ثانيًا: سلم الوصول إلى علم الأصول للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي:
التعريف بالناظم:
هو الشيخ العلامة حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، من أعلام منطقة الجنوب (تهامة)، ولد في رمضان سنة ١٣٤٢ هـ، ونشأ في كنف والديه نشأة صالحة طيبة، وكان آية في الذكاء وسرعة الحفظ والفهم. وقد بدأ بالطلب في من مبكرة، وتتلمذ على الشيخ عبد الله القرعاوي، حتى تفوق على أقرانه، وكان الشيخ عبد الله القرعاوي حريصًا عليه ويوليه كبير الاهتمام، وكان يكلفه ببعض الدروس، والتنقل في منطقة الجنوب للدعوة والتعليم.
وكان للشيخ حافظ اهتمام بالتصنيف، فقد صنف في التوحيد، ومصطلح الحديث، وفي الفقه وأصوله، والسيرة، والفرائض، والوصايا والآداب، وغير ذلك نظمًا ونثرًا.
ومن أعماله أن عينه الشيخ عبد الله القرعاوي مديرًا لمدرسة سامطة السلفية، وفي عام ١٣٧٣ هـ عُيّن مديرًا لأول ثانوية تفتح في جازان، ثم عين مديرًا لمعهد سامطة العلمي ولم يزل مديرًا للمعهد حتى وافته المنية بعد أدائه لمناسك الحج في الثامن عشر من شهر ذي الحجة عام ١٣٧٧ هـ (١).
стр. 492
التعريف بالمنظومة:
هي أرجوزة في التوحيد، نظمها الشيخ تلبية لطلب شيخه الشيخ عبد الله القرعاوي (١)، وهي مطبوعة متداولة بين طلاب العلم، وقد شرحها الشيخ نفسه شرحا وافيًا أسماه: (معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول).
مطلعها:
أبدأ باسم الله مستعينًا ... راضٍ به مدبِّرًا معينًا
عدد أبياتها: ٢٩٠ بيتًا.
مباحثها وهي مرتبة كالتالي:
- الحمد لله والصلاة على رسول الله.
- شهادة الحق أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.
- الحكمة من خلق الخلق وهي عبادة الله تعالى.
- أخذ العهد علي بني آدم وهم في ظهور آبائهم أمثال الذر.
- إرسال الرسل مبشرين ومنذرين.
- أول واجب على العبيد: التوحيد.
- نوعا التوحيد:
стр. 493
النوع الأول: الإثبات والمعرفة.
- ذكر بعض الأسماء والصفات:
١ - الرب الخالق البارئ المصور.
٢ - الأول والآخر.
٣ - الأحد الفرد القدير الأزلي الصمد البر المهيمن العلي.
٤ - إثبات العلو بأنواعه.
٥ - إثبات المعية والقرب، وأنهما لا تنافيان العلو.
٦ - الحي القيوم.
٧ - يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
٨ - إثبات الحكمة.
٩ - رؤيته تعالى لكل شيء.
١٠ - علمه تعالى بكل شيء.
١١ - وسع سمعه تعالى الأصوات.
١٢ - الغني.
١٣ - الرزاق.
١٤ - افتقار العبيد كلهم إليه.
١٥ - صفة الكلام.
стр. 494
١٦ - صفة النزول.
١٧ - مجيئه يوم القيام لفصل القضاء.
١٨ - رؤية المؤمنين لربهم في الجنة.
- التسليم والقبول لكل ما ثبت في النص من الصفات.
- إمرار نصوص الصفات كما جاءت مع الاعتقاد لمقتضاها.
- إثباتها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
- النوع الثاني من أنواع التوحيد: توحيد الألوهية.
- حقيقة هذا التوحيد وأنه أصل دعوة الرسل.
- معنى الشهادة.
- شروطها.
- تعريف العبادة وأن منها الدعاء.
- الشرك ونوعاه: الأكبر والأصغر.
- الكلام على التمائم والودع ونحوهما.
- شرعية الرقية من العين والحمة.
- النهي عن الرقى المجهولة المعاني.
- الاختلاف في التمائم المعلقة من القرآن.
- بعض أعمال أهل الشرك.
стр. 495
- أقسام زيارة القبور:
١ - شرعية.
٢ - بدعية.
٣ - شركية.
- النهي عن إيقاد السرج على المقابر، واتخاذها مساجد.
- الأمر بتسوية كل قبر مشرف.
- تحذير النبي ﷺ أمته من إطرائه.
- عاقبة مخالفة ذلك، وكيف أفضى إلى الشرك.
- السحر، وأن له حقيقة.
- تكفير الساحر، وأن حده القتل.
- النهي عن تصديق الكاهن والمنجم.
- حقيقة الإيمان وأنه نية وقول وعمل.
- تفاضل أهل الإيمان فيه.
- مراتب الدين ثلاثة:
١ - الإسلام وأركانه.
٢ - الإيمان وأركانه.
٣ - الإحسان وتعريفه.
стр. 496
- زيادة الإيمان ونقصانه.
- عدم تكفير صاحب الكبيرة.
- قبول التوبة قبل الغرغرة وطلوع الشمس من مغربها.
- ذكر النبي ﷺ وأنه بلغ الرسالة وأدّى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده.
- ختم النبوة به، وفضله على سائر العالمين.
- تفضيل الخلفاء الراشدين على سائر الأمة، وأن ترتيبهم في الفضل ترتيبهم في الخلافة.
- ثم بعدهم بقية العشرة، ثم سائر الصحابة وأهل بيت النبي ﷺ .
- خاتمة في الأمر بالتمسك بالكتاب والسنة.
- شرطا القبول: الإخلاص والمتابعة.
- الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله.
نتائج الموازنة:
١ - الفارق في عدد الأبيات، والاختصار في عرض المسائل.
ومن الأمثلة التي توضح ذلك مسألة العلو، فتقريرها في سلم الوصول لم يبلغ عشرة أبيات، بينما في النونية قد تكلم عليها الإمام ابن القيم في موضع واحد بما يزيد على ستمائة بيت، إضافة إلى ما يذكره في ثنايا فصول القصيدة.
стр. 497
ومرجع هذا إلى طبيعة المنظومتين، فالنونية نهج فيها الناظم التفصيل والتوسع في المباحث، أما سلم الوصول فقد بناها الناظم على الاختصار تسهيلًا لحفظها واستيعاب جميع مباحثها.
