عطر المجالس
دروس قصيرة
فيما لا ينبغي للمسلم جهله
جمع وإعداد
تركي بن إبراهيم الخنيزان
стр. 2
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين محمدٍ وآله وصحبه أجمعين .. أما بعد:
يقول الله ﵎: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ويقول النبي ﷺ : «مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [متفق عليه] قال أهل العلم: مفهوم الحديث: من لم يُرِدِ اللهُ به خيرًا لم يُفقّهه في الدين.
والعلم الشرعي من حيث وجوب تعلمه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما يجب على كلّ مسلم تعلّمه، وهو ما يُصَحِّحُ به المرءُ عقيدته وعبادته والمعاملات التي يُقدِم عليها؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [متفق عليه] أي: من عَبَدَ اللهَ بعبادةٍ ليست على وِفق ما شرع الله تعالى ورسوله ﷺ فعمله مردود عليه غير مقبول عند الله تعالى.
القسم الثاني: ما زاد عن العلم الواجب، وهو فرض كفاية، إذا قام بتعلمه من يكفي من الأُمة سقط الإثم عن الباقين.
وقد اجتهدتُ في هذا الكتاب في جمع ما لا ينبغي لعموم المسلمين جهله في
стр. 3
العقيدة والأحكام والأخلاق والمعاملات (١)، وحرصت أن يكون بأسلوب سهل ولغة ميسرة ليفهمه عموم الناس، ثم قمت بتقسيمه على لقاءات ومجالس قصيرة يسهل تعلمها وتعليمها.
والمرجو أن يكون هذا الكتاب مفيدًا لفئات من المسلمين:
فالأسرة المسلمة يمكنها أن تجعل لها لقاءً دورياً يُقرأ فيه هذا الكتاب وغيره من الكتب المفيدة.
وإمام المسجد يمكنه أن يلقيه على جماعة مسجده بعد الصلوات.
والداعية إلى الله يمكنه أن يجعله في كلمات ودروس يذّكر بها ويُرْشد.
والمعلم في مدرسته ينتقي منه ما يناسب طلابه ليفقههم في أمر دينهم.
والقنوات الفضائية والإذاعات الصوتية يمكنهم تحويل مادته لحلقات مرئية ومسموعة.
والفرد مسلمًا كان أو مسلمة يمكنه الاستفادة منه بالقراءة الفردية أو بالتشارك مع أقاربه وزملائه.
وغير ذلك من أوجه الاستفادة من هذا الكتاب الذي أرجو من الله أن يكون مباركًا على قارئه وسامعه وكاتبه.
стр. 4
وقد جمعت مادة هذا الكتاب من كتب أهل العلم والفضل ومن فتاوى كبار العلماء (١)، وأعدت صياغتها وترتيبها، وهو جهد بشري يعتريه النقص والخطأ ويفتقر إلى تسديد الله أولًا ثم تسديد من يطّلع عليه.
أسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه متقبلاً نافعًا، وأن يغفر ما فيه من خطأ أو نقص، كما أسأله سبحانه أن يجزي كل من أعانني على هذا العمل وسددني خيرا، والله أعلم.
стр. 5
أركان الإيمان
стр. 6
مدخل
سنتحدث -بمشيئة الله- في الدروس القادمة عن سلسلةٍ من المواضيع التي تَهمّ كل مسلم، في إيمانِه وعباداتِه ومعاملاتِه، نسأل الله تعالى أن ينفعنا بها.
ونتحدث في هذا الدرس عن أمرٍ جعلهُ الله شرطًا لقبول العمل ودخول الجنة، ألا وهو الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
والإيمان هو: قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح (وهي الأعضاء)، والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، نسأل الله العظيم أن يزيدنا إيمانًا وأن يجدّده في قلوبنا.
وقد بيّن النبي ﷺ أركان الإيمان في حديث جبريل ﵇، حيث قال: أخبرني عن الإيمان، قال ﷺ : «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» [رواه مسلم].
وإذا تبين هذا فإليك بعضاً من ثمرات الإيمان وآثارِه الطيبة، التي بقَدْرِ كمالِ إيمانِك يكون تحقّقها فيك:
- فمنها: الحياة الطيبة في الدَّارَيْنِ، قال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ
стр. 7
أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]
- ومنها: الأمن والهداية، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
- ومنها: تثبيت القلب، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
- ومنها: استغفار الملائكة للمؤمن، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧].
- ومنها: عدم تسلط الشياطين على المؤمن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩].
- ومنها: دفاع اللهِ عنِ المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨].
نكتفي بهذا القدر، ونتحدث -بمشيئة الله- في الدرس القادم عن الركن الأول من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالله تعالى.
