العصمة من الزلل والخطأ، فغفر الله له، ورحمه رحمة واسعة.
كانت هذه جملة من الآثار التي وردت في التوسل، والزيارة، وتعظيم القبر، مما لَمْ يصح سنده، ذكرتها بيانًا لما تقدَّم عن شيخ الإسلام ﵀ أنه لا يصح من هذه الموقوفات شيء، ولو صح في ذلك شيء، فهو معارض بالأحاديث المرفوعة الواردة بخلاف ذلك، ولا يُترك قول النَّبِيّ ﷺ ولا يُعرض عنه لقول عالم، أو زلة إمام، والله الموفق.
* * *
стр. 72
بيان أن مسألتي التوسل والزيارة تندرجان تحت مسائل الاعتقاد وإن ورد ذكرهما ضمن أبواب الفقه
قد أكثر المؤلف في مقدمة كتابه من الجدال حول نسبة هاتين المسألتين إلى أبواب الفقه، وإثبات أنهما لا يندرجان تحت أبواب الاعتقاد، وأن ذلك مسوِّغ لتبني الخلاف فيهما، ومدعاة إلى اختيار ما يوافق الهوى.
قال (ص: ٥):
(ومما زاد الطين بلة أن سبكهما المتشددون في مسائل الاعتقاد).
ثم ناقض نفسه فقال (ص: ٧):
(فيا قومنا الله الله في إسلامكم لا تُفسدوه لهوى شيطان مريد، أو جاهل مغرض مسكين).
فجعل هذا الخلاف مفسدًا للإسلام!!
ثم تناقض ثالثة!!
فقال (ص: ٧) عقب ما تقدَّم بعدة سطور:
(والغرض من هذا المصنّف بعد بيان الصواب في نظري في
стр. 73
الأحاديث، هو أن الخلاف في مسألة التوسل هو خلاف في الفروع، ومثله لا يصح أن يشنع به أخ على أخيه، أو يعيبه).
ثم عاد أخرى فبدَّع، فقال في نفس الصفحة:
(وأن من قال بتحريم الزيارة المستوجبة لشد الرحل قد ابتدع وخالف النصوص الصريحة، وإطباق فقهاء مذهبه! ! فضلًا عن المذاهب الأخرى! ! ).
أقول: هاتان المسألتان وإن ذُكرتا في أبواب الفقه، إلَّا أن لهما تعلق عقدي متين، فكلاهما متعلق بتوحيد العبادة لله تعالى، وهو المسمى بـ "توحيد الألوهية"، وهذا ولا شك من أهم أبواب الاعتقاد.
ويدل على ذلك أن الأصل الذي كانت عليه زيارة القبور التحريم، كما تقدَّم في حديث النَّبِيّ ﷺ ، وكان هذا متعلقًا بأهم مسائل العقيدة، وهي الاستعانة بغير الله تعالى، أو الاعتقاد في الموتى، ولذلك - ولأجل أن المسلمين آنذاك كانوا حديثي إسلام - نهى النَّبِيّ ﷺ عن زيارة القبور سدًّا للذرائع المفضية إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، أو ما وقع لقوم نوح من عبادة الصالحين، واتخاذ النصارى قبور أنبيائهم مساجد، فلما تمكَّن الإسلام في قلوبهم،
стр. 74
وصفت نفوسهم بصفاء العقيدة الصحيحة، نُسخ النهي واستقر الأمر على الإباحة، ولكن للتذكير والاعتبار، لا للدعاء عندها أو العبادة، أو للتاليه والإكبار كما يروِّج له المؤلف.
ومن هنا إذا قيل: إن هذه المسألة - أي مسألة شد الرحال للزيارة - مسألة عقدية، لَمْ يكن ثمة مبالغة، بل كان سبكها ضمن مسائل الاعتقاد أولى.
ونزيد فنقول:
إن هذه المسألة، لَمْ تُبحث ضمن أبواب الاعتقاد في القرون المتقدمة لأنها لَمْ يكن لها واقع يُعرف، ولا عمل بها مُبْتَدعَ كما هو الحال في القرون المتأخرة، ولذلك لا تجد كبير كلام للأئمة المتقدمين فيها، وإنما كان البحث جاريًا بينهم في زيارة القبور وحكمها، والتفريق فيها بين الرجال والنساء، ولذلك أوردوها ضمن أبواب الفقه، وأما المسألة المتكلم فيها الآن، والتي هي قيد البحث إنما هي مسألة شد الرحل وإعمال المطي للزيارة، فليُعلم أنه لا يُشد رحل، ولا تُعمل المطي لزيارة شيء إلَّا لتعظيمه وتاليهه، وهذا هو ما ورد النهي عنه كما سوف يأتي ذكره في الأدلة إن شاء الله تعالى.
وأما مسألة التوسل؛ كان كان ثمة خلاف فيها، إلَّا أن الخلاف
стр. 75
الوارد فيها ليس بمدعاة لالتزام ما يوافق الهوي، بل قد تكون المسألة مما اختلف فيها الصحابة، إلَّا أنَّها ثابتة على أصل واحد صحيح، فمتى ترجح هذا الأصل، فلا يجوز الحياد عنه بحجة ورود الخلاف فيه، فثبوت الخلاف لا يقتضي الاختلاف.
وأما التوسل؛ فالمستقر عند الصحابة أنه يكون بالدعاء، كما سوف يأتي بيانه في قسم الأدلة، وأما الإقسام على الله بجاه المخلوقين فمما لا يسوغ القول به، ولا صدر عن أحد من السلف ما يؤيده، فإنه لا يجوز الحلف بغير الله تعالى مطلقًا، لورود الزجر عن ذلك.