٢ - أكثر مباحث النونية عرضًا بالنسبة إلى عدد أبياتها هو توحيد الإثبات والمعرفة، أما في سلم الوصول فأكثر المباحث عرضًا بالنسبة لعدد الأبيات هو توحيد الألوهية، فقد زاد ذلك على الكلام على توحيد الإثبات والمعرفة وغيره من المباحث.
٣ - لم تأت منظومة (سلم الوصول) على كثير من تفصيلات المباحث التي تعرضت لها النونية، بينما شملت النونية أكثر مباحث السلم، ولم ينفرد عنها إلا ببعض المسائل وهي:
أ - أخذ العهد علي بني آدم وهم في ظهور آبائهم.
ب - الكلام على التمائم والودع ونحوهما.
ج - الكلام على السحر والكهانة.
د - التنصيص على الشروط السبعة لشهادة التوحيد (لا إله إلا الله)، وإن كان الإمام ابن القيم قد قررها معنىً وإن لم ينص عليها.
стр. 498
الفصل الخامس نسخ الكتاب ومنهج التحقيق والتعليق
١ - نسخ الكتاب الخطية والمطبوعة:
أولًا: النسخ الخطية:
قد اعتمدنا في إخراج هذا الكتاب على سبع نسخ خطية منه، وفيما يلي وصفها:
النسخة الأولى (الأصل):
هذه النسخة محفوظة في دار الكتب الظاهرية بدمشق في مجموع برقم ٢٩٤٣ عام، يضمّ هذا الكتاب وكتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" لابن القيم. المجموع ليس بين أيدينا، فنرجع إلى فهرس المجاميع من مخطوطات الظاهرية الذي جاء فيه أن عدد أوراق المجموع ١٩١ ورقة. وكتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" في ٧٩ ورقة (١ - ٧٩) وتليه "النونية" في ١١١ ورقة (٨١ - ١٩١). وإذا كنا لا نملك التثبت مما ذكر عن أوراق الكتاب الأول، فإننا نستطيع أن نصحح ما قيل عن أوراق النونية، فهي في ١٢٢ ورقة، لا ١١١ ورقة. وقد أخطأ من رقم أوراق المجموع حينما وصل إلى ق ١٧٤ فكتب في الورقة التالية: ١٦٥، بدلًا من ١٧٥، فنقص العدد. والترقيم المذكور ترقيم حديث. ونسخة "النونية" في أصلها مقسّمة إلى كراريس، وجاءت في ١٢ كراسًا، وعدد الأسطر في كل صفحة ٢٥ سطرًا.
стр. 499
وذكر في الفهرس أن أطراف الأوراق العلوية الأولى من المجموع مخرومة، وكذلك بعض الأوراق الأخيرة منه، يعني أطرافها. وهي في ثلاث ورقات من النونية (ق ١٢٠ - ١٢٢)، فذهبت أجزاء من أسطرها الخمسة الأولى. أما بعد ذلك فالنسخة كاملة لا نقص فيها، إلاّ اضطرابًا في ترتيب الأوراق ١٥ - ١٨ لكون الورقة ١٦ قد وضعت خطأ بعد ق ١٣، فرددناها إلى مكانها في مصورتنا.
وذكر في الفهرس أيضًا أنّ على المجموع وقف أحمد بن يحيى النجدي، ومكانه المدرسة العمرية في الصالحية. أما الواقف فهو أحمد بن يحيى بن عطوة بن زيد التميمي النجدي المتوفى سنة ٩٤٨ هـ. وقد ترجم له صاحب "السحب الوابلة". فذكر أنه ولد في العيينة، ونشأ بها فقرأ على فقهائها، ثم رحل إلى دمشق لطلب العلم، فأقام فيها مدّة، وقرأ على أجلاء مشايخها. منهم العلامة الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله العسكري شيخ الشيخ موسى الحجّاوي، وتخرّج به وانتفع، وقرأ على غيره كالجمال يوسف بن عبد الهادي، والعلاء المرداوي، وتفقه ومهر في الفقه فأجازه مشايخه وأثنوا عليه، فرجع إلى بلده فصار المرجوع إليه في قطر نجد، والمشار إليه في مذهب الإمام أحمد. من مؤلفاته "الروضة" و"التحفة". وله تحقيقات نفيسة وتدقيقات لطيفة (١).
أما المدرسة العمرية فكانت من المدارس الحنبلية المشهورة
стр. 500
بالصالحية. بناها ووقفها الشيخ أبو عمر الكبير محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (٥٢٨ - ٦٠٧ هـ) (١). وكان بها خزانة كتب لا نظير لها، فلعبت بها أيدي المختلسين، ونقل ما بقي إلى خزانة الكتب في قبة الملك الظاهر في مدرسته (٢). وكان ذلك سنة ١٢٩٥ هـ (٣). فكانت هذه النسخة أيضًا من الكتب التي آلت إلى دار الكتب الظاهرية بعد ما استقرت في المدرسة العمرية أكثر من ٣٥٠ سنة.
كتب على وجه الورقة الأولى من نسخة النونية عنوان الكتاب واسم المؤلف على هذا الوجه:
"كتاب الشافية الكافية في الانتصار للفرقة الناجية نظم الشيخ الإمام العالم العلامة العامل الأكمل الورع الزاهد المحقق شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ الصالح أبي بكر بن أيوب السلمي الزرعي الحنبلي الشهير ابن قيم الجوزية ﵀ وغفر له وللمسلمين".
وقد ورد مثل هذه العبارة مع الزيادة في الألقاب في آخر النسخة. والعبارتان تثيران إشكالين: إشكالًا في عنوان الكتاب، وقد سبقت مناقشته في فصل التعريف بالكتاب. والإشكال الآخر في نسبة "السلمي" التي انفردت بها هذه النسخة، فلم يذكر هذه النسبة أحد
стр. 501
ممن ترجم لابن القيم.
كتبت هذه النسخة بخط نسخي واضح، ولكن الناسخ لم يذكر اسمه ولا تاريخ كتابة النسخة (١). غير أنه قال في خاتمتها:
"نقلتُ غالب هذه النسخة من نسخة عليها طبقة صورتها: سمعتها على ناظمها بقراءة والدي (٢) في مجالس عدّة، وهو مقابل معنا بأصله ﵁. وآخر المجالس يوم الأربعاء ثالث عشرين محرم سنة إحدى وخمسين وسبعمائة بالجوزية بدمشق. كتب عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن بن محمد الحنبلي عفا الله عنه. مات الشيخ شمس الدين بن القيم ناظمها في شهر رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة (٣) ".
