بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي شهدتْ له بالربوبيةِ (١) جميعُ مخلوقاته. وأقرَّتْ له بالعبوديةِ جميعُ مصنوعاتِه. وأدّت له الشهادةَ جميعُ الكائنات أنّه الله الذي لا إله إلّا هو بما أودعها مِن لطيفِ صُنْعِه وبديع آياته. وسبحان الله وبحمده عددَ خلقِه، ورضا نفسِه، وزِنةَ عرشِه (٢)، ومِدادَ كلماتِه (٣)(٤). ولا إله إلَّا الله، الأحد
стр. 544
الصمد (١)، الذي لا شريك له في ربوبيته، ولا شبيه له في أفعالِه ولا في صفاتِه، ولا في ذاته. والله أكبر، عددَ ما أحاط به علمُه، وجرى به قلمُه، ونفذ فيه حكمُه من جميع بريّاته (٢). ولا حول ولا قوة إلا بالله، تفويضَ (٣) عبدٍ لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا، ولا حياةً، ولا نشورًا، بل هو بالله (٤) وإلى الله (٥) في مبادئِ أمره ونهاياتِه. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له (٦)، ولا صاحبة له (٧)، ولا ولد له، ولا
стр. 545
كفؤ له، الذي هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه أحدٌ مِن جميع بريّاتِه.
وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأمينُه على وحيه، وخِيرتُه من بريّته، وسفيرُه بينه وبين عباده، وحجّتُه على خلقِه. أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة (١) بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا (٢). أرسله على حينِ فَترةٍ (٣) من الرّسُل، وطُموسٍ (٤) من السّبُل، ودُروسٍ (٥) من الكتب. والكفرُ قد اضْطَرَمت (٦) نارُه، وتطايرَ في الآفاق شرارُه. وقد استوجبَ أهلُ الأرضِ أن يَحِلَّ بهم العقابُ، وقد نظر الجبّارُ ﵎ إليهم فمَقَتَهم عربَهم وعجمَهم إلّا بقايا من أهل الكتاب (٧). وقد استند كلُّ قوم إلى ظُلَم آرائِهم، وحكموا على
стр. 546
اللهِ سبحانه بمقالاتهم الباطلة وأهوائهم. وليلُ الكفرِ مُدْلَهِمٌّ (١) ظلامُه، شديدٌ قتامُه (٢). وسبيلُ (٣) الحقِّ عافيةٌ آثارُه، مطموسةٌ أعلامُه (٤). ففلَقَ اللهُ سبحانه بمحمّد ﷺ صبحَ الإيمان، فأضاء حتى ملأ الآفاقَ نورًا، وأطلع به شمسَ الرسالة في حَنادِسِ (٥) الظُّلَمِ سراجًا منيرًا، فهدَى (٦) به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وبصَّرَ به من العمَى، وأرشدَ به من الغيّ، وكثَّرَ به بعد القلّة، وأعزَّ به بعد الذلّة، وأغنَى به بعد العَيْلة (٧)، واستنقذ به من الهَلَكة، وفتح به أعيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفا (٨).
стр. 547
فبلّغَ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصَحَ الأمّة (١) وجاهدَ في الله حقَّ جهاده، وعَبَد اللهَ حتى أتاه اليقين من ربّه (٢). وشرح الله له (٣) صدرَه، ورفع له ذكرَه، ووضع عنه وِزرَه (٤)، وجعل الذلّةَ والصَّغارَ على من خالف أمرَه (٥).