فلما أصبحت هاتان المسألتان من متعلقات بعض أهل الأهواء والبدع كالقبوريين وجهلة الصوفية، فتزيَّدوا فيهما أيما تزيد، حتى بلغ بهم تقبيل أعتاب القبور، والتزام مقامات الأولياء، والاستغائة بهم، والنذر لهم، والذبح لهم وعندهم، كما هو مشاهد في كثير من المواطن والبلاد، لما أصبح الأمر كذلك أدرج العلماء هاتين المسألتين في مسائل الاعتقاد لتعلقهما بها، وليس هذا ببدعة من الفعل.
فقد أورد علماء السلف وأئمة الدين ذكر تحريم نكاح المتعة، والمسح على الخفين ضمن مسائل الاعتقاد لما أصبحت هاتان المسألتان
стр. 76
من شعار بعض الفرق المبتدعة الضالة، مع أن ثمة خلافًا في مسألة المتعة مشهور غير خاف على المشتغلين بالعلم، إلَّا أن ورود الخلاف لا محل له في العذر بمخالفة ما ثبت عن النَّبِيّ ﷺ .
فسبب الخلاف في القدريم عدم وصول الدليل إلى من خالفه، وأما اليوم فمثل هذا السبب غالبًا ما يكون منقطعًا، لأنَّ مسائل الدين قد بُسط فيها البحث أيما بسط، وأدلة الأحكام قد جُمعت جمعًا لا يُبقي حجة للجاهل، والترجيح في مسائل الخلاف مبسوط في كتب الفقه على المذاهب الأربعة، وغير الأربعة.
ثم إن ابن بطة وهو من أئمة العلماء، ومن المقدَّمين في الفتوى عند الحنابلة قد نبَّه على بدعية شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة في كتابه "الإبانة الصغرى" كما تقدَّم الإشارة إليه في فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهذا مقتضاه أنَّها من مسائل الاعتقاد عنده، والله أعلم.
* * *
стр. 77
الأدلة النقلية على حرمة التوسل بالذات وحرمة شد الرحال للزيارة
* أدلة المنع من التوسل:
بالإضافة إلى ما ذكرناه آنفًا من أنه لا يصح حديث واحد في جواز التوسل بالجاه أو بالذات أو بحق المخلوق، وعليه فإن الأمر يظل على التحريم لكونه من العبادات، والعبادات لا تثبت إلَّا بتوقيف، هذا بالإضافة إلى عدم ثبوت خبر في الباب عن أحد من السلف أو الصحابة يدلُّ على جواز ذلك، بالإضافة إلى هذا كله فإننا نورد في هذا الباب بعض الأدلة النقلية التي تدل على عدم جواز ذلك.
وهي على قسمين:
الأول: أدلة القرآن الكريم:
قال تعالى:
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣].
قال ابن جرير الطبري في "التفسير" (٢٠/ ٣٩٥):
стр. 78
"يقول تعالى ذكره: ولا تنفع شفاعة شافع كائنًا من كان الشافع لمن شفع له إلَّا أن يشفع لمن أذن الله في الشفاعة".
قلت: فجاه المخلوق عند الخالق، ليس كجاهه عند المخلوق، فإنه لا يشفع عنده أحد إلَّا بإذنه، وقد أثبت الله تعالى شفاعة النَّبِيّ ﷺ يوم القيامة، كما أثبت شفاعات أخرى يوم القيامة لبعض المؤمنين، وكلها مذكورة في السنن، بخلاف التوسل إلى الله تعالى بجاه النَّبِيّ أو الولي أو المَلَك، فإنه لَمْ يرد في السنن ما يدلُّ على ذلك إلَّا في بعض الأحاديث الساقطة سندًا.
وقال تعالى:
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤].
فهذا معناه أن الشفاعة لله جميعًا، ليس لأحد أن يشفع عنده إلَّا بإذنه، فهو سبحانه وحده الذي يقدر على نفع النّاس وضرهم في الحياة، ثم إليه مرجعهم جميعًا بعد الممات.
وهذا ظاهر على أنَّ اتخاذ الشفعاء إلى الله تعالى، والتوسل إليه بما لَمْ يأذن فيه من مظاهر العصيان له سبحانه، بل فيه مشابهة
стр. 79
للمشركين الذين عبدوا الأصنام، بحجة الاستشفاع بهم إلى الله تعالى، وقد رد الله هذا الاستشفاع، وبيَّن أن هؤلاء الشفعاء لا يملكون لأحد من الخلق ضرًّا أو نفعًا.
وإنما وقع الاستشفاع بالنبي ﷺ في حياته بدعائه ﷺ ، لا بجاهه ولا بذاته كما يُروِّج له المتوسلون.
وقال تعالى:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٢، ٣].
أخرج ابن جرير (٢١/ ٢٥١) بسند صحيح عن قتادة، قال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ قال:
ما نعبد هؤلاء إلَّا ليقربونا، إلَّا ليشفعوا لنا.
الثاني: أدلة السنة:
* الدليل الأول:
حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ :
стр. 80
"من حلف بغير الله فقد كفر - أو أشرك -".
أخرجه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥) بسند حسن.
وهو واضح الدلالة على أنَّه لا يجوز الحلف بغير الله تعالى، لأنَّ مقتضى الحلف تعظيم المحلوف به، ومن ثم فلا يجوز الحلف على الله بذات فلان، ولا بحق فلان، ولا بجاه فلان.
وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - كما تقدَّم بيانه.
* الدليل الثاني:
حديث معاذ بن جبل ﵁ قال:
كنت ردف النَّبِيّ ﷺ ، ليس بيني وبينه إلَّا مؤخرة الرحل، فقال:
"يا معاذ بن جبل"، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: "يا معاذ بن جبل"، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: "يا معاذ بن جبل"، قال: قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: "هل تدري ما حق الله على العباد؟ "، قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا"، ثم سار ساعة، ثم
стр. 81
قال: "يا معاذ بن جبل"، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: "هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك"، قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "أن لا يُعذبهم".