الحافظ ابن رجب من تلامذة ابن القيم، وقد ذكر في ترجمة شيخه أنه لازم مجالسه قبل موته أزيد من سنة، وسمع عليه قصيدته النونية في السُّنّة وأشياء من تصانيفه وغيرها (٤). ولد ابن رجب في بغداد سنة
стр. 502
٧٣٦ هـ، وتوفي ابن القيم في شهر رجب من سنة ٧٥١ هـ، فحينما سمع ابن رجب النونية عليه كان عمره ١٥ سنة.
وقد دلت خاتمة هذه النسخة على أن الأصل الذي نقلت عنه سمعه الحافظ ابن رجب على الناظم بقراءة والده (١)، والناظم ممسك بأصله يقابل، وتمت القراءة في ٢٣ محرم أي قبل وفاة الناظم بستة أشهر. فالنسخة التي بين أيدينا نسخة عالية نفيسة.
وقد ينقص من قيمتها تصريح الناسخ بأنه نقل "غالب هذه النسخة" من ذلك الأصل. فلم ينقلها منه كاملة، ثمَّ لم يحدّد هذا الغالب. ولكن الذي تدارك هذا النقص أنها قوبلت على الأصل، يشهد بذلك بلاغات كثيرة وتصحيحات دونت في طرر النسخة، ومنها:
- ق ٤١/ أ: "بلغ إلى هنا مقابلة بأصل الشيخ".
- وفي ١٩/ أ:
إلَّا لمن قام الكلام به فذا ... ك كلامه المعقول في الأذهان
وكتب في الحاشية: "للإنسان"، وتحته: "صح"، وفوقه: "نسخة الشيخ" وذلك يدلّ على أن الناظم غيّر القافية في هذا البيت لأنها سبقت قبل بيت واحد. ومثله في ق ١٠٣/ أ.
والظاهر أن المقصود بأصل الشيخ أو نسخته: النسخة التي قرئت على الشيخ، كما في المواضع الآتية:
стр. 503
- ق ٧٤/ ٣: "بلغ إلى هنا مقابلة [على] نسخة الشيخ المقروءة عليه".
- ق ٩٩/ ب: "بلغ مقابلة على نسخة عليها طبقة سماع وقرئت على الشيخ".
- ق ١٠٠/ أ: "بلغ إلى هنا مقابلة في نسخة قرئت على الشيخ".
ومن خلال عبارات هذه المقابلة يمكن أن نعرف زيادات الناظم في نسخته الأخيرة. ومن أمثلة ذلك أن البيت الآتي (ق ٨٣/أ):
وتمام هذا قولهم إنَّ النبو ... ة ليس وصفًا قام بالإنسان
كتب بإزائه في الحاشية: "من هنا زائد من نسخة الشيخ" ثمَّ في ق ٨٤/أ كتب: "إلى هنا من نسخة الشيخ زائد" وذلك بإزاء البيت:
هذي بضاعتكم فمن يستامها ... فقد ارتضى بالجهل والخسرانِ
ودلّت الحاشيتان على أن ١٤ بيتًا زادها الناظم أخيرًا. وكذلك في ق ٨٦/ ب حاشية حدد فيها عدد الأبيات الزائدة: "من هنا زيادة من نسخة الشيخ ٤١ بيتًا". وانظر ٨٤/ أ، ٨٥/ أ، ٨٥/ ب، ٨٦/ أ.
هذه الأبيات الزائدة موجودة في النسخ الأخرى أيضًا، ولكنها تشتمل أيضًا على الأبيات المنسوخة التي خلت عنها هذه النسخة والنسخة الآتية.
ويظهر أن النسخة قوبلت على نسخة أخرى غير الأصل أيضًا، فورد بيت في ق ٨١/ أهكذا:
стр. 504
وعداكم أجران أجر الصدق وَالْـ ... إيمان حتى فاتكم حظّان
وفي حاشيته: "نسخة: وعدمتم حظين حظ الصدق والإيمان". وانظر ق ٢/ ب، ٥٥/ أ، ٨٦/ أ، ٨٩/ ب، ٩٩/ أ، ١١٧/ ب، ١١٩/ أ.
وبجانب بلاغات المقابلة توجد في النسخة بلاغات القراءة، فقلما تخلو ورقة من "بلغ قراءة" أو "بلغ قراءة إلى هنا".
وكتب في الصفحة الأخيرة بجانب الخاتمة طولًا: "وعدة (١) أبياتها على ما حسبته - والله أعلم - ٥٨٧٠ خمسة آلاف وثمانمائة وسبعون". ولعله أخطأ في العدّ، فإنّ أبياتها في نشرتنا هذه التي شملت الأبيات المنسوخة الواردة في النسخ الأخرى أيضًا لم يتجاوز عددها ٥٨٤٣ بيتًا.
قد سبق أن النسخة كتبت بخط نسخي واضح. واهتم الناسخ أحيانًا بضبط النص. ويضبط السين المهملة بوضع ثلاث نقط تحتها، ومن أمثلته ضبط السين في الكلمات: "تجسيمًا، جسمًا، جسر، استواء، محبوسون، السجان، الجسم، التجسيم" وكلها في صفحة واحدة (ق ٨٠/ أ). وقد يهمل نقط حرف المضارع، وتاء التأنيث لا ينقطها عمومًا. ويضطرب قلمه أحيانًا، فلا يتضح رسم الكلمة، أو خطئ في كتابتها، فيحاول تصحيحها، فتختلط الحروف، فيكتبها في الحاشية بصورة واضحة تحت كلمة "بيان" أو مسبوقة بها. ومن أمثلته أنه كتب كلمة في المتن (٢٢/ أ): "بالضليين" كذا، فكتب بإزائه في الحاشية: "الضدين"
стр. 505
وفوقها: "بيان صح". وانظر بيانات أخرى في ق ٥/ ب، ٢٤/ أ، ٥٤/ ب، ٥٨/ ب، ٧٠/ أ، ٨٢/ ب، ٩٢/ أ، ٩٢/ ب، ١٠٤/ ب.