وأقسم بحياته (٦) في كتابه المبين. وقرَنَ اسمَه باسمِه، فإذا ذُكِر ذُكِر معه، كما في الخطب والتشهد والتأذين. فلا يصحّ لأحد خطبةٌ ولا تشهدٌ ولا أذانٌ ولا صلاةٌ (٧)، حتى يشهد أنه عبده ورسوله شهادة اليقين. فصلّى اللهُ وملائكتُه وأنبياؤه ورسلُه وجميعُ خلقِه عليه، كما
стр. 548
عرّفنا بالله وهدانا إليه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإنّ الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه إذا أراد أن يكرم عبده بمعرفته، ويجمع قلبه على محبته، شرح صدره لقبول صفاته العلا، وتلقيها من مِشكاة الوحي (١). فإذا ورد عليه شيء منها قابله بالقبول، وتلقّاه بالرضا والتسليم، وأذعن له بالانقياد. فاستنار به قلبه، واتسع له صدره، وامتلأ به سرورًا ومحبة. وعَلِم (٢) أنه تعريف من تعريفات الله تعالى، تعرَّفَ به إليه على لسان رسوله، فأنزل تلك الصفة من قلبه منزلةَ الغذاء أعظمَ ما كان إليه فاقة (٣)، ومنزلةَ الشفاء أشدَّ ما كان إليه حاجة. فاشتدّ بها فرحُه، وعظم بها غناه (٤)، وقويت بها معرفته، واطمأنّت إليها نفسه، وسكن إليها قلبه. فجال من المعرفة في ميادينها، وأسام (٥) عينَ
стр. 549
بصيرتِه بين (١) رياضها وبساتينها، لِتيقّنه بأنّ شرفَ العلم تابعٌ لِشرفِ معلومِه (٢)، ولا معلومَ أعظمُ وأجلُّ (٣) ممّن هذه صفتُه، وهو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا؛ وأنَّ (٤) شرَفه أيضًا بحسب الحاجة إليه، وليست حاجةُ الأرواح قطُّ إلى شيء أعظمَ منها إلى معرفة بارئها (٥) وفاطرها، ومحبته، وذكره، والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه، والزلْفى (٦) عنده. ولا سبيل إلى هذا إلّا بمعرفةَ أوصافه وأسمائه، فكلّما كان العبد بها أعلَم كان بالله أعرَف، وله أطلَب، وإليه أقرَب. وكلّما كان لها أنكَر كان بالله أجهَل، وإليه أكرَه، ومنه أبعَد. والله تعالى يُنْزِل العبد من نفسه حيث يُنزِله العبدُ من نفسه.
فمن كان لذكر أسمائه وصفاته مبغضًا، وعنها مُعرضًا (٧) نافرًا ومنفِّرًا، فالله له أشدُّ بغضًا، وعنه أعظمُ إعراضًا، وله أكبرُ مقتًا، حتى تعود القلوب على (٨) قلبين:
стр. 550
قلبٌ (١) ذكرُ الأسماءِ والصفاتِ (٢) قوتُه وحياتُه، ونعيمُه وقُرّةُ عينِه، لو فارقه ذكرُها (٣) ومحبّتُها ساعةً (٤) لاستغاث: يا مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلبي على دينك. فلسان حاله يقول:
يُرادُ مِن القلبِ نسيانُكم ... وتأبَى الطباعُ على الناقل (٥)
ويقول:
وإذا تقاضيتُ الفؤادَ تناسِيًا ... ألفيتُ أحشائي بذاك شِحاحًا (٦)
ويقول (٧):
إذا مرِضنا تداوَينا بذكركم ... فنتركُ الذكرَ أحيانًا فننتكِسُ (٨)
стр. 551
ومن المحال أن يذكر القلب مَن هو محاربٌ لصفاته، نافرٌ من (١) سماعها، معرضٌ بكلّيته عنها، زاعمٌ أنّ السلامة في ذلك (٢). كلّا والله، إنْ هو إلّا الجهالة والخِذْلان (٣)، والإعراض عن العزيز الرحيم، فليس القلب الصحيح قطُّ إلى شيء أشوقَ منه إلى معرفة ربه (٤) تعالى، وصفاته وأفعاله وأسمائه، ولا أفرحَ بشيء قطُّ كفرحه بذلك. وكفى بالعبد (٥) خِذلانًا أن يُضرَبَ على قلبه سُرادِقُ (٦) الإعراضِ عنها والنَّفرةِ والتنفيرِ (٧)، والاشتغالِ بما لو كان حقًّا لم ينفع إلا بعد معرفة الله تعالى والإيمان به وبصفاته وأسمائه.