حديث صحيح متَّفقٌ عليه.
أخرجه البخاري (٤/ ٤٦)، ومسلم (١/ ٥٨) من حديث أنس بن مالك، عن معاذ بن جبل ﵄ به.
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن التوحيد حق الله تعالى على عباده، فلا يجوز لهم أبدًا الإشراك معه في العبادة.
والتوحيد على نوعين:
توحيد المتابعة: وهو الإيمان بالنبي ﷺ ، وتجريد متابعته على سنته، ونصرته.
ولم يصح في سنته ما يدلُّ قط على جواز التوسل بالمخلوق إلى الله تعالى، لا بذاته، ولا بجاهه.
وأما النوع الثاني: فهو توحيد العبادة، ومن نواقضها الإشراك فيها بأي صورة كان الإشراك (١)، ومنها التوسل إلى الله تعالى بأحد خلقه في العبادة.
стр. 82
قال الأمير الصنعاني ﵀ في "تطهير الاعتقاد" (ص: ٢٩):
"من اعتقد في شجر أو حجر، آو قبر أو ملك أو جني أو حي أو ميت: أنه ينفع أو يضر أو أنَّه يقرب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل إلى الرب تعالى، إلَّا ما ورد في حديث فيه مقال في حق محمد ﷺ أو نحو ذلك، فإنه قد أشرك معه غيره، واعتقد ما لا يحل اعتقاده، كما اعتقد المشركون في الأوثان فضلًا عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي، أو يطلب من ذلك الميت ما لا يطلب إلَّا من الله تعالى من الحاجات: من عافية مريضه، أو قدوم غائبه، أو نيله لأي مطلب من المطالب، فإن هذا هو الشرك بعينه، الذي كان ويكون عليه عبَّاد الأصنام.
والنذر بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثنًا وصنمًا، وفعله القبوريون لما يسمونه وليًا وقبرًا ومشهدًا، والأسماء لا أثر لها، ولا تغير المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية".
قلت: وهذا حقيقة اعتقاد القبوريين، وأما ما لبَّس به المؤلف،
стр. 83
من أن توسلهم بالنبي ﷺ لا يطعن في توحيدهم لله، فإنما يسألون الله تعالى، وعبارته كما ذكرها (ص: ٤٥):
(المتوسل بالعالم لَمْ يدع إلَّا الله، ولم يدع غيره دونه، ولا دعا غيره معه).
فهذا كله تمويه، بل مشايخه يجيزون الاستغاثة بالنبي ﷺ ، وبالولي، وبالرجل الصالح، والدليل على ذلك:
ما قدَّم به سقَّاف الأردن كتاب شيخه عبد الله بن الصديق الغماري "إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي" (ص: ٣)، فقال:
"التوسل والاستغاثة والتشفع بسيد الأنام نبينا محمد ﷺ مصباح الظلام من الأمور المندوبات المؤكدات، وخصوصًا عند المدلهمات".
وذكر كثيرًا من هذا الهراء في المقدمة وفي تعليقاته على الرسالة، وهي نفس اعتقاد الغماري شيخ السقَّاف وشيخ المؤلف، فانظروا عبَّاد الله إلى ما يترامى إليه القوم برسائلهم هذه من دعاء الأموات والاستغاثة بهم، فإن لم يكن دعاء غير الله تعالى والاستغاثة بالمخلوقين هو الشرك، فما في الدنيا من شرك! ! نسأل الله السلامة.
стр. 84
* الدليل الثالث:
حديث عمر بن الخطاب ﵁:
أن رسول الله ﷺ قال:
"لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله".
وهو حديث صحيح أخرجه الحميدي في "مسنده" (٢٧) من طريق: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن عمر به.
ومن طريق الحميدي أخرجه البخاري (١/ ٢٥٦).
وهو من هذا الوجه عند الترمذي في "الشمائل" (٣٢٤).
والإطراء: هو المدح بالباطل، وإنزاله ﷺ منزلة فوق النزلة التي أنزله الله تعالى إياها، من المبالغة فيه إلى حد دعائه والاستغاثة به، والتوسل به على الله تعالى.
"والنّاس في معاملة الصالحين ثلاثة أقسام:
أهل الجفاء: الذين يهضمونهم حقوقهم، ولا يقومون بحقهم من الحب والموالاة لهم، والتوقير والتبجيل.
وأهل الغلو: الذين يرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله بها.
وأهل الحق: الذين يحبونهم ويوالونهم ويقومون بحقوقهم الحقيقية، ولكنهم يبرؤون من الغلو فيهم، وادعاء عصمتهم". (١)
стр. 85
* الدليل الرابع:
خبر استسقاء عمر بن الخطاب ﵁ بالعباس ﵁، وهو أثر صحيح، وسوف يأتي الكلام عليه تفصيلًا ضمن الأدلة التي أوردها المؤلف.
وهو ظاهر الدلالة على أنَّه توسل بالدعاء، إذ لو كان توسلًا بالجاه لكان النَّبِيّ ﷺ أولى بمثل هذا التوسل، فهو ﷺ أفضل النّاس وأولاهم بذلك - على هذا القول - حيًّا وميتًا.
وقد حمل أهل العلم هذا الخبر على أنَّه توسل بالدعاء لا بالجاه، وقد تقدَّم ذكر أقوالهم في ذلك.
وهو ما استقر العمل به عند السلف، فقد توسل معاوية ﵁ في الاستسقاء بدعاء يزيد الجرشي، وتوالى الأمر على هذا النحو بالتوسل بادعية من شُهر بالصلاح وعُرف بالإخلاص.
* الدليل الخامس:
أثر ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى:
﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾ [نوح: ٢٣، ٢٤].
