بذلك ذرعي، فلم أجد أحدًا أتوسل به بقلتي غير علي بن الحسين ﵁ فأتيته فسألته الدعاء؟ فقال لي: أيما أحب إليك أدعو أنا وتؤمِّن أنت؟ فقلت: دعاؤك أفضل، وتُتبع دعاءك تأمينًا منك ومني. فرفع يديه وقال: اللهم إن ابن شهاب قد فزع إليَّ بالوسيلة إليك بآبائي، فبما تعلم بالإخلاص من أبائي وأمهاتي، إلَّا جُدت علينا بما قد آمل ببركة دعائي، واسكب له من الرزق، وارفع له من القدر وغيره ما يصيره كهفا لما علَّمته من العلم. قال الزهري: فوالذي نفسي بيده ما اعتللت، ولا مر بي ضيق

стр. 59

ولا بؤس مذ دعا بهذه الدعوات، وإني لفي دعة من العيش إلى وقتي هذا، وما أؤمله من مغفرة الله ورحمته أكثر من ذلك، بدعاء علي بن الحسين ﵁. قلت: وهذا الخبر كذلك لا يصح، فإنه من رواية صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف الحديث، لا سيما في روايته عن الزهري، فقد اختلط عليه ما سمعه منه مما وجده مكتوبًا. وأبو العباس المارستاني هو عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن مالك الضرير، ترجمه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/ ٣٨٢)، وقال: "قال ابن قانع: تُكُلِّم فيه". (٧) رواية ابن المبارك عن عبد حبشي: قال ابن بشكوال (١٥٢): ذكر مؤلف كتاب العروس، قال: حَدَّثَنَا محمد بن الفرج مولى بني هاشم، قال: حَدَّثَنَا محمد بن صالح بن عبد الله البصري، عن عبد الله بن المبارك، قال: خرجت في بعض السنين إلى بيت الله الحرام، وأتيت مكة، وقد قحط النّاس قحطًا شديدًا، وقد خرجوا يستسقون، وخرجت معهم، وكنا مما يلي بني شيبة، فتضرع النّاس بالدعاء، إذ حانت

стр. 60

مني التفاتة، فإذا أنا بأسود عليه خلقان مؤتزر بأحدهما مرتديًا بالآخر، وهو يقول: إلهي وسيدي، أخلقت الوجوه عندك كثرة الذنوب ومساوئ الأعمال، فمنعتنا قطر السماء، تؤدب الخليقة بذلك، فأقسمت عليك بحقي عليك إلَّا أسقيتنا الغيث الساعة الساعة، فما استتم كلامه حتى غشينا السحاب، وأخذنا القطر من كلّ جانب، وجلس يدعو، وجلست أبكي نحوه حتى انصرف .... وذكر قصة طويلة. قلت: وهذه الحكاية على اشتهارها على ألسنة النّاس إلَّا أنَّها مجهولة السند، فإن راويها عن ابن المبارك، ومن رواه عنه لَمْ أجد لهما تراجم، وفيها نكارة، لا سيما إقسام العبد على الله تعالى بحقه ففيه من سوء الأدب ما يستحيل معه التصديق أن من في مثل علم ابن المبارك وورعه يسكت عنه، ولا يعنفه عليه، بل يشتريه ليعتقه ويخدمه، وابن المبارك من أصحاب أبي حنيفة، وقد أخذ عنه، وتلقى منه، ومذهب أبي حنيفة في هذا الباب مشهور معلوم، وقد تقدَّم بيانه، فلا أظن أن يقر ابن المبارك هذا العبد على خطئه. (٨) الرواية في ذلك عن الإِمام مالك: وأخرج القاضي عياض في "الشفا" (٢/ ٥٩٥):

стр. 61

حَدَّثَنَا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرَّحمن الأشعري، وأبو القاسم أحمد بن بقي الحاكم، وغير واحد، فيما أجازونيه، قالوا: أنبأنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهاث، قال: حَدَّثَنَا أبو الحسن علي بن فهر، حَدَّثَنَا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج، حَدَّثَنَا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، حَدَّثَنَا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكًا في مسجد رسول الله ﷺ ، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدَّب قومًا فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]. ومدح قومًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣]. وذم قومًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤].