стр. 8
الإيمان بالله تعالى
نتحدث في هذا الدرس عن الركن الأول من أركان الإيمان، ألا وهو: الإيمان بالله تعالى، ويتضمن أربعة أمور:
١ - الإيمان بوجود الله تعالى ، وقد دلَّ على وُجُودِه سبحانه العقلُ والفطرةُ، فضلاً عن الأدلة الشرعية الكثيرة، فكل مخلوق قد فُطِرَ على الإيمان بخالقه من غير سَبْقِ تفكير أو تعليم، كما قال النبي ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» [متفق عليه]، وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى ففي قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] يعني: أن هذه المخلوقات لم تُخلق صدفة من غير خالق، كما أنها لم تَخلُق نفسها، فلم يبقَ إلا أنها خُلِقت بتقدير العزيز العليم سبحانه، الذي خلق فسوّى والذي قدّر فهدى.
٢ - ويتضمن الإيمان بالله: الإيمان بربوبيته تعالى ، أي: أن نؤمن أن الله وحده الرب الخالق لكل شيء، المالك لكل شيء، المُدبّر لجميع الأمور؛ كالرزق والإحياء والإماتة وإنزال المطر وغير ذلك، يقول الله سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
٣ - كما يتضمن الإيمان بالله: الإيمان بألوهيته سبحانه: وذلك بأن نُفرِدَ الله
стр. 9
تعالى بالعبادة، فلا نَصرف شيئًا من العبادة لغير الله ، ونتبرأ من كل ما يُعبد من دونه وهذا هو مقتضى شهادةِ أن لا إله إلا الله.
والعبادة التي يجب ألا تُصرف إلا لله وحده تشمل: كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فتشمل: الصلاة والدعاء والذبح والنذر والاستعانة والاستعاذة والخوف والرجاء وغيرها.
- وتوحيد الألوهية ويُسمى كذلك توحيد العبادة، هو الأصل في جميع الرسالات السماوية، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «معنى الطاغوت: ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود أو متبوع أو مُطاع»، وقال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى: «والطواغيت كثيرون. ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عُبِد وهو راضٍ، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادّعى شيئاً من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله» (١).
٤ - ومما يتضمنه الإيمان بالله: الإيمان بأسمائه الحُسنى وصفاته العُليا ، وذلك بأن نؤمن بما أثبته الله لنفسه وما أثبته له نبيُّه ﷺ من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل (٢)، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فنفى التمثيل
стр. 10
والتكييف بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ونفى التحريف والتعطيل بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
نسأل الله الكريم الوهاب أن يملأ قلوبنا بالإيمان ويثبتها باليقين ويزينها بالإخلاص، نكتفي بهذا القدر، ونتحدث -بمشيئة الله- في الدرس القادم عن أعظم ذنب عُصيَ اللهُ به، وهو الشرك.
стр. 11
أعظم ذنب عُصيَ الله به
نتحدث في هذا الدرس عن أعظم ذنبٍ عُصي الله تعالى به، وهو مُنافٍ للإيمان بالله وتوحيده، ألا وهو الشرك بالله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» [متفق عليه] والنِدّ: يعني الشريك.
والشرك نوعان: شركٌ أكبر، وشركٌ أصغر:
- ف الشرك الأكبر: هو أعظم الذنوب ولا يَغْفره الله إلا لمن تاب، وهو مُحبِط لجميع الأعمال، ومن مات عليه فهو خالد مُخلّدٌ في النار والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ الله فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
وحقيقة الشرك الأكبر: أن يجعل الإنسانُ لله شريكًا أو مثيلًا في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
стр. 12
- والشرك تارةً يكون ظاهرًا: كمن يَعْبد الأوثانَ، ويدعو أهل القبور والأصنام.
- وتارةً يكون خفيًّا: كشرك المتوكلين على غير الله من الآلهة المختلفة، أو كشرك وكفر المنافقين.
- وتارةً يكون الشرك في الاعتقاد: كمن يعتقد أن هناك من يخلق ويرزق ويعلم الغيب مع الله تعالى، أو يعتقد جواز صرف العبادة لغير الله، أو يعتقد أن هناك من يُطاعُ طاعةً مُطلقة مع الله، أو أن يُحبّ مخلوقًا محبّة تألّه كما يُحبّ الله .
- وتارةً يكون في الأقوال: كالدعاء والاستعاذة والاستغاثة بالأموات والغائبين.
- وتارةً يكون في الأفعال: كمن يذبح أو يصلي أو يسجد لغير الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِله رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقانا الله من الشرك ظَاهِرِهِ وخَفِيِّهِ، نكتفي بهذا القدر، وفي الدرس القادم نكمل الحديث -بمشيئة الله- عن النوع الثاني وهو الشرك الأصغر.
