Полный текст (899 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فإن الغدر قد أمسى وأضحى ... مقيماً بين خبت إلى المسات
تركنا قومنا من حرب عام ... ألا يا قوم للأمر الشتات
وأخرجنا الأيامى من قصور ... بها دار الإقامة والثبات
فإن نرجع إلى الجبلين يوماً ... نصالح قومنا حتى الممات
ويروى "الموالي من حصون" ويروى "دار المقامة"، المعنى: يصف كلبا بالغدر، وأن الغدر مقيم في أوطانهم، ثم أخذ يتلهف على ما كان منه من مفارقة قومه لما لحقهم من الذل، ويقول: إن رجعنا إلى قومنا صالحناهم ولم نفارقهم أبداً.
(١٢٣)
وقال موسى بن جابر الحنفي:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
لا أشتهي يا قوم إلا كارهاً ... باب الأمير ولا دفاع الحاجب
ومن الرجال أسنة مذروبة ... ومزندون شهودهم كالغائب
منهم ليوث لا ترام وبعضهم ... مما قمشت وضم حبل الحاطب
المعنى: يصف تعززه في نفسه واختلاف أحوال الناس في الغناء والضعف، يقول: لا أحضر باب الأمير ولا دفاع الحاجب إلا كارهاً، والناس مختلفون منهم كالأسنة المحددة مضاء ونفاذاً، ومنهم الضيقو النفوس لا فضل لشهودهم على غيبتهم، ومنهم كالأسود لا يطمع فيها، ومنهم من لا يعبأ بهم، يجمع ويذلل كالقماش والعيدان.
стр. 212
(١٢٤)
وقال رجل من بني أسد، مخضرم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وقلت لنفسي حين حود رألها ... مكانك لما تشفقني حين مشفق
مكانك حتى تنظري عم تنجلي ... عماية هذا العارض المتألق
التخويد: ضرب من السير السريع: والرأل: فرخ النعام، والنعام أشد الأشياء نفاراً، فيشبه به في النفار، ويروى "مكانك" و "رويدك"، والعماية: الظلمة، ويروى "غيابة" و "عماية" والمتالق: المتلاليء. المعنى: يصف أنه لما استشنع الفزع من نفسه شجعها وصبرها وقال: قلت لنفسي لما فزعت: لم تشفقين وليس وقت الاشفاق، فاثبتي حتى تنظري إلى ماذا يصير أمر هذا العارض يعني الجيش ويروى "حين حق دراكها".
(١٢٥)
وقال موسى بن جابر:
стр. 213
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
قلت لزيد لا تترتر فإنهم ... يرون المنايا دون قتلك أو قتلي
فإن وضعوا حربا فضعها وإن أبوا ... فعرضة عرض الحرب مثلك أو مثلي
وإن رفعوا الحرب العوان التي ترى ... فشب وقود الحرب بالحطب الجزل
لا تترتر: لا تقلق ولا تجبن، ويروى "لا تبربر" وهو كثرة الكلام، ويروى "لا تبزبز" والبزبزة: الطيش والإسراع وكثرة الحركة، ولا تثرثر هي أيضاً كثرة الكلام، وكلها متقاربة في المعنى، ويروى "فعرضة حد السيف". المعنى: قلت لصاحبي المسمى زيداً. لا تقلق ولا تكثر فإن أعداءنا لا يقدرون علينا لأنهم يرقبون المنايا دون قتل واحد منا فإن سالموا فسالم، وإن حاربوا فحارب، فإن رجال الحرب مثلك أو مثلي، فأوهنا بمعنى الواو، يعني مثلك ومثلي.
(١٢٦)
وقال أيضاً:
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
إذا ذكر ابنا العنبرية لم تضق ... ذراعي وألقى باسته من أفاخر
هلالان حمالان في كل شتوة ... من الثقل ما لا تستطيع الأباعر
هلالان: يعني ابني العنبرية، حمالان في كل شتوة: أي يحملان من الحمالات ومؤن الناس في كل حدب ما لا يستطيع حمله الأباعر. المعنى: يفتخر بابني العنبرية ويذكر أنه يغلب لمفاخرتهما، ويصف حسنهما وانتفاع الناس بهما.
(١٢٧)
وقال أيضاً:
стр. 214
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألم تريا أني حميت حقيقتي ... وباشرت حد الموت والموت دونها
وجدت بنفس لا يجاد بمثلها ... وقلت اطمئني حين ساءت ظنونها
وما خير مال لا يقي الذم ربه ... ونفس امريء في حقها لا يهينها
وجدت بنفسي: أي أقدمت إقدام من لا يبالي بنفسه، حين ساء ظنونها: أي حين خافت وجبنت. المعنى: يصف شجاعته وبذله النفس في حفظ الحقيقة، وبين أنه لا خير في مال لا يقي العرض، ولا في نفس تهان عند الحق.
(١٢٨)
وقال أيضاً:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ذهبتم ولذتم بالأمير وقلتم ... تركنا أحاديثاً ولحماً موضعا
فما زادني إلا سناء ورفعة ... وما زادكم في الناس إلا تخضعا
وما نفرت جني ولا فل مبردي ... ولا أصبحت طيري من الخوف وقعا
لحماً موضعا: أي مطروحاً، وخص اللحم لأنه يسرع إليه الفساد، والعرب تقول: فلان ساكن الطائر إذا كان هادئا، ويروى "ثناء ورفعة". المعنى: يعاتب قوماً سعوا به والتجأوا إلى الأمير، وقدروا أنهم ضيعوه، فلم يؤثر ذلك فيه، ولم يكترث بهم بل رفعه ذلك وحط أعداءه.
(١٢٩)
وقال حريث بن جابر بن سري بن سلمة، مخضرم:
стр. 215
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لعمرك ما أنصفتني حين سمتني ... هواك مع المولى وأن لا هوى ليا
إذا ظلم المولى فزعت لظلمه ... فحرك أحشائي وهرت كلابيا
سمتني: كلفتني وظلمتني، والمولى ها هنا ابن العم، حرك أحشائي: أي أزعجني وأقلقني. المعنى: يتبرأ من خذلانه ابن عمه، ويصف فرط اهتمامه بشأنه، وأنه إذا ظلم ابن عمه أعانه وقلق منه، وأنكر على الظالم ظلمه، يعاتب صاحبه في ذلك.
(١٣٥)
وقال البعيث بن حريث الحنفي، إسلامي، البعيث: فعيل بمعنى مفعول كأنه مبعوث:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
خيال لأم السلسبيل ودونها ... مسيرة شهر للبريد المذبذب
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... فرد بتأهيل وسهل ومرحب
المذبذب: الراتب، والرجل المذبذب: المتردد بين أمرين. المعنى: يصف رؤيته خيال أم السلسبيل وهي على مسافة شهر للبريد المتسرع، وأنه ربح به فأجابه الخيال بمثل ذلك.
معاذ الإله أن تكون كظبية ... ولا دمية ولا عقيلة ربرب
ولكنها زادت على الحسن كله ... كمالا ومن طيب على كل طيب
المعنى: ينفي مشابهة أم السلسبيل وهي المرأة التي شبب بها، الظبية في الجيد
стр. 216
والدمية في الحسن، وولد البقرة في العين، ويرفعها عن مساواة هذه الأشياء، لأنها أحسن من كل حسن وأطيب من كل طيب.
وإن مسيري في البلاد ومنزلي ... لبالمنازل الأقصى إذا لم أقرب
ولست وإن قربت يوماً ببائع ... خلاقي ولا قومي ابتغاء التحبب
ويعتده قوم كثير تجارة ... ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي
المعنى: يقول: إذا لم يعرف قومي مكاني ولم يجلوني فارقتهم وتباعدت عنهم، ثم قال: ولا أدع أخلاقي لا حلال الناس إياي مبتغياً التحبب إليهم، وكثير من الناس يعتد ذلك تجارة ببيع دينه بشيء من عرض الدنيا.