стр. 62

وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًّا. فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله، أأستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله، واستشفع به، فيشفِّعك الله، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]. قلت: وهذه الحكاية منكرة بمرة، مخالفة لأصل قول مالك في الدعاء عند القبر، والعجب من القاضي كيف أوردها هكذا دون أن ينبه على ما فيها من مخالفة للروايات الصحيحة عن مالك. وآلافة في هذه الحكاية من ابن حميد هذا، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو واه عند أهل النقل، بل كذبه أبو زرعة، وقال إنه كان يتعمد الكذب، وكذبه أبو حاتم، والنسائي، وابن وارة. وكذلك ففي السند إليه بعض من لا يُعرف، ومحمد بن أحمد بن الفرج، ترجمه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١/ ٣٢٩)، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، إلَّا أنه أخرج حديثًا منكرًا من روايته.

стр. 63

وثمة علة أخرى في هذا السند، وهي الانقطاع، فإن بين ابن حميد ومالك ﵀ مفازة. قال شيخ الإسلام في "التوسل والوسيلة" (ص: ٦٩): "محمد بن حميد الرازي لَمْ يدرك مالكًا، لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور، فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة، وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومائة، وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومائتين، ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلَّا وهو كبير مع أبيه". قلت: والذي صح عن مالك ﵀ ما تبع فيه باقي الأئمة من استقبال القبلة عند الدعاء، لا استقبال القبر كما ورد في هذه الرواية المكذوبة. وقد نقل القاضي عياض نفسه في "الشفا" (٢/ ٦٧١) عن الإِمام مالك أنه قال في "المبسوط": "لا أرى أن يقف عند قبر النَّبِيّ ﷺ يدعو، ولكن يسلِّم ويمضي". وأما ما نقل عن ابن وهب، عنه أنه قال: إذا سلَّم على النَّبِيّ ﷺ ودعا، يقف ووجهه إلى القبر الشريف،

стр. 64

لا إلى القبلة، ويسلِّم. فهذا مختص بالدعاء للنبي ﷺ ، لا بالدعاء لنفسه أو لغيره من المسلمين. (٩) رواية عن الإِمام الشافعي: ورد في كتاب "السفر" من رواية الربيّع بن سليمان، عن الشافعي ﵀ (ص: ٢٥) قال: "ودخلت المدينة في اليوم الثامن بعد صلاة العصر، فأتيت مسجد رسول الله ﷺ ، ودنوت من القبر، فسلَّمت على رسول الله ﷺ ، ولُذت بقبره، فرأيت مالك بن أنس مؤتزرًا ببردة، متشحًا بأخرى، وهو يقول: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن صاحب هذا القبر، ويضرب بيده على قبر رسول الله ﷺ ... ". قلت: وهذه حكاية لا تقوم بها حجة؛ لأنَّها وردت في كتاب لا يثبت سنده ولا نسبته إلى الإِمام الشافعي. بل ورد فيه أشياء مستحيلة، منها: لقاؤه لحمد بن الحسن وأبي يوسف في الكوفة، وهذا ملفق.، وقد نقده الحافظ ابن حجر في "توالي التأسيس" (ص: ١٣١) بأن الشافعي إنما قابل محمد بن الحسن ببغداد، وليس بالكوفة كما ورد في كتاب "السفر"، وكذلك

стр. 65

فهو لَمْ يجتمع بأبي يوسف، ولم يدرك مقابلته، وإنما مات أبو يوسف قبل دخول الشافعي بغداد. ومن ذلك أن محمد بن الحسن أخرج له كتابًا اسمه "الأوسط" من تأليف أبي حنيفة، ولا يُعرف لأبي حنيفة كتاب بهذا الاسم، ومن ذلك ضرب الإِمام مالك بيده على قبر النَّبِيّ ﷺ يه، والثابت عنه أنه نهى عن لمس قبر النَّبِيّ ﷺ كما في رواية ابن وهب التي نقلها القاضي عياض في "الشفا" (٢/ ٦٧١)، قال: لا يمس القبر بيده. ومما ورد في هذا الكتاب من الأباطيل أن مالك لما أغناه الله كانت له ثلاث مائة جارية، يبيت عند إحداهن ولا يعود إليها إلَّا على رأس الحول، وغيرها من الأباطيل، والتي منها كذب الإِمام الشافعي على مالك - وحاشاه - حينما أراد الخروج عنه إلى محمد بن الحسن الشيباني. وسند هذا الكتاب مسلسل بالمجاهيل، وهو أتلف من رحلة الشافعي برواية البلوي. وقد قال الإِمام الذهبي ﵀ في ترجمة الشافعي من "السير" (١٠/ ٧٨): "سمعنا جزءًا في رحلة الشافعي، فلم أسق منه شيئًا لأنه باطل