стр. 13
الشرك الأصغر
نواصل حديثنا عن أنواع الشرك، ونتحدث في هذا الدرس عن النوع الثاني من أنواع الشرك، ألا وهو: الشرك الأصغر:
- والمراد بالشرك الأصغر: كُل ما نَهى عنه الشرَّع مما هو وسيلةٌ وذريعةٌ إلى الشرك الأكبر، وجاء في الكتاب أو السُّنَّة تسميتُه شِركاً.
قال ﷺ «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ» قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرِّيَاءُ، يَقُولُ الله لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمُ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُم تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً» [رواه الإمام أحمد وصححه الألباني]. والرياء: هو تحسينُ العبادةِ في الظَّاهر أو إظهارُها أو الإخبارُ عنها بقصد رؤيةِ النَّاسِ وكسبِ الثّناءِ منهم.
- ومما يدخل في الشرك الأصغر، ما يلي:
١. الاعتقاد في شيءٍ أنه سببٌ لجلب النَّفع أو دفع الضُّر ولم يجعله اللهُ سبباً لذلك. قال ﷺ : «إنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» [رواه أبو داود وصححه الألباني] والمقصود بالرُّقى التي في الحديث: أي الرُّقى التي لا يُفهم معناها، أو الرُّقى المشتملة على الشرك بالله. والتمائم: هي كل ما يُعلَّق على الإنسان أو الحيوان
стр. 14
أو الممتلكات لدفع العين وغيرها (١)، والمراد بالتِّوَلة: نوع من السحر يزعمون أنه يُحبِّبُ الزوجةَ إلى زوجها والزوجَ إلى زوجته.
٢. الشرك في الألفاظ: كالحلف بغير الله، وقول القائل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وفلان، ونحوهما، قال ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» [رواه الترمذي، وصححه الألباني]. وقال ﷺ : «لا تَقُولُوا: مَا شَاءَ الله وَشَاءَ فُلانٌ وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ الله ثُمَّ شَاءَ فُلانٌ» [رواه أبوداود والنسائي وصححه الألباني].
رزقنا الله الإخلاص وحسن العمل، وعافانا من الرياء قليله وكثيره، نكتفي بهذا القدر، وفي الدرس القادم نتحدث -بمشيئة الله تعالى- عن الركن الثاني من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالملائكة.
стр. 15
الإيمان بالملائكة
نستكمل حديثنا عن أركان الإيمان، ونتحدث في هذا الدرس عن الركن الثاني وهو:
الإيمان بالملائكة: وذلك بأن نؤمن بوجودِهم وأنهم عِبادٌ مُكرمون، خلقهم الله من نور، واستعملهم في طاعته، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. يقول الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
- والملائكة عباد طائعون لله تعالى، قال الله فيهم: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]، وقال : ﴿لَّا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
- ومما ورد في صفاتهم الخَلْقيّة، قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِله فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١]، وقال رسول الله ﷺ : «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ» [رواه مسلم]، وقال ﷺ : «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ الله مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» [رواه أبوداود].
стр. 16
- وقد ورد من أسمائهم وأعمالهم ما يلي: جبريل ﵇: وهو الأمين على الوحي قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤]، وميكائيل ﵇: المُوَكَّلُ بالقَطْر وإنزال الأمطار، وإسرافيل ﵇: المُوَكَّلُ بالنفخ في الصور، وملك الموت ﵇: المُوَكَّلُ بقبض الأرواح، ومن الملائكة: الحَفَظَة والكِرام الكاتبون، وخَزَنَة الجنة وخَزَنَة النار وغيرهم ممن لا يعلمهم إلا الله تعالى.
- والإيمان بالملائكة يقتضي محبتهم ومودتهم، يقول الله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨].
- وعلى المسلم أن يجتنب ما يسيء إليهم ويؤذيهم، ومن ذلك ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثُّومَ، وَالْكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» [رواه مسلم]، وكذلك قوله ﷺ : «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» [رواه مسلم].
جعلنا الله ممن يؤمن بالملائكة ويحبهم ويجتنب ما يؤذيهم، نكتفي بهذا القدر، ونتحدث في الدرس القادم - بمشيئة الله تعالى - عن الركن الثالث من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالكُتُب.
стр. 17
الإيمان بالكتب
نتحدث في هذا الدرس عن الركن الثالث من أركان الإيمان، وهو:
الإيمان بالكتب: وذلك بأن نؤمن بجميع ما أنزل الله على رسله من كتب، حُجّة على العالمين وهداية للمهتدين.