стр. 86
قال ابن عباس ﵄:
أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كلانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك، وتنسَّخ العلم، عُبدت.
أخرجه البخاري (٣/ ٢٠٨) من طريق:
ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس به.
قلت: وهذا ظاهر اليوم، فمن توسل بالأمس، استغاث اليوم ومن استغاث بالأمس، اعتقد اليوم في الولي إحياء الوتي، وإعادة الغائب، وإبراء المريض، ونحوها من الأمور التي لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، وهذا مشاهد اليوم، لا يُنكره إلَّا معاند.
وثمة أدلة أخرى تدل على ما ذكرنا، وإنما ضربنا عن ذكرها صفحًا لأنَّ هذا الكتاب معني ببيان ما وقع في كلام المؤلف في هذا الموضوع من خبط شديد، وتزوير عجيب، وتدليس عريض، وأما أدلة الباب فمن أراد الاستزادة فليراجع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه النجيب ابن القيم ﵀.
стр. 87
* أدلة المنع من شد الرحال للزيارة:
* الدليل الأول:
حديث أبي هريرة ﵁:
عن النَّبِيّ ﷺ ، قال:
"لا تُشد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى".
أخرجه البخاري (١/ ٢٠٦)، ومسلم (٢/ ١٠١٤)، وأبو داود (٢٠٣٣)، والنسائي (٢/ ٣٧) من طريق:
الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ به.
وقد حاول المؤلف جاهدًا صرف الاحتجاج بهذا الحديث على المنع من شد الرحال إلى القبور، فنقل عن بعض الفقهاء أن هذا الاستثناء مفرغ، وعليه حمل الاستثناء هنا على أنَّه: لا تُشد الرحال إلى مسجد إلَّا إلى ثلاثة مساجد، واستدل على ذلك بحديث أبي سعيد الخدري عند أحمد (٣/ ٦٤) بسند حسن:
أنه ذُكرت عنده الصَّلاة في الطور، فقال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 88
"لا ينبغي للمطي أن تُشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
وهذا الاستثناء عندي لا غبار عليه، إلَّا أن الشارع إن كان منع من إعمال المطي وشد الرحال إلى أي مسجد يُصلى فيه إلَّا هذه الثلاثة، مع بيانه في نصوص أخرى ثابتة فضل عموم المساجد، فالمنع من شد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء والصالحين أولى، لأنَّ مقتضى شد الرحال وإعمال المطي تعظيم المكان الذي يُشد إليه، وهذا مخالف للعلة التي لأجلها أبيحت زيارة القبور، وهي التذكير والاعتبار.
وقد تنبه الإِمام علاء الدين بن العطار ﵀ إلى هذه العلة، فقال في كتابه "زيارة القبور" (ص: ١٨):
"هذه الأحاديث من فعله ﷺ ، وأمره، وتعليله دالة على زيارة قبر المفضول، فكيف بزيارة قبر الفاضل، فكيف بزيارة قبره ﷺ ، لكن للاعتبار والتذكار، لا للتآله والإكبار، ولهذا قال: (لا تجعلوا قبري وثنًا) و (لا تجعلوا قبري عيدًا) ".
وثمة أمر آخر وهو أن القبر قد يُتخذ مسجدًا كما وقع من اليهود والنصاري، ونبه عليه النَّبِيّ ﷺ ، ونهى عنه أشد النهي،
стр. 89
ومتى اتخذ القبر مسجدًا، شُهر باسم المسجد لا باسم القبر، فكأنه ﷺ ، لما نهى عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة دخل في عمومها ما كان على هذه الصفة، ويؤيده احتجاج الإِمام مالك بهذا الحديث على عدم وفاء الناذر لزيارة القبر النبوي بنذره، ويؤيده كذلك عموم استدلال من تقدَّم ذكرهم من أهل العلم بهذا الحديث على المنع من شد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء وما في معناها.
بل يدخل في عمومها كلّ بقعة يُعتقد فيها الفضل، ويأتيها النّاس تقربًا، ويؤيد ذلك معنى كلمة "مسجد".
فقد ذكر ابن منظور في "لسان العرب" (٣/ ١٩٤٠) عن الزجاج: أن كلّ موضع يُتعبد فيه فهو مسجد، وأطلقه بعضهم على البيت.
فيدخل في عمومه القبور التي هي بيوت الموتى.
وإتيان بقعة من البقاع، أو موضعًا من المواضع مقتضاه اعتقاد فضله وخصوصيته، وهو نوع من العبادة، ومن ثمَّ فالقبور تندرج تحت هذا النهي أيضًا، وهو ما أيده فهم بصرة بن أبي بصرة الغفاري أحد الصحابة، وسوف يأتي النقل عنه قريبًا.
ويؤيده أيضًا ما ذكره الله تعالى في سورة الكهف:
﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.
فاتخذوا مكانًا للعبادة عند قبورهم، وسموه مسجدًا.
وسؤال أوجهه للمؤلف: ما حكم مسجد البدوي، أو مسجد
стр. 90
الدسوقي، ونحوها من المساجد التي أقيمت على القبور؟
هل إذا أراد الرجل شد الرحال إليها لأجل الصلاة فيها تحرم لأجل هذا النهي، ولا يحرم شد الرحل إلى صاحب القبر لزيارته؟
فإن قال نعم: فقد قدَّم زيارة القبر التي غايته الشرعية التذكير والاعتبار على الصلاة وشهود الجماعة، والثانية مقدّمة ولا شك على الأولى في الفضل والأجر والثواب.
وإن قال: لا، فقد وافق قول من قال بالمنع من شد الرحال.