والقلب الثاني: قلبٌ مضروبٌ بسِياط الجهالة، فهو عن معرفة ربه ومحبّته مصدود، وطريقُ معرفةِ أسمائه وصفاته كما أُنزِلتْ عليه
стр. 552
مسدود، قد (١) قَمَشَ شُبَهًا من الكلام الباطل، وارتوَى من ماءٍ آجن (٢) غير طائل، تَعُجُّ منه آياتُ الصّفاتِ وأحاديثُها إلى الله عجيجًا (٣)، وتضِجُّ منه إلى مُنْزِلها (٤) ضجيجًا (٥)، مما يسومها تحريفًا (٦) وتعطيلًا (٧)،
стр. 553
ويُولي (١) معانيها تغييرًا وتبديلًا. قد أعدّ لدفعها أنواعًا من العُدَد، وهيّأ لردّها ضروبًا من القوانين، وإذا دُعي إلى تحكيمها أبى واستكبر، وقال: تلك أدلّة لفظية لا تفيد شيئًا من اليقين (٢). قد اتّخذ (٣) التأويلَ (٤)
стр. 554
جُنّةً (١) يَتترَّسُ (٢) بها من مواقع سهام السنّة والقرآن، وجعل إثباتَ صفاتِ ذي الجلال تجسيمًا (٣) وتشبيهًا يَصُدُّ به القلوبَ عن طريق
стр. 555
العلم والإيمان. مزْجَى (١) البضاعة من العلم النافع الموروث عن خاتمِ الرسل والأنبياء، لكنه مليء بالشكوك والشُّبَه والجدال والمِراء. خلع عليه الكلامُ الباطلُ خِلعةَ (٢) الجهلِ والتجهيل، فهو يتعثرّ في (٣) أذيالِ التكفير لأهل الحديث والتبديع لهم والتضليل. قد طاف على أبواب الآراء والمذاهب، يتكفّفُ (٤) أربابَها، فانثنى (٥) بأخسِّ المواهِب (٦) والمطالِب. عَدَلَ (٧) عن الأبواب العالية الكفيلة بنهاية (٨) المراد وغاية الإحسان، فابتلي بالوقوف على الأبواب السافلة المليئة (٩) بالخيبة والحرمان. قد (١٠) لبس حُلّةً
стр. 556
منسوجةً من الجهل والتقليد والشبه والعناد، فإذا بُذِلت له النصيحةُ، ودُعِيَ إلى الحقّ، أخذته العزّة بالإثم، فحسبه جهنم ولبئس المهاد (١).
فما أعظم المصيبةَ بهذا وأمثاله على الإيمان! وما أشدَّ الجنايةَ به على السنّة والقرآن! وما أحبَّ جهادَه بالقلب واليد واللسان إلى الرحمن! وما أثقلَ أجرَ ذلك الجهاد في الميزان!
والجهاد، بالحجّة والبيان مقدّم (٢) على الجهاد بالسيف والسنان. ولهذا أمر به تعالى في السور المكية حيث لا جهاد باليد إنذارًا وتعذيرًا (٣). فقال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢]. وأمر تعالى بجهاد المنافقين والغلظة (٤) عليهم مع كونهم بينَ أظهُرِ المسلمين في المقام والمسير، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣]. فالجهادُ بالعلم والحجّة جهادُ
стр. 557
أنبياءِ (١) الله ورسله وخاصّته من عباده المخصوصين بالهداية والتوفيق والاتفاق، ومن مات ولم يغزُ، ولم يحدِّثْ نفسَه بغزو (٢) مات على شعبة من النفاق.