стр. 66

لمن تأمله". قلت: هو هذا الكتاب على الأقرب، لا رحلة الشافعي برواية البلوي كما أشار محقق "السير"، فإن الثانية مشهورة في تصانيف البيهقي، والآبري، والرازي، فلو كانت هي لعزاها إلى أحد هؤلاء. (١٠) رواية عن الإِمام أحمد: في مس قبر النبي ﷺ . وقد انتصر الحافظ الذهبي ﵀ لهذه المسألة أيما انتصار في "معجم شيوخه" (ص: ٥٥)، ونقل عن الإِمام أحمد ﵀ جواز ذلك، فقال: "وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك بأسًا، رواه عنه عبد الله بن أحمد". قلت: والإمام الذهبي إمام معتبر كبير، محقق، مدقق، وقوله هذا زلة من عالم، غير معتمدة، ولا يُتابع عليها، وأما نقله عن أحمد في ذلك فهو وهم على الأقرب، وإنما نقل عنه في "السير" (١١/ ٢١٢) من رواية عبد الله، أنه سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر النَّبِيّ ﷺ ، ويمس الحجرة النبوية، فقال: لا أرى بذلك

стр. 67

بأسًا. وهذه أهون من الأولى فإن لها أصلًا، وقد تتبعت ذلك في مسائل عبد الله فلم أقف عليها، فالله أعلم بثبوتها. ثم إن الذهبي نفسه قد أخرج قبل هذا الكلام ما ينقض قوله هذا، بسند صحيح عن ابن عمر: أنه كان يكره مس قبر النَّبِيّ ﷺ . ولا إخال الإمام أحمد يخالف مثل هذا الأثر، والآثار عند أحمد تقوم مقام الحجة، والسنن. ثم وجدت ما يثبِّت ظني من أنه وهم من الحافظ الذهبي في النقل. فقد نقل شيخ الإسلام ﵀ في "الاقتضاء" (٢/ ٧٢٦) قال: قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - قبر النَّبِيّ ﷺ يمس، ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا، قلت له: فالمنبر؟ فقال: أما المنبر فنعم، قد جاء فيه، قال أبو عبد الله: شيء يروونه عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن عمر: أنه مسح على المنبر، قال: ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة، قلت: ويروون عن يحيى بن سعيد أنه حين أراد الخروج

стр. 68

إلى العراق، جاء إلى المنبر، فمسحه ودعا، فرأيته استحسنه، ثم قال: لعله عند الضرورة والشيء، قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر، وقلت له: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه، ويقومون ناحية، فيسلمون، فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل. قال شيخ الإسلام: "فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النَّبِيّ ﷺ ، ويده، ولم يرخصوا في التمسح بقبره، وقد حكى بعض أصحابنا رواية في مسح قبره، لأن أحمد شيع بعض الموتى، فوضع يده على قبره يدعو له، والفرق بين الموضعين ظاهر". قلت: فالظاهر أنه يشير بهذا إلى ما ذكره الذهبي، فإنه من أصحاب شيخ الإسلام، ومن تلاميذه، وكما تقدَّم نقله فإن هذا لا يثبت عن أحمد، بل الثابت عنه بخلافه، والله أعلم. ولكن الذهبي - غفر الله له - زاد فقال بجواز التزام قبر النَّبِيّ ﷺ ، وتقبيله، وعبارته: "فإن قيل: فهلا فعل ذلك الصحابة، قيل: لأنهم عاينوه حيًّا، وتملوا به، وقبلوا يده، وكادوا يقتتلون على وضوئه، واقتسموا