وأما ادعاء المؤلف أن الناهي - باعتبار هذا الحديث - عن شد الرحال إلى القبور يلزمه النهي عن شد الرحال للتجارة، ولصلة الأرحام، ولطلب الِعلم، فهذا لا يُقره عاقل، لأمرين:
أحدهما: لأنَّ هذه الأعمال تختلف عن تلك المنهي عنها، فالأولى مقتضاها تعظيم المكان والمقبور، وهذا لا يكون إلَّا بتوقيف، بالإضافة إلى سد الذريعة بالمنع من شد الرحال إلى القبور لأنَّها من الأسباب المفضية إلى الشرك والعياذ بالله، وقد تقدَّم ذكر قصة أصحاب نوح، وأما الثانية فغايتها تحصيل المنافع الدنيوية أو الأخروية من ورائها، ولا تعلق لها بالاعتقاد، ولا فيها من الأسباب التي قد تؤدي إلى الشرك ما يصحح القول بمنعها.
стр. 91
والآخر: أن هذه الأعمال قد ورد في الشرع نصوص صحيحة صريحة ثابتة تجيزها وإن شُدت لها الرحال، بخلاف الأولى، فإن الأحاديث تدل دلالة قوية على حرمة ذلك ووجوب منعه.
* الدليل الثاني:
حديث أبي هريرة ﵁: عن النَّبِيّ ﷺ ، قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم".
أخرجه أبو داود (٢٠٤٢) بسند حسن.
قال الراغب الأصفهاني في "المفردات" (ص: ٣٥٥):
"العيد: ما يعاود مرَّة بعد أخرى".
وقال الفيروز آبادي في "القاموس المحيط" (٢/ ٣٣٠):
"العيد - بالكسر -: كلّ يوم فيه جمع".
قلت: وهو في هذا الحديث لا يختص بالزمان، بل يختص بالمكان، وهو ظاهر من قوله ﵇: "ولا تجعلوا قبري عيدًا".
قال الشوكاني في "شرح الصدور" (ص: ١٥):
" (لا تتخذوا قبري عيدًا): أي موسمًا تجتمعون فيه، كما
стр. 92
صار يفعله كثير من عبَّاد القبور".
قلت: هو ظاهر في النهي عن شد الرحل إلى القبر للزيارة، لأن الزائر للقبر من أهل المدينة مباح له ذلك لقوله ﷺ :
"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".
ولا يُقال فيه: إنه اتخذه عيدًا، إلَّا إن قصده لتحري العبادة أو الدعاء عنده، بخلاف من اعتاد شد الرحل إليه من مكان بعيد في الحجِّ أو العمرة أو غيرهما، فإنه يتنزل عليه هذا الحديث.
ثم بيَّن ﷺ بقرينة في الحديث، وهي:
"وصلوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم".
أنه لا يلزم المسلم شد الرحل إليه، فإن الصلاة والسلام عليه يبلغانه أين ما كان المصلي عليه، والداعي له، وإن بَعُدَ أو نأى عنه.
* الدليل الثالث:
حديث أبي هريرة ﵁:
عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال:
"اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم
стр. 93
مساجد".
أخرجه الحميدي (١٠٢٥)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٣١٧) بسند صحيح.
وفي الحديث النهي عن كلّ ما يجعل قبر النَّبِيّ ﷺ وثنًا - وفي الرواية التي قبلها: عيدًا - وهذا يدخل في عمومه شد الرحل إليه، لأنَّ ذلك مخرج عن علة الإباحة في الزيارة للقبور، وهي: التذكير إلى التعظيم والتأليه والإكبار والإطراء، وهي من الأسباب المؤدية إلى اتخاذ قبره ﷺ وثنًا وعيدًا.
وقد أعرض المؤلف عن ذكر هذين الحديثين لما فيهما من الدلالة الواضحة على تحريم شد الرحال إلى القبور.
* الدليل الرابع:
حديث أبي هريرة ﵁:
عن النَّبِيّ ﷺ ، قال:
"قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
أخرجه البخاري (١/ ٨٧)، ومسلم (١/ ٣٧٦)، وأبو داود (٣٢٢٧) من طريق: الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي
стр. 94
هريرة به.
قلت: واتخاذ القبور مساجد ليس بالبناء عليها فقط، بل وبتحري العبادة عنها، وهو عين ما يفعله أهل الأهواء من القبورية وجهلة الصوفية من شد الرحال إلى قبر النَّبِيّ ﷺ وإلى عامة المشاهد وقبور الصالحين، لأجل تحري الدعاء والعبادة عندها.
وإن كان النهي مختصًا باتخاذ قبور الأنبياء مساجد، فهو يتعداه إلى شد الرحال إليها؛ لأنه مفضي إلى اتخاذها مساجد، فكيف يُعقل أن يُتخذ قبر الخليل إبراهيم مسجدًا لمن نأى عنه إلَّا بشد الرحل إليه، كما هو الحال في مولد البدوي، فإنهم يشدون الرحل إليه من كلّ صوب وحدب، ويرون ذلك من أعظم القربات، وهو من أخس المعاصي، وأرذل الذنوب والعياذ بالله.
* الدليل الخامس:
حديث أم المؤمنين عائشة، وابن عباس ﵄ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك:
"لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذِّر ما صنعوا.
стр. 95
أخرجه البخاري (١/ ٨٧)، ومسلم (١/ ٣٧٧) من طريق:
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، وابن عباس ﵄.
قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١/ ٤٢٣):
"وكأنه ﷺ علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن يُعظَّم قبره كما فعل من مضي، فلعن اليهود والنصاري، إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم".
- قلت: لما كان الأصل في زيارة القبور لأجل التذكير والاعتبار، لا لأجل التأليه والإكبار ذم رسول الله ﷺ ما عليه اليهود والنصارى من تعظيم قبور الأنبياء بأي صورة كان هذا التعظيم، سواءً بإتيانها لأجل العبادة عندها، أو بتقبيلها واستلامها، أو بالنذر والذبح لها وعندها، أو بشد الرحال إليها، فإن مقتضى شد الرحال كما تقدَّم التعظيم والتاليه، لا الاعتبار والتذكير.