دعاني يزيد بعد ما ساء ظنه ... وعبس وقد كانا على حد منكب
وقد علما أن العشيرة كلها ... سوى محضري من خاذلين وغيب
فكنت أنا الحامي حقيقة وائل ... كما كان يحمي عن حقائقها أبي
المعنى: يصف التقاء القبيلتين عبس ويزيد بعد الضرورة إليه، وقد علم أن حضور غيره لا يعنيهم لأن حضورهم وغيبتهم سواء، فلما دعوه حماهم ودفع عنهم، ثم مدح أباه فقال: كما كان يحمي عن حقائقها أبي أي أنا شجاع ابن شجاع وكريم ابن كريم.
(١٣١)
وقال المثلم بن رياح بن ظالم المري، ورياح: الريح بعينه:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
من مبلغ عني سنانا رسالة ... وشجنة أن قوماً خذا الحق أودعا
стр. 217
سأكفيك جنبي وضعه ووساده ... وأغضب إن لم تعط بالحق أشجعا
خذا الحق أو دعا: يحتمل معنيين أحدهما أنكما لا تقدران على ذلك فخذا الحق أو دعا إن قدرتما على ذلك، والآخر خذا الحق أو دعا فإنكما لا تردان على ذلك فلا تطمعا في غيرهما وهذا أقرب، وقوله: سأكفيك أي لا أكلفك من أمري شيئا إن أمسكت وإن رمت ظلم أشجع -وهي قبيلة أعنتها عليكم- غضبت لها. المعنى: يهدد سنانا وشجنة وينهاهما عن ظلم أشجع، ويذكر تعصبه لهم، ويروى "وضعة ووسادة بالتنوين".
تصيح الردينيات فينا وفيهم ... صياح بنات الماء أصبحن جوعا
لففنا البيوت بالبيوت فأصبحوا ... بني عمنا من يرمهم يرمنا معا
بنات الماء: الضفادع وقيل: طير الماء. المعنى: يصف شدة المطاعنة حتى ارتفعت أصوات الأسنة في الحديد كأصوات الضفادع إذا جاعت أو طير الماء، ويحصل أن يكون المعنى الإشارة إلى عزمهم على غزو القوم فدل بصياح الرماح مشتهية الطعن على ذلك، وقوله: لففنا البيوت أي لففنا بيوت أشجع ببيوتنا أي خلطناهم بجماعتنا، فأصبحوا كبني عمنا يمسنا ما يمسهم، والمعنى: يصف اتصال أشجع بهم، والتزامهم زمامهم حتى لا يتميزوا عنهم.
(١٣٢)
وقال آخر، وهو سالم بن دارة، إسلامي:
стр. 218
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
يا زمل إني إن تكن لي حاديا ... أعكر عليك وإن ترغ لا تسبق
إني امرؤ تجد الرجال عداوتي ... وجد الركاب من الذباب الأزرق
الحادي ها هنا: المهيج، وأعكر عليك: أي أعطف عليك، فإن ترغ: أي تعدل، ويروى "إن تزغ" بالزاي، والذباب الأزرق أشد الذبان أذى. المعنى: يصف جلادته وشدة مكروهه على أعدائه ويقول لزمل: أنك لا تفوتني بحال.
(١٣٣)
وقال الحصين بن الحمام المري:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فقلت لهم يا آل ذبيان ما لكم ... تفاقدتم لا تقدمون مقدما
مواليكم مولى الولادة منهم ... ومولى اليمين حابس قد تقسما
ذبيان وذبيان، تفاقدتم: دعا عليهم، مولى الولادة ابن العم، ومولى اليمين: مولى العتاقة، ويجوز أن يكون حابس بمعنى محبوس كقوله تعالى:
стр. 219
(من ماء دافق) و "في عشية راضية"، وقوله: قد تقسما: أي قسم قسمة الرق فيما بينهم.
وقلت تبين إنما بين ضارج ... ونهي الأكف صارخ غير أخرما
من الصبح حتى تغرب الشمس لا ترى ... من القوم إلا خارجيا مسوما
عليهن فتيان كساهم محرق ... وكان إذا يكسو أجاد وأكرما
صفائح بصرى أخلصتها قيونها ... ومطردا من نسج داود محكما
ضارج ماء لبني عبس، وصارخ غير أخرما، الصارخ: المستغيث ها هنا.
غير أخرما: غير منقطع، أي هم متصلون في الصراخ، يرفع بعضهم بعضا، وقال بعضهم: صارخ هنا مغيث، وأحرم: اسم جبل، ومعنى البيت: ليس بين هذين الماءين مفزع إلا ذلك الجبل، ويجوز أن يكون "مطرداً" أي من صفائها وبضيضها كأنها تطرد اطراد الماء. المعنى: يحث أصحابه على استنقاذ مولاهم، ويذكر اتصال الصراخ، ثم وصف الخيل بالجودة، والفرسان بجودة الشكة وأن سيوفهم ودروعهم من عطية عمرو بن هند، وكان عمرو جزل العطية سني الهبة.
ولما رأينا الصبر قد حيل دونه ... وإن كان يوماً ذا كواكب مظلما
صبرنا وكان الصبر منا سجية ... بأسيافنا يقطعن كفا ومعصما
نفلق هاما من أناس أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
المعنى: لما رأينا ألا صبر على ما نلقى منهم، وإن كان يوماً صعبا، والعرب تعبر عن صعوبة اليوم بظهور الكواكب فيه، وتزعم العرب أن يوم حليمة وهو يوم معروف ارتفع الغبار من سنابك الخيل فسد الأفق وستر عين الشمس فظهرت الكواكب، أي ضربنا بأسيافنا مقابلة، والصبر منا سجية. المعنى: لما جاز الأمر
стр. 220
حد الاحتمال والصبر ضربنا بأسيافنا في الحرب، فجعلنا نفلق الرؤوس من أناس أعزة علينا لما بيننا من الرحم، وهم كانوا أقطع للرحم لأنهم بدأونا بالظلم.
ولما رأيت الود ليس بنافعي ... عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما
المعنى: لما لم ينفع اللين أتيت ما كان أصوب وأدعى إلى الحزم، يعني الحرب. والعرب تقول: "الطعن يظأر" أي يعطف على ما لا يعطف عليه الرحم، أي عمدت إلى الحرب لأني رأيتها أصوب من الاحتمال.
فلست بمبتاع الحياة بذلة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما
المعنى: يقول: إني لا أختار أن أعيش ذليلا على أن أموت عزيزا، ولكن أقاتل حتى أغلب فأعيش عزيزا أو أقتل فأموت كريما.
(١٣٤)
وقال بشامة بن حزن، البشامة شجر يتخذ منه السواك:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
ولقد غضبت لخندف ولقيسها ... لما ونى عن نصرها خذالها
стр. 221
دافعت عن أعراضها فمنعتها ... ولدي في أمثالها أمثالها
خندف منسوبة إلى أمهم، وقوله: لدي في أمثالها أمثالها، أي عندي في أمثال هذه الحادثة أمثال هذه المعونة التي كانت مني. المعنى: غضبت لهاتين القبيلتين خندف وقيس لما لم ناصرا، فدفعت عنهم شر أعدائهم، وضمنت لهم المعونة في كل نائبة.
إني امرؤ أسم القصائد للعدى ... إن القصائد شرها أغفالها
اسم القصائد على وجهين: أحدهما أن يكون المراد أجود القصائد في هجاء العدى كي تروى لجزالة معناها وبراعة لفظها، والىخر أن يكون المراد أذكر من أهجوه فيها كي تروى، والأغفال: جمع غفل وهي التي لا سمة عليها. المعنى: يصف تجويد الشعر ليكثر إنشاده.