- ونُؤمن -على التخصيص- بما سماه الله لنا منها: كالتوراةِ التي أنزلها الله على موسى ﵇، والإنجيلِ الذي أنزله الله على عيسى ﵇، والزبورِ الذي أنزله الله على دواد ﵇، والقرآنِ الذي أنزله الله على خاتم النبيين محمد ﷺ . يقول الله : ﴿قُولُوا آمَنَّا بِالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِم﴾ [البقرة: ١٣٦].
- والقرآن خاتم الكتب السماوية، وهو ناسخٌ لما سبقه من الكتب المُنزّلة؛ قال الله : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] فقوله: (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) يَقتضي أن القرآن الكريم حاكم على جميع الكتب السابقة، وأن السلطة له؛ فهو ناسخ لجميع ما سبقه من الكتب.
- ويجب على المسلم تعظيم كتاب الله والنصحِ له؛ بتحليلِ حلالِه وتحريمِ حرامِه، والاعتبارِ بقَصَصِهِ وأمثالِه، والعملِ بمقتضاه، وتلاوتِه حقَّ تلاوتِه،
стр. 18
والدفاعِ عنه.
رزقنا الله فَهْمَ كتابِه والعملَ بمقتضاه، نكتفي بهذا القدر، ونتحدث في الدرس القادم -بمشيئة الله- عن الركن الرابع من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالرُّسُل.
стр. 19
الإيمان بالرسل
نتحدث في هذا الدرس عن الركن الرابع من أركان الإيمان، وهو:
الإيمان بالرسل: وذلك بأن نؤمن بأن الله تعالى بَعَثَ في كلِّ أمة رسولًا منهم، يدعوهم إلى عبادةِ الله وحده لا شريك له واجتنابِ عبادةِ الطاغوت، وأن الرُّسلَ كلهم أَتْقياء أُمَناء، هُداة مُهْتدون، وأنهم بَلّغوا جميع ما أَرسَلَهُم الله به، فلم يكتموا ولم يُغيّروا، ولم يَزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفًا ولم ينقصوه، قال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
- ونؤمن -على التخصيص- بمن سمَّى الله منهم، كمحمدٍ وإبراهيمَ وموسَى وعيسَى ونوحٍ وغيرهم من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام.
- ومن كذّب برسالةِ واحد منهم فقد كفر بالجميع، ولذا قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وقال: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ومعلوم أن كل أمة كذبت برسولها، إلا أن التكذيب برسولٍ واحدٍ هو تكذيبٌ بجميع الرسل باعتبار وَحدة الدين ووَحدة المُرسِل .
- وقد ختم الله الرّسل بنبينا محمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ
стр. 20
أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وجعل الله دينه ناسخًا لما قبله من الأديان، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال ﷺ «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار» [رواه مسلم].
- ومن زعم بأن الله يقبل دينًا غير شريعة محمد ﷺ بعد مبعثه، فهو كافر، لتكذيبه للقرآن والسنة وإجماع علماء المسلمين.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن آمن بالرسل واقتفى أثرهم واقتدى بهم، نكتفي بهذا القدر، ونتحدث في الدرس القادم - بمشيئة الله- عن الركن الخامس من أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر.
стр. 21
الإيمان باليوم الآخر
نستكمل حديثنا عن أركان الإيمان، ونتحدث في هذا الدرس عن الركن الخامس وهو:
الإيمان باليوم الآخر: وهو يوم القيامة، وذلك بأن نُصدّقَ تصديقًا جازمًا بأن الله يَبعث الناس من القبور، ثم يحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم، حتى يَستقر أهل الجنةِ في منازلهم، وأهل النار في منازلهم.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
- والإيمان باليوم الآخر يتضمن: الإيمانَ بما يكون في القبر من سؤالٍ، ونعيمٍ، وعذابٍ، والإيمانَ ببعثِ الناس من قبورهم، وحشرِهم في المحشر، وحسابِهم وجزائهم على أعمالهم، والإيمانَ بالميزانِ والصراطِ، والكُتبِ التي تُعطى باليمين أو من وراء الظهور بالشمال.
- وفي يوم القيامة أهوال عِظام، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ
стр. 22
ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ الله شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢]، وقال ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» [رواه الترمذي وصححه الألباني].
ومن آمن باليوم الآخر: زادت رغبته في فعل الطاعات، وخاف من فعل المعاصي والمنكرات، وتسلّى بذلك من ابتلاهم الله بضيق العيش أو وقوع الظلم عليهم بأن لهم يوما يستردون فيه مظالمهم، وإذا دخل المؤمنون الجنة نسوا متاعبهم وآلامهم، كما أن أهل النار إذا دخلوها -والعياذ بالله- نسوا جميع الملذات التي مرّت بهم.