فإن قيل: فأين الدعاء للنبي ﷺ والصلاة عليه؟
فالجواب: إن هذا بمنزلة الدعاء الذي علمه النَّبِيّ ﷺ لأمته عند زيارتهم المقابر، ولم يصح عنه ﷺ أو عن أحد من صحابته أنهم شدوا الرحال لزيارة قبر بعينه أو قبور بعينها لأجل الدعاء لأهلها،
стр. 96
لأنَّ مقتضى ذلك عندهم التعظيم والتاليه، وهو ما لَمْ يقره الشرع الحنيف، بل بيَّن النَّبِيّ ﷺ كما تقدَّم أن الصلاة عليه تبلغه حيث كان المصلِّي عليه والداعي له، فلا يحتاج إلى القرب منه أو البعد عنه.
* الدليل السادس:
حديث أبي هريرة ﵁ قال:
خرجت إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار ... فذكر حديثًا طويلًا، وفيه:
فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين أقبلت؟
فقلت: من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"لا تُعمل المطي إلَّا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء - أو بيت القدس -".
أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ١٠٨ - ١٠٩)، والنسائي (٣/ ١١٧ - ١١٨) من طريق:
يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرة به.
وسنده صحيح.
стр. 97
ووجه الدلالة منه: أن الصحابي الذي روى الحديث قد فهم أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء مندرجة في العموم، وأنه لا يجوز السفر إليها، كما في يجوز السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة، وأيضًا فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله - غير الثلاثة - لا يجوز، مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة، ويستحب أخرى، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يُحصي، فالسفر إلى قبور عباده - التي هي بيوت الموتى - أولى بالمنع. (١)
* الدليل السابع:
أثر عبد الله بن عمر ﵁:
أنه كان إذا أراد أن يخرج دخل المسجد، فصلى، ثم أتى قبر النَّبِيّ ﷺ ، فقال: السلام عليكم يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم يأخذ وجهه، وكان إذا قدم من سفر يفعل ذلك قبل أن يدخل منزله.
أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٨) بسند صحيح.
ووجه الدلالة منه: أنه ﵁ إنما بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، ثم أردف ذلك بالسلام، لأنَّ التوجه والقصد إنما هو
стр. 98
للمسجد في أصله، ولو كان القصد للقبر لابتدأ به في حله، وفي ترحاله.
كانت هذه جملة من الأدلة الراسخة التي احتج بها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على عدم جواز شد الرحل للزيارة، وإن كانت جائزة بل تُندب في حق المقيم بالمدينة، قد ذكرناها إثباتًا لصحة أسانيدها، وصحة الاستدلال بها، وهي أشرق أسانيد من الأحاديث التي احتج بها المؤلف، ومن تقدَّمه ممن يقول بجواز شد الرحال للزيارة، لا سيما السبكي في "شفاء السقام".
وفي الباب الثاني - وهو الآتي - سوف نتناول تخريج أدلة المخالفين، وبيان ما فيها من وهن وعطب وكذب من حيث الأسانيد، وضعف وسقوط من حيث الاستدلال، والله الموفق.
* * *
стр. 99
الباب الثاني الأدلة التي احتج بها المؤلف على مشروعية التوسل بالجاه والذات ومشروعية شد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء والصالحين
* والجواب عنها *
وبيان ما فيها من أسباب الضعف في الاستدلال والعلل في الأسانيد بما يوجب رد الاحتجاج بها
стр. 100
الحديث الأول
وهو ما أخرجه البخاري في "الصحيح" (فتح: ٢/ ٤٩٤):
حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو قتيبة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، قال:
سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب:
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثِمال اليتامى عصمة للأرامل
وقال عمر بن حمزة: حدثنا سالم، عن أبيه:
ربما ذكرت قول الشاعر، وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثِمال اليتامى عصمة للأرامل
وهو قول أبي طالب.
قال المؤلف (ص: ١١٦):
(وهو نص صريح في توسل ابن عمر ﵄ بذاته ﷺ ).
قلت: هذه مجازفة، فليس في الخبر ما يدل على ذلك ألبتة،
стр. 101
والشعر في نفسه لا يدل على أنهم كانوا يستسقون بوجه وذات عبد المطلب، وإنما كان يخرج هو بنفسه فيستسقي لهم، ويدعو الله لهم وهو ما وقع من النبي ﷺ كما في رواية عمر بن حمزة، فإنه قد ورد فيها: "ربما ذكرت قول الشاعر، وأنا أنظر إِلى وجه النبي ﷺ يستقي".
فدلت هذه العبارة على أن النبي ﷺ كان يستقي، وهذا مقتضاه الدعاء، فلا أدري أين التوسل بجاهه ﷺ ، فإن كان يقصد المؤلف أنه قد وقع من ابن عمر، فمحال، لأنه إنما كان النبي ﷺ يدعو، وهم يؤمنون على دعائه، ويبعد كل البعد، أن يفارق ابن عمر التأمين على دعاء النبي ﷺ لكي يدعو منفردًا، ويتوسل بجاهه، هذا أمر.
وأمر آخر فهذا الشعر لا يدل على التوسل بالجاه، وإنما ذُكر فيه الوجه، وهو كناية على الاستقبال بالدعاء، لا التوسل بالجاه، فتنبه إلى هذا المعنى.
стр. 102
الحديث الثاني
وهو ما أخرجه البخاري في "الصحيح" (فتح: ٢/ ٤٩٤) من طريق: ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس:
أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال:
اللهم إنا كنَّا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون.