والأخطاء والتصحيفات في هذه النسخة قليلة، إلَّا خطأ واحدًا كثر في القوافي، وهو أنّ الكلمات التي لا ياء فيها كتبت بالياء، ومن الأمثلة على ذلك -وهي كثيرة جدًا- محذوراني، ذي برهاني (٤٢/ أ)، في الأعياني، من هذه الخلجاني، الميزاني، الأكواني (٤٣/ أ)، يا أولي النقصاني، من الديداني، بلا عدواني (٤٣/ ب). وأحيانًا نجد العكس، نحو: "الحاجز الوسطانِ" (٦٦/ أ) وصوابه: الوسطاني. و"فمن يلحانِ" (٦٨/ أ) وصوابه يلحاني. وكذلك "عاليه مع التحتان" (٧٠/ ب)، "الحافظ الطبران" (٧٣/ أ) "أحمد الشيبانِ" (١٠٣/ أ). ولم تصحح هذه الأخطاء في المقابلة والتصحيح لأن أمرها كان سهلًا، فلا يخفى الغلط فيها على القارئ إلَّا قليلًا. ومن الأخطاء الشائعة في النسخة كتابة "لدى" في صورة "لذي". ويكتب الضاد أحيانًا ظاءً.
ويظهر أن بعض الأخطاء التي وقعت في النسخة انتقلت إليها من الأصل، والدليل على ذلك أنها موجودة في نسخة ف الآتية وغيرها أيضًا.
النسخة الثانية (ف):
هذه النسخة من مخطوطات مكتبة الرياض السعودية بدار الإفتاء بالرياض. ورقمها فيها ٣٤٧/ ٨٦. وقد سجلت فيها بتاريخ ١٤/ ٤/ ١٣٩٢ هـ، كما يظهر من ختم المكتبة عليها. وعليها ختم آخر كتب فيه: "وقف الشيخ محمد بن إبراهيم" وتاريخه سنة ١٣٩١ هـ.
стр. 506
وفي أعلى صفحة العنوان: "وقف الإمام عبد الله بن فيصل". وهو الإمام عبد الله بن فيصل بن تركي آل سعود من أئمة الدولة السعودية الثانية، وقد توفي بالرياض سنة ١٣٠٧ هـ (١). والشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ هو المفتي الأول للبلاد العربية السعودية، ولد سنة ١٣١١ هـ في الرياض، وتوفي فيها سنة ١٣٨٩ هـ، وهو الذي أنشأ المكتبة السعودية سنة ١٣٧٣ هـ (٢) فكانت هذه النسخة عند الإمام عبد الله بن فيصل، ثمَّ انتقلت إلى الشيخ محمد بن إبراهيم، ودخلت بعد وفاته بثلاث سنوات في المكتبة السعودية. ومخطوطات هذه المكتبة توجد الآن في مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض.
عدد أوراق هذه النسخة ١٢٥ ورقة، وفي كل صفحة ٢٥ سطرًا، وفي أولها خرم قدره ورقتان، وسدّ الخرم بخط متأخر، والناسخ الذي كتب الورقتين لم يشر إلى النسخة التي نقل منها. وأثبت عنوان الكتاب على الصفحة الأولى: "هذا كتاب الكافية الشافية للفرقة الناجية" كذا، مع أن العنوان الصحيح ثابت في خاتمة النسخة. وفي النسخة خرم آخر وهو سقوط الورقة ١١٩ منها.
لم يذكر كاتب النسخة اسمه، ولكنه ذكر أنه أنجز نسخها في ٨ ربيع الآخر سنة ٧٨٢ هـ بالقاهرة، فجاء في خاتمتها:
"نجزت الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية من نظم شيخ
стр. 507
الإسلام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية في ثامن ربيع الآخر سنة اثنين (كذا) وثمانين وسبعمائة بالقاهرة المعزية. علقتها من نسخة بخط الإمام العالم عمر بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم (١) بن أمين الدولة الحلبي الحنبلي، وكتب بآخرها في الهامش ما صورته: (انتهت مقابلة ثانية بنسخة مقابلة بنسخة المؤلف التي حرّرها أخيرًا، وكلّ ما ترى عليه النسخة أو ما صورته خ أو الأخيرة فالمراد به هذه النسخة الأخيرة) فتبعتُ رسمَه وضبطَه في هذه النسخة، ولله الحمد أولًا وآخرًا. . .".
دلّت هذه الخاتمة على أمور، أولها: أن هذه النسخة نقلت من نسخة بخط زين الدين أبي حفص ابن أمين الدولة الحلبي الحنبلي (٧١٠ - ٧٧١ هـ)، وقد ترجم له الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة، فقال: "باشر ديوان الإنشاء مدّة، ثمَّ أعرض عنه. وقال ابن حبيب: تعلّق بمذهب أحمد، ولازم التواضع، واشتغل بالكتابة والأدب والحديث وقدم دمشق ومصر، ورجع إلى حلب فمات بها" (٢).
ولعلّ ابن أمين الدولة نسخ نسخته من النونية في دمشق، وحملها معه إلى مصر. ثمَّ رجع إلى حلب ولكن نسخته بقيت في القاهرة حتى نقلت منها هذه النسخة هناك سنة ٧٨٢ هـ أي بعد خمس سنوات من وفاة ابن أمين الدولة في حلب.
стр. 508
والأمر الثاني أن نسخة ابن أمين الدولة قد قوبلت مرتين على نسخة مقابلة بنسخة المؤلف الأخيرة.
والأمر الثالث أن كاتب نسختنا تبع في رسم الكلمات وضبطها أصله المكتوب بخط ابن أمين الدولة.
هذه الأمور الثلاثة -ولا سيما الأمر الأول- قد رفعت درجة هذه النسخة، ورشحتها لوضعها بجانب النسخة السابقة.
ولما كانت النسختان كلتاهما تنتميان إلى نسخة المؤلف الأخيرة: الأولى لكونها نقلت من نسخة قرئت على المؤلف قبل ستة أشهر من وفاته، والثانية لكونها منقولة من نسخة قوبلت مرتين بنسخة مقابلة بأصل المؤلف الذي حرّره أخيرًا = تشابهت النسختان في عدد الأبيات وترتيبها، ورسم الكلمات وضبطها، وبعض الأخطاء أيضًا.