قومي بنو الحرب العوان بجمعهم ... والمشرفية والقنا إشعالها
ما زال معروفاً لمرة في الوغى ... عل القنا وعليهم إنهالها
من عهد عاد كان معروفا لنا ... أسر الملوك وقتلها وقتالها
ويروى "معروفا لها" ويروى "والقنا أشغالها". المعنى: يصف قومه بأن جميعهم معتادون للحروب بالسيوف والرماح.
(١٣٥)
وقال أرطأة بن سهية، وسهية: تصغير سهوة، وهي كالصفة بين يدي البيوت:
стр. 222
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ونحن بنو عم على ذات بيننا ... زرابي فيها بغضة وتنافس
ونحن كصدع العس إن يعط شاعبا ... يدعه وفيه عيبه متشاخس
ذات البين: العداوة، والزرابي: الطنافس ذات الألوان الواحدة زربية، والعس: القدح العظيم من خشب، والشاعب: الذي يرأب الصدع، ومتشاخس: متمايل. المعنى: يصف أحقاد قلوبهم واختلاف أحوالهم، وشبه ذلك بالطنافس الملونة وبصدع العس.
كفى بيننا أن لا ترد تحية ... على جانب ولا يشمت عاطس
المعنى: دل في هذا البيت على المكاشفة بالعداوة بترك التشميت للعاطس ورد التحية على المسلم.
(١٣٦)
وقال عقيل بن علفة المري، عقيل بمعنى معقول، والعلف: ثمر الأراك، الوحدة: علفة:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
стр. 223
تناهوا واسألوا ابن أبي لبيد ... أأعتبه الضبارمة النجيد
ولستم فاعلين إخال حتى ... ينال أقاصي الحطب الوقود
تناهوا: أي كفوا وازدجروا، وابن أبي لبيد رجل ناله هذا الشاعر بشر، أأعتبه الضبارمة وهو الأسد، وعنى به نفسه، والنجيد: الشجاع. المعنى: يقول: لستم متناهين عما أكرهه منكم حتى يعمكم الشر ويبلغ منتهاه.
وأبغض من وضعت إلي فيه ... لساني معشر عنهم أذود
أذود: أمنع. المعنى: يقول: أبغض الأشياء إلي أن أهجو عشيرتي الذين يلزمني الذب عنهم.
ولست بسائل جارات بيتي ... أغياب رجالك أم شهود
المعنى: يقول: أنا عفيف لا أسأل جاراتي عن رجالهن ولا أختلف إليهن لأن ذلك فعل المريب.
ولست بصادر عن بيت جاري ... صدور العير غمره الورود
ولا ملق لذي الودعات سوطي ... ألاعبه وربته أريد
ربته: يعني أمه، وذو الودعات: الصبي، والودعات: الخرز، والتغمير: أن يشرب يسيراً وبه حاجة إلى الماء، وتدعوه نفسه إليه، وخص العير لأنه أقل الدواب صبرا على الماء، فإذا شرب دون الري وخلي عنه جعل يتلفت إليه المعنى: يقول: أنا عفيف لا ألتفت إلى بيوت الجارات التفات العير نحو الماء إذا شرب الري، ولا أشغل الصبيان بسوطي لأخلو بأمهاتهم.
стр. 224
(١٣٧)
وقال آخر:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد
المعنى: يقول: إن يحسدوني فلفضلي فلا لوم عليهم، فالفاضل يحسد، فدام لي الفضل ودام لهم الحسد، لأن الحاسد أكثر الناس غماً، ولهذا قالوا: لا راحة لحسود.
أنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرا منها ولا أرد
المعنى: قد نشبت العداوة في صدورهم، لا يقدرون على إخراجها، فكأني شجا في حلوقهم.
(١٣٨)
وقال محمد بن عبد الله الأزدي، إسلامي:
стр. 225
(من الطويل وهو مخروم والقافية من المتدارك)
لا أدفع ابن العم يمشي على شفا ... وإن بلغتني من أذاه الجنادع
ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه ... لترجعه يوماً إلي الرواجع
وحسبك من ذل وسوء صنيعة ... مناواة ذي القربى وإن قيل قاطع
شفا كل شيء: طرفه، أي لا أدفعه في الهلاك، والجنادع: الحيات: وهي أم الأرض واحدها جندع، وهو مثل، وإنما أراد به الأذى وسوء القول. المعنى: يصف كرمه ورعايته الحرم يقول: لا أدفع ابن العم في الهلكة وإن أساء إلي ولكن أساعده إلى أن يعود إلى الواجب، ثم قال: يكفيك من ذل وسوء فعل أن تعادي قريبك وإن كان قاطعا.
(١٣٩)
وقال آخر:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
الشر يبدؤه في الأهل أصغره ... وليس يصلى بجل الحرب جانيها
والحرب يلحق فيها الكارهون كما ... تدنو الصحاح إلى الجربى فتعديها
هكذا، كما قيل: كبيرات الأمور صغارها، أي يجنى الحرب الضعيف والعاجز، ويصلى بها القوي والحازم. المعنى: لا تستحقر الحقير من الشر فإنه سيعظم، والحرب ليس يدفع إليها من جناها، وربما يجنيها سفيه، ثم لا يجد أصحابه من الدفع عنه بدا.
إني رأيتك تقضي الدين طالبه ... وقطرة الدم مكروه تقاضيها
المعنى: يعرض بالقصاص، ويريد بالدين وتقاضيه القود، ويصفه بأنه مكروه.
стр. 226
(١٤٠)
وقال شريح بن قرواش العبسي، جاهلي، وقرواش: فعوال من القرش وهو الكسب:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لما رأيت النفس جاشت عكرتها ... على مسحل وأي ساعة معكر
عشية نازلت الفوارس عنده ... وزل سناني عن شريح بن مسهر
جاشت: اجت، وعكرتها: عطفتها، ومسحل: اسم رجل نصره وأنقذه من الأعداء، وزل سناني: أي نبا، لأنه كان دارعا فلم يقتله. المعنى: لما هاجت نفسي عطفا على مسحل رددتها عليه ودافعت عنه، وطعنت شريحا فلم يعمل فيه سناني لأنه كان دارعا وبين ذلك بقوله:
وأقسم لولا درعه لتركته ... عليه عواف من ضباع وأنسر
عواف: جمع عافية وهو كل آت يطلب شيئا، فالسباع تسمى بذلك لطلبها الصيد. المعنى: أقسم لولا أنه كان دارعا لقتلته لأني أصبت المقتل وسددت الطعن.
стр. 227
وهل غمرات الموت إلا نزالك الـ ... ـكمي على لحم الكمي المقطر
المعنى: ما شدائد الموت إلا قتالك على الشجاع المقتول، وقيل: على لحم الشجاع: معناه قتل الشجاع.
(١٤١)
وقال طرفة الجذيمي، جذيمة قيس:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
يا راكبا أما عرضت فبلغن ... بني فقعس قول امريء ناخل الصدر
أي إن عرضت، وما زائدة، ناخل الصدر: أي نخل صدره من الغش والمكر يعني أخلصه، ويروى بالحاء، أي منح النصح من قلبه. المعنى: يعتذر إلى بني فقعس في مفارقته إياهم وبين عذره في قوله:
فوالله ما فارقتكم عن كشاحة ... ولا طيب نفس عنكم آخر الدهر
ولكنني كنت امرأ من قبيلة ... بغت وأتتني بالمظالم والفخر
فإني لشر الناس إن لم أبتهم ... على آلة حدباء نابية الظهر
وحتى يفر الناس من شر بيننا ... ونقعد لا ندري أننزع أم نجري
стр. 228
الكشاحة: العداوة، ولا طيب نفس مقدرا آخر الدهر. طيب النفس عنكم، والآلة الحدباء: يعني به الداهية ويروى "الآلة" وهي الحالة، وقال بعضهم: أراد بالحدباء الجنازة، والصحيح على حالة مكروهة، وقوله: نابية الظهر أي قد نبا ظهرها فلا يستقر عليها الراكب. المعنى: يعتذر إلى بني فقعس أنه لم يفارقهم لأنه أبغضهم أو طابت نفسه عنهم، وإنما فارقهم لأن قبيلته كانوا بغوا عليه وظلموه ثم أوعد قومه بأنه يحملهم على داهية شديدة كما وصفها ويروى "من شنا بيننا".