стр. 69

شعره المطهر يوم الحجِّ الأكبر، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلَّا في يد رجل، فيدلك بها وجهه، ونحن فلما لَمْ يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل ألا تري كيف فعل ثابت البناني، كان يقبل يد أنس بن مالك، ويضعها على وجهه، ويقول: يد مست يد رسول الله ﷺ ... ". قلت: وهذا والله كلام عجيب عظيم، لا ينبني على أصل شرعي، بل هو مدخل للبدع، وللمغالاة في القبور وأصحابها، فلا عجب أن نرى من يلتزم قبور الصالحين، ويقبل عتباتهم، ويتمسح بأضرحتهم. فهذا هو الحجر الأسود على جلالته وفضله، لَمْ يقبله عمر ﵁ إلَّا لأنَّ النَّبِيّ ﷺ قبله. وهذه هي الشجرة التي كان يجلس تحتها النَّبِيّ ﷺ ، أمر عمر بقطعها، لئلا يُفتن بها النّاس. وأما القبر النبوي الشريف فلو كان فيما ذكره الذهبي خير لما توانى عنه الصحابة، ولا التابعون، ولا أئمة الدين المعتبرون، وهل يُقاس مس رمانة المنبر التي باشرها النَّبِيّ بيده الكريمة ﷺ ، ففاضت عليها البركات، ولا يزال عليها من الآثار النبوية، ومثلها

стр. 70

مقعد النَّبِيّ ﷺ من المنبر حتى وقع الحريق الذي ذهب به، ومثلها يد أنس ﵂ التي باشرت يد النَّبِيّ ﷺ وغيرها من أجزاء جسده الطاهر ﵊، هل يُقاس هذا كله بمس القبر الذي قال فيه النَّبِيّ ﷺ بسند صحيح لا مطعن فيه: "لا تجعلوا قبري عيدًا"، و"لا تجعلوا قبري وثنًا". وهل تُقاس تلك الأشياء بما كرهه فقيه الصحابة وإمام المتبعين عبد الله بن عمر ﵁. وإن كانت كراهة ابن عمر ﵁ لذلك كما زعم الذهبي ﵀ لأنه رآه سوء أدب، فما بال الذهبي ﵀ يراه من الجائز المباح، كلا وحاشا، بل هو مما أعرض عنه الصحابة، وكرهه أهك العلم من الأئمة المعتبرين، أحمد، ومالك، وغيرهما، فلا يُتقدَّم على هؤلاء جميعًا بقول فاسد لا دليل عليه من السنة. وإن كان المؤلف قد روَّج لهذا القول في كتابه (ص: ٥٧)، فإن الله لَمْ يتعبدنا بأقوال العلماء، لا سيما زلاتهم، بل تعبدنا بنصوص الشريعة الراسية، وأما زلة العالم. فهي منبوذة غير معمول بها، والله يغفر للجميع، والذهبي إمام متبع، إلَّا أننا لا ندعي في أئمتنا

стр. 71

العصمة من الزلل والخطأ، فغفر الله له، ورحمه رحمة واسعة. كانت هذه جملة من الآثار التي وردت في التوسل، والزيارة، وتعظيم القبر، مما لَمْ يصح سنده، ذكرتها بيانًا لما تقدَّم عن شيخ الإسلام ﵀ أنه لا يصح من هذه الموقوفات شيء، ولو صح في ذلك شيء، فهو معارض بالأحاديث المرفوعة الواردة بخلاف ذلك، ولا يُترك قول النَّبِيّ ﷺ ولا يُعرض عنه لقول عالم، أو زلة إمام، والله الموفق. * * *

стр. 72

بيان أن مسألتي التوسل والزيارة تندرجان تحت مسائل الاعتقاد وإن ورد ذكرهما ضمن أبواب الفقه قد أكثر المؤلف في مقدمة كتابه من الجدال حول نسبة هاتين المسألتين إلى أبواب الفقه، وإثبات أنهما لا يندرجان تحت أبواب الاعتقاد، وأن ذلك مسوِّغ لتبني الخلاف فيهما، ومدعاة إلى اختيار ما يوافق الهوى. قال (ص: ٥): (ومما زاد الطين بلة أن سبكهما المتشددون في مسائل الاعتقاد). ثم ناقض نفسه فقال (ص: ٧): (فيا قومنا الله الله في إسلامكم لا تُفسدوه لهوى شيطان مريد، أو جاهل مغرض مسكين). فجعل هذا الخلاف مفسدًا للإسلام!! ثم تناقض ثالثة!! فقال (ص: ٧) عقب ما تقدَّم بعدة سطور: (والغرض من هذا المصنّف بعد بيان الصواب في نظري في