جعلنا الله ممن يأتي آمِناً يوم القيامة، وحشرنا في زمرة نبينا محمد ﷺ . نكتفي بهذا القدر، ونتحدث بمشيئة الله تعالى في الدرس القادم عن علامات الساعة.
стр. 23
علامات الساعة
نتحدث في هذا الدرس عن علاماتِ الساعة، وهي: العلامات التي تَسْبق وقوع يوم القيامة وتَدُل على قربِ حُصوله.
- واصطُلح على تقسيمها إلى: صُغرى وكُبرى: فالصُّغرى-في الغالب- تسبق يوم القيامة بمدة طويلة، ومنها ما وقع وانقضى -وقد يتكرر وقوعه- ومنها ما ظهر ولا يزال يظهر ويتتابع، ومنها ما لم يقع حتى الآن، وحتمًا سيقع كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ .
- و علامات الساعة الصغرى كثيرة، منها: قبض العلم، وانتشار الفتن، وشيوع الفواحش، وكثرة القتل والزلازل، وتقارب الزمان، وادعاء النبوة من قِبل دجالين كُثُر، وتطاوُل الحفاة العراة العالة [أي الفقراء] رعاة الشاة في البنيان، وتداعي الأمم على المسلمين، ثم انتصار المسلمين على اليهود في النهاية في مواجهة يتكلم فيها الحجر والشجر ويدُلَّان فيها المسلمين على مكان اختباء اليهود .. وغيرها من العلامات. كما قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ، وَيَكْثُرَ الزِّنَا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «يَقِلُّ الْعِلْمُ
стр. 24
وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ» [متفق عليه].
- وأما علامات الساعة الكبرى: فهي أمور عظيمة يدل ظهورها على قرب القيامة، وبقاء زمن قصير لوقوع ذلك اليوم العظيم.
- روى مسلمٌ في صحيحه عن حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ: مَا تَذَاكَرُونَ؟ قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: «إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلاثَةَ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ».
نسأل الله أن يُلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، نكتفي بهذا القدر، ونتحدث -بمشيئة الله تعالى- في الدرس القادم عن الركن السادس والأخير من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقَدَرِ خيرِه وشرِّه.
стр. 25
الإيمان بالقدر خيره وشره
نتحدث في هذا الدرس عن الركن السادس من أركان الإيمان، ألا وهو:
الإيمان بالقدر خيره وشره: وذلك بأن نؤمن بأن كل خير وشر أنه بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى عَلِمَ ما يكون قبل أن يكون، وكتب ذلك عنده في اللوح المحفوظ، وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله، وأن الله خالق كل شيء، وفعّال لما يريد .
- قال الله تعالى مُخْبرًا عن علمه السابق لكل شيء وكتابته له: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَتَبَ الله مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» [رواه مسلم]، وقال تعالى مُبيّنًا مشيئته النافذة في كل شيء: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقال سبحانه مُوضِّحًا أنه خلق الكائنات وأعمالهم: ﴿وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
- ومن لوازم صحة الإيمان بالقدر أن نؤمن:
• أن للعبد مشيئةً واختيارًا بها تتحقق أفعاله كما قال تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن
стр. 26
يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، وقال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• وأن مشيئة العبد وقدرته غير خارجة عن قدرة الله ومشيئته فهو الذي مَنَحَ العبد ذلك وجعله قادرًا على الاختيار كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].
• ونؤمن بأن القدر سرُّ الله في خلقه فما بَيَّنه لنا علمناه وآمنّا به، وما غاب عنّا سَلّمنا به وآمنّا، وألا ننازع الله في أفعاله وأحكامه بعقولنا القاصرة وأفهامنا الضعيفة؛ بل نؤمن بعدل الله التام وحكمته البالغة وأنه تعالى لا يُسأل عما يفعل.
نسأل الله الكريم أن يقدر لنا الخير ويهيئ لنا أسبابه، ويرزقنا الرضا به والطمأنينة له، نكتفي بهذا القدر، وفي الدرس القادم نتحدث بمشيئة الله تعالى عن ثمرات الإيمان بالقدر خيره وشره.
стр. 27
ثمرات الإيمان بالقَدَر
تحدثنا في الدرس الماضي عن الإيمان بالقَدَر وأنه يتضمن: الإيمان بعلم الله السابق لكل شيء، وأنه سبحانه كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وأنه لا يقع شيء إلا بمشيئته سبحانه، وأنه خالق كل شيء.
ونتحدث في هذا الدرس عن ثمراتِ الإيمان بالقَدَر، ومنها:
- أنه من أكبر الحوافز للعمل والنشاط والسعي بما يُرضي اللهَ في هذه الحياة، فالمؤمن مأمور بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، والإيمان بأن الأسباب لا تُعطي النتائج إلا بإذن الله، لأن الله هو الذي خلق الأسباب، وهو الذي خلق النتائج. قال النبي ﷺ : «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» [رواه مسلم] وقال ﷺ «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» [رواه البخاري].