(١٤٢)
وقال أبي بن حمام العبسي، أبي: تصغير أب، والحمام من حمي الإبل، والعبس من العبوس.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تمنى لي الموت المعجل خالد ... ولا خير فيمن ليس يعرف حاسده
فخل مكانا لم تكن لتسده ... عزيزا على عبس وذبيان ذائده
فخل مكانا يخاطب خالداً يقول: دع السيارة فلست من أهلها وإنما يستحق السيادة من يدفع عن قومه ولست بقادر على ذلك. المعنى: يصف نفسه بحماية قومه عبس وذبيان وكفايته إياهم، ويذكر أن خالداً يتمنى موته حسداً منه، ولا خير فيمن لا يحسد.
(١٤٣)
وقال أيضاً:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
стр. 229
لست بمولى سوءة أدعى لها ... فإن لسوءات الأمور مواليا
ولن يجد الناس الصديق ولا العدى ... أديمي إذا عدوا أديمي واهيا
وإن نجاري يابن غنم مخالف ... نجار اللئام فابغني من ورائيا
أي إني لست بصاحب سوءة، وقيل: المولى ها هنا ابن العم، وادعى لها: انتسب إليها. وقوله: أديمي أراد نفسي وعرضي، والعرب تقول: فلان صحيح الأديم أي لا عيب فيه، والنجار والنجار والنجر: الأصل، وقوله: فابغني من ورائيا أي سل خلقي تنبا عن أمري، ويروى "ابغني من نجاريا". المعنى: يصف كرم نفسه وأصله، وينتفي من السوءة واللؤم.
وسيان عندي أن أموت وأن أرى ... كبعض رجال يوطنون المخازيا
المعنى: يقول: أقابل كل واحد بما يقابلني به ولا أكرم ما لا يكرمني ولا أنقاد لمن يتطاول علي.
إذا المرء لم يحببك إلا تكرها ... عراض العلوق لم يكن ذاك باقيا
العلوق: الناقة ترأم ولدها بأنفها وتمنعه درها، وقيل: العلوق: الناقة يعطف عليها ولد غيرها. وعراضها: معارضتها بالشم، هذا مثلا يضرب لمن يعطي بلسانه ما لا يعقد عليه ضميره. المعنى: لا يبقى الود إذا لم يكن خالصا، كما أن عراض العلوق لا يبقى.
(١٤٤)
وقال عنترة العبسي، جاهلي.
(الضرب الثاني من المتقارب والقافية من المتدارك)
стр. 230
يذبب ورد على إثره ... وأمكنه وقع مردى خشب
تتابع لا يبتغي غيره ... بأبيض كالقبس الملتهب
فمن يك في قتله يمتري ... فإن أبا نوفل قد شجب
وغادرن نضلة في معرك ... يجر الأسنة كالمحتطب
يذبب: من التذبيب وهو مثل الطرد أي يسرع، ورد: اسم رجل من عبس، على إثره: يعني إثر نضلة أبي نوفل، وأمكنه: أي ساعده على ذلك وقع فرس صلب كالحجر، ويقال: مردى من الرديان، وقيل: المردى في البيت هو السيف وخشب خشن، ومن جعله فرساً قال: خشب غليظ العظام، ويروى "جشب" بالجيم وهو الغليظ العظام. وتتابع أي تمادى ويروى تدارك، لا يبتغي غيره: أي غير نضلة، ومن روى "يتابع" أي يتابع الركض ويتعمد نضلة، ويمتري: يشك والاسم المرية، وشجب: هلك، والشجب: الهلاك، وغادرن: يعني الخيل تركن نضلة بمعرك في موضع الحرب يجر الأسنة كالمحتطب، من كثرة ما طعن بها وتركت الرماح فيه متكسرة كأنه جمع الحطب فحمله، المعنى: يصف إسراع ورد العبسي بسيف صقيل في إثر نضلة أبي نوفل حتى قتله وكثرة الطعن في نضلة وانكسار الرماح فيه حتى كأنه حامل حطب.
(١٤٥)
وقال عروة بن الورد العبسي، جاهلي:
стр. 231
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لحا الله صعلوكا إذا جن ليله ... مصافي المشاش آلفا كل مجزر
يعد الغنى من نفسه كل ليلة ... أصاب قراها من صديق ميسر
ينام عشاء ثم يصبح ناعسا ... يحت الحصى عن جنبه المتعفر
قليل التماس الزاد إلا تعلة ... إذا هو أضحى كالعريش المجور
يعين نساء الحي ما يستعنه ... فيضحي طليحا كالبعير المحسر
لحا الله: دعاء عليه، من لحوت العود ولحيته، آلفاً كل مجزر: أي لازم كل موقع جزر ونحر، يقال: مجزر ومجزر، والميسر: التي تنجت إبله وغنمه، وضده المجنب، ومنه عام فيه تجنيب، ويحت الحصى: ينحى الحصى عن جنبه الذي التزق بالأرض لتثاقله، وقوله: ينام عشاء: أي ينام الليل كله، فإذا أصبح كان في نفسه من النوم لكسله، ومعنى قليل الزاد أي لا يهتم لأحد ولا يطلب علاء ولا شرفا، ولا يهمه إلا نفسه، والعريش: ما بني من عيدان الشجر يستظل به، والمجور: المطروح بعضه على بعض، والبعير: المحسر أي حسره السفر فأذهب قوته، ومعنى يعين نساء الحي أي يخدم النساء بما يستخدمنه.
ولكن صعلوكاً صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور
مطلا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر
إذا بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المنتظر
فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميداً وإن يستغن يوماً فأجدر
стр. 232
قوله: "ولكن صعلوكا" فيه إضمار، ومعناه ولكن جبر الله صعلوكاً، والقابس: الذي يعطي القبس، والمتنور: الذي يتبع ضوء النار، والمنيح المشهر ها هنا قدح مشهور بالفوز يستعار ثم يرد إلى صاحبه، وقال الأصمعي: المنيح الذي لا نصيب له فإذا خرج رد ليخرج غيره، فأما ذو الحظ من السهام فإنما إذا خرج لم يعد ثانية، يقول: هو أبدا غير مأمون كالمنيح الذي تراه عند كل إجالة، فهم يجرونه أبداً: وقال ابن الأعرابي: أراد أن يقول: القداح المشهر فقال: المنيح لأنه فيها، وقال ابن قتيبة: أراد أنهم إذا رأوه زجروه ولعنوه كما يلعن المنيح لأنه لا نصيب له فيغتم صاحبه إذا خرج، وقوله: فذلك يعني بذلك الصعلوك، إن يلق المنية يلقها حميدا أي يحمد لأنه لم يقصر في طلب الرزق.