стр. 73

الأحاديث، هو أن الخلاف في مسألة التوسل هو خلاف في الفروع، ومثله لا يصح أن يشنع به أخ على أخيه، أو يعيبه). ثم عاد أخرى فبدَّع، فقال في نفس الصفحة: (وأن من قال بتحريم الزيارة المستوجبة لشد الرحل قد ابتدع وخالف النصوص الصريحة، وإطباق فقهاء مذهبه! ! فضلًا عن المذاهب الأخرى! ! ). أقول: هاتان المسألتان وإن ذُكرتا في أبواب الفقه، إلَّا أن لهما تعلق عقدي متين، فكلاهما متعلق بتوحيد العبادة لله تعالى، وهو المسمى بـ "توحيد الألوهية"، وهذا ولا شك من أهم أبواب الاعتقاد. ويدل على ذلك أن الأصل الذي كانت عليه زيارة القبور التحريم، كما تقدَّم في حديث النَّبِيّ ﷺ ، وكان هذا متعلقًا بأهم مسائل العقيدة، وهي الاستعانة بغير الله تعالى، أو الاعتقاد في الموتى، ولذلك - ولأجل أن المسلمين آنذاك كانوا حديثي إسلام - نهى النَّبِيّ ﷺ عن زيارة القبور سدًّا للذرائع المفضية إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، أو ما وقع لقوم نوح من عبادة الصالحين، واتخاذ النصارى قبور أنبيائهم مساجد، فلما تمكَّن الإسلام في قلوبهم،

стр. 74

وصفت نفوسهم بصفاء العقيدة الصحيحة، نُسخ النهي واستقر الأمر على الإباحة، ولكن للتذكير والاعتبار، لا للدعاء عندها أو العبادة، أو للتاليه والإكبار كما يروِّج له المؤلف. ومن هنا إذا قيل: إن هذه المسألة - أي مسألة شد الرحال للزيارة - مسألة عقدية، لَمْ يكن ثمة مبالغة، بل كان سبكها ضمن مسائل الاعتقاد أولى. ونزيد فنقول: إن هذه المسألة، لَمْ تُبحث ضمن أبواب الاعتقاد في القرون المتقدمة لأنها لَمْ يكن لها واقع يُعرف، ولا عمل بها مُبْتَدعَ كما هو الحال في القرون المتأخرة، ولذلك لا تجد كبير كلام للأئمة المتقدمين فيها، وإنما كان البحث جاريًا بينهم في زيارة القبور وحكمها، والتفريق فيها بين الرجال والنساء، ولذلك أوردوها ضمن أبواب الفقه، وأما المسألة المتكلم فيها الآن، والتي هي قيد البحث إنما هي مسألة شد الرحل وإعمال المطي للزيارة، فليُعلم أنه لا يُشد رحل، ولا تُعمل المطي لزيارة شيء إلَّا لتعظيمه وتاليهه، وهذا هو ما ورد النهي عنه كما سوف يأتي ذكره في الأدلة إن شاء الله تعالى. وأما مسألة التوسل؛ كان كان ثمة خلاف فيها، إلَّا أن الخلاف

стр. 75

الوارد فيها ليس بمدعاة لالتزام ما يوافق الهوي، بل قد تكون المسألة مما اختلف فيها الصحابة، إلَّا أنَّها ثابتة على أصل واحد صحيح، فمتى ترجح هذا الأصل، فلا يجوز الحياد عنه بحجة ورود الخلاف فيه، فثبوت الخلاف لا يقتضي الاختلاف. وأما التوسل؛ فالمستقر عند الصحابة أنه يكون بالدعاء، كما سوف يأتي بيانه في قسم الأدلة، وأما الإقسام على الله بجاه المخلوقين فمما لا يسوغ القول به، ولا صدر عن أحد من السلف ما يؤيده، فإنه لا يجوز الحلف بغير الله تعالى مطلقًا، لورود الزجر عن ذلك. فلما أصبحت هاتان المسألتان من متعلقات بعض أهل الأهواء والبدع كالقبوريين وجهلة الصوفية، فتزيَّدوا فيهما أيما تزيد، حتى بلغ بهم تقبيل أعتاب القبور، والتزام مقامات الأولياء، والاستغائة بهم، والنذر لهم، والذبح لهم وعندهم، كما هو مشاهد في كثير من المواطن والبلاد، لما أصبح الأمر كذلك أدرج العلماء هاتين المسألتين في مسائل الاعتقاد لتعلقهما بها، وليس هذا ببدعة من الفعل. فقد أورد علماء السلف وأئمة الدين ذكر تحريم نكاح المتعة، والمسح على الخفين ضمن مسائل الاعتقاد لما أصبحت هاتان المسألتان
следующие страницы →