قال المؤلف:
(وهو صريح في التوسل بالصالحين، لا سيما إذا كانوا من أهل البيت النبوي ﵈، قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٩٧): "ويُستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيه فضل العباس، وفضل عمر لتواضعه للعباس، ومعرفته بحقه").
قلت: هذا الكلام منتقض بأن الأثر وإن كان صريحًا في التوسل بالصالحين، إلا أن توسلهم كان على غير الهيئة المبتدعة التي يروِّج لها المؤلف، من التوسل بالجاه، وإنما كانت بالتوسل بدعائه ﷺ ، وهذا ظاهر جدًّا من مجموع الأحاديث الواردة في الاستسقاء.
стр. 103
وقد أخرج البخاري في "الصحيح" (١/ ٢٩٥)، ومسلم (٢/ ٦١٤)، والنسائي (٣/ ١٦٦) من طريق: الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس ﵁ قال:
أصابت الناس سنة على عهد النبي ﷺ ، فبينا النبي ﷺ يخطب في يوم جمعة، قام أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ﷺ ، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي - أو قال: غيره - فقال: يا رسول الله تهدَّم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه، فقال:
"اللهم حوالينا ولا علينا" ............ الحديث.
فدل هذا الحديث دلالة قوية ظاهرة على أن توسلهم به ﷺ كان توسلًا بدعائه، لا بجاهه، وهذا ظاهر من قوله: "فادع الله لنا"، ولوكان التوسل بجاهه ﷺ مشروعًا لما تاخروا في ذلك لا سيما مع عظم المصيبة أولًا بالقحط، وآخرًا بالهدم والغرق.
فكان توسل الصحابة بعده ﵇ في حادثة القحط بدعاء العباس، لا بجاهه، كما سوف يأتي تقريره بدليله.
وأما استدلال المؤلف بقول الحافظ ابن حجر السابق ذكره فهو من
стр. 104
باب التدليس، فإن الحافظ لم يستدل بهذا الحديث على جواز التوسل بالجاه، وإنما استدل به على جواز الاستشفاع بأهل الخير، والاستشفاع لا يأتي بمعنى التوسل بالجاه، وإنما يأتي بمعنى التوسل بالدعاء كما سوف يأتي تقريره قريبًا إن شاء الله تعالى.
ثم إن قصة عمر في توسله بالعباس ﵄ لا تدل بحال أنه كان توسلًا بجاهه، بل هو على اليقين توسلًا بدعائه جريًا على ما كانوا يفعلونه مع النبي ﷺ ، من التوسل بدعائه.
وقد نقل الحافظ في الفتح ما يدل على ذلك، فقال (٢/ ٥٧٧):
"وقد بيَّن الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر، قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال، حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس".
قلت: فهذا دليل ظاهر على ما ذكرنا وتؤيد هذه الرواية ما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف " (٣/ ٩٢) من حديث ابن عباس: أن عمر استسقى بالمصلى، فقال للعباس: قم فاستسق، فقام العباس، فقال: . فذكر فيه دعاءً آخر.
إلا أن سنده ضعيف جدًّا، فهو من رواية إبراهيم الأسلمي، وهو واه.
стр. 105
وقد حمل البيهقي هذا الأثر على ما حملناه عليه، - فبوَّب له في "السن الكبرى" (٣/ ٣٥٢):
[باب: الاستسقاء بمن تُرجى بركة دعائه] .
وكذا فعل الموفق المقدسي ﵀ فقال في "المغني " (٢/ ٤٣٩):
"ويُستحب أن يُستسقى بمن ظهر صلاحه، لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء، فإن عمر ﵁ استسقى بالعباس عم النبي ﷺ ، قال ابن عمر: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس، فقال: اللهم إن هذا عم نبيك ﷺ ، نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله ، وروي أن معاوية خرج يستسقي فلما جلس على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فقام يزيد، فدعاه معاوية، فأجلسه عند رجليه، ثم قال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد، ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الله تعالى، فثارت إلى الغرب سحابة مثل الترس، وهب لها ريح، فسقوا حتى كادوا لأ يبلغون منازلهم، واستسقى به الضحاك مرة أخرى".
قلت: أثر معاوية مع يزيد الجرشي، أخرجه ابن سعد في "الطبقات " (٧/ ٢/ ١٥٥): أخبرت عن أبي اليمان، عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر الخبائزي، أن السماء قحطت مخرج
стр. 106
معاوية ..... فذكره بنحوه.
قلت: وهذا سند صحيح لولا ما فيه من الانقطاع بين ابن سعد وبين أبي اليمان الحكم بن نافع.
وهذا يدل على أن المستقر عند أهل العلم في فهم هذا الأثر وأشباهه التوسل بالدعاء، لا التوسل بالجاه.
وإن كان توسلًا بجاه، فما كان عمر في حاجة إلى تقديم العباس للدعاء، وإنما كان يكفيه أن يدعو هو متوسلًا بجاه العباس، ولا اعتبار حينئذ بوجوده أو عدم وجوده، وإن كان الأمر كذلك فقد كان حريًّا بعمر ﵁ أن يتوسل بجاه النبي ﷺ لأفضليته، فلما لم يقع ذلك، ثبت القول بأنه كان توسلًا بالدعاء، لا بالجاه.
ودل أثر معاوية بن أبي سفيان ﵁ في توسله بيزيد بن الأسود الجرشي أنه توسل بدعائه، لا بجاهه، هذا مع تقدم معاوية في الفضل على يزيد، لكونه من الصحابة، من جهة، ومن جهة أخرى فهو خال المؤمنين، ومن كُتَّاب الوحي.