- ومن ثمرات الإيمان بالقَدَر: أن يَشْكرَ المؤمنُ إذا أنعم الله عليه ولا يَبْطر ويتكبّر، ويَصْبر إذا ابتلاه الله ببعض مصائب الدنيا ولا يجزع ويتضجّر، كما قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ (٢٢) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا
стр. 28
آتَاكُمْ وَالله لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
- ومن ثمرات الإيمان بالقَدَر: أنه يقضي على رذيلة الحسد، فالمؤمن لا يَحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله؛ لأن الله هو الذي رزقهم وقدّر لهم ذلك، والحاسد حين يحسد غيره فإنه بفعله هذا إنما يعترض على قدَر الله وقسمته.
- ومن تلك الثمرات: أن الإيمانَ بالقدر يَبعث في القلوب الشجاعة على مواجهة الشدائد، ويُقويّ فيها العزائم، لأنها توقن أن الآجال والأرزاق مُقدّرَة؛ وأنه لن يصيب الإنسان إلا ما كُتِبَ له، كما قال الله تعالى ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].
نسأل الله أن يزيدنا إيمانا ويقينا ويثبتنا على دينه ويُحسن لنا الختام. ونتحدث بمشيئة الله في الدروس القادمة عن أركان الإسلام.
стр. 29
أركان الإسلام
стр. 30
الشهادتان - شهادة: أن لا إله إلا الله
نتحدث في هذا الدرس عن أركان الإسلام، وهي الأركان الخمسة التي يقوم عليها دين الإسلام، قال رسول ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» [متفق عليه].
فالركن الأول هو الشهادتان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
وهاتان الشهادتان مفتاح الإسلام ولا يمكن الدخول إلى الإسلام إلا بهما، قال رسول الله ﷺ : «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ إلَّا بحَقِّ الإسْلَامِ، وحِسَابُهُمْ علَى اللَّهِ» [رواه البخاري].
وقال ﷺ : «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله دَخَلَ الْجَنَّةَ» [رواه أبو داود].
- ومعنى «لا إله إلا الله»: أن يعترفَ الإنسانُ بلسانه ويعتقدَ بقلبه بأنَّه: لا معبود بحقٍّ إلا اللهُ ، أما المعبودات سواه فإنها باطلة وعُبدت بالباطل.
فـ «لا إله إلا الله» تعني نَفي الأُلوهية الحقّة عما سوى الله، وإثباتها لله وحده. قال الله تعالى: ﴿فمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
стр. 31
الْوُثْقىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «معنى الطاغوت: ما تجاوز به العبد حدَّه من معبود أو متبوع أو مُطاع»، ... وقال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى: «والطواغيت كثيرون. ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عُبِد وهو راضٍ، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادّعى شيئاً من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله» (١).
والغاية العظمى من إرسال الرسل هي توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
جعلنا الله من عباده المُوحِّدين المخلصين المتبعين لهدي نبيه الكريم ﷺ ، نكتفي بهذا القدر، ونكمل -بمشيئة الله- في الدرس القادم الحديث عن معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ .
стр. 32
الشهادتان - شهادة: أن محمداً رسول الله ﷺ -
نستكمل حديثنا عن الركن الأول من أركان الإسلام وقد توقفنا عند: شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ .
- ومعناها: الإقرار بأن محمدًا ﷺ عبدٌ لله تعالى، وأن الله أرسله لتبليغِ دينه وهدايةِ الخلقِ كافة كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
- ويقتضي ذلك: تصديقه ﷺ بما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نَهى عنه، وألا يُعبد اللهُ إلا بما شَرَع، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر]، وقال : ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله﴾ [النساء: ٦٤]، وقال : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
- ولا تَصِحُّ الشهادتان بمُجَرَّدِ الاعتقادِ القلبي بل يُشترط لمن أراد الدخولَ في الإسلام التلفظ بهما، والعمل بمقتضاهما.
نسأل الله أن يجعلنا من أتباع النبي ﷺ ، نكتفي بهذا القدر، ونتحدث في الدرس القادم عن ذنبٍ يفعله بعضُ المسلمين ويحسبون أنّهم يُحسنون صُنعاً.
стр. 33
البِدعة في الدّين
نتحدث في هذا الدرس عن ذنبٍ يفعله بعض المسلمين ويحسبون أنّهم يُحسنون صُنعاً، ألا وهو: الابتِداعُ في الدِّين.