وقد كتبت هذه النسخة بخط نسخي متقن جميل. وقوبلت على أصلها، تدلّ على ذلك البلاغات الموجودة في مواضع مختلفة منها نحو ق ٩/ ب، ١٩/ ب، ٢٠/ ب، ٣٤/ ب، ٦٢/ أ، ٩٢/ أ. وكذلك التصحيحات والاستدراكات التي أدّت إليها المقابلة، كما في ق ٢١/ أ، ٤٧/ ب، ٥٠/ أ، ٥٨/ ب.
وتوجد في النسخة تعليقات منقولة من أصلها. ومنها: "إلى هنا حرّر على حكم النسخة الجديدة" (٩١/ ب). ولم يصرّح الناسخ بأن هذه الحاشية من حواشي الأصل، وقد صرّح بذلك في ق ٩٨/ أ: "إلى هنا حرر على النسخة الأخيرة، كذا كتب في الأصل".
стр. 509
وجاء في ق ١١١/ ب بيت انفردت به هذه النسخة:
أتظنها محلوبةً من باقر ... أو ناقةٍ أو ماعزٍ أو ضانِ
وعليه حاشية: "هذا البيت أسقط من النسخة الأخيرة".
ومنها ما علّق به على الأبيات الآتية:
فهناك هنّأ نفسه متذكرًا ... ما قاله المشتاق منذ زمان
والمستهام على المحبة لم يزل ... حاشا لذكراكم من النسيان
لو قيل ما تهوى لقال مبادرًا ... أهوى زيارتكم على الأجفان
تالله إن سمح الزمان بقربكم ... وحللتُ منكم بالمحل الداني
لأعفرنّ الخدّ شكرا في الثرى ... ولأكحلنّ بتربكم أجفاني
التعليق على البيت الثالث (لو قيل ما تهوى ... ): "هذا البيت والذي قبله من النسخة الأخيرة، وكأنهما بدل عن البيتين بعدهما" (ق ٩٢/ أ).
الأبيات الأربعة الأخيرة للصرصري الذي أشار إليه الناظم بلفظة "المشتاق" في البيت الأول، وضمّن أبياته مع تصرّف في البيت الرابع (١). وأفادتنا هذه الحاشية المنقولة من الأصل بأن الناظم ضمّن أوّلًا بيتين فقط وهما الثالث والرابع، ثمَّ أضاف إليهما بيتين آخرين أيضًا. وكان بيت الصرصري الرابع قبل تصرف الناظم:
стр. 510
لأقبلّنّ لأجلكم ذاك الثرى ... وأعفّر الخدّين بالصّوّانِ
وقد غيّره كما رأينا، فأصبحت قافيته بعد التغيير: "أجفاني"، فلما زاد في النسخة الأخيرة البيتين الأولين، وجاءت في البيت الثاني قافية "الأجفان" تكررت القافية، ولاحظ كاتب الأصل هذا التكرار، فذهب في تعليقه إلى أن البيتين الأولين كأنهما بدل من البيتين الأخيرين.
هذه الحواشي والحواشي الأخرى التي رمزها خـ -وكلّها تشير إلى نسخة المؤلف الأخيرة- تصدّق ما ورد في النسخة الأولى المنقولة من نسخة الحافظ ابن رجب. وفي النسخة حواش أخرى تدلّ على مقابلتها بنسخة أو نسخ أخرى، وكتب الناسخ عليها حرف خ أيضًا ولكن بصورة غير صورة رمز النسخة الأخيرة. انظر مثلًا الأوراق ٢١/ ب، ٣٤/ ب، ٤٣/ ب، ٤٤/ أ، ٤٩/ أ، ٥٠/ أ.
وناسخ هذه النسخة أيضًا إذا أخطأ في كتابة كلمة فصارت غامضة أعاد كتابتها في الحاشية تحت كلمة "بيان". وكثرت البيانات في هذه النسخة، وأعجبها بيان في ق ٤/ ب، إذ وردت كلمة "نمقوه" في مقدمة المؤلف، وتصحفت في النسخ الأخرى إلى "تمموه"، وكذا كانت في النسخة الأولى، فصححت في المقابلة على الأصل. فضبط ناسخ ف الكلمة ثمَّ كتب في الحاشية تحت لفظ "بيان": وَنَ مَّ قُ وْ هُ. وانظر البيانات الأخرى في ق ٨/ أ، ٩/ ب، ١٢/ أ، ١٣/ ب، ١٥/ ب، ١٧/ ب، ١٩/ ب، ٢٦/ ب وغيرها. وفي ق ١٠٧/ ب لم يكتب كلمة "بيان" كاملة بل اكتفى بحرف "ب".
هذا، وفي النسخة تصحيحات وتعليقات كثيرة بخط متأخر جدًا،
стр. 511
كتبها بعض من قرأها وقابلها بنسخة بل بأكثر من نسخة، كما قال في تعليقه على كلمة "غدا" في ق ٣٠/ أ: "في عدد نسخ: عدا". وعلّق على "رأس الملأ" في ق ٦٣/ ب: "خ عدد: روس". وعلّق على "غرور ثاني" في ق ٩٠/ أ: "أمان في جملة نسخ".
وقد صحح هذا القارئ أخطاء النسخة، ولكنه أساء إليها بعض الأحيان إساءة بالغة، حينما لم يقتصر على تصحيح الخطأ في الحاشية، بل حاول إصلاحه في المتن،، فتعدّى على النص وشوهه تشويهًا. ثمَّ ما زعمه خطأ قد يكون صوابًا محضًا أو هو الوارد في الأصل. ومن أمثلة ذلك أن كلمة "البهتان" في البيت الآتي:
والتاركين لأجلها آراء من ... آراؤهم ضرب من البهتان
ضرب عليها هذا المصحح عدة مرات، ثمَّ كتب في الحاشية: "الهذيان صح" (ق ٥٦/ أ)، مع أن كلمة البهتان هي الواردة في نسخة الظاهرية المنقولة عن نسخة ابن رجب أيضًا. فاتفقت عليها النسختان العاليتان.