وكفى بالعبد عَمًى وخِذلانًا أن يرى عساكرَ الإيمان، وجنودَ السنّة والقرآن، قد (٣) لبِسُوا للحرب لأمتَه، (٤) وأعدُّوا (٥) له عُدّتَه، وأخذوا مصافَّهم، ووقفوَا مواقفَهم، وقد حمِي الوطيسُ، (٦) ودارت رحى الحرب، واشتدّ القتال، وتنادت (٧) الأقرانُ نَزَالِ نَزَالِ (٨)، وهو في
стр. 558
المَلْجأ والمغارات (١) والمُدَّخَل (٢) مع الخوالف (٣) كمين (٤). وإذا ساعد القدرُ (٥) وعزم على الخروج قعد فوق (٦) التل مع الناظرين، ينظر لمن الدائرة ليكون إليهم من المتحيزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جَهدَ أيمانه: إنّي كنتُ معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين (٧).
стр. 559
فحقيق بمن لنفسه عنده قَدْر وقيمة أن لا يبيعَها بأَخسِّ (١) الأثمان، وأن لا يعرضها غدًا بين يدي الله ورسوله لمواقف الخزي والهوان، وأن يثبِّت قدمَه (٢) في صفوف أهل العلم والإيمان، وأن لا يتحيّزَ إلى مقالةٍ سوى ما جاء في السنّة والقرآن.
فكأنْ قد كُشِف (٣) الغِطَاء، وانجلى الغبار، وأبان عن وجوه أهل السنة مسفرة ضاحكة مستبشرة (٤)، وعن وجوه أهل البدعة عليها غَبَرة، ترهقها قَتَرة، يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه (٥). قال ابن عباس ﵄: تبيضُّ وجوهُ أهل السنة والجماعة، (٦) وتسودُّ وجوهُ أهل البدعة والفرقة (٧)(٨).
стр. 560
فوالله لَمُفَارَقةُ أهلِ الأهواءِ والبدع (١) في هذه الدار أسهلُ مِن مرافقتهم إذا قيل (٢): ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وبعده الإمام أحمد (٣) رحمه الله تعالى: أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم (٤). وقد قال تعالى:
стр. 561
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ [التكوير: ٧]، فجُعِل (١) صاحبُ الحق مع نظيره في درجته، وصاحبُ الباطل مع نظيره في درجته. هنالك والله يعضُّ الظالم على يديه، إذا حصلت له حقيقة ما كان في هذه الدار عليه ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].
стр. 562
فصل
وكان مِن قدر الله وقضائه أن جمع مجلسُ المذاكرة بين مُثبتٍ (١) للصفات والعلو ومعطّلٍ (٢) لذلك، فاستطعم المعطّلُ المثبتَ الحديثَ (٣) استطعامَ غيرِ جائعٍ إليه، ولكن غرضه عرض بضاعته عليه، فقال له: ما تقول في القرآن ومسألة الاستواء؟ فقال المثبت: نقول فيهما (٤) ما قال (٥) ربنا ﵎ وما قاله نبينا محمد (٦) ﷺ . نصف الله تعالى بما وصف به نفسَه وبما (٧) وصفه به رسولُه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه (٨) ولا تمثيل (٩). بل نثبت له
стр. 563
سبحانه وتعالى ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وننفي عنه النقائص (١) ومشابهة المخلوقات، إثباتًا بلا تمثيل (٢) وتنزيهًا (٣) بلا
стр. 564
تعطيل. فمن شبه الله تعالى (١) بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسَه أو وصفه (٢) به رسولُه تشبيهًا. فالمشبّه يعبد صنمًا، والمعطّل يعبد عدمًا، والموحّد يعبد إلهًا واحدًا صمدًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
والكلام في الصفات كالكلام في الذات، فكما أنا نثبت ذاتًا لا تشبه الذوات، فكذا نقول في صفاته (٣) إنّها لا تشبه الصفات. فليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. فلا نشبّه صفاتِ الله بصفات المخلوقين.
ولا نزيل عنه سبحانه صفةً (٤) من صفاته لأجل شناعة (٥) المشنِّعين، وتلقيب المفترين. كما أنّا لا نبغض أصحابَ رسولِ الله ﷺ لتسمية الروافض (٦) لنا
стр. 565
نواصب (١)، ولا نكذّب بقدر الله تعالى ونجحد كمال مشيئته وقدرته لتسمية القدرية (٢) لنا مُجْبِرة (٣)،