والبِدعة في الدِّين: هي التعبُّدُ لله تعالى بما ليس له أصلٌ في الشريعة، أو التعبُّدُ لله تعالى بما لم يكن عليه النبي ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون ﵃.
وقد أخبر الله تعالى أن الدِّين قد اكتمل، فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وقال نبيُّنا ﷺ مُحذِّراً أُمَّتهُ مِن البِدَعِ والإحداث في الدِّين: «مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ» [متفق عليه] ومعنى «فهو ردٌّ»: أي مردودٌ غير مقبول، وقال ﷺ : «أُوصيكُم بتقوى اللهِ والسمعِ والطاعةِ وإنْ عبدًا حَبشيًّا، فإنَّه من يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ المهدِيِّين الراشِدِين تمسَّكُوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذِ، وإياكم ومُحدَثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ مُحدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ» [رواه أبوداود وصححه الألباني].
والبِدَعُ أنواعٌ، فمنها بِدَعٌ اعتِقاديَّة: كإنكار أسماءِ الله تعالى وصفاتِه، أو اعتقاد عِصمة أحدٍ من البشرِ غير الأنبياء والرُّسُل ﵈، أو اعتقاد النفع والضّر والبركة في شيء من الأشياء لم يجعله الله كذلك، وغير ذلك من
стр. 34
الاعتقادات التي ليس لها أصل في الشرع.
ومن أنواع البِدَعِ: البِدَعُ العمليَّة وهي أنواع، منها:
١. إحداثُ عبادةٍ ليس لها أصلٌ في الشرع، كأنْ يُحدِثَ صلاةً غير مشروعة أو صياماً غير مشروع أو أعياداً غير مشروعة، كعيد مولِد النبي ﷺ وغيره من الأعياد المُحدَثة.
٢. الزيادةُ على العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر متعمداً معتقداً مشروعية ذلك.
٣. تأدية عبادةٍ مشروعة على صفةٍ غير مشروعة، كالذِّكر الجماعيّ (بصوتٍ واحد) (١)، وغسل الرجلين قبل اليدين في الوضوء معتقداً مشروعية ذلك.
٤. تخصيصُ وقتٍ للعبادةِ المشروعة لم يُخصِّصهُ الشرع، كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام، فأصل الصيام والقيام مشروع ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل.
ومن أسباب ظهور البدع: الجهل بأحكام الدين، واتِّباع الهَوَى، والتَّعصُّبُ لآراء الأشخاص وتقديمها على الكتاب والسُّنّة، والتَّشبُّه بالكُفَّار، والاعتماد على الأحاديث الضعيفة والمكذوبة على النبي ﷺ ، ومِن أعظم أسباب البِدع: الغُلُوُّ.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يتّبع سُنّة النبيّ ﷺ وأن يُجنِّبنا البِدع والمُحدثات، نكتفي بهذا القدر، ونتحدث في الدرس القادم - بمشيئة الله- عن الركن الثاني من أركان الإسلام وعمود الإسلام وهو الصلاة.
стр. 35
الصلاة
نتحدث في هذا الدرس عن الركن الثاني من أركان الإسلام، ألا وهو الصلاة:
- والصلاة هي الفارقة بين المسلم والكافر كما قال ﷺ : «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» [رواه مسلم]، وهي عمود الإسلام كما قال ﷺ : «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ» [رواه الترمذي]، وهي أول ما يُحاسب عنه العبد، فإن صلحت؛ صلح سائر عمله، وإن فسدت؛ فسد سائر عمله، قال ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» [رواه أبو داود والترمذي والنسائي].
- وهي قُرّة عين النبي ﷺ من هذه الدنيا، فقد قال ﷺ «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ» [رواه النسائي]. [قرة العين: ما تَقرّ به العين ويستريح به القلب].
- والصلاة صِلة بين العبد وبين ربِّ العالمَين، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ لمن أقامها بإخلاص وأدّاها بخشوع، قال الله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
- والصلاة لا تصح إلا بإقامتها على وِفق هدي رسول الله ﷺ ، كما قال ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [متفق عليه]، فعلى المسلم أن يحرص على تعلّم أحكام
стр. 36
صلاته وكيفيّتها كما وردت عن النبي ﷺ ليُتمّها على أكمل وجه فينال بذلك الأجر وعظيم الأثر.
نكتفي بهذا القدر ونستكمل الحديث -بمشيئة الله تعالى- عن أحكام الصلاة في الدروس القادمة.
стр. 37
الطهارة
نتحدث في هذا الدرس عن شرط من شروط صحة الصلاة، ألا وهو الطهارة:
ومعنى الطهارة في اللغة: النظافة من الأوساخ، وفي الشرع: ارتفاع الحَدَثِ وزَوالُ النَّجاسة.