ومن ذلك أنه ضرب على كلمة "بالقانون" في البيت الآتي (ق ٧٦/ أ):
فتعيّن الإعمال للمعقول والإلغاء ... للمنقول بالقانون ذي البرهان
هذا البيت فيه زيادة اختلّ بها وزنه، فأراد المصحح أن يحذف "بالقانون" ليستقيم الوزن، فشطبه عدة مرات، مع أن البيت كذا ورد في النسخة الأولى وغيرها، وحذف الكلمة المذكورة مفسد لمعنى
стр. 512
البيت، أمّا الزيادة أو النقصان في الوزن فلها نظائر متعددة في هذه المنظومة. وانظر أيضًا ق ٨٨/ أ، ١٠٢/ أ، ١١٦/ أ.
بالإضافة إلى هذه التصحيحات علّق في حاشية النسخة جميع الأبيات التي وجدها في النسخ الأخرى وخلت منها هذه النسخة، وكتب في آخرها علامة صح، كأنها ساقطة من هذه النسخة، وهي ليست ساقطة، بل الظاهر أن الناظم أسقطها من النسخة الأخيرة.
النسخة الثالثة (ب):
هذه النسخة محفوظة في مكتبة برلين بألمانيا. ولها فُلَيم (ميكروفيلم) بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض برقم ٧٠٨٧. وهي في ١٧ كرّاسًا و ١٦٦ ورقة. تتراوح الأسطر في كل صفحة بين ١٧ و ٢٠ سطرًا. ومن الورقة ١٢٠ بدأ الناسخ يكتب الأبيات في الحاشية اليسرى أيضًا من كل صفحة في طولها. اسم ناسخها: إسماعيل بن حاجي، وهو فقيه شافعي من علماء بغداد، قدم دمشق في حدود السبعين ودرّس في المدرسة العينية وغيرها. وتوفي سنة ٧٩٢ هـ (١).
وتاريخ نسخها: مستهل ذي القعدة من سنة ٧٧٠ هـ كما جاءت في خاتمتها:
"نجزت الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية. علّقها لنفسه إسماعيل بن حاجي عفا الله عنه بمنّه وكرمه. وكان الفراغ في مستهل
стр. 513
ذي القعدة من سنة سبعين وسبعمائة. والحمد لله وحده وصلواته على محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا".
لم يذكر الناسخ شيئًا عن الأصل الذي نقل منه نسخته، غير أنها نسخة كاملة بخط نسخي واضح. وقوبلت على أصلها كما يعرف من البلاغات والتصحيحات الموجودة في ق ٧/ أ، ١١/ أ، ١٢/ أ، ١٦/ ب، ١٨/ أ، ٤٤/ أ، ٥١/ أوغيرها. وفيها إشارات قليلة تدل على أنها قوبلت بنسخة أخرى أيضًا.
النسخة الرابعة (د):
من مخطوطات الخزانة التيمورية، في دار الكتب المصرية والوثائق القومية برقم ١٧٠ عقائد تيمور، وهي في ١٥٧ ورقة، وعدد الأسطر في كل صفحة ٢٠ سطرًا. كتبها محمد بن أحمد بن الحسين الشافعي بمدرسة ابن الجوزي بدمشق سنة ٧٦٨ هـ.
النسخة بخط النسخ، ومقابلة على أصلها، وعناوين الفصول مكتوبة بالحمرة ولذلك لم تتضح في التصوير. وقد ضاعت الورقة الأولى منها فاستكملت بخط متأخر. وعلى النسخة آثار البلل في مواضع مختلفة. وختمت النسخة بالعبارة الآتية.
"نجزت الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية بحمد الله وحسن توفيقه يوم الاثنين رابع عشرين رمضان المعظم سنة ثمان وستين وسبعمائة على يد العبد الفقير إلى رحمة ربه محمد بن أحمد بن الحسين الشافعي بدمشق بمدرسة ابن الجوزي بدمشق المحروسة".
стр. 514
وعليها عبارة تملك نصّها: الحمد لله رب العالمين. ساقته مقادير الملك إلى ملك الفقير زين العابدين بن عبد الكريم الجراعي سنة ١١٥٨ في غرة جمادى أول (كذا) " وتحت هذه العبارة ستة أبيات في تقريظ الكتاب.
هذه النسخة كتبت بدمشق بعد وفاة الناظم فيها بسبعة عشر عامًا، ولكنها لم تنقل عن أصل قريب من نسخة المؤلف، بل لم يشر الناسخ البتة إلى النسخة التي نقل منها.
النسخة الخامسة (ظ):
هذه النسخة محفوظة في دار الكتب الظاهرية بدمشق ورقمها ٢٩٧٣/ ن. ويوجد لها مصورة بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم ٢٩٩٣/ ف. وهي في الأصل جزء من "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري" لأبي الحسن علي بن حسين بن عروة المعروف بابن زكنون (قبل ٧٦٠ - ٨٣٨ هـ) (١). وقد ورد في صفحة العنوان من هذه النسخة: "وقف علي ابن زكنون"، كما جاء في آخرها: "آخر المجلد الخمسون (كذا) من الكواكب الدراري والحمد لله رب العالمين. . . يتلوه إن شاء الله تعالى قول الشيخ شمس الدين أيضًا في كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ... ".
وقد وقف ابن زكنون مكتبته بعد موته على المدرسة العمرية
стр. 515
الشيخية. وذكر صاحب السحب الوابلة أنه في رحلته إلى الشام سنة ١٢٨١ هـ رأى كتبًا كثيرةً منها في مدرسة الشيخ أبي عمر، ومنها كتاب الكواكب الدراري مكتوب عليه: "وقف شَيخنا المؤلف في مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر ﵀" (١). وقد سبق أنّ ما بقي من كتب المدرسة العمرية نقلت سنة ١٢٩٥ هـ إلى خزانة الكتب في قبة الملك الظاهر.
هذه النسخة في ١٤٢ ورقة منها ١٣٠ ورقة بخط ناسخ لا نعرف اسمه، غير أنه لم يتم كتابة النسخة، فأتمّها ناسخ آخر وهو إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي في شهر صفر سنة ٨٢٨ هـ. جاء في خاتمة النسخة:
"وكان الفراغ من تتمته يوم الخميس مستهل شهر صفر سنة ثمان وعشرين وثمان مائة من الهجرة النبوية على يد أفقر عباد الله إلى رحمته ومغفرته ورضوانه إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي غفر الله لمؤلفه ولكاتبه ولقارئه ولمن نظر فيه ولجميع المسلمين وجعله خالصًا لوجهه الكريم ... ".