(١٤٦)
وقال عنترة الفوارس:
стр. 233
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
تركت بني الهجيم لهم دوار ... إذا تمضي جماعتهم تعود
تركت جرية العمري فيه ... شديد العير معتدل شديد
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحق له الفقود
دوار: صنم -بفتح الدال وضمها- كأنهم يدورون عليه، أي قتلت من بني الهجيم قتيلا وهم يطوفون حوله كما يطاف على الصنم، وقيل: كأنهم لفرسي دوار أكر عليهم وأطوف بهم، كما يطاف بذلك الصنم، والرجل الثاني الذي قتله اسمه جرية العمري، وإنما قال العمري لأن الهجيم من عمرو بن تميم، وشديد العير: ما نتأ في وسط النصل من قرنته إلى سنخه، وقرنته من طرف نصله. المعنى: قتلت جرية من بني الهجيم، فهم يطوفون حوله. ومن قال: إنه يعني فرسه روى "تركت بني الهجيم له دوار"، ومعنى تمضي جماعتهم: تجاوزهم، مضيت القوم: جاوزتهم. ثم ذكر أنه قتله بسهم رماه به فقال: تركت جرية العمري فيه شديد العير أي معتدل سديد، وصف نصله بالقوة والاستقامة والسداد، ثم قال: فإن يبرأ من هذه الرمية فلم أمن ذلك وإن يهلك فحق له الهلاك لأني قصدت قتله:
وما يدري جرية أن نبلي ... يكون جفيرها البطل النجيد
الجفير: الجعبة، والنجيد: الشجاع والنجدة: الشجاعة. المعنى: يصف إصابته في الرمي فيقول: وما يدري ذلك القتيل أن نبلي إذا فارق قوسي كان جعبتها البطل الشجاع، أي اتركه فيها.
(١٤٧)
وقال قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، جاهلي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
تعلم أن خير الناس حيا ... على جفر الهباءة لا يريم
стр. 234
ولولا ظلمة ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم
تعلم: أي اعلم ولا تقل تتعلم بمعنى تعلم، وإنما يقال ذلك في الأمر، والهباءة: ماء لبني فزارة، وكان قيس بن زهير قتل حذيفة وحملا ابني بدر، وحديثه مشهور في حرب داحس والغبراء، وقوله: ولولا ظلمة الناس أي لولا أنه أحوجني إلى قتله لبكيت عليه دائماً، والوخيم: الثقيل الذي لا يستمرأ به، ويروى "مصرعه وخيم". المعنى: يرثي قتيله حمل بن بدر، وجعله خير الناس في حياته ثم قال: ولولا ابتداؤه بالظلم لبكيت عليه دائما، ولكنه بغى والبغي يصرع مصرعا ثقيلا.
أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني ... فمعوج علي ومستقيم
وقد يستجهل: أي يقدر أنه جاهل لتغافله عن المكافأة. دل علي قومي: أي مكنهم مني: وبين أنه امتحن الرجال وأنه قوم من اعوج عليه منهم.
(١٤٨)
وقال مساور بن هند بن قيس بن جذيمة بن رواحة العبسي:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
سائل تميماً هل وفيت فإنني ... أعددت مكرمتي ليوم سباب
وأخذت جار بني سلامة عنوة ... فدفعت ربقته إلى عتاب
وجلبته من أهل أبضة طائعا ... حتى تحكم فيه أهل إراب
стр. 235
أعددت مكرمتي ليوم سباب: أي لا يقدر أحد أن يسبني لأنه لا يجد في عيباً يسبني به، فلا يجد عندي إلا المكارم. عنوة: قهراً، وأبضة: ماء لطيء ثم لبني ملقط، عليه نخل، وهو على عشرة أميال من ناحية المدينة، وإراب: ماؤ لبني العنبر، وقد يفتح ألفها أيضا، يقول: جلبته عن هذا الموضع حتى تحكم فيه أهل إراب بما أرادوا. المعنى: يصف وفور مكارمه حتى إن من يفاخره لا يجد فيه عيباً يسبه به، ويذكر أشره جار بني سلامة قهراً، ودفعه إلى عتاب إذ كان ثأره.
قتلوا ابن أختهم وجار بيوتهم ... من حينهم وسفاهة الألباب
غدرت جذيمة غير أني لم أكن ... أبداً لأؤلف غدرة أثوابي
وإذا فعلتم ذلكم لم تتركوا ... أحداً يذب لكم عن الأحساب
العرب تقول: فلان نقي الثياب إذا لم يكن فيه عيب. المعنى: يشكو قومه جذيمة ويقول: دفعت إليهم أسيراً، وهم وإن غدروا بقتله فإني لم أغدر، ثم خاطب قومه فقال: إذا فعلتم ذلك الغدر لم تتركوا أحداً يذب لكم عن أحسابكم لأنه لا يثق بكم أحد.
(١٤٩)
وقال العباس بن مرداس، مخضرم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أبلغ أبا سلمى رسولا تروعه ... ولو حل ذا سدر وأهلي بعسجل
رسول امريء يهدي إليه نصيحة ... فإن معشر جازوا بعرضك فابخل
وإن بوؤوك مبركا غير طائل ... غليظاً فلا تنزل به وتحول
ولا تطعمن ما يعلفونك إنهم ... أتوك على قرباهم بالمثمل
الرسول ها هنا: الرسالة، ولهذا أنت فقال تروعه، وذو سدر مكان ينبت
стр. 236
السدر، وعسجل: موضع، أي فإن أسلمك معشر فاحفظ نفسك، وإن بوؤك أي أنزلوك، والمبرك: المنزل، والمثمل: السم الناقع، يقول: كن ذا أنفة فقد سقوك السم وإن كانوا أقرباءك فلا تشربه أي لا تصالحهم، ولا تقبل الدية فإنها كالسم المنقع، المعنى: يقول: أبلغ أبا سلمى رسالة تفزعه وإن نأت داري عنه، رسالة رجل ينصح لك، ثم حثه على حفظ نفسه وأن لا يرضى بمنزل لا خير فيه، ونهاه عن أن يصالح أعداءه وإن كانوا أقاربه لأن مصالحتهم كالسم ضربا.
أبعد الإزار مجسداً لك شاهدا ... أتيت به في الدار لم يتزيل
أراك إذا قد صرت للقوم ناضحاً ... يقال له بالغرب ادبر وأقبل
فخذها فليست للعزيز بخطة ... وفيها مقال لامريء متذلل
المجسد: المصبوغ بالزعفران، وأراد به ها هنا الدم، أي خذ هذه الخطة الدنية، فليست بخطة يرضى بها العزيز، وفيها مقال لمن به التذلل أي يعاب به، فإن قيل لك: إنك ذليل فلا تنكر فإنك لم ترفع نفسك عن ذلك بعد أخذ الدية وقيل: خذها أراد خذ النصيحة، ليست للعزيز بخطة تضع منه، وفيها مقال لمن لا يتعظم. المعنى: يمنع أبا سلمى عن مصالحة قومه الذين قتلوا قريبه، يقول: أبعد الإزار مخضوبا بالدم أتيت به شاهدا تصالحهم؟ فإن فعلت ذلك صرت كالناضح انقياداً لهم.
(١٥٠)
وقال أيضاً:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أتشحذ أرماحاً بأيدي عدونا ... وتترك أرماحا بهن تكايد
عليك بجار القوم عبد بن حبتر ... فلا ترشدن إلا وجارك راشد
فإن غضبت فيها حبيب بن حبتر ... فخذ خطة ترضاك فيها الأباعد
стр. 237
الصحيح "نكايد"، والمكايدة: معالجة الأقران، المعنى: يعاتبه على معاونته أعداء قومه، وترك معاونة قومه، ويحث على عبد بن حبتر، وينهاه عن قبول الدية لما فيها من الخطة الدنية.
إذا طالت النجوى بغير أولي النهى ... أضاعت وأصغت خد من هو فارد
المعنى: إذا شاورت غير أولي الرأي أضاعت المشاورة وأمالت للذل حد الفارد، من انفرد عن قومه.
فحارب فإن مولاك حارد نصره ... ففي السيف مولى نصره لا يحارد
حارد: نصره أي قل، وأصله في الإبل أن تقل ألبانها وهو المحاردة.
المعنى: حارد عدوك فإن لم يعنك ابن عمك أعانك سيفك.