- وبذلك تنقسم الطهارة إلى قسمين:
القسم الأول: الطهارة من الحَدَث: ومنه الحدث الأكبر ويكون رَفعه بالغُسل، ومنه الحدث الأصغر، ويكون رَفعه بالوضوء، وتكون الطهارة بالماء، أو بالتيمم عند تعذّر الماء أو عدم القدرة على استخدامه.
القسم الثاني: الطهارة من النجاسة: وذلك بإزالة النجاسة عن البدن واللباس والأرض التي يُصَلي عليها، ولا يَضُر بقاء اللون والرائحة حال العجز عن إزالتهما، إذا زالت عين النجاسة.
- ومن النجاسات التي يجب إزالتها عن البدن والملابس والمكان: بول الآدمي وعذرته، والدم (١) (ويُعفى عن اليسير منه)، وبول وروث الحيوان المُحرَّم أكله
стр. 38
نجس (أما الحيوان المباح أكله فبوله وروثه طاهران)، ومن النجاسات: الميتة (١)، والخنزير، والكلب (٢)، والمذِي، والوَدِي (٣). ويُعفى عن يسير النجاسة التي يشقُّ التحرز منها.
- وإذا أراد المسلم إزالة الخارج من السبيلين من بول أو غائط، فإنه يستنجي بالماء أو يستجمر بالحجارة أو المناديل ونحوهما (٤). ولا يلزمه الاستنجاء كلما أراد الوضوء بل يستنجي بغَسلِ فرجه إذا خرج منه البول ونحوه، وغَسلِ دُبُرِه إذا خرج منه الغائط، أما الريح فلا يُستنجى منه.
طَهَّر اللهُ قلوبَنا وأبدانَنا من الأدران الحسية والمعنوية. نكتفي بهذا القدر، ونتحدث بمشيئة الله في الدرس القادم عن الطهارة من الحدث الأصغر.
стр. 39
صفة الوُضُوء
نتحدث في هذا الدرس عن الطهارة من الحدث الأصغر، وتكون بالوضوء:
- ويُشترط أن يكونَ الوُضوءُ بماءٍ طاهر، فإن تغيّر لونه أو طعمه أو رائحته بنجاسة، فلا يصح ولا يُجزئ الوضوء والاغتسال به.
- ويُشترط للوضوء: إزالة ما يمنعُ وصولَ الماء إلى أعضاء الوضوء مباشرة، من طين أو عجين أو شمع أو أصباغ سميكة أو طلاء الأظافر كالذي تضعه النساء أو غير ذلك.
- وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غَفَرَ الله لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وصفة الوضوء الموافق لهدي النبي ﷺ :
- أن ينوي الوضوء، بقلبه، ولا يُشرع التلفظ بالنية.
- ثم يقول «بسم الله»، ثم يغسل كفّيه ثلاثًا.
- ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثاً، بثلاث غَرَفات، ثم يغسل وجهه ثلاثًا، وحدُّ الوجه عرضًا: من الأذن إلى الأذن، وطولاً: من مُنحَنَى الجبهة إلى أسفل اللحية. فإن كانت لحيته خفيفة يُرى من ورائها لون البشرة وجب غسل ظاهرها
стр. 40
وباطنها، وإن كانت كثيفة تُغطِّي البشرة فيكفي غسل ظاهرها ويُستحب تخليلها.
- ثم يغسل يديه ثلاثاً من أطراف الأصابع إلى المِرفقين (والمِرفق داخلٌ ضمن الغَسْل)، يبدأ بيده اليمنى ثم اليسرى.
- ثم يمسح رأسه وأذنيه بماءٍ جديد، وصِفَتُه: أن يمرَّ بيديه من مُقدِّمةِ رأسِه إلى قفاه، ثم يردَّهما إلى الموضِعِ الذي بدأ منه؛ أي: يمرَّ بهما مِن قفاه إلى مقدِّمةِ رأسِه، ثم يُدخل أصبعيه السبّابتين في أُذُنيه، ويمسح ظاهر أُذنيه بإبهامَيه مرة واحدة (١).
- ثم يغسل رجليه مع الكعبين ثلاثاً، يبدأ باليمنى ثم اليسرى، والكعبان: العظمان البارزان عند مِفصل الساق والقدم.
- ومن فروض الوضوء: الترتيب بين أعضاء الوضوء، وألا يفصل بين العضو والذي يليه بفاصل طويل.
- ويُسن أن يقول بعد الوضوء: «أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُ الله ورسولُه» [رواه مسلم].
اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين، نكتفي بهذا القدر، ونتحدث بمشيئة الله في الدرس القادم عن أخطاء يقع فيها بعض الناس في وضوئهم.