الناسخ المذكور ترجم له السخاوي في الضوء اللامع (٢). ولد سنة ٨١٠ هـ، فكان عمره حين كتابة تتمة هذه النسخة ١٨ سنة. وقد توفي سنة ٩٠٠ هـ. قال السخاوي: "واختص بالعلاء ابن زكنون، وقرأ عليه القرآن وغيره، وتزوّج ابنته، ثمَّ فارقه وتحوّل شافعيًّا. . والثناء عليه
стр. 516
مستفيض، ووصفه الخيضري بأنه شيخ عالم فاضل محدث محرر متقن ... ". وذكر صاحب السحب الوابلة أنه رأى بخطه جانبًا من الكواكب الدراري مؤرخًا سنة ٨٢٩، وهو خط حسن" (١).
هذه التتمة التي كتبها إبراهيم بن محمد الحنبلي أوراقها في النسخة في وضعها الراهن ١٢ ورقة. وبين الأصل والتتمة خرم كبير ذهب بنحو ٩٧٢ بيتًا مع عناوين الفصول، وهذا يعني أنه فقلت نحو ٢٥ ورقة من النسخة، ولا سبيل إلى معرفة عددها من الأصل أو التتمة بالتحديد. وعدد الأسطر في كل صفحة من الأصل ١٩ سطرًا، وفي التتمة ٢٣ سطرًا.
والنسخة مكتوبة بخط النسخ، وخط التكملة أحسن من خط الأصل. وقد اضطرب ترتيب الأوراق ٢ - ٨ منها. وعليها تصحيحات وبيانات وإشارات إلى نسخ أخرى ولكنها قليلة جدًا. والجدير بالذكر أن الإشارات الموجودة في التكملة تدلّ على أنها قوبلت بنسخة مشابهة لنسخة الظاهرية الأولى المنقولة من نسخة ابن رجب. وقد سبق أن مستقرها أيضًا كانت في المدرسة العمرية.
النسخة السادسة (س) (٢):
من مخطوطات مكتبة برلين، وتوجد لها مصورة في المكتبة المركزية
стр. 517
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض برقم ٧١٠١/ ف. وهي في ١٣٧ ورقة، وعدد الأسطر في كل صفحة ٢٣ سطرًا.
ناسخها: عبد القادر بن شمس الدين محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي. وقد فرغ من نسخها يوم الخميس لستّ خلت من ربيع الأول سنة ١٢٠٧ هـ (١).
والنسخة في حالة جيدة، وخطها نسخي مقروء، وعليها تصحيحات، وبآخرها أشعار فيها تضرع ودعاء (٢).
стр. 518
النسخة السابعة (ح):
صورة منها في المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم ٦٥٨٠/ ن وهي بخط الشيخ سليمان بن سحمان (١٢٦٦ - ١٣٤٩ هـ) ﵀. وتم نسخها يوم الخميس لست خلت من المحرم. وهي في ١٥٣ ورقة، وعدد الأسطر في كل صفحة ٢٠ سطرًا. وهي أيضًا في حالة جيدة، وخطها مقروء. وعليها بعض التصحيحات.
ثانيًا: النسخ المطبوعة:
طبعات النونية التي تيسر لنا الاطلاع عليها نذكرها فيما يلي:
(١) طبعة المتقدم (طت):
هذه الطبعة صدرت في القاهرة سنة ١٣٤٤ - ١٣٤٥ هـ، وكان طبعها بمطبعة التقدم العلمية لصاحبها ومديرها السيد محمد عبد الواحد بك الطوبي بجوار الأزهر الشريف. وتولّى تصحيحها الشيخ عبد الرحيم بن يوسف الأزهري الحنفي، كما في خاتمة الطبع. ولم يشر المصحح إلى النسخة التي اعتمد عليها. وهي في ٢٥٦ صفحة.
(٢) النونية مع شرح ابن عيسى (طع):
صدرت النونية مع شرح الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى (ت ١٣٢٩ هـ) ﵀ عن المكتب الإِسلامي في بيروت سنة ١٣٨٢ هـ، وبين أيدينا الطبعة الثالثة منها التي صدرت سنة ١٤٠٦ هـ. وقد ذكر
стр. 519
الأستاذ زهير الشاويش في مقدمة الناشر أنه "قد كان في النظم بعض الأخطاء استدركناها من نسخة خطية ثانية قدّمها لنا أستاذنا الشيخ محمد بن مانع جزاه الله خيرًا" (١).
وهذا أمر محمود، ولكن في خاتمة الكتاب ذكر آخر نسخة الأصل المخطوطة التي طبع عنها الشرح وجاء في هامشها: "إلى هنا بلغ التصحيح حسب الطاقة والإمكان على نسخة عليها خط المؤلف، والتصحيح المذكور في حلقة التدريس، على يد شيخنا الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، نسأ الله في أجله، وختم له بصالح عمله، غير أنا لم نتعرض لما فيه من التحريف من جهة الإعراب، وتكسر الأوزان، بل أبقيناه على ما في الأصل"
يهمنا من هذا الهامش آخره، وهو النصّ على عدم التعرض لما فيه من التحريف من جهة الإعراب وتكسّر النظم، وإبقائه على ما في الأصل. أما التحريف من جهة الإعراب فقد يشترك فيه المتن والشرح، ولكن تكسر النظم خاص بالمتن. وإن ما ذكر في الهامش لهو منهج العلماء الأثبات، ومقتضى أداء الأمانة على وجهها، ولكن الناشر -سامحه الله- علّق على ذلك بقوله:
هذا، وقد قمنا بتصحيح ذلك حسب الطاقة والجهد. وعذر الشيخ العنقري ﵀ واضح، حيث إن النسخة الخطية لا تقع غالبًا -إلا بيد عالم عارف بما فيها من خطأ. وعذرنا أن النسخة المطبوعة تقع في
стр. 520
كل يدٍ، فلابد من التصحيح. وقد قمنا بإجراء التصحيحات الكثيرة في طبعته الأولى ١٣٨٢ وفي طبعته الثانية ١٣٨٣، وفي هذه الطبعة الثالثة مطلع سنة ١٤٠٦ ... " (١).
إجراء التصحيحات -مهما كانت كثيرة- يمكن قبوله إذا نبّه على ما في الأصل، لكن المواضع التي نبه الناشر فيها على الخطأ الوارد في النسخة وعلى إصلاحه مواضع قليلة (٢). ومن ثم يصعب الاعتماد على متن النونية المصاحب لهذا الشرح. هذا وقد كانت بين يدي الشارح الشيخ ابن عيسى عدة نسخ من النونية كما ذكر في شرحه.
(٣) النونية مع شرح محمد خليل هراس (طه):
من مطبوعات دار الكتب العلمية في بيروت. لم يشر الشارح في مقدمته إلى النسخة الخطية أو المطبوعة التي اعتمد عليها في إثبات متن النونية. وقد اتضح في أثناء المقابلة أنه يعتمد على طبعة التقدم، ولكنه يتصرف أيضًا في المتن لإصلاح ما يراه خطأ. وستأتي الأمثلة في التعليقات.
(٤) طبعة دار ابن خزيمة:
صدرت هذه الطبعة بعناية الأستاذ عبد الله بن محمد العمير عن دار ابن خزيمة بالرياض سنة ١٤١٦ هـ. وقد اعتمد على المتن الذي نشر
стр. 521
مع شرح ابن عيسى طبعة المكتب الإِسلامي، مع مقابلته على نسختي ب، ف. وميزتها أنها أول طبعة للنونية ضبطت ضبطًا كاملًا. والنسخة التي بين يدي من هذه الطبعة هي نسخة فضيلة الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله. وقد علّق عليها في مواضع، ثم نقل في حواشيها تصحيحات سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ من نسخته من الطبعة الهندية. وقد قرأ هذه النسخة الأستاذ سعد بن شعيلان، وله تصحيحات كثيرة عليها.
وقد ذكرنا هذه الطبعة هنا لأجل التعليقات المدونة على هوامشها، فقد نقلنا بعضها في نشرتنا هذه.
٢ - منهج التحقيق والتعليق:
قد اتبعنا في تحقيق النص وضبطه المنهج الآتي:
١ - اعتمدنا في إثبات النص على نسخة الظاهرية الأولى المنقولة عن نسخة ابن رجب المقروءة على الناظم (١)، ثم على نسخة المكتبة السعودية المنحدرة عن نسخة الناظم التي حررها أخيرًا. وأشرنا إلى
стр. 522
الأولى بالأصل، والثانية بالرمز (ف). وسميناهما أحيانًا "الأصلين". والكلمات أو الأبيات التي وردت في غير الأصل وضعناها بين حاصرتين [].
٢ - ضبطنا الأبيات بالشكل، وإذا رأينا الكلمة مضبوطة في الأصلين المذكورين اتبعناهما إلّا أن يكون ضبطهما خطأ.
٣ - في ذكر فروق النسخ، كان اهتمامنا بالأصلين، ثم بالنسخ (ب، د، ظ) والمطبوعات الثلاث (طت، طع، طه. وعند اتفاقها أشير إليها بحرف ط فقط) ولم نذكر إلا الفروق المهمة. أما الأخطاء والتصحيفات الظاهرة والكلمات الساقطة في غير الأصلين فلم نشر إلى كثير منها لإثقالها الحواشي دون فائدة. أما المطبوعات ولا سيما الشرحان (طع، طه) فأشرنا إلى أخطائهما المهمة لتداولهما بين طلبة العلم.
٤ - بالإضافة إلى ما سبق رقمّنا الأبيات، ترقيمًا متسلسلًا.
٥ - الأبيات التي ضمنها الناظم في شعره وضعناها بين الأقواس ().
بعد توثيق النص على هذا النهج خدمنا النص بشرحه والتعليق عليه وفهرسته من الجوانب الآتية:
١ - نقل نصوص الآيات التي يشير إليها الناظم وعزوها إلى سورها، وذكر شيء من تفسيرها عند الحاجة.
٢ - نقل نصوص الأحاديث التي يشير إليها الناظم، وتخريجها،
стр. 523
وبيان درجتها صحة وضعفًا، وذكر شواهدها إن كانت ضعيفة، مع نقل حكم العلماء عليها إن وجد.
٣ - نقل نصوص الآثار التي يشير إليها الناظم، وتخريجها والحكم عليها إن وجد، ونقل كلام العلماء في ذلك.
٤ - تحرير نسبة الأقوال والآراء التي يشير إليها الناظم، ونسبتها إلى قائليها، مع نقل نصوصهم وعزوها إلى كتبهم ما أمكن ذلك.
٥ - التعليق على المسائل والمواضع التي رأينا أنها تحتاج إلى بيان وتوضيح، ونقل نصوص كلام العلماء عليها.
٦ - نقل آراء أصحاب المذاهب وتوثيقها من كتبهم الأصلية المعتمدة عندهم ما أمكن ذلك مع الردّ عليها. وإذا لم يتيسر الوقوف على كتبهم ننقل عمن نقل عنهم ونشير إلى ذلك.
٧ - ترجمة الأعلام الواردة في النظم.
٨ - التعريف بالكتب الواردة فيه.
٩ - التعريف بالأماكن والبلدان الواردة فيه.
١٠ - التعريف بالفرق المذكورة فيه.
١١ - شرح المصطلحات العلمية والألفاظ الغريبة.
١٢ - وضع فهارس عامة شاملة للكتاب.
стр. 524
هذا وقد بقيت مواضع في متن النونية أشكلت علينا لتحريف في بعض ألفاظها، فلم نتمكن من تحريرها أو تفسيرها، ولعل بعض القراء يوفق إلى حلّ إشكالها ويهدينا مشكورًا إلى صوابها.
وفي الختام فإننا نحمد الله تعالى ونشكره على ما يسّر وأعان من إتمام تحقيق هذا الكتاب الجليل النافع. ونسأله سبحانه أن يجعل النية فيه خالصة لوجهه الكريم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 525
الرموز المستعملة في الحواشي
الأصل: نسخة الظاهرية المنقولة من نسخة ابن رجب.
ف: نسخة المكتبة السعودية بدار الإفتاء بالرياض.
الأصلان: النسختان المذكورتان.
ب: نسخة برلين.
د: نسخة دار الكتب.
ظ: نسخة الظاهرية من الكواكب الدراري.
س: نسخة ابن السفاريني.
ح: نسخة ابن سحمان.
طت: طبعة التقدم من النونية.
طع: النونية مع شرح ابن عيسى.
طه: النونية مع شرح هراس.
ط: المطبوعات الثلاث المذكورة.
ص: الإصلاحي (مُراجع الكتاب).