(١٥١)
وقال العباس أيضا، وهذه الأبيات من المنصفات:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فلم أر مثل الحي حيا مصبحا .. ولا مثلنا لما التقينا فوارسا
أكر وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منا بالسيوف القوانسا
يعني بالحي المصبح بني أسد، والقوانس: أعالي البيض واحدها قونس وأراد الرؤوس. المعنى: يصف عدوه وقومه بالشجاعة، يقول: لم أر مثل بني أسد حيا صباحا أكر على أعدائهم وأحمي لما يجب حمايته، ولا مثلنا فوارس أضرب بالسيوف منا.
إذا ما شددنا شدة نصبوا لنا ... صدور المذاكي والرماح المداعسا
стр. 238
شددنا شدة: حملنا حملة، والمداعس: الرماح الشداد. المعنى: يصف ثباتهم على خيلهم مشرعين رماحهم عند الحملة عليهم.
إذا الخيل جالت عن صريع نكرها ... عليهم فعما يرجعن إلا عوابسا
أي خيلنا جالت عن صريع أي انصرفت عن مقتول منا نكرها عليهم: أي نردها عليهم ثانية لنصرع منهم مثلما صرعوا منا، فما يرجعن إلا عوابسا: أي كوالحا. المعنى: يصف صبرهم على الحرب وانتصافهم من العدو.
(١٥٢)
وقال عبد الشارق بن عبد العزى الجهني، جاهلي. الشارق: اسم صنم والشارق: الشمس كأنه عبد شمس.
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ألا حييت عنا يا ردينا ... نحييها وإن كرمت علينا
يعني نفارقها وإن كرمت علينا، قال أبو رياش: إن رجلا إذا عرف بمحبة المرأة لم يزوجوها له، وإذا سلم عليها عرف أنه يحبها ويهواها، فقال: نسلم عليها وإن كان في السلام بأس منها، وهذا من إفراط شوقه وغلة هواه. وقال غيره: كان هذا الشاعر غائبا عن ردينة فحن إليها واشتاق إلى قربها فقال: ألا خصصت عنا يا ردينة بتحية منا، ثم قال معتذراً من التسليم عليها في حالة الغيبوبة: نحييها وإن كرمت علينا أي وإن جلت عندنا من أن يتولى تحيتها غيرنا، غيرة منا عليها.
стр. 239
ردينة لو رأيت غداة جئنا ... على أضماتنا وقد اجتوينا
الأضمات: الأحقاد واحدها أضم، واجتوينا: يروى على ثلاثة أوجه، بالجيم والحاء والخاء، فمن روى اجتوينا أي دويت قلوبنا واحترقت أكبادنا من الغيظ، وهو افتعلنا من الجوى، ومن روى بالحاء معناه: ملأنا أيدينا من الغنائم من احتوى، ومن روى اختوينا بالخاء، فله تفسيران أحدهما: أن الأمعاء إذا امتلأت كان أخذ الطعن منها أكثر، والأخرى أن يكون خروج ذات البطن لما يخرج من النتن. المعنى: يقول: يا ردينا لو رأيتنا مقبلين إلى الحرب على الصفة التي ذكرناها لك لتعجبت منا، فترك جوابه على طريقة العرب.
فأرسلنا أبا عمرو ربيئا ... فقال ألا انعموا بالقوم عينا
ودسوا فارسا منهم عشاء ... فلم نغدر بفارسهم لدينا
الربيء والربيئة: الطليعة والجمع ربايا، فقال أبو عمرو ألا انعموا بالقوم عينا أي أن العدو في قلة من العدد، وقوله: دسوا فارسا: أي أخفوه. المعنى: يصف إنفاذ كل واحد من الفريقين رجلا ربيئا لهم، وهذه القصيدة من المنصفات كلما أثبت لقومه شيئا أثبت لعدوه مثله.
فجاءوا عارضا برداً وجئنا ... كمثل السيل نركب وازعينا
الوازع: الكافي وجمعه وزعة، والوازع الذي يرد الخيل، ما شذ عنها وتفرق، وثنى فقال: وازعينا، وهو على وجهين أحدهما: أنه أريد به الكثرة فثنى على عادتهم في نحو لبيك وسعديك، والآخر: أن لكل من العسكرين وازعاً وهو
стр. 240
أميرهم الذي يأمرهم وينهاهم. المعنى: يصف إقبال كل واحد من الفريقين على صاحبه بشدة وهيبة لا يرده شيء، وشبه قومه بالسيل وعدوه بالسحاب ذي البرد.
سمعنا دعوة عن ظهر غيب فجلنا جولًة ثم ارعوينا
فلما أن توافقنا قليلًا أنخنا للكلاكل فارتمينا
فنادوا $$$$ إذ رأونا فقلنا أحسني ملًأ جهينا
بهثة: قبيلة من بني عبد الله، وبهثة: بطنان في العرب، بهثة في بني سليم وبهثة في بني ضبيعة ربيعة وهو ضبيعة أضجم، وهو في الغة ولد الزنا، ويروى "أحسنوا ملأ" أي أحسنوا خلقًا، وقوله: سمعنا دعوة عن ظهر غيب أي من قبل العدو ولم نر من يدعونا، فجلنا جلوة فلم نر أحدًا يبرز إلينا، ثم ارعونا أي كففنا عن الجولان. المعنى: يصف أن العدو دعوا بهثة قبيلتهم، ودعونا جهينة قبيلتنا، وبصف تواقفهم وانتصابهم للرمي حتى نفدت السهام قال:
فلما لم ندع قوسًا وسهمًا مشينا نحوهم ومشوا إلينا
تلألو مزنة برقت لأخرى إذا حجلوا بأسياٍف ردينا
المعنى: يصف تواقفهم للرمي حتى نفدت السهام، وبطلت القسي، ثم تقاربهم بالسيوف اللامعة، وردينا أي مشينا بالنشاط.
شددنا شدًة فقتلت منهم ثلاثة فتيٍة وقتلت قينا
وشدوا شدًة أخرى فجروا بأرجٍل مثلهم ورموا جوينا
وكان أخي جويٌن ذا حفاٍظ وكان القتل للفتيان زينا
стр. 241
القين في اللغة الحداد، بأرجل مثلهم أي ثلاثة في العدد أي قتلوا ثلاثة ورموا جوينا أي أصابوه، وجوين: اسم رجل كأنه تصغير جون أي أسود أو أبيض، وكان القتل للفتيان زينًا لأنهم يموتون كرامًا ويمدحون به دائمًا. المعنى: يصف أصابتهم أربعة من أعدائهم، وإصابة أعدائهم منهم مثل ذلك العدد، ويرثي جوينا أخاه ويصفه بالمحافظة على الحرمات.
فآبوا بالرماح مكسراٍت وأبنا بالسيوف قد انحنينا
المعنى: يصف تساوي الفريقين في بطلان أسلحتهم، فهؤلاء رجعوا رماحهم مكسرًة، وأولئك انصرفوا وسيوفهم منحنية.
فباتوا بالصعيد لهم أحاٌح ولو خفت لنا الكلمى سرينا
الأحاح: صوت من الصدر شبه الأنين، والأحاح: العطش أيضًا أي صرعوا وبهم عطش، وهذا أحد ما جود الإنصاف وأخبر عن نفسه بما لحقه وعدوه.
المعنى: يصف تساوي الفريقين في الجراحات وعجزهم عن الحركة.
(١٥٣)
وقال بشر بن أبي العبسي حين غضب على بني زهير فعيرهم بداحس وشؤمها:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
إن الرباط النكد من آل داحٍس كبون فما يفلحن يوم رهاٍن
جلبن بإذن الله مقتل مالٍك وطوحن قيسًا من وراء عمان
стр. 242
لطمن على ذات الإصاد وجمعكم يرون الأذى من ذلٍة وهوان
سيمنع منك السبق إن كنت سابقًا وتقتل إن زلت بك القدمان
الرباط: الخيل المربوطة ها هنا، واحدها ربيط، والنكد: جمع أنكد وهو القليل الخير، داحس: اسم فرس لقيس بن زهير بن جذيمة العبسي، وحديثه معروف إلى أن قال قيس بن زهير للربيع بن زياد ارجعوا إلى قومكم فصالحوهم، فهو خير لكم من الغربة، فأما أنا فوالله ما أنظر في وجه غطفانية وقد قتلت أباها أو أخًا أو حميمًا لها، ثم فارقهم فلزم بريًة عمان حتى هلك هناك، وحديثه مشهور، وهذا معنى قوله: "وطوحن قيسًا من وراء عمان" ومعنى طوحن، بالواو أي اسقطن وذات الإصاد ردهة بين أجبل. وقال أبو سعيد السيرافي: ذات الإصاد الموضع الذي لطم فيه داحس فجنت تلك اللطمة حرب داحس والغبراء، وقوله: سيمنع يقول للعبسي: أن سبقت لم تعط السبق لأنه كان منتقلًا إلى ابن عمه حذيفة وأهل بيته، وأراد أنك لا تعط النصفة، وتقتل أن زلت قدماك يعني أن سبقت فمنعت قتلت. المعنى: يصف شؤم داحس والخيل التي كانت معه أنها لم تأت بخير عند المراهنة، ومن شؤمها قتل مالك بن زهير، ووقع قيس بن زهير في الغربة، ثم بين بقوله: "لطمن" ما فعل بداحس من الرد، وكان في ذلك ذلة وهوان لبني عبس، وإخراج الخطاب بلفظ الواحد في قوله: سيمنع منك السبق.
(١٥٤)
وقال غلاق بن مروان بن الحكم بن زنباع، غلاق فعال من غلق الرهن:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
هم قطعوا الأرحام بيني وبينهم وأجروا إليها واستحلوا المحارما
стр. 243
فيا ليتهم كانوا لأخرى مكانها ولم تلدي شيئًا من القوم فاطما
وأجروا إليها: أي إلى القطيعة، وقوله: يا ليتهم كانوا، يعني يا ليت القوم الذين بيننا وبينهم نسب كانوا لامرأة أخرى، ثم صرف الخطاب إلى المواجهة فقال: ولم تلدي شيئًا من القوم، وفاطمة هذه بنت الحرث بن انمار بن بغيض كانت ولدت الكملة، وهم ربيعة الحفاظ، وأنس الفوارس، عمارة الوهاب، ومالك بنو زياد بن عبد الله، وإنما سموا كملة لأنهم كانوا سادة كاملين. المعنى: يلزم الذنب بني عبس بأنهم ابتدءوا فقطعوا الأرحام، ثم أخذ يتأسف على ما جرى يقول: ليت النسب لم يجمعهم فلم يكن يقع على قتل بعضهم بعضًا تأسف.
فما تدعي من خير عدوة داحٍس فلم تنج منها يا ابن وبرة سالما
شأمتم بها حيى بغيٍض وغربت أباك فأودى حيث وإلى الأعاجما
وكانت بنو ذبيان عزا وإخوًة فطرتم وطاروا يضربون الجماجما
فأضحت زهيٌر في السنين التي مضت وما بعد لا يدعون إلا الأشائما
معنى فما تدعى: ما تفتخر من أمر داحس فهو شؤم عليك، ومن شؤمه إنك لم تنج سالمًا منها، يعني من العدوة، شأمتم بها أي بالعدوة، وحيي بغيض هما: عبس وفزارة، وكان قيس عبسيًا وحذيفة فزاريًا، يقال: شأم زيد القوم فهو شائم، وقوله: فأودى: أي هلك، وحيث وإلى الأعاجم أي جاورهم من الولي، ومعنى وغربت أباك يعني قيس بن زهير أبعدته عن أهله، ويروى "وعزبت" أي أبعدت، ولا يدعون إلا الاشائما أي لا يسمون.
(١٥٥)
وقال الماسور بن هند بن قيس بن زهير، والمساور: المواثب والمعربد قاله ابن الأعرابي، وهند مرتجل من هنيدة، وهي مائة من الإبل:
стр. 244
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
أودى الشباب فما له متقفر وفقدت أترابي فأين المغبر
وأرى الغواني بعد ما أوجهنني أعرضن ثمت قلن شيٌخ أعور
ورأين رأسي صار وجها كله إلا قفاي ولحيةً ما تضفر
ورأين شيخًا قد تحنى ظهره يمشي فيقعس أو يكب فيعثر
ماله متقفر، ماله مطلب في موضع القفر، وأكثر ما يجيء المؤنث، والمغبر مدر من غبر يغبر إذا بقي يريداني هالك فما بعد المشيب وفقد الأشكال إلا الموت، وقوله: صار وجهًا كله أي نشأ الصلع حتى عم رأسي، ولحية ما تضفر: استعار الضفر للمشط لأن اللحية لا تضفر، ويحتمل أن يكون قد معرت حتى لا يمكن $$$$ وتشنج أخادعه أو يكب على وجهه فيعثر من العثار. المعنى: يصف ذهاب شبابه ودنو أجله وإعراض الغواني عنه بعد إكرامهن إياه لشبابه، ويصف سقوط شعر رأسه، ونقصان شعر لحيته وانحناء صلبه ومشيه راكعًا، كل ذلك من نتاج الهرم.
لما رأيت الناس هروا فتنة عمياء توقد نارها وتسعر
وتشعبوا شعبًا فكل جزيرٍة فيها أمير المؤمنين ومنبر
هروا فتنة أي كرهوها، وجعل الفتنة عمياء لأنه لا يبصر فيها الحق كقولهم ليل نائم، وتشعبوا أي تفرقوا فرقًا مختلفين، يعني أيام عبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، والضحاك بن قيس الذي قتل يوم مرج راهط، وذلك لما مات يزيد بن معاوية تفرقت الفرق وتقاتلت. المعنى: يقول: لما رأيت الناس كرهوا فتنة مظلمة، تعظم وتنتشر وتفرق الناس فرقًا الناس فرقًا مختلفة، وكل جزيرة فيها أمير المؤمنين يدعو إلى نفسه، ومنبر يخطب عليه اكتفيت أنا بعبس، فحذف جواب لما، ولم يقل أمير للمؤمنين لأنه حكي ما يستعمل في الكلام كأنه قال: فيها رجل يقول: أنا أمير المؤمنين.
стр. 245
ولتعلمن ذبيان إن هي أدبرت أنا لنا الشيخ الأغر الأكبر
ولنا قناٌة من ردينة صدقةٌ زوراء حاملها كذلك أزور
أدبرت: يعني عن الحق، وعنى بالشيخ الأغر الأكبر زهير بن جذيمة أو قيس ابن زهير، وقيل: أنه أراد نفسه وهذا غير صحيح، ويروى "الأعز"، ولنا قناة ضربة مثلًا للشدة والمنعة، وردينة امرأة السمهري، وزوراء معوجة لا يقدر على تقويمها. المعنى: يفتخر برئيسهم، ويظهر استغناءه بقومه من بني ذبيان، ويصف منعة قومه وتعززهم.
(١٥٦)
وقال عروة بن الورد العبسي، الورد: الفرس يضرب إلى الحمرة، وجمعه ورد، ويسمى هذا عروة الصعاليك.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
قلت لقوٍم في الكنيف تروحوا عشية بتنا عند مأوان رزح
تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم إلى مستراٍح من حماٍم مبرح
تروحوا: اخرجوا رواحًا، قال ابن الأعرابي: مأوان واد فيه ماء بين النقرة والربذة، فغلب عليه الماء فسمي مأوان لقوم رزح في الكنيف تروحوا. المعنى: قلت لقوم معينين عشية بتنا عند مأوان، أخرجوا رواحًا لتبلغوا الغنى أو تستريحوا بالموت.
ومن يك مثلي ذا عياٍل ومقترًا من المال يطرح نفسه كل مطرٍح
ليبلغ عذرًا أو يصيب رغيبًة ومبلغ نفٍس عذرها مثل منجح
стр. 246
رغيبة: أي ما يرغب فيه وجمعها رغائب. المعنى: يعتذر لنفسه في الإبعاد بطلب الرزق لبلوغ عذر كي لا ينسب إلى العجز والتواني فإما أن يصيب مالًا وإما أن يعذر والموت والنجح سيان.
(١٥٧)
وقال أيضًا، والأصح أنها لأبي الأبيض العبسي:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
ألا ليت شعري هل يقولن فوارس وقد حان منهم يوم ذاك قفول
تركنا ولم يجنن من الطير لحمه أبا الأبيض العبسي وهو قتيل
يعني تركنا أبا الأبيض وهو غير مجنون لحمه أي مستور لحمه. المعنى: يتمنى قيل الفوارس: تركناه مقتولًا مبذولًا لحمه للطير، يخبر أنه صاحب أقدام في الحروب وجرأة، فلا يبالي حتى يصير هكذا، ويروى "ولم نجنن" بالنون.
وذي أمل يرجو تراثي وإن ما يصير له مني غدًا لقليل
ومالي ماٌل غير درٍع ومغفٍر وأبيض من ماء الحديد صقيل
وأسمر خطي القناة مثقٌف وأجرد عريان السراة طويل
أقيه بنفسي في الحروب وأتقي بهاديه إني للخليل وصول
وأبيض: يريد السيف، وأقيه بنفسي: يعني فرسه، والسراة الظهر.
المعنى: يصف قلة ماله وإن وارثه لا يرث من تركته شيئًا إلا درعًا ورمحًا وفرسًا طويلًا، يحفظه في الحروب، ويتقي به من العدو.
стр. 247
(١٥٨)
وقال قيس بن زهير، جاهلي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
لعمرك ما أضاع بنو زياٍد ذمار أبيهم فيمن بضيع
بنو جنيٍة ولدت سيوفًا صوارم كلها ذكٌر صنيع
شرى ودي وشكري من بعيٍد لآخر غالٍب أبدًا ربيع
وهذه الأبيات قالها قيس بن زهير يشكر الربيع بن زياد الكامل قيامه ونصرته في حروب داحس والغبراء ويمدحه، وذلك أن الربيع قد كان ساوم قيسًا على درع له والربيع راكب وقيس راجل، فلما وضعها على قربوصية ركض فرسه فمضى بها، فلما انتجعوا أخذ قيس بن زهير زمام ناقة أمه فاطمة بن الخرشب الأنمارية يريد أن يرتهنها بدرعه، فقالت: أين ضل حلمك يا قيس؟ ترجو الصلاح فيما بينك وبين زياد وقد ذهبت بأمهم يمنة ويسرة، وقال الناس ما شاءوا، وحسبك من شر سماعه، فذهب مثلًا، فعلم قيس أنها صدقت فأرسلها وأغار على إبل الربيع فاستاقها، وكان هذا بينهما. فلما قتل حذيفة بن بدر مالك بن زهير ظن قيس أن الربيع لا يقوم معه، يطلب ثأر أخيه لما بينهما من الشحناء، فلما قام معه قال قيس: "شري ودي وشكري من بعيد" أي كان ما بيني وبينه بعيدًا، فألقى العداوة وراء ظهره، ونصرني للرحم والقرابة، وقوله: لآخر غالب يعني لآخر ما بقي من بني غالب، وغالب عبس والذمار: الحفاظ، وبنو جنية: أي هم في الشهامة كأنهم ولد الجن، ويروى "بنو حنية" بالحاء، والحن قبيلة من الجن، وبنو حن حي من
стр. 248
قضاعة، وهو حن بن دراح من أخواله قصي بن كلاب. المعنى: يمدح بني زياد ويشكر الربيع ويصفهم برعاية الحرم وشبههم بالسيوف الماضية.
(١٥٩)
وقال هدبة بن الخشرم العذري، إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
إني من قضاعة من يكدها أكده وهي مني في أمان
ولست بشاعر السفساف فيهم ولكن مدره الحرب العوان
سأهجو من هجاهم من سواهم وأعرض منهم عمن هجاني
السفساف: الردئ من الشعر، مدره الحرب: المدافع عن أصحابه فيها.
المعنى: يصف مساعدته ويتمدح بالدفع عن أصحابه وأنه لا يجازي قومه بالإساءة إليهم، ويجازي غيرهم على ما يكون منه من الإساءة.
(١٦٠)
وقال عمرو بن كلثوم، جاهلي، كلثوم فعلول من الكلثمة، وهي غلظ الوجه.
стр. 249
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
معاذ الإله أن تنوح نساؤنا على هالٍك أو أن نضج من القتل
وإنما قال هذا لأن الجزع عند العرب عار. المعنى: يصف جلادتهم وصبرهم حتى لا يجزع من القتل ولا ينوح نساؤهم.
قراع السيوف بالسيوف أحلنا بأرٍض براٍح ذي أراٍك وذي أثل
المعنى: يقول: مضاربتنا بالسيوف آمنتنا الأعداء، فلا نتحصن خوفًا منها، ولكننا ننزل الفضاء ولا نخاف أحدًا، وقيل: معناه محاربتنا بني أبينا أجلتنا عن أوطاننا فأحلتنا بدار الغربة.
فما أبقت الأيام ملمال عندنا سوى جذم أذواٍد محذفة النسل
ملمال: أراد من المال، الجذم: الأصل، ومعنى محذفة النسل: مقطوعة الأولاد.
ثلاثة أثلاٍث فأثمان خيلنا وأقواتنا وما نسوق إلى العقل
ويروى "إلى القتل" ثلاثة أثلاث أي أموالنا ثلاثة أثلاث ما نسوق إلى القتل لأجل القتل، أي ما نعطي في الديات ونتحمل من المغارم، وثلثه ثمن الخيل، وثلثه للقوت والضيافة.
(١٦١)
وقال المثلم بن عمرو التنوخي، المثلم، المكسر، تنوخ فعول من تنخ بالمكان- بالتشديد والتخفيف- إذا أقام به.
стр. 250
(الأول من المنسرح والقافية من المتراكب)
إني إبى الله أن أموت وفي صدري هم كأنه الجبل
يمنعني لذة الشراب وإن كان قطابًا كأنه العسل
حتى أرى فارس الصموت على أكساء خيل كأنها الإبل
وإن كان قطابًا: أي ممزوجًا من الشراب، وشبهه بالعسل في حلاوته، فارس الصموت يعني نفسه، والصموت: اسم فرسه، والأكساء: الأدبار واحدها كسي. المعنى: إني لا أموت وفي صدري هم عظيم كأنه جبل لا أجد معه لذة الشراب، وإن كان طيبًا كالعسل حتى أراني في أدبار خيل هزمتها، اطردها أطراد الإبل.
لا تحسبني محجلًا سبط السـ اقين أبكي أن يظلع الجمل
إني امرٌؤ من تنوخ ناصره محتمٌل في الحروب ما احتملوا
محجلًا له معنيان أحدهما الذي يحجل أي يسكن الحجلة كالمرأة المخدرة، والثاني محجلًا أي مخلخلًا عليه خلخال هو الحجل- بالكسر- سبط الساقين: ممتد الساقين. المعنى: يصف قوته وجلادته وقيامه بأمر الحرب كما تقوم به تنوخ يقول: لا تظنني كامرأة مخدرة ممتدة الساقين تعجز عن المشي، ثم بين أن ناصره من تنوخ، وأنه يقوم بأمر الحرب قيامهم: فضمن البيت مدحه ومدح قبيلته.
(١٦٢)
وقال عبد الله بن سيرة الحرشي، ويروي الجرشي بالجيم، السبرة: الغداة الباردة، والجرشي منسوب إلى جريش موضع باليمن، إسلامي:
следующие страницы →