وقد وقعت رواية واهية لهذا الأثر عند الطبراني في "الدعاء" (٢٢١)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٣٣٤) من طريق: الزبير بن بكار، حدثني ساعدة بن عبيد الله المزني، عن داود بن عطاء المدني، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، أنه قال:
استسقى عمر عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب، فقال:
стр. 107
اللهم هذا عم نبيك العباس، نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله، قال: فخطب عمر الناس، فقال: أيها الناس، إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده، يعظمه، ويفخمه، ويبر قسمه، فاقتدوا أيها الناس برسول الله ﷺ في عمه العباس، واتخذوه وسيلة إلى الله فيما نزل بكم.
قال الذهبي في "تلخيص المستدرك":
"هو في جزء البانياسي بعلو، وصح نحوه من حديث أنس، فأما داود فمتروك".
قلت: قد وهاه الأئمة، فقال البخاري وأبو زرعة: "منكر الحديث"، وقال أحمد: "ليس بشيء"، وقال الدارقطني: "متروك".
وأما المؤلف، فقد أورد هذا الأثر، وهوَّن من ضعفه لكي يسوغ له الاحتجاج به بمجموع الطرق، فقال (ص: ١١٩):
(فيه داود بن عطاء المدني، ضعيف، وقد ضعفه به الذهبي في تلخيص المستدرك، وأما الحاكم فلم يتكلم عليه).
قلت: هكذا لتكن الأمانة في النقل والوصف! ! فإنه لم ينقل عبارة الذهبي ﵀ لئلا تنكشف حيلته في تقوية هذه الرواية برواية أخرى هي عنده من قبيل الضعف المحتمل، وفي حقيقة أمرها هي مضطربة، وفيها نكارة:
стр. 108
وهذه الرواية الثانية هي التي أشار إليها ابن حجر في "الفتح" (٢/ ٥٧٧)، وعزاها إلى البلاذري، من طريق: هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، فقال: عن أبيه، بدلًا عن " ابن عمر".
قال الحافظ: "فيحتمل أن يكون لزيد فيه شيخان".
وقد تلقَّف المؤلف هذه العبارة من الحافظ، فقال (ص: ١٢٠): (واحتمال الحافظ قوي وله نظائر).
قلت: يا للعجب من هذه الغالطات، بل قول الحافظ لا يُعرَّج عليه بحال، ولا يُشتغل به إلا على وجه التعجب، فكيف يكون لزيد فيه شيخان، والأثر الأول لا يصح عن زيد من أصله، ومثله الأثر الثاني، فإن هشام بن سعد هذا ضعيف، عامة أهل العلم على تضعيفه، بل قال ابن معين: "ليس بشيء".
إلا أنه دون داود بن عطاء في الضعف، فإن داود بن عطاء شديد الضعف، ولا تنفعه المتابعة بحال، فإنه منكر الحديث متروكه.
وعليه فالأصح رواية هشام بن سعد، وهي مردودة أيضًا، فمرد الخبر إلى وجه واحد بهذا اللفظ.
ثم وجدت ما يدل على تناقض المؤلف، فإنه قال عقب ما نقلناه عنه.
(والعجب أن الألباني لم يذكر هذا الاحتمال القوي في توسله! ولذلك وجه آخر: وهو أن هشام بن سعد من رجال مسلم، فالقول
стр. 109
قوله).
فدلَّ ذلك على أنه نقض تقويته لكلام الحافظ، بترجيحه لرواية هشام بن سعد، ورواية هشام بن سعد هذه لم يورد الحافظ متنها حتى يُتبين إن كان منها محل الشاهد.
وعلى التسليم له بصحة هذه الرواية، فلا مجال للاستدلال بها على جواز التوسل بالجاه، وذلك لأن الخبر صريح في أنه توسل به لكانته من النبي ﷺ ، فهذا محمول على تقدريم التوسل به حيًّا لا ميتًا، إذ لو كان ميتًا لكان النبي ﷺ أولى بالتقديم منه لعلو منزلته، وسمو مكانته عند الله تعالى على سائر الأنبياء، فكيف بمقارنته بسائر البشر؟ !
وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا مجال للقول بأن التوسل به حيًّا هو توسل بجاهه، لأنه إذا كان كذلك، فيجب تقدريم التوسل بجاه النبي ﷺ وإن كان ميتًا، فإن جاهه عظيم عند الله تعالى حيًّا وميتًا، وما كان الله تعالى يقدِّم عليه أحدًا من البشر في التفضيل والكانة حيًّا أو ميتًا، في حياته أو في موته، فإذا تقرر ذلك، فلا مجال إلا القول بتوسلهم بدعائه ﵁.
وبذلك يتبين لك وهاء ما احتج به المؤلف على جواز التوسل بالجاه من حيث السند تارة، ومن حيث وجه الدلالة تارة أخرى.
وأما ما ختم به المؤلف بحثه في هذا الحديث من كلامه الساقط
стр. 110
(ص: ١٢١):
(وفيه أيضا أن التوسل كان بالعباس، وليس بدعائه، بدليل قول عمر: واتخذوه وسيلة إلى الله فيما نزل بكم، فالضمير يعود على شخص العباس قولًا واحدًا، إلا عند أهل التحريف).
فهذا من باب الشغب والتهويل، فإن الضمير وإن كان عائدًا على العباس ﵁، إلا أن تقدير الكلام يكون:
"واتخذوه وسيلة إلى الله بدعائه"، كما أيدته بعض الروايات التي سبق ذكرها، وكما استقر عند الصحابة في هذا المعنى، وكما رجحه أهل العلم كالبيهقي والوفق - رحمهما الله - من أن التوسل بالدعاء لا بالجاه، ولما ذكرناه من أن على القائل بأن التوسل الذي توسل به عمر بالعباس إذا كان توسل بالجاه، فالنبي ﷺ أولى به وإن كان ميتًا، مما يدل على أن التوسل لم يكن بالجاه إلا في عقول أهل